Indexed OCR Text

Pages 441-460

الآية : ١٥
٤٤١
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
تعالى مِن شيءٍ، ثم يأمرهم ثانيةً، فيرجعون لذلك ويقولون كذلك، فيقول الربُّ
تعالى: خلقتُكم على عِلمي وإلى عِلمي تصيرون، يا نارُ ضمِّيهم، فتأخذهم النَّار)).
وبعضُ الأخبار يَقتضي أنَّ منهم مَن يعذَّب ومنهم مَن لا يعذَّب. فقد أَخرج
أحمدُ(١)، وابنُ راهويه(٢)، وابنُ مردويه، والبيهقيُّ (٣) عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ لَه
قال: ((أربعة يحتجُّون يومَ القيامة: رجلٌ أصمُّ لا يسمع شيئاً، ورجلٌ أحمقُ، ورجل
هَرِم، ورجلٌ مات في فترة. فأمَّا الأصمُّ فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أسمعُ
شيئاً، وأمَّا الأحمقُ فيقول: ربِّ جاء الإسلامُ والصِّبيان يَحذفونني بالبَعر، وأما الهَرِمُ
فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أَعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول:
ربِّ ما أتاني لك رسولٌ. فيأخذُ سبحانه مواثيقَهم لَيطيعُنَّه، فيُرسل إليهم رسولاً أن
ادخُلُوا النَّار، فمَن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومَن لم يدخلها سُحب إليها)).
وأَخرج قاسمُ بن أصبغ، والبزَّار(٤)، وأبو يَعلى(٥)، وابنُ عبد البرِّ في
(التمهيد))(٦) عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((يؤتَى يومَ القيامةِ بأربعة:
بالمولود، والمعتوه، ومَن مات في الفترة، والشيخ الهَرِمِ الفاني، كلُّهم يتكلّم
بحجَّته، فيقول الربُّ تبارك وتعالى لعُنُقٍ من جهنّم(٧): ابرُزي، ويقول لهم: إنِّي
كنت أبعث إلى عبادي رسلاً مِن أنفسهم وإني رسولُ نفسي إليكم، فيقول لهم:
ادخلوا هذه، فيقول مَن كُتب عليه الشَّقاء: يا ربِّ، أتُدخِلُناها ومنها كنَّا نفرٌّ؟ وأمَّا
مَن كُتب له السعادةُ، فَيَمضي فيقتحمُ فيها، فيقول الربُّ تعالى: قد عاينتموني
فعصيتموني، فأنتم لرُسلي أشدُّ تكذيباً ومعصيةً، فيدخلُ هؤلاء الجنةَ وهؤلاء
النَّار)).
(١) في المسند (١٦٣٠٢).
(٢) في مسنده (٤٢).
(٣) في الاعتقاد ص١١١ .
(٤) كشف الأستار ٢١٦/٧.
(٥) في مسنده (٤٢٢٤).
(٦) ١٢٨/١٨.
(٧) أي: طائفة منها. النهاية (عنق).

سُؤَةُ الإِسْرَاءِ
٤٤٢
الآية : ١٥
إلى غير ذلك من الأخبار، ويحتجُّ بها مَن قال بانقسام ذراري المشركين، بل
وذراري المؤمنين، وفي القلب من صحَّتها شيءٌ، وإنْ قال في ((الإصابة))(١): إنَّها
وردت من عدَّة طُرُق، وعلى تقدير صحَّتها فمعارِضُها أصحُّ منها.
والذي يميلُ إليه القلبُ أنَّ العقل حجَّة في معرفة الصانعِ تعالى ووحدتِهِ، وتنزُّهِه
عن الولد سبحانه قبلَ ورودِ الشَّرع؛ للأدلَّةِ السابقةِ وغيرِها وإنْ كان في بعضها
ما يقال، وإرسالُ الرسلِ وإنزالُ الكتبِ رحمةٌ منه تعالى، أو أنَّ ذلك لبيان ما لا يُنال
بالعقول من أنواع العباداتِ والحدود، فلا يَرِد أنَّه لو كان العقلُ حَجَّةً، ما أَرسل اللهُ
تعالى رسولاً ولاكتفَی به.
وقيل في جوابه: لمَّا كان أمرُ البعثِ والجزاءِ مما يُشكل على العقلِ وحدَه إلَّا
بعظيم تأمُّلٍ فيه حرجٌ يُعذَر الإنسانُ بمثله ولا إيمانَ بدونه، بَعَثَ اللهُ تعالى الرسلَ
عليهم السلام لبيان ما به تتمَّةُ الدِّين، لا لنفس معرفةِ الخالق؛ فإنَّها تُنال ببداية
العقول، فالبَعرة تدلُّ على البعير، والأَثْرُ على المسير، فسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ
ذات فِجاج، وبحارٌ ذات أَمواج، أَلا تدلُّ على اللطيف الخبير؟
وأيضاً إنَّ اللهَ لم يَدَعْنا ورسولاً من أوَّل الأمر إلى آخره، والحجَّةُ كانت قائمةً
بالواحد كما بقيت بمحمَّد نَّهِ إلى يوم القيامة، ولم يدلَّ ذلك على أنَّ الأولَ لم
يكن حجَّةً كافيةً، وكذلك لم يَدَعْنا سبحانه والبيانَ بآيةٍ واحدة، بل منَّ علينا جلَّ
شأنُه بآيات متكرِّرة، ولا يدلُّ ذلك أنَّ الآيةَ الواحدة لم تكن حَّةٌ كافية.
وقولُه تعالى خبراً عن قول الخزنةِ لأَهل النار: ﴿أَوْلَمْ نَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم
◌ِلْبَيْنَتِ﴾ [غافر: ٥٠] توبيخٌ بالَظهر، وهو لا يدلُّ على أنَّ الآخَر ليس بحجّة،
وقولُه تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] على معنى:
لئلا يكونَ لهم احتجاجٌ بزعمهم بأنْ يقولوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]،
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلٍّ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]
محمولٌ على الإِهلاك بعذاب الاستئصالِ في الدنيا على تكذيب الرُّسل، وأمَّا جزاءُ
الكفرِ فالنار في العُقبَى.
(١) ١١/ ٢٢٤.

الآية : ١٥
٤٤٣
سُؤَةُ الإِسْرَاءِ
وكذا يُقال في الآية التي نحن فيها؛ لكثرة ما يدعو إليه، فلا عذرَ لمن لم يعرف
ربَّه سبحانه من أهل الفَترةِ إذا كان عاقلاً مميِّزاً متمكِّناً من النَّظر والاستدلال،
لا سيَّما إذا بلغته دعوةُ رسولٍ من الرُّسل عليهم السلام، ولا يكادُ يوجَدَ مَن لم
تبلغه، كما سمعتَ عن الحليميِّ، وقيل: بوجوده في أمريقا، وهي المسمّاة بـ :
ينكي دنيا(١)، قبلَ أن يَظفرَ بها في حدود الألفِ بعد الهجرةِ كرشتوفيل المشهور
بقلونبو(٢)؛ فإنَّ أهلَها - على ما بلغنا - إذ ذاك لم يسمعوا بدعوة رسولٍ أصلاً.
ثم المفهومُ من كلام الأجلَّة أنَّ النزاع إنَّما هو بالنّسبة لأحكام الإِيمان بالله
تعالى، بخلاف الفُروع، فلا خلافَ في أنَّها لا تَثبت إلَّا في حقِّ مَن بلغته دعوةُ مَن
أُرسل إليه، وهو الظَّاهر، نَعَم ما اتفق عليه المِلَلُ من الفروع هل هو كالإيمان حتى
يجريَ فيه النِّزاع المتقدِّم؟ فيه نظر. وأمَّا الإِيمانُ بنبيِّنا نَ ◌ّ فليس بواجبٍ على مَن لم
تبلغه دعوتُه؛ إذ ليس للعقل في ذلك مجالٌ كما لا يخفى على ذي عقل، بل قال
حجّة الإِسلام الغزاليُّ: الناسُ بعد بعثتِه عليه الصلاة والسلام أصناف: صنفٌ لم
تبلغهم دعوتُه ولم يسمعوا به أصلاً، فأولئك مقطوعٌ لهم بالجنّة، وصنفٌ بلغتهم
دعوتُه وظهورُ المعجزةِ على يده، وما كان عليه وَّر من الأَخلاق العظيمة،
والصِّفاتِ الكريمة، ولم يؤمنوا به، كالكَفَرة الذين بين ظهرانينا، فأولئك مقطوعٌ لهم
بالنَّار، وصنفٌ بلغتهم دعوتُه عليه الصلاة والسلام وسمعوا به، لكن كما يسمعُ
أحدُنا بالدجَّال، وحاشا قَدْرَه الشَّرِيفَ وَّر عن ذلك، فهؤلاء أرجو لهم الجنةَ؛ إذ
لم يسمعوا ما یرغِّبهم في الإِيمان به . اهـ.
ولعل القطعَ بالجنَّة للأوَّلين ورجاءَها للآخرين إنَّما يكونان إذا كانوا مؤمنين بالله
تعالى، أمَّا إذا لم يكونوا كذلك، فهم على الخلاف.
ثم إِنَّ مسألةَ عدمِ الوجوبٍ قبل ورودِ الشَّرع إنَّما يتمُّ الاستدلالُ عليه بالآية عند
المستدلِّين بها - كما قال الأصفهانيُّ - إذا كان المقصودُ تحصيلَ غلبةِ الظنِّ فيها،
فإن كانت عِلمية، فلا يمكن إثباتُها بالدَّلائل الظنية.
(١) في (م): يكي دنيا. والمثبت من الأصل، وهي الدنيا الجديدة، أي أمريكا - أو: أمريقا
كما قال المصنف - المعجم الفارسي ص٦٢٣ .
(٢) كذا في الأصل و(م)، أي: كريستوف كولومبوس.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤٤٤
الآية : ١٦
وفيها عندهم نوعُ اكتفاءٍ، أي: وما كنا معذِّبين ولا مثيبين حتى نبعث رسولاً.
قالوا: واستغنى عن ذِكر الثَّواب بذكر مقابلِه من العذاب ولم يعكس؛ لأنَّه أَظهرُ منه
في تحقُّق معنى التكليف، فتأمَّل.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْبَةٌ﴾ بيانٌ لكيفية وقوعِ العذابِ بعدَ البعثة، وليس المرادُ
بالإرادة الإرادة الأزلية المتعلّقة بوقوع المرَادِ في وقته المقدَّر له أصلاً، إذ
لا يقارنها الجزاءُ الآتي، ولا تحقُّقها بالفعل؛ إذ لا يتخلَّف عنه المرادُ، بل دنوُ
وقتِّه، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ الَّهِ﴾ [النحل: ١] أي: إذا دنا وقتُ تعلُّق
إرادتِنا بإهلاكها بأن نعذِّبَ أهلَها بما ذُكر من عذاب الاستئصالِ الذي بيَّنا أنه
لا يصحُّ منا قبلَ البعثة، أو بنوعٍ ممَّا ذكرنا شأنَه من مطلَق العذاب، أعني:
عذابَ الاستئصالِ لما لهم من الظّلم والمعاصي، دنوًّا تقتضيه الحكمةُ مِن غير
أن يكونَ له حدٌّ معيَّن.
﴿أَمْرَا﴾ بالطاعة، كما أخرجه ابن جَرِير(١) وغيرُه عن ابن عباسٍ وسعيد بنِ جُبَيْر،
على لسان الرَّسولِ المبعوثِ إلى أهلها ﴿مُتْرِفِهَا﴾ متنعِّميها وجبَّاريها وملوكَها.
وخصّهم بالذِّكر مع توجُّه الأمر إلى الكلِّ؛ لأنَّهم أئمّة الفسقِ ورؤساءُ الضلال،
وما وقع مِن سواهم باتِّباعهم، ولأنَّ توجُّه الأمرِ إلیھم آكَد.
ويدلُّ على تقدير الطاعةِ أنَّ: فَسَقَ وعصَى، متقاربان بحسَب اللُّغة، وإنْ خُصَّ
الفسقُ في الشَّرع بمعصية خاصَّة، وذِكرُ الضدِّ يدلُّ على الضدِّ، كما أنَّ ذِكر النظيرِ
يدلُّ على النَّظير، فذِكرُ الفسقِ والمعصيةِ يدلُّ على تقدير الطاعة، كما قيل في قوله
تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] فيكون نحو: أَمرتُه فأساءَ إليّ، أي:
أمرتُه بالإِحسان، بقرينة المقابلةِ بينهما المعتضدةِ بالعقل الدالِّ على أنَّه لا يؤمَرُ
بالإساءة كما لا يؤمَر بالفِسق، والنقلِ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِلْفَحْشَةِ﴾
[الأعراف: ٢٨]، وجوِّز أن ينزَّلَ الفعلُ منزلةَ اللازم كما في: يعطي ويمنع، أي:
وجَّهنا الأمر.
﴿فَفَسَقُواْ فِهَا﴾ أي: خرجوا عن الطّاعة وتمرَّدوا.
(١) في تفسيره ١٤/ ٥٢٧-٥٢٨ .

الآية : ١٦
٤٤٥
سُؤَة الاسْرَاةِ
واختار الزمخشريُّ(١) أنَّ الأصل: أَمرناهم بالفِسق ففسقوا، إلَّا أنَّه يمتنع إرادةٌ
الحقيقةِ للدليل، فيُحمل على المجاز، إمَّا بطريق الاستعارةِ التمثيلية، بأن يُشبَّه حالُهم
في تقلُّبهم في النِّعم مع عصيانهم وبَطَرهم بحال مَن أُمر بذلك، أو بطريق الاستعارةِ
التصريحيَّة التبعية، بأنْ يُشبّه إفاضةُ النعم المبطرةِ لهم وصبُها عليهم بأمرهم بالفِسق،
بجامع الحَملِ عليه والتسبُّبٍ له، ويتمَّم أَمَرُ الاستعارةِ في الصُّورتين بما لا يخفَى.
وقيل: الأمرُ استعارةٌ للحمل والتسبُّبِ لاشتراكهما في الإفضاءِ إلى الشيءِ.
وأثَّرَ أنَّ تقدير: أَمرناهم بالطّاعة ففسقوا، غيرُ جائز؛ لزعمه أنَّه حَذْفُ ما لا دليلَ
عليه، بل الدليلُ قائمٌ على خلافه؛ لأنَّ قولهم: أمرتُه فقام، و: أمرتُه فقعد، لا يُفْهَم
منه إلَّا الأمرُ بالقيام والقعود، ولو أردتَ خلافَ ذلك، كنت قد رُمتَ من مخاطبك
علمَ الغيب، ولا نقضَ بنحو قولهم: أمرتُه فعصاني، أو فلم يمتثلْ أَمري؛ لأنَّه لمّا
كان منافياً للأمر، عُلم أنَّه لا يصلحُ قرينةً للمحذوف، فيكون الفعلُ في ذلك مِن
باب: يُعطي ويمنع.
واعتُرض بأنَّه لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ من قَبيل: أَمرته فعصاني، لِمَا سمعتَ من
تقارُب: فَسَقَ وعصى، وبأنَّ قرينة ((إن الله لا يأمر بالفحشاء)) لِمَ لا تكفي في تقدير:
وجَّهْنا الأمر فوُجِدَ منهم الفِسق، لا أن يقدَّر متعلَّق الأمر؛ ثم لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ
التعقيبُ بالضدِّ قرينةً للضدِّ الآخَر، ونحوُه أكثرُ من أن يُحصَى.
وأَجابَ في ((الكشف» عن ذلك فقال: الجوابُ عن الأولَين أنَّ صاحب
((الكشّاف)) منع أن يرادَ: أَمرنا بالطّاعة، وأمَّا أن يرادَ توجيهُ الأمر، فلم يمنعه من
هذا المسلكِ، بل المانعُ أنَّ تخصيصَ المترَفين حينئذٍ يبقى غيرَ بيِّن الوجه، وكذلك
التقييدُ بزمان إرادة الإهلاك، فإنَّ أمره تعالى واقعٌ في كلِّ زمان ولكلِّ أحد،
ولظهوره لم یتعرَّض له.
وعن الثَّالث أنَّ شهرةَ الفسقِ في أحدٍ معنيَيه تمنعُ مِن عدِّه مقابلاً بمعنى
العِصيان، على أنَّ ما ذكرنا من نبوِّ المقامِ عن الإِطلاق قائمٌ في التقييد بالطّاعة،
وفيه قولٌ بسلامة الأَمير، ونظرٌ بعين الرضا، وغفلةٌ عن وجه التخصيصٍ الذي
ذكرناه، وهو بيِّن لا غبارَ عليه، وكذا وجهُ التقييدِ بالزَّمان المذكور.
(١) في الكشاف ٤٤٢/٢.

سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ
٤٤٦
الآية : ١٦
والحقُّ أنَّ ما ذكره الزمخشريُّ مِن الحمل وجهٌ جميل، إلّا أنَّ عدمَ ارتضائه
ما روته الثقاتُ عن ترجُمان القرآنِ وغيرِهِ من تقدير الطاعة، مع ظهور الدليلِ
ومساعدةٍ مقام الزَّجر عن الضَّلال والحثِّ على الاهتداء، لا وجهَ له، كما لا يخفَى
على مَن له قلب.
وحكى أبو حاتم عن أبي زيدٍ أنَّ ((أمرنا)) بمعنى كثَّرنا، واختاره الفارسيُّ(١)،
واستدلَّ أبو عبيدة(٢) على صحَّة هذه اللغةِ بما أخرجه أحمدُ(٣)، وابنُ أبي شيبةَ في
(مسندَيهما)) والطبرانيُّ في ((الكبير))(٤) من حديث سُوَيد بن هُبَيرة: ((خيرُ المالِ سِكَّة
مأبورة، ومُهرَة مأمورة)) أي: كثيرةُ النِّتاج، وأَمرَ - كما قيل - من باب ما لزم وعدِّي
باختلافِ الحركة، فيقال: أَمَرته - بفتح الميم - فَأَمِر، بكسرها، وهو نظيرُ: شَتَرَ اللهُ
تعالى عينَه فشَتِرت(٥)، وجَدَع أنفَه فجَدِعٍ، وثَلَمَ سنَّه فَثَلِمت.
وقيل: إنَّ المكسورَ يكون متعدِّياً أيضاً، وأنَّه قرأ به الحسنُ، ويحيى بنُ يَعْمَر،
وعِكرمة(٦)، وحكى ذلك النَّاس(٧) وصاحبُ ((اللوامح)) عن ابن عبَّاس، وأنَّ ردًّ
الفراءِ(٨) له غيرُ ملتفتٍ إليه؛ لصحّة النقل.
وفي ((الكشف)) أنَّ أَمَرَ بمعنى كثَّر كثيرٌ، وأمَّا أمرته المتعدِّي، فقال الزمخشريُّ
في ((الفائق))(٩) ما معناه: ما عزَّل هذا القائلُ إلَّا على ما جاء في الخبر، أَعني:
(مهرة مأمورة)) (١٠) وما هو إلّا من الأمر الذي هو ضدُّ النهي، وهو مجازٌ أيضاً
كما في الآية، كأنَّ اللهَ تعالى قال لها: كوني كثيرةَ النتاج، فكانت، فهي إذن مأمورةٌ
(١) في الحجة ٩١/٥ - ٩٣.
(٢) انظر مجاز القرآن ٣٧٣/١.
(٣) في مسنده (٥٨٤٥).
(٤) برقم (٦٤٧٠) و(٦٤٧١).
(٥) الشَّتَر: انقلاب في جفن العين. الصحاح (شتر).
(٦) البحر المحيط ٦/ ٢٠. وينظر القراءات الشاذة ص ٧٥، والمحتسب ١٦/٢ .
(٧) في معاني القرآن ١٣٣/٤.
(٨) في معاني القرآن ١١٩/٢.
(٩) الفائق في غريب الحديث ١٨٩/٣.
(١٠) وتمامه: ((خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة)) وهو عند أحمد (١٥٨٤٥) من حديث
سويد بن هبيرة ◌ُه، وهو حديث ضعيف.

الآية : ١٦
٤٤٧
سُؤَةُ الإِسْراءِ
على خلاف مَنهيَّة. وقيل: أَصلُه: مؤمرة، فعدل عنه إلى مأمورة لطلب الازدواجِ،
مثل قولِهِ وَّهِ: ((مأزوراتٍ غيرَ مأجورات))(١) حيثُ لم يقل: مَوزورات.
وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، وابنُ أبي إسحاق، وأبو رجاءٍ،
وعيسى بن عَمرو (٢)، وعبدُ الله بن أبي زيد(٣)، والكلبيُّ: ((آمرنا)) بالمدِّ، وكذلك
جاءَ عن ابن عباسٍ، والحسن، وقتادةَ، وأبي العالية، وابن هُرْمُز، وعاصم، وابن
كثيرٍ، وأبي عمرو، ونافع، وهو اختيارُ يعقوب(٤) ومعناه عند الجميع: كثَّرنا،
وبذلك أُيِّد التفسيرُ السابق على القراءة المشهورة.
وقرأ ابنُ عباس، وأبو عثمانَ الثَّهدي، والسُّدي، وزيدُ بن عليٍّ، وأبو العالية:
(أَمَّرنا)) بالتشديد، ورُوي ذلك أيضاً عن عليٍّ، والحسنِ، والباقرِ ﴿ّ، وعاصم،
وأبي عمرو(٥). ومعناه على هذه القراءة قيل: كثَّرنا، أيضاً، وقيل: بمعنى ولَّيناهم
وجعلناهم أمراءَ، واللازمُ من ذلك أَمُرَ، بالضمِّ، إلحاقاً له بالسَّجايا، أي: صار
أميراً، والمرادُ به مَن يؤمَّرُ ويؤتمَر به، سواءٌ كان مَلِكاً أم لا، على أنَّه لا محذورَ لو
أُريد به الملكُ أيضاً، خلافاً للفارسيِّ(٦)؛ لأنَّ القرية إذا ملك عليها مُتَرَفٌ ففسق،
ثم آخَرُ ففسق، وهكذا، كَثُرَ الفساد، وتوالَى الكفرُ، ونزل بهم العذابُ على الآخِرِ
من ملوكهم.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: كلمةُ العذابِ السابقِ بحلوله، أو بظهور معاصيهم، أو
بانهماكِهم فيها ﴿فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا ﴾﴾ لا يُكتنَه ◌ُنهه ولا يوصَف، والتدميرُ هو
الإِهلاكُ مع طمس الأَثر وهدمِ البناء.
والآيةُ تدلُّ على إهلاك أهلِ القريةِ على أتمٍّ وجه، وإهلاكِ جميعهم لصدور
الفسقِ منهم جميعاً، فإنَّ غير المترَفِ يَتبعه عادةً، لا سيَّما إذا كان المترفُ من علماء
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨) من حديث علي مظلته، وأبو يعلى (٤٠٥٦) من حديث أنس
سـ
(٢) في البحر المحيط ٦/ ٢٠ - والكلام منه -: عيسى بن عمر.
(٣) في البحر: يزيد.
(٤) النشر ٣٠٦/٢. وينظر القراءات الشاذة ص ٧٥، والمحتسب ١٥/٢.
(٥) البحر ٢٠/٦، وينظر القراءات الشاذة ص ٧٥، والمحتسب ١٦/٢.
(٦) في الحجة ٩٣/٥.

سُؤَدَةُ الإشرارة
٤٤٨
الآية : ١٦
السُّوءِ، ومِن هنا قيل: المعنى: ((وإذا أردنا أن نُهلكَ قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها))
واتَّبعهم غيرُهم ((فحقَّ عليها القولُ)) .. الآية.
وقيل: هلاكُ الجميع لا يتوقَّف على التَّعية، فقد قال سبحانه: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةُ لَّا
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] وصحَّ عن أمِّ المؤمنين زينبَ بنتِ
جحش أنَّ النبيَّ وَِّ دخل عليها فَزِعاً يقول: ((لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرِّ قد
اقترب، فُتح اليومَ من رَدم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه» وحلَّق بأُصبُعَيه الإبهام والتي
تليها، قالت زينبُ: قلتُ: يا رسولَ الله أَنهلِك وفينا الصَّالحون؟ قال: ((نعم إذا كَثُرَ
الخَبَث))(١).
هذا والظاهرُ أنَّ («أمرنا)» جوابُ («إذا»، ولا تقديمَ ولا تأخيرَ في الآية،
والإِشكالُ المشهورُ فيها على هذا التقديرِ من أنَّها تدلُّ على أنَّه سبحانه يريد إهلاكَ
قوم ابتداءً، فيتوسَّل إليه بأن يأمرَهم فيفسُقون فيهلكهم، وإرادةُ ضررِ الغير ابتداءً من
غير استحقاقِ الإضرار كالإضرار كذلك مما ينزَّه عنه تعالى لمنافاته للحكمة، قد
مرَّت الإشارةُ إلى جوابه(٢).
وأجاب عنه بعضُهم بأنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً، والأصلُ: إذا أَمرنا مترفي قريةٍ
ففسقوا فيها، أَردنا إهلاكَها فحقَّ عليها القول، ونظيرُه - على ما قيل - قولُه تعالى:
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصََّلَوَةَ فَلْنَغُّمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].
وآخرون بأنَّ قولَه تعالى: (أَمْنَا) إلخ في موضع الصفةِ لـ ((قرية))، وجوابُ ((إذا))
محذوفٌ؛ للاستغناءِ عنه بما في الكلام مِن الدَّلالة عليه، كما قيل في قوله تعالى:
وْحَقََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَنِعْمَ أَبْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [الزمر:
٧٣-٧٤] وقولِ الهُذَليِّ، وهو آخِرُ قصيدة:
حتى إذا أَسلكوهم في قُتائدةٍ شَلَّ كما تطرد الجمّالةُ الشُّرُوا(٣)
وقيل في الجواب عن ذلك غيرُ ذلك، فتدبّر.
(١) صحيح البخاري (٣٣٤٦)، وصحيح مسلم (٢٨٨٠)، وسلف ٧٤/١٣.
(٢) قوله: قد مرت الإشارة .. خبر لقوله: والإشكال المشهور ...
(٣) قائله عبد مناف بن رِبع الجُرَبي، وهو في ديوان الهذليين ٤٢/٢. قوله: قتائدة، هي الثنية،
والجمالة: أصحاب الجِمال.

الآية : ١٧
٤٤٩
سُؤَدَّةُ الإِسْرَةِ
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي: كثيراً ما أَهلكنا ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ تمييز لـ ((كم))، والقَرن - على
ما قال الرَّاغب (١) - القومُ المقترِنون في زمانٍ واحد. وعن عبد الله بنِ أبي أَوفَى:
هو مدَّة مئةٍ وعشرين سَنة. وعن محمد بنِ القاسم المازنيّ(٢) - ورُوي مرفوعاً - أنَّه
مئةُ سنة، وجاء أنَّه وَهِ دعا لرجلٍ فقال: ((عِش قَرناً))، فعاش مئةً سنة (٣)، أو مئةً
وعشرين. وعن الكلبيِّ أنَّه ثمانون سنة. وعن ابن سيرين أنَّه أربعون سَنة.
﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٌ﴾ من بعد زمنِه عليه السلام، كعادٍ وثمودَ ومَن بعدهم ممن قُصَّت
أحوالُهم في القرآن العظيم ومَن لم تقصَّ، وخصَّ نوحٌ عليه السلام بالذِّكر ولم
يقل: مِن بعدِ آدم؛ لأنَّه أوُل رسولٍ آذاه قومُه فاستأصلهم العذابُ، ففيه تهديدٌ وإنذارٌ
للمشركين، ولظهور حالٍ قومِه لم يُنظَموا في القرون المهلكة، على أنَّ ذِكره عليه
السلام رمزٌ إلى ذِكرهم.
و((من)) الأُولى للتَّبيين لا زائدة، والثانيةُ لابتداء الغاية؛ فلذا جاز اتّحادُ
متعلَّقهما، وقال الحوفيُّ: ((من)) الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وليس بجيِّد.
﴿وَكَفَى بِرِّكَ﴾ أي: كفى ربُّك. وقد تقدَّم الكلامُ مفضَّلاً آنفاً في مِثل هذا
التركيب ﴿يِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خِيرًا بَصِيرًا ﴾﴾ محيطاً بظواهرها وبواطِنها، فيعاقبُ عليها.
وتقديمُ الخبيرِ لتقدُّم متعلَّقه من الاعتقاداتِ والنّيَّات، التي هي مبادئُ الأعمالِ
الظّاهرة، تقدُّماً وجوديًّا، وقيل: تقدُّماً رُقَبيَّ؛ لأنَّ العِبرة بما في القلب، كما يدلُّ
عليه: ((إنَّ اللهَ تعالى لا ينظر إلى صُوَركم وأعمالِكم، وإنَّما ينظرُ إلى قلوبكم
ونَيَّاتِكم)»(٤)، و: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّات)»(٥)، و: ((نيةُ المؤمنِ خيرٌ من عمله)) (٦) إلى
غير ذلك. أو لعمومه مِن حيث يتعلَّق بغير المبصَرات أيضاً.
(١) في المفردات (قرن).
(٢) هو راوي الحديث الآتي عن عبد الله بن بُسر المازني ﴿به، وهو ختنه أيضاً كما في تفسير
الطبري ١٤/ ٥٣٤-٥٣٥.
(٣) أخرجه الطبري والحاكم ٥٤٩/٢ من حديث عبد الله بن بسر، وهو الرجل المدعو له.
(٤) أخرج مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة له بلفظ: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم
وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))، وسلف تخريجه ٧/ ١٠٧ .
(٥) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر ظه، وسلف ٣٩٣/١١.
(٦) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٩٤٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي ظه، وأخرجه ابن

سُؤَةُ الإِسْرَةِ
٤٥٠
الآية : ١٨
والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ((خبيراً بصيراً))، على سبيل التَّنازع. وقال الحوفيُّ :
متعلّق بـ ((كفى)). وهو وَهَم.
وفي تذييل ما تقدَّم بما ذُكر إشارةٌ - على ما قيل - إلى أنَّ البعثَ والأمرَ
وما يتلوهما مِن فسقهم ليس لتحصيل العلمِ بما صدرَ عنهم من الذُّنوب؛ فإنَّ ذلك
حاصلٌ قبل ذلك، وإنَّما هو لقَطع الأَعذار وَإلزامِ الحبَّة من كلِّ وجه.
وفي (الكشّاف))(١): إنَّه سبحانه نبَّه بقوله تعالى: (وَكَفَى بِرِكَ) إلخ على أنَّ
الذنوبَ هي الأسبابُ المهلكة لا غير.
وبيانُه - كما في ((الكشف)) - أنَّه جلَّ شأنُه لمَّا عقَّب إهلاكَهم بعلمه بالذُّنوب
علماً أتمَّ، دلَّ على أنَّه تعالى جازاهم بها، وإلَّا لم ينتظم الكلامُ، وأما الحصرُ؛
فلأنَّ غيرها لو كان له مدخلٌ، كان الظاهرُ ذِكرَه في معرض الوعيد، ثم لا يكون
السببُ تامًّا، ويكونُ الكلامُ ناقصاً عن أداءِ المقصود، فلزم الحصرُ، وهو
المطلوب. ولا أرى كلامَه خالياً عن دسيسة اعتزالٍ تظهر بالتأمُّل، ولعله لذلك لم
يتعرَّض له العلّامة البيضاويُّ.
﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ أي: بعمله، كما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن الضخَّاك ﴿الْعَاِلَةَ﴾
فقط مِن غيرٍ أن يريدَ معها الآخرةَ، كما يُنبئُ عنه الاستمرارُ المستفادُ من زيادة
((كان)» هنا، مع الاقتصارِ على مطلَق الإرادة في قَسيمه. وقيل: لو لم يقيَّد، صدقَ
على مريد العاجلةِ والآخِرة، والقسمةُ تنافي الشَّرِكة، ودلالةُ الإرادة على ذلك لأنَّها
عَقدُ القلبِ بالشيء وخلوصُ هِّه فيه، ليس بذاك.
والمرادُ بالعاجلة الدارُ الدنيا، كما رُوي عن الضحَّاك أيضاً، وبإرادتها إرادةٌ
ما فيها من فنون مطالِبها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا﴾ [الشورى: ٢٠]
وجوِّز أن يرادَ الحياةُ العاجلةُ، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا﴾
[هود: ١٥].
= عبد البر في التمهيد ٢٦٥/١٢ من حديث علي ته. وأخرجه البيهقي في الشعب ٩/ ١٧٥
(٦٤٤٥) مكتبة الرشد، من حديث أنس نظرائه.
(١) ٢ / ٤٤٣ .

الآية : ١٨
٤٥١
سُورَةُ الإِسْرَاةِ
ورجِّح الأولُ بأنه أنسبُ بقوله تعالى: ﴿عَبَّلْنَا لَهُ، فِيهَا﴾ أي: في تلك العاجلة،
فإنَّ تلك الحياةَ واستمرارَها من جملة ما عجِّل، فالأَنسبُ في ذلك كلمةُ ((من))
كما في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْتِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥].
﴿مَا نَّهُ﴾ أي: ما نشاءُ تعجيله له من نعيمها، لا كلَّ ما يريد. ﴿لِمَنْ تُرِيدٌ﴾
تعجيلَ ما نشاءُ له. وقال أبو إسحاقَ الفَزاري(١): أي: لمن نريد هَلَكَته. ولا يدلُّ
عليه لفظٌّ في الآية.
والجارُّ والمجرور بدلٌ من الجارِّ والمجرورِ السابق، أَعني (له)) فلا يُحتاج إلى
رابط، لأنَّه في بدل المفرَدات، أو المجرورُ بدلٌ من الضمير المجرورِ بإعادة
العامل، وتقديره: لمن نريدُ تعجيله له منهم، والضميرُ راجعٌ إلى ((من)) وهي
موصولةٌ، أو شرطية، وعلى التقديرَين هي منبئةٌ عن الكثرة، فهو بدلُ بعضٍ من كلِّ.
وعن نافع أنَّه قرأ: ((ما يشاء)» بالياء(٢)، فقيل: الضميرُ فيه لله تعالى، فيتطابقُ
القراءتان، وقيل: هو لـ ((من)) فيكون مخصوصاً بمَن أراد اللهُ تعالى به ذلك، كنمروذ
وفرعونَ ممَّن ساعده اللهُ تعالى على ما أَراده استدراجاً له. واستُظهر هذا بأنَّه يلزم
أن يكونَ على الأوَّل التفات، ووقوعُ الالتفاتِ في جملةٍ واحدة إنْ لم يكن ممنوعاً
فغيرُ مستحسَن، كما فضَّله في ((عروس الأفراح))(٣).
وتقييدُ المعجَّل والمعجَّلِ له بما ذُكر من المشيئة والإِرادة؛ لِمَا أنَّ الحكمةَ التي
يدورُ عليها فلكُ التكوينِ لا تقتضي وصولَ كلِّ طالبٍ إلى مرامه، ولا استيفاءَ كلِّ
واصلٍ لما يطلبه بتمامه. وليس المرادُ بأعمالهم في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ
اَلْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] أعمالَ
كلِّهم، ولا كلَّ أعمالهم، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، فتذكَّر. وذِكرُ المشيئةِ في
أحدهما والإِرادةِ في الآخَر - إنْ قيل بترادفهما - تفتُّن.
(١) هو إبراهيم بن محمد الفزاري الشامي. كان من أئمة الحديث، وهو أخو عيينة بن حصن.
حدث عنه الأوزاعي والثوري وهما من شيوخه. مات سنة (١٨٥ أو ١٨٦ هـ). السير ٥٣٩/٨.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٢١.
(٣) في شرح تلخيص المفتاح، لبهاء الدين أحمد بن علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة
(٧٧٣هـ).

سُورَة الاسْرائة
٤٥٢
الآية : ١٨
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ﴾ مكانَ ما عجَّلنا له ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا﴾ يقاسي حرَّها، كما قال
الخليلُ(١)، أو يدخلُها، كما قيل. والجملةُ - كما قال أبو البقاءِ (٢) - حالٌ من
الهاءِ في ((له))، وقال أبو حيَّان(٣): إنها حالٌ من ((جهنم)) وهي مفعولٌ أولُ
لـ ((جعلنا))، و((له)) الثاني. وجوِّز أن تكونَ الجملةُ مستأنفة، وقال صاحبُ
((الغنيان)): مفعولُ ((جعلنا)) الثاني محذوفٌ، والتقدير: مصيراً، أو جزاءً.
ولا حاجةً إلى ذلك.
﴿مَذْمُومًا﴾ حالٌ من فاعلِ ((يصلى))، وهو من الذمِّ ضدِّ المدح، وفعله: ذَمَّ، وذُمته
ذيماً وذأمته ذَماً بمعناه ﴿مَّدْخُورًا ﴾﴾ أي: مطروداً مُبعداً من رحمةِ اللهِ تعالى.
قال الإِمامُ(٤): إنَّ العقاب عبارةٌ عن مضرَّة مقرونةٍ بالإِهانة والذمِّ، بشرط أن
تكونَ دائمةً وخاليةً عن المنفعة، فقوله تعالى: (جَعَلْنَا لَهُ، جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا) إشارةٌ إلى
المضرَّة العظيمة، و((مذموماً)) إشارةٌ إلى الإِهانة والذمِّ، و((مدحوراً)) إشارةٌ إلى البعد
والطّرد من رحمته تعالى، فيفيد ذلك أنَّ تلك المضرةَ خاليةٌ عن شَوب النفعِ
والرحمة، وتفيد كونَها دائمةً وخاليةً عن التبدُّل بالراحة والخلاص. اهـ.
ولا يخفَى أنَّ هذا ظاهرٌ في أنَّ الآية تدلُّ على الخلود، وحينئذٍ يتعيَّن عندنا أن
يكونَ ذلك المريدُ من الكفرة. وفي ((إرشاد العقل السليم)»(٥): ((مَن كان يريد)) أي:
بأعماله التي يعملها، سواءٌ كان ترتُّب المرادِ عليها بطريق الجزاء، كأعمال البرِّ، أو
بطريق ترتّب المعلولاتِ على العِلل، كالأسباب، أو بأعمال الآخرة، فالمرادُ
بالمريد على الأوَّل الكفرةُ وأكثرُ الفسقة، وعلى الثاني أهلُ الرياءِ والنِّفاقِ،
والمهاجرُ للدنيا والمجاهدُ للغنيمة.
وأنت تعلم أنَّ إدراج الفاسقِ والمهاجرِ للدنيا والمجاهدِ للغنيمة إذا كان مؤمناً
في التمثيل على القول بدلالة الآيةِ على الخلود، ممَّا لا يستقيم على أُصولنا، نعم
(١) في العين ٧/ ١٥٤ .
(٢) قال في الإملاء ٤٧٥/٣: حال من ((جهنم)) أو من الهاء في ((له)).
(٣) في البحر ٢١/٦.
(٤) في التفسير الكبير ١٧٨/٢٠.
(٥) ١٦٣/٥.

الآية : ١٩
٤٥٣
سُوَةُ الإشرارة
يصحُّ على أُصول المعتزلة. وقد أدرج الزمخشريُّ (١) الفاسقَ في ذلك، ودسائسُ
الاعتزال منه - عامله الله تعالى بعدله - أكثرُ من أن تحصَى.
وظاهرُ كلامٍ أبي حيَّان اختيارُ كونِ المريدِ من الكفرة، حيث قال(٢): العاجلةُ
هي الدنيا، ومعنى إرادتِها إيثارُها على الآخرة، ولا بدَّ من تقدير محذوفٍ دلَّ عليه
المقابلُ في قوله تعالى: ((ومن أراد الآخرة)) إلخ، أي: مَن كان يريد العاجلةَ وسعى
لها سعيها وهو كافر، عجَّلنا له فيها ما نشاءُ لمن نريد. وقيل: المرادُ: مَن كان يريد
العاجلةَ بعمل الآخِرة، كالمنافق والمرائي والمجاهدِ للغنيمة والذّكر والمهاجرِ
للدنيا ... إلى آخر ما قال.
فحكَى غيرَ القولِ الأوَّل الذي يكون يتعيَّن عليه كونُ المريدِ من الكَفَرة بعد أن
قدَّمه بـ : قيل. ويؤيِّده تفسيرُ كثيرٍ ((مَن كان يريد العاجلةَ)) بمن كان همُّه مقصوراً
عليها لا يريد غيرَها أصلاً؛ فإنَّ ذلك ممَّا لا يكاد يصدقُ على مؤمنٍ فاسق، فإنَّه لو
لم يكن له إرادةٌ للآخِرة ما آمن بها، وعلى القول بدخول الفاسقِ ونحوِهِ ممَّن
لا يُحكم له عندنا بالخلود، يمنع القول بدلالة الآيةِ على الخلود، ويقال لمن أُدخل
النَّار: مبعَدٌ عن رحمةِ الله تعالى ما دام فيها، فيصدقُ على الفاسق ما دام فيها،
كما يَصدُق على الكافر المخلَّد.
وزعم بعضُهم أنَّ المريدَ هو المنافقُ الذي يغزو مع المسلمين للغنيمة
لا للثَّواب، فإنَّ الآيةَ نزلت فيه، وفيه أنَّه يأبى ذلك ما سبق من أنَّ السورةَ مكِّية
غيرَ آيَاتٍ معيَّنة ليست هذه منها، على أنَّ العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب، فافهم.
﴿وَمَنْ أَرَادَ﴾ الظاهرُ - على طبق ما مرَّ عن الضحَّاك - أن يرادَ بعمله أيضاً
﴿اَلْآَخِرَةَ﴾ أي: الدارَ الآخرةَ وما فيها من النَّعيم المقيم ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ أي:
الذي يحقُّ ويَليق بها، كما تنبئُ عنه الإضافة الاختصاصيةُ سواءٌ كان السعيُ مفعولاً
به على أنَّ المعنى: عَمِلَ عُمَّلَها، أو مصدراً مفعولاً مطلقاً، ويتحقَّق ذلك بالإتيان
(١) في الكشاف ٢/ ٤٤٣ .
(٢) في البحر ٢٠/٦-٢١.

سُؤَةُ الإِسْرَةِ
٤٥٤
الآية : ١٩
بما أَمر الله تعالى والانتهاءِ عما نهَى سبحانه عنه، فيخرج مَن يتعبَّد من الكَفَرة
بما يخترعه من الآراءِ ويزعم أنَّه يسعَى لها .
وفائدةُ اللامِ - سواءٌ كانت للأَجْل أو للاختصاص - اعتبارُ النَّة والإخلاصِ لله
تعالى في العمل.
واختار بعضُهم - ولا يخلو عن حُسن - أنَّه لا حاجَة إلى ما اعتبره الضخَّاك، بل
الأَوْلى عدمُ اعتبارهِ؛ لمكان: ((وسعى لها سعيها)) وحينئذٍ لا يُعتبر فيما سبق أيضاً،
ويكون في الآية على هذا مِن تحقير أمرِ الدنيا وتعظيم شأن الآخرة ما لا يخفَى على
مَن تأمَّل.
﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ إيماناً صحيحاً لا يخالطه قادحٌ، وإيرادُ الإِيمان بالجملة
الحالية؛ للدَّلالة على اشتراط مقارَنتِه لما ذُكر في حيِّز ((مَن)) فلا تنفع إرادةٌ
ولا سعيٌّ بدونه، وفي الحقيقة هو الناشئُ عنه إرادةُ الآخرة والسعيُّ للنجاة فيها
وحصول الثواب.
وعن بعض المتقدِّمين: مَن لم يكن معه ثلاثٌ، لم ينفعْه عمله: إيمانٌ ثابت،
ونيّة صادقة، وعملٌ مُصيب، وتلا هذه الآية.
﴿فَأُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى ((مَن)) بعنوان اتِّصافه بما تقدَّم. وما في ذلك من معنى
البُعد؛ للإشعار بعلوِّ درجتِهم وبُعدِ منزلتهم، والجمعيةُ لمراعاة جانبِ المعنى، إيماءً
إلى أنَّ الإِثابة المفهومةَ من الخبر تقعُ على وجه الاجتماع، أي: فأولئك الجامعون
لما مرَّ من الخصال الحميدة، أعني إرادةَ الآخرة والسعيَ الجميلَ لها والإِيمانَ
﴿كَانَ سَعْيُهُم ◌َشْكُورًا (٣)﴾ مثاباً عليه مقبولاً عنده تعالى بحُسن القَبول.
وفسَّر بعضُهم السعيَ هاهنا بالعمل الذي يعبّر عنه بفعل، فيشمل جميعَ ما تقدَّم،
وهذا غيرُ السَّعي السابق، وقال بعضُهم: هو هو، وعلَّق المشكوريةَ به دون قرينَيه؛
إشعاراً بأنه العمدةُ فيها .
وأصلُ السعي - كما قال الراغبُ(١) - المشي السريعُ، وهو دون العَدْو،
(١) في المفردات (سعي).

الآية : ٢٠
٤٥٥
سُورَةُ الإشرارة
ويُستعمل للجدِّ في الأمر، خيراً كان أو شرًّا، وأكثرُ ما يُستعمل في الأَفعال
المحمودة، قال الشاعر(١):
إنْ أَجزِ علقمةَ بنَ سعدٍ (٢) سعيَه لا أَجزِهِ ببلاءِ يومٍ واحدٍ
التنوينُ فيه - على المشهور عند التُّحاة - عوضٌ عن المضاف إليه،
لا تنوينُ تمكين، أي: كلَّ الفريقَين، وهو مفعولُ ﴿نُمِدُ﴾ مقدَّم عليه، أي: نَزِيد مرَّةً
بعد مرَّة، بحيث يكونُ الآنفُ مدداً للسَّالف، وما به الإمدادُ ما عجِّل لأحدهما من
العطايا العاجلة، وما أُعدَّ للآخَر من العطايا الآجلة المشارِ إليها بمشكوريَّة السَّعي،
وإنَّما لم يصرَّح به، تعويلاً على ما سبق تصريحاً وتلويحاً، واتِّكالاً على ما لحق
عبارةً وإشارة.
وقولُه تعالى: ﴿هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءٍ﴾ بدلٌ من ((كلََّ)) بدلَ كلٍّ على جهة التفصيل،
أي: نمدُّ هؤلاء المعجَّلَ لهم وهؤلاء المشكور سعيُهم، فإنَّ الإِشارة متعرِّضة لذات
المشارِ إليه بما لَه من العُنوان، لا للذَّات فقط، كالإضمار، ففيه تذكيرٌ لما به
الإمداد، وتعيينٌ للمضاف إليه المحذوف، دفعاً لتوهُّم كونِه أفرادَ الفريقِ الأخير
المريدِ للخير الحقيقِ بالإِسعاف فقط، وتأكيدٌ للقصر المستفادِ من تقديم المفعول.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكْ﴾ أي: مِن معطاه الواسع الذي لا تناهيَ له، فهو
اسمُ مصدرٍ واقعٍ موقعَ اسمِ المفعول، متعلّق بـ ((نُمِدُّ»، مُغَنِ عن ذِكر ما به الإمدادُ،
ومنبِّه على أنَّ الإمداد المذكورَ ليس بطريق الاستيجابِ بالسَّعي والعمل، بل بمحض
التفضُّل، كما قيل: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ﴾ أي: دنيويًّا كان أو أُخرويًّا.
والإظهارُ في موضع الإضمار لمزيد الاعتناءِ بشأنه، والإشعار بعِلِّته للحكم.
﴿مَخْطُورًا ﴾﴾ ممنوعاً عمَّن يريده، بل هو فائضٌ على من قدِّر له بموجب
المشيئةِ المبنيَّة على الحِكمة وإنْ وُجد فيه ما يقتضي الحظرَ، كالكفر، وهذا في
معنى التعليلِ لشمول الإمداد للفريقين.
(١) هو فدكي بن أعبد الطائي، رجل من بهراء.
(٢) كذا في مفردات الراغب، وفي البيان والتبيين ٢٣٣/٣، ومعجم الشعراء ص٤٤٦، وشرح
المرزوقي ١٥٩٠/٤، وشرح التبريزي ٧٠/٤: علقمة بن سيف. وانظر الصحاح واللسان
(لمم).

سُورَةُ الإِسْرَاةِ
٤٥٦
الآية : ٢١
والتعرُّض لعنوان الرُّبوبية للإشعار بمبدئيَّتها لكلٍّ من الإمداد وعدم الحظر.
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (كيف)) في محلِّ النصب بـ ((فضَّلنا)) على
الحال، وليست مضافةً للجملة كما تُوهِّم، والجملةُ بتمامها في محلِّ نصبٍ
بـ ((انظر))، وهو معلَّق هنا.
والمرادُ - كما قال شيخ الإسلام(١) - توضيحُ ما مرَّ من الإمداد وعدم محظوريةٍ
العطاء، بالتَّنبيه على استحضار مراتبِ أحدِ العطاءَين، والاستدلالُ بها على مراتبٍ
الآخَر، أي: انظر بنظر الاعتبارِ كيف فضَّلنا بعضهم على بعضٍ فيما أَمددناهم مِن
العطايا العاجلة، فمن وضيعٍ ورفيع، وظالعٍ (٢) وضَليع، ومالكِ ومملوك، وموسر
وصُعلوك، تعرف بذلك مراتبَ العطايا الآجلةِ، وتفاوتَ أهلِها، على طريقة
الاستدلال بحال الأَدنى على حال الأَعلى، كما أَفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَخِرَةُ
أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا ﴾﴾ أي: أكبرُ من درجات الدنيا وتفضيلها؛ لأنَّ
التفاوت فيها بالجنَّة ودرجاتِها العالية لا يُقادَر قَدْرُها، ولا يُكتنه كُنْهُها .
وفي بعض الآثارِ أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((إنَّ بين أَعلى أهل الجنَّة وأسفلِهم درجةً
كالنَّجم يُرى في مشارق الأرض ومغاربها، وقد أَرضى اللهُ تعالى الجميعَ، فما يَغْبِط
أحدٌ أحداً))(٣).
وعن الضخَّاك: الأَعلى يرى فضله على مَن هو أسفلُ منه، والأسفلُ لا يرى أنَّ
فوقه أحداً. وصحَّ أنَّ اللهَ تعالى أعدَّ لعباده الصَّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ
سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر(٤).
وروى ابنُ عبد البرِّ في ((الاستيعاب)»(٥) عن الحسن قال: حضر جماعةٌ من
الناس بابَ عمرَ ◌َُهُ وفيهم سُهيلُ بن عَمرو القرشي، وكان أحدَ الأَشرافِ في
(١) في إرشاد العقل السليم ١٦٥/٥ .
(٢) الظالع: الذي يغمز في مشيه. الصحاح (ظلع).
(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٤٠ عن قتادة مرسلاً دون قوله: وقد أرضى الله الجميع ...
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤) من حديث أبي هريرة ظله، وسلف ص٣٦ من
هذا الجزء.
(٥) ٢٨٩/٤ على هامش الإصابة.

الآية : ٢١
٤٥٧
سُورَةُ الإِشْرَاةِ
الجاهلية، وأبو سفيانَ بنُ حرب، وأولئك المشايخُ من قريش، فأَذن لصُهَيب وبلالٍ
وأهل بدر، وكان يحبُّهم، وكان قد أَوصَى بهم، فقال أبو سفيان: ما رأيتُ كاليوم
قِظُ، إنَّه ليؤذن لهؤلاء العبيدِ ونحن جلوسٌ لا يلتفت إلينا، فقال سُهيل وكان
أعقلَهم: أيُّها القوم، إني واللهِ قد أَرى الذي في وجوهكم، فإنْ كنتم غضاباً،
فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القومُ ودُعيتم، فأَسرعوا وأبطأتم، أمَا واللهِ لَمَا
سبقوكم به من الفضل أشدُّ عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسون عليه.
وفي (الكشّاف))(١) أنَّه قال: إنَّما أُتينا من قِبَلنا، إنهم دُعوا ودُعينا، فأسرعوا
وأبطأنا، وهذا بابُ عمرَ، فكيف التفاوتُ في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب
عمرَ، لَمَا أعدَّ الله تعالى لهم في الجنَّة أكبر.
وقُرئ: ((أكثرُ تفضيلاً)) بالثّاء المثلَّة(٢).
وجوِّز أن يرادَ بما به الإمدادُ العطايا العاجلةُ فقط، وحَملُ القصرِ المذكورِ على
دفع توقُّم اختصاصِها بالفريق الأوَّل، فإنَّ تخصيصَ إرادتهم لها ووصولهم إليها
بالذِّكر من غير تعرُّضٍ لبيان النِّسبةِ بينها وبين الفريقِ الثاني إرادةً ووصولاً ممَّا يوهم
اختصاصَها بالأوَّلين، فالمعنى: كلَّ الفريقين نمدُّ بالعطايا العاجلة، لا مَن ذكرنا
إرادته لها فقط من الفريق الأوَّل، من عطاء ربِّك الواسع، وما كان عطاؤه الدنيويُّ
محظوراً من أحدٍ ممَّن يريد(٣) وممن يريد غيرَه، انظر كيف فضَّلنا في ذلك العطاءِ
بعضَ كلِّ من الفريقين على بعضٍ آخَرَ منهما، ولَلآ خرةُ .. إلخ.
وإلى نحو هذا ذهب الحسنُ وقتادةُ، فقد رُوي عنهما أنَّهما قالا في معنى الآية:
إنَّ اللهَ تعالى يرزق في الدنيا مريدي العاجلة الكافرين ومريدي الآخرةِ المؤمنين
ویمدُّ الجمیعَ بالرزق.
وذِكرُ الرزق من بين ما به الإمداد، قيل: على سبيل التَّمثيل، وقيل: تخصيصٌ
لدَلالة السِّياق. وجوِّز أن يكونَ المرادُ به معناه اللغويُّ، فيتناول الجاهَ ونحوه،
(١) ٢ / ٤٤٤.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٢٢.
(٣) في تفسير أبي السعود ١٦٤/٥ (والكلام منه): يريده.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٤٥٨
الآية : ٢١
كما يقال: السعادةُ أَرزاق. واعتبر الجمهورُ عدمَ المحظوريةِ بالنّسبة إلى الفريق
الأوَّل تحقيقاً لشمول الإمداد له، حيث قالوا: لا يمنعُه من عاصٍ لعصيانه.
واعتُرض بأنَّه يقتضي كونَ القصرِ لدفع توقُّم اختصاص الإمداد الدنيويِّ بالفريق
الثاني، مع أنّه لم يسبقْ في الكلام ما يوهمُ ثبوتَه له، فضلاً عن إيهام اختصاصِه،
وفيه تأمُّل.
وعن ابن عباسٍ ﴿ّ أنَّ معنى ((من عطاء ربك)) من الطّاعات، ويمدُّ بها مريدَ
الآخرة، والمعاصي، ويمدُّ بها مريدَ العاجلة. فيكون العطاءُ عبارةً عمَّا قسم اللهُ
تعالی للعبد من خير أو شرٌّ.
وأنت تعلم أنَّه يَبعد غايةَ البعدِ إرادةُ المعاصي من العطاء، ولعل نسبةَ ذلك
للحبر غيرُ صحيحة، فلا تغفُل.
واعلَم أنَّ التقسيمَ الذي تضمَّنته الآيةُ غيرُ حاصر، وذلك غيرُ مضرٍّ، والتقسيمُ
الحاصر أنَّ كلَّ فاعلٍ إمّا أن يريدَ بفعله العاجلةَ فقط، أو يريدَ الآخرةَ فقط، أو
يريدَهما معاً، أو لم يُرِدِ شيئاً، والقسمان الأوَّلان قد عُلم حكمُهما من الآية،
والقسمُ الثالثُ ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ لأنَّه إمَّا أن تكونَ إرادةُ الآخرةِ أرجح، أو
تكونَ مرجوحة، أو تكونَ الإرادتان متعادلتَين، وفي قَبول العملِ في القسم الأوَّل
بحثٌ عند الإمام، قال(١): يحتمل عدمَ القبول؛ لما رُوي عن ربِّ العزَّة جلَّ شأنه:
(أنا أغنَى الشُّركاء عن الشِّرك، مَن عمل عملاً أَشركَ فيه غيري تركتُهُ وشِركَه))(٢) .
ويمكن أن يقالَ: إذا كانت إرادةُ الآخِرة راجحةً على إرادة الدُّنيا، تعارض
المِثلُ بالمثل، فيبقى القَدْرُ الزائدُ خالصاً للآخِرة، فيجب كونُه مقبولاً .
وإلى عدم القَبول ذهب العزُّ بن عبدِ السلام(٣)، ومالَ إلى القول بأصل الثَّواب
حجَّةُ الإِسلام الغزاليُّ، حيث قال(٤): لو كان اطّلاع الناسِ مرجِّحاً أو مقوِّياً لنشاطه
(١) في التفسير الكبير ٢٠/ ١٨٠.
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة .
(٣) انظر قواعد الأحكام ١/ ١١٧-١١٨.
(٤) في إحياء علوم الدين ٣٠٢/٣.

التفسير الإشاري (١-٢١)
٤٥٩
سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ
ولو فُقد لم تُترك العبادة، ولو انفرد قَصْدُ الرياءِ لَما أقدم، فالذي نظنُّه - والعلمُ
عند اللهِ تعالى - أنَّه لا يحبَط أصلُ الثواب، ولكنه يُعاقَب على مِقدار قصدِ الرِّياء،
ويثابُ على مقدار قصدِ الثَّواب.
وهذا ظاهرٌ في أنَّ الرِّياء ولو محرَّماً لا يمنع أصلَ الثَّوابِ عنده إذا كان باعتُ
العبادةِ أَغلب.
وذكر ابنُ حجرٍ أنَّ الذي يتَّجه ترجيحُه أنَّه متى كان المصاحِبُ لقصد العبادةِ رياءً
مباحاً، لم يقتضِ إسقاطَ ثوابها من أصله، بل يثابُ على مقدار قصدِ العبادة وإنْ
ضَعُف، أو محرَّماً، اقتضى سقوطه من أصله؛ للأخبار، وقولُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] قد لا يعكِّر على ذلك؛ لأنَّ تقصيرَه بقصد
المحرَّم اقتضى سقوطَ قصدِ الأَجرِ، فلم تبقَ له ذرَّة من خير، فلم تشملْه الآية.
واتَّفقوا على عدم قبول ما ترجَّح فيه باعثُ الدنيا، أو كان الباعثانِ فيه
متساويين، وخصَّ الغزاليُّ الأحاديثَ الدالَّة بظاهرها على عدم القبولِ مطلقاً بهذين
القِسمين. وتمامُ الكلام في هذا المَقام في ((الزَّواجر عن اقتراف الكبائر))(١).
وأمَّا القسمُ الرابع عند القائلين بأنَّ صدورَ الفعلِ من القادر يتوقّف على حصول
الدَّاعي، فهو ممتنعُ الحصول، والذين قالوا: إنَّه لا يتوقَّف، قالوا: ذلك الفعلُ
لا أثرَ له في الباطن، وهو محرَّم في الظاهر؛ لأنَّه عبث، والله تعالى أعلم.
ومن باب الإشارةِ في الآيات: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ فيه أربعُ
إشارات: إشارةُ التقديسِ بـ ((سبحان))، فهو تنزيهٌ له تعالى عن اللَّواحق الماديةِ
والنقائصِ التشبيهية، وعن جميع ما يَرتسم في الأَذهان. وإشارةُ الغَيرة بعدم ذِكر
الاسم الظاهرِ من أسمائه الحسنى عزَّت أسماؤه، وكذا بعدم ذِكر اسمِهِ نَّهِ. وإشارةٌ
الغيبِ بذِكر ضميرٍ الغائب. وإشارة السرِّ بذكر الليل؛ فإنه محلُّ السرِّ والنجوى.
وعن بعض الأكابر: لولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا .
(١) الزواجر ٤١/١.
الطاقة

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤٦٠
التفسير الإشاري (١-٢١)
وذكرَ غيرُ واحدٍ أنَّ في اختيار عنوانِ العبوديّة إشارةً إلى أنَّها أعلى المقاماتِ،
وقد أُشير إلى ذلك فيما سلف. وأصلُها الذلُّ والخضوع، وحيث إنَّ الذلَّ لشيءٍ
لا يكون إلَّا بعد معرفته، دلَّت العبوديةُ لله تعالى على معرفته سبحانه، وكمالُها على
کمالها .
ومن هنا فسَّر ابنُ عباس قولَه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: ٥٦] بقوله: إلَّا ليعرفون، وهي تسعةٌ وتسعون سهماً، بعدد الأسماءِ
الإلهية التي مَن أَحصاها دخل الجنَّة، لكلِّ اسم إلهيِّ عبوديةٌ مختصَّة به، يتعبَّد له
مَن يتعبَّد من المخلوقين.
ولم يتحقَّق بهذا المقام على كماله مثلُ رسولِ الله وَّهِ، فكان عبداً محضاً
زاهداً في جميع الأحوالِ التي تُخرجه عن مرتبة العبوديّة، وشهد الله تعالى له بأنه
عبدٌ مضاف إليه من حيث هُويتُه هنا، واسمُه الجامعُ في قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَّا قَامَ
عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩] ولمَّا أُمر ◌َّهِ بتعريف مَقامِه يوم القيامة، قيَّد ذلك، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((أنا سيِّد ولدِ آدَمَ ولا فخر)) بالراء أو الزاي(١)، على اختلاف
الرِّوايتين، وهي لِمَا علمتَ مِن معناها لا يمكنُ أن تكونَ نعتاً إلهيًّا أصلاً، بل هي
صفةٌ خاصَّة لا اشتراكَ فيها، فقد قال أبو يزيدَ البسطاميُّ: ما وجدتُ شيئاً يُتُقرَّب به
إليه تعالى؛ إذ رأيتُ كلَّ نعتٍ يُتَقرَّب به للأُلوهية فيه مدخلٌ، فقلت: يا ربِّ، بماذا
أَتقرَّب إليك؟ قال: تقرَّبْ إليَّ بما ليس لي، قلتُ: يا ربِّ، وما الذي ليس لك؟
قال: الذِّلَّة والافتقار.
وذُكر أنَّ العبدَ مع الحقِّ في حال عبوديَّته كالظِّل مع الشَّخص في مقابلة
السِّراج، كلَّما قَرُبَ إلى السِّراجِ عَظُمَ الظُّلُّ، ولا قُربَ من الله تعالى إلَّا بما هو لك
وصفٌ أخصُّ، لا له سبحانه، وكلَّما بعد عن السِّراج صَغُرَ الظُّلُّ، فإنَّه ما يُبعدك عن
الحقِّ إلَّا خروجُك عن صفتك التي تستحقُّها، وطمعُك في صفته تعالى، ﴿كَذَلِكَ
يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَّبِرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] وهما صفتانِ لله تعالى، و﴿ذُقْ
(١) الرواية بالراء أخرجها ابن حبان (٦٢٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع حضرته، وسلفت
٣٧٨/١٢، والرواية بالزاي نقلها العجلوني في كشف الخفاء ٢٣٥/١ عن الفتوحات المكية.