Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ الآية : ٢٣ ﴿وَكُنتُ نَسْيًا﴾ أي: شيئاً تافهاً، شأنُه أن ينسى ولا يعتدّ به أصلاً، كخرقة الطَّمْت. وقرأ الأكثرون: ((نِسياً)) بالكسر (١). وقال الفرَّاء: هما لغتان في ذلك، كالوَتر والوِتر، والفتحُ أحبُّ إليَّ(٢). وقال الفارسيُّ: الكسرُ أعلى اللغتين(٣)، وقال ابنُ الأنباريّ: هو بالكسر اسمٌ لما ينسى كالنقض اسم لما ينقض، وبالفتح مصدرٌ نائبٌ عن الاسم. وقرأ محمد بن كعب القرظي: ((نِسئاً)) بكسر النون والهمزة مكان الياء، وهي قراءة نوف الأعرابيّ(٤). وقرأ بكر بن حبيب السهميّ ومحمد بن كعب أيضاً في رواية: (نَسئاً) بفتح النون والهمز(٥)، على أنَّ ذلك من نسأتُ اللبن إذا صببت عليه ماءً، فاستهلك اللبن فيه لقلَّته، فكأنَّها تمنَّت أنْ تكون مثل ذلك اللبن الذي لا يُرى ولا يتميّز من الماء. ونقل ابنُ عطية عن بكر بن حبيب أنه قرأ: (نَسَا)) بفتح النون والسين من غير همزٍ كعصا (٦). ﴿مَنْسِيًّا ﴾﴾ لا يخطر ببال أحدٍ من الناس. ووصف النسي بذلك؛ لما أنَّه حقيقةٌ عرفيّةٌ فيما يقلُّ الاعتدادُ به، وإن لم ينسَ. وقرأ الأعمش وأبو جعفر في روايةٍ بكسر الميم إتباعاً لحركة السين (٧)، (١) قرأ بفتح النون حمزة وحفص، والباقون بكسرها. التيسير ص١٤٨، والنشر ٣١٨/٢. (٢) معاني القرآن للفراء ١٦٤/٢-١٦٥. (٣) الحجة للقراء السبعة ١٩٦/٥. (٤) ذكرها عنهما أبو حَيّان في البحر ٦/ ١٨٣، وعن محمد بن كعب ابنُ عطية في المحرر ٤/ ١٠، والقرطبي ١٣/ ٤٣٢. (٥) المحتسب ٢/ ٤٠، والبحر المحيط ١٨٣/٦، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ١٠ - وتبعه القرطبي ٤٣٢/١٣ - لنوف البكالي، ونقل عن ابن جني والداني نسبتها لمحمد بن کعب. (٦) كذا في البحر المحيط ١٨٣/٦، والدر المصون ٧/ ٥٨٢ نقلاً عن ابن عطية. والذي في المحرر الوجيز لابن عطية ١٠/٤ وتفسير القرطبي ٤٣٢/١٣ أن بكر بن حبيب قرأ: ((نسًّا)) بتشدید السین، وفتح النون دون همز. (٧) البحر المحيط ١٨٣/٦ عنهما، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٤، = سُوداً مُرْآنسرا ٦٢ الآية : ٢٤ كما قالوا: مِنْتِن، بإتباع حركة الميم لحركة التاء. ﴿فَنَادَتهَا﴾ أي: جبريل عليه السلام كما روي عن ابن عباس ونوف. وقرأ علقمة: فخاطبها. قال أبو حيان: وينبغي أنْ تكون تفسيراً؛ لمخالفتها سوادَ المصحف(١). وقرأ الحبر: ((فناداها مَلَكٌ من تحتها))(٢) وينبغي أنْ يكون المراد به جبريل عليه السلام؛ ليوافق ما روي عنه أوَّلاً . ومعنى ﴿مِن تَحْنِهَا﴾ من مكانٍ أسفلَ منها، وكان واقفاً تحت الأكمة التي صعدتها مسرعةً، كما سمعت آنفاً . ونقل في ((البحر)) (٣) عن الحسن أنَّه قال: ناداها جبريلُ عليه السلام، وكان في بقعةٍ من الأرض أخفضَ من البقعة التي كانت عليها، ، وأقسمَ على ذلك. ولعلَّه إنَّما كان موقفُه عليه السلام هناك إجلالاً لها، وتحاشياً من حضوره بين يديها في تلك الحال. والقول بأنَّه عليه السلام كان تحتَها يُقَبِّل الولدَ، ممّا لا ينبغي أن يُقال؛ لما فيه من نسبة ما لا يليق بشأن أمين وحي الملك المتعال. وقيل: ضمير ((تحتها)) للنخلة. واستظهر أبو حيان(٤) كونَ المنادي عيسى عليه السلام. والضمير لـ ((مريم))، والفاء فصيحة، أي: فولدت غلاماً فأنطقَه الله تعالى حين الولادة، فناداها المولود من تحتها . ورُوي ذلك عن مجاهد، ووهب، وابن جبير، وابن جرير(٥)، وابن زيد، = والزمخشري في الكشاف ٥٠٧/٢ منسوبةً للأعمش فقط. وقراءة أبي جعفر المشهورة عنه کقراءة الجمهور. (١) البحر المحيط ١٨٣/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٨٤. (٢) تفسير القرطبي ٤٣٤/١٣، والبحر المحيط ١٨٣/٦. (٣) ٦/ ١٨٣. (٤) في البحر المحيط ١٨٣/٦. (٥) تفسير الطبري ١٥/ ٥٠٤-٥٠٥ . مس الآية : ٢٤ ٦٣ سودامرئما والجبَّائيّ، ونقله الطبرسيُّ عن الحسن أيضاً(١)، وقرأ الابنان والأبوان(٢)، وعاصم والجحدريّ، وابن عباس والحسن في رواية عنهما: ((مَن)) بفتح الميم(٣) بمعنى ((الذي))، فاعل نادى، و((تحتَها)) ظرفٌ منصوب، صلةٌ لـ ((مَن))، والمرادُ به إمَّا عيسى أو جبريل عليهما الصلاة والسلام. ﴿أَلَّا تَخْزَنِ﴾ أي: أي لا تحزني، على أنَّ((أنْ)) مفسِّرة، أو: بأن لا تحزني، على أنَّها مصدريَّة قد حُذِف عنها الجارّ. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَخْتَكِ﴾ بمكانٍ أسفَل منك. وقيل: تحتَ أمرك، إنْ أمرت بالجري جرى، وإنْ أمرت بالإمساك أمسك. وهو خلاف الظاهر. ﴿سَرِبًا ﴾ أي: جدولاً، كما أخرجُه الحاكم في ((مستدركه)) عن البراء، وقال: إنَّه صحيحٌ على شرط الشيخين(٤). وذكرهُ البخاريُّ تعليقاً موقوفاً عليه(٥)، وأسندَه عبد الرزاق وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم عنه موقوفاً عليه أيضاً (٦)، ولم يصحَّ الرفعُ كما أوضحه الجلالُ السيوطيّ. وعلى ذلك جاء قولُ لبيد يصف عيراً وأتاناً : مسجورة متجاوزاً قُلَّمُها(٧) فتوسَّطا عُرْضَ السريِّ فِصدَّعًا وأنشد ابنُ عباس قول الشاعر: مثل السَّريِّ تمدُّه الأنهارُ(٨) سهلُ الخليقة ماجدٌ ذو نائل (١) مجمع البيان ٣١/١٦، وأخرجها عن الحسن الطبريُّ في تفسيره ٥٠٣/١٥. (٢) الابنان هما ابن عامر وابن كثير، والأبوان هما أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم، فقوله بعدهما : وعاصم، فيه نظر، فقد ذكر رواية أبي بكر عنه، أما قراءة حفص عنه فهي: ((مِن)) بكسر الميم. (٣) البحر المحيط ١٨٣/٦، وقراءة الابنين والأبوين في التيسير ص ١٤٨، والنشر ٣١٨/٢، وقرأ بها أيضاً من العشرة يعقوب من طريق رويس. (٤) المستدرك ٣٧٣/٢. (٥) قبل الحديث (٣٤٣٦). (٦) الدر المنثور ٢٦٨/٤، وتفسير عبد الرزاق ٦/٢-٧، وتفسير الطبري ٥٠٦/١٥. (٧) ديوان لبيد ص ٣٠٧. (٨) أنشده ابن عباس ◌ً في معرض إجابته على سؤالات نافع بن الأزرق. انظر إيضاح الوقف والابتداء لا بن الأنباري ص ٩٠، والدر المنثور ٢٦٨/٤. ٦٤ الآية : ٢٥ وكان ذلك ــ على ما روي عن ابن عباس - جدولاً من الأردنّ، أجراه الله تعالى منه لمَّا أصابها العطش(١). ورويَ أنَّ جبريل عليه السلام ضربَ برجله الأرض، فظهرت عينُ ماءٍ عذبٍ، فجری جدولاً . وقيل: فعل ذلك عيسى عليه السلام، وهو المرويُّ عن أبي جعفرٍ . وقيل: كان ذلك موجوداً من قبل، إلَّ أنَّ الله تعالى نبَّهها عليه. وما تقدَّم هو الموافقُ لمقام بيان ظهور الخوارق، والمتبادر من النظم الكريم. وسمِّيَ الجدولُ سريًّا؛ لأنَّ الماء يسري فيه، فلامُه على هذا المعنى ياء. وعن الحسن وابن زيد والجبائيّ أنَّ المرادَ بالسريّ عيسى عليه السلام. وهو من السَّروٍ، بمعنى الرفعة، كما قال الراغب(٢)، أي: جعل ربُّك تحتك غلاماً رفيعَ الشأن، سامي القدر، وفي ((الصحاح)): هو سخاءٌ في مروءة (٣). وإرادةُ الرفعة أرفعُ قدراً، ولامُه على هذا المعنى واو. والجملة تعليلٌ لانتفاء الحزن المفهوم من النهي عنه. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها؛ لتشريفها، وتأكيد التعليل، وتكميل التسلية. ﴿وَهُزِّ إِلَيْكِ﴾ أي: إلى جهتِك. والهزُّ تحريكٌ يميناً وشمالاً، سواء كان بعنفٍ أو لا، أو تحريكٌ بجذب ودفع، وهو مضمَّنٌ معنى الميل، فلذا عُدِّيَ بـ ((إلى))، أو أنَّه مجازٌ عنه، أو اعتُبر في تعديته ذلك؛ لأنَّه جزءُ معناه، كذا قيل. ومنع أبو حيان (٤) تعلُّقَه بـ ((هزِّي))، وعَلَّل ذلك بأنَّه قد تقرَّر في النحو أنَّ الفعل لا يُعدَّى إلى الضمير المتصل، وقد رفع الضمير المتصل، وليس من باب ظَنَّ، (١) في الأصل: من العطش. (٢) في المفردات (سرى). (٣) الصحاح (سرو). (٤) في البحر ٦/ ١٨٤ . ٦٥ الآية : ٢٥ ولا فَقَد ولا عَدِم، وهما لمدلولٍ واحد، فلا يقال: ضربتَكَ، وزيدٌ ضربُه، على معنى ضربتَ نفسك، وضربَ نفسه. والضميرُ المجرورُ عندهم كالضمير المنصوب، فلا يقال: نظرتَ إليك وزيدٌ نظر [إليه](١)، على معنى نظرتَ إلى نفسك، ونظرَ إلى نفسه. ومن هنا جعلوا ((على)) في قوله: هوِّن عليك فإنَّ الأمور بكفِّ الإله مقاديرُها(٢) اسماً، كما في قوله: غدتْ مِن عليه بعدَ ما تمَّ ظِمْؤُها (٣) وجعلَ الجارّ والمجرور هنا متعلِّقاً بمحذوف، أي: أعني إليك، كما قالوا في: سقياً لك، ونحوه، مما جيءَ به للتبيين. وأنت تعلم أنهم قالوا بمجيء ((إلى) للتبيين، لكن قال ابن مالك وكذا صاحب «القاموس)»: إنَّها المبيِّنَةُ لفاعليَّةِ مجرورِها بعدَ ما يفيدُ حبًّا أو بغضاً من فعل تعجّبٍ أو اسم تفضيل(٤). وما هنا ليس كذلك. وقال في ((الإتقان)(٥): حكى ابنُ عصفور في شرح أبيات ((الإيضاح)) عن ابن الأنباريّ أنَّ ((إلى)) تُستعمل اسماً، فيقال: انصرفت من إليك، كما يقال: غدوتُ من عليه. وخرَّجَ عليه من القرآن: ((وهزِّي إليك)). وبه يندفعُ إشكالُ أبي حيان فيه. انتھی. وكان عليه أن يبيِّن ما معناها على القول بالاسمية، ولعلَّها حينئذٍ بمعنى: ((عند))، فقد صرَّح بمجيئها بهذا المعنى في ((القاموس))(٦)، وأنشد: (١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. وانظر البحر المحيط ٦/ ١٨٤. (٢) هو للأعور الشنِّي، كما في الكتاب ٦٣/١ -٦٤، والحماسة البصرية ٢/٢. (٣) هو صدر بيت، عجزه: تصِلُّ وعن قيضٍ ببيداء مَجْهَل. ذكره سيبويه في الكتاب ٢٣١/٤، والمبرد في المقتضب ٥٣/٣، والكامل ١٠٠١/٢، دون نسبة. ونسبه ابن قتيبة في أدب الكاتب ص٥٠٤، وعبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ١٠/ ١٥٠ لمزاحم العُقيليّ. (٤) القاموس المحيط: باب الألف اللينة (إلى) ص ١٣٤٨. (٥) ٤٨٣/١. (٦) في باب الألف اللينة (إلى) ص١٣٤٩. والبيت الآتي لأبي كبير الهذلي، كما في شرح أشعار الهذليين ١٠٦٩/٣. سؤالا فرنسا ٦٦ الآية : ٢٥ أشهى إليَّ من الرحيقِ السلسلِ أم لا سبيلَ إلى الشباب وذِكْرُه لكن لا يحلو هذا المعنى في الآية. ومثله ما قيل: إنها في ذلك اسمُ فعل. ثم إنَّ حكاية استعمالها اسماً إذا صحَّت تقدحُ في قول أبي حيان(١): لا يمكن أنْ يُدَّعى أنَّ ((إلى)) تكونُ اسماً؛ لإجماع النحاة على حرفيتها . ولعله أراد إجماع من يُعتَدُّ به منهم في نظره. والذي أميلُ إليه في دفع الإشكال أنَّ الفعلَ مضمَّنٌ معنى الميل، والجارُّ والمجرور متعلِّق به، لا بالفعل الرافع للضمير؛ وهو مغزّى بعيدٌ لا ينبغي أنْ يُسارَع إليه بالاعتراض، على أنَّ في القلب من عدم صحة نحو هذا التركيب للقاعدة المذكورة شيئاً؛ لكثرة مجيء ذلك في كلامهم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ومنه البيت المارُّ آنفاً. وقول الشاعر: دعْ عنك نهباً صِيح في حجراتهِ ولكن حديثاً ما حديثُ الرواحل(٢) وقولهم: اذهبْ إليك، وسرْ عنك، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى على المتتبّع. وتأويلُ جميع ما جاء لا يخلو عن تكلُّف. فتأمَّل وأنصف. ثم الفعل هنا منزَّل منزلة اللازم كما في قول ذي الرمة: إلى الضيف يجرح في عراقيبها نَصْلِي(٣) فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها فلذا عُدِّيَ بالباء، أي: افعلي الهزَّ ﴿يِذْعُ النَّخْلَةِ﴾ فالباء للآلة كما في: كتبت بالقلم. وقيل: هو متعدٍّ والمفعول محذوفٌ، والكلام على تقدير مضاف، أي: هُزِّي الثمرةً بهزِّ جذع النخلة. ولا يخفى ما فيه من التكلّف، وأن هزَّ الثمرة لا يخلو عن ركاكة. (١) البحر ٦/ ١٨٤. (٢) هو لامرئ القيس. وهو في ديوانه ص ٩٤. (٣) ديوان ذي الرمة ١/ ١٥٧. ٦٧ الآية : ٢٥ وعن المبرِّد أنَّ مفعوله ((رُطَباً)) الآتي، والكلامُ من باب التنازع. وتُعقّب بأن الهزَّ على الرطب لا يقع إلَّا تبعاً، فجعلُه أصلاً، وجعلُ الأصل تبعاً، حيث أدخَل عليه الباء للاستعانة = غيرُ ملائم، مع ما فيه من الفصل بجواب الأمر بينَه وبين مفعوله، ويكون فيه إعمال الأول، وهو ضعيف لا سيما في هذا المقام. وما ذكر من التعكيس واردٌ على ما فيه من التكلُّف، وهو ظاهر. وما قيل من أنَّ الهزَّ وإن وقع بالأصالة على الجذع، لكن المقصود منه الثمرة، فلهذه النكتة المناسبة جُعلت أصلاً؛ لأنَّ هزَّ الثمرة ثمرةُ الهزّ = لا يدفع الركاكة التي ذكرناها، مع أنَّ المفيد لذلك ما يُذكر في جواب الأمر. وجعل بعضُهم ((بجذع النخلة)) في موضع الحال على تقدير جَعل المفعول ((رطباً)) أو الثمرة، أي: كائنةً، أو كائناً بجذع النخلة. وفيه ثمرة ما لا تسمن ولا تغني. وقيل: الباء مزيدةٌ للتأكيد، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ ﴾ [البقرة: ١٩٥] وقول الشاعر: هنَّ الحرائرُ لا ربَّاتُ أحمرةٍ(١) سودُ المحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّورِ (٢) والوجهُ الصحيحُ الملائم لما عليه التنزيل من غرابة النظم - كما في ((الکشف» ۔ هو الأول. وقول الفرَّاءِ(٣): إنَّه يقال: هزَّه وهزَّ به إنْ أرادَ أنَّهما بمعنَّى كما هو الظاهر، لا يلتفتُ إليه، كما نصَّ عليه بعض من يعوَّل عليه. (١) في الأصل و(م): أخمرة. بالخاء المعجمة. والمثبت من المصادر. قال الجواليقي في شرح أدب الكاتب ص٣٧٨: أحمرة جمع حمار، جمع قلَّة، والكثير حمر، وخص الحمير لأنها رُذَال المال وشرُّه. اهـ. وقال البغدادي في الخزانة ١٠٩/٩-١١٠: وكذا ضبط هذه الكلمة صاحب كتاب ((اللصوص))، وابن المستوفي. وقد صَحّف الدمامينيّ في الحاشية الهندية هذه الكلمة بالخاء المعجمة. وقال: والأخمرة: جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة رأسها ... وتبعه من بعده . (٢) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص١٢٢، أو للقَّال الكلابي، وهو في ديوانه ص٥٣. وانظر بالإضافة للمصادر السابقة أدب الكاتب ص٥٢١ . (٣) معاني القرآن للفراء ١٦٥/٢. سُؤالامرئًا ٦٨ الآية : ٢٥ ﴿تَُقِطْ عَلَيْكِ﴾ من ساقطت بمعنى: أسقطت، والضميرُ المؤنَّث للنخلة، ورجوع الضمير للمضاف إليه شائعٌ، ومن أنكره فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً. وجوَّز أبو حيَّان(١) أن يكون الضميرُ للجذع؛ لاكتسابه التأنيثَ من المضاف إليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَلْنَفِظْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقيَّة(٢)، وقول الشاعر: كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدَّمِ(٣) وتُعقِّب بأنَّه خلاف الظاهر، وإِنْ صحَّ. وقرأ مسروق وأبو حيوة في رواية: ((تُسقِط)) بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف(٤). وفي روايةٍ أخرى عن أبي حيوة أنَّه قرأ كذلك، إلا أنَّه بالياء من تحت(٥). وقوله تعالى: ﴿رُطَبًا﴾ في جميع ذلك نصب على المفعولية، وهو نضيج البُسر، واحدتُه بِهاء، وجُمِع شاذّاً على أرطاب، كربع وأرباع، وعن أبي حيوة أيضاً أنَّه قرأ: ((تَسقُط)) بالتاء من فوق مفتوحةً، وضمِّ القاف، وعنه أيضاً كذلك، إلّا أنَّه بالياء من تحت، فنصب ((رطباً)) على التمييز، وروي عنه أنَّه رفعه في القراءة الأخيرة على الفاعليَّة(٦). وقرأ أبو السمَّال: ((تَتَساقط)) بتاءين، وقرأ البراء بن عازب: ((يَسَّاقط)) بالياء من تحت، مضارع: اسَّاقط (٧). (١) في البحر ٦/ ١٨٥ . (٢) قرأ بها مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة. انظر إعراب القرآن للنحاس ٣١٦/٢، وتفسير القرطبي ٢٦٤/١١. وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٢ عن الحسن فقط. (٣) هو عجز بيت للأعشى، وصدره: وتَشرق بالقول الذي قد أذَعْتَه وهو في ديوانه ص١٧٣، وسلف ٣٦٦/٤. (٤) البحر المحيط ١٨٤/٦، ونقل الطبري في تفسيره ٥١٤/٥ نسبتها لأبي نهيك. (٥) البحر المحيط ١٨٥/٦. (٦) البحر المحيط ١٨٥/٦. (٧) البحر المحيط ١٨٤/٦. وبالأخيرة قرأ أيضاً يعقوب من العشرة، انظر النشر ٣١٨/٢. الآية : ٢٥ ٦٩ سُوَالأُ مُرآنسرا وقرأ الجمهور: ((تَسَّاقَط)) بفتح التاء من فوق، وشدِّ السين بعدها ألف، وفتح القاف(١). والنصب على هذه الثلاثة على التمييز أيضاً. وجُوّزَ في بعض القراءات أنْ يكونَ على الحالية الموّئة، وإذا أُضمِر ضمير مذكَّر على إحدى القراءات فهو للجذع، وإذا أضمر ضميرٌ مؤنث فهو للنخلة، أو له على ما سمعت. ﴿َجَنْيًّاً ﴾﴾ أي: مجنيًّا، ففعيل بمعنى مفعول، أي: صالحاً للاجتناء. وفي ((القاموس)»: ثمرٌ جنيٍّ: جُنِي من ساعته(٢). وعليه قيل: المعنى: رطباً يقول من يراه: هو جنيّ، وهو صفةُ مدح، فإنَّ ما يُجنى أحسنُ مما يسقط بالهزِّ، وما قَرُب عهده أحسنُ مما بَعُدَ عهده. وقيل: فعيل بمعنى فاعل، أي: رطباً طريًّا، وكأن المراد - على ما قيل - أنَّه تمّ نضجُه. وقرأ طلحةُ بن سليمان: ((جِنِيًّا)) بكسر الجيم للإتباع(٣)، ووجه التذكير ظاهر. وعن ابن السيد أنَّه قال في ((شرح أدب الكاتب)): كان يجب أنْ يقال: جنيَّة، إلَّا أَنَّه أخرجَ بعض الكلام على التذكير وبعضه على التأنيث(٤). وفيه نظر. روي عن ابن عباس أنَّه لم يكن للنخلة إلَّا الجذع، ولم يكن لها رأسٌ، فلمَّا هزته إذ السعف قد طلع، ثمَّ نظرت إلى الطلع يخرجُ من بين السعف، ثم اخضرَّ فصار بلحاً، ثمَّ احمرَّ فصار زهواً، ثم رطباً، كلٌّ ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقعُ بين يديها، وكان برنيًّا. وقيل: عجوة، وهو المرويُّ عن أبي عبد الله (١) وهي قراءة نافع، وشعبة عن عاصم، وابن عامر، وابن كثير، وأبي عمرو البصري، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف. وقرأ حمزة: ((تَسَاقط)) بفتح التاء والقاف مع التخفيف. وقرأ حفص: ((تُسَاقط)) بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين. انظر التيسير ص١٩٤، والنشر ٣١٨/٢. (٢) القاموس (جني). (٣) المحتسب ٤١/٢، والبحر المحيط ١٨٥/٦. (٤) الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ٣٠٣/٢. : سُؤَدَلاَ مُرَيَا ٧٠ الآية : ٢٦ والظاهر أنَّها لم تحمل سوی الرطب، وقيل: کان معه موز، وروي ذلك عن أبي روق، وإنَّما اقتصرَ عليه لغاية نفعه للنفساء، فعن الباقر مظلته: لم تستشف النفساءُ بمثل الرطب، إنَّ الله أطعمهُ مريم في نفاسها . وقالوا: ما للنفساء خيرٌ من الرطب، ولا للمريض خيرٌ من العسل. وقيل: المرأة إذا عسر ولادها لم يكن لها خيرٌ من الرطب، وذكر أنَّ التمر للنفساء عادةٌ من ذلك الوقت، وكذا التحنيكُ. وفي أمرها بالهزِّ إشارةٌ إلى أنَّ السعي في تحصيل الرزق في الجملة مطلوبٌ، وهو لا ينافي التوكل، وما أحسنَ ما قيل: وهزِّي إليك الجذع يَسَّاقط الرُّطبْ ألم تر أنَّ الله أوحى لمريم إليها ولكن كلُّ شيء له سببْ(١) ولو شاء أحنی الجذعَ من غیر هزّه من ذلك الرطب ﴿وَاشْرَبِ﴾ من ذلك السريّ. وقيل: من عصير الرطب، وكان في غاية الطراوة، فلا يتمُّ الاستدلال بذكر الشرب على تعيُّن تفسير السريِّ بالجدول. وما ألطفَ ما أرشد إليه النظم الكريم من إحضار الماء أولاً والطعام ثانياً، ثم الأكل ثالثاً والشرب رابعاً، فإنَّ الاهتمام بالماء أشدُّ من الاهتمام بالأكل، لا سيما ممَّن يريد أن يأكل ما يحوج إلى الماء، كالأشياء الحلوة الحارَّة، والعادةُ قاضيةٌ بأنَّ الأكل بعد الشرب، ولذا قدَّم الأكلَ على الشرب حيث وقع. وقيل: قدَّم الماء لأنَّه أصلٌ في النفع، ونفعُه عامٌّ للتنظيف ونحوه، وقد كان جارياً، وهو أظهرُ في إزالة الحزن، وأخَّرَ الشرب للعادة. وقيل: قدَّم الأكلَ؛ ليجاور ما يشاكلُه، وهو الرطب. والأمر، قيل: يحتملُ الوجوب والندب، وذلك باعتبار حالها، وقيل: هو للإباحة. (١) البيتان في ثمار القلوب للثعالبي ص٣٠٦ -٣٠٧ دون نسبة. ورواية البيت الثاني فيه: ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن كلُّ شيءٍ له سبب الآية : ٢٦ ٧١ سُؤَالأُ مَرَنِسَا ﴿وَقَرِى عَيْئًا﴾ وطيبي نفساً وارفضي عنها ما أحزنكِ. وقرئ بكسر القاف، وهي لغة نجد (١)، وهم يفتحون عين الماضي، ويكسرون عين المضارع، وغيرهم يكسرهما، وذلك من القَرِّ بمعنى السكون، فإنَّ العين إذا رأت ما يسرُّ النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، ويشهد له قوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] من الحزن. أو بمعنى البرد؛ فإنَّ دمعةَ السرور باردةٌ، ودمعةً الحزن حارَّة، ويشهد له قولهم: قَرَّةُ العين وسُخْتَتُها للمحبوب والمكروه. وتسليتُها عليها السلام بما تضمَّنته الآية من إجراء الماء وإخراج الرطب، من حيثُ إنَّهما أمران خارقان للعادة، فكأنَّه قيل: لا تحزني، فإنَّ الله تعالى قديرٌ، ينزِّه ساحتك عما يختلجُ في صدور المتقيدين بالأحكام العادية، بأن يرشِدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك بما أظهرَ لهم من البسائط العنصرية والمركبات النباتية، ما يخرق العادات التكوينية، وفرَّع على التسلية الأمر بالأكل والشرب؛ لأنَّ الحزينَ قد لا يتفرَّغُ لمثل ذلك، وأگَّد ذلك بالأمر الأخير. ومن فسَّر السريّ برفيع الشأن سامي القدر؛ جعل التسليةَ بإخراج الرطب كما سمعت، وبالسريِّ من حيثُ إنَّ رفعةَ الشأن مما يتبعها تنزيهُ ساحتها، فكأنه قيل: لا تحزني، فإنَّ الله سبحانه قد أظهر لك ما ينزِّه ساحتك قالاً وحالاً. وقد يؤيَّد هذا في الجملة بما روي عن ابن زيد قال: قال عيسى عليه السلام لها: لا تحزني، فقالت: كيف لا أحزن وأنت معي ولستُ ذاتَ زوج ولا مملوكة، فأيُّ شيءٍ عذري عند الناس، ليتني متُّ قبل هذا، فقال لها عليه السلام: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: آدميًّا كائناً من كان. وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه ابنُ الروميّ: ((ترئنَّ)) بالإبدال من الياء همزة. وزعم ابن خالويه أن هذا لحن عند أكثر النحويين (٢). (١) تفسير الطبري ٥١٦/١٥، وتفسير القرطبي ٤٣٧/١٣، والبحر المحيط ١٨٥/٦. قال العكبري في الإملاء ١١٣/٢ - مصورة دار الكتب العلمية: والكسر قراءة شاذة. (٢) القراءات الشاذة ص٨٤، وأوردها ابن جني في المحتسب ٤٢/٢ - وضعفها - وأبو حيان في البحر ١٨٥/٦ . ٧٢ الآية : ٢٦ وقال الزمخشريُّ: إنَّه من لغة من يقول: لبأتُ بالحجِّ، وحَلأتُ السويق، وذلك لتآخٍ بين الهمزة وحروف اللين في الإبدال(١). وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة: ((تَرَيْنَ)) بسكون الياء وفتح النون خفيفة (٢). قال ابن جنِّي(٣): هي شانَّةٌ. وكان القياسُ حذف النون للجازم، كما في قول الأفوه الأوديّ: مأسُ زمانٍ ذي انتكاسٍ مَؤُوسْ(٤) إمَّا تَرَي رأسِيَ أزرى به ﴿فَقُولِ﴾ له إن استنطقك: ﴿إِنِ تَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وقرأ زيدُ بن عليٍّ ◌َلُه: (صياماً)). والمعنى واحد، أي: صمتاً، كما في مصحف عبد الله، وقرأ به أنسُ بن مالك(٥). فالمراد بالصوم الإمساك، وإطلاقه على ما ذكر باعتبار أنَّه بعضُ أفراده، كإطلاق الإنسان على زيد، وهو حقيقة. وقيل: إطلاقه عليه مجاز، والقرينة التفريعُ الآتي، وهو ظاهر على ذلك. وقال بعضهم: المراد به الصوم عن المفطرات المعلومة وعن الكلام، وكانوا لا يتكلمون في صيامهم، وكان قربةً في دينهم، فيصح نذره. وقد نهى النبيُّ وَّلـ عنه (٦)، فهو منسوٌ في شرعنا كما ذكره الجصاص في كتاب ((الأحكام))(٧). (١) الكشاف ٢/ ٥٠٧ . (٢) المحتسب ٤٢/٢ عن طلحة، وتفسير القرطبي ٤٣٩/١٣، والبحر المحيط ١٨٥/٦. وقراءة أبي جعفر المتواترة عنه كقراءة الجمهور. (٣) في المحتسب ٤٢/٢. (٤) ديوان الأفوه الأودي ص١٦ (الطرائف الأدبية). قال المعري في رسالة الملائكة ص١٣: مأس بين القوم إذا أفسد بينهم. (٥) قراءة زيد بن علي في البحر المحيط ١٨٥/٦، وقراءة أنس في تفسير الرازي ٢٠٦/٢١، والبحر المحيط ١٨٥/٦. (٦) كما في حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبيَُّ﴾: (مره فليتكلم، وليستظلَّ، وليقعد، وليتمَّ صومه)) أخرجه البخاري (٦٧٠٤) عن ابن عباس . (٧) أحكام القرآن للجصاص ٢١٧/٣. الآية : ٢٦ ٧٣ سؤالا مرئى وروي عن أبي بكر ﴿ه أنَّه دخل على امرأةٍ قد نذرت أن لا تتكلم، فقال: إنَّ الإسلامَ هدمَ هذا، فتكلَّمي(١). وفي ((شرح البخاريِ)) لابن حجر عن ابن قدامة أنَّه ليس من شريعة الإسلام(٢). وظاهرُ الأخبار تحريمه، فإن نذرَه لا يلزمُه الوفاء به، ولا خلافَ فيه بين الشافعية والحنفية لما فيه من التضييق، وليس في شرعنا، وإنْ كان قربةً في شرع من قبلنا، فتردُّد الفقَّالِ في الجواز وعدمِه ناشئٌّ من قلَّة الاطلاع. وفي بعض الآثار ما يدل ظاهره على أن نذر الصمت كان من مريم عليها السلام خاصة، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن حارثة بن مضرب قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان، فسلّم أحدهما ولم يسلّم الآخر، ثمَّ جلسا، فقال القوم: ما لصاحبك لم يُسلِّم؟ قال: إنَّه نذرَ صوماً، لا يكلِّم اليوم إنسيًّا. فقال له ابن مسعود: بئس ما قلت، إنَّما كانت تلك المرأة قالت ذلك ليكون عذراً لها إذا سئلت، وكانوا ينكرون أنْ يكون ولدٌ من غير زوج، إلَّا زنّى، فكلُّم وَأُمُر بالمعروف وانْهَ عن المنكر، فإنَّه خيرٌ لك(٣). والظاهر على المعنى الأخير للصوم أنَّه باعتبار الصمت فيه فرع قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَّوْمَ إِنسِيًّا ﴾﴾ أي: بعد أن أخبرتُكم بنذري، فيكون(٤) قد نذرَتْ أن لا تكلِّم إنسيًّا بغير هذا الإخبار، فلا يكونُ مبطلاً له؛ لأنَّه ليس بمنذورٍ، ويحتملُ أنَّ هذا تفسيرٌ للنذر بذکر صيغته. وقالت فرقة: أمرت أن تخبر بنذرها بالإشارة، قيل: وهو الأظهر. (١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧٦/١٠ بإسناده عن زيد بن وهب عن أبي بكر. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٧/ ١٥٠: ولا يقول أبو بكر مثل هذا إلا عن توقيف، فيكون في حكم المرفوع. اهـ. وفي ((صحيح البخاري)) (٣٨٣٤) نحوه من حديث قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة ... (٢) فتح الباري ٧/ ١٥٠. وكلام ابن قدامة في ((المغني)) ٤/ ٤٨١. (٣) الدر المنثور ٢٦٩/٤-٢٧٠. وانظر تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٠٦/٧. (٤) في (م): فتكون. ٧٤ الآية : ٢٧ قال الفراء: العربُ تسمِّي كلَّ ما وصلَ إلى الإنسان كلاماً، بأيِّ طريق وصل، ما لم يؤَّد بالمصدر، فإذا أكّد لم يكن إلَّا حقيقة الكلام. ويفهم من قوله تعالى: ((إنسيًّا)) دون: أحداً، أنَّ المراد: فلن أكلِّم اليوم إنسيًّا، وإنَّما أكلِّم المَلَك وأناجي ربِّي. وإنَّما أمرت عليها السلام بذلك - على ما قاله غير واحدٍ - لكراهة مجادلة السفهاء، والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام، فإنَّه نصٌّ قاطعٌ في قطع الطعن. ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَّحْمِلٌ﴾ أي: جاءتهم مع ولدها حاملةً إيّاه، على أنَّ الباءَ للمصاحبة، ولو جُعلت للتعدية صحَّ أيضاً. والجملة في موضع الحال من ضمير ((مريم))، أو من ضمير ولدها. وكان هذا المجيء على ما أخرج سعيدُ بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس: بعد أربعين يوماً، حين طهرت من نفاسها(١). قيل: إنَّها حنَّت إلى الوطن، وعلمت أن ستُكفى أمرها، فأتَت به، فلمَّا دخلت عليهم تباكوا، وقيل: همُّوا برجمها، حتى تكلم عيسى عليه السلام. وجاء في روايةٍ عن الحبر أنَّها لمَّا انتبذت من أهلها وراء الجبل فقدوها من محرابها، فسألوا يوسفَ عنها، فقال: لا علم لي بها، وإنَّ مفتاحَ باب محرابها عند زكريّا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب فلم يجدوها، فاتَّهموه فأخذوه ووبَّخوه، فقال رجل: إنِّي رأيتُها في موضع كذا، فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي هي من تحته، فانطلقوا إليه، فلما رأتهم قد أقبلوا إليها احتملت الولد إلیھم، حتی تلقتهم به، ثم کان ما كان. وظاهر الآية والأخبار أنَّها جاءتهم به من غير طلبٍ منهم. وقيل: أرسلوا إليها: لتحضري إلينا بولدك، وكان الشيطان قد أخبرهم بولادتها، فحضرت إليهم به، فلمَّا رأوهما ﴿قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَغَدْ جِئْتِ﴾ فعلت ﴿شَيْئًا (٣)﴾ قال قتادة: عظيماً. وقيل: عجيباً. وأصله من فَرى الجلد: قطعه على فَرِيًّا (١) الدر المنثور ٤/ ٢٧٠، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٩٦/٧٠. الآية : ٢٨ ٧٥ وجه الإصلاح أو الإفساد، وقيل: من أفراه كذلك. واختير الأول لأنَّ فعيلاً إنَّما يصاغ قياساً من الثلاثيّ، وعدمُ التفرقة بينه وبين المزيد في المعنى هو الذي ذهب إليه صاحب ((القاموس)) (١) . وفي ((الصحاح))(٢) عن الكسائيّ أنَّ الفريَ القطعُ على وَجْه الإصلاح، والإفراءَ على وجه الإفساد، وعن الراغب(٣) مثلُ ذلك. وقيل: الإفراء عامٌّ. وأيًّا ما كان فقد استُغير الفري لما ذكر في تفسيره. وفي ((البحر))(٤): أنَّه يستعمل في العظيم من الأمر؛ شرًّا أو خيراً، قولاً أو فعلاً. ومنه في وصف عمر عنه: ((فلم أرَ عبقريًّا يفري فَريَّهُ))(٥) وفي المثل: جاء يفري الفرِيَّ (٦). ونصب ((شيئاً)) على أنَّه مفعولٌ به. وقيل: على أنَّه مفعولٌ مطلق، أي: لقد جئتٍ مجيئاً عجيباً. وعبَّر عنه بالشيء تحقيقاً للاستغراب. وقرأ أبو حيوة - فيما نقل ابن عطية - (٧): ((فَرْياً)) بسكون الراء، وفيما نقل ابن خالويه: ((فرئاً))(٨) بالهمزة. ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ استئنافٌ لتجديد التعبير، وتأكيد التوبيخ. وليس المرادُ بهارون أخا موسى بن عمران عليهما السلام؛ لما أخرج أحمدُ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ (١) مادة (فری). (٢) مادة (فرى). (٣) المفردات (فری). (٤) ٦ / ١٧٠. (٥) أخرجه البخاري (٣٦٣٤)، ومسلم (٢٣٩٣)، وأحمد (٤٨١٤) من حديث ابن عمر ش وأخرجه أيضاً البخاري (٧٤٧٥) من حديث أبي هريرة . (٦) مجمع الأمثال ١/ ١٧٧ . (٧) في المحرر الوجيز ١٣/٤ . (٨) كذا رسمت في الأصل، ومثله في مطبوع البحر المحيط ١٨٦/٦. وعنه نقل المصنف. ووقع في القراءات الشاذة ص٨٤، والدر المصون ٧/ ٥٩٢، وتاج العروس (فرأ): فريئاً. ولعله الصواب. سؤالا ڤرپسر ٧٦ الآية : ٢٨ والطبرانيُّ وابنُ حبان وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسولُ الله وَلجه إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيتَ ما تقرؤون: ((يا أخت هارون))، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، قال: فرجعتُ فذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: (ألا أخبرتَهم أنَّهم كانوا يسمُّون بالأنبياء والصالحين قبلهم))(١)، بل هو - على ما روي عن الكلبيّ - أخٌ لها من أبيها. وأخرج عبدُ الرزاق وعبدُ بن حميد عن قتادة قال: هو رجلٌ صالحٌ في بني إسرائيل(٢) . وروي عنه أنَّه قال: ذكر لنا أنَّه تبعَ جنازته يوم مات أربعون ألفاً من بني إسرائيل، كلّهم يسمَّى هارون. والأختُ على هذا بمعنى المشابهة، وشبّهوها به تهكماً، أو لما رأوا قبلُ من صلاحها . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه رجلٌ طالحٌ فَشَبّهوها به شتماً لها(٣). وقيل: المراد: هارون أخو موسى عليهما السلام، وأخرجَ ذلك ابنُ أبي حاتم أيضاً عن السُّدِّيّ وعليٍّ بن أبي طلحة. وكانت من أعقاب من كان معه في طبقةٍ الإخوة، فوصفها بالأخوَّة؛ لكونها وصفَ أصلها . وجُوَّزَ أنْ يكون هارون مطلقاً على نسله، كهاشم وتميم، والمراد بالأخت أنَّها واحدةٌ منهم، كما يقال: أخا العرب، وهو المرويُّ عن السُّدِّي. ﴿مَا كَانَ أَبُكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّاً (٨)﴾ تقريرٌ لكون ما جاءت به فريًّا، أو تنبيهٌ على أنَّ ارتكابَ الفواحش من أولاد الصالحين أفحشُ. (١) مسند أحمد (١٨٢٠١)، وصحيح مسلم (٢١٣٥)، وسنن الترمذي (٣١٥٥)، وسنن النسائي الكبرى (١١٢٥٣)، والمعجم الكبير للطبراني ٢٠/ (٩٨٦)، وصحيح ابن حبان (٦٢٥٠). (٢) تفسير عبد الرزاق ٧/٢-٨. (٣) الدر المنثور ٢٧٠/٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٠٧/٧ (١٣١٢٠). الآية : ٢٩ ٧٧ سُودافرنسا وفيه دليلٌ على أنَّ الفروعَ غالباً تكونُ زاكيةً إذا زكت الأصول، ويُنكَر عليها إذا جاءت بضدٍ ذلك. وقرأ عمر بن بجاء (١) التيميُّ الشاعر الذي كان يُهاجي جريراً: ((ما كان أباكِ امرُؤُ سَوْء)»(٣) بجعل الخبر المعرفة، والاسم النكرة. وحسَّن ذلك قليلاً وجودُ مسوِّغ الابتداء فيها، وهو الإضافة. ◌ِفَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى عيسى عليه السلام أنْ كلِّموه. قال شيخ الإسلام(٣): والظاهر أنَّها بيَّنت حينئذٍ نذرَها، وأنَّها بمعزلٍ من محاورة الإنس حسبما أُمرت، ففيه دلالة على أنَّ المأمورَ به بيانُ نذرها بالإشارة لا بالعبارة، والجمعُ بينهما مما لا عهد به . ﴿قَالُوا﴾ منكرين لجوابها. وفي بعض الآثار أنَّها لمَّا أشارت إليه أنْ كلِّموه، قالوا: استخفافُها بنا أشدُّ من زناها. وحاشاها، ثم قالوا: ﴿كَيْفَ تُكَلِمُ مَن كَانَ فِي اٌلْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾ قال قتادة: ((المهد)»: حِجْر أمِّه. وقال عكرمة: المرباة، أي: المرجحة. وقيل: سريره. وقيل: المكان الذي يستقرُّ عليه. واستشكلت الآية بأنَّ كلَّ من يكلِّمُه الناس كان في المهد صبيًّا قبل زمان تكليمه، فلا يكون محلًّا للتعجّب والإنكار. وأجاب الزمخشريُ(٤) عن ذلك بوجهین: الأول: أن ((كان)) لإيقاع مضمون الجملة في زمانٍ ماضٍ مبهم، يصلحُ لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصَّة، والدّالّ عليه أنَّ الكلام مسوقٌ للتعجب، فيكون المعنى: كيف نكَلِّمُ من كان بالأمس وقريباً منه من هذا الوقت في المهد، وغرضُهم من ذلك استمرار حال الصبيِّ به لم يبرح بعد عنه. ولو قيل: من هو في المهد، لم (١) كذا في الأصل و(م)، وهو تحريف، والصواب: لجأ، كما في المصادر. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٥، والكشاف ٥٠٨/٢، وتفسير القرطبي ٤٤٤/١٣. وتحرفت في مطبوع البحر المحيط ١٨٦/٦ - وعنه نقل المصنف - إلى: ((ما كان أبوك امرء سوء)». ويدل على تحريفه ما ذكره أبو حيان بعده. (٣) تفسير أبي السعود ٢٦٣/٥. (٤) في الكشاف ٥٠٨/٢ . ٧٨ الآية : ٣٠ يكن فيه تلك الوكادة من حيث السابق، كالشاهد على ذلك، و((من)) على هذا موصولةٌ يرادُ بها عيسى عليه السلام. الثاني: أن يكون ((نكلِّم)) حكاية حالٍ ماضية، و((من)) موصوفة، والمعنى: كيف نكلِّم الموصوفين بأنَّهم في المهد، أي: ما كلَّمناهم إلى الآن حتى نكلِّم هذا، وفي العدول عن الماضي إلى الحال إفادةُ التصوير والاستمرار. وهذا كما في ((الكشف)» وجهٌ حسنٌ ملائم. وقال أبو عبيدة: ((كان)) زائدةٌ لمجرَّد التأكيد من غير دلالة على الزمان، و(صبيًّا)) حالٌ مؤكِّدةٌ، والعامل فيها الاستقرار(١). فقول ابن الأنباريّ: إنَّ ((كان)) نصبت هنا الخبر، والزائدة لا تنصبه(٢). ليس بشيء، والمعنى: كيف نكلِّم من هو في المهد الآن حالَ كونه صبيًّا. وعلى قول من قال: إنَّ ((كان)) الزائدة لا تدلُّ على حدثٍ، لكنَّها تدل على زمانٍ ماضٍ مقيَّد به ما زيدت فيه، كالسيرافي = لا يندفعُ الإشكال بالقول بزیادتها . وقال الزجاج: الأجودُ أن تكون ((من)) شرطية، لا موصولة ولا موصوفة، أي: من كان في المهد فكيف نكلِّمه(٣). وهذا كما يقال: كيف أعظُ من لا يعمل بموعظتي. والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء، فلا إشكال في ذلك. ولا يخفى بعده. ﴿قَالَ﴾ اسئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من سياق النظم الكريم، كأنه قيل: فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال عيسى عليه السلام: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ رُوي أنَّه عليه السلام كان يرضع، فلمَّا سمع ما قالوا ترك الرضاع، وأقبلَ عليهم بوجهه، واتكاً على يساره، وأشار بسبابته، فقال ما قال. وقيل: إنَّ زكريا عليه السلام أقبَل عليه يستنطقه، فقال ذلك. وذكر عبوديته لله تعالى أولاً؛ لأنَّ الاعتراف بذلك ــ على ما قيل - أوَّلُ مقامات السالكين. (١) مجاز القرآن ٢/ ٧. (٢) انظر الأضداد لأبي بكر الأنباري ص٦٢ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٣٢٨/٣. الآية : ٣١ ٧٩ ◌ُدلاً مرئيا وفيه ردٌّ على من يزعم ربوبيَّته. وفي جميع ما قال تنبيهٌ على براءة أمِّه؛ لدلالته على الاصطفاء، والله سبحانه أجلُّ من أن يصطفي ولد الزنى، وذلك من المسلّمات عندهم. وفيه من إجلال أمِّه عليهما السلام ما ليس في التصريح. وقيل: لأنه تعالى لا يَخصُّ بولدٍ موصوفٍ بما ذُكر إلَّا مبرَّأة مصطفاة. واختلف في أنَّه بعد أن تكلّم بما ذكر هل بقيَ يتكلّم كعادة الرجال، أو لم يتكلّم حتى بلغ مبلغاً يتكلّم فيه الصبيان، وعدُّه عليه السلام في عداد الذين تكلَّموا في المهد(١) ثمَّ لم يتكلموا إلى وقت العادة ظاهرٌ في الثاني. ﴿وَاتَنِىَ الْكِتَبَ﴾ الظاهر أنَّه الإنجيل. وقيل: التوراة. وقيل: مجموعهما. ﴿وَجَعَلَنِى نِيًّا ﴾ وَجَعَلَنِى﴾ مع ذلك ﴿مُبَارَكًا﴾ قال مجاهد: نفَّاعاً، ومن نفعِه إبراءُ الأكمه والأبرص. وقال سفيان: معلم الخير. [وقيل] (٢): آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. وعن الضحاك: قاضياً للحوائج. والأول أولى؛ لعمومه، والتعبيرُ بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة، إمَّا باعتبار ما في القضاء المحتوم، أو بجعل ما في شرف الوقوع لا محالة کالذي وقع. وقيل: أكملَه الله تعالى عقلاً، واستنبأه طفلاً. وروي ذلك عن الحسن. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس أنَّ عيسى عليه السلام درسَ الإنجيل وأحكمه في بطن أمِّه، وذلك قوله: ((آتانيَ الكتاب)»(٣). ﴿أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ أي: حيثما كنت. وفي ((البحر)) أنَّ هذا شرطً، وجزاؤه محذوفٌ، تقديره: جعلني مباركاً، وحذفَ لدلالة ما تقدَّم عليه. ولا يجوزُ أنْ يكون معمولاً لـ ((جعلني)) السابق؛ لأنَّ ((أين)) لا تكونُ إلَّا (١) الحديث في الثلاثة الذين تكلموا في المهد أخرجه البخاري (٣٤٣٦) ومسلم (٢٥٥٠) من حديث أبي هريرة څ. (٢) ما بين حاصرتين من البحر المحيط ١٨٧/٦ وعنه نقل المصنف. (٣) الدر المنثور ٤/ ٢٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٠٨/٧ (١٣١٢٤). سُؤَادَلةُ مَرِيرًا ٨٠ الآية : ٣١ استفهاماً أو شرطاً، والأول لا يجوز هنا، فتعيَّن الثاني، واسمُ الشرط لا ينصبُه فعلٌ قبلَه، وإنَّما هو معمولٌ للفعل الذي يليه. ﴿وَأَوْصَنِ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ﴾ أي: أمرني بهما أمراً مؤكّداً. والظاهر أنَّ المرادَ بهما ما شُرع في البدن والمال على وجه مخصوص. وقيل: المراد بالزكاة زكاة الفطر. وقيل: المرادُ بالصلاة الدعاء، وبالزكاة تطهير النفس عن الرذائل. ويتعيَّن هذا في الزكاة على ما نُقِل عن ابن عطاء الله، وإنْ كان منظوراً فيه من أنَّه لا زكاةَ على الأنبياء عليهم السلام؛ لأنَّ الله تعالى نزَّههم عن الدنيا، فما في أيديهم الله تعالى، ولذا لا يورثون، أو لأنَّ الزكاة تطهيرٌ وكسبهم طاهر. وقيل لا يتعيَّن؛ لأنَّ ذلك أمرٌ له بإيجاب الزكاة على أمته. وهو خلافُ الظاهر. وإذا قيل بحمل الزكاة على الظاهر، فالظاهر أنَّ المراد: ((أوصاني)) بأداء زكاة المال إنْ ملكتُه، فلا مانع من أنْ يشمل التوقيت بقوله سبحانه: ﴿مَا دُمْتُ حَيًَّ ﴾﴾ مدَّةَ كونه عليه السلام في السماء، ويلتزمُ القول بوجوب الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام هناك، كذا قيل. وأنت تعلم أنَّ الظاهرَ المتبادرَ من المدَّة المذكورة مدَّةُ كونه عليه الصلاة والسلام حيًّا في الدنيا على ما هو المتعارف، وذلك لا يشملُ مدَّة كونه عليه السلام في السماء. ونقل ابنُ عطية أنَّ أهل المدينة وابن كثير وأبا عمرو قرؤوا: ((دِمْتُ)) بكسر الدال(١). ولم نجد ذلك لغيره، نعم قيل: إنَّ ذلك لغة. (١) المحرر الوجيز ١٥/٤. قال أبو حيان في البحر ١٨٧/٦ بعد نقله كلام ابن عطية: والذي في كتب القراءات أن القراء السبعة قرؤوا: (دُمت حيًّا)) بضم الدال، وقد طالعنا جملة من الشواذ، فلم نجدها لا في شواذ السبعة، ولا في شواذ غيرهم ... وقال السمين في الدر المصون ٥٩٦/٧ مثل ذلك ثم قال: فيجوز أن يكون اطلع عليه في مصحف غريب. وقال صاحب ((الدر اللقيط)) بهامش البحر ١٨٧/٦: حكاها ابن غلبون في كتاب ((تصرف الخاصة في القراءات الشاذة)) عن يحيى بن وثاب وطلحة، ونص على أنها بكسر الدال، فاعلمه. اهـ.