Indexed OCR Text
Pages 21-40
الآية : ٤ ٢١ سُورَةُ النَّحَلِ ببدنه على وجود الصانع الحكيم، وعَجُزُها إشارة إلى الاستدلال بأحواله، وتقريرُ الأول أنْ يقال: إن النطفةَ إما أن تكون متشابهةَ الأجزاء أو مختلفتَها، فإن كان الأولُ لم يَجُزْ أن يكون المقتضَى لتولَّد هذا البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهرها؛ لأنَّ تأثيرَ الطبيعة بالذات والإيجاب، فمتى عَمِلَتْ في مادةٍ متشابهة الأجزاء وجَبَ أن يكون عملها الكُرِيَّة(١)، وحيثُ لم يكن الأمرُ - فيما نحن فيه - كذلك؛ لظهور أنَّ الأبدانَ ليست كُريةً، علمنا أنَّ المقتَضِي لها هو الفاعل الحكيم المختار، وإن كان الثاني قُلنا: إنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كلُّ واحدٍ منها في نفسه جسماً بسيطاً، وحينئذٍ لو كان المدبِّر لها قوَّةً طبيعيةً لوَجَب أن يكون كلٌّ من تلك البسائط كُرِيَّ الشكل، فكان يلزم أن يكون الإنسان على شكل كُرَاتٍ مضمومةٍ بعضها إلى بعض، وحيث لم يكن كذلك(٢)، علمنا أن المقتضي هو الفاعل المختار أيضاً جلَّ شأنه. وأيضاً: إنَّ النطفةَ رطبةٌ سريعةُ الاستحالة فلا تَحفَظ الوضع، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في السُّفْل، والجزءُ الذي هو مادة القلب يمكن حصوله في الفوق؛ فحيث كان الإنسان على هذا الترتيب المعيّن دائماً مع إمكان غيره، علمنا أن حدوثه على ذلك الترتيب ليس إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم. ولا يصحُّ أن يقال: إن ذلك من تأثير النجوم والأوضاع الفلكية؛ لأنَّ تأثيراتِها متشابهةٌ، على أنه قد بُيِّن بطلانُ كونها مؤثرةً بغير ذلك في موضعه. وتقرير الثاني: أن النفوسَ الإنسانية في أوَّل الفِطرة أقلُّ فهماً وذكاءً وفطنةً من نفوس سائر الحيوانات؛ فإنَّ فرخَ الدجاجة حينَ خروجهِ من قِشر البيضة يُميِّز بين العدوِّ والصديق، فيهرب من الهرة ويلتجئُّ إلى الأمُّ، ويُميِّز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه، وأما ولد الإنسان فإنه حين انفصاله من بطن أمه لا يميِّز بين العدوِّ والصديق، ولا بين الضارِّ والنافع، ثم إنه - بعدَ كِبَرهِ - يقوَى عقلُه ويعظمُ فهمُه، ويصير بحيث يقوى على معرفة الله تعالى، وعلى معرفة أصناف المخلوقات العلوية والسفلية والاطلاع على كثير من أحوالها الدقيقة، وعلى الخصومات والمباحثات؛ (١) الكُرِيَّة - بضم الكاف وكسر الراء المخففة -: نسبة إلى الكُرَة. المصباح المنير (كري). (٢) في (م): لذلك. سُورَةُ الْفَحَِّ ٢٢ الآية : ٤ فانتقال نفسه من تلك البلادة المُفْرِطة إلى هذه الكَيَاسة المفرطة لابُدَّ وأنْ يكونَ بتدبير إلهٍ مختارٍ حكيم، ينقلها من نقصانها إلى كمالها ومن جهالَتها إلى معرفتها بحسب الحكمة والاختيار(١). والثاني - قيلَ -: أنسبُ بمقام تعداد هنات الكفرة، فإنه قد اشتمل من بيان جراءةٍ مَن كَفَر على الله تعالى، وعدم استحيائِه منه سبحانَه، ووقاحتِه بتماديه في الكفر، وذكر بعضُهم أنه يؤيِّد هذا الوجهَ قولُه تعالى في سورة (يس)) - بعد ما ذَكَر مثْلَه -: ﴿قَالَ مَن يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]؛ فإنه نَصٌّ فيما ذُكِر، فيكون صَدرُ الآية للاستدلال، وعَجُزُها لتقرير الوقاحة. وتُعُقِّب بأنه ليس بشيءٍ؛ لأنَّ مَدَارَ ما قبلها - في تلك السورة - على ذِكْر الحشر والنشر ومكابرتهم فيه، بخلافِ هذه، ولكلِّ مقام مقالٌ، وأما كون الآية مَسُوقة لتقرير وقاحة الإنسان؛ لانتفاء التنافي بينَ الاستدلال على الوحدانية والقدرة وتقرير وقاحة المنكِرين، ولذا جعل التَّتْميم لما قبله: (تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ)؛ فَعَدَمُ المنافي لا يقتضي وجودَ المناسِب، وعندي لكلٍّ وِجهةٌ. وفي (الكشف)) المعنَيان ملائمان للمقام، إلا أنَّ في الثاني زيادة ملائمة مع قوله: (تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، ثم إنه أَدْمَج فيه المعنى الأول. وروَى الواحديُّ أنَّ أُبَيَّ بن خلف أتى النبيَّ ◌َّ بعظم رميم وقال: يا محمد، أَتَرى أنَّ اللهَ تعالى يُحيي هذا بعد ما قَدْ رَمَّ؟ فنزلَتْ نظيرَ ماً في آخر (يس))(٢). والمشهورُ أنَّ تلك هي النازلةُ في تلك القصة. ثَّ وجهُ التعقيبِ، و((إذا)) الفجائية في قوله سبحانه: (فَإِذَا هُوَ) إلى آخره، مع أنَّ كونَه خصيماً مبيناً - بأيِّ معنَى أُريدَ - لم يَعْقُبْ خَلْقَه من نطفةٍ، إذْ بينَهما وسائطُ = أنه بيانٌ لأطوارِه إلى كمالٍ عقله، فالتعقيبُ باعتبار آخرها؛ فلا وَجْهَ لتقدير الوسائط، ولا للقول بأنَّه من باب التعبير عن حال الشيء بما يَؤُول إليه، فافهم. (١) إلى هنا انتهى نقله عن الفخر الرازي في تفسيره ٢٢٤/١٩-٢٢٦. (٢) أسباب النزول ص ٢٨٤ . الآية : ٥ ٢٣ سُورَةُ التّحَلَِّ ﴿وَالْأَنْعَمَ﴾ وهي الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز، قال الراغبُ: ولا يُقال: أنعام إلا إذا كان فيها إبل(١) . وخصّها بعضُهم هنا بذلك، وليس بشيءٍ. والنصبُ على المفعولية لفعلٍ مضمَرٍ، يفسِّره قولُه تعالى: ﴿خَلَقَهَا﴾، وهو أرجحُ من الرفع في مثل هذا الموضع؛ لتقدُّم الفعلية، وقُرِيَ به في الشواةِ(٢)، أو على العطف على الإنسان، وما بعدُ بيانُ ما خُلِقَ لأجله، والذي بعده تفصيلٌ لذلك. وقولُه سبحانه: ﴿لَكُمْ﴾ إما متعلِّق بـ ((خَلَقَها))، وقولُه تعالى: ﴿فِيهَا﴾ خبرٌ مقدَّم، وقولُه جلَّ وعلا: ﴿رِفْءٌ﴾ مبتدأٌ مؤخّر، والجملةُ حالٌ من المفعول. أو: الجارُّ والمجرورُ الأولُ خبرٌ للمبتدأ المذكور، والثاني متعلُّقٌ بما فيه من معنى الاستقرار. وقيل: حال من الضمير المستكِنِّ فيه العائدِ على المبتدأ. وقيل: حال من ((دفء)) إذ لو تأخّر لكان صفةً. وجوَّز أبو البقاء أنْ يكونَ الثاني هو الخبرَ، والأولُ في موضع الحال من مبتدئه(٣). وتَعقَّبه أبو حيان بأن هذا لا يجوز؛ لأنَّ الحال - إذا كان العاملُ فيها معنّى - لا يجوز تقديمُها على الجملة بأسرها، فلا يجوزُ: قائماً في الدار زيدٌ. فإنْ تأخَّرت الحالُ عن الجملة جازتْ بلا خلاف، وإن توسَّطت فالأخفَشُ على الجواز، والجمهور على المنع(٤). وجوَّز أبو البقاء أيضاً أنْ يرتفعَ ((دفءٌ)) بـ ((لكم)) أو بـ ((فيها))، والجملة كلُّها حالٌ من الضمير المنصوب(٥). وتعقّبه أبو حيان أيضاً بأن ذلك لا يُعَدُّ من قبيل الجملة بل هو من قبيل المفرد، (١) المفردات (نعم). (٢) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٣٩/٣، والبحر ٤٧٥/٥، والدر المصون ٧/ ١٩١. (٣) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٣٩/٣. (٤) البحر ٤٧٤/٥ . (٥) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٣٩/٣. سُورَةُ الْحَلِ ٢٤ الآية : ٥ ونَقَل أنهم جوَّزوا أن يكون (لكم)) متعلقاً بـ ((خَلَقَها))، وجملةُ ((فيها دفء)) استئنافٌ لذكْرِ منافع الأنعام، واستَظْهَرَ كونَ جملة: ((لكم فيها دفء)) مستأنَفةً، ثم قال: ويؤيِّد الاستئنافَ فيها الاستئنافُ في مقابلتها، أعني قولَه تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ)؛ فقابلَ سبحانه المنفعةَ الضروريةَ بالمنفعة الغيرِ الضرورية(١). وإلى نحو ذلك ذهب القطبُ فاختار أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند ((خَلَقَها))؛ لهذا العطف . وخالفه في ذلك صاحبُ ((الكشف))؛ فقال: إنَّ قولَه تعالى: (خَلَقَهَأُ لَكُمْ) - بناءً على تفسير الزمخشريِّ له بقوله: ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان(٢) _ طرفٌ من ترشيح المعنى الثاني في قوله سبحانه: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ قُبِينٌ)؛ لِمَا في الالتفات المشار إليه من الدلالة عليه. وأما الحصرُ المشارُ إليه بقوله: ما خلقها إلا لكم، فمن اللام المفيدة للاختصاص، سِيَّما وقد نَوَّع الخطابَ بما يفيد زيادةَ التمييز والاختصاص، وهذا أولى مِن جَعْل ((لكم فيها دفء)) مقابِلَ ((لكم فيها جمال))؛ لإفادته المعنى الثاني وأبلغُ، على أنَّه يكون («فيها دفء)) تفصيلاً للأوَّل. وكرّر ((لكم)) في الثاني؛ لُبُعْد العهد وزيادة التقريع. اهـ. والحقُّ في دعوى أولويَّةِ تعلُّقِ ((لكم)) بما قبله مَعَهُ، كما لا يخفى. والدِّفُ: اسم لما يُدَقَّأ به، أي: يُسَخَّنُ، وتقول العربُ: دَفِئَ يومُنا فهو دَفيٌ إذا حصلت فيه سُخُونَةٌ، ودَفِئَ الرجلُ دَفاءً ودِفاءً بالفتح والكسر، ورجلٌ دفانُ وامرأة دَفْأَى، ويُجمَعِ الدِّفُ على أَدْفَاء. والمراد به ما يَعُمُّ اللباسَ والبيتَ الذي يُتَّخَذ من أوبارها وأصوافها . وفسَّرِه ابن عباس - فيما أخرجه عنه ابن جرير وغيرُهُ - بالثياب(٣). (١) البحر ٤٧٤/٥ . (٢) الكشاف ٢/ ٤٠١ . (٣) تفسير الطبري ١٦٦/١٤، وزاد نسبته في الدر المنثور ١١٠/٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. الآية : ٥ ٢٥ سُورَةُ الْحَ وأخرج عبد الرزاق وغيرُه عنه رقِّ أيضاً أنه نَسْلُ كلِّ دابَّةٍ (١). ونَقَلَه الأُمَويُّ عن لغة بعض العرب(٢). والظاهرُ هو الأوَّل. وقرأ الزُّهريُّ وأبو جعفر: ((دِفِّ))(٣) بضمِّ الفاء وتشديدها(٤) وتنوينها، ووَجَّهَ ذلك في ((البحر)) بأنه نَقل الحركة من الهمزة إلى الفاء وحُذِفَتْ، ثمَّ شدَّد الفاء إجراءً للوَصْل(٥) مجرى الوقف؛ إذ يجوز تشديدُها في الوقف(٦). وقرأ زيد بن عليٍّ ﴾: ((دِفٌ)) بنقل الحركة والحذف دون تشديد (٧). وفي ((اللوامح)): قرأ الزهريُّ: ((ِفٌ)) بضمِّ الفاء من غير همزة وهي محركة بحركتها(٨)، ومنهم مَن يعوِّض عن هذه الهمزة فيشدِّد الفاء، وهو أحد وَجهَيْ حمزةَ بن حبيب وقفاً (٩). واعتُرِضَ بأنَّ التشديدَ وَقْفاً لغةٌ مستقلّةٌ وإنْ لم يكن ثمةً حذفٌ من الكلمة الموقوفِ عليها، ودُفِع بأنه إنما يكون ذلك إذا وُقِفَ على آخر حرفٍ منها، أما إذا وُقف على ما قبل الآخر منها - كقاضٍ - فلا. ﴿وَمَنَفِعُ﴾ هي دَرُّها وركوبها والحراثة بها والنضح عليها، وغيرُ ذلك، وإنَّما عَبَّر عنها بها؛ ليشمل الكُلَّ مع أنه الأنسبُ بمقام الامتنان بالنِّعَم. وقدَّم الدِّفءَ؛ رعايةً لأسلوب الثَّرَقِّ إلى الأعلى. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾﴾ أي: تأكلون ما يُؤْكَل منها من اللحوم والشحوم ونحو ذلك، (١) تفسير عبد الرزاق ٣٥٣/١، وتفسير الطبري ١٦٧/١٤، وزاد نسبته في الدر المنثور ١١٠/٤ إلى: الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم. (٢) كما في المحرر الوجيز ٣٧٩/٣. (٣) المحرر الوجيز ٣٧٩/٣، والبحر ٥/ ٤٧٥ . (٤) في (م): وشدّها. (٥) في (م): للوصول. (٦) البحر ٤٧٥/٥. (٧) البحر ٤٧٥/٥، والدر المصون ١٩٢/٧، وذكرها ابن جنِّي في المحتسب ٧/٢ ونسبها للزهري. (٨) وقراءته في المحتسب ٢/ ٧ كما مرَّ معنا آنفاً. (٩) وهو وقف هشام أيضاً، التيسير ص ٣٦، وتحبير التيسير ص ٦٠، وإتحاف فضلاء البشر ص ٣٤٩. سُورَةُ النَّحََّ ٢٦ الآية : ٦ فـ : ((من)) تبعيضيَّة. والأكل إما على معناه المتبادَرِ، وإما بمعنى التناول الشامل للشرب، فيدخلُ في العَدِّ الألبانُ، وجُوِّزَ أنْ تكون ((مِن)) ابتدائيةً، وأنْ تكون للتبعيض مجازاً، أو سببيةً؛ أي: تأكلون ما يحصل بسببها، فإنَّ الحبوب والثمارَ المأكولةَ تُكتَسَب باكتراء الإبل - مثلاً - وأثمانِ نِتاجِها وألبانِها وجلودِها، والأولُ أظهرُ. وأُدْخِل ما يحصل من اكترائها - من الإجارة التي يُتَوَصَّل بها إلى مصالح كثيرةٍ - في المنافع. وتغييرُ النَّظم الجليل، قيل: للإيماء إلى أنَّها لا تبقى عندَ الأكل كما في السابق واللاحق، فإنَّ الدفءَ والمنافعَ التي أشرنا إليها والجمالَ يحصُّل منها وهي باقيةٌ على حالها، ولذلك جُعِلت محالًا لها؛ بخلاف الأكل. وتقديم الظرف للحصر، على معنى أنَّ الأكل منها هو المعتادُ المعتَمَدُ في المعاش (١) بين سائر الحيوانات، فلا يَرِدُ الأكلُ من الدجاج والبَطّ وصيد البَرِّ والبحر؛ فإنه من قَبيل التفكُّه، وكذا لا يَرِدُ أكلُ لحم الخيل عند مَن أباحَهُ؛ لأنه ليس من المعتاد المعتَمَد أيضاً. والحاصلُ أنَّ الحصرَ إضافيٌّ، وبذلك لا يَرِدُ أيضاً أكلُ الخبز والبقول ونحوها . ويُضَمُّ إلى هذا الوجه في التقديم رعايةُ الفواصل، وجَعْلُه لمجرَّد ذلك كما في (الكشف)) قصورٌ، وأبو حيان يُنكِرُ كونَ التقديم مطلقاً للحصر(٢)؛ فينحصرُ وجهُه حينئذٍ هنا(٣) في الرعاية المذكورة. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ مع ما ذُكِرَ من المنافع الضرورية ﴿جَمَالُ﴾ زينةٌ في أعين الناس وعظَمةٌ ووجَاهةٌ عندهم، والمشهورُ إطلاقُه على الحُسْن الكثير، ويكون في الصورة بحُسْن التركيب وتناسُق الأعضاء وتناسبها، وفي الأخلاق باشتمالها على الصفات المحمودة، وفي الأفعال بكونها(٤) ملائمةً للمصلحة من دَرْءِ المضرَّة وجَلب المنفعة، وهو في الأصلِ مصدرُ: جَمُل، بضمٌّ الميم، ويقال للرجل: جَميل وجمَال (١) بعدها في (م): من. (٢) البحر ١٦/١ و٤٧٥/٥ . (٣) في (م): هنا حينئذٍ. (٤) في الأصل: بكون. الآية : ٦ ٢٧ سُوَدَّةُ الْفَحَِّ وجُمَّال على التكثير، وللمرأة جَميلة وجَمْلَاءُ - عند الكسائيِّ - وأنشَدَ: بَذَّت الخَلْقَ جَميعاً بالجَمَالِ (١) فَهْيَ جَمْلَاءُ كَبَدْرٍ طالعٍ ورَأَى بعضُهم إطلاقَه على التَجَمُّل؛ فظَنَّ أنه مصدرٌ بإسقاط الزوائد. ﴿مِينَ تُرِيِحُونَ﴾ أي: تَرُدُّونَها بالعَشيِّ من المرعى إلى مَرَاحها، يقال: أراح الماشية إذا رَدَّها إلى المراح وقتئذٍ . ﴿وَحِينَ تَتْرَحُونَ ﴾﴾ تُخرجونها غدوةً من حظائرها ومبيتها إلى مسارحها ومراعيها، يقال: سَرَّحَها يُسَرِّحُها سَرْحاً وسُرُوحاً، وسَرَحت هي، يتعدَّى ولا يتعدَّى، والفعلُ الأولُ - وكذا الثاني - مُتَعَدٍّ، والمفعولُ محذوفٌ؛ لرعاية الفواصل. وتَعْبِينُ الوقتَين؛ لأنَّ ما يدُور عليه أمرُ الجمالِ - من تَزْيين الأفْنية وتجاوُب ثُغَائِها ورُغَائها - إنَّما هو عندَ الذهاب والمجيءِ فِي ذَينك الوقتَين، وأما عندَ كونها في المسارح فتنقطع إضافتُها الحِسِّية إلى أربابِها، وعندَ كونها في الحظائر لا يراها راءٍ ولا ينظر إليها ناظرٌ. وتقديمُ الإراحة على السَّرْح مع أنها متأخِّرةٌ في الوجود عنه؛ لكونها أظهرَ منه في استتباع ما ذُكر من الجمال، وأتمَّ في استجلاب الأُنْس والبَهْجة؛ إذْ فيها حضورٌ بعدَ غَيبةٍ، وإقبالٌ بعدَ إدبار، على أحسن ما يكونُ مَلْأَى البطون حافلةَ الضروعِ. وقرأَ عكرمةُ والضحَّاك والجَحْدريُّ: ((حِيْناً)) فيهما بالتنوين وفَكِّ الإضافة(٢)، على أن كلتا الجملتَين صفةٌ لـ: ((حيناً)) قبلَها، والعائدُ محذوفٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨] أي: حيناً تُريحون فيه، وحيناً تسرحون فيه. والعامل في ((حين)) إمَّا المبتدأ؛ لأنه بمعنى التَّجَمُّل كما قيلَ، وإما خَبَره؛ لِمَا فيه من معنى الاستقرار. وجُوِّزَ أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ وَقَع صفةً لـ ((جمال)). (١) البيت في الصِّحاح واللسان وتاج العروس (جمل)، وتفسير القرطبي ٢٧٣/١٢، وشرح المفصل لابن يعيش ١٥/١، والبحر ٤٧٥/٥، والدر المصون ١٩٣/٧ ولم ينسبوه لأحد. وقوله: بذَّت: سبقت وغلبت. اللسان (بذذ)، ووقع في الأصل: بَّت. بالزاي (٢) القراءات الشاذة ص ٧٢، والمحرر الوجيز ٣٧٩/٣، والبحر ٤٧٦/٥. سُوَّةُ الََِّ ٢٨ الآية : ٧ ﴿وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ﴾ أي: أحمالكم الثقيلة، جمعُ ثِقْل، وقيلَ: أجسامكم، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]، حيث فُسِّرت الأثقال فيه بأجسام بني آدم. ﴿إِلَ بَلَدٍ﴾ رُوي عن ابن عباس أنه اليمن والشام ومصر. وكأنه نظر إلى أنها مَتَاجِرُ أهل مكةَ كما يُؤْذِنُ به ما في ((تفسير (١) الخازن)) عنه ◌َُّه من أنه قال: يُرِيدُ من مكة إلى اليمن وإلى الشام(٢). وفي رواية أخرى عنه وعن الربيع بن أنس وعكرمة: أنه مكة. وكأنهم نَظَروا إلى أن أثقالَهم وأحمالَهم عندَ القُفُول مِن متاجرهم أكثَرُ، وحاجتهم إلى الحمولة آمَسُّ. والظاهر: أنه عامٌّ لكلِّ بَلَدٍ سَحيقٍ، وإلى ذلك ذهب أبو حيان(٣)، وجَعَل ما وَرَد من الثَّعِين - كالمذكور، وكالذي نَقَله عن بعضهم من أنها مدينة الرسول وَلِّ ـ محمولاً على التمثيل لا على أنَّ المرادَ ذلك المعيَّنُ دونَ غيره. ﴿لَ تَكُونُواْ بَشِفِيهِ﴾ واصِلِينَ إليه بأنْفُسِكم مُجَرَّدِين عن الأثقال(٤) - فَضْلاً عن أن تحمِلوا على ظهوركم أثقالَكم - لو لم تكن الأنعامُ ولم تُخْلَق. ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِِّ﴾ أي: مشَقَّتها وتَعَبها، وقيلَ: المعنى: لم تكونوا بالِغِيه بها إلا بما ذُكِر، وحَذَف ((بها))؛ لأنَّ المسافرَ لا بُدَّلَهُ من الأثقال، والمراد التنبيهُ على بُعْد البلد، وأنه مع الاستعانة بها بحمل الأثقال لا تصلون إليه إلا بالمشقّة. ولا يَخفى أن الأولَ أبلَغُ. وقَرَأ مجاهد والأعرج وأبو جعفر وعَمرو بن مَيمون(٥) وابن أرقم: ((بِشَقِّ)) بفتح (١) بعدها في الأصل: ابن. (٢) تفسير الخازن ٤/ ٨٠. (٣) البحر ٤٧٦/٥ . (٤) في (م): الأقفال. (٥) في (م) والأصل: معين، والمثبت من المحتسب ٧/٢، والمحرر الوجيز ٣٨٠/٣، والبحر ٥/ ٤٧٦ وعنه نقل المصنف. الآية : ٧ ٢٩ سُورَةُ الْحَمِ الشين(١)، ورُوي ذلك عن نافع وأبي عمرو (٢)، وكِلَا ذلك لغةٌ، والمعنى ما تقدَّم. وقيل: الشَّقُّ - بالفتح - المصدرُ، وبالكسر الاسمُ يعني المَشَقَّةَ، وعلى الكسر بهذا المعنى جاء قولُه: وَذِيْ إِبِل يَسْعَى وَيَحْسَبُهَا لَهُ أَخِيْ نَصَبٍ مِنْ شِقِّهَا وَدُؤُوبٍ (٣) فإنه أرادَ: مِن مَشَقَّتِها . وعن الفرَّاء(٤): أنَّ المفتوحَ مَصدَرٌ من شَقَّ الأمرُ عليه شَقًّا، وحقيقته راجعة إلى الشَّقِّ الذي هو الصَّدْعُ، والمكسورَ النِّصفُ، يقال: أَخذتُ شِقَّ الشاة؛ أي: نصفَها، وجاء: ((اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقٌّ تَمرةٍ))(٥). والمعنى: إلَّا بذهاب نِصْف الأنفُس، كأنَّ الأنفُسَ تذوبُ تعباً ونَصَباً لِمَا ينالُها من المشقّة، كما يُقال: لا تقدِرُ على كذا إلا بذهاب جُلِّ نفسك أو قِطعة من كبدك. وهو من المجاز. وجوَّزَ بعضُهم أن يكون على تقدير مضافٍ؛ أي: إلَّا بشقِّ قوى الأنفُسِ. والاستثناء مفرَّغ؛ أي: لم تكونوا ((بالغيه)) بشيءٍ من الأشياء ((إلَّا بشِقِّ الأنفس». وجعلَ أبو البقاء الجارَّ والمجرورَ في موضع الحال من الضمير المرفوع في (بالغيه))؛ أي: مشقوقاً عليكم(٦). (١) القراءات الشاذة ص ٧٢، والمحتسب ٧/٢، والبحر ٤٧٦/٥، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٠٢/٢. (٢) وهي غير المشهورة عنهما، القراءات الشاذة ص ٧٢، وجامع البيان ٢/ ٢٤٠، والبحر ٤٧٦/٥، والمحرر الوجيز ٣٨٠/٣، وإتحاف فضلاء البشر ص ٣٤٩. (٣) البيت للنَّمِر بن تَوْلَب كما في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٥٦/١، والكامل للمبرد ٤٧٩/١، واللسان وتاج العروس (شقق) ونسبه أبو طاهر التجيبي في شرح المختار من شعر بشار ص١٣٤ لحاتم الطائي. ونُسِبَ في شرح القصائد السبع الجاهليات ص ١٣٨ إلى أبي حازم العُكلي. (٤) كما في معاني القرآن له ٢ / ٩٧ . (٥) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٨٢٧٢)، والبخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦) عن عدي بن حاتم الطائي به مرفوعاً. (٦) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣/ ٤٤٠ . سُورَةُ الْمَلِ ٣٠ الآية : ٧ وضميرُ ((تحمل)) للأنعام؛ إلَّا أنَّ الحملَ المذكورَ باعتبار بعض أنواعها وهي الإبلُ، ومثلُه كثيرٌ، ومن هنا يظهرُ ضعفُ استدلالِ بعضِهم بهذا الإسنادِ على أنَّ المرادَ بالأنعام - فيما مَرَّ - الإبلُ فقط. وتغيير النظم الكريم السابق - الدَّالٌ على كون الأنعام مداراً للنِّعم - إلى الفعلية المفيدة للحدوث؛ قيل: لعلَّه للإشعار بأنَّ هذه النعمةَ ليست في العموم - بحسب المنشأ وبحسب المتعلّق وفي الشمول للأوقات والاطّراد في الأحيانِ المعهودة - بمثابة النِّعَم السالفة؛ فإنَّها بحسب المنشأ خاصَّةٌ - كما سمعت - بالإبل، وبحسب المتعلّق بالمتقلِّبين في الأرض للتجارة وغيرها في أحايين غير مطردة، وأمَّا سائرُ النِّعَم المعدودة فموجودةٌ في جميع الأصناف، وعامَّةٌ لكافة المخاطَبين دائماً وفي عامة الأوقات(١). اهـ. واحتَجَّ - كما قال الإمام - منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية؛ لأنَّها تدُلُّ على أنَّ الإنسانَ لا يمكنه الانتقالُ من بلدٍ إلى بلدٍ (٢) إلا بشِقِّ الأنفس وحملِ الأثقال على الجِمال. ومثبتُو الكرامات يقولون: إن الأولياء قد ينتقلون من بلدٍ إلى آخر بعيدٍ في زمان قليلٍ من غير تَعبٍ وتحمُّلِ مشقةٍ، فكان ذلك على خلاف الآية؛ فيكون باطلاً، وإذا بطلَتْ في هذه الصورة بطلتْ في الجميع إذْ لا قائلَ بالفرق. وأجاب: بأنَّا نُخَصِّصُ عمومَ الآية بالأدلة الدَّالَّة على وقوع الكرامات. اهـ. ولعلَّ القائلين بعدَم ثُبُوت طَيِّ المسافةِ للأولياء يستندون إلى هذه الآية، لكنَّ هؤلاء لا يَنْفُون الكرامات مطلقاً؛ فلا يصِحُّ قولُه: إذ لا قائل بالفرق. ومَنْ أنصَفَ عَلِمَ أنَّ الاستدلال بها على هذا المَظْلَب ممَّا لا يكاد يُلْتَفَتُ إليه؛ بناءً على أنها مَسُوقةٌ للامتنان، ويكفي فيه وجود هذا في أكثر الأحايين لأكثر الناس، فافهم ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ ولذلك أسبغَ عليكم النِّعَم الجليلةَ، ويَسَّر لكم الأمورَ الشاقَّةَ العسيرة. (١) تفسير أبي السعود ٥/ ٩٧-٩٨. (٢) في (م): آخر، والمثبت من الأصل ومن تفسير الرازي ٢٢٩/١٩ والكلام منه. الآية : ٨ ٣١ سُورَةُ القَّحََّ ﴿وَالْخَيَّلَ﴾ هو كما قال غيرُ واحدٍ: اسمُ جنسٍ للفرس، لا واحدَ له من لفظه، كالإبل، وذكر الراغبُ أنه في الأصل يُطْلَقُ على الأفراس والفُرسان(١). وهو عَطْفٌ على ((الأنعام)) أي: وخَلَقَ الخيلَ. ﴿وَآلیِغَالَ﴾ جمع: بغلٍ معروف ﴿وَالْحَمِيرَ﴾ جمعُ: حمارٍ كذلك، ويُجمع في القِلَّة على أَحْمِرة، وفي الكثرة على حُمُر، وهو القياس، وقرأ ابنُ أبي عبلة برفع ((الخيلُ)) وما عُطِفَ عليه(٢) ﴿لِّكَبُوهَا﴾ تعليلٌ لخلق المذكورات، والكلامُ في تعليل أفعال الله تعالى مبسوط في الكلام. ﴿وَزِينَ﴾﴾ عَطْفٌ علی محلٌ («لتركبوها)» فهو مثله مفعول لأجله، وتجريده عن اللام دونه؛ لأنَّ الزينة فعلُ الزائن، وهو الخالقُ تعالى، ففاعلُ الفعلين المعلَّل والمعلَّل به واحدٌ، بخلاف فاعل الركوب وفاعل المعلَّل به، فشَرْطُ النصب الذي اشترطه مَنِ اشترطه موجودٌ في المعطوف دون المعطوف عليه. قاله غير واحد. وذكر بعضُ المدقِّقين أنَّ في عدم مجيئهما(٣) على سَنٍ واحدٍ دلالة على أنَّ المقصودَ الأصليَّ الأولُ، فجيءَ بالحرف الموضوع(٤) لذلك، وسِيقَ الخطابُ وأُعيدَ الضميرُ للثلاثة في ((لتركبوها)) وجيءَ بالثاني تتميماً ودلالةً على أنه لما كان من مقاصدهم عُدَّ في مَعْرِض الامتنان، وإلا فليس التزيُّنُ بالعَرَضِ الزائل مما يقصده أهلُ الله تعالى، وهم أهلُ الخطاب بالقَصْد الأول. واعتُرض ما تقدَّم بأنه وإن ثبتَ اتِّحادُ الفاعل، لكن لم تتمَّ به شروطُ صحَّة النَّصب؛ لفقد شرطٍ آخرَ منها، وهو المقارنةُ في الوجود، فإنَّ الخَلْقَ متقدِّمٌ على الزينة. وأجيب بأنَّ ذلك على إرادة إرادة الزينة كما قيل في: ضربتُ زيداً تأديباً. أنَّ التأدیبَ بتأويل إرادته. (١) المفردات في غريب القرآن (خيل). (٢) المحرر الوجيز ٣/ ٣٨٠، والبحر المحيط ٤٧٦/٥. (٣) في (م): مجيئها. (٤) في (م): بالحروف الموضوعة. الآية : ٨ ٣٢ سُورَةُ الْحَلِ وجوَّز أبو البقاء كون ((زينة)) مصدراً لفعلٍ محذوف، أي: ولتزيَّنوا بها زينة(١). وقال ابن عطيةً: إنه مفعولٌ به لفعلٍ محذوف، أي: وجَعَلها زينة(٢). وروى قتادة عن ابن عباس أنه قرأ: ((لتركبوها زينة)) بغير واو (٣)، قال صاحب ((اللوامح)): إنَّ (زينةً)) حينئذٍ نُصِبَ على الحال من الضمير في ((خَلَقها)) أو من الضمير في (تركبوها)). ولم يُعيّن الضميرُ، وعيَّنَهُ ابنُ عطية فقال: هو المنصوب(٤). وقال غيرُ واحدٍ: تجوزُ الحاليةُ من كلٍّ من الضميرين، أي: لتركبوها متزيِّنينَ أو متزيَّناً بها . وقال الزمخشريُّ بعد حكاية القراءة: أي: خَلَقها زينةً لتركبوها(٥). ومراده - على ما قيل - أنَّ الزينةَ إما ثاني مفعولَي ((خَلَقَ)) على إجرائه مجرى ((جعل))، أو هو حالٌ عن المفعولات الثلاثة على الجمع، وجُوِّز كونه مفعولاً له ((لتركبوها)» وهو بمعنى التزيُّن. فلا يَرِدُ عليه اختلافُ فاعل الفعلين. قيل: وأما لزومُ تخصيص الركوب المطلوب بكونه لأجل الزينة، وكون الحكمة في خَلْقها ذلك، وكونٍ ذلك هو المقصود الأصليّ لنا، فلا ضَير فيه؛ لأنَّ التجمُّل بالملابس والمراكب لا مانعَ منه شرعاً، وهو لا ينافي أن يكونَ لخَلْقها حِكمٌ أهمُّ كالجهاد عليها وسَفَر الطاعات، وإنما خُصَّ؛ لمناسبته لمقام الامتنان، مع أنّ الزينةَ - على ما قال الراغب - ما لا يشينُ في الدنيا ولا في الآخرة، وأما ما يَزِينُ في حالةٍ دون أخرى فهو من وجهٍ شَينٌ(٦). اهـ. فتأمَّلْ ولا تغفلْ. واستُدلَّ بالآية على حُرْمة أكل لحوم المذكورات؛ لأنَّ السَّوقَ في معرِض الاستدلال بخَلْق هذه النّعَم - مِنَّةً على هذا النوع - دلالةٌ على التوحيد وسوء صنيع مَنْ يقابلها بالإشراك، والحكيمُ لا يَمُنُّ بأدنى النِّعمتين تاركاً أعلاهما، كيف وقد ذُكر أماماً. (١) الإملاء ٤٤٠/٣. (٢) المحرر الوجيز ٣٨٠/٣. (٣) البحر المحيط ٤٧٦/٥، ونسبها ابن جني في المحتسب ٨/٢، والنحاس في إعراب القرآن ٣٩٢/٢، وابن عطية في المحرر ٣/ ٣٨٠ لأبي عياض. (٤) المحرر الوجيز ٣/ ٣٨٠. (٥) الكشاف ٤٠٢/٢ . (٦) المفردات في غريب القرآن (زين). الآية : ٨ ٣٣ سُوَّةُ الْحَلَّ وروى ابنُ جرير وغيره القولَ بكراهة أَكْلٍ لحوم الخيل لهذه الآية عن ابن ( عباس وروي عن أبي حنيفةً - عليه الرحمة - أنه قال: رََخَّص بعضُ العلماء في لحم الخيل، فأما أنا فلا يُعجبني أكله، وفي روايةٍ أخرى أنه قال: أكرهه. والأُولى تلوِّحُ إلى قوله بكراهة التنزيه، والثانية تدلُّ على التحريم؛ بناءً على ما روي عن أبي يوسف أنه سأله: إذا قلتَ في شيءٍ: أكرهه، فما رأيكَ فيه؟ فقال: التحريم، وكأنه لهذا قال صاحب ((الهداية)): الأصحُّ أنَّ كراهةَ أكلِ لحمها تحريميَّةٌ عند الإمام(٢)، وفي ((العمادية) (٣) أنه ظه رجع عن القول بالكراهة قبل موته بثلاثة أيام، وعليه الفتوى. وقال صاحباه والإمامُ الشافعيُّ ﴿ه: لا بأس بأكلٍ لحوم الخيل. وأجاب بعضُ الشافعية عن الاستدلال بالآية بمَنْع كون المذكور أدنى النعمتين بالنسبة إلى الخيل قال: وذلك لأنَّ الآيةَ وردتْ للامتنان عليهم على نحو ما أَلِفِوه، ولا يُنكرُ ذو أَرَبِ أنَّ معظمَ الغرض من الخيل الركوبُ والزينةُ، لا الأكل، بخلاف النَّعَم، وذكْرُ أغلب المنفعتين وتَرْكُ أدناهما ليس بِدْعاً بل هو دأبُ اختصارات القرآن، وذِكْرهُ في الأول إن لم يصرْ حُجَّةٌ لنا في الاكتفاء مع التنبيه على أنه نَزْرٌ في المقابل، فلا يصيرُ حُجَّةً علينا، فظهر أنه لا استدلالَ لا من عبارة الآية ولا من إشارتها . واستدلوا على الحِلِّ بما صحَّ من حديث جابرٍ أنه وَِّ نهى عن لحوم الحُمُر الأهلية والبغال وأَذِنَ عليه الصلاة والسلام في لحم الخيل يوم خيبر(٤)، وفيه دليلٌ عندهم على أنَّ الآيةَ لا تدلُّ على التحريم، لإفادته أنَّ تحريمَ لحوم الحمر الأهلية إنما وقع عامَ خيبر كما هو الثابت عند أكثر المحدِّثين، وهذه السورةُ مكيةٌ، فلو عُلم (١) تفسير الطبري ١٤/ ١٧٣ . (٢) الهداية مع شرحها فتح القدير ٨/ ٦٤. (٣) الفصول العمادية لعبد الرحيم بن أبي بكر المرغيناني الحنفي. كشف الظنون ٢/ ١٢٧٠، وهدية العارفين ١/ ٥٦٠، والفوائد البهية ص ١٥٩. (٤) أخرجه أحمد (١٤٨٤٠) و(١٤٩٠٢)، وأبو داود (٣٧٨٩). وأخرجه - أيضاً - أحمد (١٤٨٩٠)، والبخاري (٤٢١٩)، (٥٥٢٠)، (٥٥٢٤)، ومسلم (١٩٤١) دون ذكر ((البغال)). سُورَةُ الْفَكَ ٣٤ الآية : ٨ التحريمُ مما فيها كان ثابتاً قبله، وبُحِثَ فيه بأنَّ السورةَ وإنْ كانتْ مكية، يجوزُ كونُ هذه الآية مدنية، وفيه أنَّ مثل ذلك يحتاجُ إلى الرواية، ومجرَّدُ الجواز لا يكفي. وعُورض حديثُ جابرٍ بما أخرجه أبو عبيد وأبو داود والنسائيُّ وابن المنذر عن خالد بن الوليد قال: نهى رسول الله وَ﴿ عن أَكْل كلِّ ذي نابٍ من السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير (١). والترجيح كما قال في ((الهداية)) للمحرِّم(٢)، لكن أنت تعلمُ أنَّ هذا الخبرَ يوهي أمرَ الاستدلال بالآية، لما أنَّ خالداً قد أسلم بالمدينة والآيةُ مكية، فلو كان التحريمُ معلوماً منها لما كان للنهي الذي سمعه كثيرُ فائدة، وبالجملة(٣) الاستدلالُ بالآية على حُرْمة لحوم الخيل لا يسلمُ من العِثار، فلا بدَّ من الرجوع في ذلك إلى الأخبار، والحُكم عند تعارضها لا يخفى على ذوي الاستبصار، والذي أميل إليه الحِلُّ، والله تعالى أعلم. ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: ويخلُق غيرَ ذلك الذي فصَّله سبحانه لكم، والتعبير عنه بما ذكر؛ لأنَّ مجموعه غيرُ معلوم، ولا يكاد يكونُ معلوماً، فالكلام إجمالاً لما عدا الحيوانات المحتاج إليها (٤) غالباً احتياجاً ضرورياً أو غير ضروري، والعدولُ إلى صيغة الاستقبال؛ للدلالة على الاستمرار والتجدُّد، أو لاستحضار الصورة، ويجوز أن يكونَ إخباراً منه تعالى بأنَّ له سبحانه ما لا عِلْمَ لنا به من الخلائق، فـ ((ما لا تعلمون)) على ظاهره، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ مما خلقَ الله تعالى لأَرضاً [من] لؤلؤةٍ بيضاءً، مسيرةً ألفِ عام، عليها جبلٌ من ياقوتةٍ حمراء، مُحدقٌ بها في تلك الأرض ملكٌ قد ملأَ شَرْقَها وغَرْبها، له ستُّ مئة ألف رأسٍ، في كلِّ رأسٍ ستُّ مئة وجهٍ، في كلِّ وجهٍ ستُّ مئة ألف وستونَ ألف فم، في كلِّ فم ستُّونَ ألفَ لسان، يُثني على الله تعالى ويقدِّسه ويُهلِّله ويُكبِّره، بكلٍّ لسانٍ ستُّ مَئة ألفٍ وستينَ ألفَ مرَّة، فإذا كان يومُ (١) أبو عبيد وابن المنذر كما في الدر المنثور ١١١/٤، وأبو داود (٣٧٩٠)، والنسائي في المجتبى ٢٠٢/٧، وفي الكبرى (٤٨٢٥) و(٦٦٠٦)، وهو عند أحمد (١٦٨١٦) و(١٦٨١٧) و(١٦٨١٨). (٢) الهداية ٨/ ٦٤. (٣) في (م): والجملة. (٤) ليس في (م). الآية : ٨ ٣٥ سُورَةُ الْحَمِ القيامة نظر إلى عظمة الله تعالى فيقول: وعزَّتك ما عبدتُك حقَّ عبادتك، فذلك قوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ))(١) . وفي رواية أخرى عنه أنَّ عن يمين العرش نهراً من نورٍ مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع، يدخلُ فيه جبريلُ عليه السلام كلَّ سَحَرٍ، فيغتسلُ فيزدادُ جمالاً إلى جماله، وعِظَماً إلى عِظَمه، ثم ينتفضُ فيخلقُ الله تعالى من كلِّ قَظْرةٍ تقعُ من ريشه كذا وكذا ألفَ ملكِ، فيدخلُ منهم كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ البيتَ المعمور، وسبعونَ ألفَ ملكِ الكعبةَ، لا يعودونَ إلى يومَ القيامة(٢). وروي هذا أيضاً عن الضحاك ومقاتل وعطاء. ومما لا نعلمه أرضُ السِّمسمة التي ذكر عنها الشيخُ الأكبر قُدِّسَ سِرُّهُ ما ذكر(٣)، وجابَرْسا وجابَلْقا(٤) حسبما ذكر غيرُ واحد، وإن زعمت ذلك من الخرافات كالذي ذكره عصريُّنا - رئيسُ الطائفة الذين سمَّوا أنفسَهم بالكشفيَّة(٥)، ودعاهم أعداؤهم من الإمامية بالكفشية - في غالب كتبه مما تضحكُ منه - لَعَمْرُ أبيك - التَّكْلى، ويتمنَّى العالم عند سماعه - لمزيد حيائه من الجهلة - نزولَهُ إلى الأرض السُّفلى. فاقنعْ بما جاء في الآثار، ولا يثنينَّك عنه شُبَهُ الفلاسفة إذا صحَّ سندهُ، فإنها كسرابٍ بقِيعة، والذي أَظنُّهُ أنه ليس أحدٌ من الكفار - فضلاً عن المؤمنين - يشكُّ في أنَّ لله تعالى خَلْقاً لا نعلمهم، ليحتاج إلى إيراد الشواهد على ذلك. (١) ابن مردويه كما في الدر المنثور ١١٢/٤. وفيه: في كل وجه ستون ألف فم. وما بين حاصرتين منه، ومخايل الوضع عليه ظاهرة. (٢) ذكره الرازي في تفسيره ٢٣١/١٩ . (٣) ذكرها في بداية الباب الثامن من الفتوحات ١٢٦/١ فصل في معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام. (٤) ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ٢/ ٩١ أن جابرس مدينة بأقصى المشرق وأهلها من ولد ثمود، وجابلق مدينة بأقصى المغرب وأهلها من ولد عاد. وقد جاء في الأصل و(م): جابرصا. (٥) نسبة إلى الكشف والإلهام، وكان يدَّعيهما أحمد بن زين الدين الأحسائي المتوفى سنة (١٢٤١ هـ) وتبعه أتباع ربما قيل لهم: الشيخية أيضاً نسبة إلى الشيخ أحمد - المذكور آنفاً - ولهم شطحات وزندقات. هدية العارفين ١٨٥/١، والأعلام ١٢٩/١. الآية : ٩ ٣٦ سُورَةُ الَََّّ ويجوز أن يكونَ المرادُ بهذا الخلقِ الخلق في الجنة، أي: ويخلقُ في الجنة غيرَ ما ذكرٍ من النِّعَم الدنيوية ما لا تعلمون، أي: ما ليس من شأنكم أن تعلموه، وهو ما أ أُشيرَ إليه بقوله ◌َّله حكاية عن الله تعالى: ((أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشر))(١). ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القَصْدُ مصدرٌ بمعنى الفاعل، يقال: سبيلٌ قَصْدٌ وقاصدٌ، أي: مستقيمٌ، كأنه يَقصِدُ الوجهَ الذي يؤمُّه السالكُ ولا يَعدِل عنه، فهو نحو: نهرٌ جارٍ، وطريقٌ سائر. و((على)) للوجوب مجازاً، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: متحِّمٌ عليه تعالى متعيِّنٌ كالأمر الواجب لِسَبْق الوعد بيانُ - وقيل: هدايةُ - الطريق المستقيم الموصل لمن سَلَكَهُ إلى الحقِّ الذي هو التوحيدُ بِنَصْبِ الأدلَّةِ وإرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه، أو هو مصدرٌ بمعنى الإقامة والتعديل. و((على)) على حالها المارِّ إلَّا أنه لا حاجةَ إلى تقدير المضاف، أي: عليه سبحانه تقويمُ السبيل وتعديلُها، أي: جَعْلها بحيثُ يصلُ سالكُها إلى الحقِّ على حدٍّ: صَغَّرَ البعوضةَ وكَبَّر الفيل. وحقيقتُه راجعةٌ إلى ما ذُكر من نَصْب الأدلة وإرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب. وجوِّز أن يكونَ القَصْدُ بمعنى القاصد، أي: المستقيم كما في التفسير الأول، و ((على)) ليست للوجوب واللزوم، والمعنى أنَّ قَصْدَ السبيل(٢) ومستقيمه موصلٌ إليه تعالى ومارٌّ عليه سبحانه، وفيه تشبيهُ ما يدلُّ على الله عزَّ وجلَّ بطريقٍ مستقيم شأنه ذلك، وقد ذكر نحوَ هذا ابنُ عطيةً(٣)، وهو كما ترى. و((أل)) في ((السبيل)) للجنس عند كثيرٍ فهو شاملٌ للمستقيم وغيره، وإضافةٌ القَصْد بمعنى المستقيم إليه من إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، وإضافةُ الصفة إلى الموصوف خلافُ الظاهر على ما قيل، وقيل: ((أل)) للعهد، والمراد: سبيلُ الشرع. (١) أخرجه أحمد (٨١٤٣)، والبخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤) من حديث أبي هريرة . (٢) في (م): للسبيل. (٣) في تفسيره ٣٨١/٣. الآية : ٩ ٣٧ سُؤَةُ الْفَحَمِ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾ أي: عادلٌ عن المحجَّة، منحرفٌ عن الحقِّ، لا يوصِلُ سالكَهُ إليه، ظاهرٌ في إرادة الجنس، إذ البعضيَّةُ إنما تتأَتَّى على ذلك، فإنَّ الجائرَ على إرادة العهد ليسَ من ذلك، بل قسيمه، ومَنْ أراده أعادَ الضميرَ على المطلق الذي في ضمن ذلك المقيَّد، أو على المذكور بتقدير مضافٍ، أي: ومن جنسها جائرٌ، وقال ابن عطية: يحتمل أن يعود على سبيل الشرع، والمراد بهذا البعض فِرَقُ الضَّلالة من أمة محمد بَّه وهو جائرٌ عن قَصْد السبيل(١). وزعم بعضُهم أنَّ الضميرَ يعودُ على الخلائق، أي: ومن الخلائق جائرٌ عن الحقِّ، وأُيِّدَ بقراءة عيسى - ورويت عن ابن مسعود -: ((ومنكم))(٢) وأخرجها ابنُ الأنباريِّ في ((المصاحف))(٣) عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، لكن بالفاء بدل الواو، وليس بذاك. والتأنيثُ؛ لأنَّ السبيلَ تؤنَّتُ وتُذَكَّرُ، والجارُّ والمجرورُ قيل خَبِرٌ مقدَّمٌ، و((جائرٌ)) مبتدأٌ مؤخّرٌ، وقيل: هو في محلِّ رَفْع بالابتداء، إما باعتبار مضمونه، وإما بتقدير الموصوف، أي: بعضُ السبيل، أو بعضٌ من السبيل جائرٌ. والجملةُ - على ما اختاره بعضُ المحققين - اعتراضيةٌ جِيءَ بها لبيان الحاجة إلى البيان أو التعديل بنَصْب الأدلة والإرسال والإنزال ـ الأمور المذكورة سابقاً - وإظهار جلالة قَدْر النِّعمة في ذلك، وذلك هو الهدايةُ المفسَّرةُ بالدلالة على ما يُوصِلُ إلى المطلوب، لا الهدايةُ المستلزمةُ للاهتداء إليه، فإنَّ ذلك لیس على الله سبحانه أصلاً، بل هو مُخِلٌّ بحكمته كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَدِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ فإنَّ معناه: ولو شاء هدايتكم إلى ما ذكر من التوحيد هدايةً مستلزمةً للاهتداء إليه لَفَعَل، ولكنْ لم يشأ؛ لأنَّ مشيئتهُ تابعةٌ للحكمة، ولا حكمةً في تلك المشيئة، لما أنَّ الذي يدورُ عليه فَلَكُ التكليف إنما هو الاختيارُ الذي عليه تُرتَّبُ الأعمال التي بها يرتبط الجزاء. (١) المحرر الوجيز ٣٨١/٣. (٢) قراءة عيسى ذكرها صاحب البحر المحيط ٥/ ٤٧٧، وقراءة ابن مسعود أخرجها عبد الرزاق في تفسيره ٣٥٤/٢، والطبري ١٧٩/١٤، وقراءة علي ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧٢، والنحاس في معاني القرآن ٥٨/٤. (٣) كما في الدر المنثور ٤/ ١١٢. سُوَّةُ الْحَالِ ٣٨ الآية : ٩ وقيد ((أجمعين)) للمنفيّ لا للنفي، فيكون المرادُ سَلْبَ العموم لا عمومَ السلب. وذكر بعضُهم أنه كان الظاهرُ أن يقال: وعلى الله قَصْدُ السبيل وجائرُها، أو: وعليه جائرُها. إلا أنه عُدِلَ عنه إلى ما فِي النَّظْم الكريم؛ لأنَّ الصَّلالَ لا يُضاف إليه تعالى تأدُّباً، فهو كقوله تعالى: ﴿ الَّيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَّهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. وزعم الزمخشريُّ أنَّ المخالفةَ بين أسلوبي الجملتين؛ للإيذان بما يجوزُ إضافته من السبيلين إليه تعالى وما لا يجوز(١). وعنى الإشارةَ إلى ما ذهب إليه إخوانه المعتزلةُ من عدم جواز إضافة الضَّلال إليه سبحانه؛ لأنه غيرُ خالقه، وجعلوا الآيةَ للمخالفة حُجَّةً لهم في هذه المخالفة. وأجاب بعضُ الجماعة بأنَّ المرادَ: على الله تعالى بحَسب الفضل والكَرَم بيانُ الدين الحقِّ والمذهب الصحيح، فأما بيانُ كيفية الإغواء والإضلال، فليس عليه سبحانه. وبحثَ فيه بأنه كما أنَّ بيانَ الهداية وطريقها مُتحتِّمٌ، فكذا ضدّه، ولیس إرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب إلا لذلك. وقال ابن المنير: إنَّ المخالفةَ بين الأسلوبين؛ لأنَّ سياقَ الكلام لإقامة الحُجَّة على الخلق بأنه تعالى بيَّن السبيلَ القاصدَ والجائرَ، وهدى قوماً اختاروا الهدى، وأَضَلَّ آخرينَ اختاروا الضلالة. وقد حقق أنَّ كلَّ فعلٍ صَدَرَ على يد العبد فله اعتباران: فهو من حيثُ كونه موجوداً مخلوقٌ لله تعالى ومضافٌ إليه سبحانه بهذا الاعتبار، وهو من حيثُ كونه مقترناً باختيار العبد له وتيسُّره عليه، يُضاف إلى العبد، وأنَّ تعدُّد هذين الاعتبارين ثابتٌ في كلِّ فعلٍ، فناسَبَ إقامةَ الحُجَّة على العباد إضافةُ الهداية إلى الله تعالى باعتبار خَلْقه لها، وإضافةُ الضلال إلى العبد باعتبار اختياره له. والحاصل أنه ذَكَرَ في كلِّ واحدٍ من الفعلين نسبةً غيرَ النسبة المذكورة في الآخر، ليناسبَ ذلك إقامةَ الحُجَّة، ألا لله الحُجَّة البالغة(٢). وأنكر بعضُ المحقّقينَ أن يكون هناك تغييرُ الأسلوب لأمرٍ مطلوبٍ بناءً على أنَّ (١) الكشاف ٢/ ٤٠٣. (٢) الانتصاف بهامش الكشاف ٢/ ٤٠٣-٤٠٤. الآية : ١٠ ٣٩ سُورَةُ الْحَ ذلك إنما يكونُ فيما اقتضى الظاهر سَبْكاً معيَّناً، ولكن يُعدَلُ عن ذلك لنُكتةٍ أهمّ منه، وليس المرادُ من بيان قَصْد السبيل مجردَ إعلام أنه مستقيمٌ حتى يَصِحَّ إسنادُ أنه جائرٌ إليه تعالى، فيحتاج إلى الاعتذار عن عدم ذلك، على أنه لو أريد ذلك لم يوجدْ لتغيير الأسلوب نكتةٌ، وقد بيَّن ذلك في مواضعَ غير معدودة، بل المراد نَصْبُ الأدلة للهداية إليه، ولا إمكانَ لإسناد مثله إليه تعالى بالنسبة إلى الطريق الجائر بأن يقال: وجائرها، حتى يُصرَفَ ذلك الإسنادُ منه تعالى إلى غيره سبحانه لنكتة، ولا يتوقَّمه متوهّمٌ حتى يقتضي الحالُ دَفْعَ ذلك بأن يقال: لا جائرها، ثم يُغيّر سَبْك النَّظم عنه الداعيةٍ أقوى منه، وذُكِرَ أنَّ الجملةَ اعتراضيةٌ حسبما نقلناه سابقاً، وهو كلامٌ يلوحُ عليه مخايلُ التحقيق، بَيْدَ أنَّ لقائلٍ أن يقول: لم لا يجوزُ أن يُرادَ ببيان السبيل المستقيم وببيان السبيل الجائر نَصْبُ الأدلة الدالة على حَقِّيَّةِ الأول ليُهتدى إليه وبطلانِ الثاني ليُحذَر ولا يعوَّلَ عليه، وهذا غيرُ مجرَّد الإعلام الذي ذكره، ونسبته إليه تعالى ممكنةٌ، بل قال بعضهم: إنَّ الحقَّ أنَّ المعنى: على الله تعالى بيانُ طريق الهداية ليهتدوا إليه، وبيانُ غيرها ليحذروه، لكن اكتُفي بأحدهما؛ للزوم الآخر له. وفي ((الكشف)) أنَّ تغايرَ الأسلوبين على أصل أهل السنة واضحٌ أيضاً، إذ لا منكرَ أنَّ الأولَ هو المقصودُ لذاته، فبيانُ طريق الضَّلالة إجمالاً قَدْرَ ما يمتاز قَصْدُ السبيل منه في ضمن بيان قَصْد السبيل ضرورةٌ، وبيانه التفصيليُّ ليس مما لا بدَّ من وقوعه، ولا أنَّ الوعدَ جرى به على مذهب. اهـ، فليتأمل. ثم إنَّ الآيةَ مناديةٌ على خلاف ما زعمه المعتزلةُ - ومنهم الزجاج (١) - من عدم استلزام تعلَّقِ مشيئته تعالى بشيء وجوده، وقد التجؤوا إلى التزام تفسيرها بالقَسْريَّة. وقال أبو عليٍّ منهم: المعنى: لو شاء لهداكم إلى الثواب أو إلى الجنة بغير استحقاقٍ، وكلُّ ذلك خلافُ الظاهر كما لا يخفى. ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَّاءٌ﴾ شروعٌ في نوعٍ آخرَ من النِّعَم الدالة على توحيده سبحانه، والمراد من الماء نوعٌ منه وهو المطر، ومن السماء إما السحابُ (١) معاني القرآن ٣/ ١٩٢. سُورَةُ النَّحَالِ ٤٠ الآية : ١٠ على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل، وإما الجِرْمُ المعروف، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: من جانب السماء أو جهتها، وحَمْلُها على ذلك بدون هذا يقتضيه ظاهرُ بعض الأخبار، ولا أقول به. و ((من)) على كلِّ تقديرِ ابتدائيةٌ، وهو متعلِّقٌ بما عنده، وتأخيرُ المفعول الصَّريح عنه ليظماً الذِّهنُ إليه، فيتمكَّن أتمَّ تمكُّنٍ عند وروده عليه، وقوله تعالى: ﴿لَّكُمُ﴾ يحتملُ أن يكونَ خبراً مقدَّماً، وقوله سبحانه: ﴿مِّنْهُ﴾ في موضع الحال من قوله عز وجل: ﴿شَرَابٌ﴾ أي: ما تشربون، وهو مبتدأٌ مؤخّرٌ، أو هو فاعلٌ بالظرف الأول، والجملة صفةٌ لـ (ماء))، و((من)) تبعيضيةٌ، وليس في تقديمها إيهامُ حَصْر، ومن توقَّمه قال: لا بأس به؛ لأنَّ جميعَ المياه العذبة المشروبة بحسب الأصل منه، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ، يَكِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقوله سبحانه: ﴿فَأَسْكَنَّهُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]. ويحتمل أن يكون متعلُّقاً بما عنده، و((منه شرابٌ)) مبتدأ وخبر، أو: ((شرابٌ)) فاعلٌ بالظرف والجملة و((من)) كما تقدم. وتُعقِّبَ بأنَّ توسيطَ المنصوب بين المجرورين وتوسيطً الثاني منهما بين الماء وصفته مما لا يليقُ بجزالة النَّظم الجليل، وهو كذلك. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ أي: نباتٌ مطلقاً، سواءٌ كان له ساقٌ أم لا، كما نُقل عن الزجاج(١)، وهو حقيقةٌ في الأول، ومن استعماله في الثاني قولُ الراجز: نعلفها اللَّحمَ إذا عزَّ الشَّجَرْ والخيل في إطعامها اللَّحمَ ضَررْ (٢) فإنه قيل: الشجرُ فيه بمعنى الكَلَأ؛ لأنه الذي يُعلَف، وكذا فسَّره في ((النهاية)) بذلك في قوله وَّرَ: ((لا تأكلوا ثمنَ الشَّجر فإنه سُحْتٌ)(٣) ولعلَّ ذلك؛ لأنه جاء في الحديث النهيُ عن مَنْع فَضْل الماء، كمنع فَضْل الكلا(٤)، وتشاركُ الناس في الماء (١) معاني القرآن له ١٩٢/٣. (٢) البيت للنمر بن تولب، وهو في رسائل الجاحظ ٣٢٩/٢، والشعر والشعراء ٣٠٩/١، والوافي بالوفيات ١٦٩/٢٧ . (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٤٥٠١) من قول عكرمة. (٤) أخرج أحمد (٧٣٢٤)، والبخاري (٢٣٥٣) و(٢٣٥٤) و(٦٩٦٢)، ومسلم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة أن رسول الله وَّ قال: ((لا يُمنع فَضْلُ الماء ليُمنع به الكلا)).