Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ١٨
٢٤١
سُوَّةُ الكَهْفِ
واختار بعضُ المفسّرين أنَّ اللهَ تعالى لم يغيِّر حالَهم وهيئتَهم أصلاً؛ ليكونَ
ذلك آيةً بيِّنة.
والخطابُ هنا كالخطاب فيما سبق. وعلى احتمال أن يكونَ له وَلّهِ يَلزم أن
يكونوا باقين على تلك الحالةِ التي توجب فرارَ المطّلعِ عليهم ومزيدَ رُعبِه إلى ما بعد
نزول الآية، فمَن لا یقول به لا يقول به.
وأخرج ابنُ أبي شيبةً وابنُ المنذرِ وابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عباسٍ قال: غزونا مع
معاويةَ غزوةَ المضيقِ نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحابُ الكهفِ الذي
ذكر الله تعالى في القرآن، فقال معاوية: لو كُشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال
له ابنُ عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله تعالى ذلك مَن هو خيرٌ منك فقال: (لَوِ
أَطَلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِّثْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) فقال معاوية: لا أَنتهي حتى أعلمَ
علمهم، فبعث رجالاً وقال: إِذهبوا فادخُلوا الكهفَ وانظروا، فذهبوا، فلمَّا
دخلوه، بعث الله تعالى عليهم ريحاً فأَخرجتهم(١).
قيل: وكأنَّ معاويةَ إنَّما لم يَجرِ على مقتضَى كلامِ ابن عباسٍ ﴿هَا ظنًّا منه تغيُّرَ
حالِهِم عمَّا كانوا عليه، أو طلباً لعلمهم مهما أمكن.
وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن شَهْر بن حَوْشَبٍ قال: كان لي صاحبٌ ماضٍ شديدُ
النفس، فمرَّ بجانب الكهفِ فقال: لا أَنتهي حتى أنظرَ إليهم، فقيل له: لا تفعل،
أَمَا تقرأ: (لَوِ الطَّلَمْتَ عَلَيْهِمْ) إلخ؟ فأبى إلَّ أن ينظر، فأَشرف عليهم، فابيضَّت عيناه
وتغيَّر شعرُه، وكان يُخبر الناسَ بأنَّ عِدَّتهم سبعة.
وربَّما يُستأنَس بمثل هذه الأخبارِ لوجودهم اليوم، بل لبقائهم على تلك الحالةِ
التي لا يستطاع معها الوقوفُ على أحوالهم، وفي ذلك خلاف:
فحكى السُّهيلي(٢) عن قومِ القولَ به، وعن ابن عباسٍ إنكارَه، فقد أَخرج عبدُ
الرزاقِ وابنُ أبي حاتمٍ عن عكرمةَ أنَّ ابن عباسٍ غزا مع حبيب بنِ مسلمة، فمرُّوا
(١) الدر المنثور ٢١٣/٤.
(٢) في الروض الأنف ٢/ ٥٤ .

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٤٢
الآية : ١٨
بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظامُ أهلِ الكهف، فقال ابن عباس:
لقد ذهبت عظامُهم منذ أكثرَ من ثلاث مئة سنة(١).
ولا يخفى ما بين هذا الخبرِ والخبرِ السابق عنه، بل والآخَرِ أيضاً، من
المخالفة، والذي يميل القلبُ إليه عدمُ وجودِهم اليوم، وأنَّهم إنْ كانوا موجودين،
فليسوا على تلك الحالةِ التي أشار اللهُ تعالى إليها، وأنّ الخطابَ الذي في الآية
لغير معيَّن، وأنَّ المرادَ منها الإِخبارُ عن أنَّهم بتلك الحالةِ في ذلك
الوقت - وما أخرجه ابنُ مردويه عن ابن عباسٍ أنَّ رسولَ اللهِنَّه قال: ((أصحابُ
الكهفِ أَعوانُ المهدي))(٢) على تقدير صحَّته لاَ يدلُّ على وجودهم اليومَ على تلك
الحالة - وأنَّه عليه الصلاة والسلام على القول بعموم الخِطاب ليس من الأَفراد
المعيَّنة به؛ لأنَّ وَّرَ اطّلع على ما هو أعظمُ منهم من ملكوت السماوات والأرض،
ومَن جعله وَّهِ معيَّنَاً قال: المراد: لو اطّلعتَ عليهم لولَّيت منهم فراراً ولَملئت منهم
رُعباً بحكم جَري العادةِ والطبيعة البشرية، وعدمُ ترتُّب الجزاءِ على اطلاعه وَّ على
ما هو أعظمُ منهم أمرٌ خارقٌ للعادة، ومنوظٌ بقوَّةٍ مَلَكية، بل بما هو فوقَها، أو
المراد: لو اّلعتَ عليهم بنفسك من غير أن نُطلعَك عليهم لولَّيتَ منهم
فراراً ... إلخ، واطلاعه عليه الصلاة والسلام على ما اطّلع عليه كان بإِطلاع اللهِ
عزَّ وجلَّ إياه، وفرقٌ بين الاطّلاعين.
يُحكَى أنَّ موسى عليه السلام وَجِعه بطنُه، فشكى إلى ربِّه سبحانه، فقال له:
اذهب إلى نباتِ كذا في موضع كذا فكُلْ منه، فذهب وأكل، فذهب ما كان يجد، ثم
عاوَدَه ذلك بعدَ سنوات، فذهب إلى ذلك النباتِ فأكل منه، فلم ينتفعْ به، فقال:
يا ربِّ، أَنت أَعلم، وجعني بطني في سَنَة كذا، فأَمرتَني أن أذهب إلى نبات كذا،
فذهبتُ فأكلت فانتفعت، ثم عاوَدَني ما كنت أَجد، فذهبت إلى ذلك وأكلتُ فلم
أنتفع، فقال سبحانه: أَتدري يا موسى ما سببُ ذلك؟ قال: لا ياربِّ، قال: السببُ
أنَّك في المرَّة الأولى ذهبت منَّا إلى النبات، وفي المرة الثانيةِ ذهبتَ من نفسك إليه.
وممَّا يُستهجَن من القول ما يُحكَى عن بعض المتصوِّفةِ أنَّه سمع قارئاً يقرأ هذه
(١) الدر المنثور ٢١٤/٤، وهو في تفسير عبد الرزاق ٣٩٦/١ من طريق قتادة عن ابن عباس.
(٢) الدر المنثور ٢١٥/٤، وفتح الباري ٥٠٣/٦، وسنده ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر.

الآية : ١٩
٢٤٣
سُورَةُ الكَهْفِ
الآية فقال: لو اطّلعتُ أنا ما ولَّيت منهم فراراً، وما ملئتُ منهم رُعباً. وما نُقل عن
بعضهم من الجواب بأنَّ مرادَ قائلِهِ إثباتُ مرتبةِ الطفوليةِ لنفسه؛ فإنَّ الطفلَ لا يهاب
الحيةَ مثلاً إذا رآها، ولا يفرِّق بينها وبين الحبل، على تقدير تسليم أنَّ مرادَه ذلك،
لا يَدفع الاستهجان، وذلك نظيرُ قولِ مَن قال: إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يعلم
الغيبَ، على معنى أنَّه لا غيبَ بالنّسبة إليه عزَّ وجلَّ ليتعلَّقَ به علمُه، ولَنِعمَ ما قال
عمرُ نَّهِ: كلِّموا الناسَ بما يفهمون، أَتريدون أن يكذَّبَ اللهُ تعالى ورسولُهُ وَلِ؟
هذا وقرأ ابنُ عباسٍ والحِرْمِيان وأبو حَيوةَ وابنُ أبي عبلة: ((وَلَملِّنتَ)) بتشديد
اللام والهمزة. وقرأ أبو جعفرٍ وشيبةُ بتشديد اللامِ وقلبِ الهمزة ياءً. وقرأ الزهريُّ
بالتخفيف والقلب(١).
وقرأ أبو جعفرٍ وعيسى: ((رُعُباً)) بضمِّ العين(٢).
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ﴾ أي: كما أَنمناهم هذه الإِنامةَ الطويلة - وهي المفهومةُ
مما مرّ - أَيقظناهم، فالمشبّه الإيقاظ، والمشبّه به الإِنامة المشارُ إليها، ووجهُ الشَّبه
كونُ كلٍّ منهما آيَةٌ دالَّةٌ على كمال قدرتِهِ الباهرةِ عزَّ وجلّ.
لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليسألَ بعضُهم بعضاً، فيترتَّب عليه ما فُصِّل من الحِكَم
البالغة، وجَعْلُهُ علَّةً للبعث المعلَّلِ بما سبق فيما سبق قيل: من حيث إنَّه من أحكامه
المترتّبةِ عليه، والاقتصارُ على ذِكره لاستتباعه لسائر آثارِهِ. وجعل غيرُ واحدٍ اللامَ
للعاقبة، واستظهره الخَفَاجي(٣)، وادَّعى أنَّ مَن فعل ذلك لاحظَ أنَّ الغرضَ من فعله
تعالى شأنُه إِظهارُ كمالٍ قدرته، لا ما ذُكر من التساؤل، فتأمَّل.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ لبيان تساؤلهم ﴿قَآَبِلٌ مِّنْهُمْ﴾ قيل: هو كبيرُهم مكسلمينا،
وقيل: صاحبُ نفقتِهم يمليخا: ﴿كَمْ لِثْتُمْ﴾ أي: كم يوماً أَقمتم نائمين، وكأنَّه
قال ذلك لِمَا رأى من مخالفة حالِهِم لِمَا هو المعتادُ في الجملة. وقيل: راعَهُم
ما فاتهم من الصلاةِ فقالوا ذلك.
(١) البحر المحيط ١١٠/٦، وقراءة الحرميين في التيسير ص١٤٣، والنشر ٣١٠/٢، وقراءة
أبي جعفر في النشر.
(٢) البحر ٦/ ١١٠، وهي قراءة ابن عامر والكسائي ويعقوب. التيسير ص٩١، والنشر ٢١٦/٢.
(٣) في حاشيته ٦/ ٨٤.

سُورَةُ الكَهْفِّ
٢٤٤
الآية : ١٩
﴿قَالُواْ﴾ أي: قال بعضُهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَّوْرِّ﴾((أو)) للشكِّ كما قاله غيرُ
واحد، والمراد: لم نتحقَّق مقدارَ لَبثنا، أي: لا ندري أنَّ مدةَ ذلك هل هي مقدارُ
مدةِ يومٍ أو مقدارُ مدَّة بعضٍ منه. والظاهرُ أنَّهم قالوا ذلك لأنَّ لُوثةَ النومِ لم تذهب
من بصرهم وبصيرتهم، فلم ينظروا إلى الأَمارات، وهذا مما لا غبارَ عليه، سواءٌ
كان نومُهم وانتباهُهم جميعاً أو أحدُهما في النهار، أم لا .
والمشهورُ أنَّ نومَهم كان غُدوةً وانتباهُهم كان آخرَ النهار، فلم يدروا أنَّ
انتباهَهم في اليوم الذي ناموا فيه أم في اليوم الذي بعده، فقالوا ما قالوا.
واعتُرض بأنَّ ذلك يقتضي أن يكونَ التردُّد في بعض يومٍ ويومٍ وبعض، ومن هنا
قيل: إنَّ ((أو)) للإضراب، وذلك أنَّهم لمَّا انتبهوا آخرَ النهارِ وكانوا في جوف الغارِ
ولُوثةُ النومِ لم تفارقْهم بعد، قالوا قبلَ النظر: ((لبثنا يوماً)) ثم لمَّا حقَّقوا أنَّ الشمسَ
لم تغرب بعد، قالوا: ((أو بعض يوم)).
وأنت تعلم أنَّ الظاهرَ أنَّها للشك، والاعتراضُ مندفعٌ بإِرادة ما سمعتَ منه،
نعم هو في ذلك مجاز.
وحكى أبو حيَّان(١) أنَّها للتفصيل، على معنى: قال بعضُهم: لبثنا يوماً، وقال
آخَرون: لبثنا بعضَ يوم، وقولُ كلِّ مبنيٌّ على غالب الظنِّ على ما قيل، فلا يكون
كذباً .
ولا يخفَى أنَّ القول بأنَّها للتفصيل ممَّا لا يكاد يذهب إليه الذِّهن، ولا حاجةً
إلى بناء الأمرِ على غالب الظنِّ لنفي أن يكونَ كذباً، بناءً على ما ذكرنا من أنَّ
المرادَ: لم نتحقَّق مقدارَه، كما ذكره أهلُ المعاني في قول النبيِّ وَّ - وقد سلّم
سهواً من صلاةٍ رُباعيةٍ فقال له ذو اليدين: أَقَصُرَتْ الصلاةُ أم نسيتَ يا رسولَ الله؟ -:
((كلُّ ذلك لم يكن))(٢).
﴿قَالُواْ﴾ أي: قال بعضٌ آخَرُ منهم، استدلالاً أو إلهاماً: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا
(١) في البحر ٦/ ١١٠.
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة له. ولفظ البخاري: ((لم
أنسَ ولم تقصر)).

الآية : ١٩
٢٤٥
سُورَةُ الكَهْفِ
لَبِئْتُمْ﴾ أي: أنتم لا تعلمون مدَّةَ لَبثكم، وإنَّما يعلمها الله سبحانه، وهذا ردٌّ منهم
على الأوَّلين على أحسنِ ما يكون من مراعاة حُسنِ الأدب، وبه - كما قيل - يتحقَّق
التحزُّب إلى الحِزبين المعهودَين فيما سبق.
وقيل: قائلُ القولين متَّحد، لكن الحالةَ مختلفة.
وتعقّب بأنَّه لا يساعده النظمُ الكريم؛ فإنَّ الاستئنافَ في الحكاية والخطابَ في
المحكيِّ يقضي بأنَّ الكلامَ جارٍ على منهاج المحاورةِ والمجاوبة، وإلَّ لقيل: ثم
قالوا: ربُّنا أعلمُ بما لبثنا.
﴿فَأَبْعَثُّواْ أَحَدَكُمْ﴾ أي: واحداً منكم، ولم يقل: واحدَكم؛ لإِيهامه إرادةً
سيِّدكم، فكثيراً ما يقال: جاء واحدُ القوم، ويراد سيِّدُهم.
﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: بدراهمكم المضروبة، كما هو مشهورٌ بين اللغويين، وقيل:
الوَرِقِ: الفضةُ مضروبةً أو غيرَ مضروبة، واستُدلَّ عليه بما وقع في حديث عَرْفَجةً
أنَّه لما قُطِع أنفُه اتَّخذ أنفاً من وَرِق، فأَنتن، فانَّخذ أنفاً من ذهب (١). فإنَّ الظاهرَ
أنَّه أطلق فيه الوَرِق على غير المضروبِ من الفضَّة. وقولُ الأصمعيِّ - كما حكى
عنه القُتيبي -: الوَرق في الحديث بفتح الرَّاء، والمرادُ به الوَرَقُ الذي يُكتب فيه؛
لأنَّ الفضةَ لا تُنتن = لا يعوَّل عليه، والنَّتْنُ الذي ذكره لا صحَّة له.
وقرأ أبو عَمرو، وحمزة، وأبو بكر، والحسن، والأعمش، واليزيديّ، ويعقوبُ
في رواية، وخَلَف، وأبو عُبَيد، وابنُ سعدان: ((بِوَرْقِكم)) بإِسكان الراء(٢).
وقرأ أبو رجاءٍ بكسر الواو وإسكانِ الراءِ وإِدغام القافِ في الكاف. وكذا
إسماعيلُ عن ابن مُحَيصن، وعنه أيضاً أنَّه قرأ كذلك إلَّا أنَّه کسر الراء(٣)، لئلا يلزمَ
التقاء الساكنين على غير حدِّه كما في الرِّواية الأخرى، وبهذا اعتُرض عليها.
(١) أخرجه أحمد (٢٠٢٦٩)، وأبو داود (٤٢٣٢)، والترمذي (١٧٧٠) - وحسّنه - من حديث
عرفجة بن أسعد په.
(٢) البحر المحيط ٦/ ١١٠، وقراءة أبي عمرو وحمزة وأبي بكر في التيسير ص١٤٣، والنشر
٣١٠/٢، وقراءة يعقوب وخلف في النشر.
(٣) ذكر هذه القراءات صاحب البحر ١١٠/٦-١١١.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٤٦
الآية : ١٩
وأُجيب بأنَّ ذلك جائزٌ وواقعٌ في كلام العرب، لكن على شذوذ. وقد قُرئ: (نِعْمًا))
بسكون العينِ والإِدغام(١)، وما قيل: إنَّه لا يمكن التلفُّظُ به، قيل عليه: إنَّه سهو.
وحكى الزجَّاج أنَّ قُرئ بكسر الواوِ وسكونِ الراءِ من غير إِدغام(٢).
وقرأ عليٌّ كَرَّم اللهُ تعالى وجهَه: ((بوارقكم)) على وزن فاعل، جعله اسمَ جمع،
کباقر وحامل.
ووصفُ الوَرِق بقوله تعالى: ﴿هَذِهِ﴾ يُشعر بأنَّ القائلَ أَحضرها لِيناولَها بعضَ
أصحابه، وإِشعارُه بأنَّه ناولها إيَّاه بعيد، وفي حملهم لها دليلٌ على أنَّ التأهّب
لأسباب المعاشِ لمن خرج من منزله بحمل النفقةِ ونحوِها لا ينافي التوُّلَ على الله
تعالى، كما في الحديث: ((إِعقِلها وتوثَّل))(٣) نعم قال بعضُ الأَجِلَّة: إنَّ توكُّل
الخواصِّ تركُ الأسبابِ بالكلِّية، ومن ذلك ما رُوي عن خالد بن الوليد من شُرب
السُّمّ، ومشي سعدٍ بن أبي وقَّاص وأبي مسلم الخولانيِّ بالجيوش على متنِ البحر،
ودخولِ تميمٍ في الغار التي خرجت منه نارُ الحَرَّة ليردَّها بأمر عمرَ ◌َُّهَ(٤).
وقد نصَّ الإِمامُ أحمدُ وإسحاقُ وغيرُهما من الأئمّة على جواز دخولِ المفاوزِ
بغير زاد، وتركِ التكسُّب والتطبُّبِ لمن قَوِي يقينُه وتوكُّله، وفسَّر الإِمامُ أحمدُ
التوُّلَ بقطع الاستشرافِ باليأس من المخلوقين، واستدلَّ عليه بقول إِبراهيمَ عليه
السلام حين عرض له جبريلُ عليه السلام يوم أُلقي في النار وقال له: ألكَ حاجة؟:
أمَّا إليك فلا(٥) .
وليس طرحُ الأسبابِ سبيلَ توكُّلِ الخواصِّ عند الصوفيةِ فقط كما يُشعر به كلامُ
بعضٍ الفضلاء، بل جاءً عن غيرهم أيضاً .
(١) التيسير ص٨٤، والنشر ٢٣٥/٢-٢٣٦.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٧٥/٣، ونقله المصنف عن البحر ١١١/٦، وكذا ما بعده.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) عن أنس ﴿ه، وسلف ٩٨/٥، و٤١٤/١٢.
(٤) قصة خالد أخرجها أحمد في فضائل الصحابة (١٤٧٨) و(١٤٨١)، وقصة سعد ذكرها الطبري
في تاريخه ٩/٤، وقصة أبي مسلم أخرجها البيهقي في الدلائل ٦/ ٥٤ وصحح إسنادها،
وقصة تميم أخرجها بحشل في تاريخ واسط ص ٢٣١، والبيهقي في الدلائل ٦/ ٨٠.
(٥) طبقات الحنابلة ٣٧٢/١، وجامع العلوم والحكم ص ٤١٢-٤١٣ (طبعة دار المعرفة).

الآية : ١٩
٢٤٧
سُورَةُ الكَهْفِ
﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ المعهودة، وهي المدينةُ التي خرجوا منها، قيل: وتسمَّى الآن
طرسوس، وكان اسمُها يومَ خرجوا منها أفسوس، وبهذا يجمع بين الرِّوايتين
السابقتين، وكان هذا القولُ صدر منهم إعراضاً عن التعمُّق في البحث، وإقبالاً على
ما يهمُّهم بحسب الحالِ كما ينبئُ عنه الفاء.
وذكر بعضُهم أنَّ ذلك من باب الأُسلوبِ الحکیم، کقوله:
وقد رأتِ الضِّيفانَ يَنحونَ منزلي
أَنَّت تشتكي عندي مزاولةَ القِرَی
هم الضيفُ جِدِّي في قِراهم وعجِّلي(١)
فقلت كأني ما سمعتُ كلامَها
﴿فَلَيَنْظُرْ أَيُّ أَزَكَى طَعَامًا﴾ أي: أَحلُّ؛ فإنَّ أهلَ المدينةِ كانوا في عهدهم
يذبحون للطواغيت، كما روى سعيد بن منصورٍ وغيرُه عن ابنِ عباس. وفي روايةٍ
أخرى أنَّهم كانوا يذبحون الخنازير. وقال الضحَّاك: إنَّ أكثرَ أموالهِم كانت
مغصوبة .
فَأَزْكَى من الزكاة، وأصلُها النموُّ والزيادة، وهي تكون معنويةً أخروية، وحسِّيةً
دنيوية، وأُريد بها الأولى؛ لما في توخِّي الحلالِ من الثواب وحُسنِ العاقبة.
وقال ابنُ السائبِ ومقاتل: أي: أَطيب. فإنْ كان بمعنى أحلّ - لأنَّه يُطلَق
عليه - رجع إلى الأوَّل، وإنْ كان بمعناه المتبادر، فالزيادةُ قيل: حِسِّيةٌ دنيوية.
وقال عِكرمة: أي: أكثر. وقال يمان بنُ ريَّان(٢): أي: أَرخص. وقال قتادة:
أي: أَجود. وهو أَجود. وعليه وكذا على سابقَيه - على ما قيل - تكونُ الزيادةُ حِسِّيَةً
دنيويةً أيضاً.
وزعم بعضُهم أنَّهم عَنَوا بالأَزكى الأَرُزّ. وقيل: التمر. وقيل: الزَّبيب. وحُسنُ
الظنِّ بالفتية يقتضي أنَّهم تحرَّوا الحلال.
والنظرُ يحتمل أن يكونَ من نظر القلب، وأن يكونَ من نظر العين، و((أي))
استفهامٌ مبتدأ، و((أزكى)) خبرُه، والجملةُ معلَّق عنها الفعلُ للاستفهام.
(١) الإيضاح في علوم البلاغة ص٧٦ دون نسبة.
(٢) كذا في الأصل و(م) والبحر ١١١/٦، ولعل الصواب: يمان بن رئاب. ينظر البحر ٢١/١
و ٣٥٣/٤، والميزان ٤/ ٤٦٠.

سُورَّةُ الكَهْفِ
٢٤٨
الآية : ١٩
وجوِّز أن تكونَ ((أي)) موصولاً مبنيًّا مفعولاً لـ ((ينظر))، و((أزكى)) خبرُ مبتدأ
محذوفٍ هو صدرُ الصلة.
وضميرُ ((أيها)) إمَّا للمدينة، والكلامُ على تقديرِ مضاف، أي: أيُّ أهلِها، وإمَّا
للمدينة مراداً بها أهلُها مجازاً، وفي الكلام استخدامٌ ولا حذف، وإمَّا لِمَا يُفهَم من
سياق الكلام، كأنَّ قيل: فلْينظرْ أيُّ الأطعمةِ أو المَآكلِ أزكى طعاماً ﴿فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ
مِنْهُ﴾ أي: من ذلك الأَزكَى طعاماً، فـ ((من)) لابتداء الغاية، أو التبعيض.
وقيل: الضميرُ للوَرِق، فتكون ((مِن)) للبدل.
ثم إنَّ الفتيةَ إنْ لم يكن تحرَّوا الحلالَ سابقاً، فليكن مرادُهم بالرِّزق هنا الحلالَ
وإن لم یکن مختصًّا به عندنا .
واستُدلَّ بالآية - وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى ما يُعلَم منه ما فيه - على صحَّة
الوكالةِ والنّيابة. قال ابنُ العربي(١): وهي أَقوى آيةٍ في ذلك، وفيها - كما قال
الكيا(٢)- دليلٌ على جواز خلطِ دراهم الجماعة والشراءِ بها، والأكلِ من الطعام
الذي بينهم بالشَّركة وإنْ تفاوتوا في الأكل، نعم لا بأسَ للأَكول أن يزيدَ حصَّتَه من
الدراهم.
﴿وَلْيَتَطَّفْ﴾ أي: وليتكلَّف اللطفَ في المعاملة؛ كيلا تقعَ خصومةٌ تجرُّ إلى
معرفته. أو: ليتكلَّف اللطفَ في الاستخفاءِ دخولاً وخروجاً.
وقيل: ليتكلَّف ذلك كي لا يُغبَن، فيكون قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ
أَحَدًا ﴾﴾ - أي: لا يفعلنَّ ما يؤدِّي إلى شعور أحدٍ من أهل المدينة بكم - تأسيساً
على هذا، وهو على الأوَّلَين تأكيدٌ للأمر بالتلُف وتفسيرُه بما ذُكر من باب
الكناية، نحو: لا أَرينَّك هاهنا، وفسَّره الإِمام(٣) بـ: لا يُخبِرَنَّ بكم أحداً، فهو
على ظاهره.
وقرأ الحسن: ((وليتلطّفْ)) بكسر لام الأمر. وعن قتيبة الميَّل: ((وليُلَظّفْ)) بضمِّ
(١) في أحكام القرآن ١٢١٦/٣.
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٢٦٥.
(٣) في التفسير الكبير ٢١/ ١٠٣.

الآية : ٢٠
٢٤٩
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
الياءِ مبنيًّا للمفعول. وقرأ هو وأبو صالح ويزيدُ بن القعقاع: ((ولا يَشعُرن بكم أحدٌ))
ببناءِ الفعلِ للفاعل ورفع ((أحد)) على أنَّهَ الفاعل(١).
وَإِنَّهُمْ﴾ تعليلٌ لما سبق من الأَمر والنَّهي، والضميرُ للأهل المقدَّر في ((أيُّها))،
أو للكفَّار الذي دلَّ عليه المعنى، على ما اختاره أبو حيَّان، وجوَّز أن يعودَ على
((أحد)) لأنَّه عامٌ، فيجوز أن يُجمعَ ضميرُه، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُرُ مِّنْ أَحَدٍ
عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧](٢).
﴿إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يطّلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم، أو: يظفروا بكم،
وأصلُ معنى ظَهَرَ: صار على ظهر الأرض. ولمّا کان ما علیھا یشاهَد ویتمگَّن منه،
استُعمل تارةً في الاطّلاع، وتارةً في الَّفَرِ والغَلَبة، وعُدِّي بـ ((على)).
وقرأ زيدُ بن عليّ: ((يُظهَروا)) بضمِّ الياءِ مبنيًّ للمفعول(٣) .
﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ إنْ لم تفعلوا ما يريدونه منكم وثبتُّم على ما أنتم عليه. والظاهرُ
أنَّ المرادَ القتلُ بالرَّجم بالحجارة، وكان ذلك عادةً فيما سلف فيمَن خالف في أمرٍ
عظيم؛ إذ هو أَشفَى للقلوب، وللناس فيه مشاركة. وقال الحجّاج(٤): المرادُ الرجم
بالقول، أي: السَّبّ، وهو للنفوس الأبيةِ أَعظمُ من القتل.
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي: يصيِّروكم إليها ويُدخلوكم فيها مكرَهين، والعودُ
في الشيءٍ بهذا المعنى لا يقتضي التلبُّسَ به قبل. ورُوي هذا عن ابن جُبَير.
وقيل: العَودُ على ظاهره، وهو رجوعُ الشخصٍ إلى ما كان عليه، وقد كان
الفتيةُ على مِلَّة قومِهم أوَّلاً .
وإيثارُ كلمةِ ((في)) على كلمة إلى، قال بعضُ المحقّقين: للدَّلالة على الاستقرار
الذي هو أشدُّ كراهة، وتقديمُ احتمالِ الرَّجم على احتمال الإِعادة؛ لأنَّ الظاهرَ من
حالهم هو الثباتُ على الدِّين المؤدِّي إليه.
(١) البحر المحيط ١١١/٦، وقتيبة هو ابن مهران الأزاذاني صاحب الإمالات المنكرة، صحب
الكسائيَّ وغيره. معرفة القراء الكبار ٣٥٦/١.
(٢) المصدر السابق.
(٣) البحر المحيط ١١١/٦.
(٤) لعله حجاج بن محمد المصِّيصي، فقد أخرجه الطبري ٢١٥/١٥ من طريقه عن ابن جريج.

سُوَرَةُ الكَهْفِ
٢٥٠
الآية : ٢١
وضميرُ الخطابِ في المواضع الأربعةِ للمبالغة في حمل المبعوثِ على ما أُريد
منه، والباقين على الاهتمام بالتوصية؛ فإنَّ إِمِحاضَ النصحِ أَدخلُ في القَبول،
واهتمامَ الإِنسان بشأن نفسِه أكثرُ وأَوفر.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا (®﴾ أي: إنْ دخلتم فيها حقيقةً ولو بالكُره والإِلجاء،
لن تفوزوا بخير، لا في الدُّنيا ولا في الآخرة. ووجهُ الارتباطِ على هذا أنَّ الإكراهَ
على الكفر قد يكون سبباً لاستدراج الشيطانِ إلى استحسانه والاستمرارِ عليه،
وبما ذُكر سقط ما قيل: إنَّ إظهارَ الكفرِ بالإِكراه مع إيطان الإِيمان معفوٌّ في جميع
الأَزمان، فكيف رتِّب عليه عدمُ الفلاحِ أبداً؟ ولا حاجةَ إلى القول بأنَّ إظهارَ الكفرِ
مطلقاً كان غيرَ جائزٍ عندهم، ولا إلى حملٍ ((يعيدوكم في ملتهم)) على: يميلوكم
إليها بالإِكراه وغیرِه، فتدبّر.
ثم إنَّ الفتيةَ بعثوا أحدَهم وكان - على ما قال غيرُ واحد - يمليخا، فكان
ما أَشار الله تعالى إليه بقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أَنمناهم
وبعثناهم، فالإِشارةُ إلى الإِنامة والبعث، والإِفرادُ باعتبار ما ذُكر ونحوِهِ. وقال
العزُّ بن عبدِ السلام في ((أماليه)): الإشارةُ إلى البعث المخصوص، وهو البعثُ بعد
تلك الإنامةِ الطويلة.
وأصلُ العثور - كما قال الراغب(١) - السقوطُ للوجه، يقال: عثر عُثوراً وعِثاراً:
إذا سقط لوجهه، وعلى ذلك قولُهم في المَثَل: الجوَادُ لا يكاد يعثر، وقولُهم: مَن
سلك الجَدَدَ أَمِنَ العِثار، ثم تجوِّز به في الاطلاع على أمرٍ من غير طلبِهِ .
وقال الإِمام المطرِّزي: لمَّا كان كلُّ عائرٍ ينظر إلى موضع عَثرته، وَرَدَ العثورُ
بمعنى الاطّلاع والعِرفان(٢)، فهو في ذلك مجازٌ مشهورٌ بعلاقة السببية، وإنْ أَوهم
ذِكر اللغويين له أنَّه حقيقةٌ في ذلك، وجعله الغوريُّ حقيقةً في الاطلاع على أمرٍ كان
خفيًّا، وأمرُ التجوُّز على حاله.
(١) في المفردات (عثر).
(٢) انظر المُغْرِب (عثر) ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٨٦/٦.

الآية : ٢١
٢٥١
سُورَّةُ الكَهْفِ
ومفعولُ ((أعثرنا)) الأوَّلُ محذوفٌ لقصد العموم، أي: وكذلك أَطلعنا الناسَ
عليهم. وقال أبو حيَّان(١): أهلَ مدينتهم.
﴿لِيَعْلَمُواْ﴾ أي: الذين أَطلعناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم العجيبةِ ﴿أَنَّ
وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: وعدَه سبحانه وتعالى بالبعث، على أنَّ الوعدَ بمعناه المصدريّ،
ومتعلَّقه مقدَّر. أو موعودَه تعالى شأنُه الذي هو البعث، على أنَّ المصدرَ مؤوَّل
باسم المفعول، والمراد: موعودَه المعهود، ويجوز أن يرادَ كلُّ وعدِه تعالى، أو كلُّ
موعودِه سبحانه، ويدخل في ذلك ما ذُكر دخولاً أوليًّا .
﴿حَقٌّ﴾ صادقٌ لا خُلفَ فيه، أو ثابتٌ متحقِّق سيقع ولا بدّ، قيل: لأنَّ نومَهم
الطويلَ المخالفَ للمعتاد وانتباهَهم كالموت والبعث.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ أي: القيامةَ التي هي في لسان الشرع عبارةٌ عن وقت بعثٍ
الخلائقِ جميعاً للحساب والجزاءِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: ينبغي ألَّا يرتابَ الآن في
إِمكان وقوعِها؛ لأنَّه لا يبقَى بيد المرتابين في ذلك بعدَ النظرِ والبحثِ سوى
الاستنادِ إلى الاستبعاد، وعلمُهم بوقوع ذلك الأمرِ الغريبِ والحال العجيبِ الذي
لو سمعوه ولم يتحقَّقوا وقوعَه لَاستبعدوه وارتابوا فيه ارتيابَهم في ذلك، يكسرُ شوكةً
ذلك الاستبعاد، ويَهدمُ ذلك الاستناد، فينبغي حينئذٍ ألَّا يرتابوا.
وقال بعضُ المحقّقين في توجيه ترتُّب العلم بما ذُكر على الاطّلاع: إنَّ مَن
شاهد أنَّه جلَّ وعلا توقَّى نفوسَهم وأَمسكها ثلاثَ مئة سنةٍ وأكثر، حافظاً أبدانَها من
التحلُّل والتفتُّت، ثم أَرسلها إليها، لا يبقَى معه شائبةُ شكِّ في أنَّ وعدَه تعالى حقّ،
وأَنَّه تعالى يبعث من في القبور، فيردُّ عليهم أرواحَهم، فيحاسبهم ويجازيهم بحسَب
أعمالهم. اهـ.
وأنت تعلم أنَّ في استفادة العلم بالمحاسبة والمجازاةٍ من الاطّلاع على حال
القومِ نظراً .
واعتُرض بأنَّ المطلوبَ في البعث إعادةُ الأبدانِ بعد تفرُّق أجزائها، وما في
القصّة طولُ حفظِ الأَبدان، وأين هذا مِن ذاك؟ والقولُ بأنَّه متى صحَّ طولُ حفظ
-
(١) في البحر ٦/ ١١٢.

سُودَةُ الْكھْفِ
٢٥٢
الآية : ٢١
الأَبدان المحتاجةِ إلى الطَّعام والشَّراب، صحَّ قدرتُه سبحانه على إعادتها(١) بعد
تفرُّق أجزائها بطريق الأَوْلى = غيرُ مسلَّم.
وأُجيب بأنَّ طولَ الحفظِ المذكورِ يدلُّ على قدرته تعالى على ما ذُكر بطريق
الحدس، فليُتدبَّر.
ولعل الأَظهرَ توجيهُ الترتُّب بما ذكره أوَّلاً، وتوضيحُه: أنَّ حالَ الفتيةِ حيث
ناموا في تلك المدَّةِ المديدة، والسنينَ العديدة، وحُبست عن التصرُّف نفوسُهم،
وتعطّلت مشاعرُهم وحواسُهم، من غير تصاعدِ أبخرةٍ شرابٍ وطعام، أو نزولِ عللٍ
وأَسقام، وحُفظت أبدانُهم عن التحلُّل والتفتُّت، وأُبقيت على ما كانت عليه من
الطَّراوة والشبابِ في سالف الأَعوام، حتى رجعت الحواسُّ والمشاعرُ إلى حالها،
وأُطلقت النفوسُ من عِقالها، وأُرسلت إلى تدبير أبدانِها، والتصرُّفِ في خدَّامها
وأَعوانها، فرأت الأمرَ كما كان، والأعوانَ هم الأعوان، ولم تُنكر شيئاً عهدته في
مدينتها، ولم تتذكَّر طولَ حبسِها عن التصرُّف في سرير سلطنِتها، وحالَ الذين
يقومون من قبورهم، بعدما تعطّلت مشاعرُهم وحُبِست نفوسُهم، ثم لمَّا أُطلقت
وجدت ربوعاً عامرة، ومنازلَ كأنَّها لم تكن دائرة، قائلين قبل أن يكشّرَ عن أنيابه
العَنا: مَن بعثنا مِن مرقدنا = في الغرابة (٢) من صُقعٍ واحد، ولا ينكر ذلك إلَّا
جاهلٌ أو معاند، ووقوعُ الأوَّلِ يزيل الارتيابَ في إِمكان وقوع الثاني، حيث كان
مستنداً إلى الاستبعاد في الحقيقة كما سمعتَ فيما قبلُ لبطلانَ أدلَّةِ النافين للحشر
الجسمانيّ.
نعم في ترتّب العلم بأنَّ البعثَ سيقع لا محالةً على نفس الاطلاع على حال
الفتيةِ خفاء؛ فإنَّ الظاهرَّ أنَّ العلمَ المذكورَ إنما يترتَّب على إِخبار الصادقِ بوقوعه
وعلى إِمكانه في نفسه، لكن لمَّا كان الاطلاعُ المذكورُ سبباً للعلم بالإِمكان، وكان
كالجزء الأخير من العِلَّة بالنسبة للكفَّار الذين بلغهم خبرُ الصادق، قيل بترتُّب العلم
بذلك عليه، وكذا في ترتُّب العلم بأنَّ كلَّ ما وعده اللهُ تعالى حقٌّ على نفس الاطّلاع
خفاء. ولم أرَ مَن تعرَّض لتوجيهه من الفضلاء، فتأمَّل.
(١) في (م): إعادتهما.
(٢) خبر لقوله: أن حال الفتية ...

الآية : ٢١
٢٥٣
سُودَةُ الگھْفِٹ
ثم لا يخفى أنَّ ذِكرَ قولِه تعالى: (وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) بعد قولِه سبحانه:
(أَنَ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ) على التفسير الذي سمعتَ مما لا غبارَ عليه، وليس ذلك من
ذِكر الإِمكانِ بعد الوقوعِ ليلغوَ كما زعمه مَن زعمه.
وقال بعضُهم: إنَّ الظاهرَ أنَّ يفسّر قولُه تعالى: (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٍّ) بأنَّ كلَّ
ما وعده سبحانه متحقِّق، ويُجعلَ قولُه تعالى: (وَأَنَّ السَّاعَةً لَا رَيْبَ فِيهَا) تخصيصاً
بعد تعميم، على معنى: لا ريبَ في تحقُّقها، وهو وجهٌ في الآية، إلّا أنَّ في دعوى
الظهورِ مقالاً، فلا تغفُل.
﴿إِذْ يَتَزَعُونَ﴾ ظرفٌ لـ ((أعثرنا عليهم))؛ قدِّم عليه الغايةُ إِظهاراً لكمال العنايةِ
بذِكرها. وجوَّز أبو حيَّان وأبو البقاءِ(١) وغيرُهما كونَه ظرفاً لـ ((يعلموا)). وتعقّب بأنه
يدلُّ على أنَّ التنازعَ يحدث بعد الإِعثار، مع أنَّه ليس كذلك، وبأنَّ التنازعَ كان قبلَ
العلم وارتفع به، فكيف يكون وقتُه وقتَه؟ وللمناقشة في ذلك مجال. وجوِّز أن
يكونَ ظرفاً لـ ((حَق))، أو لـ ((وعد)). وهو كما ترى.
وأصلُ التنازعِ التجاذبُ، ويعبّر به عن التخاصُم، وهو باعتبار أصلٍ معناه
يتعدَّى بنفسه، وباعتبار التخاصم يتعدَّى بـ ((في))، كقوله تعالى: ﴿فَإِن تَعْنُمْ فِى شَىْءٍ﴾
[النساء: ٥٩].
وضميرُ (يَتَزَعُونَ) لِمَا عاد عليه ضميرُ ((ليعلموا)) أي: وكذلك أَعثرنا على
أصحاب الكهفِ الناسَ - أو أهلَ مدينتِهم - حين يتنازعون ﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمّ﴾
ويتخاصمون فيه؛ ليرتفعَ الخلافُ ويتبيّن الحقّ. وضميرُ ((أمرهم)) قيل: عائدٌ أيضاً
على مفعول ((أعثرنا)).
والمرادُ بالأمر البعث، ومعنى إِضافتِه إليهم اهتمامُهم بشأنه، والوقوفُ على
حقيقة حالِهِ. وقد اختلفوا فيه، فمن مُقرِّ به وجاحد، وقائلٍ يقول: تُبعث الأرواحُ
دون الأَجساد، وآخر يقول ببعثهما معاً، كما هو المذهبُ الحقُّ عند المسلمين.
رُوي أنَّه بعد أن ضرب اللهُ تعالى على آذان الفتيةِ ومضى دهرٌ طويل، لم يبقَ
أحدٌ من أمَّتهم الذين اعتزلوهم، وجاء غيرُهم، وكان مَلِكُهم مسلماً، فاختلف أهلُ
(١) البحر ١١٢/٦-١١٣، والإملاء ٥١٠/٣.

سُوَدَّةُ الكَهْفِِ
٢٥٤
الآية : ٢١
مملكتِهِ في أمر البعثِ حَسبما فصِّل، فشقَّ ذلك على الملك، فانطلق فلبس المُسوحَ
وجلس على الرَّماد، ثم دعا اللهَ عزَّ وجلَّ فقال: أيْ ربِّ، قد ترى اختلافَ هؤلاء،
فابعثْ لهم آيَةً تبيِّن لهم، فقيَّض اللهُ تعالى راعي غنم أَدركه المطر، فلم يزل يعالج
ما سدَّ به دقيانوس بابَ الكهف، حتى فتحه وأَدخل غنمَه، فلمَّا كان الغدُ بُعثوا من
نومهم، فبعثوا أحدَهم ليشتريَ لهم طعاماً، فدخل السُّوق، فجعل يُنكر الوجوهَ
ويعرف الطُرق، ورأى الإِيمانَ ظاهراً بالمدينة، فانطلق وهو مستخفٍ حتى أتى
رجلاً يشتري منه طعاماً، فلمَّا نظر الوَرِقِ أَنكرها، حيث كانت من ضربٍ دقيانوس
كأنَّها أَخفافُ الرُّبَعُ(١)، فاتَّهمه بكنزٍ وقال: لَتدَّني عليه أو لأَرفعنَّك إلى الملك،
فقال: هي مِن ضرب الملك، أليس ملكُكم فلاناً؟ فقال الرجل: لا بل ملكُنا فلان،
وكان اسمُه يندوسيس، فاجتمع الناسُ وذهبوا به إلى الملكِ وهو خائف، فسأله عن
شأنه، فقصَّ عليه القِصّة، وكان قد سمع أنَّ فتيةً خرجوا على عهدٍ دقيانوس، فدعا
مشيخةَ أهلِ مدينته، وكان رجلٌ منهم عنده أَسماؤهم وأنسابُهم، فسأله فأَخبره
بذلك، وسأل الفتى فقال: صَدَق، ثم قال الملك: أيُّها الناس، هذه آيةٌ بعثها اللهُ
تعالى لكم، ثم خرج هو وأهلُ المدينةِ ومعهم الفتى، فلمَّا رأى الملكُ الفتية،
اعتنقهم وفَرِحَ بهم، ورآهم جلوساً مشرقةً وجوهُهم لم تَبلَ ثيابُهم، فتكلَّموا معه
وأَخبروه بما لقُوا من دقيانوس، فبينما هم بين يديه قالوا له: نستودعُك الله تعالى،
والسلامُ عليك ورحمةُ اللهِ تعالى، حفظك الله تعالى وحفظ ملكَك، ونعيذُك بالله
تعالى من شرِّ الإِنس والجِنّ، ثم رجعوا إلى مضاجعهم، فتوفَّاهم الله تعالى، فقام
الملكُ إليهم وجعل ثيابَه عليهم، وأمر أن يُجعلَ كلٌّ منهم في تابوتٍ من ذهب، فلمَّا
كان الليلُ ونام، أَتَوه في المنام فقالوا: أردتَ أن تجعلَ كلّ منَّا في تابوتٍ من
ذهب، فلا تفعلْ، ودعْنا في كهفنا، فمن التراب خُلقنا وإليه نعود، فجعلهم في
توابيتَ من ساجٍ وبنَى على باب الكهفِ مسجداً .
ويُروى أنَّ الفتى لمَّا أُتي به إلى الملك قال: مَن أنت؟ قال: أنا رجلٌ من أهل
هذه المدينة، وذكر أنَّه خرج أمسٍ أو منذ أيَّام، وذكر منزلَه وأقواماً لم يعرفهم أحد،
وكان الملكُ قد سمع أنَّ فتيةً قد فُقدوا في الزمان الأوَّل، وأن أَسماءهم مكتوبةٌ على
(١) يعني الإبل الصغار. تفسير عبد الرزاق ٣٩٥/١، وتفسير الطبري ١٩٨/١٥.

الآية : ٢١
٢٥٥
سُؤَدَّةُ الكَهْفِّ
لوحٍ في الخزانة، فدعا باللّوح ونظر في أسمائهم، فإذا هو من أولئك القوم، فقال
الفتّى: وهؤلاء أَصحابي، فركب القومُ ومَن معه، فلمَّا أَتَوا بابَ الكهفِ قال الفتى:
دعوني حتى أَدخلَ على أصحابي فأبشِّرَهم؛ فإنَّهم إذا رأوكم معي رُعبوا، فدخل
فبشَّرهم، وقبض اللهُ تعالى أرواحَهم، وعُمِّي على الملك ومَن معه أَثرُهم، فلم
يهتدوا إليهم، فبنَوا عليهم مسجداً، وكان وقوفُهم على حالهم بإِخبار الفتى وقد
اعتمدوا صِدقَه. وهذا هو المرادُ بالإِعثار عليهم. ورُوي غيرُ ذلك.
وقيل: ضميرُ ((أمرهم)) للفتية، والمرادُ بالأمر الشأنُ والحالُ الذي كان قبل
الإِعثار، أي: وكذلك أَعثرنا الناسَ على أصحاب الكهفِ حين تذاكُرِهم بينهم
أمرَهم، وما جرى لهم في عهد الملكِ الجبّار من الأحوال والأهوال، ولعلهم قد
تلقَّوا ذلك من الأساطير وأفواهِ الرِّجال، لكنَّهم لم يعرفوا هل بقُوا أحياءً أم حلَّ بهم
الفَناء؟
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ أَبْنُواْ﴾ بناءً على القول الأوَّل فصيحةٌ بلا ريب،
على دأب اختصارات القرآن، كأنَّه قيل: وكذلك أَعثرنا الناسَ على أصحاب
الكهفِ حين تنازُعِهم في أمر البعث، فتحقَّقوا ذلك وعلموا أنَّ هؤلاء آيةٌ من آياتنا،
فتوقّاهم الله تعالى بعد أنْ حصل الغرضُ من الإِعثار، فقالوا: ابنوا ... إلى آخره.
وكذلك على القولِ الثاني، كأنَّه قيل: وكذلك أَعثرنا الناسَ على أصحاب
الكهفِ حين تذاكُرِهم أمرَهم وما جرى لهم في عهد الملكِ الجبّار ولم يكونوا
عارفين بما هم عليه، فوقفوا من أحوالهم على ما وقفوا، واتَّضح لهم ما كانوا قد
جهلوا، فتوقَّاهم الله تعالى بعد أن حصل الغرضُ من الإِعثار، فقالوا ابنوا .. إلى
آخره، أي: قال بعضُهم: ابنوا ﴿عَلَيْهِم﴾ أي: على باب كهفِهم ﴿بُنْيَنًا﴾ نصب على
أنَّه مفعولٌ به.
وهو - كما قال الرَّاغب(١) - واحدٌ لا جمعَ له، وقال أبو البقاءِ(٢): هو
جمعُ بنيانة، كشَعير وشعيرة. وقيل: هو نصبٌ على المصدرية.
(١) في المفردات (بني).
(٢) في الإملاء ٣/ ٥١٠.

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٢٥٦
الآية : ٢١
وهذا القولُ من البعض عند بعضٍ كان عن اعتناءٍ بالفتية، وذلك أنَّهم ضئُّوا
بُتُربتهم، فطلبوا البناءَ على باب كهفِهم لئلا يتطرّقَ الناسُ إليهم.
وجوَّزوا في قوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ بعدَ القولِ بأنه اعتراضٌ أن يكونَ
من كلام المتنازعين المُعْثَرِين، كأنَّهم تذاكروا أمرَهم، وتناقلوا الكلامَ في أنسابهم
وأحوالِهِم ومدَّة لَبثهم، فلمَّا لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك، فوَّضوا العلمَ إلى الله تعالى
عَلَّامِ الغيوب.
وأن يكونَ من كلامه سبحانه ردًّا للخائضين في أمرهم: إمَّا من المعثَرين، أو
ممَّن كان في عهده وَِّ من أَهل الكتاب، وحينئذٍ يكون فيه التفاتٌ على أحدٍ
المذهبین.
وقيل: ضميرُ ((أمرهم)) للفتية، والمرادُ بالأمر الشأنُ والحالُ الذي كان بعد
الإِعِثار، على أنَّ المعنى: إذ يتنازعون بينهم تدبيرَ أمرِهم وحالهم حين توقُّوا كيف
يفعلون بهم، وبماذا يُجِلُّون قدرَهم. أو: إذ يتنازعون بينهم أَمرَهم من الموت
والحياة، حيث خفي عليهم ذلك بعدَ الإِعِثار، فلم يدروا هل ماتوا أو ناموا كما في
أوَّل مرة.
وعلى هذا تكون ((إذ» معمولاً لـ: اذكرْ مضمَراً، أو ظرفاً لقوله تعالى: ﴿قَالَ
الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىّ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا ﴾﴾ ويكون قوله تعالى: ((فقالوا))
معطوفاً على ((يتنازعون)) وإيثارُ صيغةِ الماضي للدَّلالة على أنَّ هذا القولَ ليس
مما يستمرُّ ويتجدَّد كالتنازع.
وصرَّح بعضُ الأجِلَّة أنَّ الفاءَ على أوَّل المعنيين للتعقيب، وعلى
ثانيهما فصيحة، كأنَّه قيل: اذكر حين يتنازعون في أنَّهم ماتوا أو ناموا، ثم فرغوا
من التنازُع في ذلك، واهتمُّوا بإِجلال قدرِهم وتشهيرِ أمرهم، فقالوا: ابنوا ... إلى
آخره.
وذكر الزمخشريُّ(١) احتمالَ كونِ ضميرٍ ((أمرهم)) للمعثَرين، وأنَّ المرادَ من
(أمرهم)) أمرُ دينهم، وهو البعث، واحتمالَ كونِ الضميرِ للفتية، والمعنى حينئذ: إذ
(١) في الكشاف ٢ / ٤٧٧ .

الآية : ٢١
٢٥٧
سُورَةُ الكَهْفِ
يتذاكر الناسُ بينهم أمرَ أصحاب الكهف، ويتكلَّمون في قصَّتهم وما أظهر الله تعالى
من الآية فيهم. أو: إذ يتنازعون بينهم تدبيرَ أمرِهم حين توقُّوا كيف يُخفون مكانَهم،
وكيف يَسدُّون الطريقَ إليهم، وجَعَلَ ((إذا في الأَوجَه ظرفاً لـ ((أعثرنا)).
وذكر صاحبُ ((الكشف)) أنَّ الفاءَ على الأوَّل فصيحةٌ لا محالة، وعلى الأخيرَين
للتعقيب، أمَّا على الثاني منهما فظاهر، وأمَّا على الأوَّل؛ فلأنَّهم لمَّا تذاكروا
قصَّتَهم وحالَهم وما أَظهر اللهُ تعالى من الآية فيهم، قالوا: دعوا ذلك وابنُوا
عليهم بنياناً، أي: خذوا فيما هو أهم ... إلى آخر ما قال.
واحتمالُ جعلِ الفاءِ فصيحةً على هذا الأوَّل غيرُ بعيد، وتعلَّق الظرفِ بـ ((أَعثرنا))
على الوجهين الأخيرين - وكذا على ما نقلناه آنفاً - ليس بشيء؛ لأنَّ إِعِثارهم ليس
في وقت التنازع فيما ذكر، بل قبلَه. وجعلُ وقتِ التنازعِ ممتدًّا يقع في بعضه
الإعثارُ وفي بعضه التنازعُ تعسُّفٌ لا يخفى، مع أنَّه لا مَخصِّصَ لإِضافته إلى
التنازع، وهو مؤخّر في الوقوع.
وحكى في ((البحر))(١) أنَّ ضميرَ («ليعلموا)) عائدٌ على أصحاب الكهف،
والمراد: أَعثرنا عليهم ليزدادوا علماً بأنَّ وعدَ اللهِ حقّ ... إلى آخره. وجعل ذلك
غايةً للإِعثار بواسطة وقوفِهم بسببه على مدَّة لَبثهم بما تحقَّقوه من تبدُّل القرون،
وجعل ((إذ يتنازعون)) على هذا ابتداءً إخبارٍ عن القوم الذين بُعثوا في عهدهم،
وخصَّ الأمر المتنازَع فيه بأمر البناءِ والمسجد، ويُختار حينئذٍ تعلَّقُ الظرفِ باذکر،
ولا يخفَى أنَّ جعلَ ذلك الضميرِ للفتية وإنْ دعا لتأويلِ ((يعلموا)) بما سمعتَ ليس
ببعيد الإِرادة من النَّظم الكريمِ إذا قُطع النظرُ عن الأمور الخارجيةِ كالآثار.
ولم يذهب أحدٌ فيما أَعلم إلى احتمال كونِ الضمائرِ في قوله تعالى: ((إذ
يتنازعون بينهم أمرهم)) عائدةً على الفتية، كضمير ((يعلموا))، و((إذ) ظرفُ ((أعثرنا))،
والمرادُ بالأمر المتنازَعِ مقدارُ زمنٍ لَبثهم، وتنازُعُهم فيه قولُ بعضِهم: ((لبثنا يوماً أو
بعض يوم)) وقولُ الآخَر ردًّا عليه: ((ربكم أعلم بما لبثتم)) وحيث لم يتَّضح الحالُ
ولم يحصل الإِجماعُ على مقدارٍ معلوم، كان التنازعُ في حكم الباقي، فكان زمانُه
(١) ٦ / ١١٣.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٥٨
الآية : ٢١
ممتدًّا، فصحَّ أن يكونَ ظرفاً للإِعثار، وضميرُ ((فقالوا)) للمعثرين، والفاءُ فصيحة،
أي: وكذلك أعثرنا الناسَ على الفتية وقتَ تنازعِهم في مدَّة لَبثِهم ليزدادوا علماً
بالبعث، فكان ماكان، وصار لهم بين الناسِ شأنٌ أيُّ شأن، فقالوا: ابنوا .. إلى
آخره.
وكأنَّ ذلك لما فيه من التكلُّف مع عدم مساعدةِ الآثارِ إياه.
ثم ما ذُكر من احتمال کونِ ((ربهم أعلم بهم)) من كلامه سبحانه جيءَ به لردِ
المتنازعين من المعثَرين لا يخلو عن بُعد، وأمَّا الاحتمالُ الأخير فبعيدٌ جدًّا،
والظاهرُ أنَّه حكايةٌ عن المعثرين، وهو شديدُ الملاءمةِ جدًّا لكون التنازعِ في أمرهم
من الموتِ والحياة.
والذي يقتضيه كلامُ كثيرٍ من المفسّرين أنَّ غرضَ الطائفتين: القائلين:
((ابنوا ... )) إلى آخره، والقائلين: ((لنتخذن)) إلى آخره تعظيمُهم وإِجلالهم.
والمرادُ من الذين غَلبوا على أَمرهم - كما أَخرج عبدُ الرزاق وابنُ أبي حاتم
عن قتادة - الولاة، ويلائمه ((لنتخذن)) دون اتَّخِذوا بصيغة الطلبِ المعبِّر بها الطائفةٌ
الأولى، فإنَّ مثلَ هذا الفعلِ تنسبه الولاةُ إلى أنفسها. وضمير ((أمرهم)) هنا قيل:
للموصول المراد به الولاة، ومعنى غَلَبتهم على أمرهم أنَّهم إذا أرادوا أمراً لم يتعسَّر
عليهم ولم يَحُلْ بينه وبينهم أحد، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَتْرِهِ﴾
[يوسف: ٢١].
وذكر بعضُ الأفاضلِ أنَّ الضميرَ لأصحاب الكهف، والمرادُ بالذين غَلبوا قيل:
الملكُ المسلم، وقيل: أولياءُ أصحاب الكهف، وقيل: رؤساءُ البلد؛ لأنَّ مَن له
الغلبةُ في هذا النِّزاع لا بدَّ أن يكونَ أحدَ هؤلاء، والمذكورُ في القصَّةِ أنَّ الملكَ
جعل على باب الكهفِ مسجداً، وجعل له في كلِّ سنةٍ عيداً عظيماً. وعن
الزجَّاج(١) أنَّ هذا يدلُّ على أنَّه لمَّا ظهر أمرُهم، غَلَبَ المؤمنون بالبعث؛ لأنَّ
المساجدَ إنَّما تكون للمؤمنين به. انتهى.
(١) في معاني القرآن ٢٧٧/٣.

الآية : ٢١
٢٥٩
سُورَةُ الكَهْفِّ
ويُبعد الأوَّلَ التعبيرُ بما يدلُّ على الجمع، والثاني - إن أُريد من الأَولياء
الأولياءُ من حيث النَّسبُ كما في قولهم: أولياءُ المقتول - أنَّه لم يوجد في أَثرِ أنَّ
لأصحاب الکھفِ حین بُعثوا أولیاءَ كذلك.
وفسَّر غيرُ واحدٍ الموصولَ بالملك والمسلمين، ولا بُعدَ في إِطلاق الأولياءِ
عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] ويدلُّ
هذا على أنَّ الطائفةَ الأولى لم تكن كذلك، وقد رُوي أنَّها كانت كافرة، وأنَّها
أرادت بناءَ بِيعةٍ أو مصنعٍ لكفرهم، فمانَعَهم المؤمنون وبنَوا عليهم مسجداً .
وظاهرُ هذا الخبرِ أنَّ المسجدَ مقابلُ البِيعة، وما أخرج ابنُ أبي حاتم عن
سعيد بنِ جُبير من أنَّ الملكَ بنى عليهم بيعةً فكتب في أعلاها: أبناءُ الأراكنة أَبناء
الدَّهاقين (١) = ظاهرٌ في عدم المقابلة، ولعله الحقّ؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يرادَ بالمسجد
هنا ما يُطلَق عليه اليومَ من مصلَّى المحمَّديين، بل المرادُ به معبدُ المؤمنين من تلك
الأمَّة، وكانوا على ما سمعتَ أوَّلاً نصارى - وإن كان في المسألة قولٌ آخَرُ ستسمعه
إن شاء اللهُ تعالى قريباً - ومعبدُهم يقال له: بِيعة.
وظاهرُ ما تقدَّم أنَّ المسجدَ انُّخذ لأنْ يَعبدَ اللهَ تعالى فيه مَن شاء. وأخرج ابن
أبي حاتم عن السُّدي أنَّ الملكَ قال: لأَتخذنَّ عند هؤلاء القوم الصالحين
مسجداً، فَلأَعبدنَّ اللهَ تعالى فيه حتى أموت. وعن الحسن أنه اتّخَذَ ليصلِّيَ فيه
أصحابُ الكهفِ إذا استيقظوا، وهذا مبنيٌّ على أنَّهم لم يموتوا، بل ناموا كما ناموا
أوَّلاً، وإليه ذهب بعضُهم، بل قيل: إنَّهم لا يموتون حتى يظهرَ المهديُّ ويكونوا من
أنصاره، ولا معوَّلَ على ذلك، وهو عندي أشبهُ شيءٍ بالخرافات.
ثم لا يخفى أنَّه على القول بأنَّ الطائفةَ الأولى الطالبةَ لبناء البنيانِ عليهم إذا
كانت كافرةً لم تكن غايةُ الإِعِثار متحقِّقةً في جميع المعثَرين، ولا يتعيّن كونُ ((ربهم
أعلم بهم)) مُساقاً لتعظيم أمرٍ أصحابِ الكهف، ولعل تلك الطائفةَ لم تتحقَّق حالَهم
وأنَّهم ناموا تلك المدةَ ثم بُعثوا، فطلبت انطماسَ الكهفِ عليهم، وأَحالت أمرَهم
إلى ربِّهم سبحانه، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
(١) الدر المنثور ٢١٧/٤، والأراكنة جمع الأُركون، وهو رئيس القرية ودهقانها العظيم. اللسان
(ركن).

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٦٠
الآية : ٢١
وقرأ الحسنُ وعيسى الثقفيُّ: ((غُلِبوا)) بضمِّ الغينِ وكسرِ اللام(١) على أنَّ الفعلَ
مبنيٌّ للمفعول، ووجّه ذلك بأنَّ طائفةً من المؤمنين المعثَرين أرادت ألَّا يُبنَى عليهم
شيءٌ ولا يُتعرَّضَ لموضعهم، وطائفةً أخرى منهم أرادت البناءَ وألَّا يطمسَ
الكهف، فلم يُمكن للطائفة الأُولى منعُها، ووجدت نفسَها مغلوبة، فقالت: إنْ
كان بنيانٌ ولا بدَّ فلنتخذنَّ عليهم مسجداً .
هذا واستُدلَّ بالآية على جواز البناءِ على قبور الصُّلحاءِ واتِّخاذِ مسجدٍ عليها،
وجوازِ الصلاةِ في ذلك، وممَّن ذكر ذلك الشِّهاب الخفاجيُّ في حواشيه على
البيضاويّ(٢). وهو قولٌ باطلٌ عاطل، فاسدٌ كاسد، فقد روى أحمدُ، وأبو داود،
والتِّرمذي، والنَّسائي، وابنُ ماجه(٣)، عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ وَليه:
(لعن الله تعالى زائراتِ القبور، والمثَّخذين عليها المساجدَ والسُّرُج)) ومسلم(٤):
(أَلَا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، فإنِّي أَنهاكم عن ذلك))
وأحمدُ عن أسامة(٥)، وهو، والشَّيخان، والنَّسائي، عن عائشة(٦)، ومسلمٌ عن
أبي هريرة (٧): ((لعن اللهُ تعالى اليهود والنصارى؛ اَّخذوا قبورَ أَنبيائهم مساجد))
وأحمدُ، والشيخان، والنَّسائي(٨): ((إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ
فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك الصُّور، أولئك شِرارُ الخلقِ يوم
القيامة)) وأحمدُ، والطَّبراني(٩): ((إنَّ مِن شرار الناسِ مَن تُدركهم الساعةُ وهم
(١) البحر المحيط ٦/ ١١٣، ونسبها في القراءات الشاذة ص٧٩ للحسن فقط.
(٢) ٦ / ٨٧.
(٣) مسند أحمد (٢٠٣٠)، وسنن أبي داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي ٩٤/٤-٩٥،
وابن ماجه (١٥٧٥).
(٤) في صحيحه (٥٣٢) من حديث جندب بن جنادة
(٥) المسند (٢١٧٧٤).
(٦) مسند أحمد (١٨٨٤)، وصحيح البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٣١)، والمجتبى ٤٠/٢-٤١.
(٧) صحيح مسلم (٥٣٠).
(٨) المسند (٢٤٢٥٢)، وصحيح البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٥٢٨)، والمجتبى ٤١/٢ من حديث
عائشة پا.
(٩) المسند (٣٨٤٤)، والمعجم الكبير (١٠٤١٣) من حديث عبد الله بن مسعود