Indexed OCR Text

Pages 521-540

الآية : ٦٥
٥٢١
سُوَةُ الجِجْر
ونقل ابن هشام وقوعها مفعولاً به عن الفارسي، وخرَّج عليه قولَه تعالى: ﴿اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾(١) [الأنعام: ١٢٤] وذكر أنَّها قد تُخفَصُ بـ ((مِن)) وبغيرها،
وأنَّها لا تقعُ اسماً لـ ((إنَّ) خلافاً لابن مالك(٢)، وزعم الزجَّاج أنَّها اسم موصول،
ومما ذکرنا یظهر حال التصرُّف فيها .
واعترض ما ذكره المجيبُ بأنَّه وإنْ دفع(٣) به إشكال التعدِّي لكنَّه غيرُ صحيحٍ؛
لأنَّهم قد صرَّحوا بأنَّ الجملَ المضاف إليها لا يعودُ منها ضميرٌ إلى المضاف، قال
نجمُ الأئمة: اعلَمْ أنَّ الظرفَ المضافَ إلى الجملةِ لمَّا كان ظرفاً للمصدر الذي
تضمَّنته الجملةُ لم يَجُز أنْ يعودَ من الجملة ضميرٌ إليه، فلا يقال: يومَ قَدمَ زيدٌ فیه،
لأنَّ الربط الذي يُطَلبْ حصولُه حَصَل بإضافة الظرف إلى الجملة وجعله ظرفاً
لمضمونها، فیکون كأنك قلت: یومَ قدوم زید فيه (٤). اهـ.
و((حيث)) على ما ذكروا تلزمُ في الغالب الإضافة إلى الجملة، وكونُها فعليةً
أكثرُ، وإضافتها إلى مفرد قليلةٌ نحو:
بِبِيْضِ المواضِيْ حيثُ ليّ العمائمِ (٥)
و: حيث سُهِيلٍ طالعاً (٦).
ولا يقاسُ على ذلك عند غير الكسائي، وأقلُّ من ذلك عدمُ إضافتها لفظاً بأنْ
تُضاف إلى محذوفة معوَّضاً عنها ((ما)) كقوله:
(١) المغني ص ١٧٦ - ١٧٧ .
(٢) المغني ص ١٧٧ .
(٣) في (م): رفع.
(٤) حاشية الشهاب ٥/ ٣٠٣.
(٥) شرح المفصل ٩٢/٤، والمغني ص ١٧٧، وشرح أبيات المغني للبغدادي ٣/ ١٤٠، وخزانة
الأدب ٥٥٣/٦، وفي صدره اختلاف، قيل: ونطعنهم حيث الكلى بعد ضَرْبهم، ينظر خزانة
الأدب، وفي الأصل و(م): بيض، بدل ببيض، والمثبت من المصادر.
(٦) الرجز في المغني ص ١٧٨، وخزانة الأدب شاهد (٥٠١). والدرر اللوامع ١٢٤/٣،
وتمامه :
أما ترى حيث سهيل طالعاً نجماً يضيء كالشهاب ساطعا

سُوَةَ الِجم
٥٢٢
الآية : ٦٦
إذا رَيْدَةٌ من حيثُ ما نَفَحَت له (١)
أي: مِن حيثُ هبّتْ.
وهي هنا مضافةٌ للجملة بعدها فكيف يُقدّر الضمير في (( ... تؤمَرُون)) عائداً
عليها، وقد نصَّ بعضُهم على أنَّ ((حيث)) لا يصحُّ عودُ الضمير عليها، والذي في
((البحر)): أنَّها ظرفُ مكان مبهم تعدَّى إليها ((امضُوا)) بنفسه، كما تقول: قعدْتُ
حيثُ قعَدَ زيدٌ(٢)، والظاهرُ أنَّ تعلُّق الفعل بها كما قال المجيب ليس تعلُّق الظرفيَّة،
فلعلَّ ذلك مبنيٌّ على تضمين فعلٍ صالحٍ لأنْ يتعلَّقَ به الظرفُ المذكور، كالحلول
والتوُن وغيرهما .
ونُقِل عن بعضهم القولُ بأَنَّ (حيث)) هنا ظرفُ زمانٍ، أي: امضُوا حين أُمرتُم،
والمرادُ بهذا الأمر ما سبق من قوله تعالى: ((فأسر بأهلك بقطع من الليل)).
ورُدَّ بأنَّ الظاهر على هذا أُمرتُم دون ((تؤمرون)) مع أنَّ فيه استعمال ((حيث)) في
أقلِّ معنبيها وروداً من غير موجِبٍ.
وظاهرُ كلام بعض الأَجلَّة أنَّ المضارع مُستعمَلٌ في مقام الماضي على المعنى
الذي أُشيرَ إليه أوَّلاً، وهو يَقتضي تقدُّم أمرٍ بالمضيِّ إلى مكانٍ، فإنْ كان فصيغةُ
المضارع لاستحضار الصورة، وإيثارُ المضيِّ إلى ذلك على ما قيل دون الوصول إليه
واللحوق به للإيذان بأهمية النجاةٍ، ولمراعاةِ المناسبة بينه وبين ما سلف من
الغابرين.
﴿وَقَضَيْنَا﴾ أي: أوحينا ﴿إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ مقضيًّا مثبتاً، فقضَى مضمَّنٌ معنى
(أوحى)) ولذا عُدِّي تعديته، وجعْلُ المضمَّن حالاً كما أشرنا إليه أحدُ الوجهَين
المشهورين في التضمين، و((ذلك)) مبهمٌ يُفسِّرُه ﴿أَتَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوٌ﴾ على أنَّه
(١) وعجز البيت:
أتاه بِريَّاها خليلٌ يُواصلُه
ونسبه لأبي حية النميري السيوطيُّ في شرح شواهد المغني ٣٩٠/١، والبغدادي في الخزانة
٥٥٩/٦، والرَّيْدة: ريح لينة الهبوب. اللسان (ريد).
(٢) البحر المحيط ٤٦١/٥ .

الآية : ٦٦
٥٢٣
سُوَةَ الِهِ
بدلٌ منه كما قال الأخفش(١)، وجوَّز أبو البقاء كونَه بدلاً من ((الأمر)) إذا جعل بياناً
لـ («ذلك)) لا بدلاً، وعن الفرَّاء(٢) أنَّ ذاك على إسقاط الباء، أي: بأنَّ دابر ... إلخ،
ولعلَّ المشار إليه بـ ((ذلك الأمر)) عليه الأمر الذي تضمَّنه قوله تعالى: (وَأَمْضُواْ حَيْثُ
تُؤْمَرُونَ) والباء للملابسة، والجارُّ والمجرور في موضع الحال، أي: أوحينا ذلك
الأمرَ المتعلِّق بنجاته ونجاةٍ آله ملابساً لبيان حال قومِهِ المجرمين من قَطْع دابرهم،
وهو حسنٌّ إلا أنَّه لا يخلو عن بُعدٍ.
وقرأ زيدُ بنُ عليٍّ والأعمشُ رحمهم الله تعالى: ((إنَّ) بكسر الهمزة(٣)، وخُرِّج
على الاستئناف البياني، كأنَّه قيل: ما ذلك الأمرُ؟ فقيل في جوابه: إنّ
دابرَ .. . إلخ، أو على البدليَّة بناءً على أنَّ في الوحي معنى القول، قيل: ويُؤيِّدُه
قراءةُ عبد الله: ((وقلنا إنَّ دابرَ))(٤) . .. إلخ، وهي قراءةُ تفسيرٍ لا قرآن؛ لمخالفتها
لسواد المصحف.
والدابر الآخِر، وليس المرادُ قطعَ آخرهم، بل استئصالهم حتى لا يبقَى منهم
أحدٌ.
﴿مُصْبِحِينَ ﴾﴾ أي: داخلين في الصباح، فإنَّ الأفعال يكون للدخول في
الشيء نحو: أَتْهم وأَنْجد، وهو من أَصبح التامَّة، حال من ((هؤلاء)) وجاز بناءً على
أنَّ المضافَ بعضُه، وقد قيل بجواز مجيء الحال من المضاف إليه فيما كان
المضاف كذلك، وليس العاملُ معنى الإضافة، خلافاً لبعضهم، وكونُه اسمَ الإشارة
توقُّمٌ؛ لأنَّ الحال لم يقل أحدٌ إنَّ صاحبها يعملُ فيها، واختار أبو حيَّان كونه حالاً
من الضمير المستكن في ((مقطوعٌ)) الراجع إلى ((دابر)) وجاز ذلك مع الاختلاف
إفراداً وجمعاً رعايةً للمعنى؛ لأنَّ ذلك في معنى: دابري هؤلاء، فيتَّفقُ الحال
وصاحبها جمعية.
(١) معاني القرآن ٢/ ٦٠٣، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٦١/٥.
(٢) معاني القرآن ٢/ ٩٠، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٦١/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ٧١، والمحرر الوجيز ٣٦٩/٣، والبحر المحيط ٤٦١/٥.
(٤) معاني القرآن للفراء ٩٠/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٦/٢، والمحرر الوجيز ٣٦٩/٣،
والبحر المحيط ٤٦١/٥ .

سُوْدَةُ الِحْم
٥٢٤
الآية : ٦٧
وقدّر الفراءُ(١) وأبو عبيد(٢): إذا كانوا مصبحين، كما تقول: أنت راكباً أحسنُ
منك ماشياً. وتعقّب بأنَّه إنْ كان تقديرَ معنًى فصحيح، وإنْ كان بيانَ إعرابٍ
فلا ضرورةً تدعو إلى ذلك(٣). كما لا يخفى.
﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ شروعٌ في حكاية ما صدَرَ من القوم عند وقوفهم على
مكان الأضياف من الفعل وما ترتَّب عليه مما أُشيرَ إليه أوَّلاً على سبيل الإجمال،
وهذا مقدَّمٌ وقوعاً على العلم بهلاكهم كما سمعتَ، والواوُ لا تدلُّ على الترتيب.
وقال ابنُ عطية: يحتملُ أنْ يكونَ هذا بعدَ(٤) العلم بذلك، وما صدر منه عليه
السلام من المحاورة معهم كان على جهة التكثّم(٥) عنهم والإملاء لهم والتربُّصِ
بهم(٦). ولا يخفَى أنَّ كونَ المساءة وضيق الذَّرع من باب التكتُّم والإملاء أيضاً(٧)
مما يأَبَى عنه الطبعُ السليم.
والمرادُ بالمدينة سذوم(٨)، وبأهلها أولئك القومُ المجرمون، ولعلَّ التعبير
عنهم بذلك؛ للإشارة إلى كثرتهم مع ما فيه من الإشارة إلى مزيد فظاعةٍ فعلهم،
فإنَّ اللائق بأهل المدينة أنْ يُكرموا الغرباءَ الواردين على مدينتهم، ويُحسنوا
المعاملة معهم، فهم عَدَلُوا عن هذا اللائق مع مَن حَسِبوهم غرباءَ واردين إلى
قصد الفاحشةِ التي ما سبقهم بها أحدٌ من العالمين، وجاؤوا منزلَ لوط عليه
﴾﴾ مستبشرين مسرورين إذا قيل لهم: إنَّ عنده عليه السلام
السلام ﴿يَسْتَبْشِرُونَ
(١) معاني القرآن ٢/ ٩٠، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٦٤١/٥.
(٢) في الأصل: أبو عبيدة، والمثبت من (م) والبحر المحيط ٤٦١/٥.
(٣) البحر المحيط ٤٦١/٥ .
(٤) قوله: بعد، ساقط من الأصل، والمثبت من (م) والمحرر الوجيز.
(٥) وقع في المحرر: التهكم، بدل: التكتم، والمثبت موافق لما في البحر.
(٦) المحرر الوجيز ٣٦٨/٣-٣٦٩، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٦١/٥.
(٧) ليس في الأصل.
(٨) جاء في هامش (م): بفتح السين، على وزن فعول بفتح الفاء، وذاله معجمة، وروي إهماله،
وقيل: إنه خطأ، وفي ((الصحاح)) والدال غير معجمة، وهو معرَّب، ولذا قيل: إنه بالإعجام
بعد التعريب والإهمال قبله، وسميت المدينة باسم ملك من بقايا اليونان، وكان ظلوماً
غشوماً، وكان بمدينة سرمين من أرض قنسرين. قاله الطبري. انتهى منه.

الآية : ٦٨-٦٩
٥٢٥
سُورَةُ الِ جْرِ
ضيوفاً مُرداً في غاية الحسن والجمال، فطمعُوا - قاتلهم الله تعالى - فيهم.
﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءَ ضَيْفِ﴾ الضيف - كما قدَّمنا(١) - في الأصل مصدرُ ضَافَه، فيطلق
على الواحد والجمع، ولذا صحَّ جعلُه خبراً لـ ((هؤلاء))، وإطلاقُه على الملائكة
عليهم السلام بحَسَب اعتقادِه عليه السلام؛ لكونهم في زيِّ الضيف، وقيل: بحسب
اعتقادهم لذلك، والتأكيدُ ليس لإنكارهم ذلك، بل لتحقيق انِّصالهم به، وإظهارٍ
اعتنائه بهم عليهم السلام، وتشميرِه لمراعاة حقوقهم وحمايتهم عن السوء، ولذلك
قال: ﴿فَلَا نَفْضَحُونِ ﴾﴾ أي: عندهم، بأنْ تتعرَّضوا لهم بسوءٍ فيعلموا أنَّه ليس لي
عندكم قدرٌ، أو لا تفضحوني بفضيحة ضيفي، فإنَّ مَن أُسِيءَ إلى ضيفه فقد أُسِيءَ
إليه، يقال: فضحتُه فَضْحاً وفضيحةً إذا أَظهرَ مِن أمره ما يلزمُهُ به العارُ، ويقال:
فضح الصُّبح إذا تبيَّن للناس.
﴿وَقُواْ اللَّهَ﴾ في مباشرتكم لما يسوؤني ﴿وَلَا تُخْزُونِ
أي: لا تُذلُّوني
٦٩
ولا تُهينوني بالتعرُّض بالسوء لِمَن أَجرتُهم، فهو من الخِزْي بمعنى الذُّل والهوان،
وحيث كان التعرُّض لهم بعد أنْ نهاهم عنه بقوله: ((فلا تفضحون)) أكثر تأثيراً في
جانبه عليه السلام، وأجلب للعار إليه، إذ التعرُّض للجار قبل العلم ربَّما يُتسامح
فيه، وأمَّا بعدَ العلم والمناصبةِ بحمايته والذبِّ عنه فذاك أعظمُ العارِ، عَبَّر عليه
السلام عمَّا يَعتريه من جهتهم بعد النَّهي المذكور بسبب لجاجهم ومجاهرتهم
بمخالفتِهِ بالخزي، وأَمرَهم بتقوى الله تعالى في ذلك.
وجوِّز أنْ يكونَ ذلك من الخَزَاية وهي الحياء، أي: لا تجعلوني أستَحيي من
الناس بتعرُّضكم لهم بالسوء، واستظهر بعضُهم الأوَّلَ، وإنَّما لم يُصرِّح عليه السلام
بالنَّهي عن نفس تلك الفاحشةِ قيل: لأنَّه كان يعرفُ أنَّه لا يُفيدهم ذلك، وقيل :
رعايةً لمزيد الأدب مع ضيفه حيث لم يُصرِّح بما يَقُل على سمعهم وتَنفُر عنه
طباعُهم، ويَرَى الحرُّ الموتَ ألذّ طعماً منه.
وقال بعضُ الأجلَّة: المرادُ بـ ((اتقوا الله)) أمرُهم بتقواه سبحانه عن ارتكاب
الفاحشةِ .
(١) ص ٥٠٠ من هذا الجزء.

سُوَةُ الِحْم
٥٢٦
الآية : ٧٠ - ٧٢
وتعقِّب بأنَّه لا يُساعد ذلك توسيطُه بين النهيَيْن المتعلَّقَين بنفسه عليه السلام،
أي: عن إجارة أحدٍ منهم
وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ
وحيلولتِكَ بيننا وبينه، أو عن ضيافة أحدٍ منهم، والهمزةُ للإنكار، والواو على ما قال
غيرُ واحدٍ للعطف على مقدَّرٍ، أي: ألم نتقدَّم إليك ولم نَنْهك عن ذلك، فإنَّهم كانوا
يتعرَّضون لكلِّ أحدٍ من الغرباء بالسوء، وكان عليه السلام ينهاهم عن ذلك بقَدرِ
وسْعِه ويحولُ بينهم وبين مَن يَعرضُون له، وكانوا قد نَهَوه عن تعاطي مثل ذلك،
فكأنَّهم قالوا: ما ذكرتَ من الفضيحة والخِزْي إنما جاءك مِن قِبَلك لا مِن قِبَلنا، إذ
لولا تعرُّضُك لِمَا تَتَصدَّى له لَمَا اعتراك (١).
ولما رآهم لا يُقْلعون عمَّا هم عليه ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَائِ﴾ يعني نساءَ القوم، أو بناته
حقيقةً. وقد تقدَّم الكلام في ذلك(٢)، واسمُ الإشارة مبتدأ، و((بناتي)) خبرُه، وفي
الكلام حذفٌ، أي: فتزوجوهنَّ، وجوّز أنْ يكونَ (بناتي)) بدلاً أو بياناً، والخبرُ
محذوف، أي: أطهرُ لكم كما في الآية الأخرى، وأنْ يكونَ ((هؤلاء)» في موضع
نصبٍ بفعل محذوفٍ، أي: تزوَّجوا بناتي، والمتبادر الأوَّل.
﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ ﴾﴾ شكَّ في قبولهم لقوله فكأنَّه قال: إنْ فعلتُم ما أقولُ
لكم، وما أظنُكم تفعلون. وقيل: إنْ كنتُم تريدون قضاءَ الشهوة فيما أحلَّ الله تعالى
دون ما حرَّم، والوجه الأول كما في ((الكشف)) أوجَهُ.
وفي «الحواشي الشهابيَّة)): أنَّه أنسبُ بالشكِّ(٣). ويُفهِمُ صنيعُ بعضهم ترجيحَ
الثاني، قيل: لتبادُرِهِ من الفعل، وعلى الوجهَين المفعولُ مقدَّرٌ، وجوِّز تنزيلُ
الوصف منزلةَ اللازم، وجوابُ الشرط محذوفٌ، أي: فهو خيرٌ لكم، أو: فاقضوا
ذلك.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قَسَمٌ من الله تعالى بعُمر نبيِّنَا بَّر على ما عليه جمهور المفسرين.
(١) في الأصل: لما اعتراك الحالة، وفي أبي السعود ٨٧/٥، لما اعتراك تلك الحالة، والمثبت
من (م).
(٢) تقدم في سورة هود، آية (٧٨).
(٣) حاشية الشهاب ٣٠٤/٥.

الآية : ٧٢
٥٢٧
سُورَةُ الِحُ
وأخرج البيهقي في ((الدلائل)) وأبو نعيم وابنُ مردويه، وغيرُهم، عن ابن
عباس ﴿ًّا قال: ما خَلَق الله تعالى وما ذَرَأ وما بَرَأ نفساً أكرمَ عليه من محمد ◌َِّ،
وما سمعتُ اللهَ سبحانه أقسَمَ بحياة أحدٍ غيرِه قال تعالى: (لَعَنْرُكَ) ... إلخ(١).
وقيل: هو قَسَمٌ من الملائكة عليهم السلام بعُمْرٍ لوط عليه السلام، وهو مع
مخالفته للمأثور محتاجٌ لتقدير القول، أي: قالت الملائكة للوطِ عليهم السلام:
((لعمرك)) ... إلخ، وهو خلافُ الأصل، وإنْ كان سياقُ القصة شاهداً له وقرينةً عليه،
فلا يرد ما قاله صاحب ((الفرائد)) من أنَّه تقديرٌ من غير ضرورةٍ، ولو ارتُكب مثلُه
لأمكنَ إخراجُ كلٌّ نصٍّ عن معناه بتقدير شيءٍ، فيرتفعُ الوثوقُ بمعاني النص، وأيًّا
ما كان فـ ((عمرك)) مبتدأ محذوفُ الخبرِ وجوباً، أي: قسمي أو يميني أو نحو ذلك.
والعمر بالفتح والضمِّ: البقاء والحياة، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم لكثرةٍ
دوره فناسَبَ التخفيف، وإذا دخلتهُ اللامُ التُّزِمَ فيه الفتحُ وحذفُ الخبر في القسم،
وبدون اللام يجوزُ فيه النصب والرفع وهو صريحٌ، وهو مصدرٌ مضافٌ للفاعل أو
المفعول، وسُمِعَ فيه دخولُ الباء وذكرُ الخبرِ قليلاً، وذُكر أنَّه إذا تجرَّد من اللام
لا يتعيَّنُ للقسم، ونقل ذلك عن الجوهري(٢)، وقال ابنُ يعيش: لا يُستعمَلُ إلا فيه
أيضاً (٣)، وجاء شاذًّا: رعملي، وعدُّوه من القلب، وقال أبو الهيثم: معنى ((لعمرُك))
لدينك الذي تعمر، ويفسَّر بالعبادة، وأنشد:
أيُّها المُنكِحُ الثريَّا سُهيلاً عَمْرَكَ اللّهَ كيف يَلْتقيانِ(٤)
أرادَ: عبادتَك اللهَ تعالى، فإنَّه يقال - على ما نُقِل عن ابن الأعرابي -: عَمَرْتُ
ربِّي، أي: عَبَدتُه، وفلانٌ عامرٌ لربِّه، أي: عابدٌ، وتَرَكْتُ فلاناً يَعمُر ربَّه، أي:
يعبدُه، وهو غريب(٥).
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٤٨٨/٥، ودلائل النبوة لأبي نعيم (٢١) و(٢٢)، وعزاه لابن مردويه
السيوطي في الدر المنثور ١٠٣/٤، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٢٧٥٤)، والطبري ١٤/ ٩١-٩٢.
(٢) الصحاح (عَمَرَ).
(٣) شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٩١- ٩٢.
(٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص ٢٢٩، وسلف ٤٣٨/٤.
(٥) اللسان (عمر)، والبحر المحيط ٤٦٢/٥ .

سُورَةُ الِجُ
٥٢٨
الآية : ٧٢
وفي البيت توجيهات، فقال سيبويه(١) فيه: الأصلُ: عمَّرتُك الله تعالى تعميراً،
فحذفَ الزوائد من المصدر وأُقيمَ مقامَ الفعل مضافاً إلى مفعوله الأوَّلِ، ومعنى
عمَّرتُك: أعطيتُك عمراً بأنْ سألتُ الله تعالى أنْ يُعمِّرَك، فلمَّا ضُمِّن ((عمر)) معنى
السؤال تعدَّى إلى المفعول الثاني - أعني الاسم الجليل - فهو على هذا منصوبٌ.
وأجاز الأخفشُ رفعَهُ ليكونَ فاعلاً، أي: عمَّرك الله سبحانه تعميراً، وجوَّز الرضي
أنْ يكونَ ((عَمْرَك)) فيه منصوباً على المفعول به لفعلٍ محذوفٍ، أي: أسألُ الله تعالى
عَمْرَك، و((أسأل)) متعدٍّ إلى مفعولين، أو يكونَ المعنى: أسألُكَ بحقِّ تَعْمِيرك اللهَ
تعالى، أي: اعتقادك بقاءَه وأبديَّتَه تعالى، فيكونُ انتصابُه بحذف حرفِ القسم
نحو: اللهَ لأفعلنَّ، وهو مصدرٌ محذوفُ الزوائد مضافٌ إلى الفاعل، والاسمُ
الجليل مفعولٌ به له، ولا بأسَ بإضافة ((عَمْر)) إليه تعالى، وقد جاء مضافاً كذلك،
قال الشاعر:
إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قشير لَعَمْرُ اللهِ أعجبني رضَاها(٢)
وقال الأعشى:
ولعَمْرُ مَن جَعَل الشهورَ علامةً مِنْها تَبَيَّنَ نَقْصها وَكَمالها (٣)
وزعَمَ بعضُهم أنَّه لا يجوزُ أنْ يقالَ: لَعَمْرُ اللهِ تعالى؛ لأنَّه سبحانه أَزَلِيٌّ أبديٌّ،
وكأنَّه توهَّم أنَّ العمرَ لا يُقال إلا فيما له انقطاع، وليس ذلك، وجاء في كلامهم
إضافتُهُ لضمير المتكلِّم، قال النابغة:
لَعَمْرِي وما عَمْري عليَّ بهِيِّنٍ(٤)
وكره النخعيُّ ذلك؛ لأنَّه حَلِفٌ بحياة المقسِم، ولا أعرفُ وجْهَ التخصيص،
(١) ينظر الكتاب ٣٢٢/١-٣٢٣.
(٢) البيت للقحيف العقيلي، وهو في أدب الكاتب ص ٥٠٦، والخصائص ٣١١/٢، وخزانة
الأدب ١٠/ ١٣٣.
(٣) ديوان الأعشى ص ١٥٢، ولفظ عجزه في الديوان:
قدراً فبيَّن نصفها وهلالها
(٤) ديوان النابغة ص ٨٠، وعجزه:
لقد نَطقَت بُظلاً عليَّ الأقارعُ

الآية : ٧٢
٥٢٩
فإنَّ في ((لعمرك)) خطاباً لشخص حلفاً بحياة المخاطب، وحكم الحلف بغير الله
تعالى مقرَّرٌ على أتمٍّ وجهٍ في محلِّه.
وقرأ ابنُ عباس ﴿جا: ((وعَمْركَ)) بدون لام(١).
﴿إِنَّهُمْ لَفِى سَكَيْهِمْ﴾ أي: لفي غوايتهم أو شدَّةٍ غلمتهم التي أزالَت عقولَهم
وتمييزَهم بين خطئهم والصواب الذي يُشار به إليهم.
﴿يَعْمَهُونَ (٣٨)﴾ يتحيَّرون، فكيف يسمَعُون النُّصحَ، وأصل العَمَه عَمَى البصيرة،
وهو مُورِّثٌ للحيرة، وبهذا الاعتبار فُسِّر بذلك، والضمائرُ لأهل المدينة، والتعبيرُ
بالمضارع بناءً على المأثور(٢) في الخطاب لحكاية الحال الماضيةِ.
وقيل - ونسب إلى ابن عباس ﴿ها -: الضمائر لقريش، واستبعدَهُ ابنُ عطية(٣)
وغيرُه؛ لعدم مناسبةِ السباق والسياق، ومن هنا قيل: الجملة اعتراضٌ، وجملة
((يعمهون)) حالٌ من الضمير في الجارِّ والمجرور، وجوِّز أنْ تكون حالاً من الضمير
المجرور في ((سكرتهم)) والعاملُ السكرة أو معنى الإضافة، ولا يخفاك حالُه.
وقرأ الأشهبُ: ((سُكرَتهم)) بضمِّ السين(٤)، وابن أبي عبلة: ((سَكرَاتهم))
بالجمع(٥)، والأعمش: ((سَكْرهم)) بغير تاء(٦)، وأبو عمرو في رواية الجهضمي:
((أنَّهم)) بفتح الهمزة(٧)، قال أبو البقاء: وذلك على تقدير زيادة اللام، ومثله قراءة
سعيد بن جبير: ((إلا أنَّهم ليأكلون الطعام)» بالفتح (٨)، بناءً على أنَّ لام الابتداء
إنما تصحبُ ((إنَّ) المكسورة الهمزة، وكأنَّ التقدير على هذه القراءة: لعمرك قسمي
على أنَّهم. فافهم.
(١) البحر المحيط ٥/ ٤٦٢.
(٢) في الأصل: على أن المأثور، والمثبت من (م).
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٠/٣.
(٤) البحر المحيط ٤٦٢/٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧١ للأعمش.
(٥) البحر المحيط ٤٦٢/٥ .
(٦) القراءات الشاذة ص ٧١، والبحر المحيط ٥/ ٤٦٢.
(٧) البحر المحيط ٥/ ٤٦٢، وهي غير المشهور عنه.
(٨) الإملاء ٤٣٥/٣، والآية من سورة الفرقان رقم (٢٠)، وسيأتي الكلام عليها.

سُوَةُ الِجم
٥٣٠
الآية : ٧٣-٧٤
﴿ فَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني: صيحةٌ هائلةٌ، والتعريفُ للجنس، وقيل: صيحةٌ
جبريل عليه السلام، فالتعريفُ للعهد، وقال الإمام: ليس في الآية دلالةٌ على هذا
التعيين، فإنْ ثبت بدليل قويٌّ قيل به(١).
وأخرج ابنُ المنذر عن ابن جريج أنَّه قال في الآية: الصيحةُ مثل الصاعقة،
فكلُّ شيءٍ أُهلِكَ به قومٌ فهو صاعقةٌ وصيحةٌ(٢).
، أي: داخلين في وقت شروق الشمس، قال المدقِّق: والجمعُ
﴿مُشْرِقِينَ (®)
بين - ((مصبحين)) و((مشرقين)) باعتبار الابتداء والانتهاء بأنْ يكونَ ابتداءُ العذاب عندَ
الصبح، وانتهاؤُه عند الشروق؛ وأخذُ الصيحةِ قهرُها إِيَّهم وتمكِّنُها منهم، ومنه
الأَخيذ الأسير، ولك أنْ تقول: ((مقطوعٌ)) بمعنى يقطع عما قريب. انتهى. وقيل:
(مُشرقين)) حالٌ مقدَّرة.
﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا﴾ أي: المدينة كما هو الظاهر. وجوِّز رجوعُه إلى القرى وإنْ لم
يَسبق ذكرُها، والمرادُ بـ ((عاليها)) وجْهُ الأرض وما عليه وهو المفعول الأوَّل لجعل،
و﴿سَافِلَهَا﴾ الثاني له، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك(٣).
من طين
٧٤
﴿وأمطرنا عليهم﴾ في تضاعيف ذلك ﴿حِجَارَةً﴾ كائنة ﴿مِّن سِجِيلٍ
متحجِّر وهو في المشهور معرَّب: سنك كل، وذهب أبو عبيدة(٤) وطائفة إلى أنَّه
عربي، وأنَّه يقال فيه: ((سجين)) بالنون، واحتجُّوا بقول تميم بن مُقبل:
ضَرْباً تَوَاصَى به الأبطالُ سِجِّينا(٥)
وهو كما ترى. وسئل الأصمعيُّ عن معناه في البيت فقال: لا أُفسِّره، إذ كنتُ
(١) مفاتيح الغيب ٢٠٣/١٩.
(٢) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٠٣/٤.
(٣) في سورة هود، آية (٨١-٨٢).
(٤) في الأصل و(م): أبو عبيد، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٨/١ و٢٩٦.
(٥) ديوان تميم بن أبيّ بن مقبل ص ٣٣٣، ومجاز القرآن ٢٩٦/١ وفيه: سجيلا، بدل: سجينا،
وصدر البيت :
ورَجْلةً يضربون البَيْض عن عُرُضِ
والبيض: جمع بيضة وهي الخوذة.

الآية : ٧٥
٥٣١
سُورَةُ الِىِ ◌ّجْرِ
أسمعُ وأنا حدث: سِخِّينا - بالخاء المعجمة - أي: سَخِناً، وسجِّين بالجيم أيضاً،
وقيل: هو مأخوذٌ من السجل وهو الكتاب، أي: من طينٍ كُتِب عليه أسماؤهم، أو
كتب اللهُ تعذيبَهم به، وقد مرَّ الكلام في ذلك أيضاً (١) .
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من القصة ﴿لَيَتِ﴾ لعلاماتٍ يُستدَلُّ بها على
حقيقة الحقِّ ﴿لِلْمُتَوَسَّمِينَ ﴾ قال ابن عباس: للناظرين، وقال جعفر بنُ
محمد : للمتفرِّسين. وقال مجاهد: للمعتبرين. وقيل غير ذلك، وهي معانٍ
متقاربة. وفي ((البحر)): التوسُّم تفعُلٌ من الوَسْم، وهو العلامة التي يستدلُّ بها على
مطلوب. وقال ثعلب: التوسُّم: النظرُ من القرن إلى القَدَم، واستقصاءُ وجوه
التعريف، قال الشاعر:
أَوَكُلَّما وَرَدَتْ مُكاظَ قبيلةٌ بعثُوا إليَّ عريفَهم يتوسَّمُ (٢)
وذكر أنَّ أصلَه التثبُتُ والتفكّرُ، مأخوذٌ من الوَسْم، وهو التأثير بحديدةٍ محماة
في جلدِ البعير أوغيره، ويقال: تَوَسَّمتُ فيه خيراً، أي: ظهرت علاماتُه لي منه،
قال عبد الله بن رواحة في رسول الله ڑ:
إنِّي توسَّمتُ فيك الخيرَ أعرفُه
واللهُ يَعلمُ أَنِّي ثابتُ البَصَرِ (٣)
والجارُّ والمجرور في موضع الصفة ((لآيات)) أو متعلِّقٌ به، وهذه الآية - على
ما قال الجلالُ السيوطي - أصلٌ في الفِراسة(٤)، فقد أخرج الترمذيُّ من حديث
أبي سعيد مرفوعاً: ((اتَّقوا فِرَاسةَ المؤمن؛ فإنَّه ينظرُ بنورِ الله))(٥) ثم قرأ الآية.
(١) في سورة هود آية رقم (٨٣).
(٢) البيت لطريف بن تميم العنبري، كما في الكتاب ٧/٤، والأصمعيات ص ١٢٧، والبيان
والتبيين ١٠١/٣.
(٣) ديوان عبد الله بن رواحة ص ٩٤، وتفسير القرطبي ١٢/ ٢٣٤، والبحر المحيط ٤٥٦/٥،
وحاشية الشهاب ٥/ ٣٠٥ والكلام منه، ورواية الديوان:
إني تفرَّستُ فيك الخيرَ أعرفه فراسةٍ خالَفَتْهم في الذي نظروا
(٤) الإكليل في استنباط التنزيل ص ١٦٠.
(٥) سنن الترمذي (٣١٢٧)، وأخرجه أيضاً البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٣٥٤، والطبري ٩٦/١٤،
والطبراني في الأوسط (٧٨٤٣)، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفيه عطية العوفي، قال
ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً وكان شيعياً مدلساً، وقد روى هنا بالعنعنة.
=

سُودَة الىفر
٥٣٢
الآية : ٧٦ - ٧٨
وكان بعضُ المالكية يحكمُ بالفِراسة في الأحكام جَرْياً على طريق إياس بنِ
معاوية.
﴾ أي: طريقٍ
V
﴿وَإِنََّ﴾ أي: المدينة المُهلَكة، وقيل: القرى ﴿لَبِسَبِيلٍ تُقِيمٍ
ثابتٍ يسلُكُه الناسُ ويَرَون آثارها، وقيل: الضميرُ للآيات، وقيل: للحجارة، وقيل:
للصيحة، أي: وإنَّ الصيحةَ لِمَرْصدٍ لمن يعملُ عملَهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ
التَّلِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. و((مقيم)) قيل: معلومٍ، وقيل: معتدٍّ دائمِ السلوك.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمَرْأَى من
بالله تعالى
الناس يُشاهدونها عند مرورهم عليها ﴿لَآَيَّةٌ﴾ عظيمةً ﴿لِلْمُؤْمِينَ(
ورسوله وَل﴾، فإنَّهم الذين يعرفون أنَّ سوءً صنيعهم هو الذي ترك ديارهم بلاقع،
وأمَّا غيرُهم فيحملون ذلك على الاتّفاق أو الأوضاع الفلكية، وإفرادُ الآية بعد
جمعها فيما سبَقَ قيل لِمَا أنَّ المشاهدَ هاهنا بقيَّهُ الآثار لا كلُّ القصة كما فيما سلف،
وقيل: للإشارة إلى أنَّ المؤمنين يكفيهم آيةٌ واحدة.
(2)﴾ هم قوم شعيبٍ عليه السلام؛ و((الأيكة)) في
﴿وَإِن كَانَ أَصَْبُ الْأَيْكَّةِ لَظَلِينَ
الأصل: الشجرة الملتقَّةُ، واحدةُ الأيك، قال الشاعر:
تَجْلُو بقادِمَتَي حمامةِ أيْكَة بَرَداً أُسِفَّ لِثَاتُه بالإثمِدِ(١)
والمرادُ بها هنا غَيضة، أي: بقعة كثيفة الأشجارِ، بناءً على ما روي أنَّ هؤلاء
القومَ كان يسكنون الغَيْضةَ وعامة شجرها الدَّومُ، وقيل: السدر، فبعث الله تعالى
إليهم شعيباً فكذبوه، فأُهلكوا بما ستسمعه إنْ شاء الله تعالى.
وقيل: بلدة كانوا يسكنونها، وإطلاقُها على ما ذكر إمَّا بطريق النقل أو تسميةٍ
= وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٤٩٧)، وفي مسند الشاميين (٢٠٤٢)، وأبو نعيم في الحلية
١١٨/٦، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٦٣)، من حديث أبي أمامة له. قال الهيثمي
في مجمع الزوائد ٢٦٨/١٠: إسناده حسن. وفيه راشد بن سعد، قال ابن حجر في
التقريب: ثقة كثير الإرسال.
(١) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ٤٠، القادمة: جمعها قوادم، وهي أربع أو عشر
ريشات في مقدم الجناح، شبه الشاعر الشفتين لرقتهما بقادِمَتَي حمامة، وشبه الأسنان بالبَرَد
لشدة بياضه. القاموس المحيط (قدم)، وديوان المعاني للعسكري ٢٣٨/١.

الآية : ٧٩
٥٣٣
سُؤَدَّةُ الِّحْم
المحلِّ باسم الحالِّ فيه، ثم غَلَب عليه حتى صار عَلَماً، وأُيِّد القول بالعلميَّة أنَّه
قرئ في ((الشعراء)) و((صّ)): ((ليكةً)) ممنوع مِن الصرف(١).
و((إنْ)) عند البصريين هي المخفَّفة من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الشأن محذوفٌ،
واللامُ هي الفارقة، وعند الفرَّاء هي النافية، ولا اسمَ لها، واللام بمعنى ((إلا))(٢)،
والمعوَّل عليه الأوَّل، أي: وأنَّ الشأنَ كان أولئك القومُ متجاوزين عن الحدِّ ﴿فَانَقَمْنَا
مِنْهُمْ﴾ جازَيناهم على جنايتهم السابقة بالعذاب، والضميرُ لـ ((أصحاب الأيكة)).
وزعم الطبرسيُّ أنَّه لهم ولقوم لوطٍ(٣)، وليس بذاك. روى غيرُ واحد عن قتادةَ
قال: ذُكِرَ لنا أنَّه جل شأنه سلَّط عليهم الحَرَّ سبعة أيامٍ لا يُظلُّهم منه ظلٌّ ولا يمنعُهم
منه شيءٌ، ثم بعث سبحانه عليهم سحابةً فجعلوا يلتمسون الرَّوح منها، فبعثَ عليهم
منها ناراً فأكلّتهم، فهو عذابُ يومِ الظّلة(٤).
﴿وَإِنَّهُمَا﴾ أي: محلَّي قوم لوطٍ وقوم شُعيب عليهما السلام، وإلى ذلك ذهب
الجمهور، وقيل: الضميرُ للأيَكة ومذْيَن، والثاني وإنْ لم يذكر هنا لكن ذِكرُ الأوَّل
يدلُّ عليه لإرسال شعيبٍ عليه الصلاة والسلام إلى أهلهما، فقد أخرج ابنُ عساكر
وغيرُه عن ابن عمرَ ﴿ه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ مدينَ وأصحابَ الأيكةِ
أمَّتان بَعَث الله تعالى إليهما شعيباً عليه السلام))(٥) ولا يخلو عن بعدٍ، بل قيل: إنَّ
القولَ الأولَ كذلك أيضاً؛ لأنَّ الأخبار عن مدينة قوم لوط عليه السلام بأنَّها
﴾ أي: البطريقٍ واضحٍ، يتكرَّر مع الأخبار عنها آنفاً بأنَّها لبسبيل
٧٩
﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ
(١) الشعراء آية (٧٦)، و﴿ص﴾ آية (١٣)، وسيأتي في محلِّه.
(٢) البحر المحيط ٤٦٣/٥.
(٣) مجمع البيان ٣٩/١٤.
(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٠٠ .
(٥) عزاه لابن عساكر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٠٣/٤، قال ابن كثير بعد تفسير الآية (١٧٦)
من سورة الشعراء: وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً. وفي سنده:
معاوية بن هشام، قال أحمد بن حنبل: هو كثير الخطأ. وقال ابن سعد: كان صدوقاً كثير
الحديث. قال أبو داود: ثقة. ومن أوهام معاوية بن هشام روايته عن هشام بن سعد عن
سعيد بن أبي هلال عن عبد الله بن عمرو عن النبي و لو قال: ((مدين وأصحاب الأيكة ... )).
ينظر الميزان ١٣٨/٤، وتهذيب التهذيب ١١٢/٤-١١٣.

سُورَةُ الِفُ
٥٣٤
الآية : ٨٠
مقيم، على ما عليه أكثرُ المفسرين، وجمعُ غيرِها معها في الأخبار لا يدفعُ التكرارَ
بالنّسبة إليها، وكأنَّه لهذا قال بعضُهم: الضميرُ يعودُ على لوطٍ وشعيبٍ
عليهما السلام، أي: وإنَّهما لبطريق من الحقِّ واضح.
وقال الجبَّائي: الضميرُ لخبر هلاكِ قوم لوطٍ وخبر هلاكٍ قوم شعيبٍ، والإمام
اسمٌ لِمَا يُؤْتَمُّ به، وقد سُمِّي به الطريقُ، واللوحُ المحفوظ، ومطلَقُ اللوحِ المعدِّ
للقراءة، وزِيْج البنَّاء، ويراد به على هذا اللوح المحفوظ.
وقال مؤرِّج: الإمامُ: الكتابُ في لغة حمير، والإخبار عنهما بأنَّهما في اللوح
المحفوظ إشارةٌ إلى سَبْق حكمه تعالى بهلاك القومَين لِمَا عَلِمَه سبحانه مِن سوء
أفعالهم.
، حين كذَّبوا رسولَهم
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اٌلِجْرِ﴾ يعني ثمود ﴿الْمُرْسَلِينَ
صالحاً عليه السلام، فإنَّ مَن كذَّب واحداً من رُسل الله سبحانه فكأنَّما كذَّب
الجميع؛ لاتِّفاق كلمتهم على التوحيد والأصولِ التي لا تختلفُ باختلاف الأمم
والأعصار. وقيل: المرادُ بـ ((المرسلين)) صالحٌ عليه السلام ومَن معه من المؤمنين
على التغليب وجعلُ الأَتْباع مرسلين كما قيل: الخبيبيُّون، لخبيب بن الزبير
وأصحابه، وقال الشاعر:
قَدْنيّ مِن نَصْرِ الخُبَيْبين قَدِي(١)
والقول بأنَّه نزّلَ كلٌّ من الناقة وسَقْبها منزلةَ رسولٍ؛ لأنَّه كالداعي لهم إلى اتّباع
صالح عليه السلام فجُمع بهذا الاعتبار، لا اعتبارَ له أصلاً فيما أرى.
والحِجْرُ: وادٍ بين الحجاز والشام كانوا يسكنونَه، قال الراغبُ: يُسمَّى ما أُحيط
به الحجارة حِجْراً، وبه سُمِّي حِجْرُ الكعبة، وديارُ ثمود(٢)، وقد نَهى وَل
أصحابه ﴿ كما في ((صحيح البخاري))(٣) وغيرِه عن الدخول على هؤلاء القوم
إلا أنْ يكونوا باكين؛ حذراً من أنْ يُصيبَهم مثل ما أصابهم.
(١) البيت لحميد الأرقط كما في خزانة الأدب ٣٩٣/٥، وتقدم ١٢٠/٧.
(٢) مفردات الراغب (حجر).
(٣) برقم (٣٣٨٠) و(٣٣٨١) من حديث ابن عمر ◌ًا، وهو عند مسلم (٢٩٨٠).

الآية : ٨١
٥٣٥
سُورَةُ الِّجْ
وجاء عن ابن عمر ﴿ّ أنَّ الناسَ عامَ غزوة تبوك استَقَوا مِن مياه الآبار التي
كانت تشربُ منها ثمودُ، وعجنوا منها ونَصَبُوا القُدورَ باللحم، فأمَرَهم النبيُّ وَّلـ
بإهراقِ القدور، وأنْ يَعلِفُوا الإبلَ العجينَ، وأمَرَهم أنْ يستَقُوا من البئر التي كانت
ترد الناقةُ(١).
﴿وَنََّهُمْ مَايَِنَا﴾ من الناقة وسَقْبِها(٢) وشُربها ودَرِّها.
وذكر بعضُهم أنَّ في الناقة خمسَ آياتٍ: خروجها من الصخرة، ودُنوَّ نتاجِها
عند خروجها، وعظمَها حتى لم تُشبهها ناقةٌ، وكثرةَ لَبنها حتى يكفيهم جميعاً.
وقيل: كانت لنبيِّهم عليه السلام معجزاتٌ غير ما ذكر، ولا يضرُّنا أنَّها لم تُذكر
على التفصيل، وهو على الإجمال ليس بشيء.
وقيل: المرادُ بالآيات الأدلةُ العقليةُ المنصوبة لهم الدالةُ عليه سبحانه المبثوثةُ
في الأنفس والآفاقِ، وفيه بعدٌ.
وقيل: آياتُ الكتاب المُنزَل على نبيِّهم عليه السلام.
وأُورد عليه أنَّه عليه السلام ليس له كتابٌ مأثورٌ إلا أنْ يقال: الكتابُ
لا يلزمُ أنْ يُنزَل عليه حقيقةً بل يكفي كونُه معه مأموراً بالأخذ بما فيه، ويكونُ
ذلك في حكم نُزوله عليه، وقد يقال بتكرار النزولِ حقيقةً. ولا يخفى قوَّةُ
الإيراد.
وقيل: يجوزُ أن يُراد بالآيات ما يشملُ ما بلَغَهم من آيات الرسل عليهم
السلام، ومتى صحَّ أنْ يقال: إنَّ تكذيبَ واحدٍ منهم في حكم تكذيبِ الكلِّ فَلِمَ لم
يصحَّ أنْ يقال: إنَّ ما يأتي به واحدٌ من الآيات كأنَّه أتى به الكلُّ. وفيه نظر،
وبالجملة الظاهرُ هو التفسيرُ الأوَّل.
﴿فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (﴾﴾ غيرَ مقبلين على العمل بما تقتضيه، وتقديمُ المعمول؛
لرعاية تناسبٍ رؤوس الآي.
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧٩)، ومسلم (٢٩٨١).
(٢) في الأصل: سقيها، والسَّقب: ولد الناقة، كما في حاشية الشهاب ٣٠٥/٥.

سُورَةُ الِحْ
٥٣٦
الآية : ٨٢ - ٨٤
من نزول العذاب بهم، وقيل: من
﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُنَّاءَمِنِينَ
الموت؛ لاغترارِهم بطولِ الأعمار. وقيل: من الانهدام ونقبٍ اللصوص
وتخريب(١) الأعداء، لمزيد وثاقتها .
وقال ابنُ عطية: أصُّ ما يظهرُ لي في ذلك أنَّهم كانوا يأمنون عواقبَ الآخرة
فكانوا لا يعملون بحَسبها، بل يعملون بحسب الأمن(٢). وتفريعُ قوله تعالى:
أظهرُ في تأييد الأوَّل، ووَقَع في سورة الأعراف:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ﴾ (٣) وَوُفِّق بينهما، بأنَّ الصيحة تُفضي إلى الرجفة، أو هي مجازٌ
عنها، واستُشكل التقييدُ بـ ((مُصبحين)) مع ما روي في ترتيب أحوالهم بعد ((أنْ))
أوعدَهم عليه السلام بنزول العذابِ من أنَّه لمّا كانت ضحوة اليوم الرابع تحتَّطوا
بالصبر، وتكفَّنوا بالأنطاع(٤) فأتَتْهم صيحةٌ من السماء فتقطّعَت لها قلوبُهم. فإنَّ هذا
يقتضي أنَّ أخْذَ الصيحة إيَّاهم(٥) بعد الضحوة لا مصبحين.
وأُجيبَ بأنَّه إنْ صحَّت الرواية يحمل ((مصبحين)) على كون الصيحةِ في النهار
دونَ الليل، أو أَطلق الصبحَ على زمانٍ مُمتدٍّ إلى الضحوة، وقيل: يُجمَعُ بين الآية
والخبر بنحو ما جُمع به بين الآيتين آنفاً، وفيه تأمُّل، فتأمَّل.
﴾ من
﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ولم يدفع عنهم ما نَزَل بهم ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
نَحْت البيوتِ الوثيقة، أو منه ومن جمع الأموال والعدد، بل خَرُّوا جاثمين
هلكى، فـ ((ما)) الأولى نافية وتحتمل الاستفهام، و((ما)) الثانية يحتمل أنْ تكونَ
مصدريةً وأنْ تكونَ موصولةً، واستظهره أبو حيان(٦) والعائدُ عليه محذوفٌ، أي:
الذي كانوا يكسبونَه.
وفي ((الإرشاد)): أنَّ الفاء لترتيب عدم الإغناءِ الخاصِّ بوقت نزولِ العذاب
(١) في (م): تحزيب، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٨٧/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٢/٣.
(٣) الآية (٧٨).
(٤) النطع: البساط من الأديم. القاموس (نطع).
(٥) في الأصل: أتاهم، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٠٦/٥.
(٦) البحر المحيط ٥/ ٤٦٤ .

الآية : ٨٥
٥٣٧
سُؤَّةُ لِّجْ
حسبما كانوا يرجونه، لا عدم الإغناء المطلَق، فإنَّه أمرٌ مستمرٌّ(١). وفي الآية من
التهكّم بهم ما لا يخفَى.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَتْنَهُمَآَ إِلَّ بِآلْحَقْ﴾ أي: إلا خلقاً متلبِّساً بالحقِّ
والحكمة، بحيث لا يلائم استمرارَ الفساد واستقرارَ الشرور، وقد اقتضَت الحكمةُ
إهلاكَ أمثال هؤلاء؛ دفعاً لفسادهم وإرشاداً لمن بقيَ إلى الصلاح.
﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَئِيَّةٌ﴾ ولا بدَّ، فننتقمُ أيضاً من أمثال هؤلاء، فالجملة الأولى
إشارةٌ إلى عذابهم الدنيوي، والثانية إلى عقابهم الأُخْرَوي، وفي كلتا الجملتين من
تسليته وسي﴿ ما لا يخفى، مع تضمُّن الأُولى الإشارةَ إلى وَجْه إهلاكِ أولئك بأنَّه أمرٌ
اقتضَته الحكمةُ.
وفي ((التفسير الكبير))(٢) في وَجْه النظم: أنَّه تعالى لمَّا ذَكَر إهلاكَ الكفار فكأنَّه
قيل: كيف يَليقُ ذلك بالرحيم؟ فأجاب سبحانه بأنَّه إنَّما خلقتُ الخلقَ ليكونوا
مُشتغلين بالعبادة والطاعة، فإذا تركوها وأعرضُوا عنها وجَبَ في الحكمة إهلاكُهم
وتطهيرُ الأرض منهم.
وتعقّبه المفسِّرُ بأنَّه إنَّما يستقيمُ على قول المعتزلةِ، ثم ذكر وجهاً آخرَ لذلك،
وهو أنَّ المقصودَ من هذه القصةِ تصبيرُ النبيِّوََّ على سفاهة قومِهِ، فإنَّه عليه
الصلاة والسلام إذا سمع أنَّ الأمم السالفةَ كانوا يعاملون أنبياءهم عليهم السلام
بمثل هذه المعاملاتِ الفاسدةِ هانَ عليه عليه الصلاة والسلام تحمُّل سفاهةٍ قومه.
ثم إنَّه تعالى لمَّا بَيَّن إنزالَ العذابِ على الأمم السالفةِ المكذِّبة قال له وَلِ: ((إنَّ
الساعةَ لآتيةٌ)) وإنَّ الله تعالى ينتقمُ لك فيها من أعدائك ويُجازيك وإيَّاهم على
حسناتك وسيآتهم، فإنَّه سبحانه ما خَلَق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالعدل
والإنصاف، فكيف يليقُ بحكمته إهمالُ أمركَ.
وإلى جواز تفسير ((الحق)) بالعدل ذهب شيخُ الإسلام(٣)، وأشار إلى أنَّ الباءَ
(١) إرشاد العقل السليم (تفسير أبي السعود) ٨٨/٥.
(٢) مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) ٢٠٥/١٩-٢٠٦.
(٣) هو أبو السعود، ينظر تفسيره ٨٨/٥.

سُورَةُ الحجم
٥٣٨
الآية : ٨٥
للسبيَّة، وأنَّ المعنى: ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على
الأعمال، وذَكر أنَّه يُنبئُ عن ذلك الجملةُ الثانية؛ ولعلَّ جَعْلَ كلِّ جملةٍ إشارة إلى
شيءٍ، حسبما أشرنا إليه أَوْلَی.
واستدلَّ بالأُولى بعضُ الأشاعرةِ على أنَّ أفعال العباد مطلقاً مخلوقةٌ له تعالى
لدخولها فيما بينهما، وزعَمَ بعضُ المعتزلة الردّ بها على القائلين بذلك؛ لأنَّ
المعاصي من الأفعال الباطلة(١)، فإذا كانت مخلوقةً له سبحانه لكانت مخلوقةً
بالحق، والباطلُ لا يكونُ مخلوقاً بالحقِّ، وهو كلامٌ خالٍ عن التحقيق.
﴿فَأَصْفَ﴾ أي: أَعرِض عن الكفرة المكذِّبين ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
﴾ وهو
٨٥
ما خلا عن عِتاب، على ما رَوَى غيرُ واحدٍ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابن
عباس ﴿. وفسَّر الراغبُ ((الصفح)) نفسَه بتَرْك التثريب، وذَكَر أنَّه أبلغُ من
العفو (٢).
وفي أمره وَّهِ بذلك إشارةٌ إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قادرٌ على الانتقام
منهم، فكأنَّه قيل: أَعرِضْ عنهم وتحمَّل أَذِيَّتَهم ولا تَعجّل بالانتقام منهم وعاملهم
معاملةَ الصفوحِ الحليم، وحاصلُ ذلك أَمره ◌َّهِ بمخالفتهم بخُلُقٍ رضيٍّ وحِلم وتأنٌ
بأنْ يُنذرَهم ويَدعوهم إلى الله تعالى قبل القتال ثم يُقاتلهم، وعلى هذا فالآيّةُ غيرُ
منسوخةٍ وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك أنَّها منسوخةٌ بآية السيف،
وكأنَّهم ذهبوا إلى أنَّ المرادَ بها مداراتُهم وتَرْكُ قتالهم.
وآثر هذا الأخيرَ العلامةُ الطيبيُّ، قال: ليكونَ خاتمةُ القصص جامعةً للتسلِّي
والأمر بالمداراة، وتخلَّصاً إلى مشرعٍ آخر وهو قوله تعالى الآتي: (وَلَقَدْ) إلى آخره،
ففيه حديثُ الإعراض عن زهرةٍ الحياة الدنيا، وهو من أعظم أنواع الصبر(٣)، لكن
ذَكّر في ((الكشف)) أنَّ الذي يقتضيه النظمُ أنَّ قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ) إلى
آخره، جَمْعٌ بين حاشيتَي مُفصَّل الآيات البرهانية والامتنانية، ملخّصٌ منها مع زيادة
(١) في (م): باطلة.
(٢) مفردات الراغب (صفح).
(٣) في (م): الضر.

الآية : ٨٦-٨٧
٥٣٩
سُؤَدَّةُ الِىِّجْ
مبالغة من الحصر ليُلقيه المحتجّ به إلى المعاندين، ويتسلَّى به عن استهزاء
الجاحدين، وتمهيدٌ لتطرية ذِكر المقصود من كون الذكر كاملاً في شأن الهداية،
وافياً بكلِّ ما عُلِّق به من الغرض القائم له بحقِّ الرعاية، ثم قال: ومنه يظهرُ أنَّ
الآية عطفٌ على ((وما خلقنا)) إلخ عطفَ الخاصِّ على العامّ إشارة إلى أنَّه أتُّ النعم
وأحقُّ دليلٍ وأحقُّ ما يُتشفَّى به عن الغليل، وأنَّ مَن أُوتِيَه لا يضرُّه فَقْدُ شيءٍ سواه،
ومَن طلب الهوى في غيره تُركَ وهواه. اهـ. فتدبّر.
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الذي يُبلِّغك إلى غاية الكمال ﴿هُوَ الَلَّقُ﴾ لك ولهم ولسائر
®﴾ بأحوالك وأحوالهم وبكلِّ شيءٍ، فلا يخفَى عليه
الأشياء على الإطلاق ﴿اَلْعَلِيمُ
جلَّ شأنُه شيءٌ ممَّا جرَى بينك وبينهم، فحقيقٌ أنْ تَكِلَ الأمورَ إليه ليحكمَ بينكم،
أو هو الذي خلقكم وعلم تفاصيلَ أحوالكم، وقد علم سبحانه أنَّ الصفحَ الجميل
اليومَ أصلحُ إلى أنْ يكونَ السيفُ أصلحَ، فهو تعليلٌ للأمر بالصفح على التقديرَين
على ما قيل.
وقال بعض المدقّقين: إنَّه على الأخير تذييلٌ للأمر المذكور، وعلى الأول لقوله
سبحانه: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآَنِيَةٌ).
وقرأ زيدُ بن عليٍّ ﴿يَا والجحدري والأعمش ومالك بن دينار: ((هو الخالق))
وكذا في مصحف أَبيِّ وعثمان ﴾(١)، وهو صالحٌ القليل والكثير. و((الخلَّاق))
مختصّ بالكثير و((العليم)) أَوفقُ به، وهو على ما قيل أَنسبُ بما تقدَّم من قوله
سبحانه: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَنَهُمَاَ إِلَّا بِآلْحَقّ).
﴿وَلَقَدْ مَانِيْنَكَ سَبْعًا﴾ أي: سبعَ آيَات، وهي الفاتحة، ورُوي ذلك عن عمر وعلي
وابن عباس وابن مسعود وأبي جعفر وأبي عبد الله والحسن ومجاهد وأبي العالية
والضحاك وابن جبير وقتادة ﴿ه، وجاء ذلك مرفوعاً أيضاً إلى رسول الله وَلجه من
(٢)
حديث أُبيِّ وأبي هريرة
(١) القراءات الشاذة ص ٧١، والمحتسب ٦/٢، والبحر المحيط ٤٦٥/٥.
(٢) حديث أبيٍّ ◌َ﴿ه أخرجه الترمذي (٣١٢٥)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند
(٢١٠٩٤).
وحديث أبي هريرة له ينظر تخريجه في التعليق التالي.

سُؤَادَةٌ لِجْر
٥٤٠
الآية : ٨٧
وقيل: سبع سُوَرٍ، وهي الظُّوَل، ورُوي ذلك أيضاً عن عمر وابن عباس وابن
مسعود وابن جبير ومجاهد، وهي في روايةٍ: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة
والأنعام والأعراف، والأنفال وبراءة سورةٌ واحدة، وفي أخرى عدَّ براءةَ دون
الأنفال السابعة، وفي أخرى عدَّ يونس دونهما، وفي أخرى عدَّ الكهف.
وقيل: السبع آل ((حمّ))، وقيل: سبع صحفٍ من الصُّحُف النازلة على الأنبياء
عليهم السلام، على معنى أنَّه عليه الصلاة والسلام أُوتي ما يتضمَّنُ سبعاً منها وإنْ
لم يكن بلفظها، وهي الأسباع، وعن زياد بن أبي مريم: هي أمورٌ سَبْعٌ: الأمرُ
والنهي والبشارة والإنذار وضربُ الأمثال وتعداد النعم وأخبار الأمم.
وأصحُّ الأقوال الأول، وقد أخرجه البخاريُّ وأبو داود والترمذيُّ ورفعوه(١).
وقال أبو حيَّان(٢): إنَّه لا ينبغي العدولُ عنه، بل لا يجوزُ ذلك وأَوردَ على
القول بأنَّها السبع الطُّوَل أنَّ هذه السورةَ مكيَّةٌ وتلك السبع مدنيَّةٌ، ورُوي هذا عن
الربيع، فقد أخرج البيهقي في ((الشعب)) وابن جرير وغيرهما أنَّه قيل له: إنَّهم
يقولون: هي السبع الُوَل. فقال: لقد أُنزلَت هذه الآيةُ وما نزل من الظُّوَل
شيءٌ(٣).
وأُجيبَ بأنَّ المرادَ بإيتائها إنزالُها إلى السماء الدنيا، ولا فرقَ بين المدني
والمكي فيها .
واعترض بأنَّ ظاهر ((آتيناك)) يأباه، وقيل: إنَّه تنزيلٌ للمتوقَّع منزلةَ الواقع في
الامتنان، ومثله کثیر.
﴿مِّنَ الْمَثَانِ﴾ بيانٌ للسبع وهو - على ما قال في موضع من ((الكشاف)» ۔ جمعُ
مَثْنَى بمعنى مُردَّد ومكرَّر، ويجوزُ أنْ يكونَ مُثَنَّى مُفَعَّل من التثنية بمعنى التكرير
والإعادةِ، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَجِعِ الْصَرَ كَزََّنِ﴾ [الملك: ٤] أي: كرَّةً بعد كرَّة،
(١) صحيح البخاري (٤٧٠٤)، وسنن أبي داود (١٤٥٧)، وسنن الترمذي (٣١٢٤)، وهو في
مسند أحمد (٩٧٨٨) من حديث أبي هريرة ◌ُه.
(٢) البحر المحيط ٥/ ٤٦٥ .
(٣) شعب الإيمان (٢٤٢٠)، والطبري ١١٦/١٤.