Indexed OCR Text

Pages 461-480

التفسير الإشاري (١-٢١)
٤٦١
سُؤَدَةُ الإِسْرَة
إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وهما كذلك، وإلى هذا أشار وَّه بقوله:
((أَعوذُ بك منك))(١).
وأوَّل بعضُهم الليلَ بِظُلمة الغواشي البدنية والتعلُّقات الطبيعية، وقال: إنَّ
الترقِّي والعروجَ لا يكون إلا بواسطة البدن، وقد صرَّحوا بأنَّه ◌َل ◌ِ أُسري به وكذا
عُرج يقظةً لم يفارق بدنَه، إلا أن العارف الجاميَّ قال: إنَّ ذلك إلى المحدّد، ثم
ألقَى البدنَ هناك، وقد تقدَّم ذلك.
وفي ((أسرار القرآن)) أنَّه عليه الصلاة والسلام أُسري به من رؤية أفعالِه إلى رؤية
صفاته، ومن رؤية صفاتِهِ إلى رؤية ذاتِهِ، فرأى الحقَّ بالحقِّ، وكانت صورتُه روحَه،
وروحُه عقله، وعقلُه قلبَه، وقلبُه سرَّه، وكأنَّه أراد أنه وَّل حصل له هذا الإِسراءُ،
وإلَّ فإرادةُ أنَّ الإسراءَ الذي في الآية هو هذا ممَّا لا ينبغي.
ولا يخفَى أنَّ الإسراءَ غيرُ المعراج، نعم قد يطلقون الإسراءَ على المعراج، بل
قيل: إنَّهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وقد ذكروا أنَّ لجميع الوارثين معراجاً، إلّا أنَّه معراجُ أرواحٍ لا أشباح، وإسراءُ
أسرارٍ لا أسوار، ورؤيةُ جَنان لا عِيان، وسلوك ذَوقٍ وتحقيق لا سلوكُ مسافةٍ
وطريق، إلى سماوات معنّى لا مغنّى، وهذا المعراجُ متفاوتٌ حسب تفاوتِ مراتبٍ
الرِّجال.
وقد ذكر الشيخُ الأَكبر قدِّس سرُّه في معراجه ما يحيِّر الألباب، ويقضى منه
العجب العجاب، ولم يُستبعَد ذلك منه، بناءً على أنَّه ختمُ الولايةِ المحمَّدية
عندهم. ومِن عجائب ما اتَّفق في زماننا أنَّ رجلاً يُدعَى بـ : عبد السلام نائبٍ
القاضي في بغداد، وكان جَسوراً على الحكم بالباطل، شَرَعَ في ترجمة معراجٍ
الشيخ قدِّس سره بالتُّركية، مع شرح بعض مغلَقاته، ولم يكن من خبايا هاتيك
الزَّوايا، فقبل أن يتمَّ مرامُه ابتُلي - والعياذُ بالله تعالى - بأَكِلَة في فمه، فأكلته إلى
أُذُنَيه، فمات وعُرج بروحه إلى حيث شاءَ اللهُ تعالى، نسأل اللهَ سبحانه العفوَ
والعافية، في الدِّين والدنيا والآخرة.
(١) أخرجه أبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦) وحسنه من حديث علي ته، وسلف ١١٤/١.

سُورَةُ الإِسْرَائِ
٤٦٢
التفسير الإشاري (١-٢١)
ونُقل عن الشيخ قدِّس سرُّه أنَّ الإسراءَ وقع له وَّهِ ثلاثين مرَّة. وفي كلام الشيخ
عبد الوهّاب الشعرانيّ أن إسراءاتهِ عليه الصلاة والسلام كانت أربعاً وثلاثين، واحدٌ
منها بجسمه، والباقي بروحه، وقد صرَّحوا أنَّ الأوَّل من خصائصه وَلِّ.
وفي ((الخصائص الصُّغرى)): وخصَّ عليه الصلاة والسلام بالإِسراء، وما تضمَّنه
من خرق السَّماوات السبع والعلوِّ إلى قابٍ قوسين، ووطئه مكاناً ما وطئه نبيٌّ مرسَل
ولا مَلَك مقرَّب، وأنَّ قطَع المسافةِ الطويلة في الزَّمن القصيرِ ممَّا يكون كرامةً
للوليِّ، والمشهورُ تسميةُ ذلك بطيّ المسافة، وهو من أَعظم خوارقِ العادات،
وأَنكر ثبوتَه للأولياءِ الحنفيةُ، ومنهم ابنُ وهبان، قال:
ومَن لوليٍّ قال طيُّ مسافةٍ يجوز جهولٌ ثم بعضٌ يكفّرُ
وهذا منهم مع قولهم: إذا وُلد لمغربيٍّ ولدٌ من امرأته المشرقيةِ مثلاً يُلحق به
وإنْ لم يلتقيا ظاهراً، غريب، والكتبُ ملأَى من حكايات الثقاتِ هذه الكرامةَ لكثيرٍ
من الصالحين، وكأنَّ مجهِّل قائلِها بنَى تجهيلَه على أنَّ في ذلك قولاً بتداخُل
الجواهر، وقد أحاله المتكلِّمون خلافاً للنظام، وبرهنوا على استحالته بما لا مزيدً
عليه، وادَّعى بعضُهم الضرورةَ في ذلك.
وأنت تعلمُ أنَّ قطعَ المسافةِ الطويلة في الزَّمن القصيرِ لا يتوقَّف على تداخلٍ
الجواهر؛ لجواز أن يكونَ بالسُّرعة، كما قالوا في الإسراء، فليثبت للأولياءِ على
هذا النَّحو، على أنَّ الكراماتِ - كالمعجزات - مجهولةُ الكيفية، فنؤمنُ بما صحَّ
منها، ونفوِّض كيفيتَه إلى مَن لا يُعجزه شيءٌ سبحانه وتعالى، ومثلُ طيِّ المسافةِ
ما يحكونه من نشر الزَّمان، وأنا مؤمنٌ - ولله تعالى الحمدُ - بما يصحُّ نقله من
الأَمرين، والمكفِّرِ جَهول، والمجهِّل ليس برسول، واللهُ تعالى الموفِّق للصواب،
وإليه المرجعُ والمآب.
وأُوِّل المسجدُ الحرام بمقام القلبِ المحترَم عن أن يطوفَ به مشركو القُوى
البدنية، ويرتكبَ فيه فواحشها وخطاياها، والمسجدُ الأَقصى بمقام الروحِ الأَبعد
من العالَم الجسماني.
﴿لِثُرِّيَهُ، مِنْ ءَئِنَاً﴾ أي: آياتٍ صفاتنا، من جهة أنَّها منسوبةٌ إلينا ونحن
المشاهدون بها، وإلَّا فأصلُ مشاهدةِ الصفات في مقام القلب.

التفسير الإشاري (١-٢١)
٤٦٣
سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْجَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَاً﴾ قال سهلٌ: أي: إنْ عُدتم إلى المعصية
عُدنا إلى المغفرة، وإنْ عدتم إلى الإِعراض عنَّا عدنا إلى الإِقبال عليكم، وإنْ عُدتم
إلى الفرار منّا عدنا إلى أخذ الطريقِ عليكم لترجعوا إلينا. وقال الورَّاق: إنْ عدتم
إلى الطاعةِ عدنا إلى التَّيسير والقَبول. وقيل غير ذلك.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلِّى هِىَ أَقْوَمُ﴾ الآية، أي: إنَّ هذا القرآنَ يَعرف أهلُه
بنوره أقومَ الُّرق إلى الله تعالى، وهو طريقُ الطاعة والاقتداءِ بمَن أُنزل عليه عليه
الصلاة والسلام، فإنه لا طريقَ يوصل إلَّا ذلك، وله تعالى درُّ مَن قال:
وأنت بابُ الله أيُّ امرئٍ أتاه من غيرك لا يدخلُ(١)
وذكروا أنَّ القرآن يُرشد بظاهره إلى معاني باطنِهِ، وبمعاني باطنه إلى نورٍ
حقيقته، وبنور حقيقته إلى أصل الصِّفة، وبالصِّفة إلى الذَّات، فطوبى لمن استرشد
بالقرآن، فإنَّه يدلُّه على الله تعالى، وقد أَحسنَ مَن قال(٢):
كفَى لمطايانا بنوركَ هادياً
إذا نحن أَدلجنا وأنت أمامَنا
﴿وَيُبَشِّرُ﴾ أهلَه الذين يتَبعونه أنَّ لهم أجرَ المشاهدةِ وكشفَها بلا حجاب.
﴿وَيَدْعُ الْإِسَنُ بِالشَّرِّ دُعَهُ بِْخَيْرِّ وَكَانَ الْإِسَنُ عَمُوْلًا﴾ فيه إشارةٌ إلى أدبٍ من آداب
الدُّعاء، وهو عدمُ الاستعجال، فينبغي للسَّالك أن يصبرَ حتى يعرفَ ما يَليق بحاله
فيدعو به. وقال سَهل: أَسلَمُ الدَّعوات الذِّكرُ وتركُ الاختيار؛ لأنَّ في الذِّكر
الكفايةَ، وربَّما يسأل الإنسانُ ما فيه هلاكُه ولا يشعر. وفي الأثر: يقول الله تعالى
شأنُه: ((من شغله ذِكري عن مسألتي، أعطيه أفضلَ ما أعطي السائلين))(٣).
﴿وَجَعَلْنَا الَيْلَ﴾ أي: ليلَ الكونِ وظلمة البدن ﴿وَالنََّارَ﴾ أي: نهارَ الإِبداع
والرُّوحِ ﴿ءَايَيْنِ﴾ يتوصَّل بهما إلى معرفة الذاتِ والصِّفات ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةَ أَلَيْلِ﴾
بالفساد والفَناء ﴿وَحَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ منيرةً باقيةً بكمالها، تُبصَر بنورها
الحقائقُ ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وهو كمالُكم الذي تستعدُّونه ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
(١) البيت للشيخ محمد البكري كما في خلاصة الأثر ٢/ ٤١٠، وسلف ٣٧٣/٧.
(٢) هو عمرو بن شأس. معجم الشعراء ص ٢٢، والحماسة البصرية ١٤٥/٢ .
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري مُه بلفظ: ((من شغله القرآن
وذكري ... )) ينظر ما سلف ٤٣/١١.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤٦٤
التفسير الإشاري (١-٢١)
السِّنِينَ وَالِسَابِ﴾ أي: لتُحصوا عددَ المراتبِ والمقامات من بدايتكم إلى نهايتكم
بالترقِّ فيها، وحسابَ أعمالِكم وأخلاقِكم وأحوالكم، فتُبدلوا السيئَ من ذلك
بالحسن ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ﴾ من العلوم والحِكَم ﴿فَضَّلْنَهُ﴾ بنور عقولِكم الفرقانيةِ الحاصلةِ
لكم عند الكمالِ ﴿تَفْصِيلًا﴾ لا إِجمال فيه، كما في مرتبة العقلِ القرآنيِّ الحاصل
عند البداية.
﴿وَكُلَّ إِنَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ، فِ عُنُقِهِ﴾ .. الآيةُ، تقدَّم ما يصلحُ أن يكونَ من باب
الإِشارة فيها .
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِِّينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ للصُّوفية في هذا الرسولِ - كغيرهم - قولان،
فمنهم مَن قال: إنَّه رسولُ العقل، ومنهم مَن قال: رسولُ الشَّرع.
﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُّهْلِكَ قَرَةً أَمَرْنَا مُتْرِفِهَا فَفَسَقُواْ فِهَا﴾ الآيةُ فيها إشارةٌ إلى أنَّه سبحانه
إذا أراد أن يخربَ قلبَ المريد، سلَّط عليه عساكرَ هوى نفسِه، وجنودَ شياطينه،
فيخرب بسنابك(١) خيولِ الشَّهوات، وآفات الطّبْعيات، نعوذُ بالله تعالى من ذلك.
﴿مِّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ﴾ لكدورة استعدادِهِ، وغَلَبة هواه وطبيعتِهِ ﴿عَبَّلْنَا لَهُ، فِيهَا مَا
نَشَآءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُو جَهَنَّمَ يَصْلَنَهَا مَذْهُومًا﴾ عن ذوي العقول ﴿مَّدْخُورًا﴾ في
سخط اللهِ تعالى وقهره.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ﴾ لصفاء استعدادِه، وسلامةِ فِطرته ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ اللائقَ
بها، وهو السعيُّ على سبيل الاستقامةِ وما ترتضيه الشّريعة. وقال بعضُهم: السعيُّ
إلى الدنيا بالأَبدان والسعيُ إلى الآخرة بالقلوب، والسعيُّ إلى الله تعالى بالهِمَم
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ثابتُ الإِيمان لا تزعزعه عواصفُ السُّبَه ﴿فَأُوْلَكَ كَانَ سَعْيُهُم
مَشْكُورًا﴾ مقبولاً مثاباً عليه.
وعن أبي حفصٍ (٢): أنَّ السعيَ المشكورَ ما لم يكن مَشوباً برياءٍ ولا بسمعة،
ولا برؤية نفسٍ ولا بطلب ◌ِوَض، بل يكون خالصاً لوجهه تعالى لا يشاركه في
ذلك شيءٌ، فلا تغفل.
(١) السُّنْبُك: طرف الحافر. القاموس (السنبك).
(٢) هو شهاب الدين السهروردي، والله أعلم.

الآية : ٢٢
٤٦٥
سُؤَدَةُ الإِسْرَاءِ
﴿كُلَّا تُّمِدُ هَؤُلَاءِ وَهََؤُلَاءٍ مِنْ عَطَِّ رَبِّكْ﴾ لا تأثيرَ لإرادتهم وسعيِهم في ذلك،
وإنما هي معرفاتٌ وعلاماتٌ لما قدَّرنا لهم من العطاء، ورأيتُ في ((الفتوحات
المكية))(١) أنَّ هذه الآيةَ نحوُ قولهِ تعالى: ﴿فَأَمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨] وهو
نحوُ ما تقدَّم عن ابن عباسٍ څًّا، وقد سمعتَ ما فيه.
﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ تَحْظُورًا﴾ عن أَحد، مطيعاً كان أو عاصياً؛ لأنَّ شأنَه تعالى
شأنُه الإِفاضةُ حسبما تقتضيه الحِكمة.
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِ﴾ في الدنيا، بمقتضى المشيئةِ والحِكمة
﴿وَلَلْأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا﴾ فهناك ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت،
ولا خطر على قلبٍ بشر، رَزَقنا الله تعالى وإيَّكم ذلك، إنَّه سبحانه الجوادُ المالك.
﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَخَرَ﴾ الخطابُ للرَّسُولِهِ، والمرادُ به أمَّتُه، على
حدِّ: إياكِ أَعني فاسمعي يا جارة، أو لكلِّ أحدٍ ممَّن يصلح للخطاب، على حدٍّ:
﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ﴾ [الأنعام: ٣٠، ٢٧].
﴿فَقْعُدَ﴾ بالنَّصب على النهي، والقعودُ، قيل: بمعنى المُكث، كما تقول: هو
قاعدٌ في أسوأ حال، أي: ماكثٌ ومقيم، سواءٌ كان قائماً أم جالساً. وقيل: بمعنى
العَجز، والعربُ تقول: ما أقعدَك عن المكارِم، أي: ما أَعجزَك عنها. وقيل:
بمعنى الصَّيرورة، من قولهم: شحذَ الشفرةَ حتى قعدت كأنَّها حربة، أي: صارت.
وتعقّب هذا أبو حيَّان(٢) بأنَّ مجيءَ قعد بمعنى صار مقصورٌ عند الأصحابِ
على هذا المَثَل، ولا يطّرد. وقال بعضُهم: إن اطّرد فإنَّما يظَّرد في مثل الموضعِ
الذي استعملته العربُ فيه أوَّلاً، يعني القولَ المذكور، فلا يقال: قعد كاتباً، بمعنى
صار، بل: قعد كأنَّه سلطان، لكونه مثلَ: قَعَدت كأنَّها حربة.
ولعل مَن فسَّر القعودَ هنا بمعنى الصَّيرورة ذهب مذهبَ الفرَّاء؛ فإنه - كما قال
(١) في الباب الخامس ١١٣/١.
(٢) في البحر ٦/ ٢٢.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤٦٦
الآية : ٢٣
أبو حيَّان(١) وغيرُه - يقول باطِّراد ذلك، وجعل منه قولَ الراجزِ المذكورِ في ((البحر))
و ((الحواشي الشِّهابية))(١) ولا حجَّةَ فيه. وحكى الكِسائي: قَعَدَ لا يسأل حاجةً إلَّا
قضاها، واستعمالُ البغداديِّين على هذا.
ثم إنَّهم اختلفوا في القُعود بمعنى العجز، فقيل: هو مجازٌ من القعود ضدِّ
القيام، كالمُقْعَد بمعنى العاجزِ عن القيام، ثم تجوِّز به عن مُطلَق العجز. وقيل: هو
كنايةٌ عن العجز؛ فإنَّ مَن أراد أخذَ شيءٍ يقوم له، ومَن عجز قعد. وأمَّا القعودُ
بمعنى الزَّمانة فحقيقة، والإِقعادُ مجاز، كأنَّ مرضه أقعده وجُعل هذا القعودُ بمعنى
المكثِ حقيقةً. وتعقّب بأنَّ فيه نظراً، إلّا أن يريدَ حقيقةً عرفيةً لا لغوية؛ لأنَّه ضدُّ
القيام. وإذا جُعل القعودُ هنا بمعنى العجز، فالفعلُ لازم، ومتعلَّقه محذوف، أي:
فتعجزَ عن الفوز بالمقصود، مثلاً.
و: ﴿مَذْهُومًا تَّخْذُولًا (٣)﴾ إمَّا خبران لـ ((تقعد))، على القول الأخير، وإمَّا حالان
مترادفان، أي: فتقعدَ جامعاً على نفسك الخِذلانَ من الله تعالى، والذمَّ من
الملائكة والمؤمنين، أو من ذَوِي العقول، حيث اتّخذت محتاجاً مفتقِراً مثلَك
لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا إلهاً، ونسبتَ إليه ما لا يصلحُ له، وجعلتَه شريكاً لمن
له الكمالُ الذاتيُّ، وهو الذي خلقكَ ورزقكَ وأنَعم عليك، على ما عداه.
وجوَّز أبو حيَّان(٢) أن يرادَ بالقعود حقيقتُه؛ لأنَّ مِن شأن المذموم المخذولِ أن
يقعدَ حائراً متفكِّراً، وهو من باب التعبيرِ بالحال الغالبة. وفي الأَّية إشعارٌ بأنَّ
الموحِّد جامعٌ بين المدح والنُّصرة.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أخرج ابن جريرٍ وابنُ المنذر من طريق عليٍّ بن أبي طلحةً عن
ابن عباسٍ أنَّه قال: أي: أَمَرَ ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ (٣) أي: بألَّا تعبدوا .. إلخ، على
أنَّ ((أنْ)) مصدرية، والجارَّ قبلها مقدَّر، و((لا)) نافيةٌ، والمراد النَّهي. ويجوز أن
تكونَ ناهيةً كما مرَّ، ولا ينافيه التأويلُ بالمصدر كما أسلفناه.
(١) البحر المحيط ٢٢/٦، وحاشية الشهاب ٢١/٦، وينظر الرجز المذكور فيه، ولم نذكره
لفحشه .
(٢) في البحر ٦/ ٢٢ .
(٣) الدر المنثور ١٧١/٤، وتفسير الطبري ١٤/ ٥٤٢.

الآية : ٢٣
٤٦٧
سُورَةُ الإِسْرةِ
أو: أَيْ: لا تعبدوا .. إلخ، على أنَّ ((أنْ)) مفسِّرة؛ لتقدُّم ما تضمَّن معنى القولِ
دون حروفه، و ((لا)» ناهیةٌ لا غیر.
وجوَّز بعضُهم أن تكونَ ((أن)) مخفَّفة، واسمُها ضمير شأنٍ محذوف، و((لا))
ناهيةٌ أيضاً. وهو كما ترى.
وجوَّز أبو البقاءِ(١) أن تكونَ ((أن)) مصدريةً، و((لا)) زائدةً، والمعنى: إِلزَم ربَّك
عبادته. وفيه أنَّ الاستثناءَ يأبى ذلك.
وفي ((الكشّاف))(٢) تفسيرُ ((قضى)) بـ: أمر أمراً مقطوعاً به. وجعل ذلك غيرُ
واحدٍ من باب التَّضمين، وجعل المضمنَ أصلاً والمتضمنَ قيداً. وقال بعضُهم:
أراد أن القضاءَ مجازٌ عن الأمر المبتوتِ الذي لا يحتمل النسخَ، ولو كان ذلك من
التَّضمين لَكان متعلَّق القضاءِ الأمرَ دون المأمورِ به، وإلَّا لزم ألَّا يعبدَ أحدٌ غيرَ الله
تعالى، فيحتاجُ إلى تخصيص الخطابِ بالمؤمنين، فيَرِد عليه بأنَّ جميع أوامرِ الله
تعالى بقضائه، فلا وجه للتخصيص.
وتعقّب بأنَّ ما ذكر متوجِّه لو أُريد بالقضاء أخو القَدَرِ، أمّا لو أُريد به معناه
اللغويُّ الذي هو البتُّ والقطع المشارُ إليه، فلا يَرِد ما ذكره.
ثم إنَّ لزوم ألَّا يعبدَ أحدٌ غيرَ اللهِ تعالى اذَّعاه ابنُ عباس - فيما يروى - للقضاءِ
من غيرِ تفصيل، فقد أخرج أبو عُبيدٍ، وابنُ مَنيع، وابن المنذرِ، وابنُ مردويه من
طريق ميمون بن مهران عنه ◌ًِّا أنَّه قال: أَنزل اللهُ تعالى هذا الحرفَ على لسان
نبيِّكم: ((ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)) فلصقت إحدى الواوَين بالصَّاد، فقرأ
الناسُ: (وَقَضَى رَبُّكَ) ولو نزلت على القضاءِ ما أَشركَ به أحد (٣).
وأَخرج مثلَ ذلك عنه جماعةٌ من طريق سعيد بن جُبير وابنُ أبي حاتمٍ من طريق
الضحَّاك، ورُويت هذه القراءةُ عن ابن مسعودٍ وأَبَيِّ بن كعب ◌ِّها أيضاً(٤). وهذا - إن
(١) في الإملاء ٤٧٦/٣ .
(٢) ٤٤٤/٢.
(٣) الدر المنثور ٤ / ١٧٠ .
(٤) رواها عنهما الطبري في تفسيره ٥٤٢/١٤-٥٤٣، وينظر الدر المنثور ١٧٠/٤ .

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤٦٨
الآية : ٢٣
صحَّ - عجيبٌ من ابن عباس؛ لاندفاع المحذورِ بحمل القضاءِ على
الأمر - ولا أقلّ - كما هو مرويٌّ عنه أيضاً، نعم قيل: إنَّ ذلك معنًى مجازيٌّ
للقضاء، وقيل: إنَّه حقيقيٌّ.
وفي ((مفرَدات)) الرَّاغب(١): القضاء: فصلُ الأمر، قولاً كان أو فعلاً، وكلٌّ
منهما إلهيٍّ وبشري، فمن القولِ الإلهيِّ قولُه تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ)
أي: أَمَرَ ربُّك .. إلى آخِر ما قال. ثم إنَّ هذا الأمرَ عند البعضِ بمعنى مطلَقٍ
الطلب، ليتناول طلبَ تركِ العبادةِ لغيره تعالى، ويُغني عن هذا التجوُّزُ، كما قيل:
إنَّ معنى لا تعبدوا غيرَه: أعبدوه وحده، فهو أمرٌ باعتبار لازمِه، وإنَّما اختير ذلك
للإِشارة إلى أنَّ التخليةَ بترك ما سواه مقدِّمة مهمَّة هنا، وأمر سبحانه ألَّ يعبدوا غيرَه
تعالى؛ لأن العبادةَ غايةُ التعظيم، وهي لا تَليق إلَّا لمَن كان في غاية العظمة منعِماً
بالنِّعَم العظام، وما غيرُ اللهِ تعالى كذلك. وهذا وما عُطف عليه من الأعمال الحسنةِ
كالتفصيل للسَّعي للآخرة.
﴿وَيَلَوَالِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾ أي: وبأن تُحسنوا بهما، أو: أَحسِنوا بهما إحساناً، ولعلَّه
إذا نُظر إلى توحيد الخطابٍ فيما بعدُ، قُدِّر: وأَحسن بالتوحيد أيضاً.
والجارُّ والمجرور متعلِّق بالفعل المقدَّر، وهو الذي ذهب إليه الزمخشريُّ(٢)،
ومنع تعلُّقَه بالمصدر؛ لأنَّ صلته لا تتقدَّم عليه، وعلَّقه الواحديُّ به، فقال
الحلبيُّ(٣): إن كان المصدرُ منحلًا بـ: ((أنْ)) والفعل، فالوجهُ ما ذهب إليه
الزمخشريُّ، وإن جُعل نائباً عن الفعل المحذوف، فالوجهُ ما قاله الواحديُّ،
ومذهبُ الكثيرِ من النُّحاة جوازُ تقديم معموله إذا كان ظرفاً مطلقاً؛ لتوسُّعهم فيه،
والجارُّ والمجرورُ أخوه.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا﴾ ((إمَّا)) مركَّبة من ((إن)) الشرطيةِ
و ((ما)) المزيدة لتأكيدها .
(١) مادة (قضى).
(٢) في الكشاف ٢/ ٤٤٤.
(٣) في الدر المصون ٣٣٤/٧.

الآية : ٢٣
٤٦٩
سُؤَدَّةُ الإِسْرَارَةِ
قال الزمخشريُّ(١): ولذا صحَّ لحوقُ النونِ المؤكّدة للفعل، ولو أُفردت ((إنْ)) لم
يصحَّ لحوقُها، واختُلف في لَحاقها بعد الزِّيادة، فقال أبو إسحاقَ بوجوبه، وعن
سيبويه (٢) القولُ بعدم الوجوب، ويُستشهد له بقول أبي حيَّةَ النميري:
فقد أُدركُ الفتياتِ الخفارا(٣)
فإمَّا تَرَي لِمَّتي هكذا
وعليه قولُ ابنِ دريد (٤):
أما تَرَي رأسي حاكى لونُه
طُرَّةَ صبحٍ تحت أذيالِ الدُّجى
ومعنى ((عندك)) في كَنَفك وكفالتِك، وتقديمُه على المفعول مع أنَّ حقَّه التأخيرُ
عنه؛ للتَّشويق إلى ◌ُروده، فإنَّه مدارُ تضاعفِ الرِّعاية والإِحسان. و((أحدهما)) فاعلٌ
للفعل، وتأخيرُه عن الظَّرف والمفعول، لئلا يطولَ الكلام به وبما عُطف عليه،
و ((كلاهما)) معطوفٌ عليه.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((إما يَبْلُغانٌ))(٥)، فـ ((أحدهما)) - على ما في
((الكشّاف))(٦) - بدلٌ من أَلِف الضميرِ لا فاعلٌ، والألفُ علامةُ التثنية على لغة:
أَكلوني البراغيث، فإنه رُدَّ بأنَّ ذلك مشروطٌ بأن يُسندَ الفعلُ للمثنَّى، نحو:
قاما أَخواك، أو لمفرَّق بالعطف بالواو خاصَّة، على خلافٍ فيه، نحو: قاما زيدٌ
وعمرو، وما هنا ليس كذلك.
واستُشكلت البدليةُ بأن ((أحدهما)) على ذلك بدلُ بعضٍ من كلٍّ، لا كلٍّ من
كلّ؛ لأنَّه ليس عينَه، و((كلاهما)) معطوفٌ عليه، فيكون بدلَ كلٍّ من كلٍّ، لكنه خالٍ
عن الفائدة، على أنَّ عطف بدلِ الكلِّ على غيره ممَّا لم نجده.
وأُجيب بأنَّا نسلِّم أنه لم يُفِد البدلُ زيادةً على المبدَل منه، لكنه لا يضرُّ؛ لأنَّه
(١) في الكشاف ٢/ ٤٤٤ .
(٢) الكتاب ٥١٤/٣-٥١٥.
(٣) البيت في منتهى الطلب ٢٣٣/٧، والشطر الثاني فيه:
فأكثرتِ مما رأيت النِّفارا
(٤) مقصورة ابن دريد لمحمد بن أحمد بن هشام اللخمي ص١١٥، وسلف ٢٢٩/٨.
(٥) التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٦/٢.
(٦) ٢ / ٤٤٤ .

سُورَةُ الاسْرَةِ
٤٧٠
الآية : ٢٣
شأنُ التأكيد، ولو سلِّم أنَّه لا بدَّ من ذلك ففيه فائدةٌ؛ لأنه بدلٌ مقسم كما قاله ابنُ
عطية(١)، فهو كقوله(٢):
وأُخرى رمى فيها الزمانُ فشلَّتِ
فکنتُ کذي ڕِجْلَین رِجْلٍ صحيحةٍ
وتعقِّب بأنَّه ليس من البدل المذكور؛ لأنَّه شرطُه العطفُ بالواو، وألَّا يَصدقَ
المبدلُ منه على أَحد قسمَيه، وهنا قد صَدَقَ على أحدهما. وبالجملة هذا الوجهُ
لا يخلو عن القيل والقال.
وعن أبي عليٍّ الفارسي(٣) أنَّ ((أحدهما)) بدلٌ من ضمير التَّثنية، و((كلاهما))
تأكيدٌ للضمير.
وتعقِّب بأنَّ التأكيدَ لا يُعطَف على البدل كما لا يُعطَف على غيره، وبأنَّ
أحدهما لا يصلحُ تأكيداً للمثنَّى ولا غيره، فكذا ما عُطف عليه، وبأنَّ بين إِبدال
بدلِ البعض منه وتوكيدِه تدافعاً؛ لأنَّ التأكيد يدفع إِرادةَ البعضٍ منه.
ومِن هنا قال في ((الدُّرّ المصون))(٤): لا بدَّ من إصلاحه بأن يجعلَ ((أحدهما))
بدلَ بعضٍ من كلٌّ، ويضمرَ بعده فعلٌ رافعٌ لضمير تثنية، و(كلاهما)) توكيدٌ له،
والتقدير: أو يبلغان كلاهما، وهو من عطف الجمل حينئذ، لكن فيه حذفُ المؤگَّد
وإبقاءُ تأكيدِهِ، وقد منعه بعضُ النُّحاة، وفيه كلامٌ في مفصَّلات العربية.
ولعل المختارَ إضمارُ فعل لم يتَّصل به ضميرُ التثنية، وجَعلُ ((كلاهما)) فاعلاً
له، فإنَّه سالمٌ عما سمعتَ في غيره، ولذا اختاره في ((البحر))(٥) .
وتوحيدُ ضميرٍ الخطابِ في ((عندك)) وفيما بعدَه، مع أنَّ ما صرَّح به فيما سبقَ
على الجمع؛ للاحتراز عن التباس المراد، وهو نهيُ كلِّ أحدٍ عن تأفيف والدَيه
ونهرِهما، فإنَّه لو قوبل الجمعُ بالجمع أو التثنيةُ بالتثنية، لم يحصل ذلك. وذكر أنَّه
(١) في المحرر الوجيز ٤٤٨/٣ .
(٢) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه ص٧٨.
(٣) الحجة ٩٦/٥.
(٤) ٣٣٧/٧.
(٥) ٦/ ٢٧.

الآية : ٢٣
٤٧١
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
وحِّد الخطابُ في ((ولا تجعل)) للمبالغة، وجُمع في ((أن لا تعبدوا إلا إياه)) لأنَّه
أوفقُ لتعظيم أمر القضاء.
﴿فَلَا تَقُل لَّمَا﴾ أي: لواحدٍ منهما حالتَي الانفرادِ والاجتماع ﴿أُنِّ﴾ هو اسمُ
صوتٍ ينبئُ عن التضجّر، أو اسمُ فعلٍ هو: أَتضجَّرِ، واسمُ الفعلِ بمعنى
المضارع - وكذا بمعنى الماضي - قليل، والكثيرُ بمعنى الأَمر. وفيه نحوٌ من أربعين
لغة، والواردُ من ذلك في القراءات سبع: ثلاثٌ متواترة، وأربعٌ شاذة (١). فقرأ نافعٌ
وحفصٌّ بالكسر والتنوين(٢)، وهو للتَّنكير، فالمعنى: أَتضجَّر تضجُّراً ما، وإذا لم
ينَّن، دلَّ على تضجّر مخصوص.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ بالفتح دونَ تنوين، والباقونَ بالكسر دونَ تنوين(٢)،
وهو على أصل التقاءِ السَّاكَنَين، والفتحُ للخفَّة، ولا خلافَ بينهم في تشديد الفاءِ.
وقرأ نافعٌ في روايةٍ عنه بالرفع والتنوين، وأبو السمَّال بالضمِّ للإِثْباع من غير
تنوين، وزيدُ بن عليٍّ ◌ُه بالنَّصب والتنوين، وابنُ عباس ◌ُهَا بالسُّكون(٣).
ومحصَّلُ المعنى: لا تتضجَّرْ ممَّا يُستقذَر منهما وتستثقلُ من مؤَنهما. والنهيُّ
عن ذلك يدلُّ على المنع من سائر أنواع الإيذاءِ قياساً جليًّا؛ لأنَّه يُفهم
بطريق الأَولى، ويسمَّى مفهومَ الموافقة، ودلالةَ النصِّ، وفحوى الخطاب. وقيل:
يدلُّ على ذلك حقيقةً ومنطوقاً في عرف اللغة، كقولك: فلانٌ لا يملك النقيرَ
والقطمير، فإنه يدلُّ كذلك على أنَّه لا يملك شيئاً قليلاً أو كثيراً.
وخصَّ بعض أنواع الإِيذاءِ بالذِّكر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهُرْهُمَا﴾ للاعتناءِ
بشأنه. والنَّهرُ - كما قال الراغبُ (٤) - الزجرُ بإِغلاظ. وفي ((الكشّاف))(٥): النهيُ
والنَّهْر والنَّهم أَخوات، أي: لا تزجرْهما عمَّا يتعاطيانه مما لا يُعجبك.
وقال الإمام(٦): المرادُ من قوله تعالى: (فَلَا نَّقُل لَُّمَا أُنّ) المنعُ من إظهار
(١) ذكرها في البحر ٦/ ٢٧.
(٢) التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٦/٢-٣٠٧.
(٣) ينظر القراءات الشاذة ص٧٦، والمحتسب ١٨/٢، والبحر المحيط ٢٧/٦.
(٤) في المفردات (نهر).
(٥) ٤٤٤/٢.
(٦) في التفسير الكبير ١٩٠/٢٠.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٤٧٢
الآية : ٢٤
الضَّجَرِ القليلِ والكثير، والمرادُ من قوله سبحانه: ((ولا تنهرهما)) المنعُ من إظهار
المخالفةِ في القول على سبيل الردِّ عليهما والتكذيبِ لهما؛ ولذا رُوعيَ هذا
الترتيب، وإلّا فالمنعُ من التأفيف يدلُّ على المنع من النَّهر بطريق الأَولى، فيكون
ذِكرُه بعده عبثاً، فتأمَّل.
﴿وَقُل لَّهُمَا﴾ بدلَ التأفيفِ والنَّهر ﴿قَوْلًا كَرِيمًا ﴾﴾ أي: جميلاً لا شراسةً
فيه. قال الرَّاغب (١): كلُّ شيءٍ يشرف في بابه فإنَّه يوصف بالكرم.
وجَعَلَ ذلك بعضُ المحقّقين من وصف الشيءِ باسم صاحبِهِ، أي: قولاً صادراً عن
كرم ولُطف، ويعودُ بالآخرة إلى القول الجميلِ الذي يقتضيه حسنُ الأَدب، ويستدعيه
النزولُ على المروءة، مثل أن يقولَ: يا أبتاه، ويا أُمّاه، ولا يدعوهما بأسمائهما، فإِنَّه
من الجَفاء وسوء الأدب، وليس القولُ الکریم مخصوصاً بذلك، كما يوهمه اقتصارُ
الحسنِ - فيما أَخرجه عنه ابنُ أبي حاتم - عليه؛ فإنَّه من باب التمثيل(٢)، وكذا ما أَخرج
عن زهير بنِ محمد أنَّه قال فيه: إذا دعوّاك فقل: لبَيكما وسعديكما .
وأخرج هو وابنُ جَريرٍ وابنُ المنذر(٣) عن أبي الهدَّاجِ(٤) أنَّه قال: قلتُ
لسعيد بن المسيَّب: كلُّ ما ذكر الله تعالى في القرآن من بِرِّ الوالدين فقد عرفتُه، إلَّا
قولَه سبحانه: (وَقُل لَّهُمَا فَوْلًا كَرِيمًا) ما هذا القولُ الكريم؟ فقال ابن المسيَّب:
قولُ العبدِ المذنب للسيِّد الفظّ.
﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ﴾ أي: تواضعْ لهما وتذلَّل. وفيه وجهان: الأوَّل: أن
يكونَ على معنى: جناحَك الذَّليل، ويكون ((جناح الذل)» بل خفضُ الجناحِ تمثيلاً
في التواضع، وجاز أن يكونَ استعارةً في المفرد، وهو الجَناح، ويكون الخفضُ
ترشيحاً تبعًّا أو مستقلًا. الثاني: أن يكونَ من قَبيل قولٍ لبيد(٥):
(١) في المفردات (كرم).
(٢) يقصد قول الحسن: يقول: يا أبت، يا أمه، ولا يسميهما بأسمائهما. الدر المنثور ٤/ ١٧١.
(٣) الدر المنثور ١٧١/٤، وتفسير الطبري ٥٤٩/١٤ .
(٤) هو سليمان بن الهداج التُّجيبي. روى عن سعيد بن المسيب، وروى عنه حرملة بن عمران.
الجرح والتعديل ١٤٨/٤.
(٥) ديوانه ص٣١٥، وقد سلف ٢٩٢/٧.

الآية : ٢٤
٤٧٣
سُورَةُ الإِسْرَةِ
وغداةِ ريحٍ قد كشفتُ وقَرَّةٍ إذ أصبحتْ بيد الشِّمال زِمامُها
فيكونُ في الكلام استعارةٌ مكنيةٌ وتخييلية، بأن يشبّه الذُّلُّ بطائر منحظً من علوٍّ
تشبيهاً مضمراً، ويثبتَ له الجناحُ تخييلاً، والخفضُ ترشيحاً؛ فإنَّ الطائرَ إذا أراد
الطيرانَ والعلوَّ، نشر جناحَيه ورفعهما ليرتفعَ، فإذا ترك ذلك خَفَضَهما، وأيضاً هو
إذا رأى جارحاً يخافه لَصِق بالأرض وألصق جناحيه، وهي غايةُ خوفِه وتذلُّله.
وقيل: المرادُ بخفضهما ما يفعله إذا ضمَّ فراخَه للتربية، وأنَّه أنسبُ بالمقام.
وفي ((الكشف)) أنَّ في الكلام استعارةً بالكناية ناشئةً من جعل الجَناح الذُّلَّ، ثم
المجموع كما هو مثلٌ في غاية التَّواضع، ولمَّا أثبت لذلِّه جناحاً، أَمَرَه بخفضه
تكميلاً، وما عسى يختلجُ في بعض الخواطرِ من أنَّه لمَّا أَثبت لذلِّه جناحاً، فالأمرُ
برفع ذلك الجَناحِ أَبلغُ في تقوية الذُّلِّ من خفضه؛ لأن كمالَ الطائرِ عند رفعِه، فهو
ظاهرُ السقوطِ إذَا جعل المجموعُ تمثيلاً؛ لأنَّ الغَرضَ تصويرُ الذلِّ كأنه مشاهَدٌ
محسوس، وأمَّا على الترشيح، فهو وَهَم؛ لأنَّ جعل الجناحِ المخفوضِ للذلِّ يدلُّ
على التواضع، وأمَّا جعلُ الجناحِ وحده فليس بشيءٍ؛ ولهذا جعل تمثيلاً
فيما سلف.
وقرأ سعيد بن جُبَير: ((من الذِّلِّ)) بكسر الذَّال(١)، وهو الانقيادُ، وأصله في
الدوابٌ، والنعتُ منه: ذَلول، وأما الذُّلُّ بالضمّ، فأصلُه في الإنسان، وهو ضدّ
العزِّ، والنعتُ منه: ذَلیل.
﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: من فَرط رحمتِك عليهما، فـ ((مِن)) ابتدائيةٌ على سبيل
التعليل، قال في ((الكشف)): ولا يحتمل البيانَ حتى يقال: لو كان كذا لرَجعت
الاستعارةُ إلى التشبيه؛ إذ جناحُ الذُّلِّ ليس من الرحمة أبداً، بل خفضُ جناحِ الدُّلِ
جاز أن يقال: إنَّه رحمة، وهذا بيِّن. واستفادةُ المبالغةِ مِن جَعل جنسِ الرحمَةِ مبدأ
للتذلُّل؛ فإنَّه لا ينشأ إلَّا من رحمةٍ تامةٍ، وقيل: من كون التعريفِ للاستغراق.
وليس بذاك، وإنَّما احتاجا إلى ذلك؛ لافتقارهما إلى مَن كان أفقرَ الخلق إليهما،
واحتياجُ المرءِ إلى مَن كان محتاجاً إليه غايةُ الضَّراعةِ والمسكنة، فيحتاج إلى أشدَّ
(١) القراءات الشاذة ص٧٦. وانظر المحتسب ١٨/٢.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٤٧٤
الآية : ٢٤
رحمة، والله تعالى درُّ الخفاجيّ حيث يقول(١):
ما حالُ مَن يسأل مِن سائلِهْ
يا مَن أَتى يسأل عن فاقتي
أصبح محتاجاً إلى عامله
ما ذِلَّةُ السلطانِ إلَّا إذا
﴿وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ وادعُ اللهَ تعالى أن يرحمَهما برحمته الباقية، وهي رحمةُ
الآخرة، ولا تكتفِ برحمتك الفانية، وهي ما تضمَّنها الأمرُ والنهيُّ السالفان.
وخُصَّت الرحمةُ الأخرويةُ بالإِرادة؛ لأنَّها الأعظمُ المناسبُ طلبُه من العظيم، ولأنَّ
الرحمةَ الدنيويةَ حاصلةٌ عموماً لكلِّ أحد. وجوِّز أن يرادَ ما يعمُّ الرحمتين. وأيًّا
ما كان، فهذه الرحمةُ التي في الدعاء، قيل: إنَّها مخصوصةٌ بالأبوين المسلمين.
وقيل: عامَّةٌ منسوخةٌ بآية النهي عن الاستغفار، وقيل: عامَّة ولا نسخَ؛ لأنَّ تلك
الآيةَ بعد الموتِ، وهذه قبلَه، ومن رحمة اللهِ تعالى لهما أن يهديَهما للإيمان،
فالدعاءُ بها مستلزمٌ للدُّعاء به، ولا ضيرَ فيه.
والقولُ بالنَّسخ أخرجه البخاريُّ في ((الأدب المفرَد))، وأبو داودَ، وابن جرير،
وابنُ المنذر من طرقٍ عن ابن عباسٍ ﴿﴾(٢).
﴿كَا رَبَّنِ﴾ الكافُ للتشبيه، والجارُّ والمجرور صفةٌ مصدرٍ مقدَّر، أي: رحمةً
مثلَ تربيتهما لي، أو مثلَ رحمتِهما لي، على أنَّ التربيةَ رحمة. وجوِّز أن يكونَ
لهما الرحمةُ والتربيةُ معاً وقد ذُكر أحدُهما في أحد الجانبين والآخَرُ في الآخَر،
كما يلوِّح به التعرُّضُ لعنوان الرُّبوبية في مطلع الدعاءِ، كأنَّه قيل: ربِّ
ارحمهما وربِّهما كما رحماني وربَّاني ﴿صَغِيرًا ®﴾. وفيه بُعدٌ.
وجوِّز أن تكونَ الكافُ للتعليل، أي: لأجل تربيتِهما لي. وتعقِّب بأنَّه مخالفٌ
لمعناها المشهورِ مع إِفادة التشبيهِ ما أَفاده التعليل.
وقال الطّبي: إنَّ الكافَ لتأكيد الوجود، كأنَّه قيل: ربِّ ارحمهما رحمةً محقَّقةً
مكشوفةً لا ريب فيها، كقوله تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ نَطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] قال في
(١) في حاشيته ٦/ ٢٥.
(٢) الدر المنثور ١٧١/٤ ولم يُذكر فيه أبو داود بل ذكر ابن أبي حاتم، والأدب المفرد (٢٣)،
وتفسير الطبري ١٤/ ٥٥٤ .

الآية : ٢٤
٤٧٥
سُورَةُ الإِسْرَاةِ
((الكشف)»: وهو وجهٌ حسن، وأمَّا الحملُ على أنَّ ((ما)) المصدريةَ جُعلت حيناً،
أي: ارحمهما في وقتٍ أَحوج ما يكونان إلى الرحمة، كوقت رحمتِهما عليَّ في
حال الصِّغر وأنا كلحم على وَضَم، وليس ذلك إلَّا في القيامة، والرحمةُ هي الجنة،
والبتُّ بأنَّ هذا هو التّحقيقُ، فليت شِعري أَلاستقامةِ وجهِه في العربية ارتضاه، أم
لطِباقه للمقام وفخامةِ معناه؟ اهـ.
وهو - كما أشار إليه - ليس بشيءٍ يعوَّل عليه، والظاهر أنَّ الأمرَ للوجوب،
فيجب على الولد أنْ يدعوَ لوالدَيه بالرَّحمة، ومقتضى عدم إفادة الأمرِ التكرارَ أنَّه
يكفي في الامتثال مرَّةٌ واحدة، وقد سئل سفيانُ: كم يدعَوَ الإنسانُ لوالديه، في
اليوم مرة، أو في الشّهر، أو في السَّنة؟ فقال: نرجو أن يجزَيه إذا دعا لهما في آخِر
التشهُّدات، كما أنَّ الله تعالى قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]
فكانوا يرون أنَّ التشهُّد يكفي في الصَّلاة على النبيِّ وََّ، وكما قال سبحانه:
﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ثم يكبِرون في أدبار الصَّلوات.
هذا وقد بالغ عزَّ وجلَّ في التوصية بهما من وجوهٍ لا تخفَى، ولو لم يكن سوى
أَنْ شَفَعَ الإحسانَ إليهما بتوحيده سبحانه ونَظَمهما في سِلك القضاءِ بهما معاً،
لَكفى. وقد روَى ابن حِبَّان، والحاكمُ - وقال: صحيحٌ على شرط مسلم - عن
النبيِّ وَّ قال: ((رضا اللهِ تعالى في رضا الوالدين، وسَخَطُ اللهِ تعالى في سَخَط
الوالدين))(١).
وصحَّ أنَّ رجلاً جاء يستأذن النبيَّ وَّرِ في الجهاد معه، فقال: ((أحيٍّ والداك))؟
قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهِدْ))(٢).
وجاءَ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((لو عَلِمَ اللهُ تعالى شيئاً أدنى من الأُفّ،
لَنْهَى عنه، فلْيعمل العاقُّ ما شاء أن يعملَ، فلن يدخل الجنةَ، ولْيعمل البارُّ ما شاءَ
أن يعملَ، فلن يدخلَ النَّار))(٣).
(١) صحيح ابن حبان (٤٢٩)، والمستدرك ١٥١/٤-١٥٢ من حديث عبد الله بن عمرو
وهو عند الترمذي (١٨٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩) من حديث عبد الله بن عمرو
(٣) هو في الفردوس (٥٠٦٣) من حديث الحسن بن علي مرسلاً. قال ابن عراق في تنزيه الشريعة

سُورَةُ الإشرارة
٤٧٦
الآية : ٢٤
ورأى ابنُ عمرَ ﴿ّ رجلاً يطوف بالكعبة حاملاً أمَّه على رقبته، فقال: يا ابنَ
عمر، أَتراني جزيتُها؟ قال: لا، ولا بطلقةٍ واحدةٍ، ولكنَّك أحسنتَ، والله تعالى
يُثيبك على القليل كثيراً.
وروى مسلمٌ(١) وغيرُه: ((لا يَجزي ولدٌ والدَه إلَّا أن يجدَه مملوكاً فيشتريه
فيُعتقَه)).
وروى البيهقيُّ في ((الدَّلائل))، والطبرانيُّ في ((الأَوسط)) و((الصغير))(٢) بسندٍ فيه
مَن لا يُعرف عن جابرٍ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّ﴿ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ
أبي أَخذ مالي، فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((فاذهبْ فأتني بأبيك)) فنزل
جبريلُ عليه السلامُ على النبيِّ وَّر فقال: إنَّ اللهَ تعالى يُقرئك السلامَ ويقول: ((إذا
جاءك الشيخُ، فسَلْه عن شيءٍ قاله في نفسه ما سمعتْه أُذناه)» فلمَّا جاء الشيخُ، قال له
النبيُّ ◌َّهِ: ((ما بالُ ابنِك يشكوك تريد أن تأخذ مالَه))؟ قال: سَلْه يا رسولَ الله، هل
أنفقتُه إلَّا على عمَّاته وخالاتِه، أو على نفسي، فقال النبيُّ وَّهِ: ((ايهِ، دَعْنا من
هذا، أَخبرني عن شيءٍ قلتَه في نفسك ما سمعتْه أُذناك)) فقال الشيخُ: واللهِ
يا رسولَ الله ما يزال اللهُ تعالى يَزيدنا بك يقيناً، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمعتُه
أذناي، فقال: ((قلْ وأنا أَسمع)) فقال: قلت:
غذوتُك مولوداً ومُنْتُك يافعاً
تعلُّ بما أَجني عليك وتَنهَلُ
لِسُقمك إلَّا ساهراً أتمثَّل
إذا ليلةٌ ضاقتك بالسُّقم لم أَبِت
طُرقتَ به دوني فعينيَ تَهمُل
كأنِّي أنا المطروقُ دونك بالذي
لتَعلم أن الموت وقتٌ مؤجَّل
تخاف الرَّدَى نفسي عليك وإنها
إليها مدَى ما كنتُ فيها أؤْمِّل
فلمَّا بلغتَ السنَّ والغايةَ التي
كأنك أنت المنعِم المتفضِّل
جعلتَ جزائي غلظةً وفظاظةً
= المرفوعة ٢٣٣/٢: وفيه عيسى بن عبيد الله، وعنه أصرم بن حوشب. اهـ. وأصرم بن حوشب
متروك، واتهمه بعضهم بالوضع. انظر ميزان الاعتدال ٢٧٢/١ .
(١) في صحيحه (١٥١٠).
(٢) دلائل النبوة ٣٠٤/٦-٣٠٥، والأوسط (٦٥٧٠)، والصغير (٩٤٧).

الآية : ٢٤
٤٧٧
سُؤَةُ الإِسْرَاءِ
فعلت كما الجارُ المجاورُ يفعل
فليتكَ إذ لم ترعَ حقَّ أُبوَّتي
برَدِّ على أهل الصواب موثَّل
تراه معدًّا للخلاف كأنه
قال: فحينئذٍ أخذ النبيُّ نَّه بتلابيب ابنهِ وقال: ((أنت ومالك لأبيك))(١).
والأمُّ مقدَّمة في البرِّ على الأب؛ فقد روى الشَّيخانِ (٢): يا رسولَ الله، مَن
أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثم مَن؟ قال: ((أمك)) قال: ثم
مَن؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثم مَن؟ قال: ((أبوك)).
ولا يختصُّ البرُّ بالحياة، بل يكون بعد الموتِ أيضاً. فقد روى ابنُ ماجه(٣):
يا رسول الله، هل بقي مِن بِرِّ أبويَّ شيءٌ أَبَرُّهما به بعد موتِهما؟ فقال: ((نعم،
الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإِيفاءُ عهدهما من بعدهما، وصلةُ الرَّحم التي
لا توصَل إلَّا بهما، وإكرامُ صديقِهما)) ورواه ابن حبَّان في ((صحيحه))(٤) بزيادة: قال
الرجل: ما أكثرَ هذا يا رسولَ اللهِ وأطيبَه، قال: ((فاعمَلْ به)).
وأَخرج البيهقيُّ(٥) عن أنس قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((إنَّ العبد لَيموت والداه
أو أحدهما وإنَّه لهما لَعاقٌّ، فلا يزالُ يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبَه الله تعالى
بارًّا)) وأَخرج (٦) عن الأوزاعيِّ قال: بلغني أنَّ مَن عقَّ والديه في حياتهما، ثم قضَى
دَيناً إنْ كان عليهما، واستغفرَ لهما ولم يستسبَّ لهما، كُتب بارًّا. ومَن برَّ والدَيه في
حياتهما، ثم لم يقضٍ دَيناً إنْ كان عليهما، ولم يستغفرْ لهما، واستسبَّ لهما، كُتب
عاقًّا)) وأَخرج(٧) هو أيضاً، وابنُ أبي الدُّنيا عن محمد بنِ النُّعمان يرفعه إلى النبيِّ وَّلـ
قال: ((مَن زار قبرَ أبويه أو أحدهما في كلِّ جُمُعة، غُفر له وكتب بَرًّا)).
(١) وقوله: ((أنت ومالك لأبيك))، سيأتي تخريجه عند تفسير الآية (٦١) من سورة النور.
(٢) صحيح البخاري (٥٩٧١)، وصحيح مسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة
(٣) في سننه (٣٦٦٤) من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ظه. وهو عند أبي داود
(٥١٤٢).
(٤) برقم (٤١٨).
(٥) في الشعب (٧٩٠٢).
(٦) في الشعب ٦/ ٢٠٤ إثر حديث (٧٩٠٧).
(٧) الدر المنثور ١٧٤/٤، وشعب الإيمان (٧٩٠١).

سُورَةُ الاسْرَةِ
٤٧٨
الآية : ٢٤
وروى مسلمٌ (١) أنَّ ابن عمرَ ﴿يَا لَقِيه رجلٌ بطريق مكَّة، فسلّم عليه ابنُ عمرَ
وحمله على حمارٍ كان يركبه، وأَعطاه عمامةً كانت على رأسه، فقال ابنُ دینار:
فقلت له: أَصلحك الله تعالى، إِنَّهم الأَعراب، وهم يرضَون باليسير، فقال: إنَّ
أبا هذا كان ودًّا لعمرَ بنِ الخطاب، وإني سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((إنَّ أبرَّ البِرِّ
صلةُ الولدِ أهلَ وِدٌّ أبيه».
وأَخرج ابنُ حبَّان في ((صحيحه))(٢) عن أبي بُردةَ رَُّه قال: قَدِمت المدينةَ،
فأتاني عبدُ الله بن عمرَ فقال: أتدري لم أتيتُك؟ قال: قلت: لا، قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ وَلّهيقول: ((مَن أحبَّ أن يصلَ أباه في قبره، فلْيَصِل إخوانَ أبيه مِن بعده))
وإنَّه كان بين أبي عمرَ وبين أبيك إخاءٌ ووُدّ، فأحببتُ أن أصلَ ذلك.
وقد ورد في فضل البِرِّ ما لا يُحصَى كثرةً من الأَحاديث، وصحَّ عدُّ العقوقِ من
أَكبر الكبائر، وكونُه منها هو ما اتَّفقوا عليه، وظاهرُ كلام الأكثرين - بل صريحُه - أَّه
لا فرقَ في ذلك بين أن يكونَ الوالدان كافرَين وأن يَكونا مسلمَين، والتقييدُ
بالمسلمَين في الحديث الحسنِ أنَّه ◌ِّرِ سُئل عن الكبائر فقال: ((تِسعٌ، أعظمُهنَّ
الإِشراكُ، وقتلُ النفسِ المؤمنةِ بغير حقٍّ، والفرارُ من الزَّحفِ، وقذفُ المحصَنة،
والسِّحر، وأكلُ مالِ اليتيم، وأكلُ الرِّبا، وعقوقُ الوالدين المسلمين))(٣)، إمَّا لأنَّ
عقوقهما أقبحُ، والكلامُ هناك في ذِكر الأعظم، على أحد التقديرَين في عطفٍ
(وقتل المؤمن)) وما بعده، وإِمَّا لأنَّهما ذُكرا للغالب كما في نظائرَ أُخَر.
وللحليميِّ هاهنا تفصيلٌ مبنيٌّ على رأي له ضعيف، وهو أنَّ العقوقَ كبيرة، فإنْ
كان معه نحوُ سبِّ، ففاحشةٌ، وإنْ كان عقوقُه هو استثقالَه لأَمرهما ونهيهِما والعبوسَ
في وجههما والتبرُّمَ بهما مع بذل الطاعةِ ولزوم الصمت، فصغيرةٌ، فإن كان ما يأتيه من
ذلك يُلجئهما إلى أن يَنقبضا فيتركا أمرَه ونهيَه ويلحقَهما من ذلك ضررٌ، فكبيرة (٤).
وبينهم في حدِّ العقوقِ خلافٌ، ففي ((فتاوى)) البُلقيني: مسألة قد ابتلي الناسُ بها
(١) في صحيحه (٢٥٥٢).
(٢) برقم (٤٣٢).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٩/١.
(٤) ينظر المنهاج في شعب الإيمان ٢٤١/٣ -٢٥٠.

الآية : ٢٤
٤٧٩
سُورَةُ الإِسْرَاةِ
واحتيجَ إلى بسط الكلام عليها وإلى تفاريعها؛ ليحصلَ المقصودُ في ضمن ذلك،
وهي السؤالُ عن ضابط الحدِّ الذي يُعرَف به عقوقُ الوالدين، إذ الإحالةُ على العُرف
من غير مثالٍ لا يحصل المقصود، إذ الناسُ تَحملهم أغراضُهم على أن يجعلوا
ما ليس بعرفٍ عرفاً، فلابدَّ من مثالٍ يُنسَج على منواله، وهو أنَّه - مثلاً - لو كان له
على أبيه حقٌّ شرعيّ، فاختار أن يرفعَه إلى الحاكم ليأخذَ حقّه منه ولو حبسه، فهل
يكونُ ذلك عقوقاً أو لا؟ أجاب: هذا الموضعُ قال فيه بعضُ الأَكابر: إنه يَعسُر
ضبطُه، وقد فتح الله تعالى بضابطٍ أرجو من فضل الفتّاح العليم أن يكونَ حسناً،
فأقول: العقوقُ لأحد الوالدين هو أن يؤذيَه بما لو فعله مع غيره كان محرَّماً من
جملة الصَّغائر، فينتقل بالنسبة إليه إلى الكبائر، أو أن يخالف أمرَه أو نهيَه فيما يدخل
منه الخوفُ على الولد من فَوت نفسِه أو عضوٍ من أعضائه مالم يتَّهم الوالدُ في ذلك،
أو أن يخالفَه في سفرٍ يشقُّ على الوالد وليس بفرضٍ على الولد، أو في غيبة طويلةٍ
فيما ليس بعلم نافعٍ ولا كسبَ فيه، أو فيه وقيعةٌ في العِرض لها وَقع.
وبيانُ هذا الضابطِ أنَّ قولنا: أن يؤذيَ الولدُ أحدَ والدَيه بما لو فعله مع غير
والدَيه كان محرّماً، فمثالُه: لو شتم غيرَ أحدٍ والديه أو ضربه بحيث لا ينتهي الشتمُ
أو الضربُ إلى الكبيرة، فإنَّه يكون المحرَّم المذكورُ إذا فعله الولدُ مع أحدٍ والديه
كبيرةً، وخرج بقولنا: أن يؤذيَ، ما لو أخذ فَلساً أو شيئاً يسيراً من مال أحدٍ
والديه، فإنَّه لا يكون كبيرةً، وإن كان لو أخذه مِن مال غيرِ والديه بغير طريقٍ معتبر
كان حراماً؛ لأنَّ أحدَ الوالدين لا يتأذَّى بمثل ذلك، لِمَا عنده من الشَّفقة والحنوِّ،
فإنْ أخذ مالاً كثيراً بحيث يتأذَّى المأخوذُ منه من الوالدين بذلك، فإنَّه يكون كبيرةً
في حقِّ الأجنبيِّ، فكذلك هنا، لكن الضابط فيما يكون حراماً صغيرةً بالنّسبة إلى
غير الوالدين. وخرج بقولنا: ما لو فعله مع غير أحدِ الوالدين كان محرَّماً، نحوُ
ما إذا طالب بدَين، فإنَّ هذا لا يكون عقوقاً؛ لأنَّه إذا فعله مع غير الوالدينِ لا يكون
محرَّمَاً، فافهمْ ذلك فإنَّه من النَّائس.
وأمَّا الحبس، فإن فرَّعناه على جواز حبس الوالدِ بدَين الولدِ كما صحَّحه
جماعةٌ، فقد طلب ما هو جائزٌ، فلا عقوقَ، وإن فرَّعنا على منع حبسِه المصحَّحِ
عند آَخَرين، فالحاكمُ إذا كان معتقدُه ذلك، لا يُجيب إليه، ولا يكون الولدُ بطلب

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤٨٠
الآية : ٢٤
ذلك عامًّا إذا كان معتقداً الوجهَ الأوَّل، فإن اعتقد المنعَ وأَقدمَ علیه، كان كما لو
طلب حبسَ مَن لا يجوز حبسُه من الأَجانب لإِعسار ونحوِهِ، فإذا حبسه الولدُ
واعتقادُه المنعُ، كان عامًّا؛ لأنَّه لو فعله مع غير والدِه حيث لا يجوزُ، كان حراماً،
وأما مجرَّد الشَّكوى الجائزةِ والطلب الجائز، فليس من العقوق في شيءٍ، وقد شكا
بعضُ ولدِ الصحابةِ إلى رسول اللهِ نَّه، ولم ينهَه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي
لا يُقرُّ علی باطل.
وأمَّا إذا نهر أَحدَ والديه، فإنَّه إذا فعل ذلك مع غير الوالدين وكان محرَّماً، كان
في حقِّ أحد الوالدين كبيرةً، وإنْ لم يكن محرَّماً، وكذا أُفٍّ، فإنَّ ذلك يكون صغيرةً
في حقِّ أحد الوالدين، ولا يَلزم من النَّھي عنهما والحالُ ما ذُكر أن يكونا من
الكبائر.
وقولُنا: أو أن يخالفَ أمرَه ونهيَه فيما يدخل منه الخوفُ .. إلخ، أَردنا به السفرَ
للجهاد ونحوه من الأَسفار الخَطِرة؛ لما يُخافُ من فوات نفسِ الولدِ أو عضوٍ من
أعضائه؛ لشدَّة تفجّع الوالدين على ذلك. وقد ثبت عن النبيِّ وَّر من حديث
عبدِ الله بن عَمرٍو في الرَّجل الذي جاء يستأذن النبيَّ وَّ للجهاد أنَّه عليه الصلاة
والسلام قال له: ((أحيٍّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد))، وفي رواية:
((إِرجع إليهما ففيهما المجاهدةُ)(١) وفي أخرى(٢): جئت أبايعكَ على الهجرة،
وتركت أبويَّ يبكيان، فقال: ((ارجع فأَضحِكْهما كما أبكيتَهما)) وفي إسناده:
عطاءُ بن السائب، لكن من رواية سفيانَ عنه. وروى أبو سعيد الخدريُّ أنَّ رجلاً
هاجر إلى رسول اللهِ وَله، فقال: ((هل لك أحدٌ باليمن))؟ قال: أبواي، قال: ((أَذِنا
لك؟)) قال: لا، قال: ((فارجْع فاستأذِنْهما، فإن أَذِنا لك فجاهد، وإلا فبِرَّهما)»
ورواه أبو داود(٣) وفي إسناده من اختُلف في توثيقه.
وقولنا: ما لم يتَّهم الوالدُ في ذلك، أَخرجنا به ما لو كان الوالدُ كافراً، فإنَّه
(١) أخرجها البيهقي ٢٥/٩-٢٦، وفي رواية لمسلم (٢٥٤٩): ((فارجع إلى والديك فأحسن
صحبتهما)).
(٢) أخرجها أبو داود (٢٥٢٨)، والنسائي ٧/ ١٤٣، وابن ماجه (٢٧٨٢).
(٣) في سننه (٢٥٣٠).