Indexed OCR Text
Pages 241-260
الآية : ٨٠ ٢٤١ سُورَةُ التَّحمِ الحضر، واختار ابن المُنَيِّرِ الأول وقال: إنه التفسير؛ لأنَّ المِنَّةَ في خِفَّتها في السفر أتُّ وأقوى؛ إذ لا يهمُّ المقيمَ أمرُها (١)، قال في ((الكشف)): وهو حقٌّ. وقال بعض الفضلاء: ينبغي أن يكونَ الثاني أولى للعموم، فإنَّ حالتي السفر اندرجتا في يوم ظَعْنِكم حيثُ أُريد به مقابل الحضر، والخِفَّةُ على المقيم نعمةٌ في حَقِّهِ أيضاً، فإنه يضربها وقد ينقلها من مكانٍ إلى مكانٍ قريبٍ لداعٍ يدعو إليه، فالأَولى أن لا تخلوَ الآيةُ عن التعرُّض لذلك. ولا يخفى أنَّ الاندراجَ ظاهرٌ إن أُريد بالّعن مقابل الحضر، وأما إذا أُريد به مقابل النزول كما سمعتَ، فغيرُ ظاهرٍ. نعم يجوز إرادة ذلك. وقرأ الحرميَّان وأبو عمرو: ((ظَعَنكم)) بفتح العين، وباقي السبعة بسكونها(٢)، وهما لغتان، والفتح على ما في ((المعالم)) أجزلهما(٣). وقيل: الأصل الفتحُ، والسكونُ تخفيفٌ لأجل حرف الحَلْقِ كالشَّعْرِ والشَّعَر. ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ عطفٌ على قوله تعالى: (مِّنْ جُلُودٍ) والضميرُ للأنعام على وجه التنويع، أي: وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبلِ وأشعار المعز. ﴿أَثًا﴾ أي: متاعَ البيت كالفُرُش وغيرها، كما قال المفضَّل، قال الفراء: لا واحدَ له من لفظه، كما أنَّ المتاعَ كذلك، ولو جَمعتَ قلت: اأثية(٤) في القليل، وأُثُث في الكثير. وقال أبو زيد: واحده: أَثاثةٌ، وأصله - كما قال الخليل - من قولهم: أَثَثَ النباتُ والشَّعر، وهو أثيثٌ: إذا كَثُرَ، قال امرؤ القيس(٥): أثيثٍ كقِنْو النخلةِ المُتَعَشْكِلِ وفَرْع يَزينُ المتنَ أسودَ فاحمٍ (١) الانتصاف بهامش الكشاف ٢/ ٤٢٢ . (٢) التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢. (٣) معالم التنزيل للبغوي ٧٩/٣. (٤) كذا رسمت في الأصل، وفي (م): أثثة. وكلام الفراء نقله عنه الزبيدي في تاج العروس (أثث) وقال: قال الفراء: ولو جمعت الأثاث لقلت: ثلاثة أَنَّة، وأُثُث كثيرة. (٥) في ديوانه ص١٦ . سُورَةُ الْفَحَلَّ ٢٤٢ الآية : ٨١ ونصبه على أنه معطوفٌ على ((بيوتاً)) مفعولُ ((جعل)) فيكونُ مما ◌ُطِفَ فيه جارٌّ ومجرورٌ مقدَّمٌ ومنصوبٌ على مثلهما، نحو: ضربتُ في الدار زيداً، وفي الحُجْرة عَمْراً، وهو جائزٌ وليس بمستَقبَحِ كما زعم في ((الإيضاح))(١). وجُوِّزَ أن يكونَ نَصْباً على الحال، فيكون من عَطْفِ الجارِّ والمجرور فقط على مثله، أي: وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها حالَ كونها أثاثاً. وتعقّبه السمينُ بأنَّ المعنى ليس على هذا(٢). وهو ظاهرٌ. ﴿وَمَتَعًا﴾ أي: شيئاً يتمتّع به وينتفع في المتجر والمعاش. قاله المفضل، وعن ابن عباس : المتاعُ الزينة، وقال الخليل: الأثاثُ والمتاعُ واحدٌ، والعَظْفُ لتنزيل تغاير اللفظ منزلةً تغاير المعنى كما في قوله: وأَلْفَى قَولَها كَذِياً وَمَيْناً (٣) والأول أولى. ﴿إِلَى حِينٍ ﴾﴾ إلى انقضاء حاجاتكم منه، وعن مقاتل: إلى بِلَى ذلك وفنائه؛ وعن ابن عباس ◌ً: إلى الموت. والكلامُ في ترتيب المفاعيل مثله فيما مرَّ غيرَ مرَّة. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَا خَلَقَ﴾ من غير صُنْعِ منكم ﴿ظِلَلًا﴾ أشياءَ تستظلُّون بها من الغمام والشجر والجبال وغيرها، وهو الذّي يقتضيه الظاهرُ، وروي ذلك عن قتادة، وعن ابن عباس ﴿ه ومجاهد الاقتصارُ على الغمام، وعن الزجاج(٤) وقتادة أيضاً الاقتصارُ على الشجر، وعن ابن قتيبة الاقتصارُ على الشجر والجبال، ولعلَّ كلّ ذلك من باب التمثيل، وعن ابن السائب أنَّ المراد ظلالُ البيوت، وهو كما ترى، ومَنَّ سبحانه بما ذكر لأنَّ تلك الديار كانت غالبة الحرارة. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْثَنَا﴾ مواضعَ تستكثُّون فيها من الغِيران (١) للفارسي. (٢) الدر المصون ٧/ ٢٧٤ . (٣) عجز بيت لعدي بن زيد العبادي، وهو في معاهد التنصيص ١/ ٣١٠، وزهر الأكم ١٩٢/١ وصدره: وقدَّدت الأدیم لراهشيه. (٤) معاني القرآن ٢١٥/٣. الآية : ٨١ ٢٤٣ سُؤَدَّةُ الْحَ ونحوها، والواحد: كِنّ، وأصله السُّتْرة، من أَكَنَّهُ وكَنَّهُ أي: ستره، ويجمع على أكنانٍ وأَكِثَّةٍ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَّبِيلَ﴾ جمع سِربال، وهو كلُّ ما يُلبس، أي: جعل لكم لباساً من القطن والكَتَّان والصوف وغيرها ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ خصَّه بالذكر كما قال المبرد اكتفاءً بذِكْر أحد الضِّدَّين عن الآخر، أعني البرد، ولم يُخَصَّ هو بالذكر اكتفاءً لأنَّ وقايةَ الحرِّ أهمُّ عندهم لما مرَّ آنفاً . وقال بعضهم: من الرأس، خَصَّ الحرَّ بالذِّكر لأنَّ وقايته أهم. وتُعقِّبَ دعوى الأهمية بأنه يُبعدها ذِكْرُ وقاية البرد سابقاً في قوله تعالى: (لَكُمْ فِيهَا ◌ِفْءٌ) ثم قيل: وهذا وجهُ الاقتصار على الحرِّ هنا لتقدُّم ذِكْرٍ خلافه ثمَّة. واعتُرض بأنَّا لا نسلِّمُ أنَّ إثباتَ الدفء هناك يُبعد دعوى الأهمية، بل في تغاير الأسلوبين ما يُشعرُ بهذه الأهمية. وقال الزجاج: خُصَّ الحَرُّ بالذكر لأنَّ ما يقي من الحرِّ يقي من البرد(١)، وذكر ذلك الزمخشريُ (٢) بعد ذكر الأهمية، وقال في ((الكشف)): هو الوجه، وتخصيصُ الحرِّ بالذكر لما قدَّمه في الوجه الأول، يعني الأهمية، وما قيل: من أولوية الأول لقوله تعالى: (مِّمَا خَلَقَ ظِلَلًا) فليس بشيءٍ لأنه تعالى عقَّبه بقوله سبحانه: (مِّنَ اُلْجِبَالِ أَكْثَنَا) كيف وهو في مقام الاستيعاب. وصاحب القيل هو ابن المنير، وقد اعترضَ أيضاً على قوله: إنَّ ما يقي من الحرِّ يقي من البرد بأنه خلافُ المعروف، فإنَّ المعروفَ أنَّ وقايةَ الحرِّ رقيقُ القمصان ورفيعُها، ووقايةَ البرد ضِدُّه، ولو لبس الإنسان في كلِّ واحدٍ من الفصلين القيظِ والشتاء لباسَ الآخر لَعُدَّ من الثقلاء(٣). اهـ. فتدبر. ﴿وَسَرَبِيلَ﴾ من الجواشن والدُّروع ﴿تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أي: البأسَ الذي يصلُ من بعضكم إلى بعض في الحروب من الضَّرب والطّعن، وقال بعضهم: أصل (١) معاني القرآن ٢١٥/٣. (٢) في الكشاف ٢/ ٤٢٣. (٣) الانتصاف بهامش الكشاف ٤٢٣/٢. سُوَّةُ الْحَلَِّ ٢٤٤ الآية : ٨١ البأس الشدّة، وأُريدَ به هنا الحرب، والكلامُ على حذف مضافٍ، أي: أذى بأسكم، وعلى الأول لا حاجةً إليه وقد رُجِّح لذلك. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإتمام للنعمة في الماضي ﴿يُنِمُ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكُمْ﴾ في المستقبل، ومن هنا قيل: كما أحسنَ الله فيما مضى كذلك يُحسنُ فيما بقي(١) أو مثل هذا الإتمام البالغ يُتُمُّ نعمته عليكم، وإفرادُ النعمة إما لأنَّ المرادَ بها المصدر، أو لإظهار أنَّ ذلك بالنسبة إلى جناب الكبرياء شيءٌ قليل. وقرأ ابن عباس: (تَتِمُّ)) بتاءٍ مفتوحةٍ، و((نعمتُهُ)) بالرفع على الفاعلية(٢)، وإسنادُ التمام إليها على الاتساع، وعنه أيضاً رَّه ((نِعَمَهُ)) بصيغة الجمع(٣). ﴿لَعَلَّكُمْ شُْلِمُونَ ﴾﴾ أي: إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النِّعَم فتعرفوا حقَّ مُنعمها، فتؤمنوا به تعالى وحده وتذروا ما كنتم به تشركون، على أنَّ الإسلام بمعناه المعروف أي: رديفُ الإيمان، ويجوز أن يكون بمعناه اللُّغوي وهو الاستسلام والانقياد أي: لعلَّكم تستسلمون له سبحانه وتنقادون لأمره عزَّ وجلَّ، وأيًّا ما كان فهو موضوعٌ موضِعَ سببه كما أشير إليه، أو مَكْنِيٌّ به عنه . وقرأ ابن عباس : ((تَسْلَمون)) بفتح التاء واللام(٤) من السلامة، أي: تشكرون فتَسلمون من العذاب، أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك، وقيل: تسلمون من الجراح بلُبس تلك السرابيل، ولا بأس أن يُفسَّر ذلك بالسلامة من الآفات مطلقاً ليشملَ آفةَ الحرِّ والبرد، والأقربُ إلى معنى قراءة الجمهور التفسيرُ الثاني. هذا وفي بعض الآثار أنَّ أعرابيّاً سَمِعَ قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (١) البيت للإمام علي بن أبي طالب، وهو في ديوانه ص٧٠. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٥/٢، والمحرر الوجيز ٤١٣/٣، والبحر المحيط ٥٢٤/٥. (٣) البحر المحيط ٥٢٤/٥. (٤) القراءات الشاذة ص٧٤، والبحر المحيط ٥٢٤/٥. وقد ردَّ الطبري هذه القراءة في تفسيره ٣٢٢/١٤. الآية : ٨٢، ٨٣ ٢٤٥ سُوَّةُ الْحَلِ سَكَنا) إلى آخر الآيتين فقال عند كلِّ نعمة: اللهم نعم، فلما سمع قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ شُسْلِمُونَ﴾ اللهم هذا فلا، فنزلت(١). ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ فعلٌ ماضٍ على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة، وتوجيه الكلام إلى رسول الله وَ ﴿ تسليةٌ له عليه الصلاة والسلام، أي: فإن داموا على التولِّي والإعراض وعدم قبول ما أُلقيَ إليهم من البينات ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ ﴾﴾ أي: فلا يضرُّكَ؛ لأنَّ وظيفتكَ هي البلاغُ الموضِّحُ أو الواضحُ، وقد فعلته بما لا مزيد عليه، فهو من باب وَضْعِ السَّبب موضِعَ المسبّب. وقال ابن عطية: تقدير المعنى: إن أَعرضوا فلستَ بقادرٍ على خَلْقِ الإيمان في قلوبهم، فإنما عليك البلاغُ لا خَلْقُ الإيمان(٢). وجُوِّزَ أن يكون ((تولَّوا)) مضارعاً حُذفتْ إحدى تاءيه، وأصله تَتَولَّوا، فلا التفات، لكن قيل عليه: إنه لا يظهر حينئذٍ ارتباطُ الجزاء بالشرط إلا بتكلُّفٍ، ولذا لم يلتفتْ إليه بعضُ المحقّقين. وفي التعبير بصيغة التفعيل إشارةٌ - كما قيل - إلى أنَّ الفطرةَ الأُولى داعيةٌ إلى الإقبال على الله تعالى، والإعراضُ لا يكون إلا بنوع تكلّفٍ ومعالجة. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اَللَّهِ﴾ استئنافٌ لبيان أنَّ تولِّي المشركين وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله سبحانه أصلاً، فإنهم يعرفونها أنها من الله تعالى ﴿ثُمَّ يُكِرُونَهَا﴾ بأفعالهم حيث لم يُفردوا مُنعِمَها بالعبادة، فكأنهم لم يعبدوه سبحانه أصلاً، وذلك كفرانٌ منزَّلٌ منزلةَ الإنكار. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: إنكارهم إياها قولهم: ورثناها من آبائنا(٣)، وأخرج هو وغيره أيضاً عن عَوْن بن عبد الله أنه قال: إنكارهم إياها أن يقولَ الرجل: لولا فلانٌ أصابني كذا وكذا، ولولا فلانٌ لم أُصِبْ كذا وكذا(٤). (١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٢٩٥/٧-٢٢٩٦. (٢) المحرر الوجيز ٤١٣/٣ . (٣) تفسير الطبري ٣٢٥/١٤-٣٢٦. (٤) تفسير الطبري ٣٢٦/١٤. سُورَةُ الفعل ٢٤٦ الآية : ٨٤ وفي لفظٍ: إنكارُها إضافتها إلى الأسباب. وقيل: قولهم هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى، وحكى صاحب ((الغنيان)) يعرفونها في الشدَّة ثم ينكرونها في الرخاء، وقيل: يعرفونها بقلوبهم ثم ينكرونها بألسنتهم. وأخرج ابن المنذر وغيره(١) عن السُّدِّي أنه قال: النعمةُ هنا محمدٌ وَّرُ. ورجّحَ ذلك الطبريُّ(٢)، أي: يعرفون أنه عليه الصلاة والسلام نبيٌّ بالمعجزات ثم ينكرون ذلك ويجحدونه عناداً . وفي لفظ ابن أبي حاتم(٣) أنه قال: هذا في حديث أبي جهل والأخنس حين سألَ الأخنسُ أبا جهل عن محمد بَّر، فقال: هو نبيٌّ. ومعنى (ثم)) لاستبعاد(٤) الإنكار بعد المعرفة؛ لأنَّ حقَّ مَنْ عَرَفَ النعمةَ الاعترافُ بها وأداءُ حقٌّها لا إنكارها، وإسناد المعرفة والإنكار المتفرِّع عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب إسناد حالِ البعض إلى الكلِّ، فإنَّ بعضَهم ليسوا كذلك كما هو ظاهر قوله سبحانه: ﴿وَأَكْتُهُمُ اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾ أي: المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر، والحُكْمُ عليهم بمطلق الكُفْر المؤذِن بالكمال من حيثُ الكميةُ لا ينافي كمالَ الفِرْقة الأولى من حيث الکیفیةُ. کذا قیل. وجوِّزَ أن يكونَ الإسناد السالفُ على ظاهره، والمراد أنَّ أكثرهم المصرُّونَ الثابتون على كفرهم إلى يوم يلقونه، فالتعبيرُ بالأكثر لعلمه تعالى أنَّ منهم من يؤمن. وقيل: المعنى: وأكثرهم الجاحدونَ عناداً، والتعبيرُ بالأكثر إما لأنَّ بعضَهم لم يعرفِ الحقَّ لنقصان عقله وعدم اهتدائه إليه، أو لعدم نظره في الأدلة نظراً يؤدِّي إلى المطلوب، أو لأنه لم يقم عليه الحجّة لكونه لم يصلْ إلى حَدِّ المكلَّفين لِصِغَرٍ ونحوه، وإما لأنه يُقامُ مقامَ الكلِّ. فتأمل. ﴿وَبَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ جماعةٍ من الناس ﴿شَهِيدًا﴾ يشهدُ لهم بالإيمان (١) ابن المنذر كما في الدر المنثور ١٢٧/٤، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٣٢٥/١٤. (٢) في تفسيره ٣٢٦/١٤. (٣) كما في الدر المنثور ٢٠٦/٤. (٤) في (م): الاستبعاد. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٣٤/٥ والكلام منه. الآية : ٨٤ ٢٤٧ سُورَةُ التَّ والطاعة، وعليهم بالكفر والعصيان، والمراد به كما روى ابن المنذر وغيره(١) عن قتادة: نبيُّ تلك الأمة. ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: في الاعتذار كما قال سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥-٣٦] والظاهر أنهم يستأذنون في ذلك فلا يُؤْذَنُ لهم، ويحتمل أنهم لا استئذانَ منهم ولا إذن؛ إذ لا حُجَّةَ لهم حتى تُذْكَر، ولا عُذْرَ حتى يُعتَذر، وقال أبو مسلم: المعنى: لا يُسْمَعُ كلامُهمْ بعد شهادة الشهداء، ولا يلتفت إليه کما في قول عديٍّ بن زید: في سماعِ يَأذنُ الشيخُ له وحديث مثل ماذيّ مُشَارُ(٢) وقيل: لا يُؤذنُ لهم في الرجوع إلى دار الدنيا، والأول مرويٌّ عن ابن عباس وأبي العالية، و(ثم)) للدلالة على أنَّ ابتلاءهم بعدم الإذن المنبئِ عن الإقناط الكُلِّيِّ، وذلك عندما يقال لهم: ﴿أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، أشدُّ من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم السلام، فهي للتراخي الرُّتبي. ﴿وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ﴾﴾ أي: لا يُطلبُ منهم أن يزيلوا عَتَبَ ربِّهم، أي: غضبه بالتوبة والعمل الصالح، إذ الآخرةُ دارُ الجزاء لا دارُ العمل، والرجوعُ إلى الدنيا مما لا يكون، وقولُ الزمخشريِّ: أي: لا يقال لهم: أَرضوا ربَّكم(٣)؛ تفسيرٌ باللازم. وقيل: المعنى: ولا يطلب رضاهم في أنفسهم بالتلَّطف بهم، من اسْتَعْتَبَهُ كَأَعْتَبَهُ إذا أعطاه العُثْبى، وهي الرضا، وأيّاً ما كان فالمراد استمرارُ النفي لا نفيُ الاستمرار. وانتصاب الظرف على ما قال الحوفيُّ وغيره بمحذوفٍ تقديره: اذكر. وقدَّرهُ بعضُهم: خوفهم، وهو في ذلك مفعولٌ به. (١) ابن المنذر كما في الدر المنثور ١٢٧/٤، وأخرجه - أيضاً - ابن جرير في تفسيره ١٤/ ٣٢٧، وابن أبي حاتم ٢٢٩٦/٧. (٢) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٤٥١/٣، والعقد الفريد ٤١٦/٥، والماذي: العسل. (٣) الكشاف ٤٢٣/٢. سُورَةُ الْحَرَ ٢٤٨ الآية : ٨٥ وقيل: هو نَصْبٌ على الظرفية بمحذوفٍ، أي: يوم نبعثُ يحيقُ بهم ما يحيق، وقال الطبريُّ(١): هو معطوفٌ على ظَرْفٍ محذوفٍ العاملُ فيه: ينكرونها، أي: ثم ينكرونها اليومَ ويومَ نبعث من كلِّ أمةٍ شهيداً فيشهدُ عليهم ويكذِّبهم. وليس بشيءٍ. وتجري هذه الاحتمالاتُ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ﴾ أي: الذي يستوجبونه بظُلْمهم وهو عذابُ جهنم، والمراد من الذين ظلموا: الذين كفروا، وكان الظاهر الضمير، إلا أنه أُقيمَ المُظْهَرُ مقامه للنعي عليهم بما ذُكر في حَيِّز الصِّلة، وتعليقُ الرؤية بالعذاب للمبالغة، وقيل: المراد به جهنم نفسُها مجازاً. ويراد بضميره في قوله تعالى: (فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) معناه الحقيقيُّ على سبيل الاستخدام، وليس بذاك، وهذه الجملةُ قيل: مستأنفةٌ، وقيل: جواب ((إذا)) بتقدير: فهو لا يُخَفَّفُ؛ لأنَّ المضارعَ مثبتاً كان أو منفيّاً إذا وقع جوابَ ((إذا)) لا يقترنُ بالفاء، واستظهر ذلك أبو حيان ونقل عن الحوفيّ القول بأنه جواب، وأنه العامل في ((إذا)) ثم قال: وقد تقدَّم لنا أن ما تقدَّم فاء الجواب في غير ((أما)) لا يعمل فيما قبله، وبيَّنَّا أنَّ العاملَ في ((إذا)) الفعلُ الذي يليها كسائر أدوات الشرط، وإن کان ليس قولَ الجمهور(٢). وتعقَّب الخفاجيُّ القولَ بالجوابية بأنه محتاجٌ إلى ما سمعتَ من التقدير، وهو مع كونه خلافَ الأصل مُنافٍ للغرض في تغاير الجملتين في النَّظْم. يعني: قوله تعالى: ﴿فَلَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ العذاب، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا هُ يُنُظَرُونَ ﴾﴾ أي: يُمهلونَ، وهو أنَّ عدمَ التخفيف واقعٌ بعد رؤية العذاب، فلذا لم يؤتَ بجملةٍ اسميةٍ بخلاف عدم الإمهال، فإنه ثابتٌ لهم في تلك الحالة(٣). وفي كلام الزمخشريِّ كما في ((الكشف)) إشعارٌ بأنَّ الناصبَ المحذوفَ لـ ((إذا): بغتهم، وأنه هو الجوابُ حيث قال بعد أن بيَّن وجهَ انتصاب اليوم: وكذلك إذا رأوا العذاب بَغَتَهُمْ وثَقُلَ عليهم، فلا يُخفَّفُ عنهم ولا هم ينظرون (١) كما في البحر المحيط ٥٢٥/٥ . (٢) البحر المحيط ٥٢٦/٥. (٣) حاشية الشهاب ٥/ ٣٦١. الآية : ٨٦ ٢٤٩ سُؤَدَّةُ التَّحَلَِّ كقوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةٌ فَتَبْهَتُهُمْ﴾ الآية (١) [الأنبياء: ٤٠]. وفيه إشعارٌ أيضاً بأنَّ عدمَ التخفيف والإنظار يدلُّ على إثقاله ومباغتته كما صرَّح به في الآية الأخرى حيث أثبت(٢) الإتيان بغتةً والبُهت الذي هو الإثقال وزيادة، ورتّب عليه ﴿فَلَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٠] ومثل هذه الفاء فصيحةٌ عنده، فانهم. وفي ((التفسير الكبير)): قال المتكلِّمون: إنَّ العذابَ يجبُ أن يكونَ خالصاً عن شوائب النفع، وهو المراد بقوله تعالى: ((لا يخفف عنهم)) ويجب أن يكونَ دائميّاً، وهو المراد من قوله سبحانه: ((ولا هم ينظرون))(٣). وفيه نظر. ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَلَهُمْ﴾ الذين كانوا يزعمونهم شركاءَ الله سبحانه وتعالى، ويعبدونهم معه عزَّ وجلَّ؛ والمراد بهم كلُّ من اتّخذوه شريكاً له جلَّ وعلا من صنمٍ وَوَثَنِ وشيطانٍ وآدميٍّ وملكٍ، وإضافتُهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتِّخاذ، وقيلَ: أُريد بهم معبوداتهم الباطلة كما تقدم، والإضافة إليهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم وأنعامهم، واقتصر بعضُهم على الأصنام، ولعلَّ التعميمَ أولى، وقال الحسن: شركاؤهم: الشياطينُ، شَرِكوهم في الأموال والأولاد، وقيل: شَرِكوهم في الكُفْر، أي: كفروا مثلَ كُفْرهم، وقيل: شَرِكوهم في وبَال ذلك حیث حملوهم عليه. ﴿قَالُوا﴾ أي: بألسنتهم، وقيل: ختم الله تعالى على أفواههم وأنطقَ جوارحهم فقالت عنهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ﴾ أي: نعبدهم ونطيعهم، ولعلَّهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذاب بينهم. واعتُرض بأنه لا يناسبُ تفسيرَ الشركاء بالأصنام، وفيه أنها تجيءُ على حالةٍ يُعقَلُ معها عذابُها، فلا بأس في ذلك، سواءٌ فُسِّرتِ الشركاءُ بالأصنام فقط أو بما يعمُّها وغيرَها، وقال أبو مسلم: مقصودهم من ذلك إحالةُ الذنب على الشركاء (١) الكشاف ٢/ ٤٢٣. (٢) في (م): أبت. (٣) التفسير الكبير ٩٦/٢٠. سُورَةُ الْحَمَّ ٢٥٠ الآية : ٨٦ ظناً منهم أنَّ ذلك يُنجِّيهم من عذاب الله تعالى، أو يُنقصُ من عذابهم شيئاً . وتعقّبه القاضي بأنه بعيدٌ؛ لأنَّ الكفارَ يعلمونَ علماً ضروريّاً في الآخرة أنَّ العذابَ سينزلُ بهم ولا نُصْرةَ ولا فديةَ ولا شفاعة، وأوردَ نحوه على ما ذكرنا بناءً على أنهم يعلمونَ علماً ضروريّاً أيضاً أنه لا يحملُ أحدٌ من عذابهم شيئاً. وأجيب بأنه على تقدير تسليم حصول العلم الضروريِّ لهم بذلك إذ ذاكَ يجوزُ أن يدهشوا فيغفلوا عن ذلك فيقولوا ما يقولون طامعين فيما ذكر، وهو نظيرُ قولهم: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اُلْعَذَابِ﴾(١) [غافر: ٤٩]. ﴿يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾ [الزخرف: ٧٧]. ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [فاطر: ٣٧] إلى غير ذلك مما لهم علمٌ ضروريٌ عند بعضهم بأنه لا یکون. وقيل: إنَّ القومَ مع عِلْمهم بأنَّ ما يرجونه ويطمعون فيه لا يحصلُ لهم أصلاً، وعدمُ غفلتهم عن ذلك تغلبهم أنفسهم بمقتضى الطبيعة لشدَّة ما هم فيه - والعياذ بالله تعالی ۔ حتى تعلّق آمالها بالمحال. وقيل: قالوا ذلك اعترافاً بأنهم كانوا مخطئين في عبادتهم. وتُعقِّبَ بأنه لا يناسبُ قوله تعالى: (مِن دُونِكٌ) وفيه تأملٌ. نعم قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْ﴾ أي: شركاؤهم ﴿إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ أظهرُ ملاءمة للأول، فإنَّ تكذيبهم إياهم فيما قالوا ظاهرٌ في كونه للمدافعة والتخلّصِ عن غائلة مضمونه، والظاهرُ أنَّ التكذيبَ راجعٌ إلى دعوى أنهم كانوا يعبدونهم أو يطيعونهم من دون الله تعالى، ومرادهم على ما قيل: إنكم ما عبدتمونا حقيقةً وإنما عبدتم أشياءَ تصوَّرتموها بأذهانكم الفاسدة، وزعمتم أنَّا هاتيك الأشياء، وهيهات هيهات ليس بيننا وبينها جهةٌ جامعةٌ ولا علاقةٌ نافعةٌ. وقيل: إنما كذَّبوهم وقد كانوا يعبدونهم؛ لأنَّ الأوثانَ ما كانوا راضين بعبادتهم لهم، فكأنَّ عبادتهم لم تكن عبادةً لهم كما قالت الملائكة عليهم السلام: ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] يعنون أنَّ الجنَّ هم الذين كانوا راضين (١) في الأصل و(م): ربنا خفف عنا يوماً من العذاب. والمثبت هو الصواب. الآية : ٨٧ ٢٥١ سُؤَةُ الْحَمِ بعبادتهم لا نحن، والشياطينُ وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القَسْر والإلجاء كما قال إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فكأنهم قالوا: ما عبدتمونا حقيقةً وإنما عبدتم أهواءكم. وقيل: يجوز أن يكون الشياطين كاذبين في إخبارهم بِكَذِبٍ مَنْ عَبَدهم كما كذَّب إبليسُ عليه اللعنةُ في قوله: ﴿إِنّ كَفَرْتُ بِمَآ أَثْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وجُوِّزَ أن يكونَ التكذيبُ راجعاً إلى أنهم شركاء لله سبحانه، لا إلى أنهم كانوا يعبدونهم، ومرادهم تنزيهُ الله جلَّ وعلا عن الشريك في ذلك الموقف، وخصَّ هذا بعضُهم بتقدير إرادة الشياطين من الشركاء، فافهم. والظاهر أنَّ قائلَ هذا جميعُ الشركاء، ولا يمنعُ من ذلك تفسيره بما يعمُّ الأصنام؛ إذ لا بُعْدَ في أنْ ينطقها الله تعالى الذي أَنطقَ كلَّ شيءٍ بذلك. وجُوِّزَ على التعميم أن يكون القائلُ بعضهم، وهو مَنْ يَعقِلُ منهم؛ وكان الظاهر: فقالوا لهم: إنكم لكاذبون، إلا أنه عُدِلَ إلى ما في النَّظْم الكريم للإشارة إلى أنهم قالوا ذلك لهم على وجه الإفصاح، بحيث يُدرَكُ ويمتازُ عن غيره، وفيه من الإشعار بالحرص على تكذيبهم ما فيه، ويؤيد ذلك تأكيدهم الجملةَ الدالةَ على تكذيبهم أتمَّ تأكيد، وهي في موضع البدل من القول كما قال الإمام، أي: ألقَوا إليهم إنكم لكاذبون(١). ﴿وَأَلْقَوَا﴾ أي: الذين أشركوا، وقيل: هم وشركاؤهم جميعاً، والأكثرون على الأول ﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَيِذٍ السَّلَّمْ﴾ الاستسلام والانقياد لحكمه تعالى العزيز الغالب بعد الإباء والاستكبار في الدنيا، فلم يكن لهم إذ ذاكَ حيلةٌ ولا دَفْعٌ. وروى يعقوب عن أبي عمرو أنه قرأ: ((السَّلْم)) بإسكان اللام(٢)، وقرأ مجاهد: ((السُّلُم)) بضم السين (٣) واللام(٣). (١) تفسير الرازي ٢٠/ ٩٧. (٢) المحرر الوجيز ٤١٥/٣، والبحر المحيط ٥٢٦/٥-٥٢٧. (٣) المحرر الوجيز ٤١٥/٣، والبحر المحيط ٥٢٧/٥. سُورَةُ الْفَحَلَ ٢٥٢ التفسير الإشاري (٥٤-٨٧) ، من أنَّ لله سبحانه شركاء، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ضاعَ وبَطَلَ ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (® وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين سمعوا ما سمعوا. هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِنْكُر بِرَّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ بنسبة ذلك إلى غيره سبحانه ورؤيته منه ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾ من النعمة بالغفلة عن مُنْعمها ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وَبالَ ذلك، أو فسوفَ تعلمونَ بظهور التوحيد أن لا تأثيرَ لغيره تعالى في شيءٍ. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيعتقدون فيه من الجهالات ما يعتقدون، وهو السِّوى ﴿نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْتَهُمْ﴾ فيقولون: هو أعطاني كذا، ولو لم يعطني لكان كذا. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ ثُنْفِيكُم ◌ِمَا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَهٍ لَّا خَالِصًا سَأَبِغًا لِلشَّرِبِينَ﴾ الإشارةُ فيه - على ما في ((أسرار القرآن)) - إلى ما تشربه الأرواح مما يحصل في العقول الصافية بين النفس والقلب من زُلال بحر المشاهدة، وهناك منازلُ اعتبار المعتبرين. والإشارةُ في قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ تَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ على ما فيه أيضاً إلى ما تتخذُه الأرواحُ والأسرارُ من ثمرات نخيلِ القلوب وأعناب العقول من خَمْرِ المحبة والأنس الآخذة بها إلى حظيرة القدس: ولو نَضحوا منها ثرى قبرٍ ميِّتٍ لعادتْ إليه الروحُ وانتعشَ الجسمُ(١) ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾ قيل: أي: نحلِ الأرواح ﴿أَنْ أَتَّخِذِى مِنَ لِبَالِ﴾ أي: جبال أنوار الذات ﴿يُونَ﴾ مقارَّ لتسكنين فيها ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ أي: ومن أشجار أنوار الصِّفات ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ أنوار عروش الأفعال ﴿ثُمَ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ أي: من ثمرات تلك الأشجار الصِّفاتية، ونور بهاء الأنوار الذاتية، وأزهار الأنوار الأفعالية ﴿فَأَسْلُكِى سُبُّلَ رَيِّكِ﴾ وهي صحارى قُدْسه تعالى، وبراري جلاله جلَّ شأنه ﴿ذُلُلًا﴾ منقادةً لما أُمرتْ به ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ وهو شرابُ معرفته تعالى بقِدَمِ جلاله (١) البيت لابن الفارض وهو في ديوانه ص١٤١ . التفسير الإشاري (٥٤-٨٧) ٢٥٣ سُؤَدَّةُ الْحَكِ وعِزِّ بقائه وتقدُّس ذاته سبحانه ﴿تُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ﴾ باختلاف الثمرات ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ لكلِّ مريضٍ المحبَّة وسقيم الأُلفة، ولديغ الشَّوق. وقيل: الإشارةُ بالنحل إلى الذين هم في مبادي السلوك من أرباب الاستعداد، ومن هنا قال الشيخ الأكبر قُدِّسَ سِرُّهُ في مولانا ابن الفارض قُدِّسَ سِرُّهُ حين سئل عنه: نحلةٌ تُدندنُ حولَ الحمى. أمرهم الله تعالى أولاً أن يتخذوا مقارّ من العقائد الدينية التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات، ومن العبادات الشرعية التي هي كالشجر في التشقُّب، ومن المعاملات المرضية التي هي كالعروش في الارتفاع، ثم يسلكوا سُبُلَهُ سبحانه وطُرُقه الموصلة إليه جلَّ شأنه من تهذيب الباطن والمراقبة والفكر ونحو ذلك، متذلِّلين خاضعينَ غير مُعجَبين، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ السلوكَ إنما يصحُّ بعد تصحيح العقائد ومعرفة الأحكام الشرعية، ليكونَ السالكُ على بصيرةٍ في أمره، وإلا فهو كمن رَكِبَ متنَ عمياء وخَبَطَ خَبْطَ عشواء، ومتى سلك على ذلك الوجه حصل له الفوزُ بالمطلوب، وتفجَّرت ينابيعُ الحِكْمة من قلبه، وصار ما يقذف به قلبهُ كالعسل شفاءً من عِلل الشهوات وأمراض النفس، لاسيَّما مرض التثبُّط والتكاسل عن العبادة، وهو المرض البلغميُّ. وقال أبو بكر الورَّاق: النحلةُ لمَّا اتَّبعتِ الأمرَ وسلكتْ سُبُلَ ربِّها على ما أُمرت به، جعل لعابها شفاءً للناس، كذلك المؤمنُ إذا اتَّبع الأمرَ وحفظ السِّرَّ وأقبلَ على ربِّه عزَّ وجلَّ، جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاءً للخلق، فمن نظر إليه اعتبر، ومن سَمِعَ كلامه اتَّعظ، ومن جالسه سَعِدَ. انتهى. وفي الآية إشارةٌ أيضاً إلى أنه تعالى قد يُودِعِ الشخصَ الحقيرَ الشيءَ العزيزَ، فإنه سبحانه أودعَ النحلَ - وهي من أحقر الحيوانات وأضعفها - العسلَ، وهو من ألذِّ المذوقات وأحلاها، فلا ينبغي التقيُّدُ بالصُّور والاحتجاب بالهيئات، وفي الحديث: ((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي ◌ِمْرين، لو أقسم على الله تعالى لأبرَّه))(١)، وعن يَعسوب المؤمنين عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: لا تنظرُ إلى مَنْ قال، وانظرْ إلى ما قال. (١) أخرجه أحمد (١٢٤٧٦)، والترمذي (٣٨٥٤) من حديث أنس بن مالك سُورَةُ الْحَة ٢٥٤ التفسير الإشاري (٥٤-٨٧) ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُرْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِّزْقِّ﴾ قيل: الإشارة فيه إلى تفاوت أرزاق السالكين، فرزقُ بعضهم طاعات، وبعضٍ آخرَ مقامات، وبعضٍ حالات، وبعضٍ مكاشفات، وبعضٍ مشاهدات، وبعضٍ معرفة، وبعضٍ محبة، وبعضٍ توحيد، إلى غير ذلك، وذكروا أنَّ رِزْقَ الأشباح العبودية، ورِزْقَ الأرواح رؤية أنوار الربوبية، ورِزْقَ العقول الأفكار، ورِزْقَ القلوب الأذكار، ورِزْقَ الأسرار حقائق العلوم الغيبية المكشوفة لها في مجالس القرب ومشاهدة الغيب. ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ﴾ لتقدُّسِه تعالى عن الأوهام والإشارات والعبارات، وتنزُّهه سبحانه عن دَرْك الخليقة، فإنَّ الخَلْقَ لا يُدركُ إلا خَلْقاً، ولذا قال عليّ كرم الله تعالى وجهه: إنما تُحِدُّ الأدوات أنفسها، وتشيرُ الآلات إلى نظائرها، فلا يعرفُ اللهَ تعالى إلا الله عزَّ وجلَّ، وعلَّل النهي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا﴾ محبًّا لغير الله تعالى، ولا شكَّ أنَّ المحبَّ أسيرٌ بيد المحبوب، لا يقدر على شيءٍ لأنه مقيّدٌ بوثاق المحبة ﴿وَمَن زَّزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فجعلناه محبّاً لنا مقبلاً بقلبه علينا، متجرِّداً عمَّا سوانا، وآتيناه من لدنًّا عِلْماً ﴿فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّ﴾ وذلك من النِّعَم الباطنة ﴿وَجَهْرًا﴾ وذلك من النِّعم الظاهرة. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ لا استعدادَ فيه للنطق وهو مَثَلُ المشرك ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ لعدم استطاعته وقصور قوَّته للنقص اللازم لاستعداده ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ﴾ لعجزهٍ بالطّبع عن تحصيل حاجته(١) ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهَةٌ لَا بَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لعدم استعداده وشرارته بالطبع، فلا يناسبُ إلا الشَّرَّ الذي هو العدم. ﴿هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ﴾ وهو الموحِّدُ القائم بالله تعالى الفاني عن غيره، والعَدْلُ على ما قيل: ظِلُّ الوحدة في عالم الكثرة ﴿وَهُوَ عَلَى صِرٍَ مُسْتَقِيمٍ﴾ صراطٍ العزيز الحميدِ الذي عليه خاصَّته تعالى من أهل البقاء بعد الفناء، الممدود على نار الطبيعة لأهل الحقيقة، يمرُّون عليه كالبرق اللامع. (١) في (م): حاجة. التفسير الإشاري (٥٤-٨٧) ٢٥٥ سُورَةُ الْحَلِ ﴿وَلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ علمُ مراتب الغيوب، أو ما غاب من حقيقتهما، أو ما خفي فيهما من أمر القيامة الكبرى. ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ أي: القيامة الكبرى بالقياس إلى الأمور الزمانية ﴿إِلَّا كَمْج الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ﴾ وهو بناء على التمثيل، وإلا فقد قيل: إنَّ أَمْرَ الساعة ليس بزمانيٌّ، وما كان كذلك يُدركه مَنْ يُدركه لا في الزمان ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومن ذلك أَمْرُ الساعة. ﴿وَلَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ الآية، قال في ((أسرار القرآن)»: أخبر سبحانه أنه أخرجهم من بطون الأقدار وأرحام العَدَم وأصلاب المشيئة، على نعت الجهل لا يعلمونَ شيئاً من أحكام الربوبية وأمور العبودية وأوصاف الأزل، فألبسهم أسماعاً من نور سَمْعه، وكساهم أبصاراً من نور بَصَره، وأَودَعَ في قلوبهم علومَ غيبته لعلَّهم يشكرونه. انتهى. وهو ظاهرٌ في أنَّ المرادَ بالأفئدة القلوبُ. وذكر بعضُ من أدركناه من المرتاضين في كتابه ((الفوائد)) و((شرحه)) أنَّ مشاعرَ الإنسان الصدرُ، والمراد به الخيالُ والنفس الكلية التي هي محلُّ الصُّور العلمية كليةً أو جزئية، فهو محلُّ العلم المقابل للجهل. والقلبُ وهو محلُّ المعاني واليقين بالنِّسَبِ الحكمية، ويقابله الشَّكُّ والرَّيبُ. والفؤاد وهو محلُّ المعارف الإلهية المجرَّد عن جميع الصُّور والنِّسَبِ والأوضاع والإشارات والجهات والأوقات، ويقابلها الإنكار، وهو أعلى المشاعر. ونورُ الله تعالى المشار إليه بقوله وَلاقى: ((اتقوا فراسةَ المؤمن، فإنه ينظرُ بنور الله تعالى))(١) وهو الوجود؛ لأنه الجهةُ العليا من الإنسان، أعني: وجهه من جهة ربه، وبه يعرفُ الله تعالى، وهو في الإنسان بمنزلة الملك في المدينة، والقلبُ بمنزلة الوزير له. انتهى. وله أيضاً كلامٌ في الأمّ، وكذا في الأب غير ما ذكر، وذلك أنه يُطلق الأبَ على المادة، والأمَّ على الصُّورة، وزعم أنَّ قولَ الصادق ◌َُّله: إنَّ الله تعالى خلقَ (١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣٥٤/٧ من حديث أبي سعيد ٠ الخدري سُورَةُ الْحَآ ٢٥٦ التفسير الإشاري (٥٤-٨٧) المؤمنين من نوره وصَبَغهم في رحمته، فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمِّه، أبوه النور وأمُّه الرحمة، إشارةٌ إلى ذلك، وأنَّ ما اصطلح عليه المتقدِّمون والحكماءُ من أنَّ الأب هو الصورةُ، والأمَّ هي المادة، وأنَّ الصُّورةَ إذا نَكحتِ المادةَ تولَّدَ عنهما الشيءُ، توقُّماً منهم أنَّ النشورَ والخَلْقَ في بطن المادة بعيدٌ من جهة المناسبة، إلى آخر ما قال، فتفطّنْ وإياك أن تعدِلَ عن الطريق السَّوي. ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَةٍ فِى جَوِّ السَّمَاءِ﴾ فيه إشارةٌ إلى تسخير طير القوى الروحانية والنفسانية من الفكر والعقل النظريِّ والعملي، بل الوهم والتخيُّل في فضاء عالم الأرواح. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ من غير تعلَّقٍ بمادة، ولا اعتمادٍ على جسم ثقيل ﴿إِلَّ اللَّهُ﴾ عزَّ وجلَّ. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَا خَلَقَ ظِلَلًا﴾ وهو ما يستظلُّ به من وهج نار الحاجةِ فالماءُ ظِلٌّ للعطشان، والطعام ظِلٌّ للجيعان، وكلُّ ما يقوم بحاجة شخصٍ ظلٌّ له، وفي الخبر: ((السلطانُ ظِلُّ الله تعالى في الأرض، يأوي إليه كلُّ مظلوم))(١). وقيل: الظلال: الأولياء يستظلُّ بهم المريدون من شِدَّةٍ حَرِّ الهجران، ویأوون إليهم من قهر الطغيان، وقد يؤول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنًا﴾ بنحو هذا، فما أشبه الأولياء بالجبال. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ فيه إشارةٌ إلى ما جعل للعارفين من سرابيل روح الأُنس لئلا يحترقوا بنيران القُدُس. وأشار تعالى بقوله جلَّ جلاله: ﴿وَسَرَّبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ إلى ما مَنَّ به من المعرفة والمحبة، ليدفع بذلك كيدَ الشياطين والنفوس. ﴿كَذَلِكَ يُنِدُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ شُتْلِمُونَ﴾ تنقادون لأمره سبحانه في العبودية وتخضعون لعزِّ الربوبية. قال ابن عطاء: تمام النعمة السكونُ إلى المنعم. وقال حمدون: تمامها في الدنيا المعرفة، وفي الآخرة الرؤية، وقال أبو محمد الحريري: تمامها خلوُّ القلب (١) أخرجه البيهقي في السنن ١٦٢/٨، وفي الشعب (٧٣٦٩) من حديث ابن عمر . الآية : ٨٨ ٢٥٧ سُوَّةُ الَْ من الشرك الخفي، وسلامةُ النفس من الرياء والسمعة. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الَّهِ﴾ وهي هدايةُ النبيِّ أو وجوده بقوة الفطرة ﴿ثُمَّ يُكِرُونَ﴾ العنادهم وغلبة صفات نفوسهم ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَفِرُونَ﴾ لشهادة فِطَرَهم بحَقِيَّته. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمٍَّ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار عن التخلُّف عن دعوته؛ إذ لا عُذْرَ لهم ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ لأنهم قد حقَّ عليهم القولُ بمقتضى استعدادهم. نسأل الله تعالى العفو والعافية. ﴿وَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَيِذٍ السَّلَّمْ﴾ قيل: هذا في الموقف الثاني حين تضعفُ غواشي أنفسهم المظلمة، وترقُّ حُجُبها الكثيفة، وأما في الموقف الأول حين قوَّةِ الهيئات الرذائل وشدَّة شكيمة النفس في الشيطنة، فلا يستسلمون كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَّهُمُ اللَّهُ حَمِيعًا فَيَبْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] وقيل: المستسلمون بعضُ والحالفون بعضُ. فافهم، والله تعالى أعلم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في أنفسهم ﴿وَصَدُّواْ﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمَنْعِ مَنْ يريد الإسلامَ عنه، وبحَمْلٍ من استخفُّوه على الكفر، فالصَّدُّ عن السبيل أعمُّ من المنع عنه ابتداءً وبقاءً. كذا قيل، والظاهر الأول، والظاهر أنَّ الموصولَ مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ خبرهُ، وجوَّزَ ابنُ عطيةً كونَ الموصول بدلاً من فاعل ((يفترون)) ويكون ((زدناهم)) مستأنفاً (١). وجوَّزَ بعضُهم كونَ الأول نَصْباً على الذم، أو رَفْعاً عليه، فيُضمر الناصبُ والمبتدأ وجوباً، و((زدناهم)) بحاله، وهذه الزيادة إما بالشِّدَّة أو بنوعٍ آخرَ من العذاب، والثاني هو المأثور، فقد أخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء أنَّ النبيَّ وَلّ سئل عن ذلك فقال: ((عقارب أمثالُ النخل الطّوال، ينهشونهم في جهنم)»(٢)، وروى نحوه الحاكم وصححه والبيهقيُّ وغيره عن ابن مسعود(٣). (١) المحرر الوجيز ٤١٥/٣. (٢) الدر المنثور ١٢٧/٤، وتالي تلخيص المتشابه للخطيب (٣١٩). (٣) الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٩٣-٥٩٤، والبيهقي في البعث والنشور (٦١٥). سُورَةُ النَّحِ ٢٥٨ الآية : ٨٩ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: إنَّ أهلَ النار إذا جزعوا من حرِّها استغاثوا بضحضاح في النار، فإذا أتوه تلقاهم عقاربُ كأنهنَّ البغال الدُّهْم وأفاعي كأنهنَّ البَخاتي، فتضربهم، فذلك الزيادة(١). وعن ابن عباس: أنها أنهارٌ من صُفْرٍ(٢) مُذابٍ يسيلُ من تحت العرش يُعذَّبون بها. وعن الزجاج: يخرجون من حَرِّ النار إلى الزمهرير، فيبادرون من شدَّة برده إلى النار(٣). ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾﴾ متعلقٌ بـ ((زدناهم)) أي: زدناهم عذاباً فوقَ العذاب الذي يستحقُّونه بكُفْرهم بسبب استمرارهم على الإفساد، وهو الصَّدُّ عن السبيل، وجُوِّزَ أن يُفسَّر ذلك بما هو أعمُّ من الكفر والصَّدِّ، والمعنى: زدناهم عذاباً فوق عذابهم الذي يستحقُّونه بمجرَّد الكفر والصَّدِّ بسبب استمرارهم على هذين الأمرين القبيحين، ووجهُ ذلك أنَّ البقاءَ على المعصية يومين مثلاً أقبحُ من البقاء عليها يوماً، والبقاءَ ثلاثة أيام أقبحُ من البقاء يومين، وهكذا، ومن هنا قالوا: الإصرار على الصغيرة كبيرةٌ. وقيل: إنَّ أهلَ جهنم يستحقُّون من العذاب مرتبةً مخصوصةً هي ما يكون لهم أول دخولها، والزيادة عليها إنما هي لحفظها؛ إذ لو لم تزدْ لأَلِفوها وطابت أنفسهم بها، كمن وَضَعَ يده في ماءٍ حارِّ مثلاً، فإنه يجد أولَ زمانٍ وَضْعها مالا يجدهُ بعد مُضِيِّ ساعةٍ، وهو كما ترى. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُنَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ وهو كما روي عن ابن عباس رِّا نبيُّهم الذي بُعثَ فيهم في الدنيا، ومعنى كونه ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمٌ﴾ أنه منهم، وذلك ليكونَ أقطع للمعذرة، ولا يردُ لوط عليه السلام، فإنه لمَّا تأهَّل فيهم وسكنَ معهم عُدَّ منهم أيضاً. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٩٧/٧. والضحضاح: ما رقَّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين واستعير للنار. والدُّهم: السُّود. والبخاتي: الجمال الطوال الأعناق. النهاية (ضحضح) و(دهم) و(بخت). (٢) الصُّفْر: هو النحاس. القاموس المحيط (صفر). (٣) معاني القرآن للزجاج ٢١٦/٣. الآية : ٨٩ ٢٥٩ سُؤَّةُ الْحَالِآَ وقال ابن عطية: يجوز أن يبعثَ الله تعالى شهداءَ من الصالحين مع الأنبياء عليهم السلام، وقد قال بعضُ الصحابة ظنّه: إذا رأيتَ أحداً على معصية فانههُ، فإن أطاعك، وإلا كنتَ شهيداً عليه يوم القيامة(١). وذكر الإمامُ في الآية قولين؛ الأول: أنَّ كلَّ نبيِّ شاهدٌ على قومه كما تقدم، والثاني: إنَّ كلَّ قَرْنٍ وجَمْع يحصلُ في الدنيا، فلا بدَّ أن يحصلَ فيهم مَنْ يكونُ شهيداً عليهم، ولا بدَّ أن لا يكون جائزَ الخطأ، وإلا لاحتاج إلى آخر، وهكذا فيلزم التسلسل، ووجودُ الشهيد كذلك في عَصْر النبيِّ وٌَّ ظاهرٌ، وأما بعده فلا بدَّ في كلِّ عصرٍ من أقوامٍ تقوم الحجة بقولهم، وهم قائمون مقامَ الشهيد المعصوم، ثم قال: وهذا يقتضي أن يكونَ إجماعُ الأمة حُجَّة(٢). انتهى. وإلى أنه لابدَّ في كلِّ عَصْرٍ ممن يكونُ قولُهُ حُجَّةً على أهل عصره ذهب الجبائيُّ وأكثر المعتزلة، قال الطبرسيُّ في ((مجمع البيان)): ومذهبهم يوافق مذهبَ أصحابنا - يعني الشيعة - وإن خالفه في أنَّ ذلك الحُجَّة من هو (٣). وأنت تعلم أنَّ الاستدلالَ بالآية على هذا المطلب ضعيفٌ، وتحقيقُ الكلامِ في ذلك يُطلَبُ من محلِّه. وقال الأصمُّ: المراد بالشهيد أجزاءٌ من الإنسان، وذلك أنه تعالى يُنطِقُ عشرةَ أجزاء منه، وهي الأذنان والعينان والرِّجلان واليدان والجلد واللسان، فتشهدُ عليه؛ لأنه سبحانه قال في صفة الشهيد (مِنْ أَنفُسِهِمٌ). وتعقّبه القاضي وغيره بأنَّ كونه شهيداً على الأمة يقتضي أن يكون غيرهم. وأيضاً قوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [الآية: ٨٤] يأبى ذلك إذ لا يصحُّ وَصْفُ آحاد الأعضاء بأنها من الأمة؛ وأيضاً مقابلة ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ يُبعد ما ذكر كما لا يخفى، والمراد بهؤلاء أمته ◌َّ عند أكثر المفسِّرين، ولم يستبعد أن يكون المراد بهم ما يشمل الحاضرين وقتَ النزول وغيرَهم إلى يوم القيامة، فإنَّ أعمالَ أمته عليه الصلاة والسلام تُعرَضُ عليه بعد موته. (١) المحرر الوجيز ٤١٥/٣. (٢) تفسير الرازي ٩٨/٢٠-٩٩. (٣) مجمع البيان ١٤/ ١١٣. سُورَةُ الْحَلِّ ٢٦٠ الآية : ٨٩ فقد روي عنه وَّ﴿ أنه قال: ((حياتي خيرٌ لكم تُحدِثُونَ ويُحدَثُ لكم، ومماتي خيرٌ لكم تُعرَضُ عليَّ أعمالكم، فما رأيتُ من خيرٍ حَمَدْتُ الله تعالى عليه، وما رأيتُ من شرِّ استغفرتُ الله تعالى لكم))(١). بل جاء أنَّ أعمالَ العبد تُعرض على أقاربه من الموتى، فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ وَّر قال: ((لا تفضحوا أمواتكم بسيئات أعمالكم، فإنها تُعرَضُ على أوليائكم من أهل القبور)(٢). وأخرج أحمد(٣) عن أنس مرفوعاً: ((إنَّ أعمالَكم تُعرَضُ على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا، وان كان غيرَ ذلك قالوا: اللهمَّ لا تُمِنْهُمْ حتی تھدیھم کما هدیتنا». وأخرجه أبو داود من حديث جابر بزيادة: ((وأَلهمهم أن يعملوا بطاعتك))(٤). وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء أنه قال: إنَّ أعمالكم تُعرَضُ على موتاكم فيُسَرُّونَ ويساؤون. فكان أبو الدرداء يقول عند ذلك: اللهم إني أعوذ بك أن يمقتني خالي عبد الله بن رواحة إذا لقيتُهُ. يقول ذلك في سجوده(٥) . والنبيُّ وَّرَ لأُمته بمنزلة الوالد، بل أولى، ولم أقف على عَرْض أعمال الأمم السابقة على أنبيائهم بعد الموت، ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ لذلك لا نفياً ولا إثباتاً، فإن قيل: إنها تُعرضُ، فَأَمْرُ الشهادة مما لا غبار عليه في نبيٍّ لم يُبعثْ في أمته بعد خلوِّهم عنه نبيٌّ آخر، وإن قيل: إنها لا تعرض، احتاجَ أَمْرُ الشهادة إلى الفحص عن وجود أمرٍ يفيد العلمَ المصحِّحَ لها، أو التزام أنَّ الشهيدَ ليس هو النبي وحده كما سمعتَ فيما سبق، ثم إنَّ حديثَ العَرْض على نبينا عليه الصلاة والسلام يُشكِلُ (١) أخرجه البزار ٣٠٨/٥ (١٩٢٥) من حديث عبد الله بن مسعود ته. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٤/٩: رجاله رجال الصحيح. (٢) قال العجلوني في كشف الخفاء ٢/ ٤٨١: رواه ابن أبي الدنيا والمحاملي بسند ضعيف عن أبي هريرة ـ (٣) في مسنده (١٢٦٨٣). (٤) مسند أبي داود الطيالسي (١٩٠٣) (طبعة دار هجر]. (٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص٤٢ (زوائد نعيم بن حماد).