Indexed OCR Text

Pages 401-420

الآية : ٥٨
٤٠١
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
لعدم اقتضائِه لها، وقد صرَّحوا بأنَّ مقدوراتِه تعالى غيرُ متناهية، وما دخل منها في
الوجود متناهٍ ببرهان التطبيق. اهـ، وهو كلامٌ حسنٌ اندفع به ما أورد على الإمام.
وزعمت الفلاسفة أنَّ ما دخل في الوجود من المقدورات غيرُ متناهٍ أيضاً،
ولا يجري فيه برهانُ التطبيق عندهم؛ لاشتراطهم الاجتماعَ والترتُّبَ، ولعمري لقد
قفَّ شعري من ظاهرٍ قول النيسابوري أنَّ مقدوراته تعالى متناهية، فإنَّ ظاهرَه
التعجيزُ، تعالى الله سبحانه عمَّا يقوله الظالمون علوًّا كبيراً، ولكن يدفع بالعناية،
فتدبّر.
ثم إنَّ تحريرَ نكتةِ التفرقة بين الخبرَيْنِ هاهنا على ما قاله الخفاجيُّ (١) أنَّ
المذكورَ بعدُ عدمُ مؤاخذتهم بما كسبوا من الجرم العظيم وهو مغفرةٌ عظيمةٌ، وتركُ
التعجيل رحمةٌ منه تعالى سابقةٌ على غضبه لكنه لم يُرِد سبحانه إتمامَ رحمته عليهم
وبلوغَها الغايةَ، إذ لو أراد جلَّ شأنُه ذلك لهداهم وسلَّمهم من العذاب رأساً، وهذه
النكتةُ لا تتوقّفُ على حديث التناهي وعدم التناهي الذي ذكره الإمام وإن كان
صحيحاً في نفسه كما قيل.
والاعتراض عليه بأنه يقتضي عدمَ تناهي المتعلّقات في كلِّ ما نسب إليه تعالى
بصيغ المبالغة، وليس بلازم؛ إذ يمكن أن تُعتَبَر المبالغةُ في المتناهي بزيادة الكمية
وقوَّةِ الكيفية، ولو سلِّم ما ذكر لزِمَ عدمُ صحة صيغ المبالغة في الأمور الثبوتية
كـ (رحيم) و((رحمن))، ولا وجهَ له = مدفوعٌ بأنَّ ما ذكره نكتةٌ لوقوع التفرقة بين
الأمرَيْنِ هنا بأنَّه اعتُبِرَت المبالغةُ في جانب الترك دونَ مقابِله؛ لأنَّ التركَ عدميٍّ
يجوز فيه عدمُ التناهي بخلاف الآخر، ألا ترى أنَّ تركَ عذابهم دالٌّ على ترك جميع
أنواع العقوبات في العاجل وإن كانت غيرَ متناهيةٍ؟ کذا قيل، وفيه نظرٌ.
وربما يقال في توجيه ما قاله النيسابوريُّ من أنَّ ((ذو الرحمة)) لا يخلو عن
المبالغة: إنَّ ذلك إمَّا لاقتران الرحمة بـ ((أل)) فتفيد الرحمةَ الكاملةَ، أو الرحمةَ
المعهودةَ التي وسعت كلَّ شيء، وإمَّا لـ ((ذو)) فإنَّ دلالته على الاتصاف في مثل هذا
التركيب فوقَ دلالة المشتقَّات عليه، ولا يكاد يدلُّ سبحانه على اتصافِه تعالى بصفةٍ
(١) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٥/ ١١٤ .

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٤٠٢
الآية : ٥٨
بهذه الدلالة إلا وتلك الصفةُ مرادةٌ على الوجه الأبلغ، وإلا فما الفائدةُ في العدول
عن المشتقِّ الأخصر الدالُّ على أصل الاتصافِ كـ : الراحم - مثلاً - إلى ذلك.
ولا يعكِّر على هذا أنَّ المبالغةَ لو كانت مرادةً فلِمَ عُدل عن الأخصر أيضاً
المفيدِ لها كـ ((الرحيم)) أو ((الرحمن)) إلى ما ذُكر؟ لجوازٍ أن يقال: إنَّه أريد أن لا تُقْيَّد
الرحمةُ المبالغُ فيها بكونها في الدنيا أو في الآخرة، وهذان الاسمان يفيدان التقييدَ
على المشهور ولذا عُدل عنهما إلى ((ذو الرحمة)).
وإذا قلت: هما مثله في عدم التقييد. قيل: إنَّ دلالته على المبالغة أقوى من
دلالتهما عليها بأنْ يُدَّعى أنَّ تلك الدلالةَ بواسطة أمرين لا يعدلهما في قوَّة الدلالة
ما يتوسّط في دلالة الاسمين الجليلين عليها، وعلى هذا يكون ((ذو الرحمة)) أبلغَ من
كلِّ واحدٍ من ((الرحمن)) و((الرحيم)) وإن كانا معاً أبلغَ منه، ولذا جيء بهما في
البسملة دونه، ومَن أنصف لم يشكّ في أنَّ قولك: فلانٌ ذو العلم، أبلغُ مِن قولك:
فلان عليمٌ، بل ومن قولك: فلان العليمُ، من حيث إنَّ الأولَ يفيدُ أنَّه صاحب
ماهيةِ العلم ومالكُها، ولا كذلك الأخيران، وحينئذٍ يكون التفاوتُ بين الخبرين في
الآية بأبلغية الثاني، ووجه ذلك ظاهرٌ، فإنَّ الرحمةَ أوسعُ دائرةً من المغفرة
كما لا يخفى، والنكتة فيه هاهنا مزيدُ إيناسه وَ ليل بعد أن أخبره سبحانه بالطبع على
قلوب بعض المرسَل إليهم وآيَسه من اهتدائهم مع علمه جلَّ شأنه بمزيد حرصه عليه
الصلاة والسلام على ذلك، وهو السرُّ في إيثار عنوان الربوبية مضافاً إلى
ضميره ولية. انتهى.
وهو كلامٌ واقف في أعراف الردِّ والقبولِ في النظر الجليل، ومن دقّق عَلِم ما فيه
من الأمرین.
وإنما قُدِّم الوصفُ الأول لأنَّ التخليةَ قبلَ التحلية، أو لأنه أهمُّ بحسب الحال
والمقام، إذ المقامُ على ما قاله المحقِّقون مقامُ بيان تأخير العقوبة عنهم بعد
استيجابهم لها كما يعرب عنه قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ أي: لو يريد مؤاخذتَهم
﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: فعلوا، وكَسْبُ الأشعريِّ لا تفهمه العرب(١)، و((ما))
(١) ينظر ما سلف ٣٤٦/٤ وما بعدها.

الآية : ٥٨
٤٠٣
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
إما مصدريةٌ، أي: بكسبهم، وإمَّا موصولةٌ، أي: بالذي كسبوه من المعاصي التي
من جملتها ما حُكي عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضهم عن آيات ربِّهم وعدم
المبالاة بما اجترحوا من الموبقات ﴿لَعَكَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ﴾ لاستيجاب أعمالهم لذلك،
قيل: وإيثارُ المؤاخذة المُنبِئة عن شدَّة الأخذ بسرعةٍ على التعذيب والعقوبة
ونحوهما للإيذان بأنَّ النفْي المستفادَ من مقدَّم الشرطية متعلِّقٌ بوصف السرعة
كما يُنبئ عنه تاليها، وإيثارُ صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضيِّ لإفادة أنَّ
انتفاءَ تعجيلِ العذاب لهم بسبب استمرارٍ عدم إرادة المؤاخَذَة، فإنَّ المضارع الواقعَ
موقعَ الماضي يفيد استمرارَ الفعل فيما مضى.
﴿بَل لَّهُم قَّوْعِدٌ﴾ وهو يومُ بدرٍ، أو يومُ القيامة، على أنَّ الموعِدَ اسمُ زمان،
وجوِّز أن يكون اسمَ مكان والمرادُ منه جهنّم، والجملة معطوفةٌ على مقدَّر، كأنه
قيل: لكنَّهم ليسوا مؤاخذين بغتة بل لهم موعدٌ ﴿أَن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا ﴾﴾ قال
الفراء: أي: منجاً(١)؛ يقال: وَأَلَتْ نفسُ فلان: نَجَتْ، وعليه قول الأعشى:
وقَد أُخَالِسُ ربَّ الدارِ غفلتَه وقد يُحاذِرُ مِنِّي ثمَّ ما يَئِل(٢)
وقال ابن قتيبة(٣): هو الملجأ، يقال: وَأَلَ فلانٌ إلى كذا يَئِلِ وَأَلاً ووُؤولاً: إذا
لجأ، والمعنى واحدٌ، والفرقُ إنما هو بالتعدي بـ ((إلى)) وعدمه. وتفسيرُه بالملجأ
مرويٌّ عن ابن عباس. وفسَّره مجاهد بالمَحْرِز، والضحاكُ بالمخلص، والأمر في
ذلك سهل، وهو على ما قاله أبو البقاء(٤): يحتمل أن يكونَ اسمَ زمان وأن يكون
اسمَ مكان. والضميرُ المجرورُ عائدٌ على الموعد كما هو الظاهرُ. وقيل: على
العذاب. وفيه من المبالغة ما فيه؛ لدلالته على أنَّهم لا خلاصَ لهم أصلاً، فإنَّ من
يكون ملجؤه العذابَ كيف يرى وجهَ الخلاص والنجاة.
(١) معاني القرآن ١٤٨/٢.
(٢) البيت في تفسير الطبري ٣٠٥/١٥، والمحرر الوجيز ٥٢٦/٢، والبحر ١٣٢/٦، وخزانة
الأدب ٣٥٢/١١ بلفظ: البيت، بدل: الدار، وكذا في ديوان الأعشى ص١٧٤، وفيه:
فقد، بدل: وقد.
(٣) في تفسير غريب القرآن ص٢٦٩.
(٤) في الإملاء ٥٢٦/٣.

سُورَةُ الگھْفِ
٤٠٤
الآية : ٥٩
وأنت تعلم أنَّ أمرَ المبالغة موجودٌ في الظاهر أيضاً.
وقيل: يعود على الله تعالى، وهو مخالفٌ للظاهر مع الخلوِّ عن المبالغة.
وقرأ الزهريُّ: (مَوِّلاً)) بتشديد الواو من غير همزٍ ولا ياء.
وقرأ أبو جعفر عن الحلواني عنه: ((مَوِلا)) بكسر الواو خفيفةً من غير همزٍ
ولا ياءِ أيضاً (١).
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ أي: قرى عاد وثمود وقوم لوط وأشباههم، والكلامُ على
تقدير مضافٍ، أي: أهل القرى؛ لقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾، والإشارةُ
التنزيلهم - لعلمِهم بهم - منزلةَ المحسوس، وقدِّر المضافُ في ((البحر)) قبلَ
(تلك)(٢)، وكلا الأمرين جائزٌ. و((تلك)) يشارُ بها للمؤنَّث من العقلاء وغيرهم،
وجوِّز أن تكون القرى عبارةً عن أهلها مجازاً.
وأيًّا ما كان فاسم الإشارة مبتدأً، و((القرى)) صِفته، والوصفُ بالجامد في باب
الإشارة مشهورٌ، والخبرُ جملةُ ((أهلكناهم)). واختار أبو حيان كونَ ((القرى)) هو
الخبرَ، والجملةُ حاليةٌ، كقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُّهُمْ خَاوِيَةٌ﴾ [النمل: ٥٢]،
وجوَّز أن تكونَ ((تلك)) منصوباً بإضمار فعلٍ يفسِّره ما بعده، أي: وأهلكنا تلك
القرى أهلكناهم (٣) .
﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ أي: حين ظلمهم كما فعل مشركو مكة ما حُكي عنهم من القبائح.
وتركُ المفعول إما لتعميم الظلم، أو لتنزيله منزلةَ اللازم، أي: لمَّا فعلوا الظلمَ.
و ((لمَّا)) عند الجمهور ظرفٌ كما أشير إليه، وليس المرادُ به الحينَ المعيَّن الذي
عملوا فيه الظلمَ، بل زمانٌ ممتدٌّ من ابتداءِ الظلم إلى آخرِهِ. وقال أبو الحسن ابن
عصفور: هي حرف، ومما استدلَّ به على حرفيَّتها هذه الآيةُ حيث قال: إنها تدلُّ
على أنَّ علة الإهلاك الظلمُ، والظرفُ لا دلالةً له على العلية(٤). واعتُرِض بأنَّ
(١) القراءتان في البحر ١٤٠/٦.
(٢) البحر ١٤٠/٦.
(٣) المصدر السابق.
(٤) البحر ١٤٠/٦.

الآية : ٥٩
٤٠٥
سُوَّةُ الكَهْفِ
قولَك: أهلكته وقتَ الظلم، يُشعِر بعليَّة الظلم وإن لم يدلَّ الظرفُ نفسُه على العليّة.
وقيل: لا مانعَ من أن تكون ظرفاً استعمل للتعليل.
﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ لهلاكِهم ﴿مَّوْعِدًا (®﴾ وقتاً معيَّناً لا يستأخرون عنه ساعةً
ولا يستقدمون، فـ ((مَفعِل)) الأول مصدرٌ والثاني اسم زمان، والتعيينُ من جهة أنَّ
الموعد لا يكون إلا معيَّناً، وإلا فاسمُ الزمان مبهمٌ، والعكس ركيك.
وزعم بعضُهم أنَّ المهلِكَ على هذه القراءة - وهي قراءة حفصٍ في الرواية
المشهورة عنه، أعني: القراءةَ بفتح الميم وكسر اللام(١) - من المصادر الشاذّة
كالمرجع والمحيض. وعُلِّل ذلك بأنَّ المضارع يهلِكُ بكسر اللام، وقد صرَّحوا بأنَّ
مجيء المصدر الميمي مكسوراً فيما عينُ مضارعِه مكسورةٌ شاٌ.
وتعقّب بأنَّه قد صرَّح في ((القاموس))(٢) بأنَّ هلك جاء من باب: ضَرب ومَنَع
وعَلِم، فكيف يتحقَّق الشذوذُ؟ فالحقُّ أنَّه مصدرٌ غيرُ شاذٌّ، وهو مضافٌ للفاعلِ ولذا
فُسِّر بما سمعتَ.
وقيل: إنَّ ((هلك)) يكون لازماً ومتعديًّا، فعن تميم: هلكني فلانٌ، فعلى تعديتِه
يكون مضافاً للمفعول، وأنشد أبو عليٍّ في ذلك:
ومَهْمَهٍ هالكِ مَن تعرَّجا(٣)
أي: مُهلِكه. وتعقّبه أبو حيان بأنَّه لا يتعيَّن ذلك في البيت، بل قد ذهب بعضُ
النحويين ألى إنَّ هالكاً فيه لازمٌ، وأنَّه من باب الصفة المشبَّهة، والأصل: هالكٍ
مَن تعرجا، بجعل ((مَن)) فاعلاً لـ ((هالك))، ثم أُضمِر في ((هالك)) ضميرُ ((مهمه))
وانتصب ((مَن)) على التشبيه بالمفعول، ثم أُضيف مِن نَصْبٍ. والصحيحُ جواز
(١) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣١١/٢.
(٢) مادة (هلك).
(٣) الحجة لأبي عليٍّ الفارسي ١٥٦/٥، والرجز للعجاج وبعده:
هائلةٍ أهواله من أدلجا
وهو في ديوانه ص٣٣٤. قوله: مهمه، المَهْمَهُ: الأرض القفر المستوية. والكلام وما بعده
من البحر ٦/ ١٤٠.

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٠٦
التفسير الإشاري (٢٨-٥٩)
استعمال الموصول في باب الصفة المشبهة، وقد ثبت في أشعار العرب، قال
عمر بن أبي ربيعة :
أسيلاتُ أبدانٍ دِقاقٌ خُصُورها
وثِيراتُ ما التفَّت عليها الملاحِظُ(١)
وقرأ حفص وهارون وحماد ويحيى عن أبي بكر: بفتح الميم واللام(٢).
وقراءة الجمهور بضمِّ الميم وفتح اللام(٣)، وهو مصدرٌ أيضاً. وجعلُه اسمَ
مفعول على معنى: وجعلنا لمن أهلكناه منهم في الدنيا موعداً ننتقم فيه منه أشدَّ
انتقامٍ وهو يوم القيامة أو جهنم = لا يخفى ما فيه.
والظاهر أنَّ الآية استشهادٌ على ما فُعِل بقريش من تعيين الموعد ليعتبروا
ولا يغترُّوا بتأخير العذاب عنهم، وهي ترجِّح حملَ الموعد فيما سبق على يوم بدر،
فتدبَّر والله تعالى أعلم وأخبر.
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَرةِ
وَالْعَشِ﴾ أمرٌ بصحبة الفقراء الذين انقطعوا لخدمة مولاهم، وفائدتُها منه عليه الصلاة
والسلام تعود عليهم، وذلك لأنهم عُشَّاق الحضرة، وهو نَّهِ مرآتُها وعرشُ تجلِّيها
ومعدنُ أسرارها ومشرقُ أنوارها، فمتى رأوه وَّ ر عاشوا، ومتى غاب عنهم كثبوا
وطاشوا .
وأما صحبة الفقراء بالنسبة إلى غيره ◌َّ﴿ ففائدتها تعود إلى مَن صَحِبهم، فهم القوم
لا يشقى بهم جليسُهم، وقال عمرو المكيُّ: صحبةُ الصالحين والفقراء الصادقين عيشُ
أهل الجنة، يتقلَّب معهم جليسُهم من الرضا إلى اليقين، ومن اليقين إلى الرضا.
(١) البحر ٦/ ١٤٠، والبيت في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص٤٦٤، وفيه: عليه، بدل: عليها.
وقوله: أسيلات، الأسيل: الأملس المستوي، والطويل المسترسل. وقوله: وثيرات،
الوثيرة: كثيرة اللحم. القاموس (أسل) و(وثر).
(٢) التيسير ص ١٤٤، والنشر ٣١١/٢ عن أبي بكر، وهي خلاف المشهور عن حفص
كما سلف.
(٣) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣١١/٢.

التفسير الإشاري (٢٨-٥٩)
٤٠٧
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
ولأبي مدين من قصيدته المشهورة التي خمَّسها الشيخ محيي الدين قدِّس سرُّه:
هم السلاطين والسادات والأمرا
ما لذَّة العيش إلا صحبةُ الفقرا
وخَلِّ حظّك مهما قدَّموك ورا
فاصحَبْهِمُ وتأدَّب في مجالسهم
واعلَمْ بأنَّ الرضا يختصُّ مَن حضرا
لا علمَ عندي وكُنْ بالجهل مستَتِرا
واستغنِم الوقتَ واحضُر دائماً معهم
ولازِمِ الصمتَ إلا إن سُئلتَ فقُلْ:
إلى أن قال:
وإن بدا منك عيبٌ فاعتَرِفْ وأقِمْ
وقل عُبَيْدُكمُ أولى بصفحكمُ
هم بالتفضُّل أولى وهْو شيمتُهم
وجْهَ اعتذارِك عما فیك مِنك جرا
فسَامِحُوا وخُذُوا بالرفق يا فُقَرا
فلا تخَفْ دركاً منهم ولا ضَرَرا
وعنى بهؤلاء السادةِ الصوفيةَ، وقد شاع إطلاقُ الفقراء عليهم؛ لأنَّ الغالبَ
عليهم الفقرُ بالمعنى المعروف، وفقرُهم مقارنٌ للصلاح وبذلك يُمدَح الفقرُ، وأما إذا
اقترن بالفساد فالعياذ بالله تعالى منه، فمتى سمعتَ الترغيبَ في مجُالسَة الفقير فاعلم
أنَّ المرادَ منه الفقيرُ الصالح، والآثارُ متضافرةٌ في الترغيب في ذلك:
فعن ابن عُمر ﴿يَا موقوفاً: تواضعوا وجَالِسوا المساكينَ تكونوا من كبار عَبيد الله
تعالى وتخرجوا من الكِبْر(١).
وفي ((الجامع): ((الجلوسُ مع الفقراء من التواضع، وهو من أفضل الجهاد))(٢).
وفي رواية: ((أَحِبُّوا الفقراء وجالسوهم))(٣).
ومن فوائد مجالستهم أنَّ العبد يرى نعمةَ الله تعالى عليه، ويقنع باليسير من
الدنيا، ويأمن في مجالستهم من المداهنة والتملَّق وتحمُّل المنِّ وغير ذلك، نعم إنَّ
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٩٧/٨ عن ابن عمر مرفوعاً، وقال: غريب. وهو في مسند
الفردوس (٢٢٦٢).
(٢) الجامع الصغير (٣٦٢٢) من حديث أنس، ورمز السيوطي لضعفه وعزاه لمسند الفردوس،
وهو فيه (٢٦٤٦). وقال المناوي في فيض القدير ٣٥٦/٣: فيه محمد بن الحسين السلمي
الصوفي، قال محمد بن يوسف القطان: كان يضع الحديث. اهـ.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣٣٢/٤ من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وصحَّحه.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٤٠٨
التفسير الإشاري (٢٨-٥٩)
مجالستَهم خلافُ ما جُبِلت عليه النفس، ولذا عَظُم فضلُها، وقيل: إنَّ في قوله
تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ إلخ دونَ: ودُم مع الذين .. إلخ إشارةً إلى ذلك،
ولكن ذلك بالنسبة إلى غيره وَّةِ، فإنَّ نفسَه الشريفةَ فُطِرت على أحسنٍ فطرةٍ وطُبِعت
على أحسنٍ طبيعة .
وقال بعض أهل الأسرار: إنَّما قيل: ((واصبر نفسك)) دون: واصبر قلبك، لأنَّ
قلبه الشريفَ وَ﴿ كان مع الحقِّ، فَأُمِر بَّهِ بصحبة الفقراء جهراً بجهرٍ، واستخلَصَ
سبحانه قلبه له سرًّا بسرٍّ.
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنيًا﴾ أي: تطلب مجالسةَ الأشراف والأغنياء وأصحاب
الدنيا، وهي مذمومة مع الميل إليهم والتواضُعِ لغناهم، وقد جاء في الحديث: ((من
تذلَّل لغنيٌّ لأجلِ غناه ذهب ثلثا دينه، فليتَّقِ الله تعالى في الثلث الآخَر))(١). ومضارُّ
مجالستِهم كثيرةٌ - ولا تخفى على مَن عَلِم فوائدَ مجالسة الفقراء - وأدناها ضرراً
تحمُّل مَنَّهم، فإنَّه قلَّما يسلم الغنيُّ من المنِّ على جليسه الفقير ولو بمجرَّد
المجالسة، وهو حملٌ لا يطاق، ومن نوابغ الزمخشريِّ: طعم الآلاء أحلى من
المنِّ، وهي أمرُّ من الآلاء عند المنِّ (٢)، وقال بعض الشعراء:
بمَنَّ وبَذْلُ المَنِّ بالبرِّ لا يسوَى
لنا صاحبٌ ما زال يُتْبِعُ بِرَّه
ولكنْ لأَجْلِ المنِّ يستعْمِل السلوى
تركناه لا بُغضاً ولا عن ملالةٍ
﴿َلَ نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ، عَن ذِكْنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ نهيٌ عن إطاعة
المحجوبِين الغافلين، وكانوا في القصة يريدون طردَ الفقراء وعدمَ مجالسة النبيِّ ◌ِيه
لهم، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يطاع عند أهل الإشارة
(١) أخرجه البيهقي مرفوعاً في شعب الإيمان (١٠٠٤٤) عن أنس، و(١٠٠٤٥) عن ابن مسعود
نحوه، وإسنادهما ضعيف كما نقل العجلوني في كشف الخفاء ٣١٦/٢ عن السيوطي.
وأخرج أبو نعيم في الحلية ٣٨/٤ والبيهقي في الشعب (١٠٠٤٣) عن وهب بن منبه قال:
قرأت في التوراة ... وذكر نحوه.
(٢) الكشاف ٣٩٣/١-٣٩٤. وقال خالد بن عبد الله الأزهري النحوي في موصل الطلاب إلى
قواعد الإعراب ص٢٧: أراد بالآلاء الأولى النِّعَم، وبالثانية الشجر المرَّ، وأراد بالمنّ
الأولِ المذكورَ في قوله تعالى ﴿اَلْمَنَّ وَالسَّلْوَّ﴾، وبالثاني تعديدَ النِّعَم.

التفسير الإشاري (٢٨-٥٩)
٤٠٩
سُودَةُالگھْفِٹ
الغافلُ المحجوب في كلِّ شيء فيه هوى النفس، وعَدُّوا من إطاعته التواضعَ له؛
فإِنَّه يطلبه حالاً وإن لم يُفصِح به مقالاً.
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ زَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءُ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قالوا: فيه إشارةٌ إلى عدم
كتم الحقِّ وإن أدَّى إلى إنكار المحجوبين وإعراض الجاهلين، وعَدَّ من ذلك في
(أسرار القرآن)) كشفَ الأسرار الإلهية وقال: إنَّ العاشق الصادقَ لا يبالي تهتُّكَ
الأسرار عند الأغيار، ولا يخاف لومة لائم، ولا يكون في قيد إيمان الخلق
وإنكارِهم، فإنَّ لذَّة العشق بذلك أتمُّ، ألا ترى قولَ القائل:
ولا تسقِني سرًّا إذا أَمْكَنَ الجهرُ
ألا فاسْقِني خمراً وقُل لي هي الخمرُ
فلا خيرَ في اللذَّات من دونها سترُ(١)
وبُح باسمٍ مَن أهوى ودَغْني من الكُنى
ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ المنصور عند الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم؛
فإنَّهم حافظوا على كتم الأسرار عن الأغيار وأَوْصوا بذلك، ويكفي حجَّةً في هذا
المطلب ما نُسب إلى زين العابدين راه وهو:
كيلا يرى الحقَّ ذو جهل فيفتتنا
إنِّي لأكتمُ من علمي جواهرَه
إلى الحسين ووصَّى قبلَه الحَسَنا
وقد تقدَّم في هذا أبو حسن
لقيل لي أنتَ ممن يَعبُد الوثَنا
فربَّ جَوهرٍ علمٍ لو أبُوح به
يرون أقبحَ ما يأتونه حَسَنا
ولا ستحلَّ رجالٌ مسلمون دمي
نَعَمْ المغلوبُ - وكذا المأمورُ - معذورٌ، وعند الضرورة يباحُ المحظورُ،
وما أحسن قولَ الشهاب القتيل(٢):
وارحمتا للعاشقين تكلَّفوا
سترَ المحبة، والھوی فضَّاحُ
(١) البيتان لأبي نواس، وهما في ديوانه ص ٢٤٢، وزهر الآداب ٤١٣/١ بلفظ: من تهوى،
بدل: من أهوى.
(٢) هو شهاب الدين أبو الفتوح يحيى بن حبش السهروردي، فقيه شافعي أصولي، أديب
شاعر حكيم، من تصانيفه: التلويحات في الحكمة والتنقيحات في أصول الفقه،
والمعارج، والمقامات، ومن أشهر شعره قصيدته الحائية، المنقول من أبياتها هنا. معجم
الأدباء ٣١٤/١٩.

سُوَرَّةُ الكَهْفَِّ
٤١٠
التفسير الإشاري (٢٨-٥٩)
وكذا دماءُ البائِحين تُباحُ
بالسرِّ إن باحوا تُباحُ دماؤُهم
عند الوُشاة المدمَعُ السخَّاحُ(١)
وإذا هُمُ كَتَموا يحدِّثُ عنهمُ
وما ذُكر أوَّلاً يكون مستمسكاً في الذبِّ عن الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه وأضرابِهِ،
فإنَّهم لم يبالوا في كشف الحقائق التي يدَّعونها بكونه سبباً لضلالِ كثيرٍ من الناس
وداعياً للإنكار عليهم، وقد استدلَّ بعضٌ بالآية في الردِّ عليهم بناءً على أنَّ المعنى
الحقَّ ما يكون من جهته تعالى، وما جاؤوا به ليس من جهته سبحانه؛ لأنَّه لا تشهَدُ
له آيةٌ ولا يصدِّقه حديثٌ ولا يؤيِّده أثرٌ.
وأجيب بأنَّ ذلك ليس إلَّا من الآيات والأحاديث إلا أنَّه لا يستنبط منها إلا بقوةٍ
قدسيةٍ وأنوارٍ إلهيةٍ، فلا يلزم من عدم فهم المنكِرِين لها من ذلك - لحرمانهم تلك
القوَّةَ واحتجابِهم عن هاتيك الأنوار - عدمُ حقِّيَّتها، فكم من حقِّ لم تصل إليه
أفهامهم.
واعترض بأنَّه لو كان الأمر كذلك لظهر مثلُ تلك الحقائق في الصدر الأول،
فإنَّ أربابَ القُوى القدسية والأنوارِ الإلهية فيه كثيرون، والحرصُ على إظهار الحقِّ
أكثر.
وأجيب بأنَّه يحتمل أن يكونَ هناك مانعٌ أو عدمُ مقتضٍ لإظهارِ ما أظهر من
الحقائق. وفيه نوعُ دغدغةٍ، ولعلَّه سيأتيك إن شاء الله تعالى ما عسى أن ينفعَك
هنا .
وبالجملة أمرُ الشيخ الأكبر وأضرابِهِ قَدَّس الله تعالى أسرارَهم فيما قالوا ودوَّنوا
عندي مشكلٌ، لاسيما أمرُ الشيخ، فإنه أتى بالداهية الدهياء مع جلالة قدره التي
لا تنكر، ولذا ترى كثيراً من الناس يُنكِرون عليه ويكِرُّون، وما ألطف ما قاله فرق
جبين(٢) العصابة الفاروقية والراقي في مراقي التنزّلات الموصلية في قصيدته التي
(١) معجم الأدباء ١٩/ ٣١٧، وسلفت ١٣/ ٣٧٣.
(٢) في (م): جنين، وهو خطأ. والمراد به عبد الباقي بن سليمان العمري أفندي
الموصلي، شاعر مؤرخ، ولي بالموصل وببغداد أعمالاً حكومية. توفي سنة (١٢٧٩هـ).
له: الترياق الفاروقي ديوان شعره، ونزهة الدهر في تراجم علماء العصر، وغير ذلك.
الأعلام ٢٧١/٣- ٢٧٢ .

التفسير الإشاري (٢٨-٥٩)
٤١١
سُورَّةُ الكَهْفِ
عقَد إكسيرَها في مدح الكبريت الأحمر، فغدا شمساً في آفاق مدائح الشيخ الأكبر،
وهو قوله:
٥ نُهاه فيُنكِر الإنكارا
يُنكِرِ المرءُ منه أمراً فيَنْها
ألسُنٌّ تشبه الصُّحاةَ سُكارَى
تَنْثَني عنه ثم تُثْني عليه
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ قيل: هي إشارةٌ إلى أنَّهم يُحلَّون حقائقَ التوحيد
الذاتيٌّ ومعاني التجلِّيات العينية الأحدية، ﴿وَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم
متصفون بصفاتٍ بهيجةٍ حسنةٍ نَضِرةٍ موجبةٍ للسرور، ﴿مِّنِ سُندُسٍ﴾ الأحوال
والمواهب، وعبِّر عنها بالسندس لكونها ألطف ﴿وَإِسْتَبَرَقٍ﴾ الأخلاق والمكاسب،
وعبِّر عنها بالإستبرق لكونها أكثف، ﴿مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِ﴾ قيل: أي: أرائك
الأسماء الإلهية.
﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنٍ﴾ إلخ، فيه من تسلية الفقراء المتوكِّلين على الله تعالى
وتنبيه الأغنياء المغرورين ما فيه.
وقال النيسابوريُّ: الرجلان هما النفسُ الكافرةُ والقلبُ المؤمنُ ﴿جَعَلْنَا
لِأَحَدِهِمَا﴾ وهو النفسُ ﴿جَنََّنٍ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿مِنْ أَعْنَبِ﴾ الشهواتِ ﴿وَحَفَفْتَهُ)
يِنَخْلٍ﴾ حبِّ الرياسة، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْهَمَا زَرْعًا﴾ من التمتعات البهيمية، ﴿وَفَجَرْنَا خِلَلَهُمَا
نَهَرًا﴾ من القوى البشرية والحواسِّ ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ من أنواع الشهوات ﴿وَهُوَ
تُحَاوِرُهُ﴾ أي: يُجاذِب النفسَ ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا﴾ أي: ميلاً ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ من
الأوصاف المذمومة ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ،﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى
﴿لَأَجِدَتَ خَيْرًا مِّنْهَا﴾ قال ذلك غروراً بالله تعالى وكرمه، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَّا أَنْفَقَ
فِيهَا﴾ من العمر وحسن الاستعداد(١). انتهى. وقد التزم هذا النمط في أكثر الآيات،
ولا بدعَ فهو شأنُ كثيرٍ من المؤوِّلین.
﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ لِلَّهِ الْحَقّ هُوَ خَيْرٌ نَوَابًا﴾ قال ابن عطاء: للطالبين له سبحانه لا للجنة
﴿وَخَيْرُ عُقْبًا﴾ للمريدين.
﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ﴾ قيل: هي المحبةُ الدائمة، والمعرفةُ الكاملة، والأنسُ بالله
(١) غرائب القرآن ١٣٦/١٥.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٤١٢
الآية : ٦٠
تعالى، والإخلاصُ في توحيده سبحانه، والانفرادُ به جلَّ وعلا عن غيره، فهي باقيةٌ
للمتصف بها وصالحةٌ لا اعواجاجَ فيها، وهي خيرُ المنازل، وقد تفسّر بما يعمُّها
وغيرها من الأعمال الخالصة والنيّات الصادقة.
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ قال ابن عطاء: دلَّ سبحانه بهذا على إظهار
جبروته وتمام قدرته وعظيم عزته ليتأهَّب العبدُ لذلك الموقفِ ويُصلح سريرتَه
وعلانيتَه لخطاب ذلك المشهد وجوابه.
﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ إخبارٌ عن جميع بني آدم وإن كان المخاطب في قوله
سبحانه: ﴿بَّ زَعَمْتُمْ﴾ إلخ بعضَهم، ذكر أنه يُعرَض كلُّ صنفٍ صفًّا، وقيل: الأنبياء
عليهم السلام صفٍّ، والأولياءُ صفٍّ، وسائر المؤمنين صفّ، والمنافقون
والكافرون صفٍّ، وهم آخر الصفوف، فيقال لهم: ﴿لَّقَدْ جِئْتُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ
٤٠٠
مَرَّةِ﴾ على وصف الفطرة الأولية عاجزين منقطعين إليه سبحانه.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ أي: الكُتُب، فيوضع كتابُ الطاعات للزمَّاد والعبَّاد، وكتابُ
الطاعات والمعاصي للعموم، وكتابُ المحبة والشوق والعشق للخصوص،
ولبعضهم:
وأودعتُ الفؤادَ كتابَ شوقٍ سيُنشَر طَيُّه يومَ الحساب
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ قال أبو حفص: أشدُّ آية في القرآن على قلبي هذه
الآية.
﴿ََّ أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: أي: ما أشهدتهم
أسرارَ ذلك والدقائقَ المودَعةَ فيه، وإنما أشهَدَ سبحانه ذلك أحِبَّاءَه وأولياءَه.
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ لأنه مظهر الأسماء المختلفة والعالَمُ الأصغرُ
الذي انطوى فيه العالُم الأكبر. هذا، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
﴿وَإِذْ قَاكَ مُوسَى﴾ هو ابنُ عمران نبيُّ بني إسرائيل عليه السلام على الصحيح؛
فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائيُّ وجماعةٌ من طريق سعيد بن جبير قال: قلتُ

الآية : ٦٠
٤١٣
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
لابن عباس ها: إنَّ نوفاً البكاليَّ ابن فضالة(١) يزعم أنَّ موسى صاحبَ الخضر
ليس موسى صاحبَ بني إسرائيل. فقال: كذب عدوُّ الله(٢). ثم ذكر حديثاً طويلاً
فيه الإخبار عن رسول الله وَله بما هو نصٌّ في أنَّه موسى بني إسرائيل.
وإلى إنكار ذلك ذهب أيضاً أهلُ الكتاب، وتبعهم مَن تبعهم من المحدِّثين
والمؤرِّخين، وزعموا أنَّ موسى هنا هو موسى بن ميشا - بالمعجمة - بن يوسف بن
يعقوب. وقيل: موسى بن إفراثيم بن يوسف، وهو موسى الأول.
قيل: وإنما أنكره أهلُ الكتاب لإنكارهم تعلُّم النبيِّ من غيره.
وأجيب بالتزامِ أنَّ التعلُّم من نبيِّ، ولا غضاضة في تعلم نبيٍّ من نبيٍّ.
وتعقّب بأنَّه ولو التزموا ذلك وسلَّموا نبوَّةَ الخضر عليه السلام، لا يسلِّمون أنه
موسى بن عمران؛ لأنَّهم لا تسمح أنفسُهم بالقول بتعلُّم نبيِّهم الأفضل ممن ليس
مِثْلَه في الفضل، فإنَّ الخضر عليه السلام على القول بنبوته - بل القول برسالتِه - لم
يبلغ درجةَ موسى عليه السلام.
وقال بعض المحقّقين: ليس إنكارُهم لمجرَّد ذلك، بل لذلك ولقولهم: إنَّ
موسى عليه السلام بعد الخروج من مصر حصل هو وقومُه في التِّيْهِ، وتُوفِّي فيه ولم
يخرُج قومُه منه إلا بعدَ وفاته، والقصةُ تقتضي خروجَه عليه السلام من التِّيْه؛ لأنها
لم تكن وهو في مصر بالإجماع، وتقتضي أيضاً الغيبةَ أياماً، ولو وقعت لعَلِمَها كثيرٌ
(١) جاء في هامش الأصل و(م) ما نصّه: هو ابن امرأة كعب، وقيل: ابن أخيه، والمشهور
الأول، وهو من أصحاب أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه. و((بكال)) قيل: بضمِ
الباء، حيٍّ من اليمن. وعن المبرد: البكالي - بكسر الباء - نسبة إلى بكالة من اليمن.
وفي شرح مسلم للنووي [١٣٦/١٥]: البكالي: ضبطه الجمهور بكسر الباء الموحدة،
وتخفيف الكاف، ورواه بعضهم بفتحها وتشديد الكاف. قال القاضي: وهذا ضبط أكثر
الشيوخ وأصحاب الحديث، والصواب الأول، وهو قول المحققين، وهو منسوب إلى بني
پِگال، بطنٍ من حمير. وقيل: من همدان. اهـ منه.
والقاضي المذكور - هو - عياض، وكلامه في إكمال المُعْلِم ٣٦٤/٧. وقال الذهبي في
تاريخ الإسلام ١٠١٣/٢ عن نوف: كان يقص. وقال عنه ابن حجر في التقريب: مستور.
(٢) صحيح البخاري (١٢٢)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠)، وسنن الترمذي (٣١٤٩)، والسنن
الكبرى (١١٢٤٥)، وهو عند أحمد في مسنده (٢١١١٤).

سُوَّةُ الكَهْفِ
٤١٤
الآية : ٦٠
من بني إسرائيل الذين كانوا معه، ولو عُلِمَت لنُقلَت؛ لتضمُّنها أمراً غريباً تتوافر
الدواعي علی نقله، فحیث لم یکن لم تکن.
وأجيب بأنَّ عدمَ سماحِ نفوسِهم بالقول بتعلُّم نبيِّهم عليه السلام ممن ليس مثله
في الفضل أمرٌ لا يساعده العقلُ، وليس هو إلَّا كالحميَّة الجاهلية إذ لا يبعُد عقلاً
تعلَّم الأفضل الأعلم شيئاً ليس عنده ممن هو دونه في الفضل والعلم. ومن الأمثال
المشهورة: قد يوجد في الأسقاط ما لا يوجد في الأسفاط. وقالوا: قد يوجد في
المفضول مالا يوجد في الفاضل.
وقال بعضُهم: لا مانعَ من أن يكونَ قد أخفى الله سبحانه وتعالى علمَ المسائل
التي تضمنَتْها القصةُ عن موسى عليه السلام على مزيد علمه وفضله لحكمةٍ،
ولا يقدح ذلك في كونه أفضلَ وأعلمَ من الخضر عليه السلام. وليس بشيء
كما لا يخفى.
وبأنه سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً القولُ بأنَّ القصةَ كانت بعد أن ظهر موسى
عليه السلام على مصر مع بني إسرائيل واستقرَّ بعد هلاك القبط، فلا إجماع على
أنها لم تكن بمصر، نعم اليهودُ لا يقولون باستقرارهم في مصر بعد هلاك القبط،
وعليه كثيرٌ منَّا، وحينئذٍ يقال: إنَّ عدمَ خروج موسى عليه السلام من التِّيْه غيرُ
مسلّم، وكذلك اقتضاءُ ذلك الغَيبةَ أياماً؛ لجواز أن يكونَ على وجهٍ خارقٍ للعادة
كالتِّيْه الذي وقعوا فيه، وكنتق الجبل عليهم، وغير ذلك من الخوارق التي وقعت
فیھم .
وقد يقال: يجوز أن يكون عليه السلام خرج وغاب أياماً لكن لم يعلموا أنَّه
عليه السلام ذهب لهذا الأمر، وظنُّوا أنَّه ذهب يُناجي ويتعبَّد، ولم يُوقِفهم على
حقيقة غيبته بعد أن رجع؛ لعلمه بقصور فهمهم، فخاف من حظّ قدره عندهم فهم
القائلون: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] و﴿أَرِنَا ◌َللَّهَ جَهْرَةٌ﴾
[النساء: ١٥٣] وأوصى فتاه بكتم ذلك عنهم أيضاً. ويجوز أن يكونَ غاب عليه السلام
وعَلِموا حقيقة غيبته لكن لم يتناقلوها جيلاً بعد جيلٍ لتوهُم أنَّ فيها شيئاً مما يحظُ
من قدره الشريفِ عليه السلام، فلا زالت نَقَلَتُها تقِلُّ حتى هلكوا في وقتٍ بُخْتَنصَّر
كما هلك أَكثرُ حَمَلَة التوراة. ويجوز أن يكونَ قد بقي منهم أقلُّ قليلٍ إلى زمن

الآية : ٦٠
٤١٥
ـرَّةُ الكَهْفِ
نبِّنَا مَّة، فتواصوا على كتمها وإنكارِها ليوقعوا الشكَّ في قلوب ضعفاء المسلمين،
ثم هلك ذلك القليلُ فلم تُنقَل عنه.
ولا يخفى أنَّ باب الاحتمال واسعٌ، وبالجملة لا يُبالى بإنكارهم بعد جواز
الوقوع عقلاً وإخبارِ الله تعالى به ورسولِهِ بَِّ، فإن الآيةَ ظاهرةٌ في ذلك، ويقرُب من
هذا الإنكار إنكارُ النصارى تكلَّمَ عيسى عليه السلام في المهد، وقد قدَّمنا أنه لا يلتفَتُ
إليه بعد إخبار الله تعالى به(١)، فعليك بكتاب الله تعالى ودَعْ عنك الوساوسَ.
و((إذ)) نصبٌ على المفعولية بـ ((اذكر)) محذوفاً، والمراد: قل: قال موسى
﴿لِفَتَنُهُ﴾ يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام، فإنه كان يخدمه ويتعلَّم
منه، ولذا أضيف إليه، والعربُ تسمِّي الخادمَ فتّى، لأنَّ الخَدَمَ أكثرُ ما يكونون في
سنِّ الفتوة، وكان فيما يقال ابنَ أخت موسى عليه السلام. وقيل: هو أخو يوشع
عليه السلام، وأنكر اليهود أن يكونَ له أخٌ.
وقيل: لعبده، فالإضافة للملك، وأطلق على العبد فتّى لِمَا في الحديث
الصحيح: ((ليقُل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي))(٢). وهو من آداب
الشريعة، وليس إطلاقُ ذلك بمكروهٍ - خلافاً لبعضٍ - بل خلاف الأولى.
وهذا القولُ مخالفٌ للمشهور، وحَكَم النوويُّ بأنَّه قولٌ باطلٌ(٣). وفي حلِّ
تملُّك النفس في بني إسرائيل كلامٌ، ومثله في البطلان القول الثاني لمنافاته كلَّ
الأخبار الصحيحة.
﴿لَّ أَبْرَجُ﴾ من ((برِحَ)) الناقص، كزال يزال، أي: لا أزال أسير، فحُذف
الخبرُ اعتماداً على قرينة الحال إذا كان ذلك عند التوجُّه إلى السفر، واتكالاً على
ما يعقبه من قوله: ﴿حَتَّىَّ أَبِّلُغَ﴾ إذ الغايةُ لابدَّ لها من مُغيًّا، والمناسبُ لها هُنا
السيرُ، وفيما بعدُ أيضاً ما يدلُّ على ذلك، وحذفُ الخبرِ فيها قليلٌ كما ذكره
الرضي، ومنه قول الفرزدق:
(١) ينظر ما سلف ١٩٩/٤.
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩) عن أبي هريرة
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ١٣٨/١٥.

سُورَةُ الكَهْفِ
٤١٦
الآية : ٦٠
فما بَرِحُوا حتى تهادَتْ نِساؤُهم ببطحاءِ ذي قارٍ عِيابَ اللَّطَائِم(١)
وقال أبو حيان: نصَّ أصحابُنا على أنَّ حذفَ خبرِ ((كان)) وأخواتِها لا يجوز
وإن دلَّ الدليلُ على حذفه إلا ما جاء في الشعر من قوله:
يبغي جوارَك حين ليس مُجِيرُ
لهفي عليك كلهفةٍ من خائفٍ
أي: حینَ لیس في الدنیا(٢).
وجوَّز الزمخشريّ وأبو البقاء أن يكون الأصل: لا يبرَُ سيري حتى أبلغَ،
فالخبرُ متعلَّقُ ((حتى)) مع مجرورِها، فحُذف المضافُ(٣) وهو سير، فانقلب الضمير
من البروز والجرِّ إلى الرفع والاستتار، وانقلب الفعل من الغيبة إلى التكلم.
قيل: وكذا الفعلُ الواقعُ في الخبر - وهو ((أَبْلُغَ)) - كان أصله: يَبلُغ، ليحصل
الربط، والإسناد مجازيٌّ، وإلا يخلو الخبر من الرابط إلا أن يقدَّر: حتى أبلغَ به،
أو يقال: إنَّ الضميرَ المستترَ في ((كائن)) يكفي للربط، أو أنَّ وجودَ الربط بعد التغيير
صورةً يكفي فيه وإن كان المقدَّر في قوّة المذكور.
وعندي لا لطف في هذا الوجه وإن استلطفه الزمخشريُّ. وجوَّز أيضاً أن يكون
((أَبْرَجُ)) من ((بَرحَ)) التام كزال يزول، فلا يحتاج إلى خبر (٤).
نعم قيل: لابدَّ من تقدير مفعولٍ لیتمَّ المعنى، أي: لا أفارق ما أنا بصدده حتى
أبلغ ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.
(١) ديوان الفرزدق ٢١٧/٢. وقوله: عِياب: واحدُ عَيْبةٍ، وهي ما يجعل فيه الثياب وغيرها.
واللطائم: واحد لطِيمَة: المسك. والبيت في تفسير الطبري ٣١٠/١٥، والبحر ١٤٣/٦.
(٢) البحر ١٤٣/٦، والبيت لعبد الله بن أيوب التيمي في رثاء منصور بن زياد أحد وجوه الدولة
العباسية، كما في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٨/٣، وعزاه البصري في الحماسة البصرية
٢٣٠/١ للشمردل الليثي، وجعله أبو هلال في ديوان المعاني ١٧٤/٢ لرجلٍ يرثي عمر بن
عبد العزيز، والشطر الثاني فيه: کنتَ المجیرَ له ولیس مجیر.
(٣) في الأصل و(م) وحاشية الشهاب ٦/ ١١٥- وعنه نقل المصنف -: المضاف إليه. والمثبت
من الكشاف ٢/ ٤٩٠، والإملاء ٥٢٧/٣.
(٤) الكشاف ٢/ ٤٩٠.

الآية : ٦٠
٤١٧
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وتعقّبه في ((البحر)) بأنَّه يحتاج إلى صحَّة نقل(١).
والمجمعُ: الملتقى، وهو اسمُ مكانٍ. وقيل: مصدرٌ، وليس بذاك.
والبحران: بحر فارس والروم، كما رُوي عن مجاهد وقتادة وغيرهما(٢)،
وملتقاهما مما يلي المشرق، ولعلَّ المرادَ مكانٌ يقرُب فيه التقاؤُهما،
وإلا فهما لا يلتقيان إلا في البحر المحيط وهما شعبتان منه.
وذكر أبو حيان أنَّ مجمع البحرين على ما يقتضيه كلام ابن عطية مما يلي برَّ
الشام(٣).
وقالت فرقة منهم محمد بن كعب القرظي: هو عند طنجة، حيثُ يجتمع البحر
المحيط والبحرُ الخارج منه من دبور إلى صبا. وعن أبيٍّ أنه بإفريقية(٤).
وقيل: البحران: الكُرُّ والرسُّ بأرمينية، ورُوي ذلك عن السديٌّ.
وقيل: بحر القلزم وبحر الأزرق.
وقيل: هما بحرٌ ملحٌ وبحرٌ عذبٌ، وملتقاهما في الجزيرة الخضراء في جهة
المغرب.
وقيل: هما مجاز عن موسى والخضر عليهما السلام لأنهما بحرا علم، والمراد
بملتقاهما مكانٌ يتفق فيه اجتماعُهما. وهو تأويلٌ صوفيٍّ والسياق ينبو عنه، وكذا
قولُه تعالى: (حَتَّ أَبْلُغَ) إذ الظاهر عليه أن يقال: حتى يجتمع البحران، مثلاً.
وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسار: ((مجمِع)) بكسر الميم الثانية،
والنضر عن ابن مسلم: ((مجمع)) بالكسر لكلا الحرفين(٥)، وهو شاذٌّ على
(١) البحر ١٤٤/٦.
(٢) تفسير الطبري ٣٠٩/١٥، وأخرجه عن ابن عباس أيضاً.
(٣) البحر ٦/ ١٤٤، وكلام ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٧/٢، ولفظه: وهو ذراع يخرج من
البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من رواء أذربيجان، فالركن الذي
لاجتماع البحرين مما يلي برّ الشام.
(٤) البحر ٦/ ١٤٤، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري ٣٠٩/١٥.
(٥) القراءات الشاذة ص٨٢، والمحتسب ٣٠/٢، والبحر ١٤٤/٦. وعبد الله بن مسلم بن يسار
=

سُوَّةُ الكَهْفِ
٤١٨
الآية : ٦٠
القراءتين؛ لأنَّ قياسَ اسم المكانِ والزمانِ من فَعَل يفْعَل - بفتح العين فيهما - الفتحُ
كما فى قراءة الجمهور.
عطفٌ على ((أبلغ))، و((أو)) لأحد الشيئين، والمعنى:
﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ﴾﴾﴾
حتى يقع إما بلوغي المجمعَ أو مُضِيِّي حُقُباً، أي: سيري زماناً طويلاً.
وجوِّز أن تكونَ ((أو)) بمعنى ((إلا))، والفعلُ منصوبٌ بعدها بـ ((أنْ)) مقدَّرةً،
والاستثناءُ مفرَّعٌ من أعمِّ الأحوال، أي: لازِلتُ أسير في كلِّ حالٍ حتى أبلغَ إلا أن
أمضي زماناً أتيقّنُ معه فواتَ المجمع.
ونقل أبو حيان جوازَ أن تكون بمعنى ((إلى))(١)، وليس بشيء؛ لأنه يقتضي
جزمَه ببلوغ المجمع بعد سیرہ ◌ُقُباً، وليس بمرادٍ.
والحُقُب بضمتين - ويقال بضمٍّ فسكونٍ وبذلك قرأ الضحاك(٢) - اسمٌ مفردٌ،
وجمعُه كما ((القاموس)): أَحْقُب وأَحْقَاب. وفي ((الصحاح)) أن الحُقْب بالضم يجمع
على حِقاب مثل قُفِّ وقِفَاف(٣) .
وهو على ما روي عن ابن عباس وجماعة من اللغويين الدهرُ(٤).
وروي عن ابن عمرو(٥) وأبي هريرة أنه ثمانون سنة، وعن الحسن أنَّه سبعون.
وقال الفراء: إنه سنةٌ بلغة قريش(٦) .
وقال أبو حيان: الحُقُب: السنون، واحدها: حِقْبةٌ، قال الشاعر:
= هو مولى طلحة بن عبيد الله رضُّه، كما في طبقات ابن سعد ٢٣٩/٧، واسمه كما في مطبوع
القراءات الشاذة: عبد الله بن عبيد بن مسلم، ولم نقف له على ترجمة وافية.
(١) البحر ١٤٥/٦.
(٢) البحر ٦/ ١٤٥، وهي قراءة الحسن كما في القراءات الشاذة ص ٨١.
(٣) القاموس والصحاح (حقب).
(٤) أخرجه عن ابن عباس الطبري في تفسيره ١٥/ ٣١١.
(٥) في الأصل و(م): ابن عُمر. وكذا في النكت والعيون ٣٢٢/٣، والمثبت من تفسير الطبري
٣١٠/١٥، والمحرر الوجيز ٥٢٨/٢، والبحر ١٤٤/٦، والكلام منه.
(٦) نقله المصنف من البحر ١٤٤/٦، وفي معاني القرآن للفراء ١٥٤/٢: قيس، بدل: قريش.
وقال الماوردي في النكت والعيون ٣٢٢/٣: إنه سنة بلغة قيس، قاله الكلبي.

الآية : ٦٠
٤١٩
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
فإِن تَنْأَ عنها حِقْبةً لا تُلاقِها
فإِنَّك مما أحدَثَتْ بالمجرَّبِ(١)
وما ذكره من أنَّ الحُقُبَ السنون ذكره غير واحد من اللغويين، لكنَّ قولَه:
واحدُها: حِقْبة، فيه نظرٌ؛ لأنَّ ظاهرَ كلامهم أنَّه اسمٌ مفردٌ، وقد نصَّ على ذلك
الخفاجيُّ(٢)، ولأنَّ جمعَ الحقبةِ(٣) حِقَب بكسرٍ ففتح، قال في ((القاموس)):
الحِقْبةُ - بالكسر - من الدهر مدَّةٌ لا وقتَ لها، والسَّنَةُ، وجمعُه: حِقَبٌ كعِنَبٍ،
وحُقُوب كحبوب (٤). واقتصر الراغب والجوهريُ على الأول(٥).
وكان منشأُ عزيمة موسى عليه السلام على ما ذُكر ما رواه الشيخان وغيرهما من
حديث ابن عباس عن أبيٍّ بن كعب أنه سمع رسول الله وَّل يقول: ((إنَّ موسى عليه
السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسُئل: أيُّ الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله
تعالى عليه إذ لم يردَّ العلمَ إليه سبحانه، فأوحى الله تعالى إليه: إنَّ لي عبداً بمجمع
البحرين هو أعلم منك)) الحديث(٦).
وفي رواية أخرى عنه، عن أبي أيضاً، عن رسول الله وَعليه: ((أنَّ موسى بني
إسرائيل سأل ربَّه فقال: أي ربِّ، إن كان في عبادك أحدٌ هو أعلم مني فدُلَّني عليه؟
فقال له: نعم في عبادي مَن هو أعلم منك. ثم نعت له مكانَه وأذِن له في لُقِيِّه))(٧).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب وابن عساكر من طريق
هارون عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى عليه السلام ربَّه سبحانه فقال: أي
ربِّ، أيُّ عبادِك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأيُّ عبادك
أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحقِّ ولا يتبع الهوى. قال: فأيُّ عبادِك أعلم؟ قال:
الذي يبتغي علمَ الناس إلى علمه، عسى أن يصيبَ كلمةً تهديه إلى هدّى أو تردَّه عن
رَدّى. قال: وكان حدَّث موسى نفسَه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، فلمَّا أن قيل له:
(١) البحر ٦/ ١٤١، والبيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ص٤٢.
(٢) في حاشيته ١١٦/٥.
(٣) في الأصل و(م): ولأن الحقبة جمع، والصواب ما أثبتناه.
(٤) القاموس (حقب).
(٥) الصحاح والمفردات (حقب).
(٦) صحيح البخاري (٣٤٠١)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠).
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٢٦/١٥ .

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٢٠
الآية : ٦٠
الذي يبتغي علمَ الناس إلى علمه، قال: ياربِّ، فهل في الأرض أحدٌ أعلمُ مني؟
قال: نعم. قال: فأين هو؟ قيل له: عند الصخرة التي عندها العين. فخرج موسى
يطلُبه حتى كان ما ذكر الله تعالى(١).
ثم إنَّ هذه الأخبارَ لا دلالةَ فيها على وقوع القصة في مصر أو في غيرها، نعم
جاء في بعض الروايات التصريحُ بكونها في مصر؛ فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم
من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لمَّا ظهر موسى عليه السلام وقومُه على مصر
أنزل قومه بمصر، فلمَّا استقرت بهم البلد أنزل الله تعالى أن: ذكرهم بأيام الله تعالی،
فخطب قومَه فذكر ما آتاهم اللهُ تعالى من الخير والنعم، وذكّرهم إذ أنجاهم الله تعالى
من آل فرعون، وذكّرهم هلاكَ عدوّهم وما استخلفهم الله سبحانه في الأرض، وقال:
كلَّم الله تعالى نبيّكم تكليماً، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليَّ محبةً منه، وآتاكم من كلِّ
شيءٍ ما سألتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراةَ. فلم يترك نعمةً
أنعمها الله تعالى عليهم إلا عرَّفهم إياها، فقال له رجلٌ من بني إسرائيل: فهل على
الأرض أعلمُ منك يا نبيَّ الله؟ قال: لا. فبعث الله جبريل عليه السلام إلى موسى عليه
السلام فقال: إنَّ الله تعالى يقول: وما يُدرِيك أين أضع علمي؟ بلى، إنَّ على ساحل
البحر رجلاً أعلم منك. ثم كان ما قصَّ الله سبحانه(٢).
وأنكر ذلك ابن عطية (٣) فقال: ما مرَّ بي (٤) قظُّ أنَّ موسى عليه السلام أنزل
قومَه بمصر إلا في هذا الكلام، وما أراه يصحُّ، بل المتضافر أنَّ موسى عليه السلام
تُونِي في أرضِ التِّيْه قبل فتح ديار الجبارين. اهـ.
وما ذكره من عدم إنزال موسى عليه السلام قومَه بمصر هو الأقربُ إلى القبول
عندي وإن تعقَّب الخفاجيُّ(٥) كلامَه بعد نقله بقوله: فيه نظر. ثم إنَّ الأخبارَ
(١) تفسير الطبري ٣٢١/١٥، وتاريخ مدينة دمشق ٤١١/١٦، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم
والخطيب السيوطيُّ في الدر ٢٣٤/٤، وعنه نقل المصنف.
(٢) تفسير الطبري ٣٣٠/١٥، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٣٣/٤، وإسناده
ضعيف .
(٣) في المحرر الوجيز ٥٢٧/٢، ونقله المصنف عن البحر ١٤٤/٦.
(٤) في الأصل و(م) والبحر: ما يُرى، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٥) في حاشيته ١١٦/٦.