Indexed OCR Text

Pages 1-20

المجاني
فود
في
تَفِي القُرآن العَظِيمُ والِسُنْع المثَانِىُ
تأليف
شِهَابُ الدِّينُ أَبُ الثّناء
◌َجٌمُؤَدَيْن عَبْدُاللَّه الألوسيْ الْبُعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّة هَذَا الجزء
كَادِيٌ المَغْفِيُ
سَاهُمْ في تحقيقه
عبد المنعم حنين
سَارية التّصُور في
محمّد مُعْتز كريم الّين
المجلّ السّاوس عشرُ
مؤسسة الرسالة

3
一

◌ُفَعُ النَّعَابِ
في
تفِيالقُرآن ◌َظِيْ والَِّنْ المَثَانِىءُ
(١٦)

جَمِيعُ الحُقُوق محفوظَة لِلّاشِرُ
الطَّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
بيروت - وعلى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْرَ وَالتّوزيع
Al-Resalah
Publishing House
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com

سُورَةٌ مَرْيَرَ
المشهورُ تسميتها بذلك، ورويت عن رسول الله وَ ﴿؛ فقد أخرجَ الطبرانيُّ
وأبو نعيم والديلميُّ من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسانيّ عن أبيه عن
جدِّه قال: أتيتُ رسول الله وَ له فقلتُ: ولدتْ لي الليلةَ جاريةٌ، فقال: ((والليلة
أنزلت عليَّ سورةٌ مريم ... ))(١).
وجاء فيما رُوي عن ابن عباس ظِّمًا تسميتُها بسورة ((كهيعص))(٢).
وهي مكيَّةٌ كما روي عن عائشة وابن عباس وابن الزبير .
وقال مقاتل: هي كذلك إلَّ آية السجدة(٣)، فإنَّها مدنيةٌ نزلت بعد مهاجرة
المؤمنين إلى الحبشة(٤). وفي ((الإتقان))(٥) استثناءُ قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا﴾ [الآية: ٧١] أيضاً.
(١) الدر المنثور ٢٥٨/٤، و((المعجم الكبير" ٢٢/(٨٣٤)، و((مسند الشاميين)) (١٤٧٨).
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد)) ٥٤/٨: وفيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو متروك.
قلت: وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني ضعيف. انظر ((تقريب التهذيب))،
و(تهذيب التهذيب)).
(٢) قال الطاهر بن عاشور في ((التحرير والتنوير)) ٥٧/١٦: وكذلك وقعت تسميتها في ((صحيح
البخاري)) في كتاب التفسير في أكثر النسخ وأصحّها، ولم يعدها جلال الدين في ((الإتقان))
في عداد السور المسماة باسمين، ولعله لم يَرَ الثاني اسماً.
(٣) الآية: ٥٨.
(٤) وتعقب الطاهر بن عاشور هذا القول في ((التحرير والتنوير)) ٥٧/١٦، فقال: ولا يستقيم
هذا القول؛ لاتصال تلك الآية بالآيات قبلها، إلا أن تكون ألحقت بها في النزول، وهو
بعید .
(٥) ١/ ٤٧.

٦
الآية : ١
وهي عند العراقيين والشاميين ثمانٌ وتسعون آيةً، وعند المكيين تسعٌ وتسعون،
وللمدنيين قولان، ووجهُ مناسبتها لسورة الكهف اشتمالُها على نحو ما اشتملت عليه
من الأعاجيب، كقصة ولادة يحيى، وقصة ولادة عيسى عليهما السلام، ولهذا
ذُكرت بعدها، وقيل: إنَّ أصحاب الكهف يبعثونَ قبل الساعة، ويحجُّون مع عيسى
عليه السلام حين ينزل، ففي ذكر هذه السورة بعد تلك مع ذلك إنْ ثبت ما لا يخفى
من المناسبة، ويقوِّي ذلك ما قيل إنَّهم من قومه عليه السلام. وقيل غير ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
، أخرج ابن مروديه عن الكلبيِّ أنه سُئل عن ذلك، فحدَّث
كَهِيعَصَ
عن أبي صالح، عن أم هانئ، عن رسول الله وَ ﴿ قال: ((كاف هاد عالم صادق))(١).
واختلفت الروايات عن ابن عباس. ففي رواية أنَّه قال: كاف من كريم، وها
من هاد، ويا من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق.
وفي رواية أنَّه قال: کبیرٌ، هاٍ، أمین، عزیز، صادق.
وفي أخرى أنَّه قال: هو قَسَمٌ أقسم الله تعالى به، وهو من أسماء الله تعالى.
وفي أخرى أنَّه كان يقول: ((كهيعص))، و(حم))، و((يس))، وأشباه هذا؛ هو
اسمُ الله تعالى الأعظم.
ويستأنسُ له بما أخرجه عثمانُ بن سعيد الدارمي وابنُ ماجه وابن جرير عن فاطمة
بنت عليّ قالت: كان عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه يقول: يا ((كهيعص)) اغفر لي(٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة أنَّهم قالوا:
((كهيعص)) هو الهجاء المقطّع؛ الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من
العزيز، والصاد من المصوِّر.
(١) الدر المنثور ٢٥٨/٤ .
(٢) الدر المنثور ٢٥٨/٤، وأخرجه ابن ماجه في تفسيره - كما في تهذيب الكمال ٢٨٤/٢٩ -
والطبري في تفسيره ٤٥١/١٥.

الآية : ١
٧
سؤالاً مرئيا
وأخرج أيضاً عن محمد بن كعب نحو ذلك إلَّا أنَّه لم يذكر الياء، وقال: الصاد
من الصمد.
وأخرج أيضاً عن الربيع بن أنس أنَّه قال في ذلك: يا من يجيرُ ولا يُجَارُ
علیه(١).
وأخرج عبدُ الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة: أنَّه اسمٌ من أسماء القرآن(٢).
وقيل: إنَّه اسمٌ للسورة، وعليه جماعة.
وقيل: حروف مسرودةٌ على نمط التعديد. ونُسِبَ إلى جمع من أهل التحقيق.
وفوَّض البعضُ علم حقيقة ذلك إلى حضرة علام الغيوب.
وقد تقدَّم تمام الكلام في ذلك وأمثاله في أول سورة البقرة، فتذكّر.
وقرأ الجمهور: ((كاف)) بإسكان الفاء، ورُوي عن الحسن ضمُّها(٣). وأمال نافعٌ
(ها)) و((يا)) بين اللفظين(٤)، وأظهر دال ((صاد» ولم يدغمها في الذال بعد، وعليه
الأكثرون(٥) .
وقرأ الحسن بضم الهاء (٦)، وعنه أيضاً ضمُّ الياء وكسر الهاء(٧)، وعن عاصم
ضمُّ الياء، وعنه أيضاً كسرهما(٨)، وعن حمزة فتح الهاء وكسر الياء(٩).
وقال أبو الفضل عبدُ الرحمن بن أحمد بن الحسن المقرئ الرازي في كتاب
(١) الدر المنثور ٢٥٨/٤، وهي في تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٩٦/٧ (١٣٠٢٤) و(١٣٠٢٦)
و(١٣٠٢٧).
(٢) الدر المنثور ٢٥٨/٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣/٢.
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٧٢، وتفسير القرطبي ٤٠٥/١٣.
(٤) النشر ٧١/٢، والتيسير ص١٤٨ .
(٥) وقرأ أيضاً بعدم الإدغام ابن كثير وعاصم وأبو جعفر ويعقوب. انظر التيسير ص١٤٨،
والنشر ١٧/٢.
(٦) القراءات الشاذة ص٨٣.
(٧) البحر المحيط ٦/ ١٧٢ .
(٨) البحر المحيط ٦/ ١٧٢. والمتواتر عنه كقراءة الجمهور.
(٩) التيسير ص١٤٧، والنشر ٧١/٢.

سُوالا مريكا
٨
الآية : ٢
((اللوامح)): إنَّ الضمَّ في هذه الأحرف ليس على حقيقته، وإلَّا لوجب قلبُ ما بعدهنَّ
من الألفات واوات، بل المرادُ أن يُنحى هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل
الحجاز، وهي التي تسمَّى ألفَ التفخيم ضدّ الإمالة، وهذه الترجمة كما ترجموا عن
الفتحة الممالة المقرَّبة من الكسر بالكسر؛ لتقريب الألف بعدها من الياء. انتهى.
ووجه الإمالة والتفخيم أنَّ هذه الألفات لمَّا لم يكن لها أصلٌ حملوها على
المنقلبة عن الواو تارة، وعن الياء أخرى، فجوِّزَ الأمران دفعاً للتحكُم.
وقرأ أبو جعفر بتقطيع هذه الحروف وتخليص بعضها من بعض(١)، واقتضى
ذلك إسكانَ آخرهنّ، والتقاءُ الساكنين مغتفرٌ في باب الوقف.
وأدغم أبو عمرو دالَ ((صاد» في الذال بعد (٢). وقرأ حفص عن عاصم وفرقةٌ
بإظهار النون من ((عين))، والجمهور على إخفائها .
واختلف في إعرابه، فقيل على القول بأنَّ كلَّ حرفٍ من اسم من أسمائه تعالى
لا محلَّ لشيءٍ من ذلك ولا للمجموع من الإعراب. وقيل: إنَّ كلَّ حرفٍ على نية
الإتمام خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: هو كافٍ، هو هاد، وهكذا، أو الأولُ على نيّة
الإتمام كذلك، والبواقي خبرٌ بعدَ خبر.
وعلى ما روي عن الربيع قيل: هو منادى، وهو اسمٌ من أسمائه تعالى معناه
الذي يجيرُ ولا يُجار عليه. وقيل: لا محلَّ له من الإعراب أيضاً، وهو كلمةٌ تقال
في موضع نداء الله تعالى بذلك العنوان، مثل ما يقال: مهيم، في مقام الاستفسار
عن الحال، وهو كما ترى.
وعلى القول بأنَّه حروفٌ مسرودةٌ على نمط التعديد قالوا: لا محلَّ له من
الإعراب.
وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَيْكَ﴾ على هذه الأقوال خبرُ مبتدأ محذوف، أي:
هذا المتلو ((ذكر)) إلخ.
(١) البحر المحيط ٦/ ١٧٢.
(٢) النشر ٤٢٤/١.
(٣) تقدم ذكر من قرأ بعدم الإدغام قريباً، والباقون يدغمونها.

٩
الآية : ٢
ويقال على الأخير(١): المؤلفُ من جنس هذه الحروف المبسوطة مراداً به
السورة ((ذکرُ)) إلخ.
وقيل: مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما يتلى عليك ((ذكر)) إلخ.
وعلى القول بأنَّه اسمٌ للسورة قيل: محلُّه الرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف،
أي: هذا ((كهيعص))، أي: مسمَّى به. وإنما صحّت الإشارة إليه مع عدم جريان
ذكره؛ لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر صار في حكم الحاضر المشاهد، كما قيل
في قولهم: هذا ما اشترى فلان. وفي ((ذكر)) وجهان؛ كونه خبراً لمبتدأ محذوف،
وکونُه مبتدأ خبره محذوف.
وقيل: محلُّ الرفع على أنَّه مبتدأ، و((ذكر)) إلخ خبره، أي: المسمَّى به ذكر إلخ،
فإنَّ ذكر ذلك لمَّا كان مطلعَ السورة الكريمة ومعظمَ ما انطوت هي عليه، جعلت
كأنها نفس ذكره، أو الإسنادُ باعتبار الاشتمال، أو هو بتقدير مضافٍ، أي: ذو
ذكر إلخ، أو بتأويل: مذکورٌ فیه رحمةُ ربك.
وعلى القول بأنه اسمٌ للقرآن، قيل: المراد بالقرآن ما يصدقُ على البعض ويراد
به السورة، والإعراب هو الإعراب، وحينئذٍ لا تقابل بين القولين.
وقيل: المراد ما هو الظاهر، وهو مبتدأ خبره ((ذكر)) إلخ، والإسناد باعتبار
الاشتمال، أو التقدير، أو التأويل.
وقوله تعالى: ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعولٌ لـ ((رحمة ربك)) على أنَّها مفعولٌ لما أضيف
إليه، وهي مصدرٌ مضافٌ لفاعله، موضوعٌ هكذا بالتاء، لا أنَّها للوحدة حتى تمنع
من العمل؛ لأنَّ صيغة الوحدة ليست الصيغة التي اشتقَّ منها الفعل، ولا الفعل دالٌّ
على الوحدة، فلا يعمل المصدرُ لذلك عملَ الفعلِ إلَّا شذوذاً، كما نصَّ عليه
النحاة.
وقيل: مفعولٌ للذكر، على أنَّه مصدرٌ أضيفَ إلى فاعله على الاتِّساعِ، ومعنى
ذكر الرحمة بلوغُها وإصابتها، كما يقال: ذَكَرني معروفُك، أي: بلغني.
(١) أي على أنها حروف مسرودة على نمط التعديد. انظر تفسير أبي السعود ٢٥٢/٥.

سُولَا مَرِيرًا
١٠
الآية : ٣
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ذَكَرِيَّ ﴾﴾ بدلٌ منه بدلَ كلٍّ من كلّ، أو عطفُ بيان له،
أو نُصب بإضمار: أعني.
وقوله تعالى شأنه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ظرفٌ لـ ((رحمة ربك)). وقيل: لـ ((ذكر))
على أنَّه مضافٌ لفاعله، لا على الوجه الأول؛ لفساد المعنى. وقيل: هو بدل
اشتمال من ((زكريا)) كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ اُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا
مَكَانًا﴾ [مريم: ١٦].
وقرأ الحسن وابن يعمر - كما حكاه أبو الفتح(١) -: ((ذَكّر)) فعلاً ماضياً مشدّداً،
و((رحمةً)) بالنصب على أنَّه - كما في ((البحر)) - مفعولٌ ثانٍ لـ ((ذكَّر))، والمفعولُ
الأول محذوف، و((عبدَه)) مفعولٌ لـ ((رحمة))، وفاعل ((ذكر)) ضميرُ القرآن المعلوم من
السياق، أي: ذكَّر القرآنُ الناسَ أنْ رحم سبحانه عبدَه(٢).
ويجوز أنْ يكون فاعل ((ذَّر)) ضمير ((كهيعص)) بناءً على أنَّ المرادَ منه القرآن،
ويكونُ مبتدأ، والجملة خبره، وأنْ يكون الفاعلُ ضميره عزَّ وجلَّ، أي: ذكَّر اللهُ
تعالى الناس ذلك.
وجُوِّزَ أن يكون ((رحمة ربك)) مفعولاً ثانياً، والمفعول الأول هو ((عبده))
والفاعل ضميره سبحانه، أي: ذَكَّر الله تعالى عبدَه رحمته، أي: جعل العبدَ يذكرُ
رحمته، وإعراب ((زکریا)) كما مرَّ.
وجُوِّز أن يكون مفعولاً لـ ((رحمة))، والمراد بـ ((عبده)) الجنس، كأنَّه قيل: ذَگَّر
عباده رحمتَه زكريا. وهو كما ترى. ويجوزُ على هذا أن يكون الفاعلُ ضمير
القرآن.
وقيل: يجوزُ أنْ يكون الفاعل ضميره تعالى، والرحمة مفعولاً أولاً، و(«عبده))
مفعولاً ثانياً، ويرتكب المجاز، أي: جعل الله تعالى الرحمةَ ذاكرةً عبده.
(١) في المحتسب ٣٧/٢ عن الحسن، دون ذكر ابن يعمر. وأوردها عنه ابن خالويه في القراءات
الشاذة ص ٨٣.
قال ابن حيان في البحر ٦/ ١٧٢: وذكر صاحب ((اللوامح)) أن ذكَّر بالتشديد ماضياً عن
الحسن باختلاف، وهو صحيح عن ابن يعمر. اهـ.
(٢) انظر البحر ٦/ ١٧٢ .

الآية : ٣
١١
وقيل: ((رحمة)) نصب بنزع الخافض، أي: ذكر برحمة، وذكر الداني عن ابن
يعمر(١) أنَّه قرأ: ((ذكِّر)) على الأمر والتشديد، و((رحمةً)) بالنصب، أي: ذكر الناسَ
رحمةً، أو برحمة ربك عبده زکریا .
وقرأ الكلبيّ: ((ذَكَرَ)) فعلاً ماضياً خفيفاً، و: ((رحمةً ربك)) بالنصب على
المفعولية لـ ((ذكر))، و: ((عبدُه)) بالرفع على الفاعلية له(٢).
وزكريا عليه السلام من ولد سليمان بن داود عليهما السلام، وأخرج الحاكم
وصحَّحه عن ابن مسعود أنَّه آخرُ أنبياء بني إسرائيل(٣)، وهو ابن آزر بن مسلم، من ذرية
يعقوب، وأخرج إسحاق بن بشر وابنُ عساكر عن ابن عباس أنَّه ابن دان، وكان من أبناءِ
الأنبياء الذين يكتبون الوحي في بيت المقدس(٤). وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم
وصحَّحه وابن مروديه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أنه عليه السلام كان نجاراً)(٥).
وجاءَ في اسمه خمس لغات؛ أولها: المد، وثانيها: القصر، وقُرئ بهما في
السبع(٦). وثالثها: زكريّ، بتشديد الياء. ورابعها: زكري، بتخفيفها. وخامسها:
زَكَّرْ، كقلم. وهو اسمٌ أعجميّ(٧) .
والنداءُ في الأصل رفعُ الصوت وظهورُه، وقد يقال لمجرد الصوت، بل لكلِّ
ما يدلُّ على شيءٍ وإن لم يكن صوتاً، على ما حققه الراغب(٨). والمرادُ هنا: إذ
(١) في الأصل و(م): أبي يعمر. والمثبت من القراءات الشاذة ص٨٣، والبحر المحيط ٦/ ١٧٢،
والدر المصون ٧ /٥٦٣.
(٢) البحر المحيط ٦/ ١٧٢.
(٣) المستدرك ٥٨٩/٢-٥٩٠.
(٤) الدر المنثور ٢٥٩/٤، وهو عند ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٨/١٩_٤٩.
(٥) الدر المنثور ٢٥٨/٤، وهو عند أحمد (٧٩٤٧)، وأبي يعلى (٦٤٢٦)، والحاكم في
مستدركه ٢/ ٥٩٠. وأخرجه أيضاً الإمام مسلم في صحيحه (٢٣٧٩).
(٦) قرأ بالمدِّ من السبعة حفص وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالهمز. التيسير ص ٨٧.
(٧) والقول الأخير ضعفه الزبيدي في ((تاج العروس)) (زكر) قال: وشذّ بعض المفسرين فزاد لغة
خامسة: زكر، كجبل. اهـ. وانظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٤٧٤/١ - طبعة دار
الفيحاء).
(٨) في المفردات (ندا).

١٢
الآية : ٤
١﴾ مستوراً عن الناس لم يسمعه أحدٌ منهم،
دعا ربه ﴿نِدَآءُ﴾ أي: دعاء ﴿خَفِيًّا
حیثُ لم يكونوا حاضریه. وكان ذلك - على ما قيل - في جوف الليل.
وإنَّما أَخفَى دعاءَه عليه السلام؛ لأنَّه أدخلُ في الإخلاص، وأبعدُ عن الرياء،
وأقربُ إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد؛ لتوقُّفه على مباديَ لا يليقُ
به تعاطيها في أوان الكبر والشيخوخة، وعن غائلة مواليه.
وعلى ما ذكرنا لا منافاةً بين النداء، وكونه خفيًّا، بل لا منافاة بينهما أيضاً إذا
فُسِّر النداءُ برفع الصوت؛ لأنَّ الخفاءَ غيرُ الخفوت، ومن رفع صوته في مكانٍ لیس
بمرأى ولا مسمعٍ من الناس فقد أخفاه. وقيل: هو مجازٌ عن عدم الرياء، أي:
الإخلاص، ولم ينافه النداءُ بمعنى رفع الصوت لهذا.
وفي ((الكشف)) أنَّ الأشبهَ أنَّه كنايةٌ مع إرادة الحقيقة؛ لأنَّ الخفاءَ في نفسه
مطلوبٌ أيضاً، لكنَّ المقصودَ بالذات الإخلاص. وقيل: مستوراً عن الناس
بالمخافتة، ولا منافاة بناءً على ارتكاب المجاز، أو بناءً على أن النداءَ لا يلزمهُ رفعُ
الصوت. ولذا قيل:
يا من ينادَى بالضمير فيَسمع(١)
وكان نداؤه عليه السلام كذلك؛ لما مرَّ آنفاً، أو لضعفٍ صوته بسبب كبره،
كما قيل: الشيخ صوتُه خُفات وسمعه تارات.
قيل: كان ستُّه حينئذٍ ستين سنة، وقيل: خمساً وستين، وقيل: سبعين، وقيل:
خمساً وسبعين، وقيل: ثمانين، وقيل: خمساً وثمانين، وقيل: اثنتين وتسعين،
وقيل: تسعاً وتسعين، وقيل: مئةً وعشرين. وهو أوفق بالتعليل المذكور.
وزعم بعضهم أنَّه أشير إلى كون النداء خفيًّا ليس فيه رفعٌ بحذفٍ حرفه في قوله
تعالى: ﴿قَالَ رَبٍ﴾، والجملةُ تفسيرٌ للنداء، وبيانٌ لكيفيَّته، فلا محلَّ لها من الإعراب.
(١) حاشية الشهاب ٦/ ١٤٣، والمشهور:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعدّ لكل ما يتوقع
وهو في التدوين في أخبار قزوين للرافعي ١٤/٣ مع أبيات أخر، ونسبها لعبد الرحمن بن
أبي الحسين الخثعمي، وذكرها أيضاً الأبشيهي في المستطرف ٢/ ٥٤٢ وغيرهما .

الآية : ٤
١٣
مُودلا فرنسا
﴿إِنِّيِ وَهَنَ اٌلْعَظْهُ مِنِىِ﴾ أي: ضَعُف، وإسنادُ ذلك إلى العَظم لما أنَّه عمادُ البدن
ودِعام الجسد، فإذا أصابه الضعفُ والرخاوة تداعى ما وراءه، وتساقطت قوَّته؛
ففي الكلام كنايةٌ مبنيَّةٌ على تشبيه مضمرٍ في النفس، أو لأنَّه أشدُّ أجزائه صلابةً
وقواماً، وأقلُّها تأثّراً من العلل، فإذا وَهَن كان ما وراءه أوهن؛ ففي الكلام كنايةٌ
بلا تشبيه. وأُفرِد - على ما قاله العلامة الزمخشريّ(١) وارتضاه كثيرٌ من
المحققين - لأنَّ المفردَ هو الدالُّ على معنى الجنسيّة، والقصد إلى أنَّ هذا الجنس
الذي هو العمود والقوام وأشدُّ ما تركب من الجسد قد أصابه الوهن، ولو جُمِع
لكان القصدُ إلى معنى آخر، وهو أنَّه لم يهن منه بعضُ عظامه، ولكن كلُّها، حتى
كأنَّه وقِعَ من سامع شكٌّ في الشمول والإحاطة؛ لأنَّ القيد في الكلام ناظرٌ إلى نفي
ما يقابلُه، وهذا غَيْرُ مناسبٍ للمقام. وقال السكاكيُّ(٢): إنَّه تركَ جمع ((العظم)) إلى
الإفراد؛ لطلب شمولِ الوهن العظام فرداً فرداً، ولو جمع لم يتعيَّن ذلك؛ لصحّة:
وهَنت العظامُ، عند حصولِ الوهن لبعضٍ منها دون كلِّ فرد، وهو مسلكٌ آخرُ
مرجوحٌ عند الكثير. وتحقیقُ ذلك في موضعه.
وعن قتادة أنَّه عليه السلام اشتكى سقوطَ الأضراس. ولا يخفى أنَّ هذا يحتاجُ
إلى خبرٍ يدلُّ عليه، فإنَّ انفهامه من الآية ممّا لا يكادُ يسلّم.
و((منِّي)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من العَظْم، ولم يقل: عظمي، مع أنَّه
أخصر؛ لما في ذلك من التفصيل بعد الإجمال، ولأنَّه أصرحُ في الدلالة على
الجنسيّة المقصودة هنا، وتأكيدُ الجملة لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونها .
وقرأ الأعمش: ((وَهِن)) بكسر الهاء، وقُرِئ بضمِّها أيضاً(٣).
﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا﴾ شبَّه الشيبَ في البياض والإنارة بشُواظِ النار، وانتشارَه
في الشعر وفشوَّه فيه وأخذه منه كلَّ مأخذ باشتعالها، ثمَّ أخرجَه مخرج الاستعارة،
ففي الكلام استعارتان، تصريحية تبعيَّة في ((اشتعل))، ومكنيَّة في الشيب؛
(١) في الكشاف ٢/ ٥٠٢ .
(٢) في مفتاح العلوم ص٢٦ .
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٧٣ .

١٤
الآية : ٤
وانفكاكها(١) عن التخييلية ممَّا عليه المحققون من أهل المعاني، على أنه يمكن - على
بُعدٍ - القولُ بوجود التخييليَّة هنا أيضاً. وتكلَّف بعضُهم لزعمه عدمَ جواز الانفكاك،
وعدمَ ظهور وجود التخييلية: إخراجَ ما في الآية مخرجَ الاستعارة التمثيلية، وليس
بذاك.
وأُسندَ الاشتعال إلى محلِّ الشعر ومنبته، وأُخرج مخرج التمييز؛ للمبالغة وإفادة
الشمول، فإنَّ إسناد معنَى إلى ظرفِ ما اتَّصف به زمانيًّا أو مكانيًّا يفيدُ عمومَ معناه
لكلِّ ما فيه في عرف التخاطب، فقولُك: اشتعل بيتُه ناراً، يفيد احتراق جميع
ما فيه، دون: اشتعل نار بیته.
وزعم بعضُهم أنَّ(شَيباً)) نصب على المصدرية؛ لأنَّ معنى (اشتعل الرأس))
شاب. وقيل: هو حال، أي: شائباً، وكلا القولين لا يرتضيهما كاملٌ كما لا يخفى.
واكتفي باللام عن الإضافة؛ لأنَّ تعريفَ العهد المقصود هنا يفيدُ ما تفيده،
ولما كان تعريفُ ((العظم)) السابق للجنس كما علمت؛ لم يُكتَفَ به، وزاد قوله
((مِّي)). وبالجملة ما أفصَح هذه الجملة وأبلغها، ومنها أخذَ ابنُ دريد قوله:
واشتعل المُبِيَضُّ في مُسودِّه مثل اشتعال النَّار في جزل الغضا (٢)
وعن أبي عمرو أنه أدغم السين في الشين(٣).
﴿وَلَمْ أَكُنُّ بِدُعَئِكَ رَبِّ شَفِيًّا ﴾﴾ أي: لم أكن بدعائي إِيَّاك خائباً في وقتٍ
من أوقات هذا العُمر الطويل، بل كلَّما دعوتُك استجبتَ لي. والجملةُ معطوفةٌ على
ما قبلها، وقيل: حالٌ من ياء المتكلم، إذ المعنى: واشتعل رأسي. وهو غريب.
وهذا توسُّلٌ منه عليه السلام بما سلفَ منه تعالى من الاستجابة عند كلِّ دعوةٍ
إثرَ تمهيد ما يستدعي الرحمةَ من كبر السِّنِّ وضعف الحال، فإنَّه تعالى بعد ما عَوَّد
عبده الإجابة دهراً طويلاً لا يكادُ يخيبه أبداً، لا سيما عند اضطراره وشدَّة افتقاره،
وفي هذا التوسُّل من الإشارة إلى عظم كرم الله عزَّ وجلَّ ما فيه.
(١) أي: انفكاك الاستعارة المكنية. وانظر حاشية الخفاجي ٦/ ١٤٤ .
(٢) شرح مقصورة ابن دريد للخطيب التبريزي ص٣.
(٣) التيسير ص٢٤، والنشر ٢٩٢/١.

الآية : ٥
١٥
سُوالا فرنسا
وقد حُكي أنَّ حاتماً الطائيّ - وقيل: معن بن زائدة - أتاه محتاجٌ، فسأله وقال:
أنا الذي أحسنت إليه وقتَ كذا، فقال: مرحباً بمن توسَّل بنا إلينا. وقضى حاجته.
وقيل: المعنى: ولم أكن بدعائك إيايَّ إلى الطاعة شقيًّا، بل كنت ممن أطاعَك
وعبدَك مخلصاً، فالكافُ على هذا فاعل، والأوَّل أظهرُ وأولى، وروي ذلك عن
ابن عباس
والتعرُّض في الموضعين لوصفِ الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاحُ
المربوب مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام، لا سيما توسيطه بين ((كان)) وخبرها،
لتحريك سلسلةِ الإجابة بالمبالغة في التضرُّع.
وقد جاء في بعض الآثار: أنَّ العبدَ إذا قال في دعائه: يا ربّ، قال الله تعالى
له: لبيك عبدي.
وروي أنَّ موسى عليه السلام قال يوماً في دعائه: يا رب. فقال الله سبحانه
وتعالى له: لبيك يا موسى. فقال موسى: أهذا لي خاصَّة؟ فقال الله تبارك تعالى:
لا ، ولکن لکلِّ من يدعوني بالربوبية.
وقيل: إذا أرادَ العبدُ أن يُستجاب له دعاؤه، فليدعُ الله تعالى بما يناسبه من
أسمائه وصفاته عزَّ وجلَّ.
﴿وَ إِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ﴾ هم عَصَبة الرجل على ما روي عن ابن عباس
ومجاهد.
وعن الأصمِّ أنَّهم بنو العمِّ، وهم الذين يلونه في النسب.
وقيل: من يلي أمره من ذوي قرابته مطلقاً .
وكانوا على سائر الأقوال شرارَ بني إسرائيل، فخاف عليه السلام أن لا يحسنوا
خلافته في أمَّته.
والجملة عطفٌ على قوله: ((إنِّي وهن العظمُ مني)) مترتّبٌ مضمونُها على
مضمونه؛ فإنَّ ضعفَ القوى وكبر السِّنِّ من مبادي خوفه عليه السلام مَن يلي أمرَه
بعد موته، حسبما يدلُّ عليه قوله: ﴿مِن وَرَآءِى﴾ فإنَّ المرادَ منه بإجماعٍ من عَلمنا

١٦
الآية : ٥
من المفسِّرين: من بعد موتي، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ ينساق إليه
الذهن، أي: خفتُ فعلَ الموالي من ورائي، أو جور الموالي؛ وقد قرئ - كما في
(إرشاد العقل السليم)) - كذلك(١).
وجوِّز تعلُّقه بالموالي، ويكفي في ذلك وجودُ معنى الفعل فيه في الجملة؛ فقد
قالوا: يكفي في تعلُّق الظرف رائحةُ الفعل، ولا يشترط فيه أنْ يكون دالًّا على
الحدوث، كاسم الفاعل والمفعول حتى يُتكلّف له. ويقال: إنَّ اللام في ((الموالي))
على هذا موصولٌ، والظرفُ متعلِّقٌ بصلته، وإنَّ مولى مخفف مُولَّى، كما قيل في
مُعنى أنه مخفف مُعتَى، فإنَّه تعسُّفٌ لا حاجة إليه، نعم قالوا في حاصل المعنى على
هذا: خفتُ الذين يَلُونَ الأمرَ من ورائي.
ولم يجوِّز الزمخشريُّ تعلُّقه بـ ((خفت)) لفساد المعنى(٢)، وبيَّن ذلك في
((الكشف)) بأنَّ الجارَّ ليس صلةَ الفعل؛ لتعدِّيه إلى المحذور بلا واسطة، فتعيَّن أن
يكون للظرفية على نحو: خفتُ الأسدَ قبلك، أو من قبلك، وحينئذٍ يلزمُ أن يكون
الخوفُ ثابتاً بعد موته. وفسادُه ظاهر.
وبعضُهم رأى جواز التعلُّق بناءً على أنَّ كون المفعول في ظرف مصحِّحُ لتعلّق
ذلك الظرف بفعله، كقولك: رميتُ الصيد في الحرم، إذا كان الصيدُ فيه دون
رميك. والظاهرُ عدم الجواز فافهم.
وقال ابن جنِّي: هو حالٌ مقدَّرة من ((الموالي))(٣).
وعن ابن كثير أنَّه قرأ: ((ومن ورايَ)) بالقصر وفتح الياء، كعصاي(٤).
وقرأ الزهريُّ: ((الموالي)) بسكون الياء(٥).
وقرأ عثمان بن عفَّان وابنُ عباس وزيد بن ثابت وعليُّ بن الحسين وولداه
(١) تفسير أبي السعود ٢٤٥/٥.
(٢) الكشاف ٥٠٢/٢.
(٣) المحتسب ٣٧/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص ٨٣، والبحر المحيط ٦/ ١٧٤.
(٥) تفسير الرازي ٢١/ ١٨٠، والبحر المحيط ١٧٤/٦، والدر المصون ٥٦٦/٧.

الآية : ٥
١٧
سُؤَدَأُ مَرَئها
محمدٌ وزيد(١) وسعيد بن العاص وابنُ جبير وابن يعمر(٢) وشبيلُ بن عَزْرَة
والوليد بن مسلم لابن عامر: ((خَقَّتٍ)) بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر تاء
التأنيث، ((الموالي)) بسكون الياء(٣)، على أنَّ ((خَقَّت)) من الخفَّة ضدّ الثقل،
ومعنى ((من ورائي)) كما تقدَّم؛ والمراد: وإِنِّي قلَّ الموالي وعَجَزوا عن القيام
بأمور الدين من بعدي. أو: من الخفوف بمعنى السير السريع، ومعنى ((من
ورائي)) من قُدَّامي وقبلي، والمراد: وإني ماتَ الموالي القادرون على إقامة
مراسم الملَّة ومصالح الأمَّة وذهبوا قُدَّامي، ولم يَبْقَ منهم من به تقوّ واعتضاد،
فيكونُ محتاجاً إلى العقب؛ لعجز مواليه عن القيام بعدَه بما هو قائم به، أو
لأنَّهم ماتُوا قبلَه فبقيَ محتاجاً إلى من يعتضدُ به. وتعلَّق الجارِّ والمجرور على
الوجه الثاني بالفعل ظاهر، وأمَّا على الوجه الأوَّل فإنْ لُوحظ أنَّ عجزَهم
وقلَّتهم سيقعُ بعدَه لا أنَّه واقعٌ وقتَ دعائه: صحَّ تعلُّقه بالفعل أيضاً، وإن لم
يكن كذلك تعلَّق بغير ذلك.
﴿وَكَانَتِ امْرَأَنِى عَاقِرًا﴾ أي: لا تلد من حين شبابها إلى شَيبها، فالعقر بالفتح
والضمِّ: العقم، ويقال: عاقر، للذكر والأنثى.
﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ﴾ كلا الجارَّين متعلِّق بـ ((هب))، واللام صلةٌ له، و((من))
لابتداء الغاية مجازاً، وتقديم الأول لكون مدلوله أهمَّ عنده، وجُوِّز تعلّق الثاني
بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول الآتي. وتقدَّم الكلام في ((لدن). والمراد: أعطني
من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، بطريق الاختراع لا بواسطة الأسباب
العادية. وقيل: المراد: أعطني من فضلك كيف شئت ﴿وَلِيًّا @﴾ أي: ولداً من
صُلْبي، وهو الظاهر. ويؤيِّده قوله تعالى في سورة آل عمران حكايةً عنه عليه
السلام: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ﴾ [الآية: ٣٨].
وقيل: إنَّه عليه السلام طلبَ من يقومُ مقامَه ويرثه؛ ولداً كان أو غيره.
(١) في البحر المحيط: وولده محمد وزید.
(٢) في الأصل و(م): وأبو يعمر. والتصويب من المحتسب، والبحر المحيط.
(٣) انظر القراءات الشاذة ص٨٣، والمحتسب ٣٧/٢، وتفسير الرازي ١٨٠/٢١، والبحر
المحيط ٦/ ١٧٤ .

سوالا مرئى
١٨
الآية : ٦
وقيل: إنَّه عليه السلام أيسَ أن يولدَ له من امرأته، فطلبَ من يرثه ويقومُ مقامَه
من سائر الناس. وكلا القولين لا يعوَّل عليه.
وزعم الزمخشريُّ أنَّ ((من لدنك)) تأكيدٌ لكونه وليًّا مرضيًّا(١). ولا يخفى ما فيه.
وتأخيرُ المفعول عن الجارَّين لإظهار كمال الاعتناء بكون الهبة له على ذلك
الوجه البديع، مع ما فيه من التشويق إلى المؤشّر، ولأنَّ فيه نوعَ طول بما بعده من
الوصف، فتأخيرُهما عن الكلِّ وتوسيطهما بين الموصوف والصفة ممَّا لا يليقُ
بجزالة النظم الكريم، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلَها، فإنَّ ما ذكره عليه
السلام من كبر السِّنِّ، وضعف القوى، وعقر المرأة؛ موجبٌ لانقطاع رجائه عليه
السلام عن حصول الولد بتوسُّط الأسباب العاديَّة، واستيهابه على الوجه الخارق
للعادة.
وقيل: لأنَّ ذلك موجبٌ لانقطاع رجائه عن حصول الولد منها وهي في تلك
الحال، واستيهابه على الوجه الذي يشاؤه الله تعالى، وهو مبنيٌّ على القول الثاني
في المراد من ((هب لي من لدنك وليًّا))، والأول أولى.
ولا يقدح فيما ذكر أنْ يكون هناك داعٍ آخر إلى الإقبال على الدعاء من مشاهدته
عليه السلام للخوارق الظاهرةِ في حقِّ مريم، كما يعربُ عنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ
دَعَا زَكَرِيًّا رَبٌَّ﴾ الآية [آل عمران: ٣٨]. وعدم ذكره ها هنا للتعويل على ما ذُكر
هنالك، كما أنَّ عدمَ ذكر مقدمة الدعاء هنالك؛ للاكتفاء بذكرها هاهنا، والاكتفاءُ
بما ذكر في موطنٍ عما ترك في موطنٍ آخر من السنن التنزيليّة.
وقوله: ﴿يَرِثْنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ﴾ صفةٌ لـ ((وليًّا)) كما هو المتبادر من الجمل
الواقعة بعد النكرات، ويقال: ورثَه، وورث منه، لغتان كما قيل، وقيل: ((من))
للتبعيض، لا للتعدية، وآل الرجل خاصَّته الذين يؤول إليه أمرُهم؛ للقرابة، أو
الصحبة، أو الموافقة في الدين.
ويعقوب ــ على ما رويَ عن السُّدِّيّ - هو يعقوبُ بن إسحاق بن إبراهيم، فإنَّ
زكريا من ولد هارون، وهو من ولد لاوي بن يعقوب، وكان متزوِّجاً بأخت مريم
(١) الكشاف ٢/ ٥٠٢.

الآية : ٦
١٩
سُوالآفرنسا
بنت عمران، وهي من ولد سليمان بن داود عليهما السلام، وهو من ولد يهوذا بن
يعقوب أيضاً. وقال الكلبيُّ ومقاتل: هو يعقوب بن ماثان (١)، وأخوه عمران بن
ماثان، أبو مريم. وقيل: هو أخو زكريا عليه السلام.
والمراد من الوراثة في الموضعين العلمُ، على ما قيل.
وقال الكلبيُّ: كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان زكريا عليه
السلام رئيسَ الأحبار يومئذٍ، فأرادَ أن يرثه ولدُه الحبورةَ، ويرثَ من بني ماثان
ملكهم، فتكون الوراثةُ مختلفةً في الموضعين. وأُيِّد ذلك بعدم اختيار العطف على
الضمير المنصوب والاكتفاء بـ ((يرث)) الأول.
وقيل: الوراثة الأولى وراثة النبوّة، والثانية وراثةُ الملك، فتكون مختلفةً أيضاً،
إلّا أنَّ قوله: ﴿وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾﴾ أي: مرضيًّا عندك قولاً وفعلاً، وقيل:
راضياً، والأول أنسب = يكونُ على هذا تأكيداً؛ لأنَّ النبيَّ شأنهُ أن يكون كذلك،
وعلى ما قلنا يكونُ دعاءً بتوفيقه للعمل، كما أنَّ الأوَّل متضمِّنٌّ للدعاء بتوفيقه
للعلم، فكأنَّه طلبَ أنْ يكون ولده عالماً عاملاً.
وقيل: المرادُ: اجعله مرضيًّا بين عبادك، أي: متَّبعاً، فلا يكون هناك تأكيدٌ
مطلقاً .
وتوسيط (ربّ)) بين مفعولَي الجعل على سائر الأوجه للمبالغة في الاعتناء بشأن
ما يستدعيه .
واختار السكاكيُّ(٢) أنَّ الجملتين مستأنفتان استئنافاً بيانيًّا؛ لأنَّه يردُ أنَّه يلزمُ
على الوصفيَّة أنْ لا يكونَ قد وُهِب لزكريا عليه السلام من وُصِف؛ لهلاك يحيى
عليه السلام قبل هلاكِه؛ لقتل يحيى عليه السلام قبل قتله.
وتعقّب ذلك في ((الكشف)) بأنَّه مدفوعٌ بأنَّ الروايات متعارضة، والأكثرُ على
هلاك زكريا قبله عليهما السلام، ثم قال: وأمَّا الجواب بأنَّه لا غضاضةً في أن
يُستجابَ للنبيِّ بعضُ ما سأل دون بعض، ألا ترى إلى دعوةِ نبينا وَّهِ في حقِّ أمته،
(١) وضعفه السيوطي رحمه الله في الإتقان ٢/ ١٠٦٥.
(٢) مفتاح العلوم ص٣٢١.

سُالا مري
٢٠
الآية : ٦
حيث قال عليه الصلاة والسلام: ((وسألتُه أنْ لا يذيقَ بعضَهم بأس بعض،
فمنعنيها))(١)، وإلى دعوة إبراهيم عليه السلام في حقِّ أبيه = فإنَّما يتمُّ لو كان المحذورُ
ذلك، وإنَّما المحذورُ لزومُ الخلف في خبره تعالى، فقد قال سبحانه وتعالى في
(الأنبياء)»: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الآية: ٩٠] وهو يدلُّ على أنَّه عليه السلام أُعطي ما سَأل،
من غير تفرقةٍ بين بعض وبعض، وكذلك سياقُ الآيات الأُخَر. ولك أنْ تستدلَّ بظاهر
هذه الآية على ضعف روايةٍ من زعم أنَّ يحيى هَلك قبل أبيه عليهما السلام.
وأمَّا الإيرادُ بأنَّ ما اختير من الحمل على الاستئناف لا يدفعُ المحذور؛ لأنَّه
وصل معنويّ = فليس بشيء؛ لأنَّ الوصلَ ثابتٌ، ولكنه غيرُ داخلٍ في المسؤول؛
لأَنَّه بيانُ العلة الباعثة على السؤال، ولا يلزمُ أنْ يكونَ علَّة السؤال مسؤولة. انتهى.
وأجاب بعضُهم بأنَّه حيث كان المراد من الوراثة هنا وراثةَ العلم لا يضرُّ هلاُه
قبل أبيه عليهما السلام؛ لحصول الغرض، وهو أخذ ذلك وإفاضتُه على الغير،
بحيثُ تبقى آثاره بعد زكريا عليه السلام زماناً طويلاً، ولا يخفى أنَّ المعروف بقاءُ
ذات الوارث بعد الموروث عنه.
وقرأ أبو عمرو والكسائيُّ والزهريُّ والأعمش وطلحة واليزيديُّ وابنُ عيسى
الأصفهاني وابن محيصن وقتادة بجزم الفعلين (٢)؛ على أنَّهما جوابُ الدعاء،
والمعنى: إن تهبْ لي ذلك يرثني إلخ. والمراد أنه كذلك في ظنِّي ورجائي.
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهَه وابنُ عباس وجعفر بن محمد رِّ والحسنُ وابن
يعمر والجحدريّ وأبو حرب بن أبي الأسود وأبو نهيك: ((يرثُني)) بالرفع ((وأرث))
فعلاً مضارعاً من ورث(٣)، وخُرِّجَ ذلك على أنَّ المعنى يرثني العلم، وأرثُ أنا به
الملكَ من آل يعقوب، وذلك بجعل وراثة الوليِّ الملكَ وراثةً لزكريا عليه السلام؛
لأنَّ رفعةَ الولد رفعةٌ للوالد. والواو لمطلق الجمع، وقال بعضهم: والواو للحال،
والجملة حالٌ من أحد الضميرين، وقال صاحب ((اللوامح)): فيه تقديم، ومعناه:
(١) سلف بتمامه في سورة الأنعام، عند تفسير الآية ٦٥.
(٢) قراءة أبي عمرو والكسائي في التيسير ص١٤٨، والنشر ٣١٧/٢، وانظر قراءة الباقين في
البحر المحيط ٦/ ١٧٤ .
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٧٤.