Indexed OCR Text
Pages 141-160
الآية : ١٠٠ ١٤١ سُورَةُ الاسْراءِ ﴿خَشْيَةَ الْإِفَاقِ﴾ أي: مخافةَ الفقر، كما أخرجه ابنُ جَرير وابنُ المنذرِ عن ابنِ عباس(١)، ورُوي نحوُه عن قتادةَ. وإليه ذهب الراغبُ(٢)، قال: يقال: أَنفقَ فلان، إذا افتقر. وأبو عبيدةً قال: أَنفق وأَملق وأَعدم وأَصرم بمعنّی واحد. وقال بعضُهم: الإنفاقُ بمعناه المعروف، وهو صرفُ المال، وفي الكلام مقدَّر، أي: خشيةَ عاقبةِ الإِنفاق. وجوِّز أن يكونَ مجازاً عن لازمه، وهو النَّفاد. ونصب ((خشية)) على أنَّه مفعولٌ له. وجَعْلُه مصدراً في موضع الحال - كما جوَّزه أبو البقاءِ(٣) - خلافُ الظاهر. وقد بلغت هذه الآيةُ من الوصف بالشُّحِّ الغايةَ القصوَى التي لا يبلغها الوهم، حيث أَفادت أنَّهم لو ملكوا خزائنَ رحمةِ اللهِ تعالى التي لا تتناهَى وانفردوا بملكها من غيرِ مزاحم، أمسكوها من غير مقتضٍ إلَّا خشيةَ الفقر، وإن شئتَ فوازن بقول الشاعر: إبَراً يضيق بها فِناء المنزلِ ولوَ انَّ دارك أَنبتت لك أرضُها لَيَخِيطَ قَدَّ قميصِه لم تفعل(٤) وأتاك يوسفُ يستعيرك إبرةً مع أنَّ فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة، ترى التفاوتَ الذي لا يُحصَر. وجعل غيرُ واحدٍ الخطابَ فيها عامّاً، فيقتضي أن يكونَ كلُّ واحدٍ من الناس بخيلاً، كما هو ظاهرُ ما بعد، مع أنَّه قد أَثبت لبعضهم الإِيثارَ مع الحاجة. وأُجيب بأنَّ ذلك بالنّسبة إلى الجَواد الحقيقيّ والفيَّاض المطلق عزَّ مجدُه؛ فإنَّ الإنسانَ إِمَّا ممسكٌ أو منفق، والإِنفاقُ لا يكون إلَّا لغرضٍ للعاقل، كعِوَض ماليّ، أو معنوي، كثناءٍ جميل، أو خدمةٍ واستمتاع كما في النفقة على الأهل، أو نحوٍ ذلك، وما كان لعِوَض كان مبادلةً لا مباذلة، أو هو بالنظر إلى الأَغلب وتنزيلِ غيرِه منزلةَ العدم، كما قيل: (١) تفسير الطبري ٩٨/١٥، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٠٤/٤. (٢) في المفردات (نفق). (٣) في الإملاء ٣/ ٥٠٠. (٤) نسبهما صاحب العقد الفريد ١٨١/٦ لمحمد بن مسلمة، وصاحبُ الوافي بالوفيات ١٩١/١٤-١٩٢ لزرزر الرفاء، وصاحب معاهد التنصيص ٢١/٣-٢٢ لابن الرومي. سُورَةُ الأسرة ١٤٢ الآية : ١٠٠ عن حديث المكارم عَدِّنا في زماننا فهو في مجُود حاتم (١ من كفَى الناسَ شرَّه وهذا الجوابُ عندي أَوْلى من الأوَّل، وعلى ذلك يُحمَل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ، مبالغاً في البخل. اُلْإِنسَنُ قَتُورًا (® وجاء القَتْر بمعنى تقليلِ النفقة، وهو بإزاء الإِسراف وكلاهما مذموم، ويقال: قترت الشيء وأقترته وقّرته، أي: قلَّلته، وفلان مُقتِر: فقير. وأصل ذلك - كما قال الراغبُ(٢) - من القُتار والقَتَر، وهو الدخانُ الساطعُ من الشِّواء والعُود ونحوِهما، فكأن المقتِرِ والمقتِّر هو الذي يتناول من الشيءٍ قُتَارَه. وقيل: الخطابُ لأهل مكةَ الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوعِ والأنهارِ وغيرِها، والمرادُ من الإِنسان كما في القول الأوَّل الجِنس، ولا شكَّ فيَ أنَّ جنسَ الإنسان مجبولٌ على البخل؛ لأنَّ مبنَى أمرِه الحاجة. وقيل: الإنسان المعهود، وعليه الإِمام(٣). ووجهُ ارتباطِ الآيةِ بما قبلَها - على تخصيص الخطاب - أنَّ أهل مكةَ طلبوا ما طلبوا من الينبوع والأنهارِ لتكثرَ أقواتُهم وتَّسعَ عليهم، فبيَّن سبحانه أنَّهم لو ملكوا خزائنَ رحمةِ الله تعالى لَبخلوا وشخُّوا، ولَمَا قَدِموا على إيصال النفعِ لأحد، والمرادُ التشنيعُ عليهم بأنَّهم في غاية الشُّحِّ ويقترحون ما يقترحون، أو المرادُ أنَّ صفتَهم هذه، فلا فائدةَ في إِسعافهم بما طلبوا. كذا قال العسكريُّ وغيرُه، فالآيةُ عندهم مرتبطةٌ بقوله تعالى: (وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) ويكفي على العموم اندراجُ أهلِ مكةً فيه. وقال أبو حيَّان(٤): المناسبُ في وجه الارتباطِ أن يقال: إنَّه عليه الصلاة (١) حاشية الشهاب ٦٤/٦. والبيتان لأبي الحسن محمد بن لنكك البصري، كما في زهر الآداب ٤٣/١. وفيه: عدِّیا، بدل: عدنا. (٢) في المفردات (قتر). (٣) في التفسير الكبير ٦٣/٢١، وقال: وهم الذين قالوا: ((لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً)). (٤) في البحر المحيط ٦/ ٨٣-٨٤. الآية : ١٠١ ١٤٣ سُورَةُ الأسْرائة والسلام قد منحه اللهُ تعالى ما لم يمنحْه لأحدٍ من النبوّة والرِّسالة إلى الإِنس والجنّ، فهو ◌َّ أحرصُ الناسِ على إيصال الخيرِ إليهم وإِنقاذهم من الضَّلال، يثابر على ذلك ويخاطرُ بنفسه في دعائهم إلى الله تعالى، ويَعرض ذلك على القبائل وأحياءِ العرب، سمحاً بذلك لا يطلب منهم أجراً، وهؤلاء أقرباؤه لا يكاد يُجيب منهم أحدٌ إلَّا الواحدُ بعدَ الواحد، قد لجُّوا في عِناده وبغضائه، فلا يصل منهم إليه إلَّا الأذى، فنبَّه تعالى شأنُه بهذه الآيةِ على سماحته عليه الصلاة والسلام وبذلِ ما آتاه الله تعالى، وعلى امتناع هؤلاء أن يصلَ منهم شيءٌ من الخير إليه مَّ، فهي قد جاءت مبيِّنة تباينَ ما بينَه عليه الصلاة والسلام وبينَهم مِن حرصه على نفعهم، وعدم إيصال شيءٍ من الخير منهم إليه. اهـ. فالارتباط بين الآيةِ وبين مجموع الآياتِ السابقة من حيث إنَّها تُشعر بحرصه وَله على هدايتهم، ولَعَمري إنَّ هذا ممَّا يَأباه الذوقُ السليم والذهنُ المستقيم. ويحتمل أن يكونَ وجهُ الارتباطِ اشتمالَها على ذمِّهم بالشحِّ المفرِط، كما أنَّ ما قبلها مشتملٌ على ذمِّهم بالكفر كذلك، وهما صفتان سيِّئتان، ضررُ إحداهما قاصرٌ وضررُ الأخرى متعدٍّ، فتأمَّل فلمسلك الذهنِ اتِّساع، والله تعالى أعلمُ بمراده. ولمَّا حكى سبحانه عن قريشٍ ما حكى من التعنُّت والعنادِ مع رسولِهِ وَّةِ، سلَّاه تعالى جَدُّه بما جرى لموسى عليه السلام مع فرعونَ وما صنع سبحانه بفرعونَ وقومِه، فقال عزَّ قائلاً: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ مَايَتٍ بَيِنَةٍ﴾ ظاهرُ السِّياق والنظائرِ يقتضيانِ كونَ المعنى: تسعَ أدلَّةٍ واضحاتِ الدَّلالة على نبؤَّة موسى عليه السلام وصحَّة ما جاءَ به من عند اللهِ تعالى، ولا ينافيه أنَّه قد أُوتي من ذلك ما هو أكثرُ مما ذُكر؛ لأنَّ تخصيصَ العددِ بالذِّكر لا يدلُّ على نفي الزائد، كما حقِّق في الأصول. وإلى هذا ذهب غيرُ واحد، إلَّا أنه اختلف في تعيين هذه التِّسع، ففي بعض التفاسير: هي - كما في التَّوراة - العصا، ثم الدم، ثم الضفادع، ثم القُمَّل، ثم موتُ البهائم، ثم بردٌ كنارٍ أُنزل مع نار مضطرمةٍ أَهلكت ما مرَّت به من نباتٍ وحَيَوان، ثم جراد، ثم ظُلمة، ثم موتٌ عمَّ كبارَ الآدميين وجميعَ الحيوانات. وأخرج عبدُ الرزاق، وسعيدُ بن منصور، وابن جَرير، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتمٍ من طرقٍ عن ابن عباسٍ﴾: أنَّها العصا، واليدُ، والُّوفان، والجراد، سُورَةُ الإسْراءِ ١٤٤ الآية : ١٠١ والقمَّل، والضَّفادع، والدمُ، والسِّنين، ونقصٌّ من الثمرات(١). ورُوي ذلك عن مجاهدٍ والشعبيِّ وقتادةً وعكرمة. وتُعقّب هذا بأنَّ السّنين والنقصَ من الثمرات آيةٌ واحدة، كما رُوي عن الحسن. ورُدَّ بأنَّه ليس بالحسن؛ إذ ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] يقتضي المغايرة، فيحمل الأوَّلُ على الجدب في بَوَاديهم، والثاني على النُّقصان في مزارعهم، أو على نحوٍ ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ فيه، فلا ضيرَ في عدِّهما آيتين. وأخرج ابن جَريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ في روايةٍ أخرى عن الحَبر أنَّها: يدُه عليه السلام، ولسانُه، وعصاه، والبحر، والُوفان، والجراد، والقمَّل، والضَّفادع، والدم(٢). وفي ((الكشّاف))(٣) عنه ظُهُ أنَّها: العصا، واليد، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدمُ، والحجر، والبحر، والطورُ الذي نَتَقَه الله تعالى على بني إسرائيل. وتعقَّبه في ((الكشف)) بقولِه فيه: إنَّ الحجرَ والُور ليسا من الآيات المذهوبِ بها إلى فِرعون، وقال تعالى: ﴿فِيِ نِسْع ◌َلَيَّتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهٌِ﴾ [النمل: ١٢] وذَكَرَ سبحانه في هذه السُّورة: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ﴾ [الآية: ١٠٢] والإشارةُ إلى الآيات، ثم قال: والجواب: جاز أن يكونَ التسعُ البيناتُ بعضاً منها غيرَ البعضِ من تلك التِّسع، وليس في هذه الآيةِ أن الكلَّ لفرعونَ وقومِه، وأما الإشارةُ فإلى البعض بالضّرورة؛ لأنَّ الكلَّ إنما حصلت على التدريج، وفلقُ البحرِ لم يكن في معرض التحدِّي، بل عندما حقَّ الهلاك. اهـ. (١) تفسير عبد الرزاق ٣٩٠/٢-٣٩١، وتفسير الطبري ١٠١/١٥-١٠٢، والكلام من الدر المنثور ٤/ ٢٠٤. (٢) تفسير الطبري ٩٩/١٥ والكلام من الدر المنثور ٢٠٤/٤. (٣) ٤٦٨/٢. الآية : ١٠١ ١٤٥ سُورَةُ الإِسْرَاةِ ولا يخلو عن ارتكاب خلافِ الظاهر، وما رُوي عن ابن عباسٍ أوَّلاً لائحُ الوجه ما فيه إِشكال، ونَسَبَه في ((الكشّاف))(١) إلى الحسن، وهو خلافُ ما وجدناه في الكتب التي يعوَّل عليها في أمثالِ ذلك. ورُوي أنَّ عمرَ بن عبدِ العزيز عليه الرحمةُ سأل محمد بن كعبٍ عن هذه الآيات، فعدَّ ما عدَّ وذَكَرَ فيه الطّمس، فقال عمر: كيف يكونُ الفقيهُ إلَّا هكذا، ثم قال: يا غلام، أَخرج ذلك الجِراب، فَأَخِرجه فنفضه، فإذا بيضٌ مكسورٌ بنصفين، وجوزٌ مكسور، وفومٌ وحِمَّص وعدس، كلُّها حجارة. هذا وظاهرُ بعضِ الأَخبار يقتضي خلافَ ذلك. فقد أخرج أحمد، والبيهقيّ، والطبرانيّ، والنَّسائي، وابنُ ماجه، والترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيح، والحاكمُ وقال: صحيحٌ لا نعرف له علَّة، وخلقٌ آخَرون، عن صفوانَ بنِ عَسَّال: أنَّ يهوديين قال أحدُهما لصاحبه: إِنطلق بنا إلى هذا النبيِّ نسأله، فأَتَيَاه ◌ََّ فسألاه عن قول اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ مَايَتٍ بَيِنَتِ﴾ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تَزنوا، ولا تقتلوا النفسَ التي حرَّم اللهُ تعالى إلَّا بالحقّ، ولا تَسرقوا، ولا تَسحَروا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى سلطانٍ ليقتلَه، ولا تقذفوا محصَنة، ولا تفرُّوا من الزَّحف - وفي رواية: أو قال: ((لا تفرُّوا من الزَّحف)) شكَّ شعبة - وعليكم يا يهودُ خاصَّةً أن لا تعتدوا في السَّبت)) فقبّلا يديه ورِجليه وقالا : نشهد أنَّك نبيّ .. الخبر(٢). ومن هنا قيل: المرادُ بالآيات الأحكام، وقال الشِّهاب الخَفاجيّ (٣): إنه التفسيرُ الصحيح، ووجهُ إطلاقها عليها بأنَّها علاماتٌ على السَّعادة لمن امتثلها والشَّقاوةِ لغيره. وقيل: أُطلقت عليها لأنَّها نزلت في ضمن آياتٍ بمعنى عباراتٍ دالَّة على (١) مسند أحمد (١٨٠٩٦)، وسنن البيهقي ١٦٦/٨، والمعجم الكبير (٧٣٩٦)، وسنن النسائي ١١١/٧، وسنن ابن ماجه (٣٧٠٥) مختصراً جدّاً، وجامع الترمذي (٢٧٣٣)، والمستدرك ٩/١ وروايةُ شَكِّ شعبة أخرجها أحمد (١٨٠٩٢)، والترمذي (٣١٤٤). (٢) انظر التخريج السالف. (٣) في حاشيته ٦/ ٦٥. سُورَةُ الإِسْرَاةِ ١٤٦ الآية : ١٠١ المعاني نحو آياتِ الكتاب، فيكون من قبيل إِطلاق الدالِّ وإرادةِ المدلول. وقيل: لا ضيرَ أن يرادَ على ذلك بالآيات العباراتُ الإلهيةُ الدالّة على تلك الأحكامٍ من حيث إنها دالَّة عليها . وفيه - وكذا في سابقه - القولُ بإطلاق الآياتِ على ما أُنزل على غير نبيِّنا وَل من العبارات الإلهيةِ كإطلاقها على ما أُنزل عليه عليه الصلاة والسلام منها . واستُشكل بأنَّ الآياتِ في الرِّواية التي لا شكَّ فيها عشرة، وما في الآية المسؤولِ عنها تسع. وأُجيب بأنَّ الأخيرَ فيها، أعني: لا تعتدوا في السَّبت، ليس من الآيات؛ لأنَّ المرادَ بها أحكامٌ عامَّة ثابتةٌ في الشرائع كلِّها، وهو ليس كذلك؛ ولذا غيِّر الأسلوبُ فيه، فهو تذييلٌ للكلام وتتميمٌ له بالزِّيادة على ما سألوه وَه. وفي ((الكشف)) أنَّه من الأُسلوب الحكيم؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا ذكر التسعَ العامةَ في كلِّ شريعة، ذكر خاصًّا بهم؛ ليدلَّ على إِحاطة علمِه وَّ بالكلّ. وهو حسن، وليس الأسلوبُ الحكيمُ فيه بالمعنى المشهور، فإطلاقُ القولِ بأنَّه ليس من الأسلوبِ الحكيم - كما فعل الخَفاجي(١) - ليس في محلِّه. وقال بعضُ الأجلَّة: إنَّ هذه الأشياءَ لا تعلُّق لها بفرعون، وإنَّما أُوتيها بنو إسرائيل، ولعل جوابَه ◌َّه بما ذكر؛ لِمَا أنه المهمُّ للسائل، وقَبولَه؛ لمَا أنَّه كان في التوراة مسطوراً، وقد عُلِم أنه ما عَلِمِه رسولُ اللهِ ◌َّ إلَّا من جهة الوحي. اهـ. وتعقِّب بأنَّا لا نسلِّم أنه يجب في الآيات المذكورةِ في الآية أن تكونَ ممَّا له تعلُّق بفرعون، وما بعدُ ليس نصًّا في ذلك، نعم هو كالظَّاهر فيه، لكن كثيراً ما تُترك الظواهرُ للأخبار الصحيحة، سلَّمنا أنَّه يجب أن يكونَ لها تعلُّق، لكن لا نسلِّم أنَّ تلك الأحكامَ لا تعلُّق لها؛ لجواز أن يكونَ كلُّها أو بعضُها مما خوطب به فرعونُ وبنو إسرائيلَ جميعاً، لابدَّ لنفي ذلك من دليل، وكأنَّ حاصلَ ما أَراد من قوله: لعل جوابه وَّهِ إلخ، أنَّ ذلك الجواب من الأُسلوب الحكيم، بأن يكونَ موسى عليه (١) في حاشيته ٦/ ٦٥. الآية : ١٠١ ١٤٧ سُورَةُ الإِسْرَاةِ السلام قد أُوتي تسعَ آياتٍ بِيِّئات بمعنى المعجزاتِ الواضحات، وهي المرادةُ في الآية، وأُوتي تسعاً أخرى بمعنى الأحكام، وهي غيرُ مرادة، إلّا أن الجوابَ وقع عنها لِمَا ذكر. وهو كما ترى، فتأمَّل. فمؤيِّدات كلٍّ من التفسيرين، أعني تفسيرَ الآياتِ بالأدلَّة والمعجزاتِ وتفسيرها بالأحكام، متعارضة، وأَقوَى ما يؤيِّد الثاني الخبرُ. ﴿فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ وقرأ جمعٌ: ((فسَلْ))(١). والظاهر أنَّه خطابٌ لنبيِّنا وَّهِ، والسؤالُ بمعناه المشهور. إلَّا أن الجمهورَ على أنه خطابٌ لموسى عليه السلام، والسؤالُ إمَّا بمعنى الطلب، أو بمعناه المشهور؛ لقراءة رسولِ الله وَّر، وأَخرجها أحمدُ في ((الزُّهد)) وابنُ المنذر، وابن جَرير، وغيرُهم عن ابن عباس: ((فسَال)) على صيغة الماضي بغيرِ همز(٢)، كقال، وهي لغةُ قريش، فإنَّهم يُبدِلون الهمزةَ المتحرِّكة؛ وذلك لأنَّ هذه القراءةَ دلَّت على أنَّ السائلَ موسى عليه السلام، وأنَّه مستعقَبٌ عن الإِيتاء، فلا يجوز أن يكونَ ((فاسأل)) خطاباً للنبيِّ وَِّ؛ لئلا تتخالفَ القراءتان، ولا بدَّ إذ ذاك من إضمارٍ؛ لئلا يختلفا خبراً وطلباً، أي: فقلنا له: اطلبهم من فرعونَ وقل له: أرسِل معي بني إسرائيل، أو: اطلب منهم أن يعاضدوك وتكونَ قلوبُهم وأيديهم معك، أو: سَلْهم عن إِيمانهم وعن حال دينهم، واستفهِم منهم هل هم ثابتونَ عليه أو اتَّبعوا فرعون؟ ويتعلَّق بالقول المضمرِ قولُه تعالى: ﴿إِذْ جََّهُمْ﴾ وهو متعلِّق بـ ((سَالَ)) على قراءته بَّه، والدليلُ على ذلك المضمرِ في اللفظ قولُه تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ، فِرْعَوْنُ﴾ لأنَّه لو كان ((فاسأل)) خطاباً لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام، لانفكّ النظم، وأيضاً لا يظهر استعقابُه، ولا تسبُبه عن إِيتاء موسى عليه السلام، نَعَم جعل الذاهبون إلى الأوَّل ((فاسأل)) اعتراضاً من باب: زيدٌ فاعلمْ فقيه، والفاء تكون للاعتراض كالواو، وعلى ذلك قولُه : واعلم فعِلمُ المرءِ ينفعه أنْ سوف يأتي كلُّ ما قُدِرا(٣) (١) هي قراءة ابن كثير والكسائي وخلف كما في النشر ٤١٤/١. (٢) ينظر تفسير الطبري ١٠٥/١٥، والدر المنثور ٢٠٥/٤، والكشاف ٤٦٨/٢، والبحر ٨٥/٦. (٣) البيت في معاهد التنصيص ٣٧٧/١، وسلف ٤٢٨/١. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ١٤٨ الآية : ١٠١ وهذا الوجهُ مستغنٍ عن الإضمار، و((إذ جاءهم)) متعلِّق عليه بـ ((آتينا)) ظرفاً، ولا يصحُّ تعلُّقه بـ: اسأل؛ إذ ليس سؤالُهُ وَّه في وقت مجيءٍ موسى عليه السلام. قال في ((الكشف)): والمعنى: فاسأل يا محمدُ مؤمني أهل الكتابٍ عن ذلك، إمَّا لأنَّ تظاهرَ الأدلَّة أقوى، وإمَّا من باب التهييج والإِلهاب، وإمَّا للدَّلالة على أنه أمرٌ محقَّق عندهم ثابتٌ في كتابهم، وليس المقصودُ حقيقةَ السؤال، بل كونَهم - أعني المسؤولين - من أهل عِلمِه؛ ولهذا يؤمر مثلُك بسؤالهم. وهذا هو الوجهُ الذي يجمل به موقعُ الاعتراض. وجوِّز أن يكونَ منصوباً باذكر مضمَراً على أنَّه مفعولٌ به، وجاز على هذا ألَّا يجعلَ ((فاسأل)) اعتراضاً، ويُجعلَ اذكر بدلاً عن اسأل؛ لما سمعتَ من أنَّ السؤالَ ليس على حقيقته . وكذا جوِّز أن يكونَ منصوباً كذلك بُيُخبروك مضمراً وَقَعَ جوابَ الأمر، أي: سَلْهم يُخبروك إذ جاءهم. ولا يجوز على هذا الاعتراضُ، نعم يجوز الاعتراضُ على هذا بأنَّ أخبر يتعدَّى بالباء أو عن، لا بنفسه، فيجب أن يقدَّر بدلَ الإِخبار الذِّكرُ ونحوُه مما يتعدَّى بنفسه. وأمَّا جعلُه ظرفاً له غيرُ صحيح؛ إذ الإخبارُ غير واقعٍ في وقت المجيء. واعتُرض أيضاً بأنَّ السؤالَ عن الآيات، والجوابُ بالإِخبار عن وقت المجيءِ أو ذِكرِهِ لا يلائمه. ويمكن الجوابُ بأنَّ المرادَ: يُخبروك بذلك الواقعِ وقتَ مجيئه لهم، أو یذکروا ذلك لك. وهو كما ترى. وبعضُهم جوَّز تعلقَه بيخبروك على أنَّ ((إذ)) للتعليل، وعلى هذا يجوز تعلُّقُه باذكر. والمعنى على سائر احتمالاتِ كون الخطابِ لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام: إذ جاء آباءهم؛ إذ بنو إسرائيلَ حينئذٍ هم الموجودون في زمانه ◌َّر، وموسى عليه السلام ما جاءهم، فالكلامُ إمَّا على حذفِ مضاف، أو على ارتكاب نوعٍ من الاستخدام(١). والاحتمالاتُ على تقدير جعل الخطابِ لمن يسمع هي الاحتمالاتُ التي سمعتَ على تقدير جَعلِه لسيِّد السامعين عليه الصلاة والسلام. (١) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضمير مراداً به المعنى الآخر. الإتقان ٩٠١/٢. الآية : ١٠٢ ١٤٩ سُؤَةُ الإِسْرَاة والفاءُ في ((فقال)) على سائر الاحتمالاتِ والأَوجُهِ فصيحة، والمعنى: إذ جاءهم فذهب إلى فرعونَ وادَّعى النبوّة وأَظهر المعجزةَ وكيت وكيت، فقال: ﴿إِنِّ ﴾ سُحرتَ فاختلَّ عقلُك؛ ولذلك اختلَّ كلامُك وادَّعيت لَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْخُورًا (َ ما ادَّعيت، وهو كقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. وقال الفرَّاء والطبريّ: مسحوراً بمعنى ساحراً (١) على النَّسب، أو حقيقة، وهو يناسب قلبَ العصا ونحوَه على تفسير الآياتِ بالمعجزات. ﴿قَالَ﴾ موسى عليه السلام ردًّا لقوله المذكور: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعونُ ﴿مَآ أَنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ أي: الآياتِ التِّسع، أو بعضَها. والإشارةُ إلى ذلك بما ذُكر على حدٍّ قولِه علی إحدی الرِّوایتین: والعيشَ بعد أولئك الأيامِ وقد مرّ (٢). ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقُهما ومدبِّرهما. وحاصل الردِّ أنَّ علمَك بأنَّ هاتيكَ الآياتِ من الله تعالى - إذ لا يَقدِر عليها سواه تعالى - يقتضي أنِّي لست بمسحورٍ ولا ساحر، وأنَّ كلامي غيرُ مختلّ، لكن حبَّ الرِّياسة حملك على العِناد. وفي التعرُّض لعُنوان الرُّبوبية إيماءٌ إلى أنَّ إنزالَها من آثار ذلك، وفي ((البحر))(٣): ما أحسنَ إسنادَ إنزالِها إلى ربِّ السماواتِ والأرض؛ إذ هو عليه السلام لمَّا سأله فرعونُ في أوَّل محاورتِه فقال له: وما ربُّ العالمين؟ قال: ربُّ السماواتِ والأرض، تنبيهاً على نقصه وأنَّه لا تصرُّفَ له في الوجود، فدعواه الربوبيةَ دعوَى مستحيل، فبكَّته وأَعلمه أنَّه يعلم آياتِ الله تعالى ومَن أنزلها، ولكنَّه مكابرٌ معاند، كقوله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ﴾ [النمل: ١٤] وخاطَبَه بذلك على سبيل التوبيخ، أي: أنت بحالٍ مَن يعلم هذه، أو هي من (١) تفسير الطبري ١٠٦/١٥، والبحر ٨٦/٦. (٢) ١٤ / ٥١٠. (٣) ٦ / ٨٦. سُؤَدَةُ الإِسْرَةِ ١٥٠ الآية : ١٠٢ الوضوحِ بحيث تعلمها، وليس خطابُه على جهة إِخباره عن عِلمه أو العلمِ بعلمه ليكونَ إِفادةَ لازمِ الخبر، كقولكَ لمن حفظَ التوراة: حفظتَ التوراة. وقرأ عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وزيدُ بن عليٍّ ◌ِظُهَا، والكِسائي: ((لقد عَلِمتُ)) بضمِّ التاء(١)، فيكون موسى عليه السلام قد أَخبر عن نفسه أنَّه ليس بمسحورٍ كما زعم عدوُّ اللهِ تعالى وعدوُّه، بل هو يعلم أنْ ما أنزل تلك الآياتِ إلَّا خالقُ السماواتِ والأرض ومدبُِّها . ورُوي عن الأمير كرَّم اللهُ تعالى وجهَه أنه قال: واللهِ ما علم عدوُّ اللهِ تعالى، ولكن موسى عليه السلام هو الذي علم. وتعقّبه أبو حيانَ(٢) بأنَّه لا يصحّ؛ لأنه رواه كلثومٌ المرادي، وهو مجهول، وكيف يقول ذلك بابُ مدينةِ العلم كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، ووجهُ نسبةِ العلم إليه ظاهر. وقد ذكر الجلال السيوطيُّ في ((الدُّر المنثور)) (٣) أنَّ سعيد بن منصورٍ وابنَ المنذر وابنَ أبي حاتمٍ أَخرجوا عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنَّه كان يقرأ بالضمِّ ويقول ذلك، ولم يتعْقَّبه بشيء، ولعل هذا المجهولَ الذي ذكره أبو حيَّان في أسانيدهم، والله تعالى أعلم. وجملةُ ((ما أنزل)) إلخ معلَّق عنها سادَّة مسدَّ [مفعولي](٤) ((علمت)). وقولُه تعالى: ﴿بَصَابِرَ﴾ حالٌ من ((هؤلاء))، والعاملُ فيه ((أنزل)) المذكورُ، عند الحوفيِّ وأبي البقاءِ (٥) وابنٍ عطية (٦)، وما قبلَ ((إلَّا)) يعمل فيما بعدها إذا كان مستثنى منه أو تابعاً له، وقد نصَّ الأخفشُ والكسائيُّ على جواز: ما ضَرَبَ هنداً إلَّا زيدٌ ضاحكةً، ومذهب الجمهورِ عدمُ الجواز، فإنْ ورد ما ظاهرُه ذلك أوِّل عندهم (١) البحر ٨٦/٦، وقراءة الكسائي في التيسير ص١٤١، والنشر ٣٠٩/٢. (٢) في البحر ٨٦/٦. (٣) ٢٠٥/٤. (٤) زيادة يقتضيها السياق، وانظر حاشية الشهاب ٦/ ٦٦. (٥) الإملاء ٥٠١/٣. (٦) المحرر الوجيز ٤٨٩/٣. الآية : ١٠٢ ١٥١ سُورَةُ الإسْراء على إِضمار فعلٍ يدلُّ عليه ما قبلُ، والتقديرُ هنا: أنزلها بصائر، أي: بيناتٍ مكشوفاتٍ تبصِّرك صدقي، على أنَّه جمعُ بصيرةٍ بمعنى مبصرة، أي: بيِّنة، وتطلق البصائرُ على الحُجَجِ بجعلها كأنَّها بصائرُ العقول، أي: ما أنزلها إلَّا حُججاً وأدلَّةً على صدقي، وتكون بمعنى العِبرة كما ذكره الراغب(١). هذا ولا يخفى عليك أنَّه إذا كان المرادُ من الآياتِ التسع ما اقتضاه خبرٌ صفوانَ السابق، يجوز أن تكونَ ((هؤلاء)) إشارةً إلى ما أَظهره عليه السلام من المعجزات، ويُعتبر إظهارُ ذلك فيما يُفصح عنه الفاءُ الفصيحة، وإن أبيتَ إلَّا جعلَها إشارةً إلى الآيات المذكورةِ بذلك المعنى لتحقُّق جميعِها من أوَّل الأمرِ وثبوتِها وقتَ المحاورةِ وشدَّةٍ ملاءمة الإنزالِ لها، احتجتَ إلى ارتكاب نوعٍ تكلَّفٍ فيما لا يخفَى عليك. ﴿وَإِنِّي لَأَظْتُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (٣)﴾ أي: هالكاً، كما رُوي عن الحسن ومجاهد، على أنَّه من ثَبَرَ اللازم بمعنى هلك، ومفعولٌ فيه(٢) للنَّسب، بناءً على أنه يأتي له من اللازم والمتعدِّي، وفَسَّره بعضُهم بمهلَكاً، وهو ظاهر. وعن الفرَّاء(٣) أنَّه قال: أي: مصروفاً عن الخير مطبوعاً على الشرّ، من قولهم: ما ثبرك عن هذا، أي: ما منعك، وإليه يرجع ما أخرجه الطَّستيُّ عن ابن عباسٍ من تفسيره بـ : ملعوناً محبوساً عن الخير. وأَخرج الشيرازيُّ في ((الألقاب)) وابنُ مردويه من طريق ميمون بن مهرانَ عنه رُهُ تفسيرَه بناقص العقل. وفي معناه تفسيرُ الضَّّاك بمسحور، قال: ردَّ موسى عليه السلام بمثل ما قال له فرعونُ مع اختلاف اللفظ. وأخرج ابنُ أبي الدُّنيا في ((ذم الغضب)) عن أنس بنِ مالكٍ أنَّه سئل عن ((مثبوراً)) في الآيةِ فقال: مخالفاً، ثم قال: الأنبياءُ عليهم السلام [أكرم](٤) من أن يَلعنوا أو يَسُّوا . (١) في المفردات (بصر). (٢) يعني وزن مفعول في ((مثبور)) (٣) في معاني القرآن ١٣٢/٢. (٤) ما بين حاصرتين من الدر المنثور ٢٠٥/٤ وعنه نقل المصنف هذه الأخبار. سُوَرَةُ الإِسْرَائِ ١٥٢ الآية : ١٠٣ وأنت تعلم أنَّ هذا معنًى مجازيٌّ له، وكذا ناقصُ العقل، ولا داعيَ إلى ارتكابه، وما ذكره الإِمام مالكٌ(١) فيه ما فيه، نعم قيل: إنَّ تفسيرَه بهالكاً ونحوه ممَّا فيه خشونةٌ ينافي قولَه تعالى خطاباً لموسى وهارونَ عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُ. قولاً لَيْنَا﴾ [طه: ٤٤] وأشار أبو حيانَ(٢) إلى جوابه بأنَّ موسى عليه السلام كان أوَّلاً يتوقَّع من فرعونَ المكروه، كما قال: ﴿إِنَّا تَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَاً أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] فَأُمر أن يقولَ له قولاً ليِّناً فلمَّا قال سبحانه له: ((لا تخف)) وَثِقَ بحماية اللهِ تعالى، فصال عليه صولةَ المحميِّ، وقابله من الكلامِ بما لم يكن ليقابله به قبلَ ذلك. وفيه كلامٌ ستطّلع عليه إن شاء الله تعالى في محلِّه. وبالجملة التفسيرُ الأولُ أَظهرُ التفاسير، ولا ضيرَ فيه، لاسيَّما مع تعبيرٍ موسى عليه السلام بالظنّ، ثم إنَّه عليه السلام قد قارع ظنَّه بظنِّه، وشتَّانَ ما بين الظنّين، فإنَّ ظنَّ فرعونَ إفكٌّ مبين، وظنَّ موسى عليه السلام يحوم حولَ اليقين. وقرأ أُبيِّ: ((وإنْ إِخالُكَ يا فِرعونُ لمَثبوراً)) على ((إنْ)) المخفَّفةِ واللامِ الفارقة(٣)، وإِخال بمعنى أَظنّ، بكسر الهمزةِ في الفصيح، وقد تُفتَح في لغة، كما في ((القاموس)) (٤) . ﴿فَأَرَادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أي: موسى وقومه، وأصلُ الاستفزازِ الإزعاجُ، وكنى به عن إِخراجهم ﴿مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ مصرَ التي هم فيها، أو من جميعِ الأرض، ويلزم إخراجُهم من ذلك قتلَهم واستئصالَهم، وهو المراد. ﴿فَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَدُ جَمِيعًا (®﴾ أي: فعكسنا عليه مكرَه حيث أَراد ذلك لهم دونَه، فكان له دونَهم، فاستُفزَّ بالإغراق هو وقومُه، وهذا التعكيسُ أظهرُ من الشمس على الثاني، وظاهرٌ على الأوَّل؛ لأنَّه أراد إِخراجَهم من مصر، فأُخرج هو أشدَّ الإخراج بالإهلاك، والزيادةُ لا تضرُّ في التعكيس، بل تؤيِّده. (١) كذا في الأصل و(م)، ولعل المصنف رحمه الله أراد ما روي عن أنس بن مالك (٢) في البحر ٨٦/٦. (٣) البحر ٨٦/٦. (٤) مادة (خيل) وعبارته: وتفتح في لُغَيَّة. الآية : ١٠٤ - ١٠٥ ١٥٣ سُؤَدَةُ الإسْراء ﴿وَقُلْنَا﴾ على لسان موسى عليه السلام ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد فِرعون، على معنى: من بعد إِغِراقِهِ، أو الضميرُ للإغراق المفهوم من الفعل السابق، أي: من بعد إِغراقه وإغراقٍ مَن معه ﴿لِبَنِىّ إِسْرَائِيلَ﴾ الذين أَرادَ فرعونُ استفزازَهم: ﴿أَسْكُنُواْ اُلْأَرْضَ﴾ التي أراد أن يستفزَّكم منها، وهي أرض مصر. وهذا ظاهرٌ إنْ ثبت أنَّهم دخلوها بعد أنْ خرجوا منها وأَتْبعهم فرعونُ وجنودُه وأُغرقوا، وإنْ لم يثبت، فالمرادُ من بني إسرائيلَ ذريةُ أولئك الذين أراد فرعونُ استفزازَهم. واختار غيرُ واحدٍ أنَّ المرادَ من ((الأرض)) الأرضُ المقدَّسة، وهي أرضُ الشام. ﴿فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾ أي: الكرَّة، أو الحياةِ، أو السَّاعة، أو الدارِ الآخرة. والمرادُ على جميع ذلك قيامُ الساعة ﴿ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴾ أي: مختلطين أنتم ١٠٤ وهم، ثم نحكم بينكم ونميِّز سعداءكم من أشقیائكم. وأصلُ اللفيفِ الجماعةُ من قبائلَ شتى، فهو اسمُ جمع كالجميع، ولا واحدَ له، أو هو مصدرٌ شاملٌ القليل والكثير؛ لأنَّه يقال: لفَّ لفّاً ولفيفاً، والمرادُ منه ما أُشير إليه، وفسَّره ابن عباسٍ بجميعاً. وكيفما كان، فهو حالٌ من الضمير المجرورِ في ((بكم)) ونصَّ بعضُهم على أنَّ في ((بكم)) تغليبَ المخاطَبين على الغائبين، والمرادُ: بهم وبكم، وما أَلطفَه مع ((الفيفاً». ﴿وَبِاَلَْقِّ أَنزَلْنَهُ وَبَلْحَقِّ نَزَّلْ﴾ عَودٌ إلى شرح حالِ القرآنِ الكريم، فهو مرتبطً بقوله تعالى: (لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَآلْجِنُّ) الآية، وهكذا طريقةُ العربِ في كلامها، تأخذ في شيءٍ وتستطرد منه إلى آخَرَ ثم إلى آخَرَ ثم إلى آخَر، ثم تعود إلى ما ذكرته أوَّلاً، والحديثُ شجون، فضميرُ الغائبِ للقرآن، وأَبعَدَ مَن ذهب إلى أنَّه لموسى عليه السلام، والآيةُ مرتبطةٌ بما عندها، والإِنزالُ فيها كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا اَلْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقد حمله بعضُهم على هذا المعنى فيما قبلُ، أو للآيات التِّع وذُكِّر على المعنى، أو للوعد المذكورِ آنفاً . والظاهرُ أن الباءَ في الموضعين للملابسة، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحالِ من ضمير القرآن، واحتمالُ أن يكونَ أوَّلاً حالاً من ضميره تعالى خلافُ الظاهر. سُورَةُ الاسْراءِ ١٥٤ الآية : ١٠٦ والمرادُ بالحقِّ الأوَّل ــ على ما قيل - الحكمةُ الإلهية المقتضيةُ لإِنزاله، وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها، أي: ما أنزلناه إلَّا ملتبساً بالحقِّ المقتضي لإِنزاله، وما نزل إلَّا ملتبساً بالحقِّ الذي اشتمل عليه. وقيل: الباءُ الأولى للسببية متعلِّقة بالفعل بعدُ، والثانيةُ للملابسة. وقيل: هما للسبيَّة، فيتعلَّقان بالفعل. وقال أبو سليمانَ الدمشقيّ: الحقُّ الأولُ التوحيد، والثاني الوعدُ والوعيد، والأمرُ والنهي. وقيل: الحقُّ في الموضعين: الأمرُ المحفوظُ الثابت، والمعنى: ما أنزلناه من السماءِ إلَّا محفوظاً بالرَّصد من الملائكة، وما نزل على الرَّسول إلَّا محفوظاً بهم من تخليط الشَّياطين. وحاصلُه أنَّه محفوظٌ حالَ الإِنزال وحالَ النزولِ وما بعده، لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه. وأَبعَدَ مَن جوَّز كونَ المرادِ بالحقِّ الثاني النبيَّ وَّز، ومعنى نزولِه به نزولُه عليه وحلولُه عنده، من قولهم: نزل بفلانٍ ضيف. وعلى سائر الأَوجُهِ لا تَخفَى فائدةُ ذكرِ الجملة الثانيةِ بعد الأولى، وما يتوهّم من التَّكرار مندفع. ونحا الطبريُّ إلى أنَّ الجملةَ الثانية توكيدٌ للأُولى من حيث المعنى؛ لأنَّه يقال: أنزلتُه فنزل، وأَنزلته فلم ينزل، إذا عرض له مانعٌ من النزول، فجاءت الجملةُ الثانيةُ مزيلةً لهذا الاحتمال. وتحاشَى بعضُهم من إطلاق التوكيد؛ لما بين الإِنزال والنزولِ من المغايرة، وادّعى أنَّه لو كانت الثانيةُ توكيداً للأولى لَما جاز العطف؛ لكمال الاتّصال. ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا مُبَيْرًا﴾ للمطيع بالثَّواب ﴿وَنَذِيرًا ﴾﴾ للعاصي من العقاب، فلا عليك إلَّا التبشيرُ والإنذار، لا هدايةُ الكفرةِ المقترحين وإكراهُهم على الدِّين. ولعل الجملةَ لتحقيق حقِّية بعثتِهِ وَّهِ إثرَ تحقيقِ حقِّية القرآن، ونصبُ ما بعدَ ((إلا)) على الحال. ﴿وَقُرْءَنَا﴾ نصب بفعل مضمَرٍ يفسِّره قوله تعالى: ﴿فَقْتَهُ﴾ فهو من بابٍ الاشتغال، ورجَّح النصبَ على الرفع العطفُ على الجملة الفعلية، ولو رُفع على الآية : ١٠٦ ١٥٥ سُورَةُ الإِسْرَاءِ الابتداءِ في غير القرآنِ جاز، إلَّا أنه لا بدَّ له من ملاحظة مسوِّغ عند مَن لا يكتفي في صحَّة الابتداءِ بالنَّكرة بحصول الفائدة، وعلى هذا أَخرجه الحوفيّ(١). وقال ابنُ عطية: هو مذهبُ سيبويه(٢). وقال الفرَّاء(٣): هو منصوبٌ بـ ((أرسلناك))، أي: ما أرسلناك إلَّا مبشراً ونذيراً وقرآناً، كما تقول: رحمةً؛ لأنَّ القرآنَ رحمة. ولا يخفى أنه إعرابٌ متكلَّف لا يكاد يقوله فاضل. ومما يُقضَى منه العجب ما جوَّزه ابنُ عطيةً(٤) من نصبه بالعطف على الكافِ في ((أرسلناك))، وقال أبو البقاءٍ(٥) - وهو دون الأوَّل وفوقَ ما عداه - إنه منصوبٌ بفعل مضمرٍ دلَّ عليه ((آتينا)) السابق، أو (أرسلناك)). وجملةُ («فرقناه)» في موضع الصفةِ له، أي: آتيناك قرآناً فرقناه، أي: أنزلناه منجَّماً مفرَّقاً، أو: فرَقنا فيه بين الحقِّ والباطل، فحُذف الجارُّ وانتصب مجرورُه على أنَّه مفعولٌ به على التوسُّع كما في قوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً (٦) ورُوي ذلك عن الحسن. وعن ابن عباس: بيّنَّا حلالَه وحرامَه. وقال الفرَّاء(٧): أَحكمناه وفصَّلناه، كما في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ ﴾ [الدخان: ٤]. حَكِيرٍ وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، وابنُ عباس، وأُبيّ، وعبدُ الله، وأبو رجاء، (١) أي: على أنه منصوب بإضمار فعل يفسره الظاهر بعده. البحر ٦/ ٨٧. (٢) المحرر الوجيز ٣/ ٤٩٠، وقوله: هو مذهب سيبويه، أي: كونه منصوباً بفعل مضمر. (٣) في معاني القرآن ٢/ ١٣٢. (٤) في المحرر الوجيز ٣/ ٤٩٠ . (٥) في الإملاء ٥٠٢/٣ . (٦) سلف ٢٨٤/١. (٧) في معاني القرآن ١٣٣/٢. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ١٥٦ الآية : ١٠٦ وقتادة، والشَّعبي، وحُميد، وعمر بنُ فائد، وزيد بن عليّ، وعمرو بن ذَرّ، وعكرمة، والحسن بخلافٍ عنه: «فرَّقناه)» بشدِّ الراء (١)، ومعناه كالمخفَّف، أي: أنزلناه مفرَّقاً منجَّماً، بيدَ أنَّ التضعيفَ للتكثير في الفعل، وهو التفريق، وقيل: فَرَقَ بالتخفيف يدلُّ على فصلٍ متقارب، وبالتشديد على فصلٍ متباعد. والأولُ أَظهر. ولمَّا كان قولُه تعالى الآتي: ((على مكث)) يدلُّ على كثرة نجومِه، كانت القراءتان بمعنّى. وقيل: معناه: فرقنا آياتِه بين أمرٍ ونهي، وحِكَم وأحكام، ومواعظَ وأمثال، وقصصٍ وأخبارِ مغيَّاتٍ أتت وتأتي. والجمهورُ على الأَوَّل. وقد أخرج ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ الأنباريِّ وغيرُهما عن ابن عباسٍ قال: نزل القرآن جملةً واحدةً من عندَ اللهِ تعالى من اللوح المحفوظِ إلى السَّفرة الكرامِ الكاتبين في السماءِ الدنيا، فنجَّمته السفرةُ على جبريل عليه السلام عشرين ليلة، ونجَّمه جبريل عليه السلام على النبيِّ وَّلِ عشرين سنة(٢). وفي روايةٍ أنه أُنزل ليلةَ القدرِ في رمضان، ووُضع جملةً في بيت العزَّة في السماءِ الدنيا، ثم أُنزل نجوماً في عشرين. وفي رواية: في ثلاثٍ وعشرين سنة. وفي أخرى: في خمسٍ وعشرين. وهذا الاختلافُ - على ما في ((البحر))(٣) - مبنيٌّ على الاختلاف في سِنِّه ◌َِّهِ . وأخرج ابن الضُّرَيْس(٤) من طريق قتادة عن الحسن كان يقول: أَنزل اللهُ القرآنَ على نبيِّ اللهِ وَّرَ في ثماني عشرةَ سنة: ثمان سنين بمَّة، وعشرٌ بعد ما هاجر. وتعقّبه ابن عطية(٥) بأنه قولٌ مختلٌّ لا يصحُّ عن الحسن. واعتمد جمعٌ أنَّ بين أوَّله وآخرِه ثلاثاً وعشرين سنة، وكان ينزل به جبريلُ عليه السلام - على ما قيل - خمسَ آيَاتٍ خمسَ آيات، فقد أَخرج البيهقيُّ في ((الشُّعب)) (١) القراءات الشاذة ص٧٧، والمحتسب ٢٣/٢، والبحر ٨٧/٦. (٢) الدر المنثور ٢٠٥/٤. (٣) ٦/ ٨٧. (٤) في فضائل القرآن (١٢٦). (٥) في المحرر الوجيز ٤٩١/٣. الآية : ١٠٦ ١٥٧ سُورَةُ الإِسْرَاة عن عمرَ ◌َّه أنه قال: تعلَّموا القرآنَ خمسَ آياتٍ خمسَ آيات؛ فإنَّ جبريلَ عليه السلام كان ينزل به خمساً خمساً (١). وأخرج ابنُ عساكر من طريق أبي نضرةَ قال: كان أبو سعيد الخدريُّ يعلِّمنا القرآن خمسَ آياتٍ بالغَداة، وخمسَ آيَاتٍ بالعَشيّ، ويُخبر أنَّ جبريل عليه السلام نزل به خمسَ آياتٍ خمسَ آيات(٢). وكأنَّ المرادَ: في الغالب، فإنَّه قد صحَّ أنه نزل بأكثرَ من ذلك وبأقلَّ منه. وقرأ أُبيِّ وعبدُ الله: ((فرَّقناه عليك))(٣). ﴿لِيَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: تَؤدة وتأنٍّ؛ فإنه أيسرُ للحفظ وأعونُ على الفهم. ورُوي ذلك عن ابن عباسٍ ﴿ًّا. وقيل: أي: تطاولٍ في المدَّة وتقضِّيها شيئاً فشيئاً. والظاهرُ تعلُّق ((لِتقرأَه)) بـ ((فرقناه))، و((على الناسِ)) بـ ((تقرأه))، و((على مُكثٍ)) به أيضاً، إلَّا أنَّ فيه تعلُّقَ حرفَي جرِّ بمعنّى بمتعلَّق واحد. وأُجيب بأنَّ تعلّق الثاني بعد اعتبار تعلُّق الأوَّل به، فيختلف المتعلَّق. وفي ((البحر)) (٤): لا يبالَى بتعلُّق هذين الحرفين بما ذُكر؛ لاختلاف معناهما، لأنَّ الأولَ في موضع المفعولِ به، والثانيَ في موضع الحال، أي: متمهِّلاً مترسِّلاً . ولما في ذلك من القيل والقال، اختار بعضُهم تعلقَه بـ ((فرقناه)). وجوَّز الخفاجيّ(٥) تعلَّقَه بمحذوف، أي: تفريقاً، أو فرقاً على مكثٍ، أو قراءةً علی مکثٍ منك، کمُکثٍ تنزيله. وجَعَله أبو البقاءِ (٦) في موضع الحالِ من الضمير المنصوبِ في («فرقناه))، أي: متمكِّئاً . (١) الشعب (١٩٥٩) من طريق أبي العالية عن عمر، وأخرجه (١٩٥٨) عن أبي العالية قوله، وهو أصح كما ذكر البيهقي. (٢) تاريخ ابن عساكر ٣٩١/٢٠، وفي إسناده: الصلت بن دينار، وهو متروك كما في التقريب. (٣) البحر ٨٧/٦. (٤) ٦ / ٨٧. (٥) في حاشيته ٦/ ٦٨. (٦) في الإملاء ٥٠٢/٣. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ١٥٨ الآية : ١٠٧ ومن العجيب قولُ الحوفيّ: إنه بدلٌ من ((على الناس)). وقد تعقَّبه أبو حيانَ(١) بأنَّه لا يصح؛ لأنَّ ((على مكث)) من صفات القارئ، أو من صفاتِ المقروء، ولیس من صفات الناسٍ ليكونَ بدلاً منهم. والمكثُ مثلَّث الميم، وقُرئ بالضمِّ والفتح(٢)، ولم يُقرأ بالكسر، وهو لغةٌ قليلة. وزعم ابنُ عطيةً(٣) إجماعَ القرَّاءِ على الضمّ. ﴿وَزََّْهُ نَزِيلًا ﴾﴾ على حسَب الحوادثِ والمصالح، فذِكْرُ هذا بعد قولِه تعالى: ((فرقناه .. )) إلخ مفيد؛ وذلك لأن الأوَّلَ دالٌّ على تدريج نزولِه ليسهلَ حفظُه وفهمُه من غير نظرٍ إلى مقتضٍ لذلك، وهذا أخصُّ منه؛ فإنَّه دالٌّ على تدريجه بحسَب الاقتضاء. ﴿قُلْ﴾ للذين كفروا ﴿مَامِنُواْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ﴾ أي: به، على معنى أنَّ إِيمانَكم به وعدمَ إيمانِكم به سواء؛ لأنَّ إيمانَكم لا يزيده كمالاً، وعدمَ إيمانكم لا يورثه نقصاً . ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أي: العلماءَ الذين قرؤوا الكتبَ السالفةَ من قبلِ تنزُّلِ القرآن، وعرفوا حقيقةَ الوحي وأماراتِ النبوَّة، وتمكَّنوا من تمييز الحقِّ والباطلِ والمحقِّ والمبطِل، أو: رأوا نعتَك ونعتَ ما أُنزل إليك ﴿إِذَا يُتْلَى﴾ أي: القرآنُ ﴿عَنِهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الخرور: السقوطُ بسرعة، والأَذقان جمع ذَقَن، وهو مجتمع اللَّحيين، ويُطلق على ما ينبت عليه من الشَّعر مجازاً، وكذا يطلق على الوجه تعبيراً بالجزء عن الكلّ، قيل: وهو المراد، ورُوي عن ابن عباس. فكأنَّه قيل: يسقطون بسرعةٍ على وجوههم ﴿سُجَّدًا (®﴾ تعظيماً لأمر الله تعالى، أو شكراً لإِنجاز ما وعد به في تلك الكتبٍ من بعثتك. والظاهرُ أنَّ هنا خروراً وسجوداً على الحقيقة. وقيل: لا شيءَ من ذلك، وإنمَّا (١) في البحر ٨٨/٦. (٢) القراءات الشاذة ص ٧٧، والبحر ٨٨/٦. (٣) في المحرر الوجيز ٤٩١/٣ . الآية : ١٠٧ ١٥٩ سُورَةُ الإِسْراء المقصودُ أنهم ينقادون لِمَا سمعوا، ويخضعون له كمالَ الانقيادِ والخضوع، فأُخرج الكلامُ على سبيل الاستعارةِ التمثيلية. وفسَّر الخرورَ للأذقان بالسُّقوط على الوجوه الزمخشريُّ (١)، ثم قال: وإنمَّا ذكر الذَّقَن؛ لأنَّه أولُ ما يَلقَى الساجدُ به الأرضَ من وجهه. وقيل: فيه نظر؛ لأنَّ الأولَ هو الجبهةُ والأنف، ثم وجِّه بأنه إذا ابتدأ الخرورُ فأقربُ الأشياءِ من وجهه إلى الأرض هو الذَّقَن، وكأنه أُريد أولُ ما يقرب من اللِّقاء. وجوِّز أن تبقَى الأذقانُ على حقيقتها، والمرادُ المبالغةُ في الخشوع، وهو تعفيرُ اللِّحَى على التُّراب، أو أنَّه ربما خرُّوا على الذَّقن كالمغشيِّ عليهم لخشية اللهِ تعالى. وقيل: لعل سجودَهم كان هكذا غيرَ ما عرفناه. وهو كما ترى. وقال صاحبُ ((الفرائد)): المرادُ المبالغةُ في التحامل على الجبهةِ والأنف، حتى كأنَّهم يُلصقون الأذقانَ بالأرض. وهو وجهٌ حسن جدّاً. واللامُ - على ما نصَّ عليه الزمخشريُّ(٢) - للاختصاص، وذكر أنَّ المعنى: جعلوا أَذقانَهم للخُرور واختصُّوها به. ومعنى هذا الاختصاصِ - على ما في ((الكشف)) - أنَّ الخرورَ لا يتعدَّى الأذقانَ إلى غيرها من الأعضاءِ المقابلة، وحقَّق ذلك بما لا مزيدَ عليه. واعتُرض القولُ بالاختصاص بأنه مخالفٌ لما سبق من قوله: إنَّ الذَّقَن أولُ ما يلقى الساجدُ به الأرض. وأُجيب بما أُجيب. وتعقّبه الخفاجيُّ(٣) بأنه مبنيٌّ على أنَّ الاختصاصَ الذي تدلُّ عليه اللامُ بمعنى الحصر، وليس كذلك، وإنَّما هو بمعنى تعلُّقٍ خاصّ، ولو سُلِّم، فمعنى الاختصاصِ بالذَّقن الاختصاصُ بجهته ومحاذيه، وهي جهةُ السفل، ولا شكَّ في (١) في الكشاف ٢/ ٤٧٠. (٢) في الكشاف ٢/ ٤٧٠. (٣) في حاشيته ٦٩/٦. سورة الإسراء ١٦٠ الآية : ١٠٧ اختصاصه به؛ إذ هو لا يكونُ لغيره، فمعنى ((يخرون للأذقان)): يقعون على الأَرض، عند التحقيق، والمرادُ تصويرُ تلك الحالة، كما في قوله: فخرَّ صريعاً لليدين وللفمِ(١) فتأمّل. واختار بعضُهم كونَ اللامِ بمعنى ((على)). وزعم بعضِّ عودَ ضميرَي (به)) و((قبله)) على النبيِّ وَّر، ويأباه السِّباق واللَّحاق. وأخرج ابنُ المنذرِ وابن جَرير [ِعن مجاهد] أنَّ ضميرَ ((يتلى)) لكتابهم(٢). ولا يخفَى حالُه. والظاهر أنَّ الجملةَ الاسميةَ داخلةٌ في حيِّز ((قل)) وهي تعليلٌ لما يُفْهَم من قوله تعالى: (ءَامِنُواْ بِهِ: أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ) من عدم المبالاة بذلك، أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به أحسنَ إيمانٍ مَن هو خيرٌ منكم. ويجوز ألَّا تكونَ داخلةً في حيِّز ((قل))، بل هي تعليلٌ له على سبيل التسليةِ لرسول اللهِ وَلِهِ، كأنَّه قيل: تسلَّ بإيمان العلماءِ عن إيمان الجهلة، ولا تكترثْ بإيمانهم وإعراضهم (٣). وقد ذكر كلا الوجهَين ((الكشّاف))(٤) قال في ((الكشف)»: والحاصلُ أن المقصودَ التسلِّي والازدراء، وعدمُ المبالاةِ المفيدُ للتوبيخ والتقريعِ مفرَّع عليهِ مُدمَج، أو بالعكس. والصيغةُ في الثاني أَظهر، والتعليلُ بقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ) في الأوَّل. وقال ابنُ عطية (٥): يتوجَّه في الآية معنّى آخرُ، وهو أنَّ قولَه سبحانه: (ثُلْ ءَامِنُواْ بِهِ: أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ) إنمَّا جاء للوعيد، والمعنى: إِفعلوا أيَّ الأمرَين شئتم، فسترون (١) قائله جابر بن حُنَيّ كما في المفضليات ص ٢٠٨، وسلف ٣٩٧/١٤. (٢) الدر المنثور ٢٠٥/٤-٢٠٦ وما بين حاصرتين منه، وهو في تفسير الطبري ١٢١/١٥ عن ابن جريج . (٣) في الأصل و(م): وأغراضهم، والمثبت من تفسير البيضاوي ٦٨/٦، وتفسير أبي السعود ٩٩/٥. (٤) ٢ / ٤٦٩ - ٤٧٠ . (٥) في المحرر الوجيز ٤٩١/٣.