Indexed OCR Text
Pages 41-60
الآية : ١٠ ٤١ سُورَةُ القَلِك والكلأ والنار(١)، وأبقاه بعضُهم على حقيقته ولم يجعله مجازاً شاملاً، و((من)) إما للتبعيض مجازاً؛ لأنَّ الشجر لمّا كان حاصلاً بسَقْيه جُعل كأنه منه كقوله: أسئمةُ الآبال في ربابهٍ (٢) يعني به المطرَ الذي ينبتُ به ما تأكله الإبلِ فتسمنُ أَسئمتُها . وإما للابتداء، أي: وكائنٌ منه شجرٌ. والأوَّل أَولى بالنسبة إلى ما قبله. وقال أبو البقاء: هي سببيةٌ، أي: وبسببه إنباتُ شجر، ودلَّ على ذلك: (يُنَبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ)(٣). وجوَّز ابنُ الأنباريِّ الوجهين الأوَّلين على ما يقتضيه ظاهر قوله: الكلامُ على حَذْف (٤) مضافٍ إما قبل الضمير، أي: من جهته، أو من سَقْيه شجر، وإما قبل (شجر)) أي: ومنه شرابُ شجر، كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، أي: حبَّه. اهـ. وهو بعيدٌ، وإن قيل: الإضمارُ أولى من المجاز لا العكس الذي ذهب إليه البعض، وصحّح المساواةَ لاحتياج كلٌّ منهما إلى قرينة. ﴿فِيهِ ◌ُِيمُونَ ﴾﴾ أي: ترعون، يقال: أَسامَ الماشيةَ وسوَّمها: جعلها ترعى، وسامت بنفسها فهي سائمةٌ وسَوام: رَعَتْ حيثُ شاءت، وأصلُ ذلك - على ما قال الزجَّاج - السُّومة، وهي كالسِّمة العَلَامة؛ لأنَّ المواشي تؤثِّر علاماتٍ في الأرض والأماكن التي ترعاها (٥). (١) أخرج أحمد (٢٣٠٨٢)، وأبو داود (٣٤٧٧) من حديث رجل من الصحابة أنَّ النبي وَله قال: ((المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)). وأخرجه ابن ما جه (٢٤٧٢) من حديث ابن عباس وأخرجه - أيضاً - (٢٤٧٣) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار)). (٢) الرجز في الكامل للمبرد ٩٩٤/٢ دون نسبة، ولفظه: أقبلَ في المُسْتَنِّ من ربابهِ أسنمةُ الآبال في سحابهِ (٣) الإملاء ٤٤٢/٣ . (٤) في (م): على تقدير. والمثبت من الأصل، والبحر المحيط ٤٧٨/٥، والدر المصون ٧/ ١٩٧ . (٥) معاني القرآن ١٩٢/٣. سُورَةُ الْحَك ٤٢ الآية : ١١ وقرأ زيدُ بن عليٍّ ◌ِ﴿يَا: ((تَسيمون)) بفتح التاء (١)، فإن سُمع ((سَامَ)) متعدِّياً، كان هو و((أسام)) بمعنى، وإلا فتأويلُ ذلك أنَّ الكلامَ على حَذْفِ مضافٍ، أي: تُسیمُ مواشيكم. ﴿يُثَبِتُ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ، يقال: نَبَتَ الشيءُ وأنبته اللهُ تعالى فهو منبوت، وقياسُ هذا مُنْبَت، وقيل: يقال: أَنبتَ الشجرُ، لازماً، وأنشد الفرَّاء: قَطِيناً لهم حتى إذا أَنبتَ البقلُ(٢) رأيتُ ذوي الحاجات حولَ بيوتهم أي: نَبَتَ، وكان الأصمعيُّ ينكرُ مجيءَ ((أَنبتَ)) بمعنى ((نَبَتَ))(٣). وقرأ أبو بكر: ((ننبت)) بنون العَظَمة(٤)، والزهري: ((نُنَبِّتْ))(٥) بالتشديد، وهو للتكثير في قول، واستظهر أبو حيان أنه تضعيف التعدية(٦). وقرأ أُبيِّ: (يَنْبُتُ)) بفتح الياء، ورفع المتعاطفات بعدُ على الفاعلية(٧)، وجملةُ يُنبت ﴿لَكُرْ بِهِ﴾ أي: بما أنزل من السماء ﴿الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ﴾ يحتمل أن تكون صفة أخرى لـ ((ماء)) وأن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: وهل له منافعُ أُخَر؟ فقيل: ينبتُ لكم به ... إلخ. وإيثار صيغة الاستقبال؛ للدلالة على التجدُّد والاستمرار، وأنَّ الإنباتَ سُنَّته سبحانه الجارية على ممرِّ الدهور، أو لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة. وتقديمُ الظرفين على المفعول الصَّريح لما أشرنا إليه آنفاً، مع ما في تقديم أوَّلهما من الاهتمام به؛ لإدخال المسرَّة ابتداءً. وتقديمُ الزَّرع على ما عداه قيل: لأنه أصلُ الأغذية وعمودُ المعاش وقوتُ أكثر العالم، وفيه مناسبةٌ للكلأ المرعي. (١) البحر المحيط ٤٧٨/٥، والدر المصون ١٩٨/٧. (٢) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في شرح ديوانه ص ١١١، ووقع في الأصل و(م): بها، بدل: لهم، والمثبت من الديوان، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء. والقطين: أهل الرجل وحَشَمه، أو الساكن النازل في الدار. (٣) ينظر تهذيب اللغة ٣٠٣/١٤. (٤) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٢/٢. (٥) في الأصل و(م): ينبت. والمثبت من البحر المحيط ٤٧٨/٥، والدر المصون ١٩٩/٧. (٦) البحر المحيط ٤٧٨/٥. (٧) الكشاف ٤٠٣/٢، والبحر المحيط ٤٧٨/٥ . الآية : ١١ ٤٣ سُورَةُ الفحم ثم الزيتون لما فيه من الشَّرف من حيثُ إنه إدامٌ من وجه وفاكهةٌ من وجه، وقد ذكر الأطبَّاءُ له منافعَ جمَّة، وذكر غير يسيرٍ منها في ((التذكرة))(١)، والظاهر من كلام اللُّغويين أنه اسمُ جنسٍ جمعيٍّ، واحدهُ: زيتونة؛ وأنه يُطلَقُ على الشجر المخصوص، وعلى ثمرته. واستظهر أنَّ المرادَ به هنا الأول، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى تمامُ الكلام في ذلك، وأكثرُ ما ينبتُ في المواضع التي زاد عَرْضُها على الميل، واشتدَّ بردُها، وكانت جبليةً ذات تربةٍ بيضاء أو حمراء. ثم النخيل على الأعناب لظهور دوامها بالنسبة إليها، فإنَّ الواحدةَ منها كثيراً ما تتجاوز مئة سنة - وشجرةُ العِنَب ليست كذلك، نعم الزيتونُ أكثرُ دواماً منهما، فإن الشجرةَ منه قد تدومُ ألفَ سنة - مع أنَّ ثمرتَها كثيراً ما يقتات بها، حتى جاء في الخبر: ((ما جاعَ بيتٌ وفيه تمر))(٢) وأكثر ما تنبتُ في البلاد الحارَّة اليابسة التي يغلِبُ عليها الرملُ كالمدينة المشرَّفة والعراق وأطراف مصر، وهي - على ما قال الراغب - جَمْعُ ((نخلٍ)) وهو يُطلقُ على الواحد والجمع(٣). ويقال للواحدة: نخلة، وأما الأعنابُ فجمعُ عِنَبة بكسر العين وفتح النون والباء، وقد جاءت ألفاظٌ مفردةٌ على هذا الوزن غيرُ قليلة. وقد ذكر في ((القاموس)) عِدَّةً منها، ونَسَبَ الجوهريَّ إلى قِلَّة الاطلاع في قوله: إنَّ هذا البناءَ في الواحد نادرٌ، وجاء منه العِنبَة والتّوَلَة والحِبَرة والطّبة والخِيَرة، ولا أعرفُ غيرَ ذلك. وذكر الجوهريُّ أنه إن أردت جمعَهُ في أدنى العدد جمعتَه بالتاء وقلت: عِنْبَات، وفي الكثير: عِنَبٌ وأعناب(٤). ولينظر هذا مع عَدِّهم أفعالاً من جموع القِلَّة، ويُطلق العِنَبُ - كما قال الراغب - على ثمرةِ الكَرْم وعلى الكَرْم نفسه(٥). والظاهر أنَّ المراد هو الثاني. وذكر أبو حيان في وجه تأخير الأعناب أنَّ ثمرتها فاكهةٌ محضة (٦). وفيه أنه إن (١) تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب لداود الأنطاكي ١/ ١٨٢ -١٨٣. (٢) أخرجه مسلم (٢٠٤٦) من حديث عائشة (٣) المفردات (نخل). (٤) الصحاح والقاموس (عنب). (٥) المفردات (عنب). (٦) البحر المحيط ٤٧٨/٥. سُوَّةُ الْحَكِ ٤٤ الآية : ١١ أرادَ بثمرتها العِنَب مادام طريّاً قبل أن يتزيَّب، فيمكن أن يُسلَّم، وإن أراد به المتزبِّبَ فغيرُ مُسلَّم، وفي كلام كثيرٍ من الفقهاء في بحث زكاة الفطر أنَّ في الزبيب اقتياتاً، بل ظاهرُ كلامهم أنه في ذلك بعد التَّمر وقبل الأرز، والباحثُ في هذا لا ينفي الاقتيات، كما لا يخفى على الواقف على البحث. وفي جَمْع ((النخيل والأعناب)) إشارةٌ إلى أنَّ ثمارَها مختلفةُ الأصناف، ففي (التذكرة) عند ذِكر الثَّمر أنه مختلفٌ كثيرُ الأنواع كالعِنَب، حتى سمعتُ أنه يزيدُ على خمسين صنفاً. وعند ذِكْر العِنَب أنه يختلفُ بحسب الكِبَر والاستطالة وغِلَظ القِشْر وعدم العَجَم (١) وكثرة الشَّحم واللّون والطعم وغير ذلك(٢)، إلى أنواع كثيرة كالتمر. وأنا قد سمعتُ من والدي عليه الرحمةُ أنه سَمِعَ في مصرَ حين جاءها بعد عَوْده من الحجِّ لزيارة أخيه المهاجر إليها لطلب العلم أنَّ في نواحيها من أصناف التمر ما يقرُبُ من ثلاث مئة صِنْفٍ، والعُهْدةُ على مَنْ سَمِعَ منه هذا، وللعلامة أبي السعود هنا ما يُشعر ظاهرُه بالغفلة، وسبحان من لا يغفل. وكان الظاهرُ تقديمُ غذاء الإنسان لشرفه على غذاء ما يُسام، لكن قُدِّم ذاك ـ على ما قال الإمام - للتنبيه على مكارم الأخلاق، وأن يكون اهتمامُ الإنسان بمَنْ تحت يده أقوى من اهتمامه بنفسه(٣). والعكسُ في قوله تعالى: ﴿كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] للإيذان بأنَّ ذلك ليس بلازم وإن كان من الأخلاق الحميدة، وهو على طِبْق ما ورد في الخبر: ((ابدأ بنفسك ثمّ بِمَنْ تعول))(٤)، وقيل: لأنَّ ذلك مما لا دَخْلَ للخلائق فيه ببذْرٍ وغَرْسٍ، فالامتنان به أقوى، وقيل: لأنَّ أكثرَ المخاطَبين من أصحاب المواشي، وليس لهم زَرْعٌ ولا شيءٌ مما ذُكر. (١) العَجَم: النوى وكلُّ ما كان في جوف مأكول كالزبيب وما أشبهه. الصحاح (عجم). (٢) التذكرة ٩٦/١، ٢٤٠. (٣) تفسير الرازي ٢٣٤/١٩. (٤) لم نقف عليه هكذا مجموعاً في رواية واحدة. بل أخرج مسلم (٩٩٧) من حديث جابر عظاته بلفظ: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها ... )). وأخرج أحمد (٧١٥٥)، والبخاري (١٤٢٨)، ومسلم (١٠٤٢) من حديث أبي هريرة به بلفظ: (( ... وابدأ بمن تعول)). وأخرجه ۔ أیضاً ۔ احمد (٤٤٧٤) من حديث ابن عمر قپا. وأخرجه البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام ۔ الآية : ١١ ٤٥ سُورَةُ الْحَمِ وقال شهاب الدين في وجه ذلك: ولك أن تقول: لمَّا سبقَ ذِكْرُ الحيوانات المأكولة والمركوبة ناسبَ تعقيبُها بذكْر مَشْرَبها ومأكَلها؛ لأنه أقوى في الامتنان بها، إذ خَلْقُها ومعاشُها لأجلهم، فإنَّ مَنْ وَهَبَ دابَّةً مع عَلَفها كان أحسن، كما قيل: من الظَّرْف هِبةُ الهدية مع الظّرْف(١). ولا يخلو عن حُسْن. والأولى عليه أن يُراد من قوله تعالى: (لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ) ما يُشَرِبُ، وأما ما قيل: إنَّ ما قدّم من الغذاء غذاءٌ للإنسان أيضاً لكن بواسطة، فإنه غذاءٌ لغذائه الحيوانيٌّ، فلا يدفع السؤال؛ لأنه يقال بَعْدُ: كان ينبغي تقديمُ ما كان غذاءً له بغير واسطة، لا يقال: هذا السؤال إنما يَحْسُنُ إذا كان المرادُ من المتعاطفات المذكورات ثمراتها؛ لا ما يحصل منها الثمرات؛ لأنَّ ذلك ليس غذاء الإنسان؛ لأنَّا نقول: ليس المقصودُ من ذِكْرها إلا الامتنان بثمراتها، إلا أنها ذُكرت على نَمَطِ سابقها المذكور في غذاء الماشية، ويُرشد إلى أنَّ الامتنانَ بثمراتها قوله سبحانه: ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ وإرادةُ الثمرات منها من أول الأمر بارتكاب نوع من المجاز في بعضها لهذا إهمالٌ لرعاية غيرِ أمرٍ يحسُنُ له حملُها على ما قلنا دون ذلك منه ينبت، إذ ظاهره يقتضي التعلّق بنفس الشجرة لا بثمرتها فليعمل بما يقتضيه في صَدْر الكلام وإن اقتضى آخره اعتبار نحو ما قيل في : علفتُها تبناً وماءً باردا(٢) كذا قيل وفيه تأمل، ومنع بعضُهم كونَ الإنبات مما يقتضي التعلُّق المذكورَ، وَحَدَآَبِقَ غُلْباً ٢٩ ! وَزَيْتُوْنَا وَنَخْلَا ٣٨ فقد قال سبحانه: ﴿فَأَبْثَا فِيهَا حَبََّ جَ وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَقَلِكِهَةٌ وَأَبَّ﴾ [عبس: ٢٧ -٣١]. وجُوِّز أن لا يكونَ الملحوظُ فيما عدَّ مجرد الغذائية، بل ما يعمُّها وغيرها على معنى: يُثبتُ به لنفعكم ما ذكر، والنفع يكون بما فيه غذاءٌ وغيره، و((من)) للتبعيض والمعنى: ويُنبتُ لكم بعضَ كلِّ الثمرات، وإنما قيل ذلك لما في «الكشاف)) وغيره من أنَّ كلَّ الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أُنبت في (١) حاشية الشهاب ٣١٦/٥. وقوله: من الظرف هبة الهدية مع الظرف، معناه أن من الكياسة إعطاء الهدية مع الوعاء. ينظر معنى الظرف في الصحاح واللسان (ظرف). (٢) عجزه: حتى شتت همالة عيناها. وسلف ٣٢٥/٦. سُورَةُ التّحَ ٤٦ الآية : ١٢ الأرض بعضٌ من كلٌّ للتذكرة(١). وقال بعضُ الأجلَّة: المراد بعض مما في بقاع الإمكان من ثمر القدرة الذي لم تَجْنِهِ راحة الوجود. وهو أظهرُ وأشملُ وأنسبُ بما تقدَّم؛ لأنه سبحانه كما عقَّب ذِكْرَ الحيوانات المنتَفَعِ بها على التفصيل بقوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) عقَّب ذِكْرَ الثمرات المنتفع بها بمثله. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ المذكور من إنزال الماء وإنزال ما فُصِّل ﴿لَيَةٌ﴾ عظيمةٌ دالةً على تفرُّده تعالى بالإلهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة ﴿لَقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾﴾ فإنَّ مَنْ تفكّر في أنَّ الحبَّةَ والنَّواة تقعُ في الأرض وتصلُ إليها نداوةٌ تنفذُ فيها، فينشقُّ أسفلُها، فيخرجُ منه عروقٌ تنبسطُ في الأرض، وربما انبسطتْ فيها وإن كانت صُلْبة، وينشقُّ أعلاها وإن كانت منتكسةً في الوقوع، فيخرجُ منها ساقٌ فينمو، فيخرجُ منه الأوراق والأزهار والحبوب والثمارُ المشتملة على أجسام مختلفةِ الأشكال والألوان والخواصِّ والطبائع، وعلى نواةٍ قابلةٍ لتوليد الأمثال على النَّمطِ المحرَّر لا إلى نهاية مع اتِّحاد الماء والأرض والهواء وغيرها بالنسبة إلى الكلِّ، عَلِمَ أنَّ مَنْ هذه آثارُهُ لا يمكنُ أن يُشبهه شيءٌ في شيءٍ من صفات الكمال، فَضْلاً عن أن يشاركهُ في أخصِّ صفاته - التي هي الألوهية واستحقاق العبادة - أخسُ الأشياء كالجماد، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وله تعالى دَرُّ مَنْ قال: إلى آثار ما صَنَعَ المليكُ تأملْ في رياض الوَرْد وانظرْ على أَهدابها ذهبٌ سبيكُ عيونٌ من لُجينٍ شاخصاتٌ بأنَّ الله ليس له شريكُ(٢) على قضب الزَّبرجَدِ شاهداتٌ وحيث كان الاستدلالُ بما ذُكر لاشتماله على أمرٍ خفيٍّ محتاج إلى التفكّر والتدبُّر لمن له نظرٌ سديدٌ خَتَمَ الآيةَ بالتفكّر. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان خِلفةً لمنامكم واستراحتكم وسعيكم في مصالحكم من الإسامة وتعهُّد حالِ الزرع ونحو ذلك. (١) الكشاف ٤٠٣/٢. (٢) الأبيات في ديوان عبد الغني النابلسي ٢/ ٢. الآية : ١٢ ٤٧ سُورَةُ الَّ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ﴾ يدأبانِ في سيرهما وإنارتهما - أصالةً وخِلافً - وأدائهما ما نِيْطَ بهما من تربيةِ الأشجار والزروع، وإنضاج الثمرات وتلوينها، وغير ذلك من التأثيرات المترتِّبة عليهما بإذن الله تعالى، حسبما يقوله السَّلفُ في الأسباب والمسببات، وليس المراد بتسخير ذلك للمخاطَبين تمكينَهم من التصرُّف به كيف شاؤوا كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣] ونحوه، بل تصريفُهُ سبحانه لذلك حسبما يترتَّبُ عليه منافعهم ومصالحهم، كأنَّ ذلك تسخيرٌ لهم وتصرُّفٌ من قِبَلهم حَسب إرادتهم. قاله بعض المحققين. وقال آخرون: إنَّ أَصْلَ التسخير السَّوقُ قهراً، ولا يصحُّ إرادةُ ذلك؛ لأنَّ القَهْرَ والغلبةَ مما لا يُعقَلُ فيما لا شعور له من الجمادات، كالشمس والقمر، وعدمُ تعقُّله في نحو الليل والنهار أظهرُ من ذلك، فهو هنا مجازٌ عن الإعداد والتهيئة لما يُراد من الانتفاع، وفي ذلك إيماء إلى ما في المسخّر من صعوبة المأخَذ بالنسبة إلى المخاطَبين. وذكر الإمامُ في المراد من التسخير نحو ما ذكر أولاً، ثم ذَكَرَ وجهاً آخر قال فيه: إنه لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب الهيئة، وهو أنهم يقولون: الحركةُ الطبيعيةُ للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق، فالله تعالى سخّر هذه الكواكبَ بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، فكانت هذه الحركةُ قسريةً، فلذا وَرَدَ فيها لفظ التسخير. وذكر أيضاً أنَّ حدوثَ الليل والنهار ليس إلا بسبب حركة الفلك الأعظم دون حركة الشمس، وأما حركتُها فهي سببٌ لحدوث السَّنة، ولذا لم يكن ذِكْرُ الليل والنهار مُغنياً عن ذِكْر الشمس(١). ولا يُعترض عليه بأنَّ ما ذكره من قوله: إنَّ حدوثَ الليل والنهار إلى آخره لا يتأتَّى في عَرْض تسعين؛ لأنَّ الليلَ والنهارَ لا يحصلان إلا بغروب الشمس وطلوعها، وهي هناك لا تغرُبُ ولا تطلُعُ بحركةِ الفلك الأعظم، بل بحركتها الخاصة، ولذا كانت السَّنةُ يوماً وليلة، لما أنَّ ذلك العَرْضَ غيرُ مسكونٍ، وكذا ما يقربُ منه، فلا يدخلُ في حَيِّز الامتنان. نعم في كلامه عند المتمسِّكين بأذيال الشريعة غيرُ ذلك فلينظر. (١) تفسير الرازي ٤/٢٠-٥. . سُوَّةُ الْحَالِ ٤٨ الآية : ١٢ وفي كون الشمس والقمر مما لا شعورَ لهما خلافٌ بين العلماء، فذهب البعضُ إلى أنهما عالَمان، وهو الذي تقتضيه الظواهرُ، وإليه ذهب الصوفيةُ والفلاسفة، ولم أشعرْ بوقوع خلافٍ في أنَّ الليلَ والنهار مما لا شعورَ لهما، نعم رأيتُ في ((البهجة القادرية)) عن القطب الربانيِّ الشيخ عبد القادر الكيلاني قُدِّسَ سِرُّهُ العزيز أنَّ الشَّهر أو الأسبوعَ يأتيه في صورةٍ شخصٍ فُيُخبره بما يحدثُ فيه من الحوادث. ولعلَّ هذا على نحو ظهور القرآن يومَ القيامة في صورة الرجل الشّاحب وقوله لمن كان يحفظه: ((أنا الذي أسهرتُكَ في الدياجي، وأظمأْتُكَ في الهواجر))(١) وظهور الموت في صورة كَبْشٍ أملحَ وذَبْحُهُ بين الجنة والنار يوم القيامة كما جاء في الخبر (٢). وعليك بالإيمان بما جاء عن الصادق المصدوق وَّل فيه وأنت في الإيمان بغيره بالخِيار، وإيثارُ صيغةِ الماضي، قيل: للدلالة على أنَّ ذلك التسخيرَ أمرٌ واحدٌ مستمرٌّ وإن تجدَّدتْ آثاره. ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ بِأَمْرِ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، أي: وسائرُ النجوم البيبانية(٣) وغيرها في حركاتها وأوضاعها المتبدِّلة وغير المتبدِّلة، وسائر أحوالها مسخَّرات لما خُلِقِتْ له بخَلْقه تعالى وتدبيره الجاري على وَفْق مشيئته. فالأمر واحدُ الأمور، وجُوِّزَ أن يكونَ واحدَ الأوامر، ويرادُ منه الأمرُ التكوينيُّ عند مَنْ لا يقول بإدراك النجوم، والمعنى: إنها مسخَّراتٌ (٤) لما خُلقتْ له بقدرته تعالى وإيجاده، قيل: وحيثُ لم يكنْ عَودُ منافع النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من الجديدين والنَّيِّين لم يُنْسَبْ تسخيرُها إليهم بأداة الاختصاص، بل ذُكر على وجهٍ يُفيد أنها تحتَ ملكوته عزَّ وجلَّ من غير دلالةٍ على شيءٍ آخر، ولذلك عَدَلَ عن الجملة الفعلية الدالّة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار. (١) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٦)، وابن ماجه (٣٧٨١) من حديث بريدة ضـ (٢) أخرجه أحمد (١١٠٦٦)، والبخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري . (٣) الكواكب البابانيات هي التي لا ينزل بها شمس ولا قمر إنما يُهتدى بها في البر والبحر، وهي شامية، ومهبُّ الشمال منها ... لسان العرب (بين). (٤) في (م): مسخرة. الآية : ١٢ ٤٩ سُوَّةُ الْحَكَ وقرأ ابنُ عامرٍ برفع: ((الشمسُ والقمرُ»(١) أيضاً، فيكونُ المبتدأُ ((الشمس) والبواقي معطوفة عليه، و((مسخراتٌ)) خبرٌ عن الجميع، ولا يتأتّى على هذه القراءة ما قيل في وجهِ عدمٍ نسبة تسخيرِ ذلك إليهم بأداة الاختصاص كما لا يخفى، واعتبار عدم كون ظهور المنافع بمثابة السابق بالنظر إلى المجموع كما ترى. ومن الناس من قال في ذلك: إنَّ المرادَ بتسخير الليل والنهار لهم، نفعُهم بهما من حيثُ إنهما وقتا سعي في المصالح واستراحة، ومن حيث ظهور ما يترتّب عليه منافعهم مما نِيطَ به صلاحُ المكونات التي من جملتها ما فَصَّل وأجمل مثلاً كالشمس والقمر فيهما، ويؤول ذلك بالآخرة إلى النفع بذلك، وهو معنى تسخيره لهم، فيكون تسخيرُ الليل والنهار لهم متضمِّناً لتسخير ذلك لهم، فحيثُ أَفادهُ الكلامُ أولاً استغنى عن التصريح به ثانياً، وصرَّح بما هو أعظمُ شأناً منه، وهو أنَّ تلك الأمور لم تزلْ ولاتزالُ مقهورةً تحت قدرته، منقادةً لإرادته ومشيئته، سواءٌ كنتم أو لم تكونوا. فليُتدبّر. وقرأ الجمهور: (والنجومَ)) و((مسخَّراتٍ)) بالنصب فيهما وكذا فيما تقدم(٢)، وخُرِّج ذلك على أنَّ ((النجوم)) مفعولٌ أولُ لفعلٍ محذوف يُنبئُ عنه الفعل المذكور، و((مسخرات)) مفعولٌ ثانٍ له، أي: وجعل النجومَ مسخَّراتٍ، وجُوِّزَ جَعْلُ ((جَعَلَ)) بمعنى خَلَق المتعدِّي لمفعولٍ واحدٍ، فـ ((مسخراتٍ)) حالٌ، واستظهر أبو حيان كون ((النجوم)) معطوفاً على ما قبله بلا إضمار(٣). و((مسخَّرات)) حينئذٍ قيل: حالٌ من الجميع، على أنَّ التسخيرَ مجازٌ عن النَّفع، أي: نَفَعكم بها حالَ كونها مسخَّراتٍ لما خُلقتْ له مما هو طريقٌ لنفعكم، وإلا فالحملُ على الظاهر دالٌّ على أنَّ التسخيرَ في حال التسخير بأمره، ولا كذلك لتأخّر الأول، وقيل لذلك أيضاً: إنَّ المرادَ مستمرةٌ على التسخير بأمره الإيجادي؛ لأنَّ الإحداث لا يدلُّ على الاستمرار. وجوَّز بعضُ أَجِلَّة المعاصرين أن يكونَ حالاً مؤكّدة بتقدير ((بأمره)) متعلِّقاً بـ ((سخّر) والكلامُ من باب التنازع، وقبوله مفوَّضٌ إليك. (١) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٢/٢. (٢) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٣/٢. (٣) البحر المحيط ٤٧٩/٥. سُورَةُ الْفَلَ ٥٠ الآية : ١٢ وقيل: هو مصدرٌ ميميٍّ كمسرَّح، منصوبٌ على أنه مفعولٌ مطلقٌ لـ ((سخّر)) المذكور أولاً، وسخَّرها مسخَّراتٍ على منوال: ضربتُه ضَرَباتٍ، وجُمع إشارةً إلى اختلاف الأنواع، وفي إفادة تسخير ما ذكر إيذانٌ بالجواب عمَّا عسى يقال: إنَّ المؤثِّرَ في تكوين النبات حركاتُ الكواكب وأوضاعُها، فإنَّ ذلك إن سَلِمَ فلا ريبَ في أنها ممكنةُ الذات والصفات، واقعةٌ على بعض الوجوه المحتملة، فلابدَّ من مُوجِدٍ ضرورةً احتياج الممكن في وجوده إلى مخصص، لئلا يلزمَ من الوقوع على بعض الوجوه مع احتمال غيره ترجيحٌ بلا مرجِّح مختار، لما أنَّ الإيجاب ينافي الترجيحَ واجب الوجود دَفْعاً للدّور أو التسلسل. كذا قاله بعضُ الأجلَّة. واعترضه المولى العماديُّ(١) بأنه مبنيٌّ على حسبان ما ذُكر أدلة [على وجود] الصانع تعالى وقدرته واختياره. وليس الأمر كذلك فإنه مما لا يُنازِعُ فيه الخَضْم ولا يتلعثم في قَبوله، قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَ يُؤْفَّكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقال سبحانه: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدٍ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية [العنكبوت: ٦٣] وإنما ذلك أدلة التوحيد من حيث إنَّ مَنْ هذا شأنه لا يتوهّم أن يشاركه شيءٌ في شيءٍ، فضلاً أن يشاركه الجمادُ في الألوهية. وتُعقّبَ بأنَّ كون ما ذُكر أدلة التوحيد لا يأبى أن يكونَ فيه إيذانٌ بالجواب عمَّا عسى يقال: وأيُّ ضررٍ في أن يُساقَ شيءٌ لأمرٍ، ويؤذِنَ بأمرٍ آخر، ولَعَمري لا أرى لهذا الاعتراض وجهاً بعد قول القائل: في ذلك إيذانٌ بالجواب عمَّا عسى يقال .. إلخ. حيث لم يَبتَّ القول، وأَقحم ((عسى)) في البَين، لكن للقائل كلامٌ يدلُّ دلالةً ظاهرةً على أنه اعتبر الأدلة المذكورةَ أدلةً على وجود الصانع عزَّ شأنه أيضاً، وقد سبقه في ذلك الإمام. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: التسخيرِ المتعلِّق بما ذُكر ﴿لَيَتٍ﴾ باهرةً متكاثرةً على ما يقتضيه المقام ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وحيثُ كانت هذه الآثارُ العُلويَّةُ متعدِّدةً، ودلالةُ ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية أظهرَ جمع الآيات، وُلِّقتْ بمجرَّد العقل من غير تأمُّلٍ وتفكُّر، كأنها لمزيد ظهورها مدرَكٌ ببداهة (١) أي: أبو السعود في تفسيره / ١٠٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه. الآية : ١٣ ٥١ سُؤَةُ الْحَمِ العقل، بخلاف الآثار السُّفْليةِ في ذلك. كذا قالوا، وهو ظاهرٌ على تقدير كون الاستدلال على الوحدانية لا على الوجود أيضاً، وأما إذا كان الاستدلالُ على ذلك ففي دعوى الظهور المذكور بحثٌ لانجرارِ الكلام على ذلك إلى إبطال التسلسل، فكيف تكونُ الدلالةُ ظاهرةً غیر مُخْوِجَةٍ إلی فِكْر. وأجيب عنه بأنَّ الاستدلالَ بالدَّور أو التسلسل إنما هو بعد التفكّر في بَدْءِ أمرها وما نشأ منه من اختلاف أحوالها. فافهم. وجُوِّزَ أن يكونَ المرادُ: لقوم يعقلون ذلك، والمشارُ إليه نهايةُ تعاجيب الدقائق المودَّعة في العلويَّات المدلولِ عليها بالتسخير التي لا يتصدَّى لمعرفتها إلا المهرةُ الذين لهم نهايةُ الإدراك من أساطين علماء الحكمة، وحينئذٍ قَطَعَ الآيةَ بقوله سبحانه هنا: (يَعْقِلُونَ) للإشارة إلى احتياج ذلك إلى التفكّر أكثر من غيره، والأولُ أولى كما لا يخفى. ﴿وَا ذَرَأَ﴾ أي: خلق، ومنه الذُّرِّية على قولٍ، والعطفُ عند بعضٍ على ((النجوم)) رَفْعاً ونَصْباً على أنه مفعولٌ لـ ((جعل))، و((ما)) موصولة، أي: والذي ذرأه ﴿لَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ من حيوانٍ ونباتٍ، وقيل: من المعادن، ولا بأس في التعميم فيما أرى حالَ كونه ﴿مُخْلِفًا أَلْوَنُ﴾ أي: أصنافه كما قال جَمْعٌ من المفسِّرين، وهو مجازٌ معروفٌ في ذلك. قال الراغب(١): الألوانُ يُعبَّرُ بها عن الأجناس والأنواع، يقال: فلانٌ أتى بألوانٍ من الحديث والطعام. وكأنَّ ذلك لما أنَّ اختلافها غالباً يكون باختلاف اللون، وقيل: المراد المعنى الحقيقيُّ، أي: مختلفاً ألوانه من البياض والسواد وغيرهما. والأول أبلغُ، أي: ذلك مسخَّرٌ لله تعالى أو لما خلقَ له من الخواص والأحوال والكيفيات، أو جعلَ ذلك مختلفَ الألوان والأصناف لتتمتَّعوا بأيِّ صنفٍ شئتم منه. وذهب بعضُهم إلى أنَّ الموصولَ معطوفٌ على ((الليل)) وقيل عليه: إنَّ في ذلك شِبْهُ التكرار، بناءً على أنَّ اللام في ((لكم)) للنَّفع، وقد فُسِّر ((سخّر لكم)) لِنَفْعِكم، فمآلُ المعنى: نَفَعَكُم بما خَلَقَ لِنَفْعكم، فالأَولى جَعْلُهُ في محلٌّ نَصْبٍ بفعلٍ (١) المفردات (لون). سُورَةُ التَّحَلَّ ٥٢ الآية : ١٣ محذوف، أي: خلقَ أو أنبتَ كما قاله أبو البقاء، ويجعل ((مختلفاً)) حالاً من مفعوله(١). واعتذر بأنَّ الخلق للإنسان لا يستلزمُ التسخيرَ لزوماً عقليّاً، فإنَّ الغرضَ قد يتخلَّفُ، مع أنَّ الإعادة لطول العهد لا تُنْكَر. ورُدَّ بأنه غفلةٌ عن كون المعنى: نفعكم، وما ذُكر علاوةً مبنيٌّ على كون ((لكم)) متعلقة بـ ((سخّر)) أيضاً، وهي عند ذلك الذاهب متعلِّقةٌ - كما هو الظاهر - بـ ((ذرأ))، وفي ((الحواشي الشهابية)) أنَّ هذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ التكرارَ لما ذكر وللتأكيد أمرٌ سهل، وكونُ المعنى: نفعكم، لا يأباهُ، مع أنَّ هذه الآية سيقتْ كالفذلكة لما قبلها، ولذا خُتمتْ بالتذكُّر(٢). وليس لمن يُميِّزُ بين الشمال واليمين أن يقول: ((ما)) مبتدأٌ و((مختلفاً)) حالٌ من ضميره المحذوف، وجملة قوله تعالى: ﴿إِنّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ خبرُهُ، والرابطُ اسم الإشارة على حَدٍّ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] كأنه قيل: وما ذرأهُ لكم في الأرض إنَّ فيه لآية، وحاصله: إنَّ فيما ذراً لآية، لظهور مخالفة الآية عليه السِّباق والسِّياق، بل عدم لياقته لأَنْ يكون مَحْملاً لكلام الله تعالى الجليل أظهر من أن يُنَّه عليه. و((ألوانه)) على ألوان الاحتمالات مرفوعٌ بـ ((مختلفاً))، وقدَّرَ بعضُهم ليصحَّ رَفْعُهُ به موصوفاً وقال: أي: صِنْفاً مختلفاً ألوانه، وهو مما لا حاجةَ إليه كما لا(٣) يخفى على مَنْ له أدنى تدرُّبٍ في علم النحو، ثم إنَّ المشار إليه ما ذكر من التسخير ونحوه، وقيل: اختلاف الألوان، وتنوين («آية)) للتفخيم أي: آيةٌ فخيمةٌ بيِّنَةُ الدلالة على أنَّ مَنْ هذا شأنهُ واحدٌ لا ينبغي أن يُشبهه شيءٌ في شيءٍ. وخَتْمُ الآية بالتذكُّر إما لما في ((الحواشي الشهابية)) من أنها كالفَذْلكة (١) الإملاء ٤٤٢/٣. (٢) حاشية الشهاب ٥/ ٣١٧. والفذلكة: من فَذْلَكَ حسابه: أنهاه وفرغ منه، مُخْترعةٌ من قوله إذا أجمَلَ حسابَهُ: فذلكَ كذا وكذا. القاموس المحيط (فذلك). (٣) قوله: لا. ليست في (م). الآية : ١٤ ٥٣ سُورَةُ التّحََّ لما قبلها(١)، وإما للإشارة إلى أنَّ الأمرَ ظاهرٌ جدّاً غيرُ محتاج إلا إلى تذكُّر ما عسى يُغْفَلُ عنه من العلوم الضرورية. وقال بعضهم: يذََّّرون أنَّ اختلافَ طبائع ما ذكر وهياته وأشكاله مع اتحاد مادَّته يدلُّ على الفاعل الحكيم المختار. وهو ظاهرٌ في أنَّ ما ذُكر دليلٌ على إثبات وجود الصانع، كما أنه دليلٌ على وحدانيَّته، وهو الذي ذهب إليه الإمام واقتدى به غيره، ولم يرتضهِ شيخُ الإسلام بناءً على أنَّ الخَصْمَ لا يُنازِعُ في الوجود، وإنما يُنازِعُ في الوحدانية، فجيءَ بما هو مُسلَّمٌ عنده من صفات الكمال؛ للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورة من وحدانيته تعالَى واستحالة أن يشاركه شيءٌ في الألوهية (٢). وقال بعضهم: لا مانع من أن يكونَ المرادُ الاستدلال بما ذُكر من الآيات على مجموع الوجود والوحدانية، والخصمُ يُنكر ذلك وإن لم يُنكرِ الوجودَ، وكأنَّ في أَخْذِ الوجود في المطلوب إشارة إلى أنَّ القولَ به مع زَعْم الشِّرْكة في الألوهية مما لا يُعتَدُّ به، وليس بينه وبين عدم القول به كثيرُ نَفْعٍ، فتدبَّر ذاك والله تعالى يتولَّى مُداك. ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ شروعٌ في نوعٍ آخرَ من النِّعَم متعلِّق بالبحر إِثْرَ تفصيل النوع المتعلّق بالبَرُّ، وجعلهُ بعضُهم عَديّلاً لقوله تعالى: (هُوَ اَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَّهُ لَكُ) فلذا جاء على أسلوبه جملة اسمية معرَّفة الجزأين، وما وقع في البَين إما مترتِّبٌ على ذلك الماء المنزَّل، وإما متضمِّنٌ لمصلحة ما يترتَّبُ عليه، والبحر على ما في ((البحر)) يشملُ المِلْحَ والعَذْب(٣). والمعنى: جعل لكم ذلك بحيثُ تتمكَّنون من الانتفاع به بالركوب والغَوص والاصطياد. ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك، والتعبيرُ عنه باللَّحم مع كونه حيواناً للإشارة إلى قِلَّة عظامه وضَعْفها في أغلب ما يُصطاد للأكل بالنسبة إلى الأنعام الممتَنِّ بالأكل منها فيما سبق، وقيل: للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل، و(من)) متعلِّقٌ بـ ((تأكلوا)) أو حالٌ مما بعده، وهي ابتدائية، وجُوِّزَ أن تكونَ تبعيضية (١) حاشية الشهاب ٣١٧/٥. (٢) تفسير أبي السعود ١٠٣/٥. (٣) البحر المحيط ٤٧٩/٥. سُورَةُ الْمَلِكَ ٥٤ الآية : ١٤ والكلام على حَذْفِ مضاف، أي: من حيوانه، وحينئذٍ يجوز أن [يُراد](١) من اللَّحم الطَّيِّ لحم السمك، كما يجوز أن يُراد منه السمك. والطَّريُّ فعيلٌ من طَرُوَ يَظْرُو طَرَاوَةً، مثل سَرُوَ يَسْرُو سَرَاوَةً، وقال الفراء: من طَرِيَ يَظْرَى طَراءً وطراوةً كَشَقِيَ يَشْقَى شَقاءً وشَقاوةً. والطراوة ضد اليبوسة، ووَصفه بذلك للإشعار بلطافته والتنبيه إلى أنه ينبغي المسارَعةُ إلى أَكْله، فإنه لكونه رَظْباً مستعدٌّ للتغيُّر، فيُسرع إليه الفساد والاستحالة، وقد قال الأطباء: إنَّ تناوله بعد ذهاب طراوته من أَضَرِّ الأشياء، ففيه إدماجْ لِحُكْمٍ طِبِّيٍّ، وهذا على ما قيل لا ينافي تقديدَهُ وأَكْلَه محلَّلاً(٢) كما توهّم، وفي جَعْلٌ ((البحر)) مبتدأ أَكْله على أحد الاحتمالين إيذانٌ بالمسارَعة أيضاً. وزعم بعضُهم أنَّ في الوصف إيذاناً أيضاً بكمال قُدْرته تعالى في خَلْقه عَذْباً طَرّاً في ماءٍ مُرِّ لا يُشْرب، وفيه شيءٌ [كما](٣) لا يخفى. ولا يؤكَلُ عندنا من حيوان البحر إلا السمك، ويؤيِّدُه تفسيرُ اللَّحم به المرويُّ عن قتادة وغيره. وعن مالكٍ وجماعةٍ من أهل العلم إطلاقُ جميع ما في البحر، واستثنى بعضُهم الخنزيرَ والكلبَ والإنسانَ، وعن الشافعيّ أنه أطلق ذلك كلَّه، ويوافقه ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن السُّدِّيِّ أنه قال: هو السمك وما في البحر من الدواب(٤). نعم يكره عندنا أَكلُ الّافي منه، وهو الذي يموتُ حَتْفَ أنفه في الماء، فيطفو على وجه الماء؛ لحديث جابرٍ عن النبيِّ وَّهِ: ((ما نَضَبَ الماءُ عنه فكلوا، وما لَفَظَهُ الماءُ فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا))(٥) وهو مذهبُ جماعةٍ من (١) ما بين حاصرتين ليس في (م). (٢) كذا في الأصل و(م): محللاً. وفي حاشية الشهاب ٣١٧/٥ والكلام منه: مخللاً. (٣) ما بين حاصرتين ليس في (م). (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٧٨/٧. (٥) ذكره ابن حجر في الدراية ٢/ ٢١٢، والزيلعي في نصب الراية ٢٠٢/٤. قال ابن حجر: لم أجده هكذا، والذي أخرجه أبو داود [٣٨١٥] من حديث جابر رفعه: ((ما ألقاه البحر أو جزر عنه فکلوه، وما مات فیه وطفا فلا تأكلوه». وقد روي موقوفاً. قال أبو داود: وهو أرجح. وكذا قال الدارقطني. الآية : ١٤ ٥٥ سُورَةُ الفحم ، وميتةُ البحر في خبر: ((هو الطّهور ماؤه، الحلُّ ميتته))(١) ما لَفَظَهُ الصحابة ليكون موتُّهُ مضافاً إليه لا ما مات فيه من غير آفة، وما قُطِعَ بعضُه فماتَ، يَحِلُّ أَكْلُ ما أُبينَ وما بقي؛ لأنَّ موتَهُ بآفةٍ، وما أُبينَ من الحيِّ فهو ميتٌ، وإن كان ميتاً فميته حلال، ولو وُجد في بَظْنِ السَّمكةِ سمكةٌ أخرى تؤكل؛ لأنَّ ضِيقَ المكان سببُ موتها، وكذا إذا قَتَلها طيرُ الماء وغيره، أو ماتتْ في حُبِّ(٢) ماءٍ، وكذا إن جُمع السَّمكُ في حظيرةٍ لا يستطيعُ الخروجَ منه، وهو يقدرُ على أَخْذه بغير صَيدٍ فمات فيها، وإن كان لا يؤخَذُ بغير صيدٍ فلا خيرَ في أكله؛ لأنه لم يظهر لموته سبب، وإذا ماتتِ السَّمكةُ في الشَّبكة وهي لا تقدِرُ على التخلُّص منها، أو أَكلتْ شيئاً ألقاه في الماء لتأكل منه، فماتت منه، وذلك معلومٌ، فلا بأَسَ بأَكلها؛ لأنَّ ذلك في معنى ما انحسَرَ عنه الماء، وفي موت الحَرِّ والبردِ روايتان: إحداهما - وهي مرويةٌ عن محمد -: يؤكلُ؛ لأنه ماتَ بسبب حادثٍ، وكان كما لو ألقاه الماءُ على الييس. والأخرى ورويت عن الإمام أنه لا يؤكل؛ لأنَّ الحَرَّ والبردَ صفتان من صفة الزمان، وليسا من أسباب الموت في الغالب، ولا بأس بأكلِ الجِرِّثِ والمَارْماهي(٣)، واشتهر عن الشيعة حُرْمة أكل الأول فليُراجع. واستدلَّ قتادةُ كما أخرج ابنُ أبي شيبةَ عنه (٤) بالآية على حِنْثِ مَنْ حَلَفَ لا يأكلُ لحماً، فأكل سَمَكاً؛ لما فيها من إطلاق اللَّحم عليه. وروي ذلك عن مالكٍ أيضاً. وأجيب بأنَّ مبنى الأيمان على ما يتفاهمهُ الناسُ في عُرْفهم لا على الحقيقة اللُّغوية، ولا على استعمال القرآن، ولذا لمَّا أفتى الثوريُّ بالحِنْثِ في المسألة المذكورة للآية، وبلغ أبا حنيفةَ عليه الرحمةُ قال للسائل: ارجعْ واسأله عمَّن حلفَ لا يجلس على بساطٍ، فجلسَ على الأرض، هل يحنثُ لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُو (١) أخرجه أحمد (٧٢٣٣)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي ٥٠/١، وابن ماجه (٣٨٦) من حديث أبي هريرة ـ (٢) الحُبُّ: الجرَّة، أو الضخمةُ منها. القاموس المحيط (حبب). (٣) الجِرِّيث: ضَرْبٌ من السمك معروف، ويقال له: الجِرِّيُّ. والمارماهي: نوع من السمك يشبه الحيات. لسان العرب (جرث)، والمعجم الفارسي ص ٥٣٣. (٤) ٤/ ٥٣ نشرة العمروي. سُؤَةُ التَّحَالِ ٥٦ الآية : ١٤ اَلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] فقال له: كأنكَ السائلُ أمس؟ فقال: نعم، فقال: لا يحنثُ في هذا ولا في ذاك، ورجع عمَّا أفتى به أولاً، والظاهرُ أن متمسّك الإمام قد كان العُرْف، وهو الذي ذهب إليه ابنُ الهمام لا ما في ((الهداية)) كما قال من أنَّ القياس الحِنْث، ووجهُ الاستحسان أنَّ التسميةَ القرآنيةَ مجازيةٌ؛ لأنَّ منشاً اللَّحم الدم، ولا دمَ في السمك لسكونه الماءَ، مع انتقاضه بالآلية فإنها تنعقدُ من الدَّم ولاَ يَحْنَثُ بأَكلها(١). واعتُرض بأنه يجوزُ أن يكونَ في المسألة دليلان ليس بينهما تَنَافٍ، وما ذُكر من النقض مدفوعٌ بأنَّ المذكورَ كلُّ لحم ينشأُ من الدَّم، ولا يلزمُ عكسه الكُلِّي. وتعقِّبَ بأنَّ إطلاقَ اللَّحم على السَّمك لغةً، لا شُبهةَ فيه، فينتقضُ الظَردُ والعَكْسُ، فمراد المعترض الردُّ عليه بزيادةٍ في الإلزام. نعم قد يقال: مرادهُ بالمجاز المذكور أنه مجازٌ عرفيٍّ كالدابة إذا أُطلقتْ على الإنسان، فيرجعُ كلامهُ إلى ما قاله الإمام، وحينئذٍ لا غُبار عليه، وما ذكره بيانٌ لوجه الاستعمال العرفيِّ، فلا يردُ عليه شيءٌ، وهو كما ترى، وعلى طِرِز ما قاله الإمامُ يقال فيمنْ حلفَ لا يركبُ دابةً، فركبَ كافراً أنه لا يحنثُ، مع أنَّ الله سبحانه سمَّى الكافرَ دابةً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٥٥]، وفي ((الكشاف)) بيان(٢) لعدم إطلاق اللَّحم على السمك ◌ُرْفاً أنه إذا قال واحدٌ لغلامه: اشترِ بهذه الدراهم لحماً، فجاء بالسمك، كان حقيقاً بالإنكار عليه(٣). أي: وهو دليلٌ على عدم إطلاق اللَّحم عليه في العُرْف، فَحيثُ كانت الأيمان مبنيةٌ على العُرْف لم يَحْنَثْ بأكله. واعتُرض بأنه لو قال لغلامه: اشترِ لحماً فاشترى لحمَ عصفور، كان حقيقاً بالإنكار مع الحنث بأكله. وتُعقِّب بأنَّ الإنكار إنما جاء من نُدْرة اشتراءٍ مثله؛ لأنه غيرُ متعارفٍ، وفيما نحن فيه اشتراءُ السمك ولحمُه متعارَفٌ، فليس محلُّ الإنكار إلا عدم إطلاق اللَّحم عليه. (١) فتح القدير ٤٧/٤. (٢) في الأصل و(م): بياناً، والمثبت هو الصواب. (٣) الكشاف ٢/ ٤٠٤ . الآية : ١٤ ٥٧ سُورَةُ الْحَلَِّ ﴿وَتَسْتَخْرِجُوْ مِنْهُ ◌ِيَةٌ﴾ كاللؤلؤ والمرجان ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ أي: تلبسها نساؤكم، وُجّه(١) ذلك بأنه أُسند إلى الرجال لاختلاطهم بالنساء وكونهم متبوعين، أو لأنهم سببٌ لتزَيُّنُهنَّ، فإنهنَّ يتزيَّنَّ ليحسُنَّ في أَعينِ الرجال، فكان ذلك زينتهم ولباسهم. قال ابن المنير: والله تعالى دَرُّ مالكٍ رَّهِ حيثُ جعل للزوج الحَجْر على زوجته فيما له بالٌ من مالها، وذلك مقدَّرٌ بالزائد على الثلث لحقُّه فيه بالتجمُّل، فانظر إلى مَكَنة حَظّ الرجال من مال النساء ومن زينتهنَّ، حتى جُعل كحظً المرأة من مالها وزينتها، فعبَّر عن حَِّه في لبسها بلبسه كما يُعبّر عن حَظّها سواء، مؤيَّداً بالحديث المرويِّ في الباب(٢). ويُفهم منه جواز اعتبار المجاز في الطرف، وصرَّح بذلك بعضُهم وفسَّر (تلبسون)) بتتمتَّعون وتتلذَّذون، ويجوز أن يكونَ المجازُ في النقص وما أُظهر في التفسير مرادٌ في النَّظم. وقيل: الكلامُ على التغليب أو من باب: بنو فلان قتلوا زيداً، ففيه إسنادُ ما للبعض إلى الكُلِّ. وتُعقِّبَ بأنه وجهٌ لكلا الوجهين، أما الأولُ فلعدم التلبُّس بالمسنَد وهو اللبس، وأما الثاني فلأنه لا يتمُّ بدون المجاز في الطَّرف، فلا وجهَ للعدول عن اعتباره على النحو السابق إلى هذا. وقال بعضُهم: لا حاجةَ إلى كلِّ ذلك، فإنه لا مانعَ من تزيُّن الرجال باللؤلؤ. وتُعقّب بأنه بعد تسليم أنه لا مانعَ منه شرعاً مخالفٌ للعادة المستمرَّة، فيأباه لفظُ المضارع الدالُّ على خلافه، ولا يصحُّ ما يقال: إنَّ في البحر زمرُّداً بحريّاً، ويفَرْض الصِّحَّة يجيءُ هذا أيضاً، ولعله لما أنَّ النساءَ مأموراتٌ بالحجاب وإخفاء الزينة عن غير المحارم أخفى التصريحَ بنسبة اللّبس إليهنَّ ليكون اللَّفظ كالمعنى. واستدلَّ أبو يوسف ومحمد عليهما الرحمة بالآية على أنَّ اللؤلؤ يُسمَّى حَلْياً، حتى لو حلفَ لا يلبسُ حلْياً فلبسهُ حَنثَ. وأبو حنيفة ◌َظُه يقول: لا يحنثُ؛ لأنَّ (١) في (م): وجهة. (٢) الإنصاف ٤٠٤/٢. سُؤَةُ الْحَ ٥٨ الآية : ١٤ اللؤلؤَ وحدهُ لا يسمَّى حَلْياً في العُرْف، وبائعه لا يقال له بائع الحُليّ، كذا في ((أحكام الجصاص))(١). واستدلَّ بعضُهم بالآية على أنه لا زكاةَ في حَلْي النساء، فأخرج ابنُ جريرٍ عن أبي جعفر أنه سُئل هل في حَلْي النساء صدقة؟ قال: لا، هي كما قال الله تعالى: (ِيَةً تَلْبَسُونَهَا)(٢). وهو كما ترى، ثم إنَّ اللَّحم الطَّريَّ يخرجُ من البحر العَذْب والبحر المِلْح، والحلية إنما تخرجُ من المِلْحِ، وقيل: إنَّ العَذْب يخرجُ منه لؤلؤٌ أيضاً إلا أنه لا يُلبَسُ إلا قليلاً، والكثيرُ للتداوي به، ولم نرَ مَنْ ذكرَ ذلك في أكثر الكتب المصنَّفة لذكر مثل ذلك. وأخرج البزارُ عن أبي هريرةَ قال: كلَّم الله تعالى البحرَ الغربيَّ وكلَّم البحر الشرقيَّ، فقال للبحر الغربي: إني حاملٌ فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانعٌ بهم؟ قال: أُغرقهم. قال: بأسُكَ في نواحيك، وحَرَمَهُ الحِليةَ والصيدَ، وكلَّم هذا البحرَ الشرقي فقال: إني حاملٌ فيك عباداً من عبادي، فما أنتَ صانعٌ بهم؟ قال: أَحملهم على يدي، وأكونُ لهم كالوالدة لولدها، فأثابه سبحانه الحِليةَ والصيد(٣). وأخرج نحو ذلك ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأحبار (٤)، والله تعالى أعلم بصحة ذلك، وظاهرُ كلام الأكثرين حَمْلُ ((البحر)» في الآية على البحر المِلْح وهو مملوءٌ من السمك، بل قيل: إنَّ السمكَ يُطلقُ على كلِّ ما فيه من الحيوانات، ولا يكون اللؤلؤ إلا في مواضعَ مخصوصةٍ منه. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ جواري فيه، جَمْع: ماخِرة؛ بمعنى جارية، وأصل المَخْرِ الشَّق، يقال: مَخَرَ الماءُ الأرضَ إذا شَقَّها، وسُمِّيتِ السُّفن بذلك لأنها تَشُقُّ الماءَ بمَقْدمِها، وقال الفراء: هو صوتُ جَري الفلك بالرياح(٥). (١) ١٨٤/٣. (٢) تفسير الطبري ٤ /١٨٦ . (٣) البزار (١٦٦٩) كشف الأستار. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٢/٥: رواه البزار وجادةً، وفيه: عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العُمري وهو متروك. (٤) كما في الدر المنثور ٤/ ١١٣ . (٥) معاني القرآن ٩٨/٢. الآية : ١٥ ٥٩ سُورَةُ الْحَلِ ﴿وَلِتَبْتَغُواْ﴾ عَظْفٌ على ((تستخرجوا)) وما عُطف عليه وما بينهما اعتراضٌ لتمهيد مبادئ الابتغاء ودفع كونه باستخراج الحلية، وعدلَ عن نمط الخطاب السابق واللاحق - أعني: خطابَ الجمع إلى خطابِ المفرد - المراد به كلُّ مَنْ يصلح للخطاب؛ إيذاناً بأنَّ ذاك غير مسوقٍ مساقهما، وأجاز ابنُ الأنباريِّ(١) أن يكون معطوفاً على عِلَّةٍ محذوفةٍ أي: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، وأن يكون متعلِّقاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: فَعَلَ ذلك لتبتغوا، وهو تكلُّفٌ يغني الله تعالى عنه. ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ من سعة رزقه بركوبها للتجارة ﴿وَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تقومون بحقِّ نِعَم الله تعالى بالطاعة والتوحيد، ولعلَّ تخصيصَ هذه النعمة بالتعقيب بالشكر؛ لأنها أقوى في باب الإنعام من حيثُ إنه جعلَ ركوبَ البحر - مع كونه مَظِنَّة الهلاك؛ لأنَّ راكبيه كما قال عمر ظُله: دودٌ على عود - سبباً للانتفاع وحصول المعاش، وهو من كمال النعمة لقطع المسافة الطويلة في زمن قصير مع عدم الاحتياج إلى الحِلِّ والتّرحال والحركة، مع الاستراحة والسُّكون، وما أحسن ما قيل في ذلك: وإنَّا لفي الدنيا كركب سفينةٍ نُظَنُّ وقوفاً والزمانُ بنا يسري(٢) وعدمُ توسيط الفوز بالمطلوب بين الابتغاء والشكر قيل: للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما معاً. واستُدلَّ بالآية على جواز ركوب البحر للتجارة بلا كراهة، وإليه ذهب جماعة، وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يكرهُ ركوبَ البحر إلا لثلاثٍ غازٍ أو حاجٌ أو معتمر(٣). ﴿وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسَِ﴾ أي: جبالاً ثوابت، وقد مرَّ تمامُ الكلام في ذلك (٤). (١) كما نقل عنه صاحب البحر ٤٨٠/٥. (٢) البيت للتهامي، وهو في الكشكول ٨/١. وفيه: يجري، بدل: يسري. (٣) مصنف عبد الرزاق (٩٦٢٨). (٤) في سورة الرعد، الآية (٣)، ينظر ٢٣/١٣. سُوَّةُ الْحَلِ ٦٠ الآية : ١٥ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: كراهةَ أن تميد، أو لئلا تميد، والمَيْد: اضطرابُ الشيء العظيم، ووجهُ كون الإلقاء مانعاً عن اضطراب الأرض بأنها كسفينةٍ على وجه الماء، والسفينةُ إذا لم يكن فيها أَجرامٌ ثقيلةٌ تضطربُ وتميلُ من جانبٍ إلى جانبٍ بأدنى شيءٍ، وإذا وُضعتْ فيها أجرامٌ ثقيلةٌ تستقرُّ، فكذا الأرضُ لو لم يكنْ عليها هذه الجبالُ لاضطربت، فالجبالُ بالنسبة إليها كالأجرام الثقيلة الموضوعة في السفينة بالنسبة إليها . وتعقَّبه الإمام بوجوه(١): الأول على مذهب الحكماء القائلين بأنَّ حركةً الأجسام أو سكونَها لطبائعها: أنَّ الأرضَ أثقلُ من الماء، فيلزمُ أن تغوصَ فيه، لا أن تطفوَ أو ترسى بالجبال، وهذا بخلاف السفينة فإنها متَّخذةٌ من الخشب وبين أجزائه هواءٌ يمنعه من السكون، ويُفضي به إلى المَيْد لولا الثقيل. والثاني: على مذهب أهل الحقِّ القائلينَ بأنه ليس للأجسام طبائع تقتضي السكون أو الحركة، فما سَكَنَ ساكنٌ وما تحرَّكَ متحرٌِّ في بَرِّ وبحرٍ إلَّا بمحضٍ قُدْرة الله تعالى وحده. والثاني: أنَّ إرساءَ الأرض بالجبال لئلا تميدَ وتبقى واقفة على وجه الماء، إنما يُعقَلُ إذا كان الماءُ الذي استقرَّت على وجهه ساكناً، وحينئذٍ يقال: إن قيل: إنَّ سببَ سكونه في حَيِّزه المخصوص طبيعتُهُ المخصوصةُ، فَلِمَ لا يقال في سكون الأرض في هذا الحيِّز إنه بسبب طبيعتها المخصوصة أيضاً، وإن قلنا: إنه بمَحْضٍ قدرته سبحانه، فَلِمَ لمْ يقل: إنَّ سكونَ الأرض أيضاً كذلك، فلا يُعقَلُ الإرساءُ بالجبال على التقديرين. والثالث: أنه يجوز أن تميدَ الأرضُ بكلِّيَّتها، ولا تظهر حركتُها ولا يشعر بها أهلها، ويكون ذلك نظير حركة السفينة من غير شعور راكبها بها، ولا يأبى ذلك الشعور بحركتها عند احتقان البخار فيها؛ لأنَّ ذلك يكونُ في قطعة صغيرة منها، وهو يجري مجرى الاختلاج الذي يحصلُ في عضوٍ معيَّنٍ من البدن، ثم قال: والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يُقال: ثبتَ بالدلائل اليقينية أنَّ الأرضَ كرةٌ، وثبتَ أنَّ هذه الجبالَ على سطح الكرة جاريةٌ مجرى خشوناتٍ تحصلُ على (١) في (م): لوجوه.