Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ٤٧
١٠١
التخالف في الإخبار والإنشاء. والتقديرُ أوقع في النفس.
﴿مَلِيًّا ﴾﴾ أي: دهراً طويلاً، عن الحسن ومجاهد وجماعة.
وقال السُّدِّيّ: أبداً. وكأنه المراد، وأصلُه ـ على ما قيل - من الإملاء، أي:
الإمداد، وكذا الملاوة بتثليث الميم، وهي بمعناه، ومن ذلك المَلَوان؛ الليل
والنهار، ونصبه على الظرفيَّة كما في قول مُهَلْهل:
فتصدَّعت صمُّ الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليّا(١)
وأخرج ابنُ الأنباريّ عن ابن عباس أنَّه فسره بـ: طويلاً(٢). ولم يذكر
الموصوف، فقيل: هو نصب على المصدرية، أي: هجراً مليًّا .
وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباس أنَّ المعنى: سالماً سويًّا. والمراد: قادراً على
الهجر مطيقاً له، وهو حينئذٍ حالٌ من فاعل («اهجرني»، أي: اهجرني مليًّا بالهجران
والذهاب عني، قبل أن أثخنكَ بالضرب حتى لا تقدرَ أن تبرح. وكأنَّه على هذا من
تملَّى بكذا؛ تمتَع به مَلاوَةً من الدهر.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما سلف ﴿سَلَمُ عَلَكٌ﴾ توديعٌ ومتاركةٌ، على طريقة مقابلة
السيئة بالحسنة، فإنَّ ترك الإساءة للمسيء إحسانٌ، أي: لا أصيبك بمكروهٍ بعد،
ولا أشافهُك بما يؤذيك، وهو نظيرُ ما في قوله تعالى: ﴿لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُرْ سَلَمُ
عَلَيْكُمْ لَا نَبْثَغِىِ الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص : ٥٥] في قول.
وقيل: هو تحيَّة مفارقٍ. وجَوَّزَ قائلُ هذا تحيَّة الكافر، وأن يُبْدَأ بالسلام
المشروع، وهو مذهب سفيان بن عيينة مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
لَمْ يُقَدِلُوكُمْ﴾ الآية [٨ من سورة الممتحنة]، وقوله سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ فَِ
إِنَزْهِيمَ﴾ الآية [٤ من سورة الممتحنة].
وما استدلَّ به متأوَّلٌ، وهو محجوجٌ بما ثبتَ في ((صحيح مسلم)): ((لا تبدؤوا
اليهود والنصارى بالسلام»(٣).
(١) النكت والعيون للماوردي ٣٧٤/٣، وتفسير القرطبي ٤٥٨/١٣، والبحر المحيط ١٩٥/٦.
(٢) الوقف والابتداء ص٩١. واستشهد له ابن عباس بالبيت السابق.
(٣) صحيح مسلم (٢١٦٧) من حديث أبي هريرة ﴿ه. وهو عند أحمد (٧٥٦٧).

سودا قرنًا
١٠٢
الآية : ٤٧
وقرئ: ((سلاماً)) بالنصب على المصدريَّة. والرفعُ على الابتداء(١).
﴿سَأَسْتَغْفِر لَكَ رَبِّ﴾ أي: أستدعيه سبحانَه أن يغفر لك، بأن يوفِّقك للتوبة،
ويهديَك إلى الإيمان، كما يلوِّح به تعليلُ قوله: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِ﴾ بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الضَّآلّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] کذا قيل، فيكونُ استغفاره في قوَّة قوله: ربِّي اهده إلى
الإيمان، وأخرجه من الضلال. والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبيَّن تحثُم أنَّه
يموتُ على الكفر ممَّا لا ريب في جوازه، كما أنَّه لا ريبَ في عدم جوازه عند
تبيَّن ذلك؛ لما فيه من طلب المحال، فإنَّ ما أخبر الله تعالى بعدم وقوعه محالٌ
وقوعه، ولهذا لمَّا تبيّن له عليه السلام بالوحي - على أحد القولين المذكورين في
سورة التوبة - أنَّه لا يؤمن، تركَه أشدَّ الترك، فالوعدُ والإنجاز كانا قبل التبيُّن،
وبذلك فارقَ استغفارُه عليه السلام لأبيه استغفارَ المؤمنين لأولي قرابتهم من
المشركين؛ لأنَّه كان بعد التبيُّن، ولذا لم يؤذنوا بالتأسِّي به عليه السلام في
الاستغفار.
قال العلامة الطيبيُّ: إنَّه تعالى بيَّن للمؤمنين أنَّ أولئك أعداءُ الله تعالى بقوله
سبحانه: ﴿لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَّدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] وأنْ لا مجال
لإظهار المودّة بوجهٍ ما، ثمَّ بالغَ جلَّ شأنه في تفصيل عداوتهم بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِن
يَتْقَفُوُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيَدِيَهُمْ وَأَلْسِنَهُمْ بِالسُّوْءِ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾
[الممتحنة: ٢]، ثمَّ حرَّضهم تعالى على قطيعة الأرحام بقوله سبحانه: ﴿لَنْ تَفَعَّكُمْ
أَرْحَامُّكُمْ وَلَا أَوْلَئُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [الممتحنة: ٣] ثمَّ سلَّهم عزَّ وجلَّ بالتأسِّي في القطيعة
بإبراهيم عليه السلام وقومه بقوله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِنَزَهِيمَ
وَلَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوِّهِمْ إِنَّا بُرَؤُّأْ مِنْكُمْ وَمَِّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَِّ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ إلى قوله
تعالى شأنه: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِنَزَّهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] فاستثنى من المذكورِ
ما لم يحتمله المقام، كما احتمله(٢) ذلك المقام؛ للنصِّ القاطع، يعني: لكم التأسِّي
بإبراهيم عليه السلام مع هؤلاء الكفار في القطيعة والهجران لا غير، فلا تجاملوهم
(١) البحر المحيط ١٩٥/٦، والدر المصون ٦٠٧/٧.
(٢) في الأصل: تحمله.

الآية : ٤٧
١٠٣
سُالآهرئيسًا
ولا تُبدوا لهم الرأفةَ والرحمة، كما أبدى إبراهيم عليه السلام لأبيه في قوله:
(سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ) لأنَّه لم يتبيَّن له حينئذٍ أَّه لا يؤمن، كما بدا لكم كفرُ هؤلاء
وعداوتهم. انتهى. واعتُرِضَ بأنَّ ما ذُكِر ظاهرٌ في أنَّ الاستغفار الذي وقع من
المؤمنين لأولي قرابتهم، فنهوا عنه؛ لأنَّه كان بعد التبيُّن، كان كاستغفار إبراهيم
عليه السلام؛ بمعنى طلب التوفيق للتوبة والهداية للإيمان. والذي اعتمدَه كثيرٌ من
العلماء أنَّ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِ وَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية
[التوبة: ١١٣] نزلَ في استغفارهِ وَّر لعمِّه أبي طالب بعدَ موته(١)، وذلك الاستغفارُ
ممَّا لا يكون بمعنى طلب الهداية أصلاً، وكيف تُعقلُ الهداية بعد الموت، بل لو
فُرض أنَّ استغفارَه عليه الصلاة والسلام له كان قبل الموت لا يتصوَّر أيضاً أن
يكونَ بهذا المعنى؛ لأنَّ الآيةَ تقتضي أنَّه كان بعد تبيّن أنَّه من أصحاب الجحيم،
وإذا فُسِّر بتحتُّم الموت على الكفر كان ذلك دعاءً بالهداية إلى الإيمان، مع العلم
بتحثُّم الموت على الكفر، ومُحاليتُه إذا كانت معلومةً لنا بما مرَّ فهي أظهرُ شيءٍ
عنده وَ*، بل وعند المقتبسين من مشكاتِه عليه الصلاة والسلام.
وهو اعتراضٌ قويٌّ بحسب الظاهر، وعليه يجبُ أن يكون استغفار إبراهيم عليه
السلام لأبيه بذلك المعنى في حياته؛ لعدم تصوُّر ذلك بعد الموت. وهو ظاهر. قال
الزمخشريُ(٢) في جواب السؤال، بأنَّه كيف جاز له عليه السلام أنْ يستغفرَ للكافر،
وأَنْ يعدَه ذلك؟: قالوا: أرادَ اشتراط التوبة عن الكفر، وقالوا: إنَّما استغفرَ له
بقوله: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِ﴾ [الشعراء: ٨٦]؛ لأنَّه وعده أنْ يؤمن، واستشهدوا بقوله تعالى:
(١) أخرج البخاري (١٣٦٠) ومسلم (٢٤) من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه
لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله وَّر، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن
أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله صل# لأبي طالب: ((يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً
أشهدُ لك بها عند الله)). فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة
عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله # يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال
أبو طالبٍ آخر ما كلمهم: هو على ملَّة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال
رسول الله وَلجر: ((أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك))، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ
لِلنَّبِّ﴾ الآية [التوبة: ١١٣].
(٢) الكشاف ٢/ ٥١٢.

١٠٤
الآية : ٤٧
﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ثم
قال: ولقائلٍ أن يقول: الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمَّا قضية
العقل فلا تأباه، فيجوزُ أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع،
ويدلُّ على صحّته أنَّه استثنى قولَ إبراهيم عليه السلام: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ في آية ﴿قَدْ
كَانَتْ لَكُمْ أُنْوَةُ حَسَنَّةٌ فِىَ إِنَّهِيمَ﴾ إلخ [الممتحنة: ٤] عمَّا وجبت فيه الأسوة، ولو كان
بشرط الإيمان والتوبة لما صحَّ الاستثناء، وأما كون الوعد من أبيه، فيخالفُ الظاهر
الذي يشهد له قراءة الحسن وغيره: ((وعدها أباها بالباء الموحدة(١). قال في
((الكشف)): واعترض الإمام حديث الاستثناء بأنَّ الآيةَ دَّت على المنع من التأسِّي،
لا أنَّ ذلك كان معصيةً، فجاز أن يكون من خواصِّه، ككثير من المباحات التي
اخْتُصَّ بها النبيُّ وَيَ(٢). وليس بشيء؛ لأنَّ الزمخشريَّ لم يذهب إلى أنَّ ما ارتكبه
إبراهيم عليه السلام كان منكراً، بل إنَّما هو منكر علينا؛ لورود السمع. واعترض
صاحب ((التقريب)، بأنَّ نفي اللازم ممنوعٌ، فإنَّ الاستثناءَ عمَّا وجبت فيه الأسوة دلَّ
على أنَّه غيرُ واجب، لا على أنَّه غير جائز، فكان ينبغي عمَّا جازت فيه الأسوة بدل
عما وجبت .. إلخ. والآيةُ لا دلالة فيها على الوجوب.
والجواب أنَّ جعله مستنكراً ومستثنّى يدلُّ على أنَّه منكرٌ، لا الاستثناء
عما وجبت فيه فقط، وإنَّما أتى الاستنكارُ لأنَّه مستثنّى عن الأسوة الحسنة، فلو
انْتُسِيَ به فيه لكان أسوةً قبيحة. وأمَّا الدلالة على الوجوب نبيِّنةٌ من قوله تعالى
آخراً: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِهِمْ أُمْوَةُ حَسَنَّةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَّوْمَ الآَخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦]
كما تقرَّر في الأصول. والحاصل أنَّ فعل إبراهيم عليه السلام يدلُّ على أنَّه ليس
منكراً في نفسه، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾
[التوبة: ١١٣] إلخ يدلُّ على أنَّه الآن منكرٌ سمعاً، وأنَّه كان مستنكراً في زمن إبراهيم
عليه السلام أيضاً بعد ما كان غير منكر، ولذا تبرَّأ منه، وهو ظاهر، إلّا أنَّ
الزمخشريَّ جعلَ مدركَ الجواز قبل النهي العقل، وهي مسألةٌ خلافيَّةٌ، وكم قائلٍ:
إنَّه السمع؛ لدخوله تحت برِّ الوالدين، والشفقة على أمَّة الدعوة. بل قيل: إنَّ
(١) القراءات الشاذة ص ٥٥، والبحر المحيط ١٠٥/٥.
(٢) تفسير الرازي ٢٢٩/٢١.

الآية : ٤٧
١٠٥
الأول مذهب المعتزلة، وهذا مذهبُ أهل السنة. انتهى مع تغييرٍ يسير. واعترض
القول بأنَّه استنكر في زمن إبراهيم عليه السلام بعدَ ما كان غيرَ منكر؛ بأنَّه لو كان
كذلك لم يفعله نبيُّنَا وَّه، وقد جاءَ أنَّه عليه الصلاة والسلام فَعَلَه لعمِّه أبي طالب.
وأجيب بجواز أنَّه لم يبلغه إذ فعل عليه الصلاة والسلام.
والتحقيق في هذه المسألة أنَّ الاستغفارَ للكافر الحيّ المجهول العاقبة بمعنى
طلب هدايته للإيمان = ممَّا لا محذورَ فيه عقلاً ونقلاً. وطلب ذلك للكافر المعلوم
أنَّه قد طُبع على قلبه، وأخبر الله تعالى أنَّه لا يؤمن، وعلم أنْ لا تعليق في أمره
أصلاً = ممَّا لا مساغ له عقلاً ونقلاً. ومثلُه طلب المغفرة للكافر مع بقائه على
الكفر على ما ذكره بعض المحققين، وكان ذلك - على ما قيل - لما فيه من إلغاء
أمر الكفر الذي لا شيء يعدله من المعاصي، وصيرورة التكليف بالإيمان الذي
لا شيء يعدلُه من الطاعات عبثاً، مع ما في ذلك ممَّا لا يليقُ بعظمة الله عزَّ وجلَّ،
ويكاد يُلحَق بذلك فيما ذكر طلبُ المغفرة لسائر العصاة مع البقاء على المعصية،
إلّا أنْ يفرَّق بين الكفر وسائر المعاصي. وأمَّا طلب المغفرة للكافر بعد موته على
الكفر فلا تأباه قضيّة العقل، وإنَّما يمنعه السمع، وفُرُّقَ بينه وبين طلبها للكافر مع
بقائه على الكفر بعدم جريان التعليل السابق فيه. ويحتاج ذلك إلى تأمُّل. واستدلَّ
على جواز ذلك عقلاً بقوله :﴿ لعمِّه: ((لا أزالُ أستغفر لك ما لم أُنْهَ)) (١)، فنزل
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وحمل قوله
تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] على معنى: من
بعد ما ظهر لهم أنَّهم ماتوا كفاراً، والتُزمَ القول بنزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن ◌َةٌ﴾ [النساء: ٤٨] بعد ذلك، وإلَّا فلا يتسنَّى
استغفارُهُ وَّ﴿ لعمِّه بعد العلم بموتِه كافراً، وتقدَّم السماحُ بأنَّ الله تعالى لا يغفر
الكفر.
وقيل: لا حاجةً إلى التزام ذلك؛ لجواز أنْ يكون عليه الصلاة والسلام لوفور
شفقته وشدَّة رأفته قد حملَ الآية على أنَّه تعالى لا يغفرُ الشرك إذا لم يُشفع فيه، أو
(١) سلف قريباً تخريج نحوه.

سُودامرئِمَا
١٠٦
الآية : ٤٨
الشركَ الذي تواطأ فيه القلب وسائرُ الجوارح، وعلم من عمِّه أنَّه لم يكن شركُه
كذلك، فطلب المغفرةَ حتى نُهِي وَلِ.
وقيل غير ذلك، فتأمَّل، فالمقامُ محتاجٌ بعد إلى كلام، والله تعالى الموفق.
﴿"إِنَُّ كَانَ بِ حَفِيًّا (®﴾ بليغاً في البرِّ والإكرام، يقال: حفيَ به إذا اعتنى
بإكرامه. والجملةُ تعليلٌ لمضمون ما قبلها، وتقديمُ الظرف لرعاية الفواصل مع
الاهتمام.
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ الظاهرُ أنَّه عطف على ((سأستغفر))، والمراد: أتباعدُ عنك وعن
قومك. ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بالمهاجرة بديني، حيث لم تؤثِّر فيكم
نصائحي. ويُروى أنَّه عليه السلام هاجر إلى الشام. وقيل: إلى حرَّان، وهو قريبٌ
من ذلك، وكانوا بأرض كوثا، وفي هجرته هذه تزوَّج سارة، ولقي الجبارَ الذي
أخدم سارة هاجر.
وجُوِّز حملُ الاعتزال على الاعتزال بالقلب والاعتقاد، وهو خلافُ الظاهر
المأثور.
﴿وَأَدْعُواْ رَةٍ﴾ أي: أعبدُه سبحانه وحده، كما يفهم من اجتناب غيره تعالى من
المعبودات، وللتغاير بين العبادتين غُوير بين العبارتين.
وذكر بعضُهم أنَّه عبَّر بالعبادة أولاً؛ لأنَّ ذلك أوفقُ بقول أبيه: ((أراغبٌ أنت
عن آلهتي)) مع قوله فيما سبق: ((يا أبتِ لم تعبدُ ما لا يسمع)) إلخ، وعبَّر ثانياً
بالدعاء؛ لأنَّه أظهرُ في الإقبال المقابل للاعتزال. وجُوِّز أن يُراد بذلك الدعاء
مطلقاً، أو ما حكاه سبحانه في سورة ((الشعراء))، وهو قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا
وَأَلْحِقْنِ بِلْضَّلِينَ﴾ [الآية: ٨٣].
وقيل: لا يبعدُ أنْ يراد استدعاءُ الولد أيضاً بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾
[الصافات: ١٠٠] حسبما يساعدُه السياق والسباق.
خائباً ضائعَ السعي. وفيه تعريض
﴿عَسَىّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَقِيًّا (@)﴾
بشقاوتهم في عبادة آلهتهم.

الآية : ٤٩ ، ٥٠
١٠٧
سُوَاَلُ مَرَيْنَا
وفي تصدير الكلام بـ ((عسى)) من إظهار التواضع، ومراعاة حسن الأدب،
والتنبيه على حقيقة الحقِّ من أنَّ الإثابة والإجابة بطريق التفضُّل منه عزَّ وجلَّ،
لا بطريق الوجوب، وأنَّ العبرةَ بالخاتمة، وذلك من الغيوب المختصَّة بالعليم
الخبير = ما لا يخفى.
﴿فَلَمَّا أَعْتََّهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ﴾ بالمهاجرة إلى ما تقدَّم ﴿وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبٌ﴾ بدلَ من فارقه(١) من أبيه وقومه الكفرة، لكن لا عقيبَ المهاجرة،
والمشهور أنَّ أولَ ما وُهبَ له عليه السلام من الأولاد إسماعيل عليه السلام؛ لقوله
تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] إثر دعائه بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وكان من هاجر، فغارت سارة، فحملت بإسحاق عليه
السلام، فلما كبر ولد له يعقوبُ عليه السلام. ولعلَّ ترتيب هبتهما على اعتزاله ها
هنا؛ لبيان كمال عظم النعم التي أعطاها الله تعالى إيَّاه بمقابلة من اعتزلهم من الأهل
والأقرباء، فإنهما شجرتا الأنبياء، ولهما أولادٌ وأحفادٌ أولو شأنٍ خطير، وذوو(٢)
عددٍ كثير، مع أنَّه سبحانه أراد أن يَذكر إسماعيل عليه السلام بفضله على الانفراد.
ورُوي أنه عليه السلام لما قصدَ الشام أتى أوَّلاً حرَّان، وتزوَّج سارة وولدت له
إسحاق، وولد لإسحاق يعقوب. والأوَّل هو الأقرب الأظهر.
﴾ أي: كلَّ واحدٍ من إسحاق ويعقوب، أو منهما ومن إبراهيم عليهم
السلام. وهو مفعولٌ أول لقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا نَبِيًا ﴾﴾ قُدِّم عليه للتخصيص،
لكن لا بالنسبة إلى من عداهم، بل بالنسبة إلى بعضهم، أي: كلَّ واحدٍ منهم
((جعلنا نبيًّا)) لا بعضهم دون بعض. ولا يظهر في هذا الترتيب على الوجه الثاني في
(كلَّا)) كونُ إبراهيم عليه السلام نبيًّ قبل الاعتزال.
﴿وَهَبْنَا لَمُ مِّن رَّحْمَئِنَا﴾ قال الحسن: النبوّة. ولعلَّ ذكر ذلك بعد ذكر جعلهم
أنبياء؛ للإيذان بأنَّ النبوّة من باب الرحمة التي يختصُّ بها من يشاء.
وقال الكلبيُّ: هي المال والولد. وقيل: هو الكتاب.
(١) في (م): فارقهم.
(٢) لفظة: ذوو. ليست في الأصل.

سُالآ مرپسر
١٠٨
الآية : ٥١
والأظهر أنَّها عامَّةٌ لكلِّ خيرٍ دينيٍّ ودنيويٍّ أوتوه ممَّا لم يؤتَ أحدٌ من
العالمين.
تفتخرُ بهم الناس، ويثنونَ عليهم، استجابةً
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
لدعوته عليه السلام بقوله: ﴿وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْآَخِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وزيادةً
على ذلك.
والمراد باللسان ما يوجدُ به من الكلام، فهو مجازٌ بعلاقة السببيَّة، كاليد في
العطية، ولسان العرب لغتهم. ويطلق على الرسالة الرائعة كما في قول أعشى
باهلة :
إني أتتني لسانٌ لا أسَرُّ بها(١)
ومنه قولُ الآخر:
ندمتُ على لسانٍ كان مني(٢)
وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلوِّ للدلالة على أنَّهم أحقّاء بما يثنون علیھم،
وأنَّ محامدَهم لا تخفى، كأنَّها نار على علم، على تباعد الأعصار، وتبدُّل الدول،
وتغيُّر الملل والنحل.
وخصَّ بعضُهم لسان الصدق بما يُتلى في التشهُّد: كما صليت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم. والعمومُ أولى.
﴿وَأَذْكُرْ فِي الْكِتَبِ مُوسَىٌ﴾ قيل: قدَّم ذكرَه على إسماعيل عليهما السلام لئلًّا
ينفصلَ عن ذكر يعقوب عليه السلام. وقيل: تعجيلاً لاستجلاب أهل الكتاب بعد
ما فيه استجلاب العرب.
﴿إِنَّهُ، كَانَ مُخْلَصًا﴾ موحِّداً أخلصَ عبادته عن الشرك والرياء، أو: أسلمَ وجهه لله
(١) الكامل ٣/ ١٤٣١، وخزانة الأدب ٥١١/٦. وعجزه:
من عَلو لا عجبٌ منها ولا سَخَرُ
(٢) ديوان الحطيئة ص٣٤٧. وفيه: لسانٍ فات ... بدل: لسان كان ... وهو بمثل رواية
المصنف في الخزانة ١٥٢/٤. وعجزه كما في الديوان: فليت بيانه في جوف عكمٍ.

الآية : ٥٢
١٠٩
سُوالا مرئيًا
عزَّ وجلَّ، وأخلص عن سواه. وقرأ الكوفيون وأبو رزين ويحيى وقتادة: ((مخلَصاً))
بفتح اللام(١)، على أنَّ الله تعالى أخلصَه.
﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ مرسلاً من جهة الله تعالى إلى الخلق بتبليغ ما شاء من الأحكام
﴾ رفيعَ القدر على كثيرٍ من الرسل عليهم السلام، أو على سائر الناس
٥١٦
الذين أُرسل إليهم، فالنبيُّ من النبوَّة بمعنى الرفعة، ويجوز أن يكون من النبأ،
وأصله نبيء، أي: المنبِّئ عن الله تعالى بالتوحيد والشرائع(٢).
ورُجِّح الأول بأنَّه أبلغ، قيل: ولذلك قالِّهِ: («لستُ بِنَبِيْءِ الله
تعالى - بالهمزة - ولكن نبيُّ الله تعالى))(٣) لمن خاطبه بالهمز، وأراد أنْ يغضَّ منه.
والذي ذكره الجوهريُّ(٤) أنَّ القائلَ أرادَ أنَّه عليه الصلاة والسلام أخرجَه قومُه، من
نَبَأ، فأجابه وَّه بما يدفعُ ذلك الاحتمال.
ووجه الإتيان بالنبيِّ بعد الرسول على الأول ظاهر، ووجهُ ذلك على الثاني
موافقةُ الواقع بناءً على أنَّ المراد: أرسلَه الله تعالى إلى الخلق، فأنبأهم عنه
سبحانه. واختار بعضُهم أنَّ المرادَ من كلا اللفظين معناهما اللغويّ، وأنَّ ذكر النبيِّ
بعد الرسول؛ لما أنَّه ليس كلُّ مرسَلٍ نبيًّا؛ لأنَّه قد يُرسل بعطيَّةٍ أو مكتوبٍ أو
نحوهما .
﴿وَدَيْنَهُ مِن جَنِ اُلُّورِ آلْأَيْمَنِ﴾ ((الطور)): جبلٌ بين مصر ومدين، و((الأيمن))
صفةٌ لـ (جانب))؛ لقوله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿َنِبَ الُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠]
بالنصب، أي: ناديناه من ناحيته اليمنى، من اليمين المقابل لليسار.
(١) البحر المحيط ١٩٨/٦. وقراءة الكوفيين في التيسير ص١٤٧، والنشر ٢٩٥/٢.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصُّه: وحكى الأزهريُّ عن الكسائي أن النبيء الطريق، والأنبياء
طرق الهدى. اهـ. منه. وكلام الأزهري في تهذيب اللغة ١٥/ ٤٨٦.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٣١ من طريق حمران بن أعين عن أبي الأسود الديلي عن
أبي ذر رَُّه مرفوعاً. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي فقال: بل منکر لم يصح. قال النسائي: حمران ليس بثقة. وقال أبو داود:
رافضي روى عن موسى بن عبيدة، وهو واه. اهـ. وسلف ٢/ ٢١٢.
(٤) الصحاح (نبأ).

سُؤَدلامزيها
١١٠
الآية : ٥٢
والمراد به يمين موسى عليه السلام، أي: الناحية التي تلي يمينه، إذ الجبل
نفسه لا ميمنةً له ولا ميسرة.
ويجوز أنْ يكون الأيمن من اليُمن، وهو البركة، وهو صفةٌ لـ ((جانب)) أيضاً، أي:
من جانبه الميمون المبارك. وُجُوِّزَ على هذا أنْ يكون صفةً للطور. والأوَّل أولى.
والمراد من ندائه من ذلك ظهورُ كلامه تعالى من تلك الجهة، والظاهرُ أنَّه عليه
السلام إنَّما سمع الكلام اللفظيَّ. وقال بعض: إنَّ الذي سمعه كان بلا حرفٍ
ولا صوت، وأنَّه عليه السلام سمعَه بجميع أعضائه من جميع الجهات، وبذلك
تيقّن(١) أنَّ المنادي هو الله تعالى، ومن هنا قيل: إنَّ المراد ناديناه مقبلاً من جانب
الطور المبارك، وهو طورُ ما وراء طور العقل، وفي الأخبار ما ينادي على خلافه.
﴿وَقَرَّتْنَهُ نَّا ﴾﴾ تقريبَ تشريف، مثَّل حالَه عليه السلام بحال من قرَّبه الملكُ
لمناجاته، واصطفاه لمصاحبته، ورفع الوسائط بينه وبينه. و((نجيًّا)) فعيلٌ بمعنى
مُفاعل، كجليس بمعنى مُجالس، ونديم بمعنى منادم، من المناجاة: المسارَّة
بالكلام. ونصبه على الحاليَّة من أحد ضميري موسى عليه السلام في: ((ناديناه)»
و («قربناه))، أي: ناديناه أو قربناه حال كونه مُناجياً.
وقال غير واحد: مرتفعاً، على أنَّه من النجو، وهو الارتفاع. فقد أخرج
سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنَّ جبرائيل عليه
السلام أردفَه حتى سمعَ صرير القلم والتوراةُ تكتبُ له(٢). أي: كتابةً ثانيةً، وإلَّا
ففي الحديث الصحيح الوارد في شأن محاجَّة آدم وموسى عليهما السلام أنَّها كتبت
قبلَ خلق آدم عليه السلام بأربعين سنة(٣)، وخبر رفعه عليه السلام إلى السماء حتى
سمع صرير القلم، رواه غيرُ واحد، وصحَّحه الحاكم عن ابن عباس ﴾(٤)، وعلى
ذلك لا يكون المعراج مطلقاً مختصًّا بنبينا وَّر، بل المعراجُ الأكمل.
(١) في (م): يتيقن.
(٢) الدر المنثور ٢٧٣/٤. وأخرجه أيضاً أبو نعيم في حلية الأولياء ٢٨٦/٤.
(٣) خبر محاجَّة موسى وآدم عليهما السلام أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).
(٤) المستدرك ٣٧٣/٢. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في مصنفه ٥٣٣/١١، والطبري في تفسيره
٥٥٩/١٥ - ٥٦٠. ووقع فيها: صريف. بدل: صرير.

الآية : ٥٣ ، ٥٤
١١١
وقيل: معنى ((نجيًّا)) ناجياً بصدقه، وروي ذلك عن قتادة. ولا يخفى بعده.
﴿وَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَا﴾ أي: من أجل رحمتنا له ﴿أَخَاهُ﴾ أي: معاضدةً أخيه
ومؤازرتَه؛ إجابةً لدعوته بقوله: ﴿وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِ ﴿ هَرُونَ أَخِى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٠]
لا نفسَه عليه السلام؛ لأنَّه كان أكبر من موسى عليه السلام سنًّا، فوجودُه سابقٌ على
وجوده، وهو مفعول ((وهبنا))، وقوله تعالى: ﴿هَرُونَ﴾ عطفُ بيانٍ له، وقوله
نِّيَّاً @) حالٌ منه.
سبحانه :
ويجوزُ أنْ تكون ((من)) للتبعيض، قيل: وحينئذٍ يكون ((أخاه)) بدل بعضٍ من
كل، أو كلٍّ من كل، أو اشتمال من ((من)). وتُعقِّبَ بأنَّها إن كانت اسماً مرادفةً
لبعض، فهو خلافُ الظاهر، وإن كانت حرفاً، فإبدال الاسم من الحرف ممَّا لم
يوجد في كلامهم.
وقيل: التقديرُ: وهبنا له شيئاً من رحمتنا، فـ ((أخاه)) بدلٌ من شيئاً المقدَّر.
وأنت تعلم أنَّ الظاهر (١) كونُه مفعولاً .
﴿وَأَذَّكُرْ فِي الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ﴾ الظاهرُ أنَّه ابن إبراهيم عليهما السلام، كما ذهب
إليه الجمهور. وهو الحقّ. وفصَل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه عليهم السلام؛ لإبراز
كمال الاعتناء بأمره، بإيراده مستقلًا.
وقيل: إنَّه إسماعيلُ بن حزقيل، بعثه الله تعالى إلى قومه، فسلخوا جلدةَ رأسه،
فخيَّره الله تعالى فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضيَ بثوابه سبحانه، وفوَّضَ
أمرهم إليه عزَّ وجلَّ في العفو والعقوبة. ورَوى ذلك الإماميَّة عن أبي عبد الله
وغالبُ الظنِّ أنَّه لا يصحُّ عنه.
﴿إِنَُّ، كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ تعليلٌ لموجب الأمر، وإيرادُه عليه السلام بهذا
الوصف؛ لكمال شهرته بذلك. وقد جاء في بعض الأخبار أنَّه وعَد رجلاً أن يُقيم
له بمكانٍ، فغابَ عنه حولاً، فلمَّا جاءه قال له: ما برحتَ من مكانك، فقال:
لا والله ما كنتُ لأخلفَ موعدي. وقيل: غابَ عنه اثني عشر يوماً. وعن مقاتل:
ثلاثةَ أيام. وعن سهل بن سعد: يوماً وليلة.
(١) بعدها في (م): هو.

سُوالا مريكا
١١٢
الآية : ٥٥
والأوَّل أشهر، ورواه الإماميَّة أيضاً عن أبي عبد الله عليه، وإذا كان هو
الذبيح، فناهيكَ في صِدقه أنَّه وعدَ أباه الصبرَ على الذبح بقوله: ﴿سَنَجِدُنِّ إِن شَآءَ
اَللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فوفى. وقال بعضُ الأذكياء - طال بقاؤه -: لا يبعدُ
أنْ يكون ذلك إشارةً إلى هذا الوعد، والصدقُ فيه من أعظم ما يتصوَّر.
﴿وَكَانَ رَسُولًا فِّيََّ ﴾﴾ الكلامُ فيه كالكلام في السابق، بيدَ أنَّهم قالوا هنا: إنَّ
فيه دلالة على أنَّ الرسولَ لا يجبُ أن يكون صاحبَ شريعةٍ مستقلَّةٍ، فإنَّ أولادَ
إبراهيم عليهم السلام كانوا على شريعته، وقد اشتهر خلافه، بل اشترط بعضُهم فيه
أنْ يكون صاحبَ كتابٍ أيضاً. والحقُّ أنَّه ليس بلازم.
وقيل: إنَّ المرادَ بكونه صاحب شريعةٍ أن يكون له شريعةٌ بالنسبة إلى المبعوث
إليهم، وإسماعيلُ عليه السلام كذلك؛ لأنَّه بعث إلى جُرْهم بشريعةٍ أبيه، ولم يبعث
إبراهيم عليه السلام إليهم. ولا يخفى ما فيه.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوِ وَالزَّكَوَةِ﴾ اشتغالاً بالأهمّ، وهو أنْ يبدأ الرجلُ بعد
تكميل نفسه بتكميل من هو أقربُ الناس إليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ﴾ [طه: ١٣٢]، ﴿قُّوَأْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. أو قصداً إلى تكميل الكلِّ بتكميلهم؛ لأنَّهم قدوةٌ يؤتسى بهم.
وقال الحسن: المراد بأهله أمته (١)؛ لكون النبيِّ بمنزلة الأب لأمَّته. ويؤيِّد ذلك أنَّ
في مصحف عبد الله: ((وكان يأمر قومه)(٢).
والمراد بالصلاة والزكاة، قيل: معناهما المشهور. وقيل: المراد بالزكاة مطلق
الصدقة. وحُكي أنَّه عليه السلام كان يأمرُ أهلَه بالصلاة ليلاً، والصدقة نهاراً.
وقيل: المرادُ بها تزكية النفس وتطهيرها .
﴿وَكَانَ عِنْدَ رَيِّدٍ مَرْضِيًا (@) لاستقامة أقواله وأفعاله، وهو اسم مفعول،
وأصلُه: مَرْضُوْرٌ، فأعِلَّ بقلب واوه ياءً؛ لأنَّها طرفٌ بعد واوٍ ساكنة، فاجتمعت
الواو والياء، وسُبِقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت الياءُ في
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: أي أمة الإجابة. اهـ منه.
(٢) البحر المحيط ١٩٩/٦.

الآية : ٥٦
١١٣
الياء، وقلبت الضمَّةُ كسرة. وقرأ ابن أبي عبلة: ((مرضوًّا)) من غير إعلال(١). وعن
العرب أنَّهم قالوا: أرضٌ مَسْنِيَّة ومَسْنوَّة، وهي التي تسقى بالسواني (٢).
﴿وَأَذَّكُرُ فِ اَلْكِتَبِ إِذْرِسَّ﴾ هو نبيٌّ قبلَ نوح، وبينهما - على ما في ((المستدرك))
عن ابن عباس - ألف سنة(٣)، وهو: أخنوخ(٤) بن يرد، بن مهلاييل، بن أنوش، بن
قينان، بن شيث، بن آدم عليه السلام.
وعن وهب بن منبه أنَّه جدُّ نوح عليه السلام. والمشهورُ أنَّه جدُّ أبيه، فإنَّه ابن
لمك بن متوشلخ بن أخنوخ.
وهو أوَّل من نظر في النجوم والحساب، وجعل الله تعالى ذلك من
معجزاته - على ما في ((البحر))(٥) - وأوَّلُ من خطّ بالقلم، وخاطَ الثياب، ولبس
المخيط، وكان خيَّاطاً، وكانوا قبلُ يلبسون الجلود، وأول مُرسَلٍ بعد آدم، وقد
أنزلَ الله تعالى عليه ثلاثين صحيفةً، وأوَّل من اتّخذ الموازين والمكاييل والأسلحة
فقاتل بني قابيل.
وعن ابن مسعود أنَّه إلياس، بُعثَ إلى قومه أنْ يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا
ما شاؤوا، فأبوا وأهلكوا.
والمعوَّل عليه الأول، وإن رَوى القولَ بأنَّه إلياس ابنُ أبي حاتم بسندٍ حسن عن
ابن مسعود (٦).
وهذا اللفظ سريانيٌّ عند الأكثرين، وليس مشتقًّا من الدرس؛ لأنَّ الاشتقاقَ من
غير العربيِّ ممَّا لم يقل به أحد، وكونُه عربيًّا مشتقًّا من ذلك يردُّه منعُ صرفه. نعم،
(١) البحر المحيط ١٩٩/٦.
(٢) السواني جمع سانية، وهي الناقة يسقى عليها.
(٣) المستدرك ٥٤٨/٢ .
(٤) جاء في هامش الأصل ما نصه: بضم الهمزة وفتحها. اهـ. منه.
(٥) ١٩٩/٦.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ١٣٣٦/٤ (٧٥٥٦)، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٨٣/٩، وعلقه
البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ﴾ ... إثر الحديث
(٣٣٤١)، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٦/ ٣٧٣.

١١٤
الآية : ٥٧
لا يبعدُ أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك؛ فلقِّب به لكثرة دراسته.
﴿إِنَُّ كَنَ صِدِّيقًا نِّيَّا ﴾﴾ هو كما تقدم. ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا (3﴾﴾ هو شرفُ النبوّة
والزلفى عند الله تعالى، كما روي عن الحسن، وإليه ذهب الجبائيُّ وأبو مسلم.
وعن أنس وأبي سعيد الخدريّ وكعب ومجاهد: السماء الرابعة.
وعن ابن عباس والضَّخَّاك: السماء السادسة.
وفي روايةٍ أخرى عن الحسن: الجنَّة لا شيء أعلى من الجنَّة.
وعن النابغةِ الجعديِّ أنَّه لما أنشد رسولَ اللهِ وَّهِ الشعرَ الذي آخرُه:
وإنَّا لنرجو فوقَ ذلك مظهرا(١)
بلغنا السماءَ مجدنا وسناؤنا
قال عليه الصلاة والسلام له: ((إلى أين المظهرُ يا أبا ليلى؟)) قال: إلى الجنة
يا رسول الله. قال: ((أجل إن شاء الله تعالى))(٢). وعن قتادة: أنَّه عليه السلام
يعبدُ الله تعالى مع الملائكة عليهم السلام في السماء السابعة، ويرتعُ تارةً في الجنَّة
حيث شاء.
وأكثر القائلین برفعه حسًّا قائلونَ بأنَّه حيٍّ حیث رفع.
وعن مقاتل أنَّه ميت في السماء، وهو قولٌ شاذٌ.
وسبب رفعه على ما رُوي عن كعب وغيره: أنَّه مرَّ ذات يوم في حاجةٍ، فأصابه
وهجُ الشمس، فقال: يارب إنِّي مشيتُ يوماً في الشمس فأصابني منها ما أصابني،
فكيف بمن يحملُها مسيرةَ خمس مئة عام في يومٍ واحد، اللهمّ خفّف عنه من ثقلها
وحَرِّها، فلمَّا أصبحَ الملَكُ وجد من خفَّة الشّمس وحرِّها ما لا يعرف، فقال:
(١) ديوان النابغة ص ٧٣.
(٢) أخرجه البزار (٢١٠٤) كشف الأستار، وأبو نُعيم في تاريخ أصبهان (٧٣/١-٧٤)، وفي
دلائل النبوة (٣٨٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢٣٢/٦). واضطربت رواية البيت في هذه
المصادر، وفي الخبر: يعلى بن الأشدق، وهو ضعيف. انظر مجمع الزوائد ١٢٦/٨،
والإصابة: ١١٨/١٠. وقد توسع الحافظ ابن حجر في طرق الحديث، ثم نقل عن ابن
عبد البر قوله: قصيدة النابغة مطولة نحو مئتي بيت ... وما أظنه إلا أنشدها النبي وَلا قه
كلها. اهـ. وانظر كلام ابن عبد البر في الاستيعاب ٣٤٦/١٠ بهامش الإصابة.

الآية : ٥٧
١١٥
سُودُهُرَنًا
يارب خلقتني لحمل الشمس فماذا الذي قضيتَ فيه؟ قال: إنَّ عبدي إدريس سألني
أنْ أُخفِّف عنك حملها وحرَّها، فأجبته، قال: يارب فاجمع بيني وبينه، واجعل
بيني وبينه خلَّة، فأذن له حتى أتى إدريس، ثمَّ إنه طلبَ منه رفعه إلى السماءِ،
فأذن الله تعالی له بذلك، فرفعه.
وأخرج ابنُ المنذر عن عمر مولى غُفْرةٍ(١) يرفع الحديث إلى النبيِّ وَّ قال:
(إنَّ إدريس كان نبيًّ تقيّ زكيًّا، وكان يَقسمُ دهرَه على نصفين؛ ثلاثةِ أَيَّام يُعلِّم الناسَ
الخير، وأربعة أيَّام يسيحُ في الأرض، ويعبدُ الله تعالى مجتهداً، وكان يصعدُ من
عمله وحدَه إلى السماء من الخير مثلُ ما يصعدُ من جميع أعمال بني آدم، وإنَّ ملك
الموت أحبَّه في الله تعالى، فأتاه حين خرج للسياحة، فقال له: يا نبيَّ الله، إنِّي
أريد أن تأذنَ لي في صحبتك، فقال له إدريس وهو لا يعرفه: إنَّك لن تَقوى على
صحبتي، قال: بلى، إنِّي أرجو أن يقوِّيني الله تعالى على ذلك، فخرج معه يومَه
ذلك، حتى إذا كان من آخر النهار مرَّا براعي غنم، فقال ملك الموت: يا نبيَّ الله،
إنّا لا ندري حيث نمسي، فلو أخذنا جفرةً من هذه الغنم، فأفطرنا عليها، فقال له:
لا تَعُد إلى مثل هذا، أتدعوني إلى أخذ ما ليس لنا، من حيث نمسي يأتينا الله تعالى
برزق، فلمَّا أمسى أتاه الله تعالى بالرزق الذي كان يأتيه، فقال لملك الموت: تقدَّم
فَكُلْ، فقال: لا والذي أكرمك بالنبوة ما أشتهي، فأكل وحده، وقاما جميعاً إلى
الصلاة، ففتر إدريس ونَعَس، ولم يفتر الملك ولم ينعس، فعجبَ منه، وصغرت
عنده عبادته ممَّا رأى، ثمَّ أصبحا فساحا، فلمَّا كان آخر النهار مرَّا بحديقة عنب،
فقال له مثل ما قال أوَّلاً، فلما أمسيا أتاه الله تعالى بالرزق، فدعاه إلى الأكل فلم
يأكل، وقاما إلى الصلاة، وكان من أمرهما ما كان أوَّلاً، فقال له إدريس: لا والذي
(١) في الأصل و(م): عفرة. والتصويب من الدر المنثور ٢٧٤/٤-٢٧٥ ومصادرِ الترجمة، وهو
عمر بن عبد الله المدني، مولى غفرة بنت رباح أخت بلال بن رباح، ويقال: مولى غفرة بنت
شيبة، أدرك ابن عباس، وسأل سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد. قال أحمد: ليس به
بأس، ولكن أكثر حديثه مراسيل، وضعفه ابن معين والنسائي. ولم يسمع من أحد من
أصحاب النبي ◌َّر، كما قال يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: حديثه عن ابن عباس مرسل.
وقال ابن حجر: ضعيف وكان كثير الإرسال، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. انظر
تهذيب الكمال ٤٢٠/٢١-٤٢٢، وتهذيب التهذيب ٢٣٨/٣، وتقريب التهذيب ص٤٨٣ .

سُودا قرنًا
١١٦
الآية : ٥٧
نفسي بيده ما أنت من بني آدم، فقال: أجل لست منهم، وذكر له أنَّه ملَكُ الموت،
فقال: أُمرتَ فيَّ بأمرٍ، فقال: لو أمرتُ فيك بأمرٍ ما ناظرتك، ولكنِّي أحبُّك في الله
تعالى، وصحبتُك له، فقال له: إنَّك معي هذه المدة لم تقبض روحَ أحدٍ من
الخلق، قال: بلى إنِّي معك، وإِنِّي أقبضُ نفسَ من أمرتُ بقبض نفسه في مشارق
الأرض ومغاربها، وما الدنيا كلّها عندي إلَّا كمائدةٍ بين يدي الرجل يتناولُ منها
ما شاء، فقال له: يا ملك الموت، أسألُكَ بالذي أحببتني له وفيه إلَّا قضيتَ لي
حاجةً أسألكها، فقال: سلني يا نبيَّ الله، فقال: أحبُّ أن تذيقني الموتَ، ثم تردًّ
عليَّ روحي، فقال: ما أقدرُ إلَّ أن أستأذنَ، فاستأذن ربَّه تعالى فأذنَ له، فقبضَ
روحه، ثُمَّ ردَّها الله تعالى إليه، فقال له ملك الموت: يا نبيَّ الله كيف وجدت
الموت؟ قال: أعظمُ ممَّا كنت أحدَّثُ وأسمع، ثمَّ سأله رؤية النار، فانطلقَ إلى
أحد أبواب جهنم، فنادَى بعض خزنتها، فلمَّا علموا أنَّه ملكُ الموت ارتعدت
فرائصهم وقالوا: أمرتَ فينا بأمر، فقال: لو أمرتُ فيكم بأمرٍ ما ناظرتكم، ولكنَّ
نبي الله تعالى إدريس سألني أن تُروه لمحةً من النار، ففتحوا له قدر ثقب المِخْيَط،
فأصابه ما صعق منه، فقال ملك الموت: أغلقوا. فغلقوا، وجعل يمسحُ وجه
إدريس ويقول: يا نبيَّ الله تعالى، ما كنت أحبُّ أن يكون هذا حظّك من صحبتي،
فلمَّا أفاق سأله: كيف رأيت؟ قال: أعظم ممَّا كنتُ أحدَّث وأسمع، ثم سأله أن
يريه لمحةً من الجنَّة، ففعل نظيرَ ما فعل قبل، فلمَّا فتحوا له أصابهُ من بردها وطيبها
وريحانها ما أخذ بقلبه، فقال: يا ملكَ الموت إنِّي أحبُّ أن أدخل الجنَّة فآكلَ أكلةً
من ثمارها، وأشربَ شربة من مائها، فلعلَّ ذلك أنْ يكون أشدَّ لطلبتي ورغبتي،
فدخل وأكل وشرب، فقال له ملك الموت: اخرج يا نبيَّ الله تعالى، قد أصبت
حاجتك، حتى يردَّكَ الله عزَّ وجلَّ مع الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة، فاحتضن
بساق شجرةٍ من أشجارها وقال: ما أنا بخارج، وإنْ شئت أن أخاصمكَ
خاصمتُك، فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت: قاضه الخصومة، فقال له: ما الذي
تخاصمني به يا نبيَّ الله تعالى، فقال إدريس: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ
الْوَّتُ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد ذقتُه، وقال سبحانه: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]
وقد وردتها، وقال جلَّ وعلا لأهل الجنة: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَمِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]
أفأخرجُ من شيءٍ ساقه الله عزَّ وجلَّ إليَّ، فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت:

الآية : ٥٨
١١٧
سُؤَادَةٌ فَرِسَ
خَصَمَك عبدي إدريس، وعزَّتي وجلالي، إنَّ في سابق علمي أنْ يكون كذلك، فدعه
فقد احتجَّ عليك بحجّة قوية)). الحديث. والله تعالى أعلمُ بصحته، وكذا بصحّة
ما قبلَه من خبر كعب.
وهذا الرفعُ لاقتضائه علوَّ الشأن ورِفعةً القدر كان فيه من المدح ما فيه، وإلّا
فمجردُ الرفع إلى مكان عالٍ حسًّا ليس بشيء:
فالنارُ يعلوها الدخانُ وربَّما يعلو الغبارُ عمائمَ الفرسان(١)
وادَّعى بعضهم أنَّ الأقربَ أنَّ العلوَّ حسيٍّ؛ لأنَّ الرفعة المقترنة بالمكان
لا تكون معنويَّة. وتُعَقِّب بأنَّ فيه نظراً؛ لأنَّه وَرد مثلُه، بل ما هو أظهرُ منه،
کقوله :
وكن في مكانٍ إذا ما سقطت تقومُ ورجلُكَ في عافية(٢)
فتأمَّل.
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكورين في السورة الكريمة، وما فيه من معنى البعد
للإشعار بعلوِّ مرتبتهم، وبعد منزلتهم في الفضل. وهو مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَتِهِم﴾ أي: بفنون النعم الدينيّة والدنيويَّة حسبما أشير إليه مجملاً = خبرُه
على ما استظهره في ((البحر))(٣).
والحصر عند القائل به إضافيٍّ بالنسبة إلى غير الأنبياء الباقين عليهم الصلاة
والسلام؛ لأنَّهم معروفون بكونهم مُنْعَماً عليهم، فينزلُ الإنعام على غيرهم منزلةً
العدم. وقيل: يُقَدَّر مضاف، أي: بعض الذين أنعم الله عليهم. وقوله تعالى: ﴿مِّنَ
النَّبِيْنَ﴾ بيانٌ للموصول. وقيل: ((من)) تبعيضيَّة بناء على أنَّ المراد: أولئك
المذكورونَ الذين أنعم الله تعالى عليهم بالنِّعم المعهودةِ المذكورة هنا. فيكون
الموضوع والمحمول مخصوصاً بمن سمعت، وهم بعض النبيين. وعموم المفهوم
(١) معاهد التنصيص ٣/ ٧٠.
(٢) هو لأبي الفتح نصر بن محمد بن مقلد القضاعي الشيزري، كما في وفيات الأعيان ١٠٦/٢.
وفيه: ورجلاك. بدل: ورجلك.
(٣) ٢٠٠/٦.

١١٨
الآية : ٥٨
المراد من المحمول في نفسه ومن حيث هو في الذهن لا ينافي أنْ يُقصد به أمرٌ
خاصٌّ في الخارج، كما لا يخفى.
واختير حمل التعريف في الخبر عن الجنس للمبالغة، كما في قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢] والمحذور مندفعٌ بما ذكرنا .
و (من)) في قوله سبحانه: ﴿مِن ذُرِيَّةِ ءَآدَمَ﴾ قيل: بيانيَّة، والجارُّ والمجرور بدلٌ
من الجارِّ والمجرور السابق، والمجرور بدلٌ من المجرور بإعادة الجارِّ، وهو بدلُ
بعض من كلّ؛ بناءً على أنَّ المرادَ ذريته الأنبياء، وهي غيرُ شاملة لآدم عليه
السلام. ولا يخفى بعده.
وقيل: هي تبعيضيّة؛ لأنَّ المنعمَ عليه أخصُّ من الذرية من وجه؛ لشمولها - بناءً
على الظاهر المتبادر منها - غيرَ من أنعم عليه دونه، ولا يضرُّ في ذلك كونها أعمّ
منها من وجهٍ؛ لشموله آدم والملك ومؤمني الجنِّ دونها .
﴿وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح﴾ أي: ومن ذرية من حملناهم معه عليه السلام خصوصاً،
وهم من عدا إدريس عليه السلام؛ لما سمعت من أنَّه قبل نوح، وإبراهيم عليه
السلام كان بالإجماع من ذريَّة سام بن نوح عليهما السلام.
﴿وَمِنْ ذُرِيَّةِ إِنْزَهِمَ﴾ وهم الباقون ﴿وَإِسْرَِّيِلَ﴾ عطفٌ على ((إبراهيم)) أي: ومن
ذرية إسرائيل، أي: يعقوب عليه السلام، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى
وعيسى عليهم السلام.
وفي الآية دليلٌ على أنَّ أولادَ البنات من الذريَّة؛ لدخول عيسى عليه السلام،
ولا أبَ له. وجعلُ إطلاق الذريَّة عليه بطريق التغليب خلافُ الظاهر.
﴿وَمِنَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَنَاْ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ((من ذرية آدم)). و(من))
للتبعيض، أي: ومن جملة من هديناهم إلى الحقِّ واخترناهم للنبوَّة والكرامة.
وجوِّز أن يكون عطفاً على قوله سبحانه: ((من النبيين))، و((من)) للبيان. وأورد عليه
أنَّ ظاهر العطف المغايرة، فيحتاج إلى أن يقال: المرادُ ممن جمعنا له بين النبوّة
والهداية، والاجتباء للكرامة. وهو خلافُ الظاهر.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُثَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَتُكِيًّا﴾ استئنافٌ مساقٌ لبيان

الآية : ٥٨
١١٩
الأثرية
خشيتهم من الله تعالى، وإخباتهم له سبحانه، مع مالهم من علوِّ الرتبة وسموِّ الطبقة
في شرف النسب وكمال النفس، والزُّلفى من الله عَزّ سلطانه.
وقيل: خبرٌ بعد خبر لاسم الإشارة. وقيل: إنَّ الكلامَ انقطع عند قوله تعالى:
((وإسرائيل))، وقوله سبحانه: ((وممن هدينا)) خبرُ مبتدأ محذوف، وهذه الجملة صفةٌ
لذلك المحذوف، أي: وممن هدينا واجتبينا قومٌ إذا تتلى عليه ... إلخ. ونُقل ذلك
عن أبي مسلم.
◌َّ أنَّه قال: نحن عُنينا بهؤلاء
ورَوى بعضُ الإماميَّة عن علي بن الحسين ,
القوم.
ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ الظاهر جدًّا، وحالُ روايات الإمامية لا يخفى على
أرباب التمييز.
وظاهر صنيع بعض المحقّقين اختيارُ أنْ يكون الموصول صفةً لاسم الإشارة،
على ماهو الشائع فيما بعدَ اسم الإشارة، وهذه الجملةُ هي الخبر؛ لأنَّ ذلك أمدحُ
لهم. ووجه ذلك ظاهرٌ عند من يعرفُ حكم الأوصاف والأخبار.
و (سُجَّداً)) جمع: ساجد، وكذا ((بكيًّا)) جمع: باكٍ، كشاهد وشهود، وأصله
بُكْويّ، اجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً،
وأدغمت الياء في الياء وحُرِّكت الكاف بالكسر لمناسبة الياء، وجمعه المقيس:
بكاة، كـ: رامٍ ورُماة، إلّا أنَّه لم يُسمع على ما في ((البحر))(١)، وهو مخالف لما في
((القاموس))(٢) وغيره.
وجَوَّز بعضُهم أن يكون مصدر بکی، کجلوساً مصدر جلس. وهو خلاف
الظاهر. نعم ربّما يقتضيه ما أخرجه ابنُ أبي الدنيا في ((البكاء)) وابنُ جرير وابن
أبي حاتم والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن عمر رظُه أنَّه قرأ سورة مريم، فسجد، ثم
قال: هذا السجود، فأين البكيّ(٣)؟
(١) ٢٠٠/٦.
(٢) مادة (بكى).
(٣) الدر المنثور ٢٧٧/٤، وتفسير الطبري ٥٦٧/١٥، وشعب الإيمان (٢٠٥٩).

◌ُوالا مريكا
١٢٠
الآية : ٥٨
وزعم ابن عطية(١) أن ذلك متعيّنٌ في قراءة عبد الله ويحيى والأعمش وحمزة
والكسائي: ((بِكِيًّا)) بكسر أوله(٢). وليس كما زعم، لأنَّ ذلك إتباع، وظاهرٌ أنَّه
لا يعيِّنُ المصدریّة.
ونصب الاسمين على الحاليّة من ضمير ((خَرُّوا)) أي: ساجدين وباكين، والأوَّل
حالٌ مقدَّرةٌ، كما قال الزجاج(٣) .
والظاهرُ أنَّ المراد من السجود معناهُ الشرعيُّ، والمراد من الآيات ما تضمنته
الكتبُ السماوية، سواءٌ كان مشتملاً على ذكر السجود أم لا، وسواء كان متضمِّناً
لذكر العذاب المنزل بالكفار أم لا. ومن هنا استُدِلَّ بالآية على استحباب السجود
والبكاء عند تلاوة القرآن. وقد أخرج ابنُ ماجه وإسحاق بن راهويه والبزّار في
(مسنديهما)) من حديث سعد(٤) بن أبي وقاص مرفوعاً: ((اتلوا القرآن وابكوا، فإنْ
لم تبكوا فتباكوا))(٥).
وقيل: المراد من السجود سجودُ التلاوة، حسبما تُعبِّدْنا به عند سماع بعض
الآيات القرآنية، فالمراد بآيات الرحمن آياتٌ مخصوصةٌ متضمِّنةٌ لذكر السجود.
وقيل: المراد منه الصلاة. وهو قولٌ ساقطً جدًّا.
وقيل: المراد منه الخشوع والخضوع، والمراد من الآيات ما تضمَّن العذابَ
المنزل بالكفار، وهذا قريبٌ من سابقه.
(١) المحرر الوجيز ٢٢/٤.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٢٠٠. وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٤٨، والنشر ٣١٧/٢.
(٣) في معاني القرآن له ٣٣٥/٣.
(٤) في الأصل و(م): سعيد. وهو خطأ. والتصويب من المصادر.
(٥) سنن ابن ماجه (١٣٣٧) من طريق أبي رافع عن ابن أبي مليكة ... وأبو رافع، إسماعيل بن
أبي رافع: قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٦: ليِّن. وانظر مصباح الزجاجة
١/ ٢٤٠. وأخرجه البزار في مسنده (١٢٣٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن
أبي مليكة ... وقال: هذا الحديث لا يروى عن سعد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد،
وعبد الرحمن بن أبي بكر هذا لين الحديث.