Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ٥٤ ١٦١ سُؤَدَّةُ الْحَمِ أبو حيان باقترانها بـ ((إذا)) الفجائية، على أنَّ ((إذا)) الشرطية ليس العامل فيها الجواب؛ لأنه لا يعمل ما بعد ((إذا)) الفجائية فيما قبلها(١). و((بربهم)) متعلقٌ بـ ((يشركون))، والتقديمُ لمراعاة رؤوس الآي، والتعرُّضُ لوصف الربوبية للإيذان بكمال قُبْح ما ارتكبوه من الإشراك الذي هو غايةٌ في الكفران. و((ثم)) قال في (إرشاد العقل السليم)): ليست لتمادي زمان مساس الضُّرِّ ووقوع الكَشْف بعد بُرْهةٍ مديدةٍ، بل للدلالة على تراخي رتبةٍ ما يترتَّبُ عليه من مفاجآت الإشراك، فإنَّ ترتُّبها على ذلك في أبعد غايةٍ من الضلال(٢). وفي (الكشف)) متعقِّبًا صاحبَ ((الكشاف)) بأنه لم يذكر وجهَ الكلام في قوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ) (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ) وهو على وجهين - والله تعالى أعلم - أحدهما: أن يكونَ قوله سبحانه: (وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ) من تتمةِ السابق على معنى إنكار اتِّقاء غيرِ الله تعالى، وقد علموا أنَّ كلَّ ما يتقلَّبونَ فيه من نعمته فهو سبحانه القادر على سَلْبها، ثم أنكر عليهم تخصيصهم بالجُؤار عند الضُّرِّ في مقابلة تخصيص غيره بالاِّقاء، ثم إشراكهم به تعالى كُفْرانًا لتلك النعمة، وجيءَ بـ (ثم)) لتفاوت الإنكارين، فإنَّ اتقاءَ غيرِ المنعِمِ أقربُ من الإعراض عنه، وهو متقلِّبٌ في نِعِمِهِ، ثم اللَّجَأُ إلى هذا المكفور به وحدهُ عند الحاجة، وأبعدُ منه الإعراضُ ولم يجفَّ قدمُهُ من ندى النجاة. والثاني: أن يكون جملةً مستقلّةً واردة للتقريع، و(ثم)) في الأول لتراخي الزمان إشعارًا بأنهم غَمِطُوا تلك النِّعَم، ولم يزالوا عليه إلى وقت الإلجاء، وفيه الإشعارُ بتراخي الرتبة أيضاً على سبيل الإشارة، وفي الثاني لتراخي الرتبة وحده. اهـ. وهو كلامٌ نفيسٌ، وللطيبيِّ كلامٌ طويلٌ في هذا المقام إن أردته فارجع إليه. وقرأ الزهريُّ: ((ثم إذا كاشَفَ))(٣)، وفاعَلَ هنا بمعنى فَعَلَ. وفي الآية ما يدلُّ على أنَّ صنيعَ أكثر العوامِّ اليومَ من الجُؤار إلى غيره تعالى (١) البحر المحيط ٥/ ٥٠٢. (٢) إرشاد العقل السليم ١٢٠/٥ . (٣) القراءات الشاذة ص٧٣، والمحتسب ١٠/٢، والبحر المحيط ٥٠٢/٥ عن قتادة. سُؤَةُ الْحَلِّ ١٦٢ الآية : ٥٥ ممن لا يملكُ لهم بل ولا لنفسه نَفْعًا ولا ضُرَّا عند إصابة الضُّرِّ لهم، وإعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية سَفَهٌ عظيمٌ وضلالٌ جديدٌ، لكنه أشدُّ من الضلال القديم. ومما تقشعرُّ منه الجلود وتُصَعَّرُ له الخدود، الكَفَرَة أصحاب الأخدود فَضْلاً عن المؤمنين باليوم الموعود، أنَّ بعضَ المتشيِّخين قال لي وأنا صغير: إياك ثم إياك أن تستغيثَ بالله تعالى إذا خَطْبٌ دهاك، فإنَّ الله تعالى لا يُعجِّلُ في إغاثتك ولا يهمُّهُ سوءُ حالتك، وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين، فإنهم يُعجِّلون في تفريج گَرْبك ويهمُّهم سوءُ ما حلَّ بك، فمَجَّ ذلك سمعي وهَمَى دمعي وسألتُ الله تعالى أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين، ولكثيرٍ من المتشيِّخين اليومَ كلماتٌ مثلُ ذلك. ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْتَهُمْ﴾ من نعمةِ الكَشْف عنهم، فالكُفْر بمعنى كُفْران النعمة، واللامُ لام العاقبة والصيرورة، وهي استعارةٌ تبعيةٌ، فإنه لمَّا لم يُنتِجْ كفرُهم وإشراكُهمْ غيرَ كُفْران ما أنعم الله تعالى به عليهم، جُعل كأنه علَّةٌ غائيةٌ له مقصودةٌ منه . وجُوِّزَ أن يكونَ الكُفْرُ بمعنى الجحود، أي: إنكار كون تلك النعمة من الله تعالى، واللامُ هي اللام، والمعنيان متقاربان. ﴿فَتَتَّعُواْ﴾ أمرُ تهديدٍ كما هو أحدُ معاني الأمر المجازية عند الجمهور، كما يقول السيدُ لعبده: افعلْ ما تريد، والالتفاتُ إلى الخطاب للإيذان بتناهي السخط . وقرأ أبو العالية: ((فيُمْتَعُوا)) (١) بضمِّ الياء التحتية، ساكن الميم مفتوح التاء، مضارع (مُتِعَ)) مخفَّفًا مبنيًّا للمفعول، وروى ذلك مكحولٌ الشاميُّ عن أبي رافعٍ مولى النبيِّي ◌َّ(٢)، وهو معطوفُ ((يكفروا)) على أن يكون الأمران عَرَضا لهم من الإشراك. ويجوز أن يكون لام (ليكفروا)) لام الأمر، والمقصود منه التهديدُ بتخليتهم وما هم فيه لخذلانهم، فالفاءُ واقعةٌ في جواب الأمر، وما بعدها منصوبٌ (١) الكشاف ٢/ ٤١٤، والبحر المحيط ٥٠٢/٥. (٢) في المحتسب ١١/٢ أن الذي رواه مكحول عن أبي رافع هو رواية التشديد ((فُيُمثَّعوا)). الآية : ٥٦ ، ٥٧ ١٦٣ سُورَةُ النَّحَلِكَ بإسقاط النون، ويجوز جَزْمُهُ بالعَطْفِ أيضاً كما يُنصَبُ بالعَظْفِ إذا كانت اللامُ جارَّةً . عاقبةَ أَمْركم وما يَنْزِلُ بكم من العذاب، وفيه وعيدٌ شديدٌ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٥٥ حيث لم يُذكر المفعولُ إشعارًا بأنه لا يُوصَفُ. وقرأ أبو العالية أيضاً: ((يعلمون)) بالياء التحتية، وروى ذلك مكحولٌ عن أبي رافعٍ أيضاً (١). ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ قيل: معطوفٌ على (يشركون))، وليس بشيءٍ. وقيل: لعلَّهُ عَظْفٌ على ما سبق بحَسَبِ المعنى تعدادًا لجناياتهم، أي: يفعلونَ ما يفعلون مما قصَّ عليك ويجعلون ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لآلهتهم التي لا يعلمونَ أحوالها، وأنها لا تضرّ ولا تنفعُ، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ، وضميرُ الجمع للكفار أو لآلهتهم التي لا عِلْم لها بشيءٍ؛ لأنها جمادٌ، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ أيضاً عبارة عن الآلهة. وضميرُ ((يعلمون)) عائدٌ عليه، ومفعولُ ((يعلمون)) مُتْرَكٌ لِقَصْد العموم. وجُوِّزَ أن يُنزَّلَ منزلةَ اللازم، أي: ليس من شأنهم العلم، وصيغةُ جَمْعِ العقلاء لِوَصْفِهم الآلهةَ بصفاتهم. ويجوز أن تكون ((ما)) مصدريةً، وضميرُ الجمع للمشركين، واللامُ تعليليةٌ لا صلةُ الجعل كما في الوجهين الأولين، وصِلَتْهُ محذوفةٌ للعلم بها، أي: يجعلون لآلهتهم لأجل جهلهم ﴿نَصِيبًا مِّمَا رَزَقْتَهُمْ﴾ من الحرث والأنعام وغيرهما مما ذرأ تقرُّبًا إليها . ﴿وَلَّهِ لَتُشْتَلُنَّ﴾ سؤالَ توبيخ وتقريع في الآخرة، وقيل: عند عذاب القبر، وقيل: عند القرب من الموت. ﴿عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾﴾ من قبلُ بأنها آلهةٌ حقيقة بأن يتقرَّب إليها، وفي تصدير الجملة بالقَسَم وصَرْف الكلام من الغَيبة إلى الخطاب المنبيِ عن كمال الغضب من شدّة الوعيد ما لا يخفى. ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ﴾ هم خزاعةُ وكنانةُ كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ الله تعالى، وكأنهم لجهلهم زعموا تأنيثها وبنوَّتها، وقال الإمام: أظنُّ أنهم أطلقوا عليها البنات لاستتارها عن العيون كالنساء؛ ولهذا لمَّا كان قرصُ الشمس يجري مجرى المستتر (١) المحتسب ١١/٢، والبحر المحيط ٥٠٢/٥. سُؤَدَّةُ الْفَحَلِ ١٦٤ الآية : ٥٧ عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر، أطلقوا عليه لفظً التأنيث(١). ولا يردُ على ذلك أنَّ الجنَّ كذلك؛ لأنه لا يلزمُ في مثله الاطّراد، وقيل: أطلقوا عليها ذلك للاستتار، مع كونها في محلٌّ لا تصلُ إليه الأغيار، فهي كبناتِ الرجل اللاتي يغارُ عليهنَّ، فيُسكنهنَّ في محلٌّ أمينٍ ومكان مكين، والجنُّ وإن كانوا مستترين لكن لا على هذه الصورة، وهذا أولى مما ذكره الإمامُ، وأما عدمُ التوالد فلا يُناسِبُ ذلك. ﴿سُبْحَتَهٌ﴾ تنزيهٌ وتقديسٌ له تعالى شأنه عن مضمون قولهم ذلك، أو تعجيبٌ من جراءتهم على التفوُّهِ بمثل تلك العظيمة، وهو في المعنى الأول حقيقةٌ وفي الثاني مجاز. ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ يعني: البنين، و((ما)) مرفوعُ المحلِّ على أنه مبتدأٌ، CV والظرفُ المقدَّمُ خبرهُ، والجملةُ حاليةٌ، و((سبحانه)) اعتراضٌ في حاق موقعه. وجوَّز الفراءُ والحوفيُّ أنه في محلِّ نَصْبٍ معطوف على ((البنات))، كأنه قيل: ويجعلون لهم ما يشتهون(٢). واعترض عليه الزجاج(٣) وغيره بأنه مخالفٌ للقاعدة النحوية، وهي أنه لا يجوز تعدِّي فِعل المضمَر المتصل المرفوع بالفاعلية، وكذا الظاهر إلى ضميره المتصل، سواء كان تعدِّيه بنفسه أو بحرف الجرِّ إلا في ((ظنَّ)) وما أَلحق به من ((فَقَدَ)) و((عَدِمَ)) فلا يجوز: زيدٌ ضربه، بمعنى: ضربَ نفسَهُ، ولا: زيدٌ مَرَّ به، أي: مرَّ هو بنفسه، ويجوز: زيدٌ ظنَّهُ قائمًا، وزيدٌ فَقَدَهُ وعَدِمه، فلو كان مكان الضمير اسمٌ ظاهر (٤) كالنفس نحو: زيدٌ ضرب نفسَهُ، أو ضميرٌ منفصلٌ (٥) نحو: زيدٌ ما ضَرَبَ إلا إياه، وما ضربَ زيدٌ إلا إياه، جاز، فإذا عُطف ((ما)) على ((البنات)) أدى إلى تعديةٍ فِعْلٍ المُضمَر المثَّصل وهو واو ((يجعلون)) إلى ضميره المتصل وهو ((هم)) المجرور باللام (١) تفسير الرازي ٢٠/ ٥٤ . (٢) معاني القرآن ٢/ ١٠٥. (٣) في معاني القرآن ٢٠٦/٣. (٤) في الأصل و(م): اسمًا ظاهرًا. والمثبت من حاشية الشهاب ٣٤١/٥ والكلام منها. (٥) في الأصل و(م): ضميرًا منفصلاً. والمثبت من حاشية الشهاب ٣٤١/٥. الآية : ٥٨ ١٦٥ سُورَّةُ الْحَلِ في غير ما استثني، وهو ممنوعٌ عند البصريين ضعيفٌ عند غيرهم، فكان حقُّه أن يقال: لأنفسهم. وأجيب بأنَّ الممتنعَ إنما هو تعدِّي الفعل، بمعنى وقوعه عليه أو على ما جُرَّ بالحرف نحو: زيدٌ مرَّ به، فإنَّ المرورَ واقعٌ بزيدٍ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فإِنَّ الجَعْلَ ليس واقعًا بالجاعلين بل بما يشتهون. ومُحصِّلُه - كما قال الخفاجيُّ(١) - المنعُ في المتعدِّي بنفسه مطلقًا، والتفصيلُ في المتعدِّي بالحرف بين ما قُصد الإيقاعُ عليه وغيره، فيمتنعُ في الأول دونَ الثاني لِعدم إلْف إيقاع المرء بنفسه. وأبو حيان اعترضَ القاعدةَ بقوله تعالى: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاعَكَ﴾(٢) [القصص: ٣٢]. والعلَّامة البيضاويُّ أجاب بوجهٍ آخرَ، وهو أنَّ الامتناعَ إنما هو إذا تعدَّى الفعلُ أولاً لا ثانياً وتبعًا، فإنه يُغتَفرُ في التابع ما لا يُغْتَفَرُ في المتبوعِ (٣). ومنهم مَنْ خصَّ ذلك بالمتعدِّي بنفسه، وجوَّزَ في المتعدِّي بالحرف كما هنا. وارتضاهُ الشاطبيُّ في (شرح الألفية))، وقال الخفاجيُّ: هو قويٌّ عندي(٤)، لكن لا يخفى أنَّ العَطْفَ هنا بعد هذا القيل والقال يؤدِّي إلى جَعْلِ الجَعْلِ بمعنّى يعمُّ الزعم والاختيار. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنثَى﴾ أي: أُخبر بولادتها، وأصلُ البشارة الإخبارُ بما يسرُّ، لكن لما كانت ولادةُ الأنثى تسوءهم حُملتْ على مطلق الإخبار، وجُوِّزَ أن يكونَ ذلك بشارةً باعتبار الولادة بقَطْع النَّظر عن كونها أنثى، وقيل: إنه بشارةٌ حقيقة بالنظر إلى حال المبشَر به في نفس الأمر، وأيًّا ما كان فالكلام على تقدير مضافٍ کما أشرنا إليه. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ أي: صار ﴿مُنْوَدًا﴾ من الكآبة والحياء من الناس، وأصل معنى (ظَلَّ)) أقامَ نهارًا على الصفة التي تُسنَدُ إلى الاسم، ولمَّا كان التبشيرُ قد يكونُ في الليل وقد يكونُ في النهار فُسِّرَ بما ذُكر، وقد تلْحَظُ الحالة الغالبة بناءً على أنَّ أكثرَ (١) في حاشيته ٣٤١/٥. (٢) البحر المحيط ٦/ ١٨٤ ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٤١/٥. (٣) هذه عبارة الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣٤١/٥. (٤) حاشية الشهاب ١٤١/٥ . سُورَةُ الْحَالِ ١٦٦ الآية : ٥٨ الولادات يكون بالليل، ويتأخّرُ إخبارُ المولود له إلى النهار، خصوصًا بالأنثى، فيكونُ ظُلوله على ذلك الوصف طولَ النهار. واسودادُ الوجه كنايةٌ عن العبوس والغَمِّ والفِكْرة والنفرة التي لحقته بولادة الأنثى. قيل: إذا قويَ الفرحُ انبسطَ روحُ القلب من داخله ووصلَ إلى الأطراف، لاسيَّما إلى الوجه؛ لما بين القلب والدماغ من التعلَّقِ الشديد، فيُرى الوجهُ مشرقًا متلألئًا، وإذا قويَ الغَمُّ انحصرَ الروحُ إلى باطن القلب ولم يبق له أثرٌ قويٌّ في ظاهر الوجه، فَيَرْبَدُّ ويتغيّرُ ويصفرُّ ويسودُّ ويظهر فيه أثر الأرضية، فمِنْ لوازم الفرح استنارةُ الوجه وإشراقه، ومن لوازم الغَمِّ والحزن اربدَادُهُ واسوداده، فلذلك كتَّى عن الفرح بالاستنارة وعن الغَمِّ بالاسوداد. ولو قيل بالمجاز لم يبعد، بل قال بعضهم: إنه الظاهر، والظاهر أنَّ ((وجهه)) اسمُ ((ظَلَّ))، و((مسودًّا)) خبرُهُ، وجُوِّزَ كونُ الاسم ضميرًا لـ ((أحد)) و((وجهه)) بدلًا منه، ولو رُفع ((مسودًّا)) على أنَّ ((وجهه)) مبتدأ وهو خبرٌ له، والجملةُ خبرُ ((ظَلَّ) صحَّ، لكنه لم يُقرأ بذلك هنا . ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾﴾ أي: مملوءٌ غيظًا، وأصلُ الكَظْم: مخرجُ النَّفَس، يقال: أخذ بِكَظَمِهِ إذا أَخَذَ بِمَخْرَجٍ نَفَسه، ومنه كَظْمُ الغيظ لإخفائه وحَبْسه عن الوصول إلى مخرجه. وفعيلٌ إما بمعنى مفعول كما أُشير إليه أو صيغة مبالغة، والظاهر أنَّ ذلك الغيظ على المرأة حيث ولدت أنثى ولم تلد ذكرًا، ويُؤيِّدهُ ما روى الأصمعيُّ أنَّ امرأةً وَلَدَت بنتًا سمَّتها الذَّلفاء، فَهَجَرَها زوجها فأنشدت: يظلُّ في البيت الذي يلينا ما لأبي الذَّلفاء لا يأتينا وإنما نأخذُ ما يُعطينا(١) يَحردُ أن لا نَلِدَ البنينا والفقيرُ قد رأيتُ مَنْ طَلَّقَ زوجتهُ لأنْ وَلَدَت أنثى. والجملةُ في موضع الحال من الضمير في ((ظل))، وجوَّزَ أبو البقاء أن يكونَ حالاً من (وجه))(٢)، وجوَّزَ غيره أيضاً حاليته من ضمير ((مسودًّا)). (١) البيتان في مجمع الأمثال للميداني ١/ ٦٤ . (٢) الإملاء ٣/ ٤٥٠ . الآية : ٥٩ ١٦٧ سُؤَةُ الْحَمَِّ ﴿يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يستخفي من قومه ﴿مِن سُوَّهِ مَا بُشْرَ بِّهِ﴾ عُرْفًا وهو الأنثى، والتعبير عنها بـ ((ما)) لإسقاطها بزعمهم عن درجة العقلاء، والجملةُ مستأنفةٌ، أو حالٌ على الأَوجُهِ السابقة في ((وهو كظيم)) إلا كونه من ((وجهه)) والجارَّان متعلِّقان بـ ((يتوارى))، و ((من) الأولى ابتدائيةٌ، والثانية تعلیلیةٌ، أي: یتواری من أجل ذلك، ويُروى أنَّ بعضَ الجاهلية يتوارى في حال الطَّلْقِ، فإن أُخبر بذَكَرٍ ابتهجَ، أو بأُنثى حَزِنَ وبقيَ متواريا أيامًا يُدبِّرُ فيها ما يصنع. ﴿أَيْسِكُهُ﴾ أيتركه ويُربِّيه ﴿عَلَى هُونٍ﴾ أي: ذُلِّ، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال من الفاعل، ولذا قال ابن عباس ﴿: معناه: أَيُمسكه مع رضاه بهَوان نفسه وعلى رَغْم أنفه، وقيل: حالٌ من المفعول به، أي: أيُمسك المَبِشَّرَ به وهو الأنثى مُهانًا ذليلاً، وجملةُ (أَيمسكه)) معمولةٌ لمحذوفٍ مُعلَّقٍ بالاستفهام عنها وَقَعَ حالًا من فاعل ((يتوارى)) أي: مُحدِّثًا نفسَهُ متفكّرًا في أن يتركه ﴿أَمْ يَدُشُهُ﴾ يخفيه ﴿فِى التُّابِ﴾ والمراد: يَئِدُهُ ويدفنُه حيًّا حتى يموت، وإلى هذا ذهب السُّدِّيُّ وقتادة وابن جریج وغيرهم. وقيل: المراد إهلاكه سواءً كان بالدَّفْن حيًّا أم بأمرٍ آخر، فقد كان بعضُهم يُلقي الأنثى من شاهقٍ، رُويَ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقِّ ما أجدُ حلاوةَ الإسلام منذ أسلمتُ، وقد كانت لي في الجاهلية بنتٌ وأمرتُ امرأتي أن تزيِّنها وأخرجتُها، فلما انتهيتُ إلى وادٍ بعيدِ القَعْر ألقيتُها، فقالت: يا أبتِ قتلتني، فكلَّما ذَكَرْتُ قولَها لم ينفعني شيءٌ، فقال ◌َّ: ((ما في الجاهلية فقد هَدَمَهُ الإسلام، وما في الإسلام يهدمه الاستغفار))(١). وكان بعضُهم يُغرقها، وبعضُهم يذبحها، إلى غير ذلك، ولما كان الكلُّ إماتةً تُفضي إلى الدفن في التراب قيل: ((أم يَدسُّه في التراب)»، وقيل: المرادُ إخفاؤه عن الناس حتى لا يُعرفَ كالمدسوس في التراب، وتذكيرُ الضميرين للفظ ((ما)». (١) ذكره الرازي في تفسيره ٢٠/ ٥٥. وقوله: ((ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام)) يشهد له حديث عمرو بن العاص به الوارد في قصة بيعته لرسول الله وَطير وفيه: ((يا عمرو، بايع، فإن الإسلام يجب ما قبله)). سُورَةُ الْفَحَالِ ١٦٨ الآية : ٥٩ وقرأ الجحدريُّ بالتأنيث فيهما عَوْدًا على قوله سبحانه: (بِآلْأُنثَى) أو على معنى (ما))(١)، وقرئ بتذكير الأول وتأنيث الثاني(٢)، وقرأ الجحدري أيضاً وعيسى (هَوان)) بفتح الهاء وألف بعد الواو(٣)، وقرئ: ((على هَوْن)) بفتح الهاء وإسكان الواو (٤)، وهو بمعنى الذُّلِّ أيضاً، ويكون بمعنى الرِّفق واللِّين، وليس بمراد، وقرأ الأعمشُ: ((على سوء)) وهي عند أبي حيان تفسيرٌ لا قراءةٌ لمخالفتها السواد (٥). ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾﴾ حيث يجعلون لمن تنزَّهَ عن الصاحبة والولد ما هذا شأنه عندهم، والحال أنهم يتحاشون عنه ويختارون لأنفسهم البنين، فمدارُ الخطأ جَعْلُهمْ ذلك لله تعالى شأنه مع إبائهم إياه، لا جَعْلُهم البنينَ لأنفسهم، ولا عدمُ جَعْلهم له سبحانه، وجُوِّزَ أن يكونَ مدارُهُ التعكيسَ كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذَا فِسْمَةٌ ضِيرَىٌ﴾ [النجم: ٢٢]. وقال ابنُ عطية: هذا استقباحٌ منه تعالى شأنه لسوء فِعْلهم وحُكمهم في بناتهم بالإمساك على هُونٍ أو الواد، مع أنَّ رِزْقَ الجميع على الله سبحانه(٦)، فكأنه قيل: ألا ساءَ ما يحكمونَ في بناتهم، وهو خلافُ الظاهر جدًّا، وروي الأول عن السدي وعليه الجمهور. والآيةُ ظاهرةٌ في ذَمِّ مَنْ يحزنُ إذا بُشِّرَ بالأنثى حيثُ أخبرتْ أنَّ ذلك فِعْلُ الكَفَرة، وقد أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ﴾ إلخ: هذا صنيعُ مشركي العرب، أخبركم الله تعالى بخُبْئه، فأما المؤمنُ فهو حقيقٌ أن يَرضى بما قَسَمَ الله تعالى له، وقضاءُ الله تعالى خيرٌ من قضاءِ المرءِ لنفسه، ولَعَمْري ما ندري أيُّ خيرٌ، لَرُبَّ جاريةٍ خيرٌ لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله عزَّ وجلَّ بصنيعهم لتجتنبوه ولتنتهوا عنه (٧). (١) الكشاف ٢/ ٤١٤، والبحر المحيط ٥٠٤/٥. (٢) البحر المحيط ٥٠٤/٥. (٣) معاني القرآن للنحاس ٧٦/٤، والقراءات الشاذة ص٧٣، والبحر المحيط ٥٠٤/٥. (٤) القراءات الشاذة ص٧٣، والبحر المحيط ٥/ ٥٠٤ دون نسبة. (٥) معاني القرآن للنحاس ٧٦/٤، والمحرر الوجيز ٤٠٢/٣، والبحر المحيط ٥٠٤/٥. (٦) المحرر الوجيز ٤٠٢/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة البحر ٥٠٥/٥. (٧) تفسير الطبري ٢٥٦/١٤، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم ٢٢٨٧/٧، وعبد بن حميد وابنٍ الآية : ٦٠ ١٦٩ سُورَةُ الفعلِ واستدل القاضي بالآية على بطلان مذهب القائلين بنسبةِ أفعالِ العباد إليه تعالى؛ لأنَّ في ذلك إضافةً فواحشَ لو أضيفت إلى أحدهم أَجْهَدَ نفسَهُ في البراءة منها والتباعد عنها قال: فَحُكْمُ هؤلاء القائلينَ مشابهٌ لِحُكْمٍ هؤلاء المشركين، بل أعظمُ؛ لأنَّ إضافةَ البناتِ إليه سبحانه إضافةٌ لقبيحٍ واحدٍ، وَهو أسهلُ من إضافة كلِّ القبائح والفواحش إليه عز وجل. وأجيب عن ذلك بأنه لمَّا ثبتَ بالدليل استحالةُ الصاحبة والولد عليه سبحانه، أَردفه عزَّ وجلَّ بذِكْرِ هذا الوجه الإقناعيِّ، وإلا فليس كلُّ ما قَبْحَ منَّا في العُرْف قَبْحَ منه تعالى، ألا ترى أنَّ رجلًا لو زيَّن إماءه وعبيده، وبالغَ في تحسين صُوَرهم وصُوَرِهنَّ، ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهنَّ، ثم جَمَعَ بين الكُلِّ، وأزالَ الحائلَ والمانعَ، وبقيَ ينظرُ ما يحدثُ بينهم من الوقاع وغيره، عُدَّ من أَسْفَهِ السُّفهاء، وعُدَّ صنيعهُ أقبحِ كلِّ صنيعٍ، مع أنَّ ذلك لا يقبحُ منه تعالى، بل قد صنعهُ جلَّ جلاله، فعُلِمَ أنَّ التعويلَ على مِثْلِ هذه الوجوه المبنيةِ على العُرْفِ إنما يحسُنُ إذا كانت مسبوقةً بالدلائلِ القطعية، وقد ثبتَ بها امتناعُ الولد عليه سبحانه، فلا جَرَمَ حَسُنَتْ تقويتها لهذه الوجوه الإقناعية. وأما أفعالُ العباد فقد ثبتَ بالدلائل القاطعة أنَّ خالِقَها هو الله تعالى، فكيفَ يمكنُ إلحاقُ أحد البابين بالآخر لولا سوء التعصُّب. وَلِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ﴾ ممن ذُكرتْ قبائحهم ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ صفةُ السَّوء التي هي كالمثل في القبح، وهي الحاجةُ إلى الولد ليقوم مقامهم بعد موتهم ويبقى به ذكرهم، وإيثارُ الذكور للاستظهار، وَوَأُدُ البنات لدفع العار أو خشية الإملاق على حسب اختلاف أغراض الوائدين المنادي كلُّ واحدٍ من ذلك بالعجز والقصور والشُّحِّ البالغ. وعن ابن عباس: مَثَلُ السوء: النار. وأظنه لا يصحُّ عنه ◌َظُه، ومنع ابنُ عطيةً حَمْلَ المثل على الصِّفة وقال: إنه لا يُضطرُّ إليه؛ لأنه خروجٌ عن اللفظ، بل هو على بابه، وذلك أنهم إذا قالوا: إنَّ البنات لله سبحانه، فقد جعلوا لله عزَّ وجلَّ = المنذر كما في الدر المنثور ٤/ ١٢١. وقد جاء في المصادر: ما ندري إنه، بدل: ما ندري أي. سُوَّةُ التّحَمِّ ١٧٠ الآية : ٦١ مثلًا، فإنَّ البنات من البشر، وكثرة البنات أمرٌ مكروهٌ عندهم ذميم، فهو المَثَلُ السّوء الذي أخبر الله تعالى بأنه لهم، وليس في البنات فقط، بل لما جعلوا له تعالى البنات، جعله هو سبحانه لهم على الإطلاق في كلِّ سوءٍ، ولا غاية أبعد من عذاب النار(١). وهو أشبه شيء عندي بالرطانة(٢) كما لا يخفى؛ وَوَضْعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بأنَّ مدارَ اتصافهم بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعلى﴾ أي: الصفةُ العجيبةُ التي هي مَثَلٌ في العلوِّ مطلقًا، وهو الوجوبُ الذاتيُّ والغنى المطلقُ والجودُ الواسعُ والنَّزاهةُ عن صفات المخلوقين، ويدخلُ فيه علوُّهُ تعالى عمَّا يقولون(٣) علوًّا كبيرًا . وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنَّ المثل الأعلى شهادةُ أن لا إله إلا الله(٤). وهو روايةٌ عن ابن عباس. والذي أخرجه عنه البيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) وغيره هو: لیس کمثله شيء(٥). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنفردُ بكمال القدرة على كلِّ شيءٍ، ومن ذلك مؤاخذتهم بقبائحهم، وقيل: هو الذي لا يوجد له نظير. ﴿اَلْحَكِيمُ ﴾﴾ الذي يفعلُ كلَّ ما يفعلُ بمقتضى الحكمة البالغة. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ﴾ الظالمين مطلقًا، وقيل: بالكفر، والمؤاخذةُ مفاعَلةٌ من فاعَلَ بمعنى فَعَلَ وهو الظاهر، وقال ابن عطية: هي مجازٌ، كأنَّ العبد يأخذُ حقَّ الله تعالى بمعصيته، والله تعالى يأخذُ منه بمعاقبته، وكذا الحالُ في مُؤَاخذة الخَلْق بعضهم بعضًا(٦). ﴿يِظُلْمِهِ﴾ أي: بسبب كُفْرهم ومعاصيهم بناءً على أنَّ الظلمَ فِعْلُ (١) المحرر الوجيز ٤٠٢/٣. (٢) الرَّطانة: الكلام بالأعجمية. القاموس المحيط (رطن). (٣) في (م): يقول، وفي تفسير أبي السعود ١٢٢/٥: قالوه. والكلام منه. والمثبت من الأصل. (٤) تفسير الطبري ١٤/ ٢٥٨ . (٥) الأسماء والصفات (٦١٠). (٦) المحرر الوجيز ٤٠٢/٣ بنحوه. الآية : ٦١ ١٧١ سُورَةُ الْحَلَِّ ما لا ينبغي ووضعُهُ في غير موضعه؛ وقد يُخَصُّ بالكفر والتعدِّي على الغير، ويدخل فيه ما عُدَّ من القبائح، وهذا تصريحٌ بما أفاده قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وإيذانٌ بأنَّ ما أتاه هؤلاء الكَفَرةُ من القبائح قد تناهى إلى أمدٍ لا غايةً وراءه. ﴿مَا تَّرَكَ عَلَيْهَا﴾ أي: على الأرض المدلول عليها بالناس وبقوله تعالى: ﴿مِن دَآَّةِ﴾ بناءً على شُهْرة كون الدبيب في الأرض، أي: ما ترك عليها شيئًا من الدوابِّ أصلاً، بل أهلكها بالمرَّة، أما الظالمُ فبظلمه، وأما غيرُهُ فبشؤم ذلك، فقد قال سبحانه: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] وأخرج البيهقيُّ في ((الشعب)) وغيره عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إنَّ الظالمَ لا يضرُّ إلا نفسه، فقال: بلى والله إنَّ الحُبارى لتموتُ هزلاً في وَكْرِها من ظُلم الظالم(١). وأخرج أيضاً هو فيه وغيره عن ابن مسعود قال: كادَ الجُعْلُ أن يُعذَّبَ في جُحْره بذنبِ ابنِ آدم، ثم قرأ الآية (٢). وأخرج أحمد في ((الزهد))(٣) عنه أنه قال: ذنوبُ ابن آدم قتلت الجُعْلَ في جُخْره، ثم قال: إي والله زمن غرق قوم نوح عليه السلام. وقيل: المراد: من دابة ظالمة، على أنَّ التنوينَ للنوع، وهو مخصوصٌ بالكفار والعصاة من الإنس، وقيل: منهم ومن الجن، وقيل: المرادُ الدابةُ الظالمةُ الفاعلةُ لما لا ينبغي شرعًا أو عُرْفًا، فيدخلُ بعضُ الدوابِّ إذا ضرَّ غيره، وقالت فرقةٌ منهم ابن عباس: المرادُ بالدابة المشركُ، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥]. وقال الجبائيُّ: الدابةُ على عمومها، فتشملُ سائر الحيوانات، والمراد بالناس الظالمون مطلقًا؛ ووجه الملازمة أنه تعالى لو آخذهم بما كَسَبوا من كُفْرٍ أو معصيةٍ لَعجَّل هلاكهم، وحينئذٍ لا يبقى لهم نَسْلٌ، ومن المعلوم أنْ لا أحدَ إلا وفي آبائه من يستحقُّ العقاب، وإذا هلكوا جميعًا وبَطَلَ (١) الشعب (٧٤٧٩)، وأخرجه - أيضاً - الطبري في تفسيره ١٤/ ٢٦٠. (٢) الشعب (٧٤٧٨)، وأخرجه - أيضاً - الطبري في تفسيره ٢٦٠/١٤. (٣) كما في الدر المنثور ١٢١/٤ . الآية : ٦١ ١٧٢ سُؤَةُ التّحَالِ نَسْلُهمْ لا يبقى أحدٌ من الناس، وحينئذٍ يهلك الدوابُّ؛ لأنها مخلوقٌ لمنافع العباد ومصالحهم كما يُشعر به قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وبتخصيص الناس يسقطُ الاستدلالُ بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام. وقال بعض المحققين: لا حاجةً إلى التخصيص في ذلك، والآيةُ من باب: بنو تميم قتلوا قتيلًا؛ لِتَضافُرِ الأدلة والنصوص على عِصْمةِ الأنبياء عليهم السلام، فلا يقال: الأصلُ الحملُ على الحقيقة. واستدلَّ بعضهم للتخصيص بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَاً فَمِنْهُمْ ظَالِّمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ [فاطر: ٣٢] وإلا يَفسدُ التقسيم، وقد يقال: إنه ما أحدٌ إلا وهو متَّصفٌ بظلم إلا أنَّ مراتبه مختلفةٌ، فحسناتُ الأبرار سيئات المقرَّبين، والعِصْمةُ التي تُدعى للأنبياء عليهم السلام إنما هي العصمةُ مما يُعَدُّ ذنبًا بالنسبة إلى غيرهم، وأما العصمةُ مما يُعَدُّ ذنبًا بالنسبة إلى مقامهم ومرتبتهم، فلا تُدعی لهم؛ إذ قد وقع ذلك منهم کما یشهد به کثیرٌ من الآيات. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((لو أنَّ الله تعالى يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنوبنا - وفي لفظٍ: بما جَنَتْ هاتان؛ الإبهامُ والتي تليها - لعذَّبَنا ما يَظْلِمُنا شيئًا))(١)، نعم إنه لا يقال لنبيٍّ: هو ظالم، ولا للأنبياء عليهم السلام: هم ظالمون، ويقال: الناس ظالمون، وهذا نظير قولهم: لا يقال لله سبحانه: خالقُ القردة والخنازير، ويقال: هو خالقُ كلِّ شيء. ورُبَّ شيءٍ يجوز تبعًا ولا يجوز استقلالًا، وأَمْرُ التقسيم هيِّنٌ عند المتأمِّل، فليتأمل. ومن الناس من احتجَّ بالآية على أنَّ أصلَ المضارِّ الحرمة؛ إذ لو كان الضررُ مشروعًا فإما أن يكون مشروعًا على وجهٍ يكون جزاءً على جُرْم أو لا، وكلا القسمين باطلٌ، أما الأول فالآية وذلك من وجهين: الأول: أنها لمكّان ((لو)) تقتضي أنَّ الله تعالى ما آخَذَ الناسَ بِظُلمهم، وأنه تَرَكَ على ظهرها دابة. الثاني: أنَّ مقتضى (١) الدر المنثور ١٢١/٤، وأخرجه - أيضاً - أبو نعيم في الحلية ١٣٢/٨، وابن حبان (٦٥٧). وجاء في رواية الحلية: يعني أصبعيه التي تلي الإبهام والتي تليها . الآية : ٦٢ ١٧٣ سُؤَدَّةُ الْحَِ المؤاخذة عدمُ ترك دابةٍ على ظهرها، ونحن نشاهدُ أنه سبحانه قد ترك كثيرًا من الدوابِّ، فيجبُ القَطْعُ بأنه تعالى لم يؤاخذ بالظُلم. وأما الثاني فباطلٌ بالإجماع، فثبتَ بمقتضى الآية تحريمُ المضارّ، ويؤكِّدُ ذلك آياتٌ أُخر وأخبار؛ وحينئذٍ يقال: إذا وقعتْ حادثةٌ مشتملةٌ على الضرر من جميع الوجوه، فإنْ وَجَدنا نصًّا يدلُّ على كونه مشروعًا قضينا به، تقديمًا للخاصِّ على العامِّ، وإلا قضينا بالحرمة بناءً على الأصل الذي قُرِّر. واستدلَّ بها المعتزلة على أنَّ العباد خالقون لأفعالهم، ووجهه(١) مع ردِّه غنيٌّ عن البيان. ﴿وَلَكِنْ﴾ لا يؤاخذهم بذلك بل ﴿يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَتَّىٌ﴾ سمَّاه سبحانه وعيَّنه لأعمارهم، أو لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر عذابهم ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ المسمى ﴿لَا يَسْتَشْخِرُونَ﴾ عنه ﴿سَاعَةٌ﴾ أقلّ مدّة ﴿وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ ﴾﴾ عليه، وقد مرَّ الكلام في نظيرها . ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ أي: يثبتون له سبحانه وينسبون إليه بزعمهم ﴿مَا يَكْرَهُونَ﴾ الذي يكرهونه لأنفسهم من البنات، والتعبير بـ ((ما)) عند أبي حيان على إرادة النوع (٢)، وهذا على ما سمعتَ تكريرٌ لما سبق تثنيته (٣) للتقريع وتوطئة لقوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ أي: يجعلون لله تعالى ما يجعلون، ومع ذلك تَصِفُ ألسنتهم الكذب وهو ﴿أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنِ﴾ أي: العاقبة الحسنى عند الله عزَّ وجلَّ، ولا يتعيَّنُ إرادة الجنة. وعن بعضهم أنَّ المرادَ بها ذلك بناءً على أنَّ منهم من يُقِرُّ بالبعث، وهذا بالنسبة لهم، أو أنه على الفرض والتقدير كما روي أنهم قالوا: إن كان محمدٌ وَله صادقًا في البعث فلنا الجنة بما نحن عليه، قيل: وهو المناسبُ لقوله تعالى الآتي: ﴿لَ جَرَمَ أَنَّ لَمُمُ النَّارَ﴾ لظهور دلالته على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة، فلا يرد (١) في (م): ووجه. (٢) البحر المحيط ٥٠٦/٥. (٣) في (م): تثنية. الآية : ٦٢ ١٧٤ أنهم كيف قالوا ذلك وهم منكرون للبعث. وعن مجاهدٍ أنهم أرادوا بالحسنى البنینَ، وليس بذاك. وقال بعض المحققين: المراد بـ ((ما يكرهون)) أعمُّ مما تقدَّم، فيشملُ البنات، وقد عُلم كراهتهم لها وإثباتها لله تعالى بزعمهم والشركاء في الرياسة، فإنَّ أحدهم لا يرضى أن يشرك في ذلك، ويزعمُ الشريكَ له سبحانه والاستخفاف برسل الله تعالى عليهم السلام، فإنهم يَغضبون لو استُخِفَّ برسولٍ لهم أَرسلوه في أمرٍ لغيرهم، ويستخفُّون برسل الله تعالى عليهم السلام وأراذل الأموال، فإنهم كانوا إذا رأوا ما عيَّنوه لله تعالى من أنعامهم أزكى بدَّلوه بما لآلهتهم، وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها، ولو فُعل نحوُ ذلك معهم غضبوا، وعلى هذا يُفسَّرِ الجَعْلُ بما يعمّ الزَّعْمَ والاختيار، و((ما)) تعمُّ العقلاء وغيرهم، ولا يخلو الكلامُ عن نوع تکریر، والمراد من ((تصفُ ألسنتهم الكذب)) يكذِّبون، وهو من بليغ الكلام وبديعه، ومثله قولهم: عينُها تَصِفُ السحر، أي: ساحرة، وقَدُّها يَصِفَ الهَيف، أي: هيفاء، وقول أبي العلاء المعرِّي: سَرى بَرْقُ المعرَّةِ بعد وَهْنٍ فباتَ برامةٍ يصفُ الكَلالا(١) وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا تمامُ الكلام في ذلك. والظاهرُ أنَّ ((الكذبَ)) مفعولُ ((تصف))، و((أنَّ لهم)) بدلٌ منه، أو بتقدير: بأنَّ لهم، ولمَّا حُذفت الباءُ صار في موضع نَصْبٍ عند سيبويه، وعند الخليل: هو في موضع جَرٍّ، وجُوِّزَ أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف كما أشرنا إليه في بيان المعنى، وجوَّز أبو البقاء كون ((الكذب)) بدلاً من «ما يكرهون)) وهو كما ترى(٢). وقرأ الحسن ومجاهد باختلافٍ: ((أَلسُنهم)) بإسقاط التاء(٣)، وهي لغةُ تميم، واللسانُ يُذكَّرُ ويؤنَّثُ، قيل: ويُجمَعُ المذكَّر على ((ألسنة)) نحو حمار وأَحْمِرة، والمؤنَّثُ على أَلْسُن كَذِراع وأَذْرع. (١) البيت في سقط الزند ٧٨/١. (٢) الإملاء ٤٥١/٣ . (٣) كذا في الأصل و(م). والذي في البحر المحيط ٥٠٦/٥، والدر المصون ٢٤٧/٧، واللباب ٩٤/١٢: ألسنتهم، بإسكان التاء. الآية : ٦٢ ١٧٥ سُورَةُ الْحَالِ وقرأ معاذ بن جبل وبعضُ أهل الشام: ((الكُذُبُ)) بثلاث ضمَّاتٍ(١)، وهو جمعُ كذوبٍ كَصُبُرٍ وصَبورٍ، وهو مقيسٌ. وقيل: جمعُ كاذبٍ نحو شَارفٍ(٢) وشُرُف، وهو غير مقيس، ورَفْعهُ على أنه صفةُ الألسنة، و((أنَّ لَهم الحسنى)) حينئذٍ مفعولُ ((تصف)) . جَرَمَ﴾ أي: حقًّا ﴿أَنَّ لَمُ﴾ مكان ما زعموه من الحسنى ﴿النَّارَ﴾ التي ليس وراءَ عذابها عذابٌ، وهي عَلَم في السوأى، وكلمة ((لا)) رَدِّ لكلام، و((جَرَمَ)) بمعنى كَسَبَ، و((أنَّ لهم)) في موضع نَصْبٍ على المفعولية، أي: كَسَبَ ما صَدَرَ منهم أنَّ لهم ذلك. وإلى هذا ذهب الزجاج(٣)، وقال قطرب: ((جَرَمَ)) بمعنى ثَبَتَ وَوَجَبَ، و((أنَّ لهم)) في موضع رَفْع على الفاعلية له، وقيل: ((لا جرم)) بمعنى حقًّا، و((أنَّ لهم)) فاعلُ ((حقَّ)) المحذوفَ، وقد مرَّ تمامُ الكلام في ذلك وحلا(٤). وقرأ الحسن وعيسى بن عمر: ((إنَّ لهم)) بكَسْر الهمزة(٥) وجَعْلِ الجملة جوابَ (٦) قَسَمِ أغنت عنه ((لا جرم) وكذا قرأا بالكَسْر في قوله تعالى: ﴿وَهُ مُّفْرُونَ أي: مُقدَّمونَ مُعجَّلٌ بهم إليها على ما روي عن الحسن وقتادة، من أفرطتُهُ إلى كذا: قدَّمته، وهو معدَّى بالهمزة من فَرَطَ إلى كذا: تقدَّم إليه، ومنه: ((أنا فَرَطكم على الحوض))(٧) أي: متقدِّمكم، وكثيرًا ما يقال للمتقدِّم إلى الماء لإصلاح نحو دلوٍ: فارطُ وفَرَط. وأنشدوا للقطامي: (١) المحتسب ١١/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٣/٣. (٢) الشارف من السهام: العتيق القديم، ومن النوق: المسنَّة الهرمة. القاموس المحيط (شرف). (٣) في معاني القرآن ٢٠٧/٣. (٤) عند تفسير الآية (٢٢) من سورة هود. (٥) المحرر الوجيز ٤٠٣/٣، والبحر المحيط ٥٠٦/٥. (٦) الدر المصون ٢٤٩/٧. (٧) أخرجه أحمد (١٨٨٠٩)، والبخاري (٦٥٨٩)، ومسلم (٢٢٨٩)، من حديث جندب بن عبد الله البجلي وأخرجه أحمد (٣٦٣٩)، والبخاري (٦٥٧٥)، ومسلم (٢٢٩٧) من حديث عبد الله بن مسعود ضـ سُورَّةُ الْحَلِكَ ١٧٦ الآية : ٦٣ كما تعجّل فُرَّاطٌ لؤُرَّاد(١) واستعجلونا وكانوا من صحابتنا وقال مجاهد وابن جبير وابن أبي هند: أي: مُترَكون في النار منسيُّونَ فيها أبدًا، من أَفْرَظْتُ فلانًا خلفي إذا تركتُهُ ونسيتهُ. وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو رجاء وشيبة ونافع وأكثر أهل المدينة: (مُفرِطون)) بكسر الراء (٢) اسمُ فاعلٍ من ((أفْرَطَ)) اللازم إذا تجاوز، أي: متجاوزو الحدِّ في معاصي الله تعالى. وقرأ أبو جعفر: ((مُفَرِّطون)) بتشديد الراء وكسرها(٣) من فَرَّطَ في كذا، إذا قصَّر، أي: مقصِّرون في طاعة الله تعالى. وعنه أنه قرأ: ((مُفَرَّطون)) بتشديد الراء وفتحها(٤)، من فرَّْتُهُ المعدَّى بالتضعيف من فَرَط بمعنى تقدَّم، أي: مقدَّمون إلى النار. ﴿ثَلَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَ أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ للرسولِوَّهِ عمَّا كان يناله من جهالات قومه الكَفَرة ووعيدٌ لهم على ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم التأكيد، أي: أرسلنا رُسُلاً إلى أمم من قبل أمَّتك، أو من قبل إرسالك إلى هؤلاء فدعوهم إلى الحقِّ. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ القبيحةَ فلم يتركوها ولم يمتثلوا دعوةَ الرسل عليهم السلام، وقد تقدَّم الكلامُ في نسبة التزيين إلى الشيطان(٥). ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ أي: قرينُ الأمم وبئسَ القرين، أو متولِّي إغوائهم وصرفهم عن الحقّ. ﴿أَلْيَّوْمَ﴾ أي: يومَ زيَّنَ الشيطانُ أعمالهم فيه، وهو وإن كان ماضياً واليومُ المعرَّفُ معروفٌ في زمان الحال كالآن، لكن صُوِّرَ بصورةِ الحال ليستحضر السامعُ تلك الصورةَ العجيبةَ ويتعجَّبَ منها، وسُمِّي مِثْلُ ذلك حكاية الحال الماضية، وهو (١) ديوان القطامي ص ٩٠. (٢) البحر المحيط ٥٠٦/٥، وقراءة نافع في التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢. (٣) النشر ٣٠٤/٢. (٤) المحرر الوجيز ٣/ ٤٠٤، والبحر المحيط ٥٠٦/٥. (٥) عند تفسير الآية (٤٣) من سورة الأنعام. الآية : ٦٣ ١٧٧ سُؤَدَّةُ الْحَلِ استعارةٌ من الحضور الخارجي للحضور الذهني، أو المراد باليوم مدَّة الدنيا؛ لأنها كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة، وهي شاملةٌ للماضي والآتي وما بينهما، أي: فهو ولُّهم في الدنيا. ﴿وَلَمُمْ﴾ في الأخرى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ وهو عذابُ النار، وقد ورد إطلاق اليوم على مدَّتها كثيرًا، فهو مجازٌ مُتَعارفٌ، وليس فيه حكايةٌ لما مضى، أو يوم القيامة الذي فيه عذابهم لكن صُوِّرَ بصورةِ الحال استحضارًا له كما في الوجه الأول، إلا أنه حكايةُ حالٍ آتيةٍ، وفي الأول حكايةُ حالٍ ماضية وليس من مجاز الأَوْل، والوليُّ على هذا بمعنى الناصر، أي: لا ناصرَ لهم في ذلك اليوم غيرُهُ، وهو نفيٌّ للناصر على أبلغ وجهٍ على حدٍّ قوله: وبلدةٍ ليس بها أنيسُ إلا اليعافيرُ وإلا العِيسُ(١) ولا يجوز أن يكون بمعنى المتولِّي للإغواء؛ إذ لا إغواءَ ثمَّةَ، ولا بمعنى القرين؛ لأنه في الدَّرْك الأَسفل من النار، وجوَّزهُ بعضُهم باعتبار أنه معهم في النار في الجملة، ولا يضرُّ اختلافهم في الدَّرَكات، والظاهر أنَّ ضمائرَ الجمع كلَّها للأمم كما أشرنا إليه في بعضها، وجوَّز الزمخشريُّ أن يكون ضمير ((وليّهم)) المضاف إليه لقريشٍ لا للأمم(٢). و((اليوم)) بمعنى الزمان الذي وَقَعَ فيه الخطاب، أي: زَيَّنَ الشيطانُ للكَفَرة المتقدِّمين أعمالَهم فهو وليُّ هؤلاء؛ لأنهم منهم، وأن يكون الضميرُ للمتقدِّمين، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وليُّ أمثالهم، والمراد من الأمثال قریش. وتعقّب ذلك أبو حيان بأنَّ فيه بُعْدًا لاختلاف الضمائر من غير داعٍ إليه ولا إلى تقدير المضاف(٣). ورُدَّ بأنَّ لَفْظَ ((اليوم)) داع إليه، وقال الطيبيُّ: إنه الوجهُ، وعليه النَّظْمُ الفائقُ؛ لأنَّ في تصدير القَسَمية بقوله تعالى: (ثَِّ) بعدَ إنكارِهم الرسالةَ وتعدادِ قبائحهم (١) البيت لجرَّان العود وهو في ديوانه ص ٩٧ . (٢) الكشاف ٤١٦/٢ . (٣) البحر المحيط ٥/ ٥٠٧. سُؤَةُ الْحَالِ ١٧٨ الآية : ٦٤ الإشعارَ بأنَّ ما ذُكر كالتسلية للرسول وَله، فكأنه قيل: إنَّ الأممَ الخاليةَ مع الرسل السالفة لم تزلْ على هذه الوتيرة، فَلَكَ أسوةٌ بالرسل عليهم السلام، وقومُكَ خَلْفٌ لتلك الأمم، فلا تهتمَّ لذلك، فإنَّ ربَّكَ ينتقمُ لك منهم في الدنيا والآخرة، فاشتغلْ أنت بتبليغ ما أنزل إليك، وتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية، وبالتنبيه على إقامة الشكر على نِعَمِ الله تعالى المتظاهرة. وقال في ((الكشف)): لا ترجيحَ لهذا الوجه من حيثُ التسلِّ؛ إذ الكلُّ مفيدٌ لذلك على وجهٍ بيِّنٍ، وإنما الترجيحُ للوجه الصائر إلى استحضار الحال لما فيه من مزيد التَّشفِّي. والحقُّ أنَّ ما ذكره الزمخشريُّ غيرُ ظاهرٍ، وما قيل: إنَّ لَفْظَ ((اليوم)) داع إليه ففي حيِّز المنع، وقصارى ما يقال: وجودُ القرينة المصحِّحة لا المرجِّحة هذا. وذكر في ((الكشف)) في بيان رَبْطِ الآيات أنَّ قوله سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ) إلى هذا الموضع فنٌّ آخرُ من كفرانهم وتعداد قبائحهم، وجاز أن يكون من تتمَّةٍ سابقه على منوال: (وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَلِ فَمِنَ اللّهِ) إلَّا أنه بُني على الغَيبة دلالة على أنه فىٌّ آخر، وهذا قريبُ المتناول، وجاز أن يُجعَلَ عَظْفًا على قوله تعالى: (وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ) فإنَّ ما وقع من الكلام بعده من تتمَّته اعتراضًا واستطرادًا، كأنه قيل: ذاكَ مُعْتَقدهم في المعاد، وهذا في المبدأ، وهم فيما بين ذلك متديِّنون بهذا الدين القويم، ومع اختلاف العقيدة في المبدأ والمعاد يدَّعون أنَّ لهم الحسنى، فيحِقُّ لهم ضدّ ذلك حقًّا، ثم قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُواْ فِيةٌ﴾ شديدُ الملاءمة على هذا الوجه لقوله سبحانه هنالك: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ)، ولقوله تعالى: (وَنَّنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزْلَ إِلَيْهِمْ) وفيه أنَّ مَنِ استبانَ له الهدى لهذا البيان استغنى عن ذلك البيان حيثُ لا ينفعهُ إلا العلم بكذبه. وهذا أنسبُ لتأليف النَّظْم. وأنت تعلم أنَّ احتمالَ العَطْفِ بعيدٌ، والمرادُ بالكتاب القرآنُ، فإنه الحقيقُ بهذا الاسم، والاستثناءُ مفرَّعٌ من أعمِّ العلل، أي: ما أنزلناه عليك لِعِلَّةٍ من العِلَلِ إلا لتبيِّنَ لهم ما اختلفوا فيه من البعث، وقد كان فيهم مَنْ يؤمنُ به، وأشياء من التحليل والتحريم والإقرار والإنكار، ومقتضى رجوع الضمائر السابقة إلى الأمم الآية : ٦٥ ١٧٩ سُؤَّةُ الْحَالِ السالفة أن يرجعَ ضميرُ ((إليهم)) و((اختلفوا)) إليهم أيضاً، لكن منع عنه عدمُ تأتِّ تبيين الذي اختلفوا فيه لهم، فمنهم مَنْ جعلهُ راجعًا إلى قريشٍ لأنَّ البحث فيهم، ومنهم مَنْ جعله راجعًا إلى الناس مطلقًا لعدم اختصاص ذلك بقريش، ويدخلون فيه دخولاً أوليًّا . ﴿وَهُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمين ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (9)﴾ خصَّهم بالذكر لكونهم المغتنمين آثاره، والاسمان - قال أبو حيان : - في موضع نَصْبٍ على أنهما مفعولٌ من أجله، والناصبُ ((أنزلنا))، ولمَّا أنَّحد الفاعلُ في العِلَّة والمعلول وَصَلَ الفعلُ لهما بنفسه، ولمَّا لم يتَّحدْ في ((لتُبيِّن)) لأنَّ فاعلَ الإنزال هو الله تعالى لا الرسول عليه الصلاة والسلام وصلتِ العِلَّةُ بالحرف. وقال الزمخشريُّ: هما معطوفان على محلِّ ((لتبيِّن))(١)، وهو ليس بصحيح لأنَّ محلَّه ليس نَصْبًا فيُعطف منصوب عليه، ألا ترى أنه لو نصب لم يجز لاختلاف الفاعل(٢). وتُعقِّبَ بأنَّ معنى كونه في محلٌّ نصبٍ أنه في محلٌّ لو خلا من الموانع ظَهَرَ نَصْبُهُ، وهو هنا كذلك لمن تأمَّلَ، فقوله: ليس بصحيح؛ لأنَّ محلَّهُ ليس نَصْبًا، ليس على ما ينبغي. وقال الحلبيُّ: إن ذلك ممنوعٌ إذ لا خلافَ في أنَّ محلَّ الجارِّ والمجرور النصبُ، ولذا أجازوا: مَرَرْتُ بزيدٍ وعَمْرًا، بالعَظْفِ على المحلِّ(٣). وللخفاجيِّ هاهنا كلامٌ إن أردته فارجع إليه وراجعه (٤)، ولعله إنما قُدِّمتْ عِلَّهُ التبيين على علَّتَي الهدى والرحمة لتقدُّمه في الوجود عليهما . ﴿وَلَهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ﴾ تقدَّم الكلام في مثله، وهذا على ما قيل تكريرٌ لما سبق تأكيدًا لمضمونه وتوحيدًا لما يعقبُهُ من أدلة التوحيد. (١) الكشاف ٤١٦/٢. (٢) البحر المحيط ٥/ ٥٠٧. (٣) الدر المصون ٢٥٠/٧-٢٥١. (٤) حاشية الشهاب ٣٤٤/٥، وجاء في (م): وراجع. سُؤَدَّةُ الْحَلِ ١٨٠ الآية : ٦٥ ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بما أنبتَ به فيها من أنواع النباتات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعد يَبسها، فالإحياءُ والموتُ استعارةٌ للإنبات واليَيْسِ، وليس المراد إعادةَ اليابس، بل إنبات مثله، والفاء للتعقيب العادي، فلا ينافيه ما بين المتعاطفين من المهلة، ونظير ذلك: تزوَّجَ فَولدَ له ولدٌ، والآيةُ دليلٌ لمن قال: إنَّ المسبّبات بالأسباب لا عندها، ومن قال به أوَّل. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: في إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض الميتة ﴿لَيَةٌ﴾ - وأيَّةُ آيةٍ - دالةً على وحدته سبحانه وعلمه وقدرته وحكمته جلَّ شأنه، والإشارةُ بما يدلُّ على البعد إما لتعظيم المشار إليه، أو لعدم ذكره صريحًا . قال المولى ابن الكمال: أُريدَ بالسمع القبول كما في : ﴿لَقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٥) سمع الله لمن حمده، أي: لقوم يتأملون فيها ويعقلون وجهَ دلالتها ويقبلون مدلولها، وإنما خُصَّ كونها آيةً لهم؛ لأنَّ غيرَهم لا ينتفعُ بها، وهذا كالتخصيص في قوله تعالى: ﴿هُدَى وَرَحْمَةُ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] وبما قرَّرناه تبيَّنَ وجهُ العدول عن ((يبصرون)) إلى ((يسمعون)). انتهى. وقال الخفاجيُّ: اللائقُ بالمقام ما ذكره الشيخان، وبيانه أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل إلى الأمم السالفة رسلًا وكتبًا فكفروا بها، فكان لهم خزيٌ في الدنيا والآخرة، عقَّبه بأنه أرسله بَّهِ بسيِّد الكتب، فكان عينَ الهدى والرحمة لمن أرسل إليه؛ إشارةً إلى أنَّ مخالفةَ أمته لمن قبلهم تقرِّبهم (١) من سعادة الدارين، وتبشيرًا له عليه الصلاة والسلام بكثرة متابعيه وقلَّة مناوئيه، وأنهم سيدخلون في دينه أفواجاً أفواجاً، ثم أَتبعَ ذلك على سبيل التمثيل لإنزاله تلكَ الرحمةَ التي أَحْيَتْ من موتة الضلال إنزالَ الأمطار التي أَحْيَتْ مواتَ الأرض، ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: ٢٨]، ولولا هذا لكان قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ) كالأجنبيِّ عمَّا قبله وبعده، وقوله سبحانه: (إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً) إلخ تتميمٌ لقوله تعالى: (وَمَآ أَنزَلْنَا) إلخ وللمقصود بالذات منه، فالمناسب ((يسمعون)) لا ((يبصرون)) ولو كان تتميمًا لملاصقه (٢) من الإنبات لم يكن لـ ((يسمعون)) بمعنى يقبلون مناسبةٌ أيضاً، ثم (١) في حاشية الشهاب ٣٤٥/٥: لقربهم. (٢) في حاشية الشهاب: ولو كان مفهمًا لما لاصقه.