Indexed OCR Text
Pages 141-160
الآية : ٦٨ ١٤١ سُوالا مرئيًا وكون الضمير للكفرة القائلين هو الظاهر نظراً إلى السياق، وإليه ذهب ابنُ عطية(١) وجماعة. ولا ينافي ذلك إرادة الواحد من الإنسان، كما لا يخفى. واستظهر أبو حيان(٢) أنَّه للناس كلِّهم؛ مؤمنهم وكافرهم. ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ معطوفٌ على الضمير المنصوب، أو مفعول معه. رُوي أنَّ الكفرةَ يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين كانوا يغوونهم؛ كلٌّ منهم مع شيطانه في سلسلة، ووجه ذلك على تقدير عود الضمير للناس أنَّهم لما حُشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حُشِروا معهم جميعاً على طرز ما قيل في نسبة القول إلى الجنس. وقيل: يحشرُ كلُّ واحدٍ من الناس مؤمنهم وكافرهم مع قرينه من الشياطين، ولا يختصُّ الكافر بذلك. وقد يُستأنس له بما في الصحيحين عن ابن مسعود لحظاته مرفوعاً: ((ما منكم من أحدٍ إلَّا وُكِّل به قرينه من الجِنِّ)). قالوا: وإيَّك يا رسول الله. قال: ((وإيَّيّ، إلا أنَّ الله تعالى أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلَّا بخير))(٣). ﴿ِثُمَّ لَنُحْضِرَّهُمْ حَوَلَ جَهَنَّمَ جِيًّا (®﴾ باركين على الرُّكَب، وأصله: جُثُوْوٌ بواوين، فاستثقل اجتماعُهما بعد ضمَّتين، فكسرت الثاء للتخفيف، فانقلبت الواو الأولى ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، فاجتمعت واو وياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، فأدغمت الياء في الياء، وكسرت الجيم إتباعاً لما بعدها. وقرأ غير واحدٍ من السبعة بضمِّها(٤)، وهو جمعُ: جاثٍ، في القراءتين، وجَوَّزَ الراغب(٥) كونَه مصدراً، نظير ما قيل في بكى. وقد مرَّ. ولعلَّ إحضارَ الكفرة بهذه الحال إهانةٌ لهم، أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم (١) المحرر الوجيز ٢٦/٤. (٢) البحر المحيط ٢٠٨/٦. (٣) أخرجه مسلم (٣٦٤٨)، وليس في صحيح البخاري، وصرح ابن كثير في تفسيره ٤٣٩/٤ بأنه من أفراد مسلم. (٤) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو. التيسير ص١٤٨. وقرأ بها أيضاً من العشرة أبو جعفر ويعقوب وخلف. النشر ٣١٧/٢. (٥) المفردات (جثى). سُؤالا مرآتيًا ١٤٢ الآية : ٦٩ من الشِّدَّة. وقال بعضهم: إنَّ المحاسبةَ تكون حولَ جهنم، فيجثون لمخاصمة بعضهم بعضاً، ثم يتبرَّأ بعضُهم من بعض. وقال السُّدِّيّ: يجثون لضيق المكان بهم، فالحال على القولين مقدَّرةٌ بخلافه على ما تقدَّم. وقيل: إنَّها عليه مقدرة أيضاً؛ لأنَّ المراد الجثيُّ حول جهنم. ومن جعل الضمير للكفرة وغيرهم قال: إنَّه يحضرُ السعداء والأشقياء حول جهنَّم؛ ليرى السعداء ما نجَّاهم الله تعالى منه، فيزدادوا غبطةً وسروراً، وينال الأشقياء ما ادَّخروا لمعادهم، ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم بهم، ويجثون كلَّهم ثَمَّ؛ لمَا يدهمهم من هول المطلع، أو لضيق المكان، أو لأنَّ ذلك من توابع التواقُّف للحساب والتقاول قبل الوصول إلى الثواب والعقاب. وقيل: إنَّهم يجئون على ركبهم إظهاراً للذلِّ في ذلك الموقف(١) العظيم، ويدلُ على جئيٌّ جميع أهل الموقف ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَِّ جَائِيَةٌ﴾ [الجاثية: ٢٨]. لكن سيأتي قريباً إنْ شاء الله تعالى ما هو ظاهرٌ في عدم جئيٌّ الجميع من الأخبار، والله تعالى أعلم. والحال قيل: مقدرة، وقيل: غير مقدرة، إلّا أنَّه أسند ما للبعض إلى الكلّ، وجعلُها مقدَّرةً بالنسبة إلى السعداء، وغيرَ مقدَّرةٍ بالنسبة إلى الأشقياء لا يصح. وعن ابن عباس ﴿ها أنَّه فسَّر ((جئيًّا)) بجماعات، على أنَّه جمع: جثْوَة، وهو المجموعُ من التراب والحجارة، أي: لنحضرنَّهم جماعاتٍ. ﴿ثُمَّ لَنَفْزِعَبَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: جماعةٍ تشايعت وتعاونت على الباطل، أو: شاعت وتبعت الباطلَ، على ما يقتضيه كونُ الآية في الكفرة، أو جماعةٍ شاعت ديناً مطلقاً، وعلى ما يقتضيه كونها في المؤمنين وغيرهم ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيًاً ٦٩ أي: نُبُوًّا عن الطاعة وعصياناً. وعن ابن عباس: جراءةً. وعن مجاهد: كفراً. وقيل: افتراءً، بلغة تميم. والجمهور على التفسير الأول. (١) في (م): الموطن. الآية : ٧٠ ١٤٣ سؤالآ مُرَنِهَا وهو على سائر التفاسير مصدرٌ، وفيه القراءتان السابقتان في ((جئيًّا))(١). وزعم بعضهم أنَّه فيهما جمع: جاثٍ عات(٢)، وهو خلاف الظاهر هنا. والنزعُ: الإخراج، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ [الأعراف: ١٠٨] والمراد استمرار ذلك، أي: إنّا نخرج ونفرز من كلِّ جماعةٍ من جماعات الكفر أعصاهم فأعصاهم إلى أن يحاط بهم، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب، نُقدِّم أَوْلَاهم بالعذاب فأولاهم، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِلَّذِيْنَ هُمْ أَوْلَى ◌ِهَا صِليًّا، ﴾ فالمراد بالذين هم أولى المُنْتَزَعون باعتبار الترتيب، وقد يراد بهم أولئك باعتبار المجموع، فكأنه قيل: ثمَّ لنحن أعلم بتصلية هؤلاء، وهم أولى بالصليِّ من بين سائر الصَّالين، ودركاتُهم أسفل، وعذابهم أشدّ، ففي الكلام إقامةُ المظهَر مقام المضمر. وفَسَّر بعضُهم النزع بالرمي، من نزعت السهم عن القوس، أي: رميتُه، فالمعنى: لنرمينَّ فيها الأعصى فالأعصى من كلِّ طائفة من تلك الطوائف، ثمَّ لنحن أعلم بتصليتهم. وحملُ الآية على البدء بالأشدِّ فالأشدّ مرويٌّ عن ابن مسعود ◌َظُه. وجُوِّزَ أنْ يراد بأشدِّهم عتيًّا رؤساء الشيع وأئمتهم؛ لتضاعفِ جُرمهم بكونهم ضُلَالاً مضلِّين، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، ﴿وَلَيَحْيِلَُ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَاِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وأخرج ذلك ابنُ أبي حاتم عن قتادة(٣). وعليه: لا يجبُ الاستمرار والإحاطة. وأُوردَ على القول بالعموم أنَّ قوله تعالى: ((أشدُّ .. عتيًّا)) يقتضي اشتراكَ الكلِّ في العتيّ، بل في أشديَّته، وهو لا يناسب المؤمنين. (١) قرأ حمزة والكسائي وحفص: بكسر العين، وباقي العشرة بضمها. انظر التيسير ص١٤٨، والنشر ٣١٧/٢. (٢) في الأصل: جمع عات، وفي (م): جمع حاث. والمثبت من نسخة نعمان الألوسي. وانظر المفردات (جثا) و(عتا). (٣) الدر المنثور ٤/ ٢٨٠. سؤالا مرآتيًا ١٤٤ الآية : ٧٠ وأجيب عنه بأنَّ ذلك من نسبة ما للبعض إلى الكلّ، والتفضيلُ على طائفة لا يقتضي مشاركةَ كلِّ فردٍ فردٍ، فإذا قلت: هو أشجعُ العرب، لا يلزمه وجودٌ الشجاعة في جميع أفرادهم، وعلى هذا يكون في الآية إيماءً إلى التجاوز عن كثير، حيث خصَّ العذاب بالأشدِّ معصيةً. و ((أيهم)) مفعول ((ننزعنَّ) وهو اسمٌّ موصول بمعنى (الذي))، مبنيٌّ على الضمِّ، محلُّه النصب، و((أشدُّ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أشدّ، والجملة صلة، والعائد المبتدأ، و((على الرحمن)) متعلّق بـ ((أشدّ))، ((وعتيًّا)) تمييزٌ محوّل عن المبتدأ، ومن زعم أنَّه جمعٌ جعله حالاً. وجُوِّزَ في الجارِّ أنْ يكون للبيان، فهو متعلِّقٌ بمحذوف كما في: سقيًا لك، ويجوزُ تعلُّقه بـ ((عنيًّا))، أمّا إن كان وصفاً فبالاتفاق، وأمَّا إذا كان مصدراً فعند القائل بجواز تقدُّم معمول المصدر، لاسيّما إذا كان ظرفاً. وكذا الكلام في ((بها)) من قوله تعالى: ((هم أولى بها صليًّا)). فإنَّه جُوِّز أن يكون الجارّ للبيان، وأن يكون متعلّقاً بـ ((أولَى))، وأن يكون متعلِّقاً بـ ((صليًّا)). وقد قُرئ بالضمِّ والكسر(١)، وجوِّز فيه المصدريَّة والوصفيَّة، وهو على الوصفيَّة حالٌ، وعلى المصدريَّة تمييزٌ على طرز ما قيل في: ((عتيًّا)) إلَّا أنَّه جُوِّز فيه أنْ يكون تمييزاً عن النسبة بين ((أولى)) والمجرور، وقد أشير إلى ذلك فيما مرَّ. والصليُّ من صَلِيَ النار - كرضي - وبها: قاسى حرَّها، وقال الراغب(٢): يقال: صلي بالنار وبكذا، أي: بلي به. وعن الكلبيِّ أنه فسَّر الصليَّ بالدخول. وعن ابن جريج أنَّه فَسَّرَه بالخلود. وليس كلٌّ من المعنیین بحقيقيّ له كما لا يخفى. ثُمَّ ما ذكر من بناء ((أيّ) هنا هو مذهبُ سيبويه(٣)، وكان حقُّها أن تبنى في كلِّ موضع، كسائر الموصولات؛ لشبهها الحرفَ بافتقارها لما بعدها من الصلة، لكنَّها لما لزمت الإضافة إلى المفرد لفظاً أو تقديراً، وهي من خواصِ الأسماء بعد الشبه، (١) قرأ حفص وحمزة والكسائي بكسر الصاد، والباقون بضمها. انظر التيسير ص١٤٨، والنشر ٣١٧/٢. (٢) المفردات (صلا). (٣) الكتاب ٣٩٨/٢. الآية : ٧٠ ١٤٥ فرجعتْ إلى الأصل في الأسماء وهو الإعراب، ولأنَّها إذا أضيفتْ إلى نكرةٍ كانت بمعنى ((كل))، وإذا أضيفت إلى معرفة كانت بمعنى ((بعض))، فحملت في الإعراب على ما هي بمعناه. وعادت هنا عندَه إلى ما هو حقُّ الموصول وهو البناء؛ لأنَّه لما حذف صدرُ صلتها ازداد نقصُها المعنويُّ، وهو الإبهام والافتقار للصلة، بنقص الصلة التي هي كجزئها، فقويت مشابهتُها للحرف. ولم يرتضٍ كثيرٌ من العلماء ما ذهب إليه. قال أبو عمرو الجرميّ: خرجتُ من البصرة، فلم أسمع منذ فارقتُ الخندق إلى مَّة أحداً يقول: لأضربنَّ أيُّهم قائمٌ. بالضم. وقال أبو جعفر النحاس: ما علمت أحداً من النحويين إلَّا وقد خطًأ سيبويه في هذه المسألة. وقال الزجَّاج: ما تبين [لي] أنَّ سيبويه غلط في ((كتابه)) إلَّا في موضعين، هذا أحدهما، فإنَّه يقول بإعراب ((أي)) إذا أفردت عن الإضافة، فكيف بینیها إذا أضيفت(١)؟ وقد تكلّف شيخنا علاء الدين - أعلا الله تعالى مقامه في عليين - للذبِّ عن سيبويه في ذلك بما لا يفي بمؤنَة نقله، وقد ذكرنا بعضاً منه في حواشينا على ((شرح القطر)) للمصنّف. نعم يؤيِّد ما ذهبَ إليه سيبويه من المفعوليَّة قراءةُ طلحة بن مصرِّف ومعاذ بن مسلم الهرّاء أستاذ الفراء وزائدة عن الأعمش: ((أيَّهم)) بالنصب(٢)، لكنها تَرُدُّ ما نُقل عنه من تَحتُّم البناء إذا أضيفت وحُذف صدر صلتها، وينبغي إذا كان واقفاً على هذه القراءة أن يقول بجواز الأمرين فيها حينئذ. وقال الخليل: مفعول ((ننزعنّ)) موصولٌ محذوف، و((أي)) هنا استفهامية مبتدأ، و((أشدُّ) خبره، والجملة محكيَّة بقولٍ وقعَ صلة للموصول المحذوف، أي: لننزعنَّ الذين يقال فيهم: أيُّهم أشدّ (٣). وتُعقّب بأنَّه لا معنى لجعل ((النزع)) لمن يسأل عنه بهذا الاستفهام. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٤/٣. وكلام الزجاج فيه. وما بين حاصرتين منه. (٢) البحر المحيط ٢٠٩/٦، وهي في القراءات الشاذة ص٨٦ عن معاذ بن مسلم وطلحة فقط. (٣) انظر الكتاب ٣٩٩/٢. سُوالل قرآنًا ١٤٦ الآية : ٧٠ وأجيب بأنَّ ذلك مجازٌ عن تقارب أحوالهم وتشابهها في العتوّ، حتى يستحقّ أن يُسأل عنها، أو المراد: الذين يجابُ بهم عن هذا السؤال، وحاصله: لننزعنَّ الأشدَّ عتيًّا، وهو مع تكلَّفه فيه حذفُ الموصول مع بعض الصلة، وهو تكلُّفٌ على تكلُّفٍ، ومثله لا ينقاس. نعم مثله في الحذف على ما قيل قول الشاعر: ولقد أبيتُ من الفتاة بمنزلٍ فأبيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ(١) وذهب الكسائيُّ والفرَّاء(٢) إلى ما قاله الخليل، إلَّا أنَّهما جعلا الجملةَ في محلِّ نصب بـ ((ننزعنّ))، والمراد: لننزعنَّ من يقعُ في جواب هذا السؤال، والفعلُ معلَّقٌ بالاستفهام؛ وساغَ تعليقُه عندهما؛ لأنَّ المعنى: لننادينَّ، وهما يريان تعليق النداء، وإنْ لم يكن من أفعال القلوب، وإلى ذلك ذهبَ المهدويّ. وقيل: لمَّا كان النزع متضمِّناً معنى الإفراز والتمييز، وهو مما يلزمهُ العَلَم، عُوملَ معاملةَ العلم، فساغَ تعليقه. ويونُس لا يرَى التعليق مختصًّا بصنفٍ من الأفعال، بل سائر أصنافها سواءٌ في صحَّة التعليق عنده. وقيل: الجملة الاستفهامية استئنافيةٌ، والفعل واقعٌ على ((كل شيعة)) على زيادة (من)) في الإثبات، كما يراه الأخفش، أو على معنى: لننزعنَّ بعضَ كلِّ شيعة. بجعل ((من)) مفعولاً لتأويلها باسم، ثمَّ إذا كان الاستئناف بيانيًّا واقعاً في جواب: من المنزوعون؟ احتيجَ إلى التأويل، كأن يقال: المراد الذين يقعون في جواب ((أيهم أشدُّ»، أو نحو ذلك. وإذا كانت ((أي)) على تقدير الاستئناف ووقوعِ الفعل - على ما ذكر - موصولةً، لم يحتج إلى التأويل، إلَّا أنَّ في القول بالاستئناف عدولاً عن الظاهر من كون الكلام جملةً واحدةً إلى خلاف الظاهر من كونه جملتين. ونقل بعضهم عن المبرِّد أنَّ (أيهم)) فاعل ((شيعة))؛ لأنَّ معناه: يشيع، والتقدير: لننزعنَّ من كلِّ فريقٍ يشيعُ أيُّهم هو أشدّ، و((أي)) على هذا - على ما قال أبو البقاء(٣) ونُقِل عن الرضيّ - بمعنى ((الذي)). (١) هو للأخطل، وهو في ديوانه ص٨٤. (٢) معاني القرآن ٤٧/١، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ﴾ [البقرة: ٦٩]. (٣) في الإملاء ١١٦/٢ . الآية : ٧١ ١٤٧ وفي ((البحر)): قال المبرِّد: ((أيُّهم)) متعلّقٌ بـ ((شيعة)) فلذلك ارتفع، والمعنى: من الذين تشايعوا أيُّهم أشدُّ، كأنهم يتبادرون إلى هذا، ويلزمه أن يقدِّرَ مفعولاً لـ (لننزعنَّ» محذوفاً، وقُدِّر أيضاً في هذا المذهب: من الذين تشايعوا أيُّهم أشدُّ، على معنى: من الذين تعاونوا فنظروا أيُّهم أشدُّ. قال النحاس: وهذا قول حسن(١). انتهى. وهو خلاف ما نُقل أولاً، ولعمري إنَّ ما نُسب إلى المبرِّد أوَّلًا وأخيراً أبردُ من يَخْ(٢). وقيل: إنَّ الجملة استفهامية وقعت صفةً لـ ((شيعة)) على معنى: لننزعنَّ من كلِّ شيعةٍ مقولٍ فيهم أيُّهم أشدُّ، أي: من كلِّ شيعةٍ متقاربي الأحوال، و((من)) مزيدة و((النزع)) الرمي. وحكى أبو بكر بن شقير أنَّ بعضَ الكوفيين يقول: في ((أيهم)) معنى الشرط، تقول: ضربتُ القوم أيَّهم غضب، والمعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. قال أبو حيان: فعلى هذا يكونُ التقدير هنا: إن اشتدَّ عتوُّهم أو لم يشتدّ(٣). انتهى. وهو كما ترى. والوجه الذي ينساق إليه الذهن ويساعدُه اللفظ والمعنى هو ما ذهبَ إليه سيبويه، ومدارُ ما ذهب إليه في أيٍّ من الإعراب والبناء هو السماع في الحقيقة، وتعليلاتُ النحويين - على ما فيها - إنَّما هي بعد الوقوع، وعدم سماع غيره لا يقدحُ في سماعه. فتدبر. ﴿وَإِن مِّنْكُمْ﴾ التفاتُ إلى خطاب الإنسان، سواءٌ أريد منه العموم أو خصوص الكَفَرة؛ لإظهار مزيد الاعتناء بمضمون الكلام. وقيل: هو خطابٌ للناس، وابتداءُ كلام منه عزَّ وجلَّ بعد ما أتمَّ الغرضَ من الأول، فلا التفات أصلاً. ولعلَّه الأسبقُ إلى الذهن، لكن قيل: يؤيِّدُ الأول قراءةُ (١) البحر ٢٠٨/٦، وكلام النحاس في إعراب القرآن له ٢٥/٣. (٢) كلمة فارسية معناها ثلج أو جليد. المعجم الذهبي ص٦١٨ . (٣) البحر ١٠٩/٦. سُوالا مريسرا ١٤٨ الآية : ٧١ ابن عباس وعكرمة وجماعة: ((وإن منهم))(١) أي: وما منكم أحدٌ ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ أي: داخلها، كما ذهب إلى ذلك جمعٌ كثير من السلف المفسِّرين وأهل السنة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقوله تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِّ وَيِفْسَ اٌلْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]. واحتجَّ ابنُ عباس بما ذُكر على ابن الأزرق حين أنكرَ عليه تفسير الورود بالدخول، وهو جارٍ على تقدير عموم الخطاب أيضاً، فيدخلها المؤمنُ إلَّا أنَّها لا تضرُّه على ما قيل؛ فقد أخرج أحمدُ والحكيم الترمذيّ وابنُ المنذر والحاكم وصححه وجماعةٌ عن أبي سميَّة قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضُنا: لا يدخلها مؤمن، وقال آخر: يدخلونَها جميعاً، ثمَّ ينجِّي الله تعالى الذين اتَّقوا، فلقيتُ جابر بن عبد الله ◌َّهِ فذكرت له فقال - وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه -: صُمَّتًا إنْ لم أكن سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقول: ((لا يبقى برٌّ ولا فاجرٌ إلَّ دخلَها، فتكونُ على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم عليه السلام، حتى إنَّ للنَّارِ ضجيجاً من بردهم، ثمَّ ينجِّي الله تعالى الذين اتَّقوا))(٢). وقد ذكر الإمامُ الرازيُّ لهذا الدخول عدَّة فوائد في ((تفسيره)) فليراجع(٣). وأخرج عبدُ بن حميد وابن الأنباريّ والبيهقيُّ عن الحسن: الورودُ: المرورُ عليها من غير دخول (٤). وروي ذلك أيضاً عن قتادة، وذلك بالمرور على الصراط الموضوع على مَتْنِها، على ما رواه جماعةٌ عن ابن مسعود ﴿ه، ويمرُّ المؤمن ولا يشعرُ بها؛ بناءً على ما أخرج ابن أبي شيبة وعبدُ بن حميد والحكيم وغيرهم عن خالد بن معدان قال: إذا دخلَ أهلُ الجنَّة الجنَّة قالوا: ربَّنا ألم تعدنا أنْ نرِد النار؟ قال: بلى، ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة(٥). (١) القراءات الشاذة ص٨٦، والبحر المحيط ٢١٠/٦. (٢) مسند أحمد (١٤٥٢٠)، ونوادر الأصول ص٢٥، ومستدرك الحاكم ٥٨٧/٤. ووقع عند الحاكم: عن عبد الرحمن بن شيبة. بدل: أبي سمية. وانظر الكافي الشاف ص١٠٧ . (٣) تفسير الرازي ٢٤٤/٢١ . (٤) الدر المنثور ٤/ ٢٨١. (٥) الدر المنثور ٢٨١/٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٥٦١/١٣، ونوادر الأصول ص ٢٥. الآية : ٧١ ١٤٩ سُوَلاَ مَرَمَ ولا ينافي هذا ما أخرجهُ الترمذيُّ(١) والطبرانيُّ وغيرهما عن يعلى بن أمية عن النبيِّ وَّه أنه قال: ((تقولُ النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْيا مؤمن، فقد أطفأ نورُك لهبي))، لجوازٍ أن لا يكون متذكِّراً هذا القولَ عند السؤال، أو لم يكن سمعَه لاشتغاله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال في الآية: ورودُ المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها(٢). ولا بدَّ على هذا من ارتكاب عموم المجاز عند من لا يرى جواز استعمال اللفظ في معنيين. وعن مجاهد أنَّ ورودَ المؤمن النار هو مسُّ الحمَّى جسده في الدنيا، لما صحَّ من قوله وَله: ((الحمَّى من فيح جهنم))(٣). ولا يخفى خفاء الاستدلال به على المطلوب. واستدلَّ بعضُهم على ذلك بما أخرجه ابنُ جرير عن أبي هريرة قال: خرج رسولُ الله ◌َي﴾ يعودُ رجلاً من أصحابه وَعِكاً وأنا معه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الله تعالى يقول: هي ناري أُسَلِّطُها على عبدي المؤمن؛ لتكونَ حَظّه من النار في الآخرة))(٤). وفيه خفاء أيضاً. والحقُّ أنَّه لا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم في الدنيا النارَ في الآخرة، وقصارى ما يدلُّ عليه أنَّه يُحفظ من ألم النار يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أنَّ الورودَ الحضور والقرب(٥)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]. (١) هو الحكيم الترمذي كما صرح بذلك السيوطي في الدر المنثور ٢٨٢/٤، والحديث في نوادر الأصول ص٢٥، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٩٠، والطبراني في الكبير ٢٢/ (٦٦٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٦٠/١٠: وفيه سليم بن منصور بن عمار، وهو ضعيف. (٢) الدر المنثور ٢٨١/٤. (٣) أخرجه البخاري (٣٢٦٣)، ومسلم (٢٢١٠) من حديث عائشة ـ ٠ (٤) تفسير الطبري ٥٩٧/١٥. وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٠٨٨)، وابن ماجه (٣٤٧٠)، وأحمد (٩٦٧٦). (٥) الدر المنثور ٤/ ٢٨١. سُؤَدَةُ مَرَيْسَ ١٥٠ الآية : ٧١ واختار بعضُهم أنَّ المرادَ حضورهم جائين حواليها، واستدلَّ عليه بما ستعلمُه إن شاء الله تعالى. ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] لأنَّ المراد: مبعدون عن عذابها . وقيل: المراد إبعادُهم عنها بعد أن يكونوا قريباً منها . ﴿كَانَ﴾ أي: ورودهم إِيَّاها ﴿عَلَى رَيْكَ حَتْمًا﴾ أمراً واجباً، كما روي عن ابن عباس. والمراد بمنزلة الواجب في تحتُّم الوقوع، إذ لا يجبُ على الله تعالى شيءٌ ﴾ قضى بوقوعه البتة. مقَضِيًّا عند أهل السنة. وأخرج الخطيب عن عكرمة أنَّ معنى ((كان حتماً مقضيًّا)): كان قسماً واجباً (١). وروي ذلك أيضاً عن ابن مسعود والحسن وقتادة. قيل: والمراد منه إنشاء القسم. وقيل: قد يقال: إنَّ ((على ربك)) المقصود منه اليمين، كما تقول: لله تعالى عليَّ كذا، إذ لا معنى له إلَّا تأكُّد اللزوم، والقَسَم لا يذكر إلَّا لمثله، و((على)) ورد في كلامهم كثيراً للقَسَم، كقوله: عليَّ إذا ما جئتُ ليلى أزورُها زيارة بيت الله رَجلانَ حافيا(٢) فإنَّ صيغةَ النذر قد يراد بها اليمين كما صرَّحوا به، ويجوز أن يكون المراد بهذه الجملة القَسَم، كقولهم: عزمت عليك إلَّا فعلت كذا. انتهى. ويُعلم ممَّا ذكر المراد من القَسَم فيما أخرجه البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل ◌َه: ((لا يموتُ لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار، إلَّا تحلَّة القَسَم))(٣). وقال أبو عبيدة(٤) وابن (١) الدر المنثور ٢٨٢/٤ - ٢٨٣. وعزاه لـ ((تالي التلخيص)) للخطيب البغدادي. (٢) ديوان مجنون ليلى ص٣٠٦، والشطر الأول فيه: عليَّ لئن لاقيت ليلى بخلوةٍ وهو بالرواية التي ذكرها المصنف في حاشية الخفاجي ٦/ ١٧٥. والكلام منه. (٣) صحيح البخاري (١٢٥١)، وصحيح مسلم (٢٦٣٢)، وسنن الترمذي (١٠٣٠)، وسنن النسائي (١٨٧٦)، وسنن ابن ماجه (١٦٠٣). (٤) كذا في الأصل و(م). ووقع في حاشية الخفاجي ١٧٦/٦، وتهذيب اللغة للأزهري ٤٣٨/٣ : أبو عبيد. الآية : ٧١ ١٥١ سؤالاُ مَرَس عطية(١) وتبعهما غيرُ واحد: إنَّ القسم في الخبر (٢) إشارةٌ إلى القسم في المبتدأ، أعني: ((وإن منكم إلَّ واردُها))، وصرَّح بعضُهم أنَّ الواو فيه للقسم. وتعقّب ذلك أبو حيان بأنَّه لا يذهب نحويٌّ إلى أنَّ مثل هذه الواو واو قسم؛ لأنَّه يلزمُ من ذلك حذف المجرور وإبقاءُ الجارِّ، وهو لا يجوزُ إلَّا إن وقع في شعر، أو نادر كلام، بشرط أنْ تقوم صفة المحذوفِ مقامَه، كما في قوله : واللهِ ما لَيْلِي بنامَ صاحِبُهُ (٣) وقال أيضاً: نصَّ النحويون على أنَّه لا يُستغنَى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى، إلّا إذا كان الجواب باللام أو بـ ((أن))(٤). وأين ذلك في الآية؟ وجعل ابنُ هشام تحلَّة القسم كناية عن القلَّة، وقد شاع في ذلك، ومنه قول کعب : تَخْذِي على يَسَراتٍ وهي لاحقةٌ ذوابلٌ مَسُّهِنَّ الأرضَ تحليلُ(٥) فإنَّ المعنى: مسّهنَّ الأرض قليلٌ، كما يحلف الإنسان على شيءٍ ليفعلنَّه، فيفعل منه اليسير؛ ليتحلَّل به من قسمه. ثم قال: إنَّ فيما قاله جماعةٌ من المفسِّرين من أنَّ القسمَ على الأصل، وهو إشارةٌ إلى قوله تعالى: ((وإن منكم إلا واردها)» إلخ نظراً؛ لأنَّ الجملةَ لا قسمَ فيها إلَّا إن عطفت على الجمل التي أجيب بها القسم من قوله تعالى: ((فوربِّكَ لنحشرنَّهم)) إلى آخرها، وفيه بعد (٦). انتهى. (١) المحرر الوجيز ٢٧/٤ . (٢) يريد في قوله وَلاغير: ((إلَّا تحلة القسم)). (٣) الرِجز في أمالي ابن الشجري ٤٠٥/٢، وخزانة الأدب ٣٨٨/٩ - ٣٨٩، وبعده: ولا مخالطٌ اللَّيَّان جانبه. قال عبد القادر البغدادي: والبيت مع كثرة دورانه في كتب النحو غير معلوم قائله. والله أعلم به. (٤) البحر المحيط ٢٠٩/٦. (٥) ديوان كعب بن زهير ص ٨٧. وفيه: وقعهنَّ. بدل: مسُّهنّ. وقوله: تخذي. الخذي والخذيان والوخذ: ضرب من السير. واليَسَرات: القوائم الخفاف. واللاحقة: الضامرة أي الخفيفة اللحم. وقوله: مسهن الأرض تحليل: إشارة إلى سرعة قوائمها، وذلك لأن التحليل من تحلة اليمين. شرح قصيدة بانت سعاد لابن هشام ص ٦٢ . (٦) شرح قصيدة بانت سعاد ص ٦٢ - ٦٣. سُوالا مرئيا ١٥٢ الآية : ٧٢ والخفاجيُّ جوَّز الحالية والعطف، وقال: حديث البُعد غيرُ مسموعٍ؛ لعدم تخلل الفاصل(١). وهو كما ترى. ولعلَّ الأسلم من القيل والقال جعلُ ذلك مجازاً عن القلة، وهو مجازٌ مشهور فيما ذكر، ولا يعكِّر على هذا ما أخرجه أحمد والبخاريُّ في ((تاريخه)) والطبرانيُّ وغيرهم عن معاذ بن أنس عن رسول الله وَليِ أنَّه قال: ((من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله تعالى متطوِّعاً لا يأخذُه سلطانٌ، لم ير النارَ بعينه إلَّا تحلَّة القسم، فإنَّ الله تعالى يقول: (وَإِن ◌ِّنَكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا))(٢). فإنَّ التعليلَ صحيحٌ مع إرادة القلّة من ذلك أيضاً، فكأنَّه قيل: لم ير النارَ إلَّا قليلاً؛ لأنَّ الله تعالى أخبرَ بورود كلِّ أحدٍ إِيَّاها، ولا بدَّ من وقوع ما أخبرَ به، ولولا ذلك لجاز أنْ لا يراها أصلاً. ﴿هُمَّ تُِّىِ الَّذِينَ آَتَّقَواْ﴾ بالإخراج منها، على ما ذهب إليه الجمعُ الكثير. ﴿وَّنَذَرُ النَّلِمِینَ فِهَا چِئيًا ﴾﴾ علی رُگبهم، کما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زید. وهذه الآيةُ ظاهرةٌ عندي في أنَّ المرادَ بالورود الدخول، وهو الأمرُ المشترك. وقال بعضهم: إنَّها دليلٌ على أنَّ المراد بالورود الجثوّ حواليها، وذلك لأنَّ (اننجي)، و((نذر)) تفصيلٌ للجنس، فكأنَّه قيل: نُنجي هؤلاء ونترك هؤلاء على حالهم الذي أُحضروا فيه جائين. ولا بدَّ على هذا من أن يكون التقدير في حواليها. وأنت تعلمُ أنَّ الظاهر عدمُ التقدير، والجثوّ لا يوجبُ ذلك. وخولف بين قوله تعالى: ((اتقوا)) وقوله سبحانه: ((الظالمين))؛ ليؤذن بترجيح جانب الرحمة، وأنَّ التوحيدَ هو المنجي، والإشراك هو المردي، فكأنَّه قيل: ثم ننجي من وجدَ منه تقوّى ما، وهو الاحترازُ من الشرك، ونهلك من اتَّصفَ بالظلم، أي: بالشرك، وثبت عليه. وفي إيقاع ((نذر)) مقابلاً لـ ((ننجي)) إشعارٌ بتلك اللطيفة أيضاً. (١) حاشية الخفاجي ١٧٦/٦. (٢) مسند أحمد (١٥٦١٢)، والتاريخ الكبير للبخاري ٤٤٣/٣ - ٤٤٤، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٤٠٢). الآية : ٧٢ ١٥٣ قال الراغب: يقال: فلانٌ يذرُ الشيء، أي: يقذفُه لقلَّة اعتداده به. ومن ذلك قيل لقطعة اللحم التي لا يعتدُّ بها: وَذْر (١). وجيء بـ (ثم)) للإيذان بالتفاوت بين فعل الخَلْق وهو ورودهم النار، وفعل الحقِّ سبحانه وهو النجاة والدمار زماناً ورتبةً. قاله العلّامة الطيبيّ طيّب الله تعالى ثراه. والذي تقتضيه الآثار الواردة في عصاة المؤمنين أن يقال: إنَّ التنجيةَ المذكورة ليست دفعيَّةً، بل تحصلُ أوَّلاً فأولاً، على حسب قوة التقوى وضعفها، حتى يخرجَ من النار من في قلبه وزنُ ذرَّةٍ من خير، وذلك بعد العذاب حسب معصيته، وما ظاهرهُ من الأخبار - كخبر جابر السابق - أنَّ المؤمنَ لا تضرُّه النار = مؤوَّلٌ بحمل المؤمن على المؤمن الكامل؛ لكثرة الأخبار الدالّة على أنَّ بعض المؤمنين يعذبون. ومن ذلك ما أخرجه الترمذيُّ عن جابر ◌َُّه أيضاً قال: قال رسول الله وَله: (يعذَّب ناس من أهل التوحيد في النار، حتى يكونوا حُمماً، ثم تدركُهم الرحمةُ فيُخْرَجُون، فيُظْرَحون على أبواب الجنة، فيَرُشُّ عليهم أهلُ الجنة الماء، فينبتُون كما ينبتُ الغُثاء في حميل السيل))(٢). ومن هنا حظر بعضُ العلماء أن يقال في الدعاء: اللهمَّ اغفر لجميع أمّة محمد ◌َ﴿ جميعَ ذنوبهم، أو: اللهمَّ لا تعذِّب أحداً من أمَّ محمَّدٍ وَه. هذا، وقال بعضهم: إنَّ المرادَ من التنجية - على تقدير أنَّ الخطاب خاصٌّ (١) كذا في الأصل و(م). والذي في المفردات، والقاموس مادة (وذر): ذرة. قال ابن الأثير في النهاية (وذر): الوَذْرة بالسكون: القطعة من اللحم، والوذْر بالسكون أيضاً جمعها . (٢) سنن الترمذي (٢٥٩٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٥١٩٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحیح، وقد روي من غير وجهٍ عن جابر. وقوله: ((حمماً)) بضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة، وهو الفحم، الواحدة حممة. وقوله: ((الغُثَاء)) هو في الأصل كل ما حمله السيل من عيدان وورق وبزور وغيرها، والمراد به هنا ما حمله من البزور خاصة. وقوله: ((في حميل السيل)): ما يحمله السيل من غثاء أو طين، والمراد أن الغثاء الذي يجيء به السيل يكون فيه الحبة، فيقع في جانب الوادي فتصبح من يومها نابتة. انظر تحفة الأحوذي ٣٢٤/٧ - ٣٢٥. ١٥٤ الآية : ٧٣ بالكفرة - أن يُساقَ الذين اتَّقوا إلى الجنة بعد أن كانوا على شفير النار، وجيء بـ (ثم)) لبيان التفاوت بين ورود الكافرين النَّار، وسوقِ المذكورين إلى الجنَّة، وأنَّ الأول للإهانة، والآخرَ للكرامة. وأنتَ تعلمُ أنَّ الذين يُذْهَبُ بهم إلى الجنَّة من الذين اتَّقوا من غير دخولٍ في النار أصلاً ليسوا إلَّا الخواصّ. والمعتزلة خصُّوا الذين اتَّقوا بغيرِ أصحاب الكبائر، وأدخلوهم في الظالمين، واستدلّوا بالآية على خلودهم في النار، وكانوا ظالمين. وقرأ عليٌّ كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس وابن مسعود وأبيٍّ ، والجحدريُّ ومعاويةُ بن قرَّة ويعقوب: (ثَمَّ) بفتح الثاء(١)، أي: هناك. وابن أبي ليلى: (ثَمَّهْ) بالفتح مع هاء السكت(٢)، وهو ظرف متعلِّقٌ بما بعده. وقرأ يحيى والأعمش والكسائيُّ وابنُ محيصن ويعقوب: ((نُنْجِي) بتخفيف الجيم(٣). وقرئ: ((يُنْجى) و((يُنَجَّى)) بالتشديد والتخفيف مع البناء للمفعول (٤). وقرأت فرقةٌ: ((نُجِّي)) بنونٍ واحدةٍ مضمومة وجيمٍ مشدّدة. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ((نُنَجِّي)) بحاءٍ مهملة(٥)، وهذه القراءةُ تؤيِّد بظاهرها تفسيرَ الورود بالقرب والحضور. ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآيةُ إلى آخرها حكايةٌ لما قالوا عند سماع الآيات الناعية عليهم فظاعةً حالهم ووخامةَ مآلهم، أي: وإذا تتلى على المشركين ﴿،َايَتُنَا﴾ التي من جملتها الآيات السابقة ﴿بَيْنَةٍ﴾ أي: ظاهراتِ الإعجاز، تُحدِّيَ بها فلم يُقْدَر على معارضتها. أو مُرَتَّلاتِ الألفاظ، ملخّصات المعنى، مبيَّنات المقاصد؛ إمَّا (١) البحر المحيط ٢١٠/٦، وهي في القراءات الشاذة ص٨٦ منسوبة لابن عباس والجحدري وابن أبي ليلى. (٢) القراءات الشاذة ص٨٦، والبحر المحيط ٦/ ٢١٠. (٣) البحر المحيط ٦/ ٢١٠. والقراءة عن الكسائي في التيسير ص١٤٩، وعنه وعن يعقوب في النشر ٢٥٨/٢ - ٢٥٩، ٣١٨. (٤) انظر الكشاف ٢/ ٥٢٠. (٥) المحرر الوجيز ٢٨/٤، والبحر المحيط ٢١٠/٦. الآية : ٧٣ ١٥٥ محكمات، أو متشابهات قد تبعَها البيانُ بالمحكمات، أو تبيين الرسول وَله قولاً أو فعلاً. والوجه كما في ((الكشاف))(١) أنْ يكون ((بينات)) حالاً مؤكّدةً لمضمون الجملة، وإن لم يكن عقدها من اسمين؛ لأنَّ المعنى عليه. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن: ((وإذا يُتلى)) بالياء التحتية(٢)؛ لأنَّ المرفوعَ مجازيُّ التأنيث مع وجود الفاصل. ﴿قَالَ الََّّيْنَ كَفَرُواْ﴾ أي: قالوا. ووضعَ الموصول موضع الضمير؛ للتنبيه على أنَّهم قالوا ما قالوا كافرين بما يُتلى عليهم، رادِّين له. أو: قال الذين مَرَدُوا منهم على الكفر، وأصرُّوا على العتوِّ والعناد، وهم النضر بن الحارث وأتباعه الفجرة، فإنَّ الآيةَ نزلت فيهم. واللام في قوله تعالى: ﴿لِلِّينَ ءَامَنُواْ﴾ للتبليغ، كما في: قلت له كذا، إذا خاطبته به، وقيل: لام الأجل، أي: قالوا لأجلهم وفي حقهم. ورُجِّح الأول بأنَّ قولَهم ليس في حقِّ المؤمنين فقط، كما ينطق به قوله تعالى: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي: المؤمنين والكافرين، كأنهم قالوا: أيُّنا ﴿خَيرٌ﴾ نحن أو أنتم ﴿مَّقَامًا﴾ أي: مكاناً ومنزلاً. وأصله موضعُ القيام، ثُمَّ استُعملَ لمطلق المكان. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد والجعفيّ وأبو حاتم عن أبي عمرو: (مُقَاماً)) بضمِّ الميم(٣)، وأصلُه موضع الإقامة، والمراد به أيضاً المنزل والمكان، فتتوافق القراءتان. وجَوَّز في ((البحر)) احتمالَ المفتوح والمضموم للمصدرية، على أنَّ الأصلَ مصدرُ قَام يَقوم، والثاني مصدر أَقام يُقيم، ورأيتُ في بعض المجموعات كلاماً يُنسب لأبي السعود عليه الرحمة في الفرق بين المقام بالفتح والمقام بالضم، وقد سألَه بعضهم عن ذلك بقوله: نبتغي فرق المَقَام والمُقَام يا وحيدَ الدهر يا شيخَ الأنام (١) ٥٢١/٢. (٢) البحر المحيط ٦/ ٢١٠. (٣) البحر المحيط ٢١٠/٦، وقراءة ابن كثير في التيسير ص١٤٩، والنشر ٣١٨/٢ - ٣١٩. وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه كقراءة الجمهور. سُاَلُ فَرَنِسَ ١٥٦ الآية : ٧٣ وهو أنَّ الأولَ - يعني المفتوح الميم - موضعُ قيام الشيء، أعمُّ من أنْ يكون قيامُه فيه بنفسه، أو بإقامة غيره، ومن أنْ يكون ذلك بطريق المكث فيه، أو بدونه. والثاني: موضعُ إقامة الغير إِيَّاه، أو موضعُ قيامه بنفسه قياماً ممتدًّا، فإنْ كان الفعل الناصبُ ثلاثيًّا، فمقتضى المقام هو الأول، وكذا إنْ كان رباعيًّا ولم يُقصَد بيانُ كون المقام موضعَ قيام المضاف إليه بإقامة غيره، أو موضعَ قيامه الممتدّ، وأمَّا إذا قُصِد ذلك، فمقتضَاه الثاني، كما إذا قلت: أقيمت تاءُ القسم مقامَ الواو، تنبيهاً على أنها خَلَفٌ عن الباء التي هي الأصلُ من أحرف القسم. ومقام(١) الكلمات كلِّها، وإنْ كانت منوطةً بوضع الواضع، لكنَّ مقامَها المنوط بأصل الوضع - لكونه مقاماً أصليًّا - لها قد نزلَ منزلةَ موضعٍ قيامها بأنفسها، وجُعِل مقامها المنوط بالاستعمال الطارئ جارياً مجرى المقامَ الاضطراريِّ لذوات الاختيار. هذا إذا كان المقامُ ظرفاً، أمَّا إذا كان مصدراً ميميًّا والفعل الناصب رباعيّ، فحقُّه ضمُّ الميم. انتھی المرادُ منه. وأنت تعلم أنَّه في هذا المقام ليس منصوباً على الظرفية، ولا على المصدرية، بل منصوبٌ على التمييز، وهو محوَّل عن المبتدأ على ما قيل، أي: أيُّ الفريقين مقامه خير. ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيَّا (٣)﴾ أي: مجلساً ومجتمعاً. وفي ((البحر)): هو المجلسُ الذي يجتمع فيه لحادثة أو مشورة (٢). وقيل: مجلس أهل الندى، أي: الكرم، وكذا النادي. يروى أنَّهم كانوا يرجِّلون شعورَهم ويدهنونها، ويتطيَّبون، ويلبسونَ مفاخرَ الملابس، ثمَّ يقولون ذلك لفقراء المؤمنين الذين لا يقدرون على ذلك إذا تليت عليهم الآيات. قال الإمام: ومرادهم من ذلك معارضة المؤمنين، كأنهم قالوا: لو كنتم على الحق وكنّا على الباطل، كان حالُكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا؛ لأن الحكيمَ لا يليقُ به أن يوقعَ أولياءه المخلصين في العذاب والذلّ، وأعداءَه (١) في (م): ومقامات. (٢) عبارة البحر المحيط ٦/ ٢١٢: الندي هو المجلس الجامع لوجوه القوم والأعوان والأنصار. الآية : ٧٤ ١٥٧ المعرضين(١) عن خدمته في العزّ والراحة، لكنَّ الكفار كانوا في النعمة والراحة، والمؤمنين كانوا بعكس ذلك، فعلم أنَّ الحقَّ ليس مع المؤمنين. وهذا مع ظهور أنَّه قياسٌ عقيمٌ ناشئٌ من رأيٍ سقيم، نقضه الله تعالى وأبطله وحاصلُه: أنَّ بقوله سبحانه: ﴿وَكَّرْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَا وَرِيًّا (0َ﴾﴾ كثيراً ممن كان أعظمَ نعمةً منكم في الدنيا، كعادٍ وثمود وأضرابهم من الأمم العاتية، قد أهلكهم الله تعالى، فلو دلَّ حصول نعمةِ الدنيا للإنسان على كونه مكرَّماً عند الله تعالى، وجبَ أن لا يهلك أحداً من المتنعمين في الدنيا. وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى، كأنه قيل: فلينظر هؤلاء أيضاً مثل ذلك. و(كم)) خبرية للتكثير، مفعولُ ((أهلكنا))، وقُدِّمت لصدارتها. وقيل: استفهاميَّة. والأوَّل هو الظاهر. و((من قرن)) بيان لإبهامها. والقرن: أهلُ كلِّ عصر، وقد اختُلفَ في مدَّته، وهو من قرنِ الدابة، سمِّيَ بهِ لتقدُّمه، ومنه قرنُ الشمس لأول ما يطلعُ منها . و((هم أحسن)) في حيِّز النصب ـ على ما ذهب إليه الزمخشريُّ وتبعَه أبو البقاء(٢) - صفةٌ لـ ((كم))، وردَّه أبو حيان بأنَّه قد صَرَّح الأصحاب بأنَّ ((كم)) سواءٌ كانت خبريّةً أو استفهامية لا توصف، ولا يُوصف بها، وجعلَه صفةً ((قرن))، وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفرادٍ كثيرة، ولو أفرد الضمير لكان عربيًّا أيضاً(٣). ولا يرد عليه - كما قال الخفاجيّ -: كم من رجلٍ قام، وكم من قريةٍ هلكت، بناءً على أنَّ الجارَّ والمجرور يتعيَّن تعلُّقه بمحذوف هو صفة لـ ((كم)). كما ادَّعى بعضُهم أنَّ الرضي أشار إليه؛ لأنه يجوزُ في الجارِّ والمجرور أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، والجملة مفسِّرة لا محلّ لها من الإعراب، فما أدعى غير مسلَّم عنده(٤). و((أثاثاً)) تمييز، وهو متاحُ البيت من الفرش والثياب وغيرها، واحدها: أثاثة، (١) في الأصل: المفرطين. وفي مطبوع تفسير الرازي ٢٤٥/٢١: المعروضين. (٢) الكشاف ٢/ ٥٢١، والإملاء ١١٦/٢. (٣) البحر المحيط ٢١٠/٦. (٤) حاشية الشهاب ٦/ ١٧٧ . سُؤَادَةٌ قَرَنِسًا ١٥٨ الآية : ٧٤ وقيل: لا واحد لها، وقيل: الأثاث ما جَدَّ من المتاع، والخُرْئِيُّ ما قَدِمَ وبَلِيَ، وأنشد الحسن بن عليٍّ الطوسيّ: دهراً وصار أثاثُ البيت خرثيّا(١) تقادم العهدُ من أمِّ الوليد بنا والرِّتّي: المنظر، كما قال ابن عباس وغيره. وهو فِعْلٌ بمعنى مفعول من الرؤية، كالطّحن والسِّقي. وقرأ الزهريُّ وأبو جعفر وشيبة، وطلحةُ في رواية الهمداني، وأيوب وابن سعدان وابن ذكوان وقالون: ((ريًّا)) بتشديد الياء من غير همز(٢)، فاحتمل أنْ يكون من ذلك على قلب الهمزة ياءً وإدغامها. واحتمل أن يكون من الريّ، ضد العطش، والمراد به النضارةُ والحُسْن. وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش: ((رِيْئاً) بياءٍ ساكنةٍ بعدها همزة(٣)، وهو على القلب، ووزنه: فِلْعاً. وقرئ: ((رِياء)» بياء بعدها ألف بعدها همزة، حكاها اليزيديّ(٤). ومعناها - كما في (الدر المصون))(٥) - مراءاةُ بعضهم بعضاً. وقرأ ابن عباس ﴿ها: ((رِياً))(٦) بحذف الهمزة والقصر، فتجاسَر بعضُ الناس وقال: هي لحن، وليس كذلك، بل خُرِّجَت على وجهين: أحدهما: أنْ يكون الأصل ((ريًّا)) بتشديد الياء، فخفِّفَ بحذف إحدى الياءين وهي الثانية؛ لأنَّها التي حصل بها الثقل، ولأنَّ الآخِرَ محلُّ التغيير، وذلك كما حذفت في: لا سيما. (١) الكشاف ٥٢١/٢، وتفسير القرطبي ٥٠٢/١٣. (٢) البحر المحيط ٦/ ٢١٠، وقراءة ابن ذكوان راوي ابن عامر، وقالون راوي نافع في التيسير ص١٤٩. وانظر النشر ١/ ٤٧١. (٣) البحر المحيط ٦/ ٢١٠. وذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٢١/٢ دون نسبة. (٤) البحر المحيط ٢١١/٦. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٦ من حكاية البزي. (٥) ٧/ ٦٣١. (٦) من رواية طلحة بن مصرف عنه كما في البحر ٢١١/٦. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٦، وابن جني في المحتسب ٤٣/٢ من قراءة طلحة. الآية : ٧٥ ١٥٩ والثاني: أن يكون الأصل ((ريئاً)) بياء ساكنة بعدها همزة، فنُقِلت حركةُ الهمزة إلى الياء، ثمَّ حذفت على القاعدة المعروفة. وقرأ ابن عباس أيضاً وابنُ جبير ويزيد البربريّ والأعسم المكي: ((زيًّا)) بالزاي وتشديد الياء(١)، وهو المحاسن المجموعة يقال: زواه زيًّا، بالفتح، أي: جمعه، ويراد منه الأثاث أيضاً، كما ذكره المبرِّد(٢) في قول الثقفيّ: بذي الزِّيِّ الجميل من الأثاثِ(٣) أشاقتكَ الظعائنُ يوم بانوا والظاهر في الآية المعنى الأول. ﴿قُلْ مَن كَانَ فِ الضَّلَلَةِ﴾ إلخ. أمرٌ منه تعالى لرسوله وَ لَه بأن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لهم من الحظوظ الدنيويَّة على المؤمنين ببيان مآل أمر الفريقين، إمَّا على وجهٍ كليٍّ متناولٍ لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللذة الفانية، المبتهجين بها، على أن ((مَنْ)) على عمومها؛ وإمَّا على وجهٍ خاصٌّ بهم، على أنَّها عبارةٌ عنهم. ووصفهم بالتمكُّن في الضلالة؛ لذمِّهم، والإشعار بعلَّة الحكم، أي: من كان مستقرًّا في الضلالة مغموراً بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور ﴿فَليَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدِّأْ﴾ أي: يمدُّ سبحانَه له، ويمهله بطول العمر، وإعطاء المال، والتمكّن من التصرُّفات، فالطلب في معنى الخبر، واختير للإيذان بأنَّ ذلك مما ينبغي أنْ يفعل بموجب الحكمة، لقطع المعاذير، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَّمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فيكون حاصل المعنى: من كان في الضلالة فلا عذر له، فقد أمهلَه الرحمنُ، ومدَّ له مدًّا. وجُوِّز أنْ يكون ذلك للاستدراج، كما ينطق به قوله تعالى: ﴿إِنَّمَ نُعْلِ لَهُمْ لِزْدَادُواْ إِحْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وحاصلُ المعنى: من كان في الضلالة فعادةُ الله تعالى أن يَمدَّ له ويستدرجَه ليزداد إثماً . (١) البحر المحيط ٢١١/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٨٦، والمحتسب ٤٤/٢، والمحرر الوجيز ٢٩/٤، وتفسير القرطبي ٥٠٢/١٣. (٢) في الكامل ٧٨٦/٢، والثقفي هو: محمد بن عبد الله بن نمير. (٣) الأغاني ١٩٦/٦، وفيه: أهاجتك، بدل: أشاقتك. سُؤَالأمرێسر ١٦٠ الآية : ٧٥ وقيل: المرادُ الدعاء بالمدِّ؛ إظهاراً لعدم بقاء عذرٍ بعد هذا البيان الواضح، فهو على أسلوب: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكٌ﴾ [يونس: ٨٨] إن حمل على الدعاء. قال في ((الكشف)): الوجهُ الأول أوفقُ بهذا المقام، والتعرُّض لعنوان الرحمانية؛ لما أنَّ المَدَّ من أحكامها. ﴿حَّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ﴾ إلى آخره غايةٌ للمدِّ، وجمع الضمير في الفعلين باعتبار معنى ((من)) كما أنَّ الإفراد في الضميرين الأوَّلين باعتبار لفظِها، و ((ما)) اسمٌ موصول، والجملةُ بعده صلة، والعائد محذوف، أي: الذي یوعدونه، واعتبار ((ما)) مصدريَّةً خلافُ الظاهر. وقوله تعالى: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا الشَاعَةَ﴾ بدلٌ من ((ما)) وتفصيلٌ للموعود على طريقة منع الخلوّ. والمراد بالعذاب العذابُ الدنيويّ بغلبةِ المؤمنين واستيلائهم عليهم، والمراد بالساعة، قيل: يوم القيامة. وهو الظاهر. وقيل: ما يشمل حين الموت ومعاينة العذاب، و((من مات فقد قامت قيامته))(١)، وذلك لتتصل الغاية بالمغيَّى، فإنَّ المدَّ لا يَتَّصل بيوم القيامة. وأجيب بأنَّ أمرَ الفاصل سهلٌ؛ لأنَّ أمورَ هذه الدنيا لزوالها وتقضِّيها لا تعدُّ فاصلةً، كما قيل(٢) ذلك في قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُواْ فَأَدْخِلُواْ نَارًا﴾ [نوح: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ جواب الشرط، وهما في الحقيقة الغاية، إن قلنا: إنَّ المجموع هو الكلام، أو مفهومه فقط إنْ قلنا: إنَّه هو الكلام والشرط قیدٌ له. و((حتى)) عند ابن مالك جارَّةٌ (٣)، وهي لمجرَّد الغاية لا جارَّةٌ ولا عاطفةٌ عند الجمهور، وهكذا هي كلَّما دَخلت على ((إذا)) الشرطية، وهي منصوبةٌ بالشرط أو الجزاء على الخلاف المشهور، والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. والمراد: حتى إذا عاينوا ما يُوعدون من العذاب الدنيويِّ أو الأخرويّ فقط، (١) سلف ٢٨٥/١. (٢) جاء في هامش الأصل عند هذه الكلمة ما نصه: قاله المعتزلة. اهـ منه. (٣) انظر التسهيل ص١٤٦، ومغني اللبيب ص١٧٤، وحاشية الخفاجي ١٧٨/٦.