Indexed OCR Text
Pages 481-500
الآية : ٤٢ ٤٨١ وَةُ الِحِّعْرُ وعن مجاهد وقتادة: إنَّ هذا تهديدٌ للَّعينِ، كما تقول لغيرك: افعل ما شئتَ فَطريقك عليَّ، أي: لا تفوتُني، ومثلُه على ما قال الطبرسيُّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِ لْمِرْصَادٍ﴾(١) [الفجر: ١٤] والمشارُ - على هذا - إليه ما أَقسَم مع التأكيد عليه، وأظهرُ هذه الأوجه على ما قيل هو الأوَّلُ، واختار في ((البحر)) كونَها إلى (٢) الإخلاص(٢). وقيل: الأظهرُ أنَّ الإشارةَ لِمَا وقع في عبارة إبليس عليه اللعنة، حيث قال: ﴿الَأَقْعُدَنَّ لَمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٨٦ ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦-١٧] إلخ، ولا أدري ما وجه كونه أظهر؟ !. وقرأ الضحاكُ وإبراهيم وأبو رجاء وابنُ سيرين ومجاهد وقتادة وحميد وأبو شرف - مولى كندة - ويعقوب وخلق كثير: ((عليٍّ مستقيم)) برفع ((عليٍّ)) وتنوينه(٣)، أي: عالٍ؛ لارتفاع شأنه. ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ أي: تسلُّطُ وتصرُّفٌ بالإغواء، والمرادُ بالعباد المشارُ إليهم بالمخلصين، فالإضافة للعهد، والاستثناء على هذا في قوله ﴾ منقطعٌ، واختارَ ذلك غيرُ واحدٍ، واستَدَلَّ ٤٢ تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْغَارِينَ عليه بسقوط الاستثناءِ في ((الإسراء))(٤). وجوِّز أنْ يكونَ المرادُ بالعباد العمومَ، والاستثناءُ متَّصلٌ، والكلامُ كالتقرير لقوله: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) ولذا لم يُعطَف على ما قبله، وتغييرُ الوضع؛ لتعظيم المخلصين بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء. وفي الآية دليلٌ لمن جوَّز استثناءَ الأكثر، وإلى ذلك ذهب أبو عبيد والسيرافي وأكثرُ الكوفيَّة، واختاره ابن خروف والشلوبين وابن مالك(٥)، وأجاز هؤلاء أيضاً (١) مجمع البيان ٢٨/١٤. (٢) البحر المحيط ٤٥٤/٥ . (٣) قراءة يعقوب في النشر ٣٠١/٢، وقراءة باقي المذكورين في المحتسب ٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٦٢/٣، والبحر المحيط ٤٥٤/٥. (٤) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَسِيلًا﴾ [الآية: ٦٥]. (٥) التسهيل ص ١٠٣ . سُورَةُ الِفُ ٤٨٢ الآية : ٤٢ استثناء النصف، وذهب بعضُ البصريَّة إلى أنَّه لا يجوزُ كونُ المستثنَى قَدْرَ نصف المستثنى منه أو أكثر، ويتعيَّن كونُه أقلَّ من النصف، واختاره ابنُ عصفور(١) والامديُّ، وإليه ذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليِّين، وذهب البعضُ الآخرُ من علماء البلدين إلى أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ المخرَجُ النصفَ فما دونه، ولا يجوزُ أنْ يكونَ أكثرَ، وإليه ذهب الحنابلة، واتَّفق النحويُّون كما قال أبو حيان وكذا الأصوليُّون عند الإمام(٢) والآمدي - خلافاً لِمَا اقتضاه نقلُ القَرَافي عن ((المدخل)) لابن طلحة(٣) - على أنَّه لا يجوزُ أنْ يكونَ المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه، ومن الغريب نَقلُ ابنٍ مالك عن الفرَّاء جوازَ: له عليَّ ألفٌ إلا ألفَين. وقيل: إنْ كان المستثنَى منه عدداً صريحاً يمتنع فيه استثناءُ النصف والأكثر، وإنْ كان غيرَ صريح لا يمتنعان، وتحقيق هذه المسألة في الأصول. والمذكورُ في بعض كتب العربيةً عن أبي حيان (٤) أنَّه قال: المستقرَأُ مِن كلام العرب إنَّما هو استثناءُ الأقل، وجميعُ ما استُدلَّ به على خلافه محتمل التأويل؛ وأنت تعلم أنَّ الآيةَ تدفعُ مع ما تقدَّم قولَ مَن شَرَط الأقلَّ لِمَا يلزم عليه من الفساد؛ لأنَّ استثناء (الغاوين)) هنا يستلزمُ على ذلك أنْ يكونوا أقلّ من ((المخلصين)) الذين هم الباقون بعد الاستثناء من جنس العباد، واستثناء ((المخلصين)) هناك يستلزم أن يكونوا أقلَّ من ((الغاوين)) الذين هم الباقون بعد الاستثناء من ذلك، فيكون كلٌّ من المخلصين والغاوين أقلّ من نفسه، وهو كما ترى. وأجاب بعضُهم بأنَّ المستثنَى منه هنا جنسُ العباد الشامل للمكلَّفين وغيرِهم ممن مات قبل أنْ يكلَّف، ولا شكَّ أنَّ الغاوين أقلُّ من الباقي منهم بعد الاستثناء وهم المخلصون ومن مات غيرَ مكلَّفٍ، والمستثنى منه هناك المكلَّفون إذ هم الذين (١) المقرب ١٦٦/١ . (٢) المحصول ٣٧/٣-٣٨. (٣) هو أبو بكر عبد الله بن طلحة بن محمد اليابري، له معرفة بالنحو والأصول والفقه والتفسير، ألَّف كتاباً في شرح صدر رسالة ابن أبي زيد القيرواني، و((المدخل)) إلى كتاب آخر سماه: ((سيف الإسلام على مذهب مالك الإمام)»، توفي سنة (٥١٨هـ). نفح الطيب للمقري ٦٤٨/٢، وبغية الوعاة ٤٦/٢. (٤) ينظر تذكرة النحاة ص ٢٩٤. الآية : ٤٣ ٤٨٣ سُورَةَ الِجم يُعقَل حملُهم على الغواية والضلال، إذ غيرُ المكلَّف لا يُوصَف فعلُه بذلك، والمخلصون أقلُّ من الباقي منهم بعد الاستثناء أيضاً، ولا محذور في ذلك. وذكر بعضُهم أنَّ الكثرةَ والقلَّة الادِّعائَّتين تكفيان لصحَّة الشرط، فقد ذكر السّكاكي في آخر قسم الاستدلال: وكذا لا تقول: لفلان عليَّ ألفٌ إلا تسع مئة وتسعين، إلا وأنت تُنزلُ ذلك الواحد منزلةَ الألف بجهة من الجهات الخطابيَّةِ(١). اهـ. مع أنَّه ممن يشترط كون المستثنَى أقلّ من الباقي. وظاهرُ كلام الأصوليين يُنافيه. وجوِّز أنْ يكونَ الاستثناء منقطعاً على تقدير إرادةِ الجنس أيضاً، ويكون الكلامُ تكذيباً للملعون فيما أوْهَم أنَّ له سلطاناً على مَن ليس بمخلص من عباده سبحانه، فإنَّ مُنتَهَى قدرته أنْ يَغُرَّهم ولا يقدر على جَبْرهم على اتِّباعه كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لَِ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَرْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فحاصل المعنى أنَّ مَن اتَّبعك ليس لك عليهم سلطان وقهر، بل أطاعوك في الإغواء واتَّبعوك لسوء اختيارهم، ولا يضرُّ في الانقطاع دخولُ الغاوين في العباد بناءً على ما قالوا من أنَّ المعتَبَر في الاتصال والانقطاع الحكمُ، ويُفهِمُ كلامُ البعض أنَّه يجوز أنْ تكون الآية تصديقاً له - عليه اللعنة - في صريح الاستثناء وتكذيباً في جعل الإخلاص علَّةً للخلاص حسبما يُشيرُ إليه كلامُه، فإنَّ الصبيان والمجانين خلصوا من إغوائه مع فقد هذه العلَّة. و ((مِن)) على جميع الأوجه المذكورة لبيان الجنس، أي: الذين هم الغاوون. واستدلَّ الجبائي بنفي أنْ يكونَ له سلطان على العباد على ردِّ قولٍ مَن يقول: إنَّ الشيطان يمكنه صرعُ الناس وإزالة عقولهم، وقد تقدَّم الكلام في إنكار المعتزلةِ تخبُّط الشيطان، والردِّ عليهم(٢). ﴿وَإِنَّ جَهَنََّ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْعِينَ بالقرب وظهور ملاءمته للضمير، والأوَّل بأنَّ اعتباره أدخلُ في الزجر عن اتِّباعه مع أنَّ الثاني جيء به لبیانه. ه الضميرُ لمن اتّبع أو للغاوين، ورُجّح الثاني ٤٣ (١) مفتاح العلوم ص ٥٠٩، والمؤلف نقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٢٩٥/٥. (٢) ٧٦/٣. سُورَةُ الِجم ٤٨٤ الآية : ٤٤ و((أجمعين)) توكيدٌ للضمير، وجوِّز أنْ يكونَ حالاً منه، ويُجعَل على هذا ((الموعد)) مصدراً ميميًّا ليتحقق شرط مجيء الحال من المضاف إليه، وهو كونُ المضاف مما يعملُ عمل الفعل، فإنَّهم اشترطوا ذلك، أو كونُ المضاف جزءً المضاف إليه أو كجزئه، على ما ذكره ابنُ مالك(١) وغيرُه، ليتَّحد عاملُ الحال وصاحبُها حقيقةً أو حكماً، لكن يُقدَّر حينئذٍ مضافٌ قبله؛ لأنَّ جهنم ليسَت عين الموعد بل محلُّه، فيقدَّر محلٌّ وعدِهم أو مكانه، وليس بتأويل اسم المفعول كما وهم. وجوِّز أنْ يكونَ الموعدُ اسمَ مكانٍ، وحينئذٍ لا يحتاجُ إلى تقدير المضافِ إلا أنَّ في جواز الحاليّة بحثاً؛ لأنَّ اسمَ المكان لا يعملُ عملَ فعله كما حقِّق في النحو، وكونُ العامل معنى الإضافة وهو الاختصاصُ على القول بأنَّه الجارُّ للمضاف إليه غيرُ مقبولٍ عند المحقِّقين؛ لأنَّ ذلك من المعاني التي لا تنصب الحال، ولا يخفى ما في جعل ((جهنم)) موعداً لهم من التهكّم والاستعارة، فكأنَّهم كانوا على ميعاد، وفيه أيضاً إشارةٌ إلى أنَّ ما أُعِدَّ لهم فيها مما لا يُوصَف في الفظاعة. ﴿لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ﴾ أي: سبع طبقاتٍ ينزلُونها بحَسَب مراتبهم في الغواية والمتابعة، روي ذلك عن عكرمة وقتادة، وأخرج أحمدُ في ((الزهد)) والبيهقي في ((البعث)) وغيرُهما من طرقٍ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّه قال: أبوابُ جهَّم سبعةٌ بعضُها فوقَ بعضٍ، فيملأ الأوَّل ثم الثاني ثم الثالث، حتى تُملأ كلّها (٢). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴾ًا: إنَّها جهتَّمُ والسعيرُ ولَظَى والحُطَمَة وسَقَر والجحيمُ والهاويةُ، وهي أسفلُها(٣). وجاء في ترتيبها عن الأعمش وابنٍ جُريج وغيرِهما غيرُ ذلك. وذكر السهيلي في كتاب ((الإعلام)) أنَّه وقع في كُتُب الرقائق أسماءُ هذه (١) التسهيل ص ١١٠. (٢) الزهد ص ١٦٣، والبعث والنشور (٥٠٦) و(٥٠٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥٤/١٣، والطبري ١٤/ ٧٤ . (٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٩٩/٤. الآية : ٤٤ ٤٨٥ سُورَةُ الِحْرُ الأبواب، ولم ترد في أثرٍ صحيح، وظاهرُ القرآن والحديث يدلُّ على أنَّ منها ما هو من أوصاف النار نحو: السَّعير والجحيم والخُطَمة والهاوية، ومنها ما هو عَلَمٌ للنار كلِّها نحو: جهنّم وسَقَر ولظى، فلذا أضربنا عن ذكرها(١). اهـ. وأقربُ الآثار التي وقَفْنا عليها إلى الصحة فيما أظنُّ ما روي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه؛ لكثرة مخرِّجيه، وتحتاجُ جميع الآثار إلى التزام أنْ يقال: إنَّ جهنم تُطلَق على طبقةٍ مخصوصةٍ، كما تُطلَق على النار كلِّها. وقيل: الأبوابُ على بابها، والمرادُ أنَّ لها سبعةً أبوابٍ يدخلونها؛ لكثرتهم والإسراع بتعذيبهم. والجملةُ - كما قال أبو البقاء - يجوزُ أنْ تكونَ خبراً ثانياً، ويجوزُ أنْ تكونَ مستأنفةً، ولا يجوزُ أنْ تكونَ حالاً من ((جهنم))؛ لأنَّ ((إنَّ)) لا تعمل في الحال(٢). فريقٌ معيَّنٌ مفروزٌ ٤٤ ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ من الأتْباع والغواة ﴿جُزْءٌ نَفْسُوءُ من غيره حسبما يقتضيه استعدادُه، فبابٌ للموحِّدين العصاة، وبابٌ لليهود، وبابٌ للنصارى، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للمشركين، وباب للمنافقين، وروي هذا الترتيب في بعض الآثار. وعن ابن عباس أنَّ جهنم لمن ادَّعى الربوبيةَ، ولَظَى لعَبَدة النار، والحُطمة لعبدة الأصنام، وسَقَر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحِّدين العاصين، وروي غير ذلك. وبالجملة في تعيين أهلها كترتيبها اختلافٌ في الروايات. ولعلَّ حكمةَ تخصيصٍ هذا العددِ انحصارُ مجامع المهلِكات في المحسوسات بالحواسِّ الخمس ومقتضيات القوة الشهوانية والغضبية (٣)، أو أنَّ أصول الفِرَق الداخلين فيها سبعة. وقرأ ابنُ القعقاع: ((جُزٍّ) بتشديد الزاي من غير همزِ(٤)، ووجهه أنَّه حذَفَ (١) التعريف والإعلام ص ٨٩. (٢) الإملاء ٤٢٨/٣ . (٣) في (م): الشهوانية الغضبية. دون واو. (٤) النشر ٤٣٢/١. سُورَةُ الِجْرُ ٤٨٦ التفسير الإشاري (٣-٤٤) الهمزةَ وألقَى حركتَها على الزاي ثم وَقَف بالتشديد، ثم أجرى الوصل مجرَى الوقف. وقرأ ابنُ وثاب: ((جُزٌُ)) بضمِّ الزاي والهمز(١). و(منهم)) حالٌ من ((جزء)) وجاء من النكرة لتقدُّمه ووصفها، أو حال من ضميره في الجارِّ والمجرور الواقع خبراً له، ورجح بأنَّ فيه سلامةً مما في وقوع الحال من المبتدأ، والتزم بعضُهم لذلك كون المرفوع فاعلاً بالظرف ولا يجوز أنْ يكونَ حالاً من الضمير في ((مقسوم)) لأنَّه صفة ((جزء)) فلا يصح عملُه فيما قبل الموصوف، وكذا لا يجوز أنْ يكونَ صفةً ((باب)) لأنَّه يقتضي أنْ يقال منها، وتنزيلُ الأبواب منزلَة العقلاء لا وَجْهَ له هنا كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة: ﴿ذَرَهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُذْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فيه إشارةٌ إلى ذمّ مَن كان همُّه بطنَه وتنفيذَ شهواته، وقال أبو عثمان: أسوأ الناس حالاً من كان همُّه ذلك، فإنَّه محرومٌ عن الوصول إلى حَرَم القرب. ﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ رَمَوه وحاشاه ◌َليه بالجنون مُشيرين إلى أنَّ سَبَبَه دعواه عليه الصلاة والسلام نزول الذِّكْر الذي لم تَتَّسع له عقولُهم، والإشارةُ في ذلك أنَّه لا ينبغي لمن لم يتّسع عقلُه لِمَا مَنَّ الله سبحانه به على أوليائه من الأسرار أنْ يُبادروهم بالإنكار ويرموهم بما لا ينبغي، كما هو عادةٌ كثيرٍ من المنكرين اليومَ على الأولياء الكاملين، حيث نسبوهم فيما تكلَّموا به من الأسرار الإلهية والمعارف الرَّبانية إلى الجنون، وزَعَموا أنَّ ما تكلَّموا به من ذلك تُرَّهاتٌ وأباطيلُ خُيِّلَت لهم من الرياضات، ولا أعني بالأولياء الكاملين سوى مَن تحقَّق لدى المنصفين موافقتهم للشرع فیما یأتون ویَذَرُون، دون الذین یزعمون انتظامهم في سلكهم وهم أولياءُ الشيطان، وحزبُهم حزبُه، كبعض متصوِّفة هذا الزمان، فإنَّ الزنادقةَ بالنسبة إليهم أتقياء موحّدون، كما لا يخفى على مَن سَبَر أحوالهم. (١) البحر المحيط ٤٥٥/٥، وهي قراءة شعبة كما في التيسير ص ٨٢، والنشر ٢١٦/٢. التفسير الإشاري (٣-٤٤) ٤٨٧ سُؤَةُ الِ جُ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ قال ابنُ عطاء: أي: إنَّا نزَّلنا هذا الذكر شفاءً ورحمةً وبياناً للهدى فينتفعُ به مَن كان موسوماً بالسعادة منوَّراً بتقديس السرِّ عن دَنَس المخالفة. ((وإنَّا له لحافظون)) في قلوب أوليائنا، فهي خزائنُ أسرارنا . ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ﴾ أشار سبحانه إلى سماء الذات وبروج الصفات والجلال، فيسيرُ في ذلك القلبُ والسرُّ والعقلُ والروح فيحصل للروح التوحيدُ والتجريدُ والتفريدُ، وللعقل المعارفُ والكواشفُ، وللقلب العشقُ والمحبةُ، والخوفُ والرجاء، والقَبْض والبسط، والعلم والخشية والأُنس والانبساط، وللسرِّ الفناءُ والبقاء، والسُّكر والصَّحْوُ. ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَانِ رَجِيمٍ﴾ إشارةٌ إلى مَنْع كشفِ جمال صفاته سبحانه وجلال ذاته عزَّ وجل عن أبصار البطَّالين والمدَّعين والمبطلين الزائغين عن الحقِّ ﴿إِلَّا مَنِ أَسْتَقَ السَّمْعَ﴾ اختلس شيئاً من سُكان هاتيك الحظائرِ القُدْسية من الكاملين ﴿ فَأَنْبَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ نار التحيُّر فهلَكَ في بوادي التيه، أو صار غولاً يُضِلُّ السائِرِين السالكين لتحصيل ما ينفعُهم. وقيل: الإشارة في ذلك: إنَّا جعلنا في سماء العقل بروجَ المقامات ومراتبَ العقول من العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، وزيَّناها بالعلوم والمعارفِ للناظرين المتفكّرين، وحفظناها من شياطين الأوهام الباطلةِ إلا مَن اخْتَطف الحكم العقلي باستراق السمع لقربه مِن أُفُق العقل فأتبعه شهابُ البرهان الواضح فطَرَده وأَبَطَلَ حكمه. اهـ. ولا يخفَى ما في تزيين كلِّ مرتبةٍ من مراتب العقولِ المذكورة بالعلوم والمعارفِ للمتفگّرین من النظر على من تفكّر. وقيل: الإشارةُ إلى أنَّه تعالى جَعَل في سماء القلوب بروجَ المعارف تسيرُ فيها سيَّاراتُ الهمم، وجَعَلها زينةً للناظرين إليها المطّلعين عليها من الملائكة والروحانيين، وحَفِظها من الشياطين، فلو دَنَا إبليسُ أو جنودُه من قلب عارفٍ احترقَ بنور معرفتِهِ، ورُوَّ خاسئاً. سُوَّةَ الِجْر ٤٨٨ التفسير الإشاري (٣-٤٤) ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَتْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه تعالى بَسَط بأنوار تجلِّي جماله وجلاله سبحانه أرضَ قلوبٍ أوليائه حتى إنَّ العرش وما حوى بالنسبة إليها كحلقةٍ في فَلَاة، بل دون ذلك بكثير، وفي الخبر: ((ما وَسِعَني أرضي ولا سمائي ولكنْ وسعني قلبُ عبدي المؤمن)»(١) ثم إنَّه تعالى لمَّا تجلَّى عليها تزلْزَلَت من هيبته فأَلقَى عليها رواسي السكينة فاستقرَّت، وأنبتَ فيها بمياه بحارِ زلال نور غَيْبِهِ من جميع نباتات المعارف والكواشف والمواجيد والحالات والمقامات والآداب، و کلٌّ من ذلك موزون بمیزان علمه وحكمته. وقال بعضهم: نفوسُ العابدين أرضُ العبادة، وقلوبُ العارفين أرضُ المعرفة، وأرواحُ المشتاقين أرضُ المحبة، والرواسي: الرجاءُ والخوف والرغبةُ والرهبة، والأزهار: الأنوار التي أشرقت فيها من نور اليقين ونور العرفان ونور الحضور ونور الشهود ونور التوحید إلى غير ذلك. وقيل: أُشيرَ بالأرض إلى أرض النفس، أي: بَسَطْنا أرض النفس بالنور القلبي وألقينا فيها رواسي الفضائل، وأنبتنا فيها كلَّ شيءٍ من الكمالات الخلقية والأفعال الإرادية والملكات الفاضلة والإدراكات الحسية معين مقدَّر بميزان الحكمة والعدل. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَيِشَ﴾ بالتدابير الجزئية ﴿وَمَنْ أَّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ﴾ ممن يُنسَب إليكم ويتعلَّق بكم، قال بعضُهم: إنَّ سَبَب العيش مختلفٌ، فعيش المريدين بيُمْنِ إقباله تعالى، وعَيْشُ العارفين بلُطفِ جماله سبحانه، وعيشُ الموحّدین بگَشْف جلاله جلَّ جلاله. ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآِنُهُ﴾ أي: ما من شيءٍ إلا له عندنا خزانةٌ في عالم القضاء ﴿وَمَا نُقَزُّهُ:﴾ في عالم الشهادة ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ تَعْلُومٍ﴾ من شكلٍ وقَدرٍ ووَضْعِ ووقت ومحلٌّ حسبما يقتضيه استعدادُه، قيل: إنَّ الإشارة في ذلك إلى دعوةِ العباد إلى حقائق التوكل وقطع الأسباب والإعراض عن الأغيار، ومن هنا قال حمدون: إنَّه سبحانه قطَعَ أطماع عبيده جلَّ وعلا بهذه الآية، فمن رفع بعد هذا حاجةً إلى غيره - تعالى شأنه - فهو جاهلٌ مَلُومٌ، وكان الجنيد قدِّس سرُّه إذا قرأ هذه الآيةَ (١) المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (٢٩٣)، وتقدم ٢٢١/٤. سُورَةُ الِفُ ٤٨٩ التفسير الإشاري (٣-٤٤) يقول: فأين تذهبون؟ ويقال: خزائتُه تعالى في الأرض قلوبُ العارفين وفيها جواهرُ الأسرار، ومنهم مَن قال: النفوسُ خزائنُ التوفيق، والقلوبُ خزائنُ التحقيق، والألسنة خزائن الذكر، إلى غير ذلك. ﴿وَأَرْسَلْنَا﴾ على القلوب ﴿اُلْرِّيَحَ﴾ النفحات الإلهية ﴿لَوَفِعَ﴾ بالحكم والمعارف، قال ابنُ عطاء: رياحُ العناية تُلقِّحُ الثبات على الطاعات، ورياحُ الكرم تلقِّح في القلوب معرفَة المنعم، ورياحُ التوكّل تلقح في النفوس الثقةَ بالله تعالى والاعتمادَ عليه، وكلٌّ مِن هذه الرياح تظهرُ في الأبدان زيادة وفي القلوب زيادة، وقد شَقِيَ(١) من حُرِمَها. ﴿فَقْنَا مِنَ السَّمَآءِ﴾ أي: سماء الروح ﴿مَآءَ﴾ من العلوم الحقيقية ﴿فَلَقَيْنَكُمُوهُ﴾ وأحييناكم به ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: لذلك الماء ﴿يَخَزِنِينَ ﴾﴾ لخلوِّكم عن العلوم قبل أنْ نُعلِّمَكم. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّحِىء﴾ القلوبَ بماء العلم والمشاهدة ﴿وَثُمِيتُ﴾ النفوسَ بالجدِّ والمجاهدة، وقيل: نحيي بالعلم، ونميت بالإفناء في الوحدة، وقيل: نحيي بمشاهدتنا قلوبَ المطيعين من موت الفراق، ونميتُ نفوسَ المريدين بالخوف منّا وقَهْر عظمتنا عن حياة الشهوات. وقال الواسطي: نحيي مَن نشاء بنا، ونميت مَن نشاء عنَّا. وقال الورَّاق: نُحيي القلوبَ بنور الإيمان، ونميتُ النفوسَ باتِّباع الشيطان. وقيل وقيل. ﴾ للوجود، والباقون بعد الفناء ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ ﴿وَنَحْنُ الْوَرِثُونَ وهم المشتاقون الطالبون للتقدُّم ﴿وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَِْينَ﴾ وهم المنجذبُون إلى عالم الحسِّ باستيلاء صفات النفس، الطالبون للتأُّر عن عالم القدس وروضاتِ الأنس، ومن هنا قال ابن عطاء: مِن القلوب قلوبٌ هِمَّتُها مرتفعةٌ عن الأدناس والنظر إلى الأكوان، ومنها ما هي مربوطةٌ بها مقترنةٌ بنجاستها لا تنفكُّ عنها طرفة عين. وقيل: ((المستَقْدِمين)) الطالبون كشفَ أنوارِ الجمال والجلال، و((المستأخرين)) أهل الرسوم الطالبون للحظوظ والأعراض. وقيل: الأوَّلون هم أربابُ الصَّحو الذين يتسارعون (١) في (م): وشقى. سُوْدَةُ الإِجْ ٤٩٠ التفسير الإشاري (٣-٤٤) إذا دُعُوا إلى الطاعة، والآخرون سُكارى التوحيدٍ والمعرفة والمحبة. وقيل: الأوَّلون هم الآخذون بالعزائم، والآخرون هم الآخذون بالرُّخَص، وقيل غيرُ ذلك. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَّكَةِ إِنِ خَلِقُ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ تَسْئُونٍ﴾ فيه إشارةٌ إلى عِظَم شأنٍ آدَمَ عليه السلام، حيث أَخْبَر سبحانه بخلقه قبل أنْ يخلقَه، وسماه بشراً؛ لأنَّه جلَّ شأنه باشَرَ خلْقَه بيديه، ولم يثن سبحانه اليدَ لأحدٍ إلا له، وهو النسخةُ الإلهية الجامعة لصفات الجمال والجلال. ﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ أضافَ سبحانه الروحَ إلى نفسه؛ تشريفاً لها وتعظيماً لقدرها، لِمَا أنَّها سرٌّ خفيٍّ من أسراره جلَّ وعلا، ولذا قيل: مَن عَرَف نفسه عَرَف ربّه، وعلَّق تبارك شأنه الأمر بالسجود بالتسوية والنفخ لِمَا أنَّ أنوارَ الأسماء والصفات وسناءَ سبحات الذات إنَّما تظهرُ إذ ذاك، ولذا لمَّا تمَّ الأمرُ وجُلِّدَت (١) النسخةُ، فظهرَت أنوارُ الحقِّ، وقُرِئت سطورُ الأسرار، استَصْغَرُوا أنفسهم ﴿فَسَجَدَ اٌلْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ (٣) إِلَّ ◌ِيْلِسَ﴾ لمَّا أَعمَى الله تعالى عينَه عن مشاهدة ما شاهدوه ﴿أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ﴾ ولو شاهد ذلك لسجَدَ كما سجدوا. ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ﴾ غلط اللعينُ في زَعْمه أنَّه خيرٌ من آدَمَ عليه السلام، ولم يخطُر في باله أيضاً أنَّ المحبَّ الصادقَ يمتثلُ أمر محبوبه كيف كان، ومن هنا قيل: لو قال تيهاً قِفْ على جَمْر الغَضَى لوقفتُ ممتثلاً ولم أتوقَّفِ(٢) وقال بعضُ أهل الوحدة: إنَّ الملعونَ ظنَّ أنَّه مستحكم في توحيده حيث لم يسجد لغيره تعالى، وقد أخطأ أيضاً لأنَّه لا غيرَ هناك؛ لأنَّ في حقيقة جَمْعِ الجمع ترتفعُ الغيريَّةُ وتزولُ الاثنَينِيَّةُ، وأنت تعلم أنَّ هذا بمراحلَ عمَّا يدلُّ عليهَ كلامُه، وأنَّ الغيريَّة إذا ارتَفَعَت في هذا المقام ترتفعُ مطلقاً، فلا تبقَى غيريَّةٌ بين آدم وإبليسَ (١) جاء في هامش (م): هي كلمة مستعملة عند العامة يقولون: جَلَّدْتُ الكتاب، أي: وضعتُ له جلداً، وبهذا المعنى استُعملَت هنا جرياً على المتعارف عندهم، وإلا قال بعض الأفاضل: جلدت الكتاب، بمعنى: أزلتُ جلدهُ فليحفظ. اهـ منه. (٢) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ١٥٣، وتقدم ٣٢٣/١. التفسير الإشاري (٣-٤٤) ٤٩١ سُوَّةُ الِجْمُ بل ولا بينهما وبينَ شخصٍ من الأشخاص الخارجية والذهنية، ومن هنا قال قائلهم: ما ملك سليمان وما بِلقيسُ ما آدمُ في الكون ما إبليسُ يا مَن هو للقلوب مغناطيسُ(١) الكلُّ عبارةٌ وأنت المعنى وقال الحسینُ بنُ منصور: وعَقْلي فيك مَنْهوسُ( جُحُودي لك تقديس ومَن في البَيْن إبليسُ(٣) ـنْ آدمُ إلَّاك فَــ وقد انتشَرَ مثلُ هذا الكلام اليومَ في الأسواق ومجالس الجهلةِ والفسَّاق، واتَّسع الخَرْقُ على الراقع، وتفاقَمَ الأمرُ، وما له سوى الله تعالى من دافع. ﴿قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ طريدٌ عن ساحة القرب؛ إذ القرب يقتضي الامتثال، وكلَّما ازداد العبدُ قرباً من ربِّه ازداد خضوعاً وخشوعاً. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ الَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ آلِينِ﴾ لم يُرد سبحانه أنَّه بعد ذلك يحصلُ له القرب، خلافاً لبعض أهل الوحدة، بل أرادَ جلَّ وعلا بعضَ ما قدَّمناه. ﴿قَالَ رَبٍ بِمَّ أَغْوَبِنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: لأُزيننَّ لهم الشهواتِ في الجهة السفلية ﴿وَلَأُغْوِيَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٣) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين أخلصتَهم لك واصطفيتَهم لمحبَّتك، أو المخلصين في طاعتهم لك، ولا يلتفتون لأحدٍ سواك، وفيه من مَدْحِ الإخلاص ما فيه، وفي الخبر: «العالمُ هلكَى إلا العالِمون، والعالمون هلكَى إلا العاملون، والعاملون هلكَى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر - أي: شرف - عظيم)) (٤) كما ذكره السيد السند في بعض تعليقاته. ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ أي: الذين يُناسبونك في الغواية والبعد ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ﴾ عدد الحواسِّ (١) لم نقف عليها، وسينسبها المصنف إلى ابن عربي عند نهاية تفسير سورة فصلت. (٢) في هامش (م) أصله: القليل اللحم من الرجال. اهـ منه. ينظر القاموس (نهس). (٣) تفسير القشيري ٢٧٢/٢، دون نسبة. (٤) سلف ٢/ ٢٨٢. سُورَةُ الِجْر ٤٩٢ الآية : ٤٥ الخمسِ والقوَّتَين الشَّهويَّة والغَضَبية، وهاتان القوَّتان بابان عظيمان للضلالة المفضية إلى النار. أخرج ابنُ جرير عن يزيد بنِ قُسَيط قال: كانت للأنبياء عليهم السلام مساجدُ خارجةٌ من قراهم، فإذا أرادَ أحدُهم أنْ يَستنبئَ ربَّه عن شيءٍ، خرج إلى مسجده فصلَّى ما كتبَ الله تعالى، ثم سأل ما بدا له، فبينما نبيٍّ في مسجده إذ جاء إبليسُ حتى جلَسَ بينه وبين القِبلة، فقال النبيُّ: أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ثلاثاً، فقال إبليس: أخبرني بأيِّ شيءٍ تنجو منِّي؟ قال النبيُّ: بل أخبرني بأيِّ شيءٍ تغلبُ ابنَ آدم؟ فأجدَّ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه، فقال النبيُّ: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. قال إبليس: قد سمعتُ هذا قبل أنْ تولد. قال النبيُّ: ويقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِلَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وإِنِّي والله تعالى ما أحسَسْتُ بك قطُ إلا استعذْتُ بالله تعالى منك. قال إبليس: صدقتَ بهذا تنجو منِّي. فقال النبيُّ: أخبرني بأيِّ شيءٍ تغلبُ ابنَ آدم؟ قال: آخذُهُ عند الغضب وعند الهوى(١). ﴿لِكُلِّ بَاتٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ نَفْسُوءُ﴾ فيكونُ لكلِّ بابٍ فرقةٌ تغلبُ عليها قوَّةُ ذلك الباب، نسألُ الله تعالى أنْ يُجيرنا منها بحرمة سيِّد ذوي الألباب اليه . ﴾ أي: مستقرُّون في ذلك خالدون فيه، ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِی جَنَّتٍ وَعُيُونٍ والمرادُ بهم - على ما في ((الكشاف)) عن ابن عباس ﴿ - الذين اتَّقَوا الكفرَ والفواحشَ، ولهم ذنوبٌ تكفِّرها الصلواتُ وغيرُها(٢). وفيه أنَّ المتقي على الإطلاق مَن يَتَّقي ما يجبُ اتِّقاؤه مما نُهي عنه. ونقل الإمامُ عن جمهور الصحابة والتابعين وذَكَر أنَّه المنقولُ عن الحبر أنَّ المرادَ بهم الذين اتَّقَوا الشرك، ثم قال: وهذا هو الحقُّ الصحيحُ، والذي يدلُّ عليه (١) تفسير الطبري ١٤/ ٧١-٧٢. (٢) الكشاف ٣٩٢/٢. الآية : ٤٥ ٤٩٣ سُورَةَ الِهْرُ أنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرَّةً واحدةً، كما أنَّ الضارب هو الآتي بالضرب مرَّةً، فليس من شرط صدْقِ الوصف بكونه مُتَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى، والذي يُقرِّر ذلك أنَّ الآتي بفردٍ واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى، فإنَّ الفردَ مشتملٌ على الماهية بالضرورة، وكلُّ آتٍ بالتقوى يجبُ أنْ يكونَ مُثَّقياً، فالآتي بفردٍ يجبُ كونه متقياً، ولهذا قالوا: ظاهرُ الأمر لا يفيدُ التكرار، فظاهرُ الآية يقتضي حصولَ الجنَّات والعيون لكلِّ مَن اتَّقى عن ذنبٍ واحدٍ إلا أنَّ الأمة مجمعةٌ على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم، وأيضاً هذه الآية ورَدَت عقیبَ قولٍ إبليسَ: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٣) وعقيبَ قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيَّهِمْ سُلْطَانُ) فلذا اعتُبر الإيمان في هذا الحكم، فوجب أنْ لا يُزادَ فيه قيدٌ آخرُ؛ لأنَّ تخصيصَ العامِّ لما كان خلافَ الظاهر، فكلَّما كان التخصيصُ أقلَّ كان أوفقَ بمقتضَى الأصل والظاهر، فثبتَ أنَّ الحكمَ المذكورَ يتناولُ جميعَ القائلين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وَ﴿، ولو كانوا مِن أهل المعصية، وهذا تقريرٌ بيِّنٌ وكلامٌ ظاهرٌ(١). اهـ. وقد يقال: لا شبهةَ في أنَّ السياق يدلُّ على أنَّ المتقين هم المخلصون السابقُ ذكرُهم، وأنَّ المطلَق يُحمَلُ على الكامل، والکامل ما أشار إليه الزمخشري ولا بأس بالحمل عليه، وقيل: إنَّه الأنسبُ. وإخراجُ العصاة من النار ثابتٌ بنصوصٍ أُخَر، وكذا إدخالُ التائبين الجنةً، بل غيرهم أيضاً، فلا يلزمُ القائل بذلك القول بما عليه المعتزلةُ من تخليد أصحاب الكبائر، كما لا يخفى. و ((أل)) للاستغراق، وهو إما مجموعيٍّ، فيكونُ لكلِّ واحدٍ من المتقين جنةٌ وعينٌّ، أو إفراديٌّ فيكونُ لكلِّ جناتٌ وعيونٌ. والمرادُ بالعيون يحتمل - كما قيل - أنْ يكونَ الأنهارَ المذكورةَ في قوله تعالى: ﴿َثَلُ الْجَّةِ الَِّى وُعِدَ الْمُنَّقُونَّ فِيَهَا أَنْهَرٌ مِّنِ مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَمْ يَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ الآية [محمد: ١٥]. (١) مفاتيح الغيب ١٩١/١٩- ١٩٢. سُوَةَ الِفْم ٤٩٤ الآية : ٤٦ ويحتمل أنْ يكونَ منابعَ مغايرة لتلك الأنهارِ، وهو الظاهر، وهل كلٌّ من المتقين مختصٌّ بعيونه، أو ليس مختصًّا، بل تجري من بعضٍ إلى بعضٍ، احتمالان، فإنَّه يمكن أنْ يكونَ لكلِّ واحدٍ عينٌ وينتفعُ بها مَن في معيته، ويمكنُ أنْ تجريَ العينُ من بعضهم إلى بعضٍ؛ لأنَّهم مطهّرون عن الحقد والحسد. وضمُّ العين من ((عُيون)) هو الأصلُ، وبه قرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام، وقرأ الباقون بالعكس(١)؛ وهو لمناسبة الياء. ﴿أَدْخُلُوهَا﴾ أمرٌ لهم بالدخول مِن قِبَلِهِ تعالى، وهو بتقدير القول على أنَّه حالٌ، أي: وقد قيل لهم: ادخُلُوها، فلا يرد أنَّه بعد الحكم بأنَّهم في الجنة، كيف يقال لهم: ادخُلوها، وجوِّز أنْ يقدَّرَ مقولاً لهم ذلك، والمقارنة عرفيَّة؛ لاتِّصالهما، وقيل: يقدَّر: يقال لهم، فيكونُ مستأنفاً، ووجهُ ذِكر هذا الأمرِ بعد الحكم السابق بأنَّهم لمَّا ملكوا جنَّاتٍ كثيرةً كانوا كلَّما خرجُوا من جنةٍ إلى أخرى قيل لهم: ادخُلُوها، إلى آخره، وهو إنَّما يجري على تقدير أنْ يكونَ لکلِّ جناتٌ، وبغير ذلك مما فيه دخل. وقرأ الحسن: ((أُدْخِلُوها))(٢) على أنَّه ماضٍ مبنيٌّ للمفعول من باب الإفعال، والهمزةُ فيه للقطع، وأصلُ القياس أنْ لا يُكسَر التنوين قبلها إلا أنَّ الحسن كسره على أصل التقاء الساكنين إجراءً لهمزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط. وقرأ يعقوب في رواية رويس كذلك إلا أنَّه ضمَّ التنوين بإلقاء حركةٍ همزة القطع عليه(٣)، وعنه: ((أَدخِلوها)) بفتح الهمزة(٤) وكسر الخاء على أنَّه أمرٌ للملائكة بإدخالهم إياها، وفَتَحَ في هذه القراءةِ التنوينَ بإلقاءِ فتحةِ الهمزة عليه. وعلى القراءة بصيغة الماضي لا حاجةً إلى تقدير القول، والفاعلُ عليها هو الله تعالى، أي: أَدْخَلَهم الله سبحانه إياها . ﴿يِسَلَمٍ﴾ أي: ملتبسين به، أي: سالمين، أو مُسلَّماً عليكم، وعلى الأول يُراد سلامتُهم من الآفة والزوال في الحال، ويرادُ بالأمن في قوله سبحانه: (١) التيسير ص ١٣٦، والنشر ٢٢٦/٢. (٢) البحر المحيط ٤٥٦/٥، وتفسير أبي السعود ٥/ ٨٠، وحاشية الشهاب ٢٩٧/٥. (٣) النشر ٢٢٦/٢، وهي غير المشهورة عنه. (٤) البحر المحيط ٤٥٦/٥. الآية : ٤٧ ٤٩٥ سُورَةٌ الىجم ﴿وَامِنِينَ ﴾﴾ الأمنُ من طروِّ ذلك في الاستقبال، فلا حاجةً إلى تخصيص السلامة بما يكون جسمانيًّا والأمن بغيره. ﴿وَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾ أي: حقدٍ، وأصلُه على ما قيل من الغِلالَة وهو ما يُلبَسُ بين الثوبَين الشِّعارِ والدِّثارِ، وتُستَعَار للدِّرع كما يُستعارُ الدرعُ لها، وقيل: قيل للحقد: غِلٌّ؛ أَخْذاً له من انغلَّ في كذا وتَغلَّل: إذا دَخَل فيه، ومنه قيل للماء الجاري بين الشجر: غَلَل، وقد يُستعمَلِ الغِلُّ فيما يُضمَر في القلب ممَّا يُذَمُّ کالحسد والحقد وغيرهما . وهذا النزع قيل في الدنيا، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم وابن عساكر عن كثير النواء قال: قلتُ لأبي جعفر: إنَّ فلاناً حدَّثني عن علي بنِ الحسين ﴿هَا أنَّ هذه الآية نزلت في أبي بكرٍ وعمرَ وعليٍّ ◌ِ﴿ُه(١): (وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ) قال: والله إنَّها لفيهم أنزلَت، وفيمَن تنزلُ إلا فيهم؟! قلتُ: وأيُّ غلِّ هو؟ قال: غلُّ الجاهليةِ، إنَّ بني تَّيِّم وبني عدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية، فلمَّا أسلم هؤلاء القوم تحابُّوا، فَأَخذَت أبا بكر الخاصرةُ، فجَعَل عليٍّ كرم الله تعالى وجهه يُسخِّن يَده فيكوي بها خاصرةً أبي بكر ظُه، فنزلت هذه الآية(٢). ويُشعر بذلك على ما قيل ما أخرجَه سعيدُ بنُ منصور وابن جرير وابن المنذر والحاكم وغيرُهم من طرقٍ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّه قال لابن طلحةً: إنَّي لأرجو أنْ أكونَ أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى: (وَنَزَعْنَا) الآية، فقال رجلٌ من هَمْدان: إنَّ الله سبحانه أعدلُ من ذلك. فصاحَ عليٍّ كرم الله تعالى وجهَهُ عليه صيحةً تداعى لها القصرُ، وقال: فَمَن إذن إنْ لم نكن نحن أولئك(٣)؟. (١) جاء في هامش (م): رأيت في بعض النسخ: وعثمان ◌ُ، وآخِرُ الخبر لا يقتضيها، فتأمل. اهـ منه. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٦٧/٧، وتاريخ دمشق ٣٣٨/٣٠ و٢٨٩/٥٤، وأخرجه الطبري ١٤/ ٨٠، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٨١. (٣) تفسير الطبري ٧٧/١٤، والمستدرك ٣٥٣/٢، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ١٠١/٤، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ٢٢٩/١، وأحمد في الفضائل (١٣٠٠). سُورَة الىجم ٤٩٦ الآية : ٤٧ وقيل: إنَّ ذلك في الآخرة بعد دخول الجنة، فقد أخرجَ ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه من طريق القاسم عن أبي أمامة قال: يدخلُ أهلُ الجنة الجنةَ على ما في صدورهم في الدنيا من الشَّحناء والضغائن حتى إذا تَدانَوا وتقابلوا على السرر، نَزَع الله تعالى ما في صدورهم في الدنيا من غِلٌ(١). وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم بنِ رُشَيد قال: ينتهي أهلُ الجنة إلى باب الجنة وهم يتلاحَظُون تلاحُظ الغَيران، فإذا دخلوها نَزَع الله تعالى ما في صدورهم من الغلِّ(٢). وقيل: فيها قبل الدخول، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم أيضاً عن الحسن قال: بلغَني أنَّ رسول الله وَّه قال: ((يُحبَسُ أهلُ الجنةِ بعدَ ما يَجوزُون الصراطَ حتى يُؤْخَذَ لبعضهم مِن بعضٍ ظلاماتهم في الدنيا، ويدخلون الجنةَ وليس في قلوب بعضِهم على بعضٍ غلِّ))(٣). وهذا ونحوه يُؤيِّد ما قاله الإمام في المتقين (٤). وقيل: معنى الآية: طهّر الله تعالى قلوبَهم مِن أنْ يتحاسدوا على الدرجات في الجنة، ونَزَع سبحانه منها كلَّ غلٍّ، وأَلَقى فيها التواذَّ والتحابَّ، والآيةُ ظاهرةٌ في وجود الغلِّ في صدورهم قبل النزع، فتأمَّل. ﴿إِخْوَنَا﴾ حالٌ من الضمير في ((في جنات)) وهي حالٌ مترادفةٌ إنْ جُعِل ((ادخلوها)) حالاً من ذلك أيضاً، أو حال من فاعل («ادخلوها)) وهي مقدَّرة إنْ كان النزعُ في الجنة، أو من ضمير ((آمنين)) أو الضمير المضاف إليه في ((صدورهم)) وجازَ؛ لأنَّ المضاف بعضٌ مِن ذلك، وهي حالٌ مقدَّرةٌ أيضاً، ويقال نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿عَى سُرُرٍ مُنَفَبِلِينَ (٨٧) ويجوزُ أنْ يكونا صِفَتَين لـ ((إخواناً))، أو حالَين من الضمير المستتر فيه؛ لأنَّه في معنَى المشتقِّ، أي: متصافيين، ويجوزُ أنْ يكونَ ((متقابلين)) (١) تفسير الطبري ١٤/ ٧٥، وعزاه لابن أبي حاتم ولابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٤/ ١٠١. (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ١٠١/٤. (٣) ابن أبي حاتم ١٤٧٨/٥ . (٤) سلف قريباً. الآية : ٤٧ ٤٩٧ سُورَةُ لِّعْرُ حالاً من المستتر في ((على سُرُرٍ)) سواء كان حالاً أو صفةً، وأبو حيان(١) لا يَرَى جوازَ الحال من المضاف إليه إذا كان جزأه أو كجزئه، ويخصُّه فيما إذا كان المضافُ مما يعمل في المضاف إليه الرفعَ أو النصبَ، وزَعَم أنَّ جواز ذلك في الصورتَين السابقتَين مما تفرَّد به ابن مالك(٢)، ولم يقف على أنَّه نقله في ((فتاويه)) عن الأخفش وجماعة وافقوه فيه، واختار كون («إخواناً)) منصوباً على المدح. والسُّرُر بضمَّتَين جمع سرير، وهو معروفٌ، وأَخذُه من السرور إذا كان ذلك لأُولي النعمة، وإطلاقُه على سرير الميِّتِ؛ للتشبيه في الصورة، وللتفاؤُل بالسرور الذي يَلحَقُ الميت برجوعه إلى جوار الله عزَّ وجلَّ، وخلاصِه من سجنه المشارِ إليه بما جاء في بعض الآثار: ((الدنيا سِجنُ المؤمن)) (٣). وكلب وبعضُ بني تميم يفتحون الراء، وكذا كلُّ مضاعفٍ فعيل، ويُجمَع أيضاً على أَسِرَّة، وهي على ما رُوي عن ابن عباس ﴿يَا مِن ذهب مكلَّلة باليواقيت والزَّبرجَد والدُّرِّ. وسعَةُ كلِّ كسعَة ما بين صنعاء إلى الجابية. وفي كونهم على سُرُرٍ إشارة إلى أنَّهم في رفعة وكرامةٍ تامَّةٍ. وروي عن مجاهد أنَّ الأسرَّة تدورُ بهم حيثما داروا، فهم في جميع أحوالهم متقابلون لا ينظرُ بعضُهم إلى قفا بعض، فالتقابل: التواجه، وهو نقيضُ التدابر، ووصفهم بذلك إشارة إلى أنَّهم على أشرف أحوالِ الاجتماع. وقيل: هو إشارةٌ إلى أنَّهم يجتمعون ويتنادَمُون، وقيل: معنى ((متقابلين)): متساوين في التواصل والتزاور. وفي بعض الأخبار: إنَّ المؤمن في الجنة إذا أراد أنْ يلقَى أخاه المؤمنَ سارَ كلُّ واحدٍ منهم إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدَّثان (٤). (١) البحر المحيط ٥/ ٤٥٧. (٢) التسهيل ص ١١٠، وألفيته بشرح ابن عقيل ٦٤٣/١. (٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٨٢٨٩)، ومسلم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة (٤) تفسير البغوي ٣/ ٥٢، وإحياء علوم الدين ٤/ ٥٤٢. قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه البزار من رواية الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس، وقال: لا نعلمه يروى عن النبي ◌ُّه إلا بهذا الإسناد وتفرد به عن أنس، والربيع بن صبيح ضعيف جدًّا. ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب مرسلاً دون ذكر أنس. اهـ. سُؤَدَّةَ الِجْر ٤٩٨ الآية : ٤٨ - ٥٠ ﴿لَا يَمَتُهُمْ فِيهَا﴾ أي: في تلك الجنات ﴿نَصَبٌ﴾ تَعَبُ ما، إمَّا بأنْ لا يكونَ لهم فيها ما يُوجبُه من السعي في تحصيل ما لابدَّ لهم منه لحصول كلِّ ما يشتهونه مِن غير مزاولةِ عملٍ أصلاً، وإمَّا بأنْ لا يعتريَهم ذلك وإنْ باشروا الحركات العنيفة؛ لكمال قوَّتهم. وفي بعض الآثار: ((إنَّ قوَّةَ الواحدِ منهم قوَّةُ أربعين رجلاً من رجال الدنيا))(١). والجملةُ استئنافٌ نحويٌّ أو بيانيٍّ، أوحالٌ من الضمير في ((في جنات))، أو من الضمير في ((إخواناً))، أو من الضمير في ((متقابلين))، أو من الضمير في ((على سُرُرٍ)). ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَِينَ ﴾﴾ أي: هم خالدون فيها، فالمرادُ استمرارُ النفي، وذلك لأنَّ إتمامَ النعمة بالخلود، وهذا متكرِّرٌ مع ((آمنين)) إنْ أُريدَ منه الأمنُ من زوالهم عن الجنة وانتقالهم منها، وارتكب ذلك؛ للاعتناء والتأكيد، وإنْ أُرِيدَ به الأمنُ من زوال ما هم عليه من النعيم والسرورِ والصحةِ لا يتكرَّر. وبحث بعضُهم في لزوم التكرار بأنَّ الأمنَ من الشيء لا يستلزمُ عدمَ وقوعه، كأمن الكَفَرة من مكر الله تعالى مثلاً، وأنَّه يجوزُ أنْ يكون المرادُ زوالَ أنفسهم بالموت لا الزوال عن الجنة. وتُعقّب بأنَّ الثاني في غاية البعد، فإنَّه لا يقال للميت: إنَّه فيها وإنْ دُفن بها كالأول، فإنَّ الله تعالى إذا بشَّرهم بالأمن منه كيف يُتُوهَّم عدمُ وقوعه. ﴿نَّ عِبَادِىٌ﴾ قيل: مطلقاً، وقيل: الذين عبَّر عنهم بالمتقين، أي: أَخِرْهم ﴿أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾﴾ وهذا إجمالٌ لِمَا سبَقَ من الوعد والوعيد وتأكيدٌ له، و((أنا)) إما مبتدأ، أو تأكيدٌ، أو فصلٌ، و((هو)) إما مبتدأ أو فصلٌ، و((أنَّ) وما بعدها - قال أبو حيان - سادٍّ مسدّ مفعولي ((نبى)) إنْ قلنا: إنَّها تعدَّت إلى ثلاثة، ومسدَّ واحدٍ إنْ قلنا: تعدَّت إلى اثنين(٢). (١) أخرجه بنحوه أحمد (١٩٢٦٩)، وابن حبان (٧٤٢٤) من حديث زيد بن الأرقم وجاءت الروايات بلفظ: ((مئة رجل)). (٢) البحر المحيط ٥/ ٤٥٧ . الآية : ٥٠ ٤٩٩ سُورَةُ الِجْرُ وفي ذكر المغفرة إشعارٌ على ما قيل بأنْ ليس المرادُ بالمتقين مَن يَّقي جميعَ الذنوب، إذ لو أُريدَ ذلك لم يكن لذكرها موقع. وقيل: إنَّ ذكرها حينئذٍ لدفع توهُّم أنَّ غيرَ أولئك المتقين لا يكونُ في الجنة بأنَّه يدخلُها وإنْ لم يتب؛ لأنَّه تعالى الغفورُ الرحیم، وله وجه. وفي توصيف ذاته تعالى بالمغفرة والرحمة دونَ التعذيب، حيث لم يقل سبحانه: وإني أنا المُعذّب المؤلمُ؛ ترجيحٌ لجانب الوعد على الوعيد، وإنْ كان الأليمُ على ما قال غيرُ واحدٍ في الحقيقة صفةً العذاب، وكذا لا يضرُّ في ذلك الإضافةُ؛ لأنَّها لا تقتضي حصولَ المضافِ إليه بالفعل، كما إذا قيل: ضَرْبي شديدٌ، فإنَّه يصحُّ أنْ يُرادَ منه ذاك شديدٌ إذا وقع، ويكفي في الإضافة أدنَى ملابسةٍ، ويُقوِّي أمرَ الترجيح الإتيانُ بالوصفَين بصيغتَي المبالغة، وكذا ما أخرج ابنُ جرير وابنُ مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن رجلٍ من أصحاب النبيِّ وَّهِ قال: اطَّلَع علينا رسولُ اللهِ وَّهَ من الباب الذي [يدخلُ] منه بنو شيبة فقال: ((ألا أراكم تضحكون)) ثم أدبَرَ، حتى إذا كان عند الحجرِ رَجَع إلينا القَهْقَرَى فقال: ((إِنِّي لمَّا خرجْتُ جاء جبريلُ عليه السلام فقال: يا محمد، إنَّ الله تعالى يقولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عبادي؟ (نَبِئْ عِبَادِىّ أَنْ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) الآية (١). وتقديمُ الوعد أيضاً يؤيِّدُ ذلك، وفيه إشارةٌ إلى سَبْق الرحمة حسبما نَطَق به الخبر المشهور. ومع هذا كلِّه في الآية ما تخشعُ منه القلوب، فقد أخرج عبدُ بنُ حميد وجماعةٌ عن قتادة أنَّه قال في الآية: بلَغَنا أنَّ نبيَّ الله وَِّ قال: ((لو يَعلَم العبدُ قدرَ عَفْوِ الله تعالى لَمَا تورَّعَ مِن حرامٍ، ولو يَعلَم قدرَ عذابه لبَخَعَ نفسَه»(٢). وأخرج الشيخان وغيرُهما عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِلَّ ه قال: ((إنَّ الله سبحانه خَلَق الرحمةَ يوم خلقها مئةَ رحمةٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين رحمةً وأرسلَ في خلقه كلِّهم رحمةً واحدةً، فلو يعلم الكافرُ كلَّ الذي عندَه مِن رحمة لم (١) تفسير الطبري ٨٢/١٤، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٠٢/٤، وأخرجه أيضاً ابن المبارك في الزهد (٨٩٢)، وما بين حاصرتين من المصادر. (٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطيُّ في الدر المنثور ١٠٢/٤، وأخرجه الطبري ١٤/ ٨١-٨٢. سُؤَادَةُ الِجُ ٥٠٠ الآيتان : ٥١ - ٥٢ يَيْأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمنُ بكلِّ الذي عندَ الله تعالى من العذاب لم يأمن مِن النار))(١). ثم إنَّه تعالى لمَّا ذكر الوعد والوعيد ذكر ما يُحقِّق ذلك لِمَا تضمَّنه من البشرى والإهلاك بقوله سبحانه: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (@) إلخ، وقيل: إنَّه تفصيلٌ لِمَا تضمَّنَته الآيةُ السابقةُ منهما لا مِن الوعيد فقط كما قيل، والمرادُ بـ ((ضيف إبراهيم)) الملائكةُ عليهم السلام الذين بشّروه بالولد وبهُلْك قوم لوط عليه السلام، وإنَّما سُمُّوا ضيفاً؛ لأنَّهم في صورة مَن كان ينزلُ به عليه السلام من الأضياف، وكان لا ينزل به أحدٌ إلا أَضافه، وكان لقَصْره عليه السلام أربعةُ أبواب، من كلِّ جهةٍ بابٌ، لئلا يفوتَه أحدٌ، ولذا كان يُكنَى أبا الضيفان. واختلف في عددهم كما تقدَّم. وهو في الأصل مصدرٌ - والأفصحُ أنْ لا يُثَنَّى ولا يُجمَع ولا يؤنَّث - للمثنى والمجموع والمؤنَّث، فلا حاجةً إلى تكلّف إضمارٍ، أي: أصحاب ضيف، كما قاله النخَّاس(٢) وغيرُه، ولم يتعرَّض سبحانه لعنوان رسالتهم؛ لأنَّهم لم يكونوا مُرسَلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط عليه السلام كما يأتي إن شاء الله تعالى ذكره. وقرأ أبو حيوة: ((ونَبِّهم)) بإبدال الهمزة ياء(٣). ﴿إِذَا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ نصب على أنَّه مفعولٌ بفعل محذوفٍ معطوفٍ على ((نبئ) أي: واذكر وقتَ دخولهم عليه، أو ظرفٌ لـ ((ضيف)) بناء على أنَّه مصدرٌ في الأصل، وجوَّز أبو البقاء(٤) كونه ظرفاً له بناءً على أنَّه مصدر الآن مضاف إلى المفعول، حيث كان التقدير: أصحابُ ضيف، حسبما سمعتَه عن النحاس وغيره، وأنْ يكون ظرفاً لخبر مضافاً إلى ((ضيف)) أي: خبر ضيف إبراهيم حين دخولهم عليه ﴿فَقَالُوا﴾ عند ذلك: ﴿سَلَمًا﴾ مقتطعٌ من جملة محكيةٍ بالقول، وليس منصوباً به، أي: سلَّمت (١) صحيح البخاري (٦٤٦٩)، وصحيح مسلم (٢٧٥٢)، وسنن الترمذي (٣٥٤١)، ومسند أحمد (٨٤١٥). (٢) في إعراب القرآن ٣٨٢/٢، ونقله عنه المؤلف بواسطة البحر المحيط ٤٥٨/٥. (٣) البحر ٤٥٨/٥ . (٤) الإملاء ٤٣١/٣-٤٣٢ .