Indexed OCR Text

Pages 461-480

الآية : ٦٦
٤٦١
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
أعلمُ من عمرو في الطبِّ، وعمرو أعلم منه في الفلاحة. ولو كان معناه الزيادةَ في
مطلق العلم كان قولك: زيدٌ أعلمُ من عمرو، مستلزماً لأن لا يكونَ عمرو أعلمَ منه
في شيء من العلوم، فلا يصحُّ تفضيلُ عمرو عليه في علم الفلاحة، وإنكارُ صدق
الأعلم المطلق مع صدق المقيد التزامٌ لصدق المقيَّد بدون المطلق، وقد جاء إطلاقُ
أفعل التفضيل والمرادُ منه التفضيلُ من وجهٍ على ما ذكره الشيخ ابن الحاجب في
(أمالي القرآن)) ضمنَ عدادِ الأوجه في حلِّ الإشكال المشهور في قوله تعالى: ﴿وَمَا
نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] من أنَّ المراد: إلا هي أكبرُ
من أختها من وجه، ثم قال: وقد يكون الشيئان كلُّ واحدٍ منهما أفضلُ من الآخر
من وجه.
وقد أشبع الكلامَ في هذا المقام مولانا جلال الدين الدواني فيما كتبه على
((الشرح الجدید للتجريد)) وحقّقه بما لا مزيد عليه.
ومما يدلُّ على أنَّ لموسى عليه السلام علماً ليس عند الخضر عليه السلام
ما أخرجه البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ من حديث ابن عباس مرفوعاً، أن
الخضر عليه السلام قال: ((يا موسى، إني على عِلْم من عِلْم الله تعالى علَّمنيه،
لا تعلمه أنت، وأنتَ على علمٍ من علم الله تعالى علَّمكه الله سبحانه لا أعلمه))(١).
وأنت تعلم أنه لو لم يكن قولُه تعالى لموسى عليه السلام المذكورُ في
الأحاديث السابقة: ((إنَّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلمُ منك))(٢). على معنى:
أعلم في بعض العلوم، بل كان على معنى: أعلم في كلِّ العلوم، أَشْكَلَ الجمعَ بينه
وبين ما ذكرنا من كلام الخضر عليه السلام.
ثم على ما ذكرنا ينبغي أن يراد من العلم الذي ذكر الخضرُ أنه يعلمه هو
ولا يعلمه موسى عليهما السلام بعضُ علم الحقيقة، ومن العلم الذي ذكر أنه
يعلمه موسى ولا يعلمه هو عليهما السلام بعضُ علم الشريعة، فلكلِّ من موسى
(١) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠)، وسنن الترمذي (٣١٤٩)، والسنن
الكبرى للنسائي (١١٢٤٥) وهي قطعة من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب ﴿، وهو
عند أحمد (٢١١١٤).
(٢) المصادر السابقة.

سُورَةُ الگھْفِ
٤٦٢
الآية : ٦٦
والخضر عليهما السلام علمٌ بالشريعة والحقيقة إلا أنَّ موسى عليه السلام أزيَدُ
بعلم الشريعة، والخضرَ عليه السلام أزيَدُ بعلم الحقيقة، ولكن نظراً للحالة
الحاضرة كما ستعلم وجهَه إن شاء الله تعالى، وعدمُ علم كلِّ ببعضٍ ما عند
صاحبه لا يضرُّ بمقامه.
وينبغي أن يُحمَل قولُ مَن قال كالجلال السيوطيّ: ما جُمِعت الحقيقةُ والشريعةُ
إلا لنبينا وَّر، ولم يكن للأنبياء إلا أحدُهما = على معنى أنَّها ما جُمعت على الوجه
الأكمل إلا له وَير، ولم يكن للأنبياء عليهم السلام على ذلك الوجه إلا أحدهما.
والحملُ على أنَّهما لم يُجمَعا على وجه الأمر بالتبليغ إلا لنبينا وَّـ، فإنه عليه
الصلاة والسلام مأمورٌ بتبليغ الحقيقة كما هو مأمورٌ بتبليغ الشريعة لكن للمستعدِّين
لذلك = لا يخلو عن شيء.
ويُفهَم من كلام بعض الأكابر أنَّ علم الحقيقة من علوم الولاية، وحينئذٍ لا بدَّ
أن يكون لكل نبيٍّ حظّ منه، ولا يلزم التساوي في علومها. ففي ((الجواهر والدرر)):
قلتُ للخواص عليه الرحمة: هل يتفاضَل الرسلُ في العلم؟ فقال: العلم تابعٌ
للرسالة، فإنَّه ليس عند كلِّ رسولٍ من العلم إلا بقدرِ ما تحتاج إليه أمتُه فقط. فقلتُ
له: هذا من حيث كونهم رسلاً، فهل حالُهم من حيث كونهم أولياء كذلك؟ فقال:
لا، قد يكون لأحدهم من علوم الولاية ما هو أكثر من علوم ولايةٍ أولي العزم من
الرسل الذين هم أعلى منهم. انتهى.
وأنا أرى أنَّ ما يحصل لهم من علم الحقيقة - بناءً على القول بأنه من علوم
الولاية - أكثرُ مما يحصل للأولياء الذين ليسوا بأنبياء. ولا تراني أُفضِّل وليًّا
ليس بنبيٍّ في علم الحقيقة على وليٍّ هو نبيٌّ، ولا أقول بولاية الخضر عليه السلام
دون نبوته، وقائلو ذلك يلزمهم ظاهراً القولُ بأنَّ ما عنده من علم الحقيقة مع كونه
وليًّا أكثرُ مما عند موسى عليه السلام منه، إن أثبتوا له عليه السلام شيئاً من ذلك مع
كونه نبيًّا، ولكنهم لا يرون في ذلك حظًّا لقدر موسى عليه السلام. وظاهرُ كلام
بعضهم أنَّه عليه السلام لم يُؤتَ شيئاً من علم الحقيقة أصلاً، ومع هذا لا ينحظُ
قَدْرُه عن قَدْرِ الخضر عليهما السلام إذ له جهاتُ فضلٍ أَخَرُ، وسيأتي إن شاء الله
تعالى تحقيقُ ما يقوله الذاهبون إلى ولايته عليه السلام.

الآية : ٦٧ - ٦٨
٤٦٣
سُوَّةُ الکھْفِ
ثم ما أراه أنا ولله تعالى الحمدُ أبعدُ عن القول بما نقل عن بعض الصوفية من
أنَّ الولايةَ مطلقاً أفضلُ من النبؤَّةِ، وإن كان الوليُّ لا يبلُغ درجةَ النبيِّ. وهو مردودٌ
عند المحقّقين بلا تردُّد، نعم، قد يقع تردُّدٌ في نبوة النبيِّ وولايته أيهما أفضل؟ فمن
قائلٍ بأنَّ نبوته أفضلُ من ولايته، ومن قائلٍ بأنَّ ولايتَه أفضل. واختار هذا بعضُ
العرفاء معلِّلاً له بأنَّ نبوةَ التشريع متعلِّقةٌ بمصلحة الوقت، والولايةُ لا تعلُّقَ لها
بوقتٍ دون وقتٍ، وهي في النبيِّ على غاية الكمال. والمختارُ عندي الأول.
وقد ضلَّ الكراميةُ في هذا المقام فزعموا أنَّ الوليَّ قد يبلغ درجة النبيِّ بل
أعلى، ورَدُّه ظاهرٌ، والاستدلالُ له بما في هذه القصة بناءً على القول بولاية الخضر
عليه السلام ليس بشيء كما لا يخفى.
هذا، ولا يخفى على مَن له أدنى ذوقٍ بأساليب الكلام ما راعاه(١) موسى عليه
السلام في سوق كلامه على علوِّ مقامه من غايةِ التواضُع مع الخضر عليه السلام،
ونهايةِ الأدب واللطف، وقد عدَّ الإمامُ من ذلك أنواعاً كثيرةً أوصلها إلى اثني عشر
نوعاً، إن أردتَها فارجع إلى تفسيره(٢)، وسيأتي إن شاء الله عزَّ وجلَّ ما تدلُّ عليه هذه
الآيةُ في سرد ما تدلُّ عليه آياتُ القصة بأسرها مما ذكر في كتب الحديث وغيرها .
﴿قَالَ﴾ أي: الخضرُ لموسى عليهما السلام: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
٦٧
نفيٌّ لأن يصبرَ معه على أبلغ وجهٍ، حيث جيء بـ ((إنَّ) المفيدةِ للتأكيد، وبـ ((لن))
ونفيُها آكدُ من نفي غيرها، وعُدِل عن: لن تصبر، إلى ((لن تستطيع)) المفيدِ لنفْي
الصبر بطريقٍ برهانيٍّ؛ لأنَّ الاستطاعةَ مما يَتوقَّف عليه الفعلُ فيلزم من نفِهِ نفيُه،
ونُكِّر ((صبراً)) في سياق النفي وذلك يفيدُ العمومَ، أي: لا تصبر معي أصلاً شيئاً من
الصبر، وعلَّلَ ذلك بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَزْ تُحِطْ بِهِ، خبرَ (٨َ﴾﴾ إيذاناً بأنَّه عليه
السلام يتولَّى أموراً خفيَّةَ المدار(٣) منكرةَ الظواهرِ، والرجلُ الصالح لا سيَّما صاحبُ
الشريعة لا يتمالَكُ أن يشمئزَّ عند مشاهدَتِها، وكأنه عَلِم مع ذلك حدَّةً موسى عليه
السلام ومزيدَ غيرته التي أوصلته إلى أن أخَذَ برأس أخيه يجرُّه.
(١) في الأصل: رعاه. والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١١٩/٦، والكلام منه.
(٢) ٢١ /١٥١.
(٣) في (م): المراد، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٣٤/٥، والكلام منه.

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٦٤
الآية : ٦٩
ونصبُ ((خُبراً)) على التمييز المحوَّلِ عن الفاعل، والأصلُ: ما لم يُحِط به
خُبرُك، وهو من ((خَبر)) الثلاثيّ من باب نصر وعلم، ومعناه: عَرَف، وجوِّز أن
يكون مصدراً وناصبُه ((تُحِظْ))، لأنَّه يلاقيه في المعنى؛ لأنَّ الإحاطةَ تُطلَق إطلاقاً
شائعاً على المعرفةِ، فكأنَّه قيل: لم تَخْبَرْه خبراً.
وقرأ الحسن وابن هرمز (خُبُرا)) بضم الباء(١).
واستدلوا بالآية كما قال الإمام(٢) وغيرُه على أنَّ الاستطاعةَ لا تحصُّل قبلَ
الفعل، قالوا: لو كانت الاستطاعةُ حاصلةً قبلَ حصول الفعل لكانت الاستطاعةُ
على الصبر حاصلةً قبلَ حصول الصبر، فيكون نفيُها كذباً، وهو باطلٌ، فتعيَّن أن
لا تكون قبلَ الفعل.
وأجاب الجبائيُّ بأنَّ المرادَ من هذا القول أنَّه يثقُل عليك الصبرُ، كما يقال في
العرف: إنَّ فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً وأن يُجالِسَه. إذا كان يثقُل عليه ذلك(٣).
وتعقَّبه الإمامُ بأنَّه عدولٌ عن الظاهرِ، وأيَّد الاستدلالَ بما أيّد.
والإنصاف أنَّ الاستدلال بها على ما ذكر غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ المراد ليس إلا نفْيَ
الصبر بنفْي مَا يتوقَّف هو عليه، أعني: الاستطاعة، وهذا حاصلٌ سواء كانت
حاصلةً قبلُ أو مقارنةً، ثم إنَّ القولَ بأنَّ الاستطاعةَ قبل الفعل ليس خاصًّا
بالمعتزلة، بل المفهوم من كلام الشيخ إبراهيم الكوراني أنه مذهبُ السلف أيضاً،
وتحقيق ذلك في محله.
﴿قَالَ﴾ موسى عليه السلام: ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ معك غيرَ معترضٍ
عليك ﴿وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا (2) عطفٌ على ((صابراً))، والفعلُ يُعطَّف على المفرد
المشتقُّ كما في قوله تعالى ﴿صَّفَّتٍ وَيَقْبِضْنٌ﴾ [الملك: ١٩] بتأويلٍ أحدهما بالآخر،
والأَولى فيما نحن فيه التأويلُ في جانب المعطوف، أي: ستجدني صابراً وغيرَ
عاصٍ، وفي وعدِ هذا الوجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبر وترك
(١) البحر ٦ /١٤٨.
(٢) في التفسير الكبير ١٥٢/٢١.
(٣) المصدر السابق، والكلام وما بعده منه.

الآية : ٦٩
٤٦٥
سُوَّةُ الكَهْفِ
العصيان، أو على ((ستجدني))، والجملةُ على الأول في محل نصبٍ لأنها معطوفةٌ
على المفعول الثاني للوجدان، وعلى الثاني لا محلَّ لها من الإعراب على ما في
((الكشاف))(١).
واستشكل بأنَّ الظاهرَ أنَّ محلّها النصبُ أيضاً لتقدُّم القول. وأجيب بأنَّ مقولَ
القول هو مجموعُ المعطوف والمعطوفِ عليه، فلا يكون لأجزائه محلٌّ باعتبار
الأصل.
وقيل: مرادُ الزمخشريِّ بيانُ حال العطف في القول المحكيِّ عن موسى عليه
السلام. وقيل: مرادُه أنَّه ليس مؤوَّلاً بمفردٍ كما في الأول. وقيل: إنَّه مبنيٌّ على أنَّ
مقول القول محذوفٌ وهذه الجملة مفسِّرةٌ له.
والظاهرُ الجواب الأول. وأوَّلُ الوجهين في العطف هو الأَوْلَى؛ لِمَا عرفتَ،
ولظهور تعلَّقِ المعطوف بالاستثناء عليه. وذكر المشيئة إن كان للتعليق فلا إشكال
في عدم تحقُّق ما وعد به.
ولا يقال إنه عليه السلام أخلف وعده وإن كان للتيمُّن، فإن قلنا: إنَّ الوعدَ
كالوعيد إنشاءٌ لا يحتمل الصدق والكذب، أو إنَّه مقيَّدٌ بقيدٍ يُعلم بقرينة المقام كـ :
إن أردتُ، أو: إن لم يمنع مانعٌ شرعيٌّ، أو غيره = فكذلك لا إشكال.
وإن قلنا: إنه خبرٌ، وإنه ليس على نية التقييد، جاء الإشكالُ ظاهراً، فإنَّ
الخُلف حينئذٍ كَذِبٌ، وهو غير لائق بمقام النبوة لمنافاته العصمة.
وأجيب بأنَّ ما صدر منه عليه السلام في المرتين الأخيرتين كان نسياناً كما في
المرَّةِ الأولى، ولا يضرُّ مثلُ هذا الخلف بمقام النبوة؛ لأنَّ النسيان عذرٌ.
وتعقّب بأنَّه لا نسلِّم النسيانَ في المرتين الأخيرتين، ففي البخاري وشرحه لابن
حجر: ((وكانت الأولى نسياناً، والثانيةُ شرطاً، والثالثة عمداً)). وفي رواية:
(والثانيةُ عمداً والثالثةُ فراقاً)(٢).
(١) ٢ / ٤٩٣.
(٢) الرواية الأولى في صحيح البخاري (٤٧٢٦)، والثانية أخرجها ابن مردويه كما ذكر الحافظ
في فتح الباري ٤١٩/٨، وفيه: عذر، بدل: عمد.

سُورَةُ الکھْفِ
٤٦٦
الآية : ٦٩
وقال بعضُهم: لك أن تقول: لم يقع منه عليه السلام ما يُخلُّ بمقامه؛ لأنَّ
الخُلفَ في المرة الأولى معفوٌّ عنه، وحيث وقع لم تكن الأخيرتان خلفاً. وفيه
تأمُّلٌ.
وقال القشيريُّ: إنَّ موسى عليه السلام وَعَد من نفسه بشيئين: بالصبر وقَرَنه
بالمشيئة، فصبر فيما كان من الخضر عليه السلام من الفعل، وبأنْ لا يعصيه،
فأطلَقَ ولم يَقرنه بالمشيئة، فعصاه حيث قال: ((فلا تسألني))، فكان يسأله، فما قرنه
بالاستثناء لم يُخلِف فيه، وما أطلقه وقع فيه الخُلف(١). انتهى.
وهو مبنيٌّ على أنَّ العطف على ((ستجدني))، وقد علمتَ أنه خلافُ الأَولى،
وأيضاً المرادُ بالصبر الثباتُ والإقرارُ على الفعل وعدمُ الاعتراض، كما يُنبئ عنه
المحاورةُ الآتية، وهو لم يتحقَّق منه عليه السلام، وأيضاً يبقى الكلامُ في الخلف
كما لا يخفى، وأنت تعلم أنه يبعُد من حال موسى عليه السلام القطعُ بالصبر
وعدم عصيان الأمر بعد أن أشار له الخضر عليه السلام أنه سيصدر منه أمورٌ منكرةٌ
مخالفةٌ لقضيةٍ شريعته، فلا يبعُد منه اعتبارُ التعليق في الجملتين، ولم يأت به
بعدَهما بل وسَّطه بين مفعولي الوجدان من الجملة الأولى لمزيد الاعتناء بشأنه، وبه
يرتفع الإشكال من غير احتياج إلى القيل والقال، وفيه دليلٌ على أنَّ أفعالَ
العبد بمشيئته تعالى لأنه إذا صدر بعض الأفعال الاختيارية بمشيئته سبحانه لزم
صدورُ الكلِّ بها؛ إذ لا قائلَ بالفرق.
والمعتزلةُ اختاروا أنَّ ذكرَ المشيئة للتيمُّن، وهو لا يدلُّ على ما ذكر، وقال
بعضُ المحققين: إنَّ الاستدلالَ جارٍ أيضاً على احتمال التيمُّن؛ لأنَّه لا وجهَ للتيمُّن
بما لا حقيقةً له، وقد أشار إلى ذلك الإمامُ(٢) أيضاً فافهم، وقد استَدَلَّ بالآية على
أن الأمرَ للوجوب، وفيه نظرٌ.
ثم إنَّ الظاهرَ أنَّه لم يُرَد بالأمر مقابلُ النهي، بل أريد مطلقُ الطلب، وحاصلُ
الآية نَفْي أن يعصيَه في كلِّ ما يطلبه.
(١) لطائف الإشارات ٤٠٩/٢.
(٢) في التفسير الكبير ٢١/ ١٥٣.

الآية : ٧٠ - ٧١
٤٦٧
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
﴿قَالَ﴾ الخضر عليه السلام: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ﴾ إذنٌ له عليه السلام في الاتباع بعد
اللّيًّا والتي، والفاءُ لتفريع الشرطية على ما مرَّ من وعد موسى عليه السلام بالصبر
والطاعة.
﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ﴾ تُشاهِده من أفعالي فضلاً عن المناقشة والاعتراض ﴿حَتّ
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (®)﴾ أي: حتى أبتَدِتَك ببيانه. والغايةُ - على ما قيل - مضروبةٌ
لِمَا يُفهَم من الكلام، كأنه قيل: أَنكِرْ بقلبك على ما أفعل حتى أبيِّنه لك، أو هي
لتأييد تركِ السؤال، فإنه لا ينبغي السؤالُ بعد البيان بالطريق الأولى، وعلى الوجهين
فيها إيذانٌ بأنَّ كلَّ ما يصدُر عنه فله حكمةٌ وغايةٌ حميدةٌ البتّةً.
وقيل: ((حتى)) للتعليل، وليسَ بشيء.
وقرأ نافع وابن عامر: ((فلا تستَلَنِّي)» بالنون المثقّلة مع الهمز (١)، وعن
أبي جعفر: ((فلا تَسَلَنِّي)) بفتح السين واللام والنون المثقّلة من غير همز(٢).
وكلُّ القراء كما قال أبو بكر (٣) بياءٍ في آخره، وعن ابن عامر (٤) في حذف الياء
خلافٌ غريبٌ.
﴿فَطَلَقَا﴾ أي: موسى والخضرُ عليهما السلام، ولم يُضمَّ يوشع عليه السلام
لأنه في حكم التبع، وقيل: ردَّه موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل.
أخرج البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن ابن عباس مرفوعاً: ((أنهما انطلقا يمشيان
على ساحل البحر، فمرَّت بهما سفينةٌ، فكلَّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر
فحملوهما بغير نَولٍ))(٥).
(١) التيسير ص١٤٢ .
(٢) البحر ١٤٧/٦، وفي النشر ٣١٢/٢ أنَّه قرأ مثل قراءة نافع وابن عامر.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: أبو علي، كما في البحر ١٤٨/٦ .
(٤) في الأصل و(م): ابن عباس رضيًا، والمثبت من البحر ١٤٨/٦ والكلام منه، والقراء العشرة
أجمعوا على إثبات الياء ما عدا ابن ذكوان (الراوي عن ابن عامر)، فروي عنه الإثبات
والحذف في الحالين. التيسير ص١٤٧، والنشر ٣١٢/٢.
(٥) صحيح البخاري (٤٧٢٧)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠): (١٧٠) ومسند أحمد (٢١١١٤).

سُورَةُ الگھْفِٹ
٤٦٨
الآية : ٧١
وفي رواية ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس: أنَّ أهل السفينة ظنُّوا أنَّهم
لصوصٌ لأنَّ المكان كان مخوفاً فأبوا أن يحملوهم، فقال كبيرُهم: إني أرى رِجالاً
على وجوههم النورُ، لأحملتَّهم. فحملهم (١).
﴿حََّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ﴾ ((أل)) فيها لتعريف الجنس؛ إذ لم يتقدَّم عهدٌ في
سفينةٍ مخصوصةٍ، وكانت - على ما في بعض الروايات - سفينةً جديدةً وثيقةً لم يمرَّ
بهما من السفن سفينةٌ أحسنُ منها ولا أجملُ ولا أوثق(٢). وكانت أيضاً على ما يدلُّ
عليه بعضُ الروايات الصحيحة من سفن صغارٍ يُحمل بها أهلُ هذا الساحل إلى أهل
الساحل الآخر(٣). وفي رواية أبي حاتم أنَّها كانت ذاهبةً إلى أيلة.
وصحَّ: أنهما حينَ رَكِبا جاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السفينة، ثم نقر في
البحر، فقال له الخضر: ((ما نَقَصَ عِلْمي وعِلْمُك من عِلْم الله تعالى إلَّا مثلَ ما نقص
هذا العصفورُ من البحر)) (٤). وهو جارٍ مَجرى التمثيل.
واستعمالُ الركوب في أمثال هذه المواقع بكلمة ((في)) مع تجريده عنها في مثل
قوله تعالى: ﴿لِّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨] على ما يقتضيه تعديتُه بنفسه، قد مرَّت
الإشارة إلى وجهه في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا﴾ [هود: ٤١].
وقيل: إنَّ ذلك لإرادة معنى الدخول؛ كأنه قيل: حتى إذا دخلا في السفينة.
﴿خَرَقَهَا﴾ صحَّ أنهما لمَّا ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من
ألواحها بالقدوم، فقال له موسى عليه السلام: قومٌ حملونا بغير نَولِ عمدتَ إلى
سفينتهم فخرقتَها(٥).
وصحَّ أيضاً أنه عليه السلام خرقها ووَتَد فيها وتداً (٦).
وقيل: قلع لَوْحَيْن مما يلي الماء.
(١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٣٨/٤.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٢٨/١٥ عن ابن عباس عن أُبيّ.
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٢٦)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ.
(٤) صحيح البخاري (٤٧٢٧)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠).
(٥) صحيح البخاري (٤٧٢٥) و(٤٧٢٧)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ.
(٦) صحيح البخاري (٤٧٢٦)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ.

الآية : ٧١
٤٦٩
سُورَةُ الكَهْفِ
وفي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً: ((أنَّهما لمَّا ركبا واطمأنًا
فيها ولجَّجَت بهما مع أهلها أخرج مثقاباً له ومِطرَقةً، ثم عَمد إلى ناحيةٍ منها،
فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبَّقه عليها، ثم جلس عليها
یَرَقَعُها))(١).
وهذه الرواية ظاهرةٌ في أنَّ خرْقَه إياها كان حين وصولها إلى لُجِّ البحر، وهو
معظمُ مائه، وفي الرواية عن الربيع أنَّ أهلَ السفينة حملوهما فساروا حتى إذا
شارفوا على الأرض خرقها(٢). ويمكن الجمع بأنَّ أولَ العزم كان وهي في اللَّجِّ،
وتمامُ الفعل كان وقد شارفت على الأرض.
وظاهرُ الأخبار يقتضي أنه عليه السلام خرقها وأهلُها فيها، وهو ظاهرُ قوله
تعالى: ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَخَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾، سواءٌ كانت اللام للعاقبة بناءً على
أنَّ موسى عليه السلام حَسَّنَ الظنَّ بالخضر، أو للتعليل بناءً على أنه الأنسب بمقام
الإنكار، وبعضهم لم يجوِّز هذا توقُّماً منه أنَّ فيه سوءً أدبٍ، وليس كذلك، بل
يوشك أن يتعيَّن كونُها للتعليل لأنَّ الظاهرَ بناءُ الجواب عليه كما سنشير إليه إن
شاء الله تعالى.
وفي حديث أخرجه عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه قال: ((فانطلقا حتى إذا
ركبا في السفينة فخرج مَن كان فيها، وتخلّف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها
لتُغرق أهلها؟ فقال له الخضر ما قصَّ الله تعالى(٣).
وهذا ظاهرٌ في أنَّه عزم على الخرق فاعترض عليه موسى عليه السلام، وهو
خلاف ما تقتضيه الآية، فإن أُوِّل بأنه بتقدير: وتخلَّف ليخرقها فخرقها، وأنَّ تعبيرَ
موسى عليه السلام بالمضارع استحضاراً للصورة، أو قيل بأنَّه وقع من الخضر
(١) أخرجه الطبري في التفسير ٣٢٨/١٥، من حديث ابن عباسٍ عن أبيٍّ، وفي إسناده:
الحسن بن عمارة وهو متروك. وقوله: لجَّجت، أي: فاضت اللُّجَّة، بالضمِّ، وهي معظم
الماء. تاج العروس (لجج).
(٢) سلف تخريجه ص ٤٦١.
(٣) مسند عبد بن حميد (١٦٩)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠): (١٧٢)، وهو عند أحمد (٢١١١٨)،
ولم يسق مسلم لفظه.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٤٧٠
الآية : ٧١
عليه السلام أولاً تصميمٌ على الخرق وتهيئةٌ لأسبابه، وثانياً خرقٌ بالفعل، ووقع
من موسى عليه السلام اعتراضٌ على الأوَّل أوّلاً، وعلى الثاني ثانياً، فتُقِل في
الحديث أوَّلُ ما وقع من كلٌّ في هذه المادَّةِ، وفي الآية ثاني ما وقع من كلِّ فيها
= بقي بين ظاهر الحديث وظاهر الآية مخالفةٌ أيضاً = على ما قيل، من حيث إنَّ
الأولَ يقتضي أنَّ أهلَ السفينة لم يكونوا فيها إذ خُرقت، والثاني يقتضي أنَّهم
کانوا فيها حينئذٍ.
وأجيب أنَّه ليس في الحديث أكثرُ من أنَّهم خرجوا منها وتخلّف للخرق، ولیس
فيه أنهم خرجوا فخرقها، فيمكن أن يكونَ عليه السلام تخلّف للخرق إذ خرجوا،
لكنه لم يفعله إلا بعد رجوعهم إليها وحصولهم فيها .
وأنتَ تعلم أنَّه ينافي هذا ما قيل في وجه الجمع بين الرواية عن سعيد والرواية
عن الربيع؛ وبالجملة الجمعُ بين الأخبار الثلاثة وبينها وبين الآية صعبٌ، وقال
بعضهم في ذلك: إنَّه يحتمل أنَّ السفينةَ لمَّا لَجَّجت بهم صادفوا جزيرةً في اللُّجِّ
فخرجوا لبعض حوائجهم وتخلَّف الخضرُ عازماً على الخرق ومعه موسى عليه
السلام، فأحسَّ منه ذلك، فعجَّل بالاعتراض، ثم رجع أهلُها وركبوا فيها، والعزم
هو العزم، فأخذ عليه السلام في مباشرةٍ ما عزم عليه ولم يشعُر موسى عليه السلام
حتى تمَّ، وقد شارفت على الأرض. ولا يخفى ما في ذلك من البعد.
وذكر بعضُهم أنَّ ظاهرَ الآية يقتضي أنَّ خرقَه إياها وقع عقب الركوب؛ لأنَّ
الجزاءَ يعقب الشرطَ.
وأجيب بأنَّ ذلك ليس بلازم، وإنما اللازم تسبُّبُ الجزاء عن الشرط ووقوعه
بعده، ألا تراك تقول: إذا خرج زيدٌ على السلطان قتله، وإذا أعطيتَ السلطان
قصيدةً أعطاك جائزةً. مع أنَّه كثيراً ما لا يعقب القتلُ الخروجَ، والإعطاءُ الإعطاءَ،
وقد صرَّح ابنُ الحاجب بأنَّه لا يلزم وقوعُ الشرط والجزاءِ في زمانٍ واحدٍ؛ فيقال:
إذا جئتني اليومَ أُكرمك غداً، وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿أَِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾
[مريم: ٦٦] ومَن التزم ذلك كالرضي جعل الزمان المدلولَ عليه بـ ((إذا)» ممتدًّا، وقدَّر
في الآية المذكورة: أإذا ما متُّ وصرتُ رميماً، وعليه أيضاً لا يلزم التعقيبُ.

الآية : ٧١
٤٧١
سُورَةُ الكَهْفِ
نعم، قال بعضُهم: إنَّ خبرَ ((لمَّا ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضرُ قد قلع
لوحاً من ألواحها)»(١) يدلُّ على تعقيب الخرق للركوب، وأيضاً جَعْلُ غايةٍ
انطلاقهما مضمون الجملة الشرطية يقتضي ذلك؛ إذ لو كان الخرقُ متراخياً عن
الركوب لم يكن غايةُ الانطلاق مضمون الجملة؛ لعدم انتهائه به .
وأجيب بأنَّ المبادرةَ التي دلَّ عليها الخبر عرفيَّةٌ (٢)، بمعنى أنه لم تمضٍ أيام
ونحوه، وبأنَّه لا مانعَ من كون الغاية أمراً ممتدًّا، ويكون انتهاءُ المغيَّا بابتدائه؛
كقولك: ملك فلانٌ حتى كانت سنةُ كذا ملكه. فتأمَّل.
ثم إنَّ في القلب من صحة رواية الربيع شيئاً، والله تعالى أعلم بصحّتها .
والظاهر أنَّ أهل السفينة لم يروه لمَّا باشر خَرْقَها، وإلا لما مكَّنوه، وقد نصّ
على ذلك علي القاري، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية من طريق
حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب أنَّه قال: كان الخضر عبداً لا تراه إلا عينُ
مَن أراد الله تعالى أن يُريه إياه، فلم يره مِن القوم إلا موسى عليه السلام، ولو رآه
القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة، وكذا بينه وبين قتل الغلام(٣). وليس هذا
بالمرفوع، والله تعالى أعلم بصحته. نعم، سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً عن الربيع
أيضاً أنَّهم علموا بعد ذلك أنَّه الفاعل.
والظاهر أيضاً أنَّ موسى عليه السلام لم يُرِد إدراجَ نفسه الشريفة في قوله:
(لتغرق أهلها))، وإن كان صالحاً لأن يدرج فيه بناءً على أنَّ المراد من ((أهلها))
الراکبین فیها .
وقرأ الحسن وأبو رجاء: ((لتُغرِّق)) بالتشديد، لتكثير المفعول (٤).
وقرأ حمزة والكسائيُّ وزيد بن عليٍّ والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وخلف
وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى الأصبهانيُّ: ((ليغرَق أهلُها)) على إسناد الفعل إلى
(١) سلف ص٤٦٨ .
(٢) في (م): عرفته، وهو خطأ .
(٣) عزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٣٦/٤.
(٤) القراءات الشاذة ص ٨١.

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٧٢
الآية : ٧٢
الأهل(١)، وكونُ اللام على هذه القراءة للعاقبة ظاهرٌ جدًّا.
﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ أتيتَ وفعلتَ ﴿شَيْئًا إِمْرًا ﴾﴾ أي: داهياً منكَراً، من أَمِر الأمرُ،
بمعنى كَثُر، قاله الكسائيُّ، فأصله: كثيرٌ، والعربُ - كما قال ابن جني في ((سر
الصناعة)) - تصف الدواهي بالكثرة(٢). وهو عند بعضهم في الأصل على وزن ((كَبِد»
فخُفِّف. قيل: ولم يقل: أمراً إمْراً، مع ما فيه من التجنيس؛ لأنَّه تكلُّفٌ لا يلتفت
إلى مثله في الكلام البليغ، كما صرَّح به الإمام المرزوقي في شرح قول السموءل:
وتكرهُه آجالُهم فتطولُ
يقرِّب حبُّ الموتِ آجالَنا لنا
ردًّا لاختيارِ بعضهم رواية: يقصِّر حبُّ الموت، وأيَّد ذلك بقول أبي ذؤيب
الهذليّ:
وشيكَ الفُصُول بعيدَ القُفُول
حيث أمكن له أن يقول: بطيء القفول، ولم يقل(٣).
وربما يقال هنا: إنَّه لم يقل ذلك لِمَا ذكر مع إيهامه خلافَ المراد، وقصورِه
عن درجةٍ ما في النظم الجليل من زيادةِ التفظيع. وفي الرواية عن الربيع أنَّ موسى
عليه السلام لمَّا رأى من الخضر ما رأى امتلأ غضباً وشدَّ عليه ثيابَه وأراد أن يقذف
الخضرَ عليه السلام في البحر، فقال: أردتَ هلاكَهم فستعلم أنك أولُ مالكٍ.
وجعل كلَّما ازداد غضباً استعر البحرُ، وكلَّما سكن كان البحرُ كالدهن، وأنَّ
يوشع بن نون قال له: ألا تذكر العهدَ والميثاق الذي جعلتَ على نفسك، وأنَّ
الخضر عليه السلام أقبل عليه يذكّره ما قاله من قبل ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ
صَبْرَ ®﴾ (٤) وهو متضمِّنٌ للإنكار على عدم وقوع الصبر منه عليه السلام، فأدركه
عند ذلك الحلمُ.
(١) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣١٢/٢ عن حمزة والكسائي وخلف، والكلام من البحر ١٤٩/٦.
(٢) سرّ صناعة الإعراب ص٦٢٣، وقول الكسائي فيه.
(٣) شرح ديوان الحماسة ١١٦/١، وقيل: البيت الحارثي، والسموءل: هو ابن عاديا اليهودي،
صاحب الحصن المعروف بالأبلق، يضرب به المثل في الوفاء. الأغاني ١١٧/٢٢، وبيت
أبي ذؤيب في شرح ديوان الهذليين ٣٠٣/١، وتمامه: إلّا مُشاحاً به أو مُشِيحا.
(٤) عزاه السيوطي في الدر ٢٣٨/٤ لابن أبي حاتم، وقد سلف ص٤٦٨.

الآية : ٧٣
٤٧٣
سُؤَدَةُ الكَهْفِ
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ اعتذارٌ بنسيان الوصية على أبلغ وجهٍ؛ كأنَّ نسيانَه
أمرٌ محقَّقُ عند الخضر عليه السلام لا يحتاج أن يفيدَه إياه استقلالاً، وإنما يُلتَمس
منه تركُ المؤاخذة به، فـ ((ما)) مصدريةٌ، والباء صلةُ المؤاخذة، أي: لا تؤاخذ بنسياني
وصيتك في ترك السؤال عن شيءٍ حتى تُحدِثَ لي منه ذكراً، والتَمَسَ تركَ المؤاخذة
بالنسيان لأنَّ الكاملَ قد يُؤاخذ به، وهي مؤاخذةٌ بقلة التحفّظ التي أدّت إليه
كما وقعت لأول ناسٍ وهو أولُ الناس، وإلا فالمؤاخذةُ به نفسه لا تصحّ؛ لأنَّه غيرُ
مقدور.
وقيل: الباءُ للسببية وهي متعلِّقةٌ بالفعل، والنسيانُ وإن لم يكن سبباً قريباً
للمؤاخَذة، بل السبب القريبُ لها هو ترك العمل بالوصية، لكنه سببٌ بعيدٌ؛ لأنَّه
لولاه لم يكن التركُ.
وجوِّز أن تكونَ متعلِّقةً بمعنى النهي، كما قيل في ((بنعمة ربك)) من قوله تعالى:
﴿مَّ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [ن: ٢]: إنَّه متعلِّق بمعنى النفي، فيكون النسيانُ سبباً
للنهي عن المؤاخذة بترك العمل بالوصية. وزعم بعضُهم تعيُّنَ كونِها للملابسة.
ويجوز في ((ما)) أن تكونَ موصولةً، وأن تكونَ موصوفةً، أي: لا تؤاخذني
بالذي - أو بشيء - نسيتُه، وهو الوصيةُ، لكن يحتاج هذا ظاهراً إلى تقدير مضافٍ،
أي: بتركِ ما نسيتُه، لأنَّ المؤاخذة بترك الوصية، أي: تركِ العمل بها، لا بنفس
الوصية.
وقيل: قد لا يحتاج إلى تقدير المضاف، فإنَّ الوصية سببٌ للمؤاخذة، إذ
لولاها لم يكن تركُ العلم ولا المؤاخذةُ، ونظيرُ ذلك ما قيل في قوله تعالى:
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّدِهُ﴾ [الكهف: ٥٠] ثمَّ كونُ ما ذُكر اعتذاراً بنسيان الوصية هو
الظاهرُ، وقد صح في البخاري: أنَّ المرة الأولى كانت نسياناً(١).
وزعم بعضهم أنَّه يحتمل أنَّه عليه السلام لم ينسَ الوصية، وإنما نهى عن
مؤاخذته بالنسيان مُوهِماً أنَّ ما صدر منه كان عن نسيانها مع أنَّه إنَّما عنى نسيانَ
شيءٍ آخر، وهذا من مَعاريض الكلام التي يُتَّقى بها الكذبُ مع التوسُّل إلى
(١) صحيح البخاري (٤٧٢٦).

سُورَةُ الكَهْفِّ
٤٧٤
الآية : ٧٤
الغرض، كقول إبراهيم عليه السلام: ((هذه أختي))، و((إني سقيم))(١). وروى هذا
ابنُ جرير عن أبي بن كعب وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴾ (٢).
وجوِّز أن يكون النسيانُ مجازاً عن الترك، أي: لا تؤاخذني بما تركتُ من
وصيتك أوَّلَ مرة.
﴿وَلَا تُرْهِقِنِ﴾ لا تَغْشَني (٣) ولا تحمِّلني ﴿مِنْ أَمْرِى﴾ وهو اتِّباعه إياه ﴿عُشْرًا
VF
أي: صعوبةً، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ((تُرْهِقْني))، والمراد: لا تُعسِّر عليَّ متابعتك ويَسِّرها
عليَّ بالإغضاء وترك المناقشة.
وقرأ أبو جعفر: ((عُسُراً)) بضمَّتين (٤).
﴿فَأَنْطَلَقَا﴾ الفاء فصيحة، أي: فقبل عذرَه، فخرجا من السفينة فانطلقا يمشيان
على الساحل، كما في الصحيح(٥)، وفي رواية ((أنَّهما مرَّا بقرية))(٦).
﴿حَتَّ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا﴾ يزعمون - كما قال البخاريُّ - أنَّ اسمَه: جيسور، بالجيم،
ورُوي بالحاء(٧)، وقيل: إن اسمه جنبتور (٨)، وقيل غير ذلك. وصحَّ أنه كان يلعب
مع الغلمان، وكانوا ــ على ما قيل - عشرةٌ، وأنه لم يكن فيهم أحسنُ ولا أنظفُ منه
فأخذه(٩) .
(١) أخرجه البخاري (٣٣٥٨) من حديث أبي هريرة طلبه، وقد سلف ١/ ٤٣٢.
(٢) تفسير الطبري ٣٣٨/١٥. ولم نقف على رواية ابن أبي حاتم. وذكره عن ابن عباس
أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢/ ٣٠٧.
(٣) من غشية كذا: إذا عرض له، وهو تفسير للإرهاق. حاشية الشهاب ١٢١/٦-١٢٢.
(٤) النشر ٢١٦/٢، وإتحاف الفضلاء ص ١٨٥، والبدور الزاهرة ص١٩٤، وتحرف في مطبوع
النشر إلى: أبي عمرو.
(٥) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠) (١٧٠).
(٦) مسند أحمد (٢١١١٤)، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
(٧) في مطبوع البخاري (٤٧٢٦) وفتح الباري ٤٢٠/٨ بالحاء، وقال الحافظ: وفي رواية
بالجیم .
(٨) القاموس المحيط (جبر).
(٩) في صحيح البخاري (٤٧٢٦) ((غلاماً كافرا ظريفاً))، وفي مسند أحمد (٢١١١٨) ((ليس في
الغلمان غلام أنظف منه)) وليس فيهما أنهم عشرة، وينظر تفسير الطبري ٣٢٨/١٥.

الآية : ٧٤
٤٧٥
سُورَُّ الكَهْفِ
﴿فَقَطَلَهُ﴾ أخرج البخاريُّ في روايةٍ: ((أنَّه عليه السلام أخذ برأسه من أعلاه
فاقتلعه بيده))(١). وفي رواية أخرى ((أنه أخذه فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين))(٢).
وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله. وقيل: رضَّه بحَجَر(٣). وقيل: ضربه برجله
فقتله. وقيل: أدخل أصبعه في سُرَّته فاقتلعها فمات.
وجُمع بين الروايات الثلاث الأُوَل بأنه ضرب رأسَه بالجدار أولاً، ثم أضجعه
وذبحه، ثم اقتلع رأسه، وربما يجمع بين الكلِّ، وفي كلا الجمعين بُعدٌ.
والظاهر أنَّ الغلام لم يكن بالغاً؛ لأنه حقيقةُ الغلام الشائعةُ في الاستعمال،
وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقيل: كان بالغاً شابًّا، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن
سعيد بن عبد العزيز أنه كان ابن عشرين سنة (٤). والعرب تُبقي على الشابُّ اسمَ
الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية في الحجاج:
شفاها من الداء الذي قد أصابها
غُلامُ إذا هزَّ القناةَ سَقاها (٥)
و قوله :
تَلَقَّ ذُبابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّني
غلامٌ إذا هوجيتُ لستُ بشاعر(٦)
وقيل: هو حقيقةٌ في البالغ لأنَّ أصلَه من الاغتلام، وهو شدَّة الشَّبَق، وذلك
إنما يكون فيمن بلغ الخُلُمَ، وإطلاقه على الصبيِّ الصغير تجوُّزٌ من باب تسمية
الشيء باسم ما یَؤُول إليه.
ويؤيِّد قولَ الأولين قولُه تعالى: ﴿قَالَ﴾ أي: موسى عليه السلام: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا
زَكِيَّةٌ ﴾ أي: طاهرةً من الذنوب، فإنَّ البالغَ قلَّما يزكو من الذنوب. وقد جاء في
(١) صحيح البخاري (١٢٢). وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ.
(٢) صحيح البخاري (٤٧٢٦). وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ.
(٣) البحر ٦ / ١٥٠.
(٤) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٣٦/٤.
(٥) البيت في البحر المحيط ٦/ ١٥٠، وفيه رواية أخرى، سلفت ١٧٨/٤ .
(٦) البيت لصفوان بن معطل، قاله لحسان بن ثابت، وهو في سيرة ابن هشام ٣٠٥/٢، وتاريخ
الطبري ٦١٨/٢، ودلائل النبوة ٧٥/٤، وتفسير القرطبي ٣٣١/١٥، والبحر ١٥٠/٦،
ولفظ الدلائل: عنك، بدل: عنِّي. وذباب السيف: حدُّه. القاموس (ذبب).

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٧٦
الآية : ٧٤
حديث ابن جبير عن ابن عباس مرفوعاً تفسيرُ ((زكية)) بصغيرةٍ(١)، وهو تفسيرٌ
باللازم.
ومَن قال: كان بالغاً، قال: وَصَفه عليه السلام بذلك لأنَّه لم يره أَذْنَب، فهو
وصفٌ ناشئٌّ من حُسن الظنِّ.
واستُدلَّ على كونه بالغاً بقوله تعالى: ﴿يِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير حقِّ قصاص لك
عليها، فإنَّ الصبيَّ لا قصاصَ عليه.
وأجاب النوويُّ والكرمانيُّ بأنَّ المراد التنبيهُ على أنَّه قتله بغير حقٍّ، إلا أنَّه
خصَّ حقَّ القصاص بالنفي؛ لأنَّه الأنسبُ بمقام القتل، أو أنَّ شرعَهم كان إيجابَ
القصاص على الصبيّ(٢). وقد نقل المحدِّثون كالبيهقي في كتاب ((المعرفة)) أنَّه كان
في شرعنا كذلك قبل الهجرة(٣). وقال السبكيُّ: قبل أحُدٍ، ثم نُسِخ.
والجارُّ والمجرور قال أبو البقاء: متعلّقٌ بـ ((قتلتَ))، كأنه قيل: أي: قتلتَ نفساً
بلا حقٍّ، وجوَّز أن يتعلَّق بمحذوفٍ، أي: قتلاً بغير نفس، وأن يكون في موضع
الحال، أي: قَتَلْتَها ظالماً لها، أو مظلومة(٤).
وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن وحميد والزهريُّ
ونافع واليزيديُّ وابن مسلم وزيد وابن بكير عن يعقوب ورويس عنه أيضاً وأبو عبيد
وابن جبير الأنطاكيُّ وابن كثير وأبو عمرو: ((زاكية)) بتخفيف الياء وألفٍ بعد
الزاي(٥) .
و(زَكِيَّةٌ) بالتشديد من غير ألف - كما قرأ زيد بن عليٍّ والحسن والجحدريُّ وابن
عامر والكوفيون - أبلغُ من ذلك؛ لأنَّه صفةٌ مشبَّهةٌ دالَّةٌ على الثبوت، مع كون
(١) تفسير الطبري ٣٢٨/١٥.
(٢) شرح النووي ١٥/ ١٤٠. وقول الكرماني نقله المصنف من حاشية الشهاب ١٢٣/٦.
(٣) معرفة السنن والآثار ٩/ ٩٥، وفيه: إنما صارت الأحكام متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة. اهـ.
وينظر السنن الصغير ٣٥٠/٢. والكلام من حاشية الشهاب ١٢٣/٦.
(٤) الإملاء ٥٢٩/٣ - ٥٣٠.
(٥) التيسير ص ١٤٤، والنشر ٣١٣/٢ عن نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ورويس،
والكلام من البحر ٦/ ١٥٠ .

الآية : ٧٤
٤٧٧
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
((فعيل)) المحوَّل من ((فاعل)) - كما قال أبو حيان(١) - يدلُّ على المبالغة.
وفرَّق أبو عمرو بين ((زاكية)) و((زكية)) بأنَّ ((زاكية)) بالألف هي التي لم تُذِنِب
قٌ، و((زكيَّة)) بدون الألف هي التي أَذْنَبت ثم غُفِرت(٢).
وتعقّب بأنَّه فرقٌ غيرُ ظاهر؛ لأنَّ أصلَ معنى الزكاة النموُّ والزيادة، فلذا
وردت للزيادة المعنوية وأُطلِقت على الطهارة من الآثام ولو بحسب الخلقة
والابتداء كما في قوله تعالى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فمن أين
جاءت هذه الدلالة؟ ثم وجّه ذلك بأنه يحتمل أن تكونَ لكون ((زاكية)) بالألف من
زَكِيَ اللازم، وهو يقتضي أنَّه ليس بفعلٍ آخر وأنَّه ثابتٌ له في نفسه، و((زكية))
بمعنى مزّة، فإن ((فعيلاً)) قد يكونُ من غير الثلاثيِّ، كرضيع بمعنى مُراضِع،
وتطهيرُ غيره له من الذنوب إنما يكون بالمغفرة، وقد فهمه من كلام العرب فإنه
إمام العربية واللغة، فتكون بهذا الاعتبار ((زاكية)) بالألف أبلغ وأنسب بالمقام، بناءً
على أنه يرى أنَّ الغلام لم يبلغ الخُلُم، ولذا اختار القراءةَ بذلك وإن كان كلٌّ من
القراءتين متواتراً عنه وليه .
وهذا - على ما قيل - لا ينافي كونَ ((زكية)) بلا ألف أبلغَ باعتبار أنها تدلُّ على
الرفع، وهو أقوى من الدفع. فافهم.
وأيًّا ما كان فوصف النفس بذلك لزيادة تفظيع ما فعل، وقد أخرج ابن مردويه
عن أبيّ بن كعب أنَّ الخضر عليه السلام لمَّا قتل الغلام ذُعِر موسى عليه السلام
ذعرةً منكرة، وقال: أقتلتَ نفساً زكيةً بغير نفس(٣)؟!
منگراً جدًّا.
﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا لَِّ
قال الإمام: النُّكر(٤) ما أنكرته العقول ونفرت عنه النفوس، وهو أبلغ في تقبيح
الشيء من الإمر. وقيل بالعكس.
(١) في البحر ٦/ ١٥٠ .
(٢) حجة القراءات لابن زنجلة ص٤٢٤.
(٣) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٣٦/٤.
(٤) في (م): المنكر، والمثبت من الأصل والتفسير الكبير ١٥٥/٢١.

سُوَرَةُ الكَهْفِ
٤٧٨
الآية : ٧٤
وقال الراغب: النُّكر(١): الدهاء والأمرُ الصعبُ الذي لا يعرف. ولهذه الأبلغية
قال بعضهم: المراد شيئاً أَنْكَرَ من الأول.
واختار الطيبيُّ أنَّه دونَ الإمر، وقال: إنَّ الذي يقتضيه النظمُ أنه ذَكَر الأغلظ ثم
تنزَّل إلى الأهون، فقتلُ النفس أهونُ من الخرق لِمَا فيه من إهلاك جماعةٍ، وأغلظٌ
من إقامة الجدار بلا أجرة (٢).
وقال في ((الكشف)): الظاهر أبلغيةُ النُّكرِ، أما بحسب اللفظ فظاهرٌ، ألا ترى
كيف فسَّر الشاعرُ، أي: في قوله :
لقد لقي الأقرانُ مِنِّي نُكراً داهيةً دهياءَ إذّاً إمرا(٣)
النُّكْرَ بداهيةٍ من صفتها كيت وكيت، وجعل الإِمرَ بعضَ أوصافها. وأما بحسب
الحقيقة فلأنَّ خرق السفينة تسبُّبٌ إلى الهلاك، وهذا مباشرةٌ، على أنَّ ذلك لم يكن
سبباً مفضياً، وقول من قال: إنه تنزُّلٌ، استدلالاً بأنَّ إقامةَ الجدار أهونُ من القتل =
ليس بشيء؛ لأنَّه حكي على ترتيب الوجود لا تنزُّلَ فيه ولا ترقِّي، وإنما يلاحظ
ذلك بالنسبة إلى ما ذیِّل. انتهى.
وروي القولُ بالأبلغية عن قتادة (٤)، ومما يؤيِّد ذلك ما حكاه القرطبيُّ عن
صاحب ((العرس والعرائس)) (٥) أنَّ موسى عليه السلام حين قال للخضر عليه السلام
ما قال، غضب الخضرُ واقتلع كتفَ الصبيِّ الأيسر، وقشر اللحمَ عنه، وإذا مكتوبٌ
فيه: كافرٌ لا يؤمن بالله تعالى أبداً.
وبُني وجهُ تغيير النظم الجليل على أقبحيَّة القتل، فقيل: إنما غيِّر النظمُ إلى
(١) في (م): المنكر، والمثبت من الأصل والمفردات (نكر).
(٢) حاشية الطيبي عند تفسير هذه الآية.
(٣) ورد هنا في هامش الأصل و(م): في نسخة: منكم. اهـ. أي: بدل: مني. والرجز في مجاز
القرآن ٤٠٩/١، وتفسير الطبري ٣٣٧/١٥، وفيه: منك، والصحاح (أمر)، وتفسير القرطبي
٣٢٩/١٣، واللسان (أمر). وعند الجميع: قد، بدل: لقد، ولم ينسبوه.
(٤) تفسير الطبري ١٥/ ٣٤٢.
(٥) كذا ذكر، والصواب: عرائس المجالس، وهو اسم كتاب قصص الأنبياء للثعلبي، والكلام
فيه ص ٢٢٨، وفي تفسير القرطبي ٣٣١/١٣.

الآية : ٧٤
٤٧٩
سُوَرَّةُ الكَهْفِم
ما ترى لأنَّ القتلَ أقبحُ، والاعتراضُ عليه أدخل وأحقُّ، فكان الاعتراضُ جديراً
بأن يُجعَل عمدةَ الكلام، وهو مبنيٌّ على أنَّ الحكم في الكلام الشرطيِّ هو الجزاءُ،
والشرطُ قيدٌ له بمنزلة الحال عند أهل العربية. وتحقيق ذلك في ((المطول))
وحواشيه .
وكان العطفُ بالفاء التعقيبيَّة ليفيدَ أنَّ القتلَ وقع عقيبَ اللقاء من غير ريثٍ
كما يُشعِر به الاعتراض؛ إذ لو مضى زمانٌ بين اللقاء والقتل أمكن - نظراً للأمور
العادية - اطّلاعُ الخضر فيه من حاله على ما لم يطَّلع عليه موسى عليه السلام،
فلا يعترض عليه هذا الاعتراض، ولا يضرُّ في هذا ادعاءُ أنَّ الخرقَ أيضاً كذلك؛
لأنَّ المقصودَ توجيهُ اختيار الفاء دون الواو أو ((ثم)» بعد توجيه اختيار أصل العطف
بأنَّ ذلك لِيتأتَّى (١) جَعْلُ الاعتراضِ عمدةً، والحاصل أنَّه لمّا كان الاعتراضُ في
القصة الثانية معتنّى بشأنه وأهمَّ، جُعل جزاءَ ((إذا)) الشرطية، وبعد أن تعيّن للجزائية
لذلك لم يكن بدٌّ من جعل القتل من جملة الشرط بالعطف، واختيرت الفاءُ من بين
حروفه ليفاد التعقيبُ، ولمَّا لم يكن الاعتراضُ في القصة الأولى مثلَه في الثانية
جُعِل مستأنفاً، وجُعل الخرقُ جزاءً.
وزعم التاشكنديُّ(٢) جوازَ كون الاعتراضَين في القصّتين مستأنفين، والجزاءُ
فيهما فعلُ الخضر عليه السلام، إلا أنَّه لا بدَّ من تقدير ((قد)) في الجزاء الثاني؛ لأنَّ
الماضي المثبت الغير المقترن بها لفظاً أو تقديراً لا يصلح للجزائية، واعتبر هذا في
الثانية ولم يعتبر مثله في الأول؛ لأنَّ القتل أقبحُ فهو جديرٌ بأن يؤكّد، ولا كذلك
الخرقُ.
وتعقّبه بعض الفضلاء بأنَّ الفاءَ الجزائيةَ لا يجوز أن تدخُل على الماضي
المثبت إلا بتقدير ((قد))، لتحقُّق تأثير حرف الشرط فيه بأن يقلب معناه إلى
الاستقبال، فلا حاجةً إلى الرابطة في كونه جواباً، وأما بتقدير ((قد)) فتدخل الفاءُ
لعدم تأثير حرف الشرط فيه، فهو محتاجٌ إلى الرابطة، فقوله تعالى: (خَرَقَهَا)
(١) في (م): يتأتى، دون اللام.
(٢) هو محمد كمال الدين الشاشي الحنفي، له حاشية على تفسير البيضاوي. توفي سنة
(٩٨٠هـ). إيضاح المكنون ١٤١/١.

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٨٠
الآية : ٧٤
وكذلك قوله سبحانه: (فَقَنَّلَهُ) لكونهما مستقبلين بالنسبة إلى ما قبلهما يقعان جزاءً
بلا حاجةٍ إلى ربط الفاء الجزائية، فلا مجالَ في الثاني لجعل الفاء جزائيةً، وكذا
لا مجالَ في الأول لفرض تقدير ((قد)) لإصلاح(١) إدخالِ الفاء عليه. فتدبّر فإنَّه
لا يخلو عن شيء.
وقال مير بادشاه(٢) في الردِّ على ذلك: إنَّ الذوق السليم يأبى عن تقدير ((قد))
لو جعل القتلُ جزاءً؛ لعدم اقتضاء المقام إياها، كيف وقد سبق الخرقُ جزاءً
بدونها، وقد عُلم أنه يصدُر عن الخضر عليه السلام ما لا يستطيع المتشرِّع أن يصبر
عليه، وما المحتاج إلى التحقيق إلا اعتراضُ موسى عليه السلام ثانياً بعد ما سلف
منه من الكلام وكونِه عليه السلام مرسَلاً منه تعالى للتعلُّم.
وفيه إعراضٌ عن بيان النكتة في التحقيق وعدمُ التفاتٍ إليها، وغفلةٌ - على
ما قال بعضُ الفضلاء - عن موضع الفاء الجزائية وتقدير ((قد))، ولعلَّ الحقَّ أن
يقال: إنَّ التقديرَ - وإن جاز - خلافُ الظاهر جدًّا.
وزعم أيضاً أنه يمكن أن يقال في بيان إخراج القصتين على ما أُخرِجَتا(٣) عليه:
إنَّ لقاء الغلام سببٌ للشفقة والرفق لا القتلٍ، فلذا لم يحسن جعلُه جزاءً، وجُعل
جزاءَ الشرط، وركوبُ السفينة قد يكون سبباً لخرقها فلذا جُعل جزاءً.
وفيه أنَّ للخصم أن يمنع الفرقَ ويقول: كما أنَّ لقاءَ الغلام سببٌ للرفق
لا القتل، كذلك ركوبُ السفينة سببٌ لحفظها وصيانتها لا الخرق، كيف وسلامتُها
سببٌ لسلامة الخضر عليه السلام ظاهراً، ومن الأمثال العامية: لا تَرْمِ في البئر التي
تشرب منها حجراً. وإذا سلّم له أن يقول: إنَّ لقاء الغلام سببٌ للرفق لا للقتل،
فالقتلُ أغربُ، والاعتراض عليه أدخلُ، فالاعتراض جديرٌ بأن يجعل جزاءً، فيَؤُول
الأمرُ في بيان النكتة إلى نحو ما تقدَّم، والأمرُ في هذا سهلٌ كما لا يخفى.
(١) في (م): لاصطلاح.
(٢) هو محمد أمين بن الشريف، المعروف بـ : أمير بادشاه البخاري الحنفي، من تصانيفه حاشية
على تفسير البيضاوي، وتيسير التحرير لابن الهمام، وشرح ألفية العراقي، توفي في حدود
(٩٧٢هـ). هدية العارفين ٢٤٩/٢.
(٣) في (م): أخرجنا .