Indexed OCR Text

Pages 341-360

الآية : ٣٦
٣٤١
سُورَةُ الكَهْفِ
والذي يدلُّ عليه السياقُ والمحاورة أنَّ المراد: ودخل جنتَه مع صاحبه ﴿وَهُوَ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ جملةٌ حاليةٌ، أي: وهو ضارٌّ لنفسه بكفره، حيثُ عَرَّضها للهلاك
وعَرَّض نعمتَها للزوال، أو: واضعٌ الشيءَ في غير موضعه، حيثُ كان اللائقُ به
الشكر والتواضُعَ، لا ما حُكِي عنه.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من ذكر دخولِ جنته حالَ ظُلمِه لنفسه،
كأنه قيل: فماذا قال إذ ذاك؟ فقيل: قال: ﴿مَّ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ﴾ أي: تَهلكَ وتَفنَى،
يقال: بادَ يبيد بَيْداً وبُيُوداً وبَيْدُودةً: إذا هلك.
﴿هَذِيةٍ﴾ أي: الجنةُ ﴿أَبَدًا ﴾﴾ أي: طولَ الحياةِ، فالمرادُ بالتأبيد طولُ
المُكْث لا معناه المتبادِر. وقيل: يجوز أن يكونَ أراد ذلك؛ لأنه لجهلِه وإنکارِه
قيامَ الساعة ظنَّ عدمَ فناءِ نوعِها، وإن فَنِي كلُّ شخصٍ من أشجارها، نحوَ ما يقوله
الفلاسفةُ القائلون بقِدَم العالم في الحركات الفلكية، وليس بشيء.
وقيل: ما قَصَد إلا أنَّ هذه الجنةَ المشاهَدةَ بشخصِها لا تَفنَى، على ما يقوله
الفلاسفةُ على المشهور في الأفلاك أنفسِها، وكأنَّ حُبَّ الدنيا والعُجبَ بها غَشَى
على عقلِه فقال ذلك، وإلا فهو مما لا يقوله عاقلٌ. وهو مما لا يرتضيه فاضلٌ.
وقيل: ((هذه)) إشارةٌ إلى الأجرام العلوية والأجسام السفلية من السماوات
والأرض وأنواع المخلوقات، أو إشارةٌ إلى الدنيا، والمآلُ واحدٌ، والظاهرُ
ما تقدَّم.
وأيَّاما كان فلعلَّ هذا القولَ كان منه بمقابلةِ موعِظةِ صاحبِهِ وتذكيرِهِ بفَناء جنََّيْه
ونهْيِهِ عن الاغترار بهما وأمرِه بتحصيل الصالحات الباقيات، ولعلَّه خوَّفه أيضاً
بالساعة فقال له: ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ﴾ أي: كائنةً فيما سيأتي، فالقيامُ الذي
هو من صفاتِ الأجسام مجازٌ عن الكون والتحقُّق، لكنَّه جارٍ في العُرف مَجرى
الحقيقة .
﴿وَلَيِن رُدِدْتُ إِلَى رَبٍ﴾ بالبعثِ عندَ قيامها كما زعمتَ ﴿لَأَجِدَنَ﴾ حينئذٍ ﴿خَيْراً
مِّنْهَا﴾ أي: من هذه الجنة.
وقرأ ابن الزبير وزيد بن عليٍّ وأبو بحريَّة وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن وحميد

ـرَّةُ الكَهْفِ
٣٤٢
الآية : ٣٧
وابن مُناذِر ونافع وابن كثير وابن عامر: ((منهما)) بضمير التثنية(١)، وكذا في
مصاحفٍ مكة والمدينة والشام(٢)، أي: من الجنتين.
﴾ أي: مرجعاً وعاقبةً لفناءِ الأولى وبقاءِ الأخرى على زعمك،
﴿مُنقَلَبًا فـ
وهو تمييزٌ محوَّلٌ من المبتدأ على ما نصّ عليه أبو حيان(٣)، ومدارُ هذا الطمع
واليمينِ الفاجرة اعتقادُ أنَّه تعالى إنَّما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقِه الذاتيّ
وكرامته عليه سبحانه، وهذا كقوله تعالى حكايةً: ﴿وَلَبِن تُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ
لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] ولم يَدْرِ أنَّ ذلك استدراجٌ، وكأنه لسبقِ ما يشقُّ عليه
فراقُه - وهي الجنة التي ظنَّ أنها لا تبيد - جاء هنا: ((رُدِدتُ))، ولعدمه فيما سيأتي بعد
إن شاء الله تعالى من آية ﴿حَمَ﴾ المذكورة جاء: ﴿رُجِعْتُ﴾ [فصلت: ٥٠] فليتأمَّل.
﴿قَالَ لَهُ، صَاحِبُهُ﴾ استئنافٌ كما سبق ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ جملةٌ حاليةٌ كالسابقة،
وفائدتُها التنبيهُ من أوَّلِ الأمر على أنَّ ما يتلوها كلامٌ معتنّى بشأنه مسوقٌ للمحاورة.
وقرأ أبيٍّ - وحُمل ذلك على التفسير -: ((وهو يخاصمه)) (٤).
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: في ضمن خلقِ أصلِك منه، وهو آدمُ عليه
السلام؛ لِمَا أنَّ خَلْقَ كلِّ فردٍ من أفرادِ البشر له حظّ من خَلْقِه عليه السلام، إذ لم
تكن فطرتُه الشريفةُ مقصورةً على نفسه، بل كانت أنموذجاً مُنطوياً على فطرةٍ سائر
أفرادِ الجنس انطواءً إجماليًّا مستتبعاً لجَريان آثارِها على الكلِّ، فإسناد الخلق من
تراب إلى ذلك الكافر حقيقةٌ باعتبارٍ أنه مادَّةُ أصلِه. وكونُ ذلك مبنيًّا على صحَّةٍ
قياسِ المساواة خيالٌ واهٍ.
(١) التيسير ص١٤٣، والمحرر الوجيز ٥١٧/٣، والبحر ١٢٦/٦، والنشر ٣١١/٢. وأبو بحريَّة
هو عبد الله بن قيس السَّكوني، حمصي مشهور بكنيته، مخضرم ثقة. روى له أصحاب السنن
الأربعة. مات سنة (٧٧هـ). تهذيب التهذيب ٤٠٦/٢. وابن مُناذِر هو محمد أبو ذریح،
شاعر فصيح، أخذ الأدب واللغة عن الخليل وأبي عبيدة، كان قارئاً تروى عنه حروف يقرأ
بها، وله معرفة بالحديث، لم يكن مرضيًّا في أفعاله، توفي سنة (١٩٨هـ). معجم الأدباء
١٩/ ٥٥، وتاريخ الإسلام للذهبي ١٩٠/٥.
(٢) البحر ١٢٦/٦، والنشر ٣١١/٢.
(٣) في البحر ١٢٦/٦ .
(٤) المحرر الوجيز ٥١٧/٣، والبحر ١٢٧/٦.

الآية : ٣٧
٣٤٣
سُورَّةُ الگھْفِ
وقيل: خَلَقَك منه؛ لأنَّه أصلُ مادتِك، إذ ماءُ الرجل يتولَّد من أغذيةٍ راجعةٍ إلى
التراب. فالإسنادُ مجازٌ من إسنادٍ ما للسبب إلى المسبّب، فتدبَّر.
ثُمَّ مِن تُظْفَةِ﴾ هي مادَّتُك القريبةُ، فالمخلوقُ واحدٌ والمبدأ متعدّدٌ، ونُقل أنَّه
ما من نطفةٍ قدَّر الله تعالى أن يخلُقَ منها بشراً إلا وملكٌ موَّل بها يُلقِي فيها قليلاً
من ترابٍ، ثم يَخلُق الله تعالى منها ما شاء من ذكر أو أنثى. وتعقَّبه في ((البحر))(١)
بأنه يحتاج إلى ثبوت صحّته. وأنا أقول: غالب ظنِّي أنِّي وقفتُ على تصحيحه،
لكن في تخريج الآية عليه كلامٌ لا يخفى.
عدَلك وكمَّلك إنساناً ذكراً، وأصلُ معنى التسوية: جعلُ
﴿ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا
الشيء سواءً، أي: مستوياً كما فيما: ﴿ُوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢] ثم إنَّه يُستعمَل
تارةً بمعنى الخَلْقِ والإيجاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ [الشمس: ٧]،
فإذا قُرِن بالخَلْقِ والإيجاد كما هنا فالمرادُ به الخَلْقُ على أتمِّ حالٍ وأعدلِه،
حسبما تقتضيه الحكمةُ بدون إفراط ولا تفريطٍ، ونصبُ ((رجلاً)) على ما قال
أبو حيان(٢) على الحال، وهو مُخْوِجٌ إلى التأويل. وقال الحوفي: نصب على أنه
مفعولٌ ثانٍ لـ ((سوّى))، والمراد: ثَمَّ جَعَلك رجلاً، وفيه - على ما قيل - تذكيرٌ بنعمةٍ
الرجولية، أي: جعلك ذَكَراً ولم يجعلْك أنثى.
والظاهرُ أنَّ نسبةَ الكفر بالله تعالى إليه لشكِّه في البعث وقولِه: ((ما أظن الساعة
قائمة))، والشاُ في البعث - كما في ((الكشف)) - كافرٌ من أوجُهٍ: الشُّ في قدرته
تعالى، وفي إخباره سبحانه الصدق، وفي حكمته، ألا ترى إلى قولِه عزَّ وجل:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهذا هو الذي
يقتضيه السياقُ؛ لأنَّ قولَه: ((أكفرت)) إلخ وقع ردًّا لقوله: ((ما أظن الساعة قائمة))،
ولذلك رتِّب الإنكارُ بخلقه من ترابٍ ثم من نطفة الملوِّح بدليل البعثِ، وعليه أكثُر
المفسرين ونُوقِشوا فيه.
وقال بعضُهم: الظاهرُ أنه كان مشرِكاً كما يدلُّ عليه قولُ صاحبه تعريضاً به:
((ولا أشرك بربي أحداً)) وقولُه: ((يا ليتني لم أشرك بربي أحداً)، وليس في قوله:
(١) ٦/ ١٢٧.
(٢) في البحر ١٢٧/٦، وقول الحوفي الآتي فيه.

سُورَّةُ الكَهْفِ
٣٤٤
الآية : ٣٨
((إن رددت إلى ربي)) ما يُنافيه؛ لأنه على زعم صاحبِه كما مرَّ، مع أنَّ الإقرار
بالربوبية لا يُنافي الإشراكَ، فعبَدَة الأصنامِ مُقِرُّونَ بها وهم مشركون، فالمراد بقوله:
(أكفرت)): أأشركتَ. اهـ، وسيأتي إن شاءَ الله تعالى بعضُ ما يتعلَّق به.
وقرأ ثابت البنانيُّ، وحُمل ذلك على التفسير كنظائره المتقدِّمة: ((ويلكَ
أکفرتَ))(١).
﴿أَكِنَّأْ هُوَ اَللَّهُ رَبِ﴾ أصله: لكنْ أنا، وقد قرأ به أبيُّ والحسنُ، وحَكَى ابن
عطية ذلك عن ابن مسعود(٢)، فنُقِل حركةُ همزةٍ ((أنا)) إلى نون ((لكن))، فخُذِفت
الهمزة، ثم حُذِفت الحركةُ، ثم أُدغِمَت النونُ في النون. وقيل: حُذِفت الهمزةُ مع
حركتها، ثم أُدغِم أحدُ المِثْلَين في الآخَر، وهو أقربُ مسافةً إلَّا أنَّ الحذف
المذكور على خلاف القياس، وقد جاء الحذفُ والإدغامُ في قوله:
وتَقْلينَنِي لكنَّ إياكِ لا أَقْلِي (٣)
وتَرمِینَني بالظّرْفِ أَي أَنْتَ مُذنِبٌ
فإنه أراد: لكنْ أنا لا أقليك، وهو أولى من جَعْلِهِم التقديرَ: لكنَّه إياكِ، على
حذفٍ ضميرٍ الشأن، وأبعدُ منه جَعْلُ الأصل: لكنَّني إياكِ، على حذف اسمِ ((لكن))
كما في قوله :
فلو كنتَ ضبِّيًّا عرفتَ قَرابَتِي
ولكنَّ زِنْجيٌّ عظيمُ المَشَافِر (٤)
أي: لكنَّك مع نون الوقاية.
وبإثباتِ الألف آخراً في الوقف، وحذفِها في الوصل كما هو الأصلُ في ((أنا))
وقفاً ووصلاً قرأ الكوفيون وأبو عمرو وابن كثير ونافع في رواية ورش وقالون(٥).
(١) البحر المحيط ٦/ ١٢٧.
(٢) القراءات الشاذة ص ٨٠، والمحرر الوجيز ٥١٧/٣، والبحر ١٢٨/٦.
(٣) الكشاف ٢/ ٤٨٤، والبحر ١٢٨/٦، ومعاني القرآن للفراء ١٤٤/٢، وشرح المفصل لابن
يعيش ٨/ ١٤٠، والخزانة ٢٢٥/١١. وقلاه يقليه: أبغضه.
(٤) البيت في البحر ١٢٨/٦، وتفسير القرطبي ١٢٣/١٤ دون نسبة، ونسب في الكتاب ١٣٦/٢،
والمحتسب ١٨٢/٢، وشرح المفصل ٨١/٨ للفرزدق. ورواية المحتسب: غليظ المشافر.
والمشافر جمع مشفر، أصله للبعير وجعله لشفة مَن يهجوه.
(٥) التيسير ص١٤٣، والنشر ٣١١/٢ وهي قراءة يعقوب في رواية روح.

الآية : ٣٨
٣٤٥
سُورَةُ الكَهْفِظَ
وأبدلَها هاءً في الوقف أبو عمرو في روايةٍ فقال: ((لكنَّهْ)) ذكره ابن خالويه(١).
وقال ابن عطية: روى هارون عن أبي عمرو: ((لكنَّهُ هو الله ربي)) بضميرٍ لَحِقَ
(لكنَّ))(٢).
وقرأ ابن عامر وزيد بن عليٍّ والحسن والزهريُّ بإثبات الألف وقفاً ووصلاً،
وهو روايةٌ عن نافع ويعقوب وأبي عمرو وورش وأبي جعفر وأبي بحريَّة(٣). وجاء
ذلك على لغةٍ بني تميم فإنَّهم يُثبِتون ألفَ ((أنا)) في الوصل اختياراً، وأما غيرُهم
فيُثِها فيه اضطراراً. وقال بعضهم: إنَّ إثباتَها في الوصل غيرُ فصيحِ لكنَّه حَسُن هنا
المشابهة ((أنا)) بعدَ حذفِ همزتِهِ لضميرٍ ((نا)) المتصلِ، ولأنَّ الألفَ جُعِل عوضاً عن
الهمزة المحذوفةِ فيه. وقيل: أُثبِتَت إجراءً للوصل مجرى الوقف، وفي إثباتها دفعُ
اللبس بـ ((لكنَّ) المشدَّدة، ومن إثباتها وصلاً قولُ الشاعر:
حُميداً قد تَذَرَّتُ السَّنَّامَا (٤)
أنا شيخُ العَشِيرَةِ فاعرِفُوني
وفي رواية الهاشميِّ عن أبي جعفر حذفُها وصلاً ووقفاً، وروي ذلك أيضاً عن
[ابن] أبي عبلة وأبي حيوة وأبي بحريَّةُ (٥) .
وقرئ: ((لكنّنَا» بحذف الهمزة وتَخْفيفِ النونَّيْن(٦).
و ((لكن)) في جميع هذه القراءات حرفُ استدراك لا عملَ له، و((أنا)) مبتدأٌ
أوَّل، و((هو)) ضميرُ الشأن مبتدأٌ ثانٍ، و((الله ربِّي)) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملةُ خبرُ ضميرٍ
الشأن، وهي غنيةٌ عن الرابط، وجملةُ ضميرٍ الشأنِ وخبرِهِ خبرُ المبتدأ الأوَّلِ،
(١) في القراءات الشاذة ص ٨٠ والكلام من البحر ١٢٨/٦ .
(٢) المحرر الوجيز ٥١٧/٣-٥١٨، والبحر ١٢٨/٦.
(٣) التيسير ص١٤٣، والنشر ٣١١/٢ عن نافع وأبي جعفر ويعقوب في رواية رويس، والكلام
من البحر ٦/ ١٢٧ .
(٤) البيت في حجة القراءات لابن زنجلة ص ٤١٧، والمحرر الوجيز ٣٤٦/١، وتاريخ مدينة
دمشق ٣٦٩/١١ دون نسبة، وهو في تفسير الطبري ٢٦٤/١٥، وأساس البلاغة (ذرى)،
والخزانة ٢٤٢/٥ برواية: سيف العشيرة، ونسبه الزمخشري والبغدادي لحميد بن بحدل.
وقال الزمخشري: تذرَّى السنامَ: إذا شرُف وعلا، وارتفع أمره.
(٥) البحر ١٢٨/٦ وما بین حاصرتین منه.
(٦) المصدر السابق.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٤٦
الآية : ٣٨
والرابطُ ضميرُ المتكلّم المضافِ إليه، والتركيبُ نظيرُ قولك: هندٌ هو زيد
ضاربها .
وجوِّز أن يكونَ ((هو)) مبتدأ ثانياً، والاسمُ الجليلُ بدلاً منه، و((ربِّي)) خبرُه،
والجملةُ خبرُ المبتدأ الأوَّلِ، والرابطُ الياء أيضاً.
وفي ((البحر)) أنَّ ((هو)) ضميرُ الشأن وثَمَّ قولٌ محذوفٌ، أي: لكنْ أنا أقولُ:
هو الله ربِّي، ويجوز أن يعودَ على ((الذي خلقك))، أي: لكن أنا أقول: الذي
خلقك اللهُ ربي، فخبرُه الاسمُ الجليل، و((ربِّي)) نعتٌ، أو عطفُ بيانٍ، أو بدلٌ(١).
انتهى. ثم جَوَّز عدمَ تقدير القول واقتَصَرَ على جَعْلِ «هو » ضميرَ الشأن حينئذٍ
حسبما سمعتَ.
ولا يخفى أنَّ احتمالَ تقدير القول بعيدٌ في هذه القراءة، ولعلَّ احتمالَ كونِ
الاسم الجليل بدلاً أقربُ معنّى من كونه خبراً وعودِ الضمير على ((الذي خلقك)).
وجوَّز أبو عليٍّ كونَ ((نا)) ضميرَ الجماعة كالتي في: خَرَجْنا وضربْنا، ووقع
الإدغامُ لاجتماع المثلَيْنِ، إلا أنَّه أُرِيد بها ضميرُ المعظّم نفسَه، فوُحِّد ((ربِّي)) على
المعنى، ولو اتُبَعَ اللفظُ لقيل: ربُّنَا (٢). ولا يخفى ما فيه من البُعد.
وقال ابن عطية في الآية: يجوز أن تكونَ ((لكن)) هي العاملةُ من أخواتِ ((إنَّ»،
واسمُها محذوفٌ، وحذْفُه فصيحٌ إذا دلَّ عليه الكلامُ، والتقديرُ: لكنَّ قولي: هو اللهُ
ربي، لكنَّ ذلك إنَّما يتمُّ لو قُرئ بحذفِ الألف وقفاً ووصلاً، وأنا لا أعرِفُ أحداً
قرأ بذلك(٣). انتهى. وأنتَ قد عرفتَ من قرأ به، وقد ذكر غيرهم قرؤوا أيضاً:
أبو القاسم يوسفُ بن عليٍّ الهُذَليُّ(٤) في كتابه: ((الكامل في القراءات))، لكن
لا أظنُّك تستَحْسِن التخريجَ على ذلك.
(١) المصدر السابق.
(٢) الحجة للقراء السبعة ١٤٦/٥-١٤٧. ونقله المصنف من البحر ١٢٨/٧.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٧/٣.
(٤) المغربي، مقرئ، رحل في طلب القراءات، وصنف كتابه ((الكامل في القراءات المشهورة
والشواذ))، فيه خمسون رواية من أكثر من ألف طريق. توفي سنة (٤٦٠ هـ) أو قريباً منها.
تاريخ الإسلام للذهبي ١٣٥/١٠.

الآية : ٣٨
٣٤٧
سُورَةُ الكَهْفِ
وقرأ عيسى الثقفيُّ: ((لكنْ هو الله)) بسكون نون ((لكنْ))، وحكاه ابن خالويه عن
ابن مسعود، والأهوازيُّ عن الحسن، وإعرابه ظاهرٌ جدًّا(١).
وقرئ: ((لكنْ أنا هو الله لا إله إلا هو ربي))(٢). ويعلم إعرابه مما مرَّ.
وخرَّج أبو حيان قراءةً أبي عمرو على رواية هارون على أن يكونَ ((هو)) تأكيداً
لضمير النصب في ((لكنه))، وجعله عائداً على ((الذي خلقك))، ثم قال: ويجوز أن
يكونَ فصلاً؛ لوقوعه بين معرفتَيْن، ولا يجوز أن يكونَ ضميرَ شأنٍ؛ لأنه لا عائدَ
حينئذٍ على اسم ((لكن)) من الجملة الواقعة خبراً (٣). انتهى.
ويا ليت شعري ما الذي منعه من تجويزٍ أنْ يكونَ ضميرُ ((لكنه)) للشأن،
ويكونُ ((هو)) مبتدأَ عائداً على ((الذي خلقك))، والاسمُ الجليلُ خبرُه، و((ربِّي))
نعتاً، أو عطفَ بيان، أو بدلاً، والجملةُ خبرُ ضميرٍ الشأن المنصوبٍ بـ ((لكن))، أو
يكونُ ((هو)) مبتدأً، والاسمُ الجليلُ بدلاً منه، و((ربِّي)) خبراً، والجملةُ خبرُ
الضمير.
هذا وقولُه: ﴿وَلَّ أُشْرِلُكُ بِرَبِ أَحَدًا (®﴾ عطفٌ على إحدى الجملتَيْن،
والاستدراكُ على ((أكَفَرْتَ))، وملخّصُ المعنى لمكان الاستفهام الذي هو للتقرير
على سبيل الإنكار: أنتَ كافرٌ بالله تعالى لكنِّ مؤمنٌ موحِّدٌ. وللتغايرِ الظاهرِ بين
الجملتين وقعت ((لكنْ)) موقعَها فقد قالوا: إنها تقعُ بين كلامَيْن متغايرَيْن نحو: زيدٌ
حاضرٌ لكنْ عمرو غائبٌ، وإلى كون المعنى ما ذُكر ذهب الزمخشريُّ وغيره(٤).
وذَكَر في ((الكشف)) أنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ الكفرَ بالله تعالى يقابله الإيمانُ
والتوحيدُ، فجاز أن يُستدرَكَ بكلٍّ منهما وبهما معاً، أي: كما هنا؛ فإنَّ الإيمانَ
مفادُ: أنا هو الله ربِّي، والتوحيدَ مفادُ: ((لا أشرك بربِّي أحدا))، وأنتَ تعلم أيضاً أنَّ
الشركَ كثيراً ما يُطلَق على مُطلَق الكفرِ، وجعلوا منه قولَه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ
(١) القراءات الشاذة ص ٨٠، والمحتسب ٩٢/٢، والبحر ١٢٨/٦.
(٢) لم نقف على هذه القراءة، وفي القراءات الشاذة ص ٨٠: ((لكن هو الله ربي لا إله إلّا هو))
عن ابن مسعود. وفي الكشاف ٢/ ٤٨٥ عنه: ((لكن أنا لا إله إلّا هو ربي)). اهـ.
(٣) البحر ١٢٨/٦.
(٤) الكشاف ٢/ ٤٨٥، وتفسير البيضاوي ٧/ ١٠٢ .

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٤٨
الآية : ٣٩
يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] وأنه يمكن أن يكون الغرضُ من مجموع الكلام إثباتَ
الإيمان على الوجهِ الأكيد، ولعلَّ شركَ صاحبه الذي عرَّض به في الجملة
الثانية - كما صرَّح به غير واحد - بهذا المعنى.
وقيل: الشركُ فيه بالمعنى المتبادِر، وإثباتُه لصاحبه تعريضاً باعتبارٍ أنَّ لمَّا أَنْكر
البعثَ فقد عَجَّز الباري جلَّ جلاله، ومَن عَجَّزه سبحانه وتعالى فقد سوَّاه بخلقه
تعالى في العجز، وهو شِرْكٌ.
وقيل: باعتبارٍ أنه لمَّا اغترَّ بدنياه وزَعَم الاستحقاقَ الذاتيَّ وأضاف ما أضاف
لنفسه، كان كأنه أشرك، فعرَّض به المؤمنُ بما عرَّض، فكأنه قال: لكنْ أنا مؤمنٌ
ولا أرى الغنى والفقرَ إلا مِن الله تعالى، يُفقِر مَن يشاء ويُغني من يشاء، ولا أرى
الاستحقاقَ الذاتيَّ، على خلافٍ ما أنت عليه.
والإنصافُ أنَّ كلَّا مِن القولين تكلُّفٌ.
وقيل: في الكلام تعريضٌ بشركِ صاحبِهِ، ولا يلزم أن يكونَ مدلولاً عليه بكلامِه
السابقِ، بل يَكْفيه ثبوتُ كونِه مشركاً في نفس الأمر وفيما بعدُ ما هو ظاهرٌ فيه،
فتأمَّل .
ثم اعْلَم أنَّ ما تضمَّنتْه الآيةُ ذكرٌ جليلٌ؛ وقد أخرج ابن أبي حاتم عن
أسماء بنتِ عميس قالت: علَّمني رسولُ اللهِ وََّ كلماتٍ أقولُهن عند الكرب: ((اللهُ
ربِّي لا أشرك به شيئاً) (١).
﴿وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جََّكَ قُلْتَ﴾ حضّ على القول وتوبيخٌ على تركه، وتقديمُ
الظرف على المحضَّضِ عليه؛ للإيذان بتحتُّم القول في آنِ الدخول من غير رَيثٍ
[لا](٢) للقصر، وجاز تقديمُه لذلك وجعلُه فاصلاً بين (لولا)) وفعلها لتوسُعِهم
في الظروف، أي: هلَا قلتَ عندما دخلتها: ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ أي: الأمرُ
(١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٢/٤، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٠٨٢)، وأبو داود
(١٥٢٥) وابن ماجه (٣٨٨٢)، وجاء في المصادر عدا مسند أحمد: ((الله الله ربّي))، بتكرارِ
لفظ الجلالة.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٢٣/٥.

الآية : ٣٩
٣٤٩
سُورَةُ الكَهْفِ
ما شاء الله، أو: ما شاء الله تعالى كائنٌ، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ مرفوعةُ المحلِّ
إمّا على أنَّها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو على أنَّها مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ. ويجوزُ أن
تكونَ شرطيةً في محلِّ نصبٍ بـ ((شاء)»، والجوابُ محذوفٌ، أي: أيَّ شيءٍ
شاء اللهُ تعالى كان.
وأيًّاما كان فالمرادُ تحضيضُه على الاعترافِ بأنَّ جنَّتَه وما فيها بمشيئةِ الله
تعالى، إن شاء أبقاها وإن شاء أبادَها، ودلالةُ الجملة على العموم الداخلِ فيه
ما ذُكر دخولاً أوليًّا على التقدير الأولِ؛ لأنَّ تعريفَ الأمر للاستغراق، والجملةُ
على هذا تفِيدُ الحصرَ، وأمَّا على غيرِهِ فقيل: لأنَ ((ما)) شرطيةٌ، أو موصولةٌ وهي
في معنى الشرط، والشرطُ وما في معناه يُفيد توقُّفَ وجودِ الجزاء على ما في حيِّزه،
فيُفيد عدمَه عند عدمِه، فيكون المعنى: ما شاء كان وما لم يشأ(١) لم يكن، ولا غبارَ
على ذلك عند مَن يقول بمفهوم الشرط.
وقدَّر بعضُهم في الثاني من احتمالَي الموصولة: ما شاء الله هو الكائن، حتى
تُفيد الجملةُ ما ذُكر. وليس بشيءٍ كما لا يخفى.
وزعم القفَّال من المعتزلة أنَّ التقديرَ: هذا ما شاءه الله تعالى، والإشارةُ إلى
ما في الجنة من الثمار ونحوها، وهذا كقول الإنسان إذا نظر إلى كتابٍ مثلاً: هذا
خظُّ زيد. ومرادُه نفي دلالة الآية على العموم؛ ليسْلَمَ له مذهبُ الاعتزال، وكذلك
فَعَلَ الكعبيُّ والجَبَّائِيُّ حيث قالا: الآية خاصَّةٌ فيما تولى اللهُ تعالى فعلَه، ولا تشملُ
ما هو من فعل العباد، ولا يمتنع أن يحصُّلَ في سلطانه سبحانه ما لا يريد
كما يحصل فيه ما ينهى عنه. ولا يخفى على مَن له ذوقٌ سليمٌ وذهنٌ مستقيمٌ أنَّ
المنساقَ إلى الفهم العمومُ، وكم للمعتزلة عدولٌ عن ذلك.
﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّهِ﴾ من مَقولِ القول أيضاً، أي: هلَّ قلتَ ذلك اعترافاً بعجزك
وإقراراً بأنَّ ما تيسَر لك من عمارتها وتدبيرٍ أمرها إنما هو بمَعُونِهِ تعالى وإقدارِه جلَّ
جلالُه ! .
(١) في (م): وإن لم يشأ، وهو تحريف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٦/ ١٠٢،
والكلام منه.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٥٠
الآية : ٣٩
وقد تضمَّنَت هذه الآيةُ ذكراً جليلاً أيضاً؛ فقد أخرج أحمدُ عن أبي هريرة قال:
قال لي نبيُّ الله وَله: ((ألا أدلَّك على كنزٍ من كنوز الجنةِ تحت العرش))؟ قلتُ:
نعم. قال: ((أن تقولَ: لا قوَّةً إلا بالله)). قال عمرو بن ميمون: قلتُ لأبي هريرة:
لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فقال: لا، إنها في سورة الكهف (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ)
الآيةَ(١) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرَّة قال: إنَّ من أفضلِ الدعاء قولَ الرجل:
ما شاء الله(٢).
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن أنس قال: قال
رسول الله وَّه: ((ما أنعم اللهُ تعالى على عبدٍ نعمةً في أهل أو مال أو ولد، فيقول:
ما شاء الله لا قوَّة إلا بالله. إلا دفع الله تعالى عنه كلَّ آفة حتى تأتيه منيَّته))، وقرأ:
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ) إلخ(٣).
وأخرج ابن أبي حاتم من وجهٍ آخَرَ عن أنس قال: من رأى شيئاً من ماله
فأعجَبَه فقال: ما شاء الله لا قوَّةً إلا بالله. لم يُصِب ذلك المالَ آفةٌ أبداً، وقرأ
الآيةَ، وأخرجه البيهقيُّ في ((الشعب)) عن أنس مرفوعاً(٤).
وأخرج ابن أبي حاتم عن مطرِّفٍ قال: كان مالك إذا دخل بيتَه يقول:
ما شاء الله. قلتُ لمالك: لِمَ تقول هذا؟ قال: ألا تسمع اللهَ تعالى يقول: (وَلَوْلَآ إِذْ
دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ)(٥). ونُقِل عن ابن العربي أنَّ مالكاً يستدِلُّ بالآية على
استحباب ما تضمَّنَته من الذِّكْر لكلِّ مَن دخل منزلَه(٦).
(١) مسند أحمد (٨٤٢٦)، وإسناده حسن.
(٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٣/٤.
(٣) الدر المنثور ٢٢٣/٤، وهو في شعب الإيمان (٤٣٦٩) دون ذكر الآية، وأخرجه أيضاً
الطبراني في الأوسط (٤٢٦١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٠: فيه عبد الملك بن
زرارة، وهو ضعيف.
(٤) شعب الإيمان (٤٣٧٠) دون ذكر الآية، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٣/٤.
(٥) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٣/٤ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٢٧/٣-١٢٢٨.

الآية : ٤٠
٣٥١
سُورَّةُ الكَهْفِ
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن عروة أنه
كان إذا رأى من مالِه شيئاً يُعجِبه أو دخل حائطاً من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة
إلا بالله. ويتأوَّل قولَ الله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ) الآية(١).
ويفهم من بعض الروايات استحبابُ قول ذلك عندَ رؤيةٍ ما يُعجِب مطلقاً، سواءٌ
كان له أو لغيرِهِ، وأنه إذا قال ذلك لم تُصِبه عينُ الإعجاب(٢).
﴾ إلخ ((أنا)) توكيدٌ للضميرِ المنصوب على
﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ◌َ
المفعولية في (ترني))، وقد أقيم ضميرُ الرفع مقامَ ضمير النصب، والرؤيةُ إن كانت
عِلميةً فـ ((أقلَّ)) مفعولٌ ثانٍ، وإن كانت بصريةً فهو حالٌ من المفعول، ويجوز أن
يكونَ ((أنا)) فصلاً، وحينئذٍ يتعيَّن أن تكونَ الرؤيةُ علميةً؛ لأنَّ الفصلَ إنما يقعُ بينَ
مبتدأ وخبرٍ في الحال أو في الأصل.
وقرأ عيسى بن عمر: ((أقلُّ) بالرفع(٣)، فيكون ((أنا)) مبتدأً، و((أقلُّ)) خبرَه،
والجملةُ في موضع المفعول الثاني على الأول من احتمالَي الرؤية، أو الحال على
الثاني منهما .
و((مالاً وولداً) تمييزٌ على القراءتين وما فيهما من الاحتمال، وقوله: ﴿فَسَى
رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَّنِ خَيْرً مِّنْ جَنَّئِكَ﴾ قائمٌ مقامَ جوابِ الشرط، أي: إن ترنِ كذلك
فلا بأسَ، عسى ربِّي ... إلخ. وقال كثيرٌ: هو جوابُ الشرط، والمعنى: إن ترني
أفقرَ منكَ فأنا أتوقّع من صَنيع الله تعالى أن يقلِبَ ما بي وما بك من الفقر والغِنى،
فيرزُقني لإيماني جنةً خيراً من جنَّتِك، ويسلبك بكفرك نعمتَه ويُخرِّب جنتك.
وقيَّد بعضُهم هذا الإيتاءَ بقوله: في الآخرة، وقال آخَر: في الدنيا أو في
الآخرة، وظاهرُ ما ذُكر أنه في الدنيا كالإرسال في قوله: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ
السَّمَآءِ﴾ أي: عذاباً كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس(٤).
(١) الدر المنثور ٢٢٣/٤، وهو في شعب الإيمان (٢٢٣٠).
(٢) ينظر حديث أنس ظه في عمل اليوم والليلة لابن السني (٢٠٧).
(٣) البحر ١٢٩/٧.
(٤) تفسير الطبري ٢٦٦/١٥.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٣٥٢
الآية : ٤٠
وأخرج الطستيُّ عنه أنَّ نافع بن الأزرق قال له: أَخِرْني عن قوله تعالى:
(حُسْبَانًا) فقال: ناراً، وأنشد له قولَ حسَّان:
بقيةُ معشرٍ صُبَّت عليهم شآبيبٌ من الحُسبان شُهْبُ (١)
وأخرج ذلك ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الضخَّاك أيضاً (٢).
وقال الزمخشريُّ: هو مصدرٌ كالبطلان والغفرانِ، بمعنى الحِساب، والمراد به
المحسوب والمقدَّر، أي: مقدَّراً قدَّره الله تعالى وحَسَبه وهو الحُكْمُ بتخرِيبها (٣).
والظاهرُ أنَّ إطلاقه على الحكم المذكورِ مجازٌ. والزجَّاجُ جعل الحسبانَ بمعنى
الحساب أيضاً، إلا أنه قدَّر مضافاً، أي: عذابَ حسابٍ، وهو حسابُ ما كسبَتْ
يداه(٤). ولا يخفى أنه يجوز أن يراد من الحسبان بهذا المعنى العذابُ مجازاً،
فلا يحتاج إلى تقديرٍ مضافٍ. وظاهر عبارة ((القاموس))(٥) وكذا ما رُوي أولاً عن
ابن عباس أنَّ إطلاقَ الحُسبان على العذاب حقيقةٌ، ويُمكِن على ما قيل أن يكونَ
إطلاقُه على النار باعتبارِ أنَّها من العذاب أو من المقدَّر، ونقل الزمخشريُّ أنَّ
(حسباناً) جمع: حُسبانةٍ، وهي المرماة، أي: ما يُرمَى به كالسهم والصاعِقةِ، وأُريد
بها هنا الصواعق(٦). وقيل: أعُمُّ من ذلك، أي: يُرسِل عليها مَرامي من عذابِهِ إِمَّا
بَرَداً وإما حجارةً وإما غيرَهما مما يشاء.
﴿فَنْصْيِحَ﴾ لذلك ﴿صَعِيدًا﴾ أي: أرضاً ﴿زَلَقًّا ﴾﴾ ليس فيها نباتٌ، قاله
الحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم عن السديٌّ(٧).
(١) الدر المنثور ٢٢٤/٤، وأخرجه من طريق الطستي السيوطي في الإتقان ٤٠٥/١. وشآبيب:
جمع شؤبوبٍ، وهو الدفعة من المطر. القاموس (شأب).
(٢) عزاه لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٤/٤، ولم نقف عليه في مطبوع
المصنف .
(٣) الكشاف ٢/ ٤٨٥.
(٤) معاني القرآن ٢٩٠/٣.
(٥) مادة (حسب).
(٦) الكشاف ٢/ ٤٨٥ .
(٧) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٤/٤.

الآية : ٤١
٣٥٣
سُوَُّ الكَهْفِ
قيل: وأصلُ معنى الزَّلَقِ: الزلَلُ في المشي لوَحَلٍ أو نحوه، لكن لمَّا كان ذلك
فيما لا يكون فيه نبتٌ ونحوه مما يَمنع منه، تُجوِّز به أو كُني عنه، وعُبِّر بالمصدر
عن المَزلَقة مبالغةً.
وقيل: الزَّلَقُ من: زَلَق رأسَه بمعنى حَلَقه، والكلامُ على التشبيه، أي: فتُصبحَ
أرضاً ملساء ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ، كالرأس الذي حُلقَ. وفيه بُعدٌ.
وقيل: المرادُ بالزَّلَق: المَزلَقةُ بالمعنى الحقيقيِّ الظاهر، والمعنى: فتُصبح
أرضاً لا نبات فيها ولا يَثْبُت فيها قَدَمٌ، وحاصلُه: فتُصبح مسلوبةَ المنافع حتى منفعة
المشْي عليها، فتكونُ وحَلاً لا تُنِت ولا يثبت عليها قَدَمٌ، وظاهرُ صنيع أبي حيان
اختیارُ.(١).
وقال مجاهد: أي: فتُصبح رملاً هائلاً(٢).
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائراً في الأرض، والتعبيرُ بالمصدر للمبالغة نظيرَ
، تحرُّكاً وعملاً في ردِّه
ما مرَّ. ﴿قَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ﴾ أي: للماء الغائر ﴿طَلَبًا
وإخراجِه، والمراد نفْي استطاعةِ الوصول إليه، فعُبِّر عنه بنفْي الطلب إشارةً إلى أنَّه
غيرُ ممكنٍ، والعاقلُ لا يطلبُ مثله.
وقيل: ضميرُ (له)) للماء مطلقاً لا للماءِ المخصوصِ، أي: فلن تستطيعَ لماءٍ لها
بدلَ ذلك الماء الغائرِ طلباً، وهو الذي يقتضيه كلامُ الماورديٌّ(٣)، إلَّا أنه خلافُ
الظاهر.
والظاهرُ أنَّ ((يُصبِحَ)) عطفٌ على ((تُصبحَ))، وحينئذٍ لا بدَّ أن يرادَ بالحُسبانِ
ما يصلُح ترتُّبُ الأمرين عليه عادةً كالحكم الإلهيِّ بالتخريبِ، إذ ليس كلٌّ آفةٍ
سماويةٍ يترتَّبُ عليها إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً يترتَّبُ عليها إصباحُ مائِها غوراً.
وجوِّز أن يكونَ العطفُ على ((يُرسِل))، وحينئذٍ يجوز أن يرادَ بالحسبانِ أيُّ
معنَى كان من المعاني السابقة، وعلى هذا يكونُ المؤمنُ قد ترجَّى هلاكَ جنَّةٍ
(١) ينظر البحر المحيط ١٢٩/٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) في النكت والعيون ٣٠٨/٣.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٣٥٤
الآية : ٤١
صاحبِهِ الكافر إما بآفةٍ سماويةٍ، أو بآفةٍ أرضيةٍ وهو غورُ مائِها، فيتلَفُ كلُّ ما فيها
من الشجر والزرع، لكنَّه لم يُصرّح بما يترتَّبُ على الغور من الضررِ والخرابِ،
ولعلَّ ذلك لظهوره والاكتفاءِ بالإشارة إليه بقوله: ((فلن)) إلخ.
وتعقّب بأنَّه لا يخفى أنه لا فسادَ في هذا العطف لا لفظاً ولا معنًى، إلا أنَّه
كان الظاهرُ أن يقال: أو يَجعل ماءَها غوراً، أو نحوَ ذلك مما فيه إسنادُ الفعل
إلى الله تعالى، ولا يظهرُ للعدول إلى ما في النظم الكريم وجهٌ، فتأمَّل.
ثم إنَّ أكثرَ العلماء على أنَّ قولَه: ((إنْ تَرَنٍ)) إلخ في مقابلة قول الكافر: ((أنا
أكثر منك مالاً)) إلخ، وكأنَّهم عنَوا المقابلةَ في الجملة، لا المقابلةَ التّامَّةَ، أما إذا
لم يتَّحد المرادُ بالنفَر والولد فظاهرٌ، وأما إذا اتَّحد بأنْ فُسِّر النفرُ بالولد فلأنَّ هناك
أمرين: أكثريةً وأعزِّيَّةً، ولم يُذكر هنا إلا مقابلُ أحدِهما وهو الأقلِّيةُ المنسوبةُ في
المعنى إلى المال والولد، نعم قيل: إنَّ أقلِيَّةَ الولدِ قد تستلزم الأذلِّيَّةَ، والأكثريةُ قد
تستلزم الأعزّيَّةَ كما يُشاهَد في عرَب البادية.
هذا، وكان الظاهرُ أن يتعرَّضَ في الجزاء لأمرِ الولد كما تعرَّض لأمر المال
بأن يقال: وعسى أن يؤتيني خيراً من ولدك ويُصيبَهم ببلاءٍ فَيُصبِحوا هَلْكَى، أو نحو
ذلك.
وأجيب بأنَّه إنَّما لم يتعرَّضْ لذلك إشارةً إلى استيلاء حبِّ المال على قلبٍ ذلك
الكافر، وأنَّه يكفي في نِكايته وإغاظته تلَفُ جَّتِهِ وإعطاءُ صاحبِه المؤمن خيراً منها .
وقيل: إنما لم يتعرَّض لذلك لِمَا فيه من ترجّي هلاكٍ مَن لم يصدرُ منه مكالمةٌ
ومحاورةٌ، ولم يُنقل عنه مقاومَةٌ ومفاخرةٌ لمجرَّدٍ إغاظة كافرٍ حاوَرَ وكاثَرَ وفاخَرَ،
وتركُه أفضلُ للكاملِ وأكملُ للفاضل، والدعاءُ على الكَفَرة وذرارِيهم الصادرُ من
بعض الأنبياءِ عليهم السلام ليس مِن قبيل هذا الترجّي كما لا يخفى على
المتأمِّل. وحيثُ أراد ترْكَ هذا الترجِّي ترَكَ ترجّي الولد لنفسه تبعاً له، أو لكونه
غیرَ مُهمِّ له.
وقيل: إنه ترجَّاه في قوله: ((خيراً من جنتك))؛ لأنَّ المراد: شيئاً خيراً من
جنتك، والنكرةُ قد تعمُّ بمَعونةِ المقام فيندرجُ الولدُ. وليس بشيءٍ.

الآية : ٤٢
٣٥٥
سُوَّةُ الكَهْفَِّ
وقيل: أراد ما هو الظاهرُ، أي: جنةً خيراً من جنتك، إلا أنَّ الخيريَّةَ لا تِتُّ
من دونِ الولد إذ لا تكمُل لذَّةٌ بالمال لمن لا ولدَ له، فترجّي جنةٍ خيرٍ من تلك
الجنة متضمِّنٌ لترجّي ولدٍ خيرٍ من أولئك الولد، ولم يترجَّ هلاكَ ولده ليكون بقاؤهم
بعدَ هلاكِ جنته حملاً عليه. ولا يخفى أنَّه لا يتبادَرُ إلى الذهن من خيريَّةِ الجنة
إلا خيريَُّها فيما يعود إلى كونها جنةً من كثرةِ الأشجار وزيادةِ الثمار وغزارةٍ مياه
الأنهار ونحوِ ذلك. وفي قوله: ليكونَ ... إلخ منعٌ ظاهرٌ.
وقيل: لم يترجَّ الولدَ؛ اكتفاءً بما عنده منهم، فإنَّ كثرةَ الأولادِ ليس مما يرغَب
فیه الكاملون، وفيه نظرٌ.
وقيل: إنه لم يقرِنْ ترجِّيَ إيتاءِ الولد مع ترجّي إيتاءِ الجنة؛ لأنَّ ذلك الإيتاء
المترجَّى في الآخرة، وهي ليست محلًّا لإيتاءِ الولد لانقطاع التولَّدِ هناك. ولا يخفى
أنَّ هذا - بعدَ تسليم أنَّه لا يؤتى الولُد لمن شاءه في الآخرة - ليس بشيءٍ.
وقيل: يمكن أن يكونَ ترجِّي الولد في قوله: (خَيْرًا مِن جَنَّئِكَ)، بناءً على أنَّه
أراد من جنته جميعَ ما مُتِّع به من الدنيا، وتكونُ الضمائرُ بعدها عائدةً عليها بمعنى
البستان على سبيل الاستخدام. وهو كما ترى، فتدبَّر، والله تعالى أعلم بأسرارٍ
كتابه وأخبر.
وقرأت فرقة: ((غُؤوراً)) بضمِّ الغين وهمزةٍ بعدها وواوٍ بعدهما(١).
﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ﴾ أُهلِك أموالُه المعهودةُ من جنَّتيه وما فيهما، وهو مأخوذٌ من
إحاطةِ العدوِّ وهي استدارتُه به من جميع جوانبِهِ، استُعمِلت في الاستيلاء والغلبة، ثم
استُعمِلت في كلِّ هلاكٍ، وذكر الخفاجيُّ أنَّ في الكلام استعارةً تمثيليةً: شُبِّهَ إهلاكُ
جنتيه بما فيهما بإهلاك قومٍ حاط بهم عدوٌّ وأوقع بهم بحيثُ لم ينجُ أحدٌ منهم،
ويحتمل أن تكونَ الاستعارةُ تّعيَّةً، وبعضٌ يجوِّز كونَها تمثيليَّةً تبعيَّةٌ(٢). انتهى.
وجَعْلُ ذلك من باب الكناية أظهرُ، والعطفُ على مقدَّر، كأنه قيل: فوَقَع بعضُ
ما ترجَّى وأُحيط ... إلخ، وحُذِف لدلالة السِّباقِ والسِّياقِ عليه.
(١) زاد المسير ١٤٦/٥، والبحر ١٢٩/٦.
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ١٠٣.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٥٦
الآية : ٤٢
واستُظْهِر أنَّ الإهلاكَ كان ليلاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾. ويحتمل أن
تكونَ ((أصبح)) بمعنى ((صار))، فلا تدلُّ على تقييدِ الخبر بالصباح، ويَجرِي هذان
الأمران في ((تُصبحَ)) و((يُصبحَ)) السابقين.
ومعنى تقليبٍ الكفَّين على ما استظهره أبو حيان(١) أن يُبدِي بطنَ كلٌّ منهما ثم
يُعوج يدَه حتى يبدو ظهرُ كلٍّ، يفعل ذلك مراراً. وقال غيرُ واحد: هو أن يضعَ
باطنَ إحداهما على ظهرِ الأخرى ثم يعكِس الأمرَ ويُكرِّر ذلك. وأيًّا ما كان فهو
كنايةٌ عن الندَم والتحسُّر، وليس ذلك من قولهم: قلبتُ الأمرَ ظهراً لبطنٍ، كما في
قول عُمر بن أبي ربيعة(٢):
وأتَيْنا مِن أَمْرِنا ما اشتَهَبْنا
وضَربْنا الحديثَ ظهراً لبطنٍ
فإنَّ ذلك مجازٌ عن الانتقال من بعضٍ الأحاديث إلى بعضٍ.
ولكونه كنايةً عن الندم عُدِّي بـ ((على)) في قوله تعالى: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ فالجارُّ
والمجرورُ ظرفٌ لغوٌ متعلِّقٌ بـ ((يقلب))، كأنه قيل: فأصبَحَ يندَمُ على ما أنفق، ومنه
يُعلم أنَّه يجوز في الكناية أن تُعدَّى بصلةِ المعنى الحقيقيِّ كما في قولهم: بَنَى
عليها، وبصلةٍ المعنى الكنائيّ كما هنا، فيجوز: بَنَى بها، ويكون القولُ بأنه غلط
غلطاً .
ويجوز أن يكونَ الجارُّ والمجرور ظرفاً مستقِرًّا متعلَّقه خاصٌّ، وهو حالٌ من
ضميرٍ ((يقلب))، أي: متحسِّراً على ما أنفق، وهو نظراً إلى المعنى الكنائيِّ حال
مؤكِّدة على ما قيل؛ لأن التحسُّرَ والندَمَ بمعنّى. وقال بعضُهم: إنَّ التحسُّرَ الحزنُ،
وهو أخصُّ من الندم، فليُراجَع. وأيَّما كان فلا تضمينَ في الآية كما تُوهُّم.
وقرئ: (تَقَلَّبُ كفَّاه)) أي: تَتَقلَّب(٣)، ولا يخفى عليك أمرُ الجارِّ والمجرور
على هذا .
(١) في البحر ٦/ ١٣٠.
(٢) تحرف في الأصل و(م) إلى: عمرو ابن ربيعة، والصواب المثبت، والبيت في ديوانه
ص٣٠٥، وأساس البلاغة (ظهر).
(٣) الإملاء ٥١٩/٣.

الآية : ٤٢
٣٥٧
ـَرَّةُ الكَهْفِ
و((ما)) إمَّا مصدريةٌ، أي: على إنفاقه في عمارتها، وإمَّا موصولةٌ، أي: على
الذي أنفقَه في عمارتها من المال، ويقدَّر على هذا مضافٌ إلى الموصول من الأفعال
الاختياريَّةِ إذا كان متعلَّق الجارِّ ((يقلِّب))، مراداً منه: يَندم؛ لأنَّ الندمَ إنما يكون على
الأفعال الاختياريَّة، ويُعلم من هذا وجهُ تخصيصٍ الندم على ما أنفق بالذكر دون
هلاك الجنة. وقيل: لعلَّ التخصيصَ لذلك؛ ولأنَّ ما أنفق في عمارتها كان مما (١)
يمكن صيانتُه عن طوارقِ الحَدَثان وقد صَرفه إلى مصالحِها رجاءً أن يتمَّعَ بها أكثرَ
مما يتمتّعُ به، وكان يرى أنَّها لا تنالُها أيدي الرَّدَى، ولذلك قال: ((ما أظن أن تبيدَ
هذه أبداً))، فلمَّا ظهر له أنها مما يَعتريه الهلاكُ نَدِم على ما صنع بناءً على الزعم
الفاسد من إنفاق ما يُمكِن ادِّخارُه في مثل هذا الشيء السريع الزوال. انتهى.
والظاهرُ أنَّ إهلاكَها واستئصالَ نباتِها وأشجارِها كان دفعيًّا بآفةٍ سماويةٍ، ولم
يكن تدريجيًّا بإذهاب ما به النماءُ وهو الماءُ، فقد قال الخفاجيُّ: إنَّ الآية تدلُّ على
وقوع استئصالِ نباتِها وأشجارِها عاجلاً بآفةٍ سماويةٍ صريحاً لقوله تعالى: ((فأصبح))
بالفاءِ التعقيبية، والتحسُّرُ إنما يكون لِمَا وقع بغتةً(٢). فتأمَّل.
﴿وَهِىَ﴾ أي: الجنةُ من الأعناب المحفوفة بنخلٍ ﴿خَارِيَةٌ﴾ أي: ساقطةٌ، وأصلُ
الخواء - كما قيل - الخلاءُ، يقال: خَوى بطنُه من الطعام يخوي خوّى وخواءً: إذا
خلا. وفي ((القاموس)): خوت الدارُ: تهدَّمَت. وخَوَّت(٣) وخَوِيت خَيًّا وخُوِيًّا
وخَواء وخَوايةً: خلت من أهلها. وأريد السقوطُ هنا لتعلَّقِ قوله تعالى: ﴿عَلَى
عُرُوشِهَا﴾ بذلك.
والعروشُ: جمع عرشٍ، وهو هنا ما يُصنَع من الأعمِدةِ لتُوضَع عليه الكرومُ،
وسقوطُ الجنة على العروش لسقوطِها قبلَها، ولعلَّ ذلك لأنَّه قد أصابَ الجنةَ من
العذاب ما جعلها صعيداً زلقاً لا يثبت فيها قائم.
ولعلَّ تخصيصَ حالِ الكروم بالذكر دونَ النخلِ والزرعِ إِمَّا لأنَّها العُمدةُ
وهما من متمِّماتها، وإمَّا لأنَّ ذكرَ هلاكِها - على ما قيل - مغنٍ عن ذكر هلاك
(١) في الأصل و(م): ما، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٢٤/٥، والكلام منه.
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ١٠٣.
(٣) كذا وقعت في القاموس بالتشديد، وقال في تاج العروس: الصحيح خَوَت. اهـ.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٥٨
الآية : ٤٢
الباقي؛ لأنَّها حيثُ هلكت وهي مسندةٌ بعروشها فهلاكُ ما عداها بالطريق الأولى،
وإمَّا لأنَّ الإنفاقَ في عمارتها أكثرُ.
ثم هذه الجملةُ تُبعِد ما رُوي من أنَّ اللهَ تعالى أرسل عليها ناراً فأحرَقَتْها وغار
ماؤُها، إلَّا أن يرادَ منها مطلقُ الخراب، وحينئذٍ يجوز أن يرادَ من ((هي)) الجنةُ
بجميع ما اشتَمَلَتْ عليه.
﴿وَيَقُولُ﴾ عطفٌ على ((يقلِّب))، وجوَّز أبو البقاء(١) وغيرُه أن يكونَ حالاً من
الضمير المستترِ فيه بتقديرٍ: وهو يقول، لأنَّ المضارعَ المثبت لا يقترِنُ بالواو
الحالية إلَّا شذوذاً.
كأنه تذكَّر موعظةَ أخيهِ وعَلِمٍ أنَّه إنَّما أُتِي من قِبَل
﴿يَنِ لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِ أَحَدًّا
٤٢
شِرْكه، فتمنَّى لو لم يكن مشرِكاً فلم يُصِبه ما أصابه، قيل: ويحتمل أن يكونَ توبةً
من الشرك وندماً عليه، فيكون تجديداً للإيمان؛ لأنَّ ندمَه على شركه فيما مضى
يُشعِر بأنَّه آمن في الحال، فكأنه قال: آمنتُ بالله تعالى الآنَ، وليت ذلك كانَ أولاً .
لكن لا يخفى أنَّ مجرَّد الندم على الكفر لا يكون إيماناً، وإن كان الندمُ على
المعصية قد يكون توبةً إذا عزمَ على أن لا يعودَ، وكان الندمُ عليها من حيث كونها
معصيةً كما صرَّح به في ((المواقف))(٢).
وعلى فرض صحَّةٍ قياسِه بها لم يتحقَّق هنا من الكافر ندٌ عليه من حيثُ هو
كفرٌ، بل بسببٍ هلاك جنتيه، والآيةُ فيما بعدُ ظاهرةٌ أيضاً في أنَّه لم يتُب عمَّا كَفَر به
وهو إنكارُ البعث، والقولُ بأنَّه إنَّما لم تُقَبل توبتُه عن ذلك لأنَّها كانت عندَ مشاهَدةٍ
البأسِ، والإيمانُ إذ ذاك غيرُ مقبول = غيرُ مقبول، إذ غايةُ ما في الباب أنه إيمانٌ
بعد مشاهدة إهلاك مالِه، وليس في ذلك سلبُ الاختيار الذي هو مناط التكليف،
لا سيَّما إذا كان ذلك الإهلاكُ للإنذار، نعم إذا قيل: إنَّ هذا حكايةٌ لِمَا يقوله
الكافرُ يومَ القيامة كما ذهب إليه بعضُ المفسرين، كان وجهُ عدم القبول ظاهراً؛ إذ
لا ينفع تجدیدُ الإيمان هناك بالاتفاق.
(١) في الإملاء ٥١٩/٣.
(٢) المواقف مع شرح الجرجاني ٣١٤/٨.

الآية : ٤٣ - ٤٤
٣٥٩
سُورَةُ الکھْفِ
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ﴾ وقرأ الأخوان ومجاهد وابن وثَّاب والأعمش وطلحة وأيوب
وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى الأصبهانيُّ وابن جرير: ((يكن)) بالياء
التحتيّة(١)؛ لأنَّ المرفوعَ به - أعني قولَه تعالى: ﴿فِتَةٌ﴾ - غيرُ حقيقيِّ التأنيث،
والفعلُ مقدَّمٌ عليه، وقد فُصِل بينهما بالمنصوب، وقد رُوعي في قوله سبحانه:
﴿يَصُرُونَهُ﴾ المعنى، فأتي بضمير الجمع.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((ولم تكن له فئة تنصره))(٢)، مراعاةً للفظ فقط.
والمرادُ من النصرة لازِمُها وهو القدرةُ عليها، أي: لم تكن له فئةٌ تقدر على
نصره إما بدفعِ الهلاك قبل وقوعه، أو بردِّ المُهلَك بعينه على القول بجواز إعادةِ
المعدوم بعينه، أو بردِّ مثلِهِ على القول بعدم جوازِ ذلك ﴿مِن دُونِ اَلَهِ﴾ فإنَّه سبحانه
وتعالى القادرُ على نصره وحدَه، وارتُكب المجازُ لأنَّه لو أُبقي ذلك على ظاهره
لاقتضى نصرةَ الله تعالى إياه؛ لأنَّه إذا قيل: لا ينصر زيداً أحدٌ دون بكرٍ، فُهِم منه
نصرةُ بكرٍ له في العرف، وليس ذلك بمرادٍ، بل المرادُ ما سمعتَ، وحاصلُه:
لا يقدرون على نَصره إلا اللهَ تعالى القدير. ﴿وَمَا كَانَ﴾ في نفسه ﴿مُنَصِرًا
٤٣
ممتنعاً بقوَّتِه عن انتقام الله تعالی منه.
﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام وتلك الحالِ التي وقع فيها الإهلاكُ ﴿الْوَلَةُ لِلَّهِ
الْحَقّ﴾ أي: النصرةُ له تعالى وحدَه لا يقدِرُ عليها أحدٌ، فالجملةُ تقريرٌ وتأكيدٌ لقوله
تعالى: (وَلَمْ تَكُنْ لَّهُم ◌ِنَّةٌ يَنَصُرُونَهُ) إلخ، أو ينصُر فيها (٣) أولياءَه المؤمنين على الكَفَرة
كما نَصَر سبحانه بما فعل بالكافر أخاه المؤمنَ، فالولايةُ بمعنى النُّصرةِ على
الوجهين، إلا أنَّها على الأول مطلَقةٌ أو مقيّدةٌ بالمضطرِّ ومن وقع به الهلاكُ، وعلى
هذا مقيّدة بغير المضطرِّ وهم المؤمنون، ويعضُد أنَّ المرادَ نصرتُهم قوله تعالى:
﴿هُوَ خَيْرٌ تَوَابًا وَخَيْرُّ عُقْبَا (®﴾ أي: عاقبةً لأوليائه، ووجهُ ذلك أنَّ الآيةَ خُتِمت بحالٍ
الأولياء فيناسِبُ أن يكونَ ابتداؤُها كذلك.
(١) التيسير ص١٤٣، والنشر ٣١١/٢ عن حمزة والكسائي وخلف، والكلام من البحر ١٣٠/٦.
(٢) المحرر الوجيز ٥١٩/٣، والبحر ١٣٠/٦.
(٣) الضمير في قوله: فيها، عائد على قوله: تلك الحال. حاشية الشهاب ١٠٤/٦ .

سُوَّةُ الكَهْفِ
٣٦٠
الآية : ٤٤
وقرأ الأخوان والأعمش وابن وثَّاب وشيبة وابن غزوان عن طلحة وخلف وابن
سعدان وابن عيسى الأصبهانيُّ وابن جرير: ((الولاية)) بكسر الواو (١)، وهي والولاية
بالفتح بمعنّى واحدٍ عند بعضٍ أهل اللغة، كالوَكَالة والوكالة، والوصاية والوصاية.
وقال الزمخشريُّ: هي بالفتح: النصرةُ والتولِّي، وبالكسر: السلطانُ والملك(٢).
أي: هنالك السلطانُ له عزَّ وجلَّ لا يُغلَب ولا يُمتنَع منه ولا يُعبَد غيرُه، كقوله
تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، فتكون
الجملةُ تنبيهاً على أنَّ قوله: (يا ليتني لم أشرك)) إلخ كان عن اضطرارٍ وجَزَعِ عمّا
دهاه، ولم یکن عن ندمٍ وتوبةٍ.
وحُكي عن أبي عمرو والأصمعيِّ أنهما قالا: إنَّ كسرَ الواو لحنٌّ هنا؛ لأنَّ فِعالة
إنَّما تجيء فيما كان صنعةً ومعنَى متقلَّداً كالكِتابة والإمارة والخلافة، وليس هنا تولِّي
أمرٍ، إنما هي الولاية بالفتح بمعنى الدِّين بالكسر(٣). ولا يُعوَّل على ذلك.
واستظهر أبو حيان(٤) كونَ ((هنالك)) إشارةً إلى الدار الآخرة، أي: في تلك
الدار الولايةُ لله الحقِّ، ويناسِبُ قولَه تعالى: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرُّ عُقْبًا) ويكون كقوله
تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمِّ لِلَِّ الْوَجِدِ اَلْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
والظاهرُ على جميع ذلك أنَّ الوقفَ على ((منتصراً))، وقولُه تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ إلخ
ابتداءُ كلامٍ، وحينئذٍ فـ ((الولاية)) مبتدأ، و(الله)) الخبرُ، والظرفُ معمولُ الاستقرار،
والجملةُ مفيدةٌ للحصر لتعريف المسند إليه واقترانِ الخبر بلام الاختصاصِ، كما قُرِّر
في ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ((هنالك)) خبرُ ((الولاية))، أو الولايةُ مرفوعةٌ به،
و(الله)) يتعلَّق بالظرف، أو بالعامل فيه، أو بالولاية، ويجوز أن يكونَ متعلِّقاً
بمحذوفٍ وقع حالاً منها (٥).
(١) التيسير ص ١٤٣، والنشر ٢٧٧/٢ عن حمزة والكسائي وخلف، والكلام من البحر ١٣٠/٦.
(٢) الكشاف ٤٨٦/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٩/٣، والبحر المحيط ١٣٠/٦.
(٤) في البحر ٦/ ١٣٠.
(٥) الإملاء ٥٢٠/٣.