Indexed OCR Text

Pages 401-420

الآية : ٧
٤٠١
سُؤَدَّةُ الِىِّجْ
الظاهر كونُ الكل(١) كلامهم، وقد سبقهم إلى نظيره فرعونُ - عليه اللعنة - بقوله في
حقِّ موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧].
وتقديم الجارِّ والمجرور على نائب الفاعل - كما قيل - لأنَّ إنكارَهم متوجِّهٌ إلى
كون النازلِ ذكراً من الله تعالى لا إلى كون المنزل عليه رسول الله ◌َّطقه بعد تسلیم
كونِ النازل منه تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَّ
اٌلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فإنَّ الإنكار هناك متوجِّه إلى كون المنزَلِ عليه رسولَ الله
عليه الصلاة والسلام.
وإيرادُ الفعلِ على صيغة المجهول لإيهام أنَّ ذلك ليس بفعلٍ له فاعلٌ، أو
لتوجيه الإنكار إلى كون التنزيلِ عليه لا إلى إسناده إلى الفاعل.
وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿مّ: (نَزَلَ عليه الذكرُ)) بتخفيف ((نزل)) مبنياً للفاعل، ورفع
((الذِّكْرُ)) على الفاعل(٢)، وقرئ: (يا أيها الذي أُلقي عليه الذكرُ))(٣) قال أبو حيان:
وينبغي أنْ تُجعَلَ هذه القراءة تفسيراً، لمخالفتها سوادَ المصحف(٤).
﴿لَّوْ مَا تَأْتِنَا﴾ كلمة ((لوما)) كـ ((لولا)) تُستعمل في أحد معنَيَيْن: امتناعِ الشيء
لوجود غيره، والتحضيض، وعند إرادة الثاني منها لا يليها إلا فعلٌ ظاهرٌ أو
مضمَرٌ، وعند إرادة الأوَّل لا يليها إلا اسمٌ ظاهرٌ أو مقدَّر عند البصريين، ومنه قول
ابنِ مُقْبِل :
لوما الحياءُ ولوما الدِّينُ عِبتُكما ببعض ما فيكما إذْ عِبتُما عَوَرِي(٥)
(١) في الأصل: الكلام.
(٢) البحر المحيط ٤٤٦/٥.
(٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧٠، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥١/٣
والزمخشري في الكشاف ٢/ ٣٨٧ إلى الأعمش. وفي المحرر: إليه، بدل: عليه.
(٤) البحر المحيط ٤٤٦/٥ .
(٥) ديوان تميم بن مقبل ص٧٦، ومجاز القرآن ٣٤٦/١، والطبري ٥/١٤، والكشاف ٣٨٧/٢،
والمحرر الوجيز ٣٥١/٣، وشرح أبيات المغني للبغدادي ١١٨/٨، ورواية الديوان: لولا،
بدل: لوما. وجاء في (م): الحياة، بدل: الحياء. وجاء في حاشيتها: بالراء، وقيل:
بالدال، وهو السؤدد، والقصيدة على ما قال بعض الفضلاء رائية. اهـ منه.

سُورَةُ الِحْرُ
٤٠٢
الآية : ٨
وعن بعضهم أنَّ الميم في ((لوما)) بدلٌ من اللام في ((لولا))، ومثله: استَوْلَى
واستَوْمَى، وخالَلْتُه وخالَمْتُه، فهو خِلِّي وخِلْمي، أي: صديقي. وذكر الزمخشريُّ :
أنَّ((لو)) تركَّب مع ((لا)) و((ما)) لمعنَيَيْن، و((هل)) لا تركَّبُ إلا مع ((لا)) وحدَها
للتحضيض(١)، واختار أبو حيان فيهما البساطةَ، وأنَّ الميم ليسَت بدلاً من اللام(٢)،
وقال المالقي: إنَّ ((لوما)) لا تَرِدُ إلا للتحضيض، وهو محجوجٌ بالبيت السابق.
وأيًّاما كان فالمرادُ هنا التحضيض، أي: هلَّا تأتينا ﴿يالْمَلَئِكَةِ﴾ يشهدون لك
ويعضُدُونك في الإنذار كقوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُنَ
مَعَدُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] أو يُعاقبون على تكذيبك، كما كانت تأتي الأممَ المكذِّبةَ
لرسلهم.
﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ في دعواك أنَّ قدرةَ الله تعالى على ذلك
مَّما لا ريبَ فيه، وكذا احتياجُك إليه في تمشية أمرك، إذ لا نُصدِّقك في ذلك الأمر
الخطير بدونه، أو إنْ كنتَ من جملة تلك الرسلِ الصادقين الذين عُذِّبَت أُممهم
المكذِّبُ لهم.
﴿مَا نَُزِّلُ الْمَلَبِكَةَ﴾ بالنون، على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل، وهي
قراءة حفص والأخوَين وابنٍ مُصرِّف(٣) .
وقرأ أبو بكر عن عاصم ويحيى بن وثاب: ((تُنَزَّلُ الملائكة)) بضمِّ التاء وفتح
النون والزاي مبنيًّا للمفعول، ورفع: ((الملائكةُ)) (٤) على النيابة عن الفاعل.
وقرأ الحِرميَّان وباقي السبعة: ((تَنَزَّل الملائكةُ)) بفتح التاء والزاي على أنَّ
الأصل (تَتَنَزَّل)) بتاءَين، فحذِفَت إحداهما تخفيفاً، ورفع ((الملائكةُ))(٥) على
(١) الكشاف ٣٨٧/٢، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٤٢/٥.
(٢) البحر المحيط ٤٤٢/٥.
(٣) قراءة حفص والأخوين (حمزة والكسائي) في التيسير ص ١٣٥، والنشر ٣٠١/٢، وهي قراءة
خلف، وقراءة طلحة بن مصرف في المحرر الوجيز ٣٥١/٣، والبحر المحيط ٤٤٦/٥ .
(٤) قراءة شعبة في التيسير ص ١٣٥، والنشر ٣٠١/٢، وقراءة ابن وثاب في المحرر الوجيز
٣٥١/٣، والبحر المحيط ٤٤٦/٥.
(٥) التيسير ص١٣٥، والنشر ٣٠١/٢، والحِرْميَّان هما: نافع وابن كثير.

الآية : ٨
٤٠٣
سُورَةُ الجِّصُ
الفاعليَّة، وإبقاءُ الفعل على ظاهره أولَى من جعله بمعنى تَنَزَّل الثلاثي.
وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿هَا: ((ما نَزَلَ)) ماضياً مخفَّفاً مبنيًّا للفاعل، ورفع ((الملائكةُ))
على الفاعلية (١).
والبيضاوي بَنَى تفسيرَه على أنَّ الفعل ((يُنزِلُ)) بالياء التحتيّة مبنيًّا للفاعل، وهو
ضمير الله تعالى، و((الملائكةَ)) بالنصب على أنَّه مفعوله(٢).
واعتُرض عليه بأنَّه لم يقرأ بذلك أحدٌ من العشرة، بل لم تُوجد هذه القراءة في
الشواذٌ، وهو خلافُ ما سلَكَه في تفسيره، ولعله رحمه الله تعالی قد سَهَا .
وهذا الكلام مسوقٌ منه سبحانه إلى نبيِّه وَله جواباً لهم عن مقالتهم المحكيَّة،
وردًّا لاقتراحهم الباطلِ الصادرِ عن محض التعصُّب والعناد، ولشدَّة استدعاء ذلك
للجواب قدَّمَ ردّه على ما هو جواب عن أوَّلها، أعني قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ) إلخ،
والعدولُ عن تطبيقه لظاهر كلامهم بصدد الاقتراح بأن يقالَ مثلاً: ما تأتيهم بهم
للإيذان بأنَّهم قد أخطؤوا في الاقتراح، وأنَّ الملائكةَ لعلوِّ رُتبتهم أَعلَى مِن أنْ
يُنْسَبَ إليهم مطلقُ الإتيان الشامل للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخَر
منها، بل من الأسفل إلى الأعلى، وأنْ يكون مقصد حركاتهم أولئك الكفرةَ، وأنْ
يدخلوا تحت ملكوت أحدٍ من البشر، وإنَّما الذي يليقُ بشأنهم النزول من مقامهم
العالي، وكون ذلك بطريق التنزيلِ من جناب الربِّ الجليل. قاله شيخ الإسلام (٣).
وقيل: لعلَّ هذا جوابٌ لِمَا عسى أنْ يخطر بخاطره الشريف عليه الصلاة
والسلام حين طلبوا منه الإتيانَ بالملائكة مِن سؤال التنزيلِ رغبةً في إسلامهم،
فيكونُ وجهُ ذكرِ التنزيلِ ظاهراً، وهو غيرُ ظاهرٍ كما لا يخفَى.
﴿إِلَّا بِالْحَقِ﴾ أي: إلا تنزيلاً ملتبساً بالوجه الذي اقتضَتْه الحكمةُ، فالباء
للملابسة، والجارُّ والمجرور في موضع الصفةِ للمصدر المحذوفٍ مستثنّى استثناء
مُفَرَّغاً، وجوِّز فيه الحاليّةُ من الفاعل والمفعول.
(١) البحر المحيط ٤٤٦/٥ .
(٢) تفسير البيضاوي ٢٨٤/٥.
(٣) أبو السعود في تفسيره ٥/ ٦٧ .

سُورَةُ الِجْ
٤٠٤
الآية : ٨
وجوَّز أبو البقاء أنْ تكونَ الباء للسببية متعلِّقة بـ ((ننزّل))(١)، وإليه يُشير كلام ابنٍ
عطيّة الآتي إن شاء الله تعالى، والأوَّل أَولَى، ومقتضى الحكمةِ التشريعيَّة والتكوينيةِ
على ما قيل أنْ تكون الملائكةُ المنزلون بصُور البشر، وتنزيلُهم كذلك يُوجب
اللَّبسَ، كما قال الله تعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ مَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ فَمَا
يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وهذا إشارةٌ إلى نَفْي ترتُّبِ الغَرَض وعدمِ النفع في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ إِذَا مُّنْظَرِينَ ﴾﴾ إشارةٌ إلى حصول الضَّرر وترتُبِ
نقيض المطلوب، وكأنَّه عطف على مقدَّر يقتضيه الكلامُ السابق، كأنَّه قيل: ما نُنزّل
الملائكةَ عليهم إلا بصُوَرِ الرجال؛ لأنَّه الذي تقتضيه الحكمةُ، فيحصل اللَّبسُ
فلا ينتفعون. وما كانوا - إذا أنزلناهم - منظرَين، أي: ويتضرَّرون بتنزيلهم، لأنَّا
نُهلكُهم لا محالةَ ولا نُؤْخِّرهم، لأنَّه قد جَرت عادتُنا في الأمم قبلَهم أنَّا لم نأتهم
بآيةٍ اقترحوها إلا والعذابُ في إثرها إنْ لم يؤمنوا؛ وقد علمنا منهم ذلك،
والمقصودُ نَفْيُ أنْ يكونَ لاقتراحهم الإتيانَ بهم وجهٌ على أتمٍّ وجهٍ، بالإشارة إلى
عدم نَفْعِه أوَّلاً، والتصريحِ بضرره ثانياً .
وقيل: يقدَّر المعطوف عليه: لا يؤمنون، كأنَّه قيل: ما ننزِّل الملائكة إلا بصُوَرِ
البشر لاقتضاء الحكمةِ ذلك، فلا يؤمنون وما كانوا إذاً منظرين. وفي النفس من هذا
ومما قبله شيءٌ.
وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ المعنى: ما نُنزِّل الملائكةَ إلا مُلتبساً بالوجه الذي
يحقُّ ملابسة التنزيل به، مما تقتضيه الحكمةُ وتجري به السُّنَّة الإلهيَّة، والذي
اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم هم، ومنزلتهم في الحقارة(٢)
منزلتُهم، مما لا يكادُ يدخُل تحت الصّحة والحكمةِ أصلاً، فإنَّ ذلك من باب
التنزيل بالوحي الذي لا يكادُ يُفتَح على غير الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام
مِن أفراد كلِّ المؤمنين، فكيف على أمثال أولئك الكفرةِ اللئام، وإنما الذي يدخلُ
في حقّهم تحت الحكمة في الجملة هو التنزيلُ للتعذيب والاستئصال كما فُعِلَ
بأضرابهم من الأمم السالفةِ، ولو فُعِل ذلك لاستؤصلوا بالمرَّة، وما كانوا إذاً
(١) الإملاء ٤١٩/٣.
(٢) في الأصل و(م): الحقائق، والمثبت من تفسير أبي السعود ٦٧/٥ والكلام منه.

الآية : ٨
٤٠٥
سُؤَدَّةُ الحفر
مؤخّرين، كدأب سائر الأمم المكذِّبةِ المستهزئةِ، ومع استحقاقهم لذلك قد جَرَی
قلمُ القضاء بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة حسبما أُجمِلَ في الآيات قبلُ، وحالَ
حائلُ الحكمة بينهم وبين استئصالهم؛ لتعلَّقِ العلم بازديادهم عذاباً، وبإيمان بعضٍ
ذراريهم، ونَظْمُ إيمان بعضهم في سِمْط الحكمةِ يأباه تماديهم في الكفر والعناد،
فـ (ما كانوا)) إلخ جوابٌ لشرطٍ مقدَّر، أي: ولو أنزلناهم ما كانوا ... إلخ.
واعترض بـ أنَّ الأوفق بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾
[الأنعام: ٩] أنْ يكونَ الوجهُ الذي يحقُّ ملابسة التنزيلِ به لمثل غَرَضِهم كونهم بصُوَر
الرجال، وذلك ليس من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكادُ يكون لهم أصلاً، فلا يتمُّ
كلامُه، وفيه بحثٌ كما لا يخفى.
وقد أخرج ابنُ جرير وابن المنذر وغيرُهما عن مجاهد تفسير ((الحقِّ)» هنا
بالرسالة والعذاب(١). ووُجِّهت الآيةُ على ذلك نحو هذا التوجيه، فقيل: المعنى:
ما نُنزِّلُ الملائكةَ إلا بالرسالة والعذاب، ولو نَزَّلناهم عليهم ماكانوا منظرين؛ لأنَّ
التنزيلَ عليهم بالرسالة مما لا يكادُ، فتعيَّن أنْ يكونَ التنزيل بالعذاب، وذكر
الماورديُّ الاقتصارَ على الرسالة(٢)، ورُوي عن الحسن الاقتصار على العذاب،
وفي معنى ذلك ما رُوي عن ابن عباس مِن أنَّ المعنى: ما نُنزّل الملائكةَ إلا بالحقِّ
الذي هو الموتُ الذي لا يقعُ فيه تقديمٌ ولا تأخيرٌ.
وقال ابن عطيّة: الحقُّ ما يجب ويحقُّ من الوحي والمنافع التي أرادها الله
تعالى لعباده، والمعنى: ما نُنزِّلُ الملائكةَ إلا بحقِّ واجبٍ من وحيٍ ومنفعةٍ
لا باقتراحكم، وأيضاً لو نَزَّلنا لم تُنْظَروا بعد ذلك بالعذاب(٣)؛ لأنَّ عادتنا إهلاكُ
الأُمم المقترحة إذا آتيناهم ما اقترحوه، وفيه ما فيه.
وقال الزمخشريُّ: المعنى: إلا تنزّلاً ملتبساً بالحكمة والمصلحة، ولا حكمةً
في أنْ تأتيَكم عياناً تُشاهِدونهم ويَشهدون لكم بصدق النبيِّ وَِّ؛ لأنَّكم حينئذٍ
(١) الطبري ١٨/١٤، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٤ / ٩٤.
(٢) النكت والعيون ١٤٩/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٣٥١/٣.

سُورَةُ الِجْ
٤٠٦
الآية : ٨
مصدِّقون عن اضطرار(١). وهو مبنيٌّ على أنَّ الإنزال بصُوَرهم الحقيقية، ومنه أخذ
صاحبُ القيل المذكورِ أوَّلاً قيلَه.
والبيضاويُّ جَعَل المنافي للحكمة إنزالَهم بصور البشر، حيث قال: لا حكمةً
في أنْ تأتيكم بصورٍ تشاهدونها، فإنَّه لا يزيدكم إلا لَبساً (٢).
وقال بعضهم: أريدَ أنَّ إنزالَ الملائكةِ لا يكونُ إلا بالحقِّ وحصولِ الفائدةِ
بإنزالهم، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفرة أنَّه لو أنزل إليهم الملائكةَ لبقُوا
مُصرِّين على كفرهم، فيصيرُ إنزالُهم عبثاً باطلاً ولا يكونُ حقًّا.
وتعقّب الأقوالَ الثلاثةَ البعضُ من المحقّقين بأنَّه مع إخلال كلٍّ من ذلك بفظيعة
الآتي، لا يلزمُ من فَرْض وقوعٍ شيءٍ من ذلك تعجيلُ العذاب الذي يُفيده قولُه
سبحانه: (وَمَا كَانُّواْ إِذَّا مُنَظَرِينَ).
ومِن الناس مَن تكلّفَ لتوجيه اللزوم على بعض هذه الأقوال بما تكلّف.
واختار بعضُهم كونَ المراد من ((الحقِّ)) الهلاكَ، والجملةُ بعد جوابٍ سؤالٍ
مقدَّرٍ، فكأنَّه لمّا قيل: ما نُنزِّل الملائكةَ إلا بالهلاك، إذ هو الذي يحقُّ لأمثالهم من
المعاندين، قيل: فليكُن ذلك، فأُجيب بأنَّه لو فعلنا ما كانوا مُنظَرين، أي: وهم قد
كانوا منظرين، كما أجمِلَ فيما قبل من قوله سبحانه: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ
وَيُلَّهِِمُ الْأَمَلِّ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
وحاصلُ الجواب حينئذٍ على ما قيل أنَّ ما طلبوه من الإتيان بالملائكة ليشهدوا
بصدق النبيِّ وَّه مما لا يكون لهم؛ لأنَّ ما اقتضَته حكمتنا وجَرَت به عادتُنا مع
أمثالهم ليس إلا التنزيل بالهلاك دونَ الشهادة، فإنَّ الحكمة لا تقتضيه والعادةً لم
تَجْرِ فيه؛ لأنَّه إنْ كان والملائكةُ بصُوَرِهم الحقيقية لم يحصل الإيمانُ بالغيب ولم
يتحقَّق الاختيارُ الذي هو مدارُ التكليف، وإنْ كانَ وهم بصُوَرِ البشر حصل اللَّسُ،
فکان وجوده کعدمه، ولزم التسلسلُ.
(١) الكشاف ٣٨٧/٢.
(٢) تفسير البيضاوي ٥/ ٢٨٤.

الآية : ٨
٤٠٧
سُورَةُ الِ عْ
ويَمنعُ من التنزيل بالهلاك كما فُعِل مع أضرابهم من المعاندين أنَّا جعلناهم
منظرين، فلو نَزَّلنا الملائكةَ وأهلكناهم عاد ذلك بالنقض لما أبرمناه حسبما نَعلَمُ فيه
من الحكم.
وقيل في توجيه الآية على تقدير كونِ اقتراحهم الإتيان الملائكةِ لتعذيبهم: إنَّ
المعنى: إنَّا ما نُنزِّل الملائكةَ للتعذيب إلا تنزيلاً ملتبساً بما تقتضيه الحكمةُ، ولو
نَزَّلناهم حسبما اقترحوا ما كان ذلك ملتبساً بما تقتضيه؛ لأنَّها اقتضَت تأخيرَ عذابهم
إلى يوم القيامة، وحيث كان في نسبة تنزيلهم للتعذيب إلى عدم موافقةِ الحكمة نوعُ
إيهامٍ لعدم استحقاقهم التعذيبَ، عدل عما يقتضيه الظاهرُ إلى ما عليه النظمُ
الكريم، فكأنَّه قيل: لو نزلناهم ما كانوا منظرين، وذلك غيرُ موافقٍ للحكمة، فتدبَّر
جميع ذاك، والله تعالى يتولَّى مُداك.
هذا، ولفظة ((إذاً) قال في ((الكشاف)): جواب وجزاء؛ لأنَّ الكلامَ جوابٌ لهم
وجزاءٌ لشرطٍ مقدَّرٍ، أي: ولو نَزَّلنا(١)، وصرَّح بإفادتها هذا المعنَى سيبويهِ(٢) إلا أنَّ
الشَّلوبِين حمل ذلك على الدوام وتكلَّف له، وأبو عليٍّ على الغالب. وقد تتمخَّضُ
للجواب عنده وهي حرفٌ بسيطً عند الجمهور.
وذهب قومٌ إلى أنَّها اسمُ ظرفٍ، وأصلُها ((إذا)) الظرفيَّة لَحِقَها التنوينُ عوضاً من
الجملة المضاف إليها، ونُقِلَت إلى الجزائيَّة، فبقي فيها معنى الربطِ والسببِ.
وذهب الخليل إلى أنَّها حرفٌ تَرَّب من ((إذ)) و((أنْ)) وغَلَب عليها حكم
الحرفيَّة، ونُقِلَت حركةُ الهمزةِ إلى الذال ثم حُذِفَت، والتُزِمَ هذا النقل، فكأن
المعنى إذا قال القائل: أَزورُك. فقلْتَ: إذاً أزورك. قلت حينئذٍ: زيارتي واقعةٌ،
ولا يتكلّم بهذا .
وذهبَ أبو عليٍّ عمرُ بنُ عبد المجيد الزيديّ إلى أنَّها مركّبةٌ من ((إذا)) و((أنْ))،
وكلاهما يُعطي ما يُعطي كلُّ واحدةٍ منهما، فيعطي الربطّ كـ : إذا، والنصب كـ :
أنْ، ثم حُذِفَت همزةُ ((أنْ)) ثم ألفُ ((إذا)) لالتقاء الساكنين، والظاهرُ أنَّه لو قُدِّر في
(١) الكشاف ٣٨٧/٢.
(٢) الكتاب ٢٣٤/٤.

سُوَةَ الِىِّجُ
٤٠٨
الآية : ٨
الكلام شرطً كانت لمجرَّد التأكيد، وجعلوا مِن ذلك قولَه تعالى: ﴿وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ
أَهْوَآءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا﴾ [البقرة: ١٤٥] إلخ.
ونُقِل عن الكافيجي أنَّه قال في مثل ذلك: ليست ((إذاً)) هذه الكلمةَ المعهودةَ،
وإنَّما هي ((إذا)) الشرطيَّة حُذفت جملتها التي تُضافُ إليها وعوِّضَ عنها التنوين،
كما في ((يومئذٍ)). وله سلفٌ في ذلك، فقد قال الزركشي في ((البرهان)» بعد ذكره
لـ (إذاً) معنَيَين: وذَكَر لها بعضُ المتأخِّرين معنًى ثالثاً، وهو أنْ تكونَ مرَّبةً من
(إذا))(١) التي هي ظرفُ زمانٍ ماضٍ، ومِن جملةٍ بعدها تحقيقاً أو تقديراً، لكنَّها
حُذِفَتِ تخفيفاً وأبدِلَ منها التنوين كما في قولهم: حينئذٍ، وليسَت هذه الناصبةَ
للمضارع؛ لأنَّ تلك تختصُّ به وهذه لا، بل تدخل على الماضي نحو: ﴿إِذَا
لَأَمْسَكْتُمْ﴾ [الإسراء: ١٠٠] وعلى الاسم نحو: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ﴾ [الشعراء: ٤٢] ثم
قال: وهذا المعنى لم يذكره النحويُّون، لكنَّه قياس ما قالوه في ((إذ)) (٢).
وفي ((التذكرة)) لأبي حيَّان: ذكر لي عَلَم الدين(٣) أنَّ القاضي تقيَّ الدين بنَ رزين
كان يذهبُ إلى أنَّ تنوينَ ((اذاً) عِوَضٌ من الجملة المحذوفة، وليس بقول نحويٍّ.
وقال الجونيُّ: وأنا أظنُّ أنَّه يجوزُ أنْ تقول لمن قال: أنا آتيك: إذاً أكرمُكَ
بالرفع، على معنى: إذا أتيتَني أكرمُك. فحذفت ((أتيتَني)) وعوَّضت التنوينَ فسقطَت
الألفُ لالتقاء الساكنَين والنصب الذي اتفق عليه النحاة لحملها على غير هذا
المعنى، وهو لا يَنْفي الرفعَ إذا أُرِيدَ بها ما ذكر.
وذكر الجلالُ السيوطي أنَّ الإجماع في القرآن على كتابتها بالألف، والوقف
عليه دليلٌ على أنَّها اسمٌ منوَّنٌ لا حرفٌ آخرُه نونٌ، خصوصاً إذا لم تقع ناصبةً
للمضارع، فالصواب إثباتُ هذا المعنى لها كما جنح إليه شيخنا الكافيجي ومَن
سَبَق النقلُ عنه (٤).
(١) في الأصل ومطبوع البرهان: إذ، والمثبت من (م) والإتقان ١/ ٤٧٥، والنقل منه.
(٢) البرهان ١٨٧/٤- ١٨٨. والكلام الآتي منه.
(٣) هو أحمد بن إبراهيم بن حسن، القرشي الأموي، علم الدين القِمَّني، روى عن ابن
الجُمَّيْزَى وغيره، توفي بالقاهرة (٦٨٦هـ). الوافي بالوفيات ٢١٧/٦.
(٤) الإتقان ١/ ٤٧٦ .

الآية : ٩
٤٠٩
سُورَةُ الحِجْرُ
وعلى هذا فالأَولَى حملُها في الآية على ما ذكر، وقد ذكرنا فيما مضى بعضاً
من هذا الكلام فتذكَّر.
ثم إنَّه تعالى ردَّ إنكارهم التنزيلَ واستهزاءَهم برسول الله وَّهِ وسلَّاه عليه الصلاة
والسلام بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّنَا الذِّكْرَ﴾ أي: نحن بعِظَم شأننا وعلوِّ جانبنا
نزّلنا الذي أنكروه وأنكروا نزولَه عليك، وقالوا فيك لادعائه ما قالوا، وعمَّموا(١)
منزله حيث بَنَوا الفعلَ للمفعول؛ إيماءً إلى أنَّه أمرٌ لا مصدرَ له، وفعلٌ لا فاعل له.
﴿وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ ﴾﴾ أي: من كلِّ ما يقدحُ فيه كالتحريف والزيادة والنقصان
وغير ذلك، حتى إنَّ الشيخَ المهيبَ لو غيَّر نقطةً يردُّ عليه الصبيان ويقول له مَن
كان: الصوابُ كذا. ويدخلُ في ذلك استهزاءُ أولئك المستهزئين وتكذيبهم إياه
دخولاً أوليًّا، ومعنى حفظه من ذلك عدمُ تأثيره فيه، وذبُّه عنه، وقال الحسن:
حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة.
وجوَّز غيرُ واحدٍ أنْ يُراد حفظُه بالإعجاز في كلِّ وقتٍ - كما يدلُّ عليه الجملةُ
الاسميُّ ۔ من كلِّ زیادةٍ ونقصان وتحريفٍ وتبدیلٍ.
ولم يَحفَظ سبحانه كتاباً من الكتب كذلك بل استحفَظَها جلَّ وعلا الربَّانِيِّيْنَ
والأحبارَ، فوقَعَ فيها ما وقع، وتولَّى حفظَ القرآن بنفسه سبحانه، فلم يزل محفوظاً
أوَّلاً وآخِراً، وإلى هذا أشار في ((الكشاف))(٢)، ثم سأل بما حاصلُه: إن الكلام لمّا
كان مسوقاً لردِّهم وقد تمَّ الجواب بالأوَّل، فما فائدةُ التذييل بالثاني، وإنما يحسنُ
إذا كان الكلامُ مسوقاً لإثبات محفوظيَّةِ الذِّكْر أوَّلاً وآخِراً؟ وأجابَ بأنَّه جيء به
لغرض صحيحٍ وأدمجَ فيه المعنَى المذكور أماماً، وهو أنْ يكون دليلاً على أنَّه منزَّلٌ
من عند الله تعالى آيةً. فالأوَّل وإنْ كان ردًّا كان كمجرَّد دعوى، فقيل: ولولا أنَّ
الذكر من عندنا لما بقيَ محفوظاً من الزيادة والنقصان كما سِواهُ من الكلام، وذلك
لأنَّ نظمَه لمَّا كان مُعجِزاً لم يمكن زيادةٌ عليه ولا نقصٌ؛ للإخلال بالإعجاز كما (٣)
في ((الكشف)) وفيه إشارةٌ إلى وجه العطف وهو ظاهر.
(١) في (م): عملوا.
(٢) ٣٨٨/٢.
(٣) في (م): كذا.

سُوْدَةٌ الىجم
٤١٠
الآية : ٩
وأنت تعلمُ أنَّ الإعجاز لا يكون سبباً لحفظه عن إسقاط بعض السُّوَرِ؛ لأنَّ
ذلك لا يخلُّ بالإعجاز كما لا يخفى، فالمختارُ أنَّ حِفْظَ القرآن وإبقاءَه كما نزل
حتى يأتيَ أمرُ الله تعالى بالإعجاز وغيرِهِ مما شاء الله عزَّ وجلَّ، ومِن ذلك توفيقُ
الصحابة ﴿ه لجمعِهِ حسبما علمتَه أوَّل الكتاب. واحتجَّ القاضي بالآية على فساد
قول بعضٍ من الإمامية لا يُعَبأ بهم: إنَّ القرآن قد دخله الزيادة والنقصان.
وضعَّفه الإمام بأنَّه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه؛ لأنَّ للقائلين بذلك أن
يقولوا: إنَّ هذه الآية من جملة الزوائد(١). ودعوى الإعجاز في هذا المقدار لا بدَّ
لها من دلیل.
واحتجَّ بها القائلون بحدوث الكلام اللفظي، وهي ظاهرةٌ فيه، ومن العجيب
ما نَقَلَه عن أصحابه حيث قال: قال أصحابنا: في هذه الآية دلالةٌ على كون البسملةِ
آيةً من كلِّ سورةٍ؛ لأنَّ الله تعالى قد وعَدَ حفظَ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلا أنْ
يبقَى مصوناً من الزيادة والنقصان، فلو لم تكن البسملةُ آيَةً من القرآن لما كان مصوناً
عن التغيير، ولَمَا كان محفوظاً عن الزيادة، ولو جاز أنْ يُظَنَّ بالصحابة أنَّهم زادوا
لجاز أنْ يُظَنَّ بهم أنَّهم نقصوا، وذلك يوجبُ خروجَ القرآن عن كونه حجَّةً. اهـ.
ولعمري، إنَّ تسميةً مثلِ هذا بالخَبال(٢) أَولَى من تسميته بالاستدلال.
ولا يخفى ما في سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة،
وعلی فخامة شأن التنزیل، وقد اشتملتا علی عدَّةٍ من وجوه التأکید، و «نحن، لیس
فصلاً لأنَّه لم يقع بين اسمَين، وإنَّما هو إمَّا مبتدأ، أو توكيدٌ لاسم ((إنَّ) ويُعلَم
مما قرَّرنا أنَّ ضمير ((له)) للذِّكْر، وإليه ذهب مجاهد وقتادة والأكثرون، وهو الظاهرُ.
وجوَّز الفراءُ(٣) - وذهب إليه النزرُ - أنْ يكون راجعاً إلى النبيِّ نَّهِ، أي: وإنَّا
للنبيّ الذي أُنزل عليه الذكرُ لحافظون من مكر المستهزئين كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾ [المائدة: ٦٧] والمعوَّل عليه الأوَّل.
(١) مفاتيح الغيب ١٩/ ١٦١.
(٢) في الأصل: بالخيال.
(٣) معاني القرآن ٨٥/٢.

الآيتان : ١٠- ١١
٤١١
سُوْدَةُ الِّعْرُ
وأُخّر هذا الجوابُ مع أنَّه ردٌّ لأوَّلِ كلامهم الباطل؛ لِمَا أشرنا إليه فيما مرَّ،
ولارتباطه بما يعقبُه من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ أي: رسلاً، كما رُوي عن
ابن عباس، وإنَّما لم يُذكر؛ لظهور الدلالة عليه ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ متعلِّقٌ بـ ((أرسلنا))،
أو بمحذوفٍ وقَع نعتاً لمفعوله المحذوفِ، أي: رسلاً كائنةً من قبلك ﴿فی شِيع
اُلْأَوَّلِينَ ﴾﴾ أي: فِرَقهم، كما قال الحسن والكلبيُّ، وإليه ذهب الزجَّاجِ(١)، وهو
- وكذا: أشياع - جمع: شِيْعَة، وهي الفِرقة (٢) الجماعةُ المتَّفقةُ على طريقةٍ ومذهب،
مأخوذٌ من شاع المتعدِّي، بمعنى: تَبع، لأنَّ بعضَهم يُشائعُ بعضاً ويتابعه.
وتطلقُ الشِّيْعة على الأعوان والأنصار، وأصلُ ذلك على ما قيل من الشِّيَاع -
بالکسر والفتح ۔ صغارُ الحطب یُوقَد به الكبار.
والمناسبةُ في ذلك نظراً للإطلاق الثاني ظاهرةٌ، وللإطلاق الأوَّلِ أنَّ التابعَ من
حيث إنَّه تابعٌ أصغرُ ممن يتبعُه. وإضافتُه إلى ((الأوَّلين)) من إضافة الموصوفِ إِلى
صفته عند الفرَّاء(٣)، ومن حذف الموصوف عند البصريين، أي: شِيَع الأُمم
الأوَّلين، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((أرسلنا)).
ومعنى إرسالِ الرسل في الشيع جعلُ كلِّ منهم رسولاً فيما بين طائفةٍ منهم
ليتابعوه في كلِّ ما يأتي ويَذَرُ من أمور الدين، وكأنَّه لو قيل: ((إلى)) بدل ((في)) لم
يظهر إرادةُ هذا المعنى. وقيل: إنَّما عَدَل عن ((إلى)) إليها، للإعلام بمزيد التمكين،
وزعَمَ بعضُهم أنَّ الجارَّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ للمفعول المقدَّرِ أو
حالٌ، ولا يخفَى بُعدُه.
﴿وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ﴾ حكايةُ حالٍ ماضية كما قال الزمخشريُّ؛ لأنَّ ((ما))
لا تدخُلُ على مضارع إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من
الحال(٤)، وهو قولُ الأكثرين.
(١) معاني القرآن وإعرابه ١٧٤/٣ .
(٢) في الأصل و(م): والفرقة، والمثبت من تفسير أبي السعود ٦٩/٥ والكلام منه.
(٣) البحر المحيط ٤٤٧/٥، واللباب ٤٣٣/١١.
(٤) الكشاف ٣٨٨/٢.

سُؤَدَةُ الِفُ
٤١٢
الآية : ١٢
وقال بعضهم: إنَّ الأكثر دخولُ ((ما)) على المضارع مراداً به الحال، وقد تدخلُ
عليه مراداً به الاستقبال، وأنشدَ قولَ أبي ذؤيب:
عند الرُّقاد وعَبْرةً ما تُقْلِعُ(١)
أَودَى بنيَّ وَأَودَعُوني حَسْرةً
وقولَ الأعشى(٢) يمدحُ النبيَّ ◌َّ:
له نافلاتٌ ما يغِبُّ نوالُها
وليس عطاءُ اليومٍ مانعَه غَدَا
وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أُبَدِّلَهُ، مِن تِلْقَآَى نَفْسِىٌّ﴾ [يونس: ١٥] ولعله
المختار، وإنْ كان ما هنا على الحكاية، والمرادُ نفْيُ إتيان كلِّ رسولٍ لشيعته
الخاصة به، لا نَفْي إتيانِ كلِّ رسولٍ لكلِّ واحدةٍ من تلك الشِّيَع جميعاً، أو على
سبيل البدل، أي: ما أَتَى شيعةً من تلك الشيع رسولٌ خاصٌّ بها ﴿إِلَّا كَانُواْ بِهِ،
كما يفعلُه هؤلاء الكفرة، والجملةُ - كما قال أبو البقاء - في محلٌ
يَسْئَهْزِءُونَ
النصب على أنَّها حالٌ من ضمير المفعول في ((يأتيهم)) إنْ كان المرادُ بالإتيان
حدوثَه، أو في محلِّ الرفع أو الجرِّ على أنَّها صفة ((رسول)) على لفظه أو
موضعه(٣)؛ لأنَّه فاعل.
وتعقب جعلُها صفةً له باعتبار لفظه بأنَّهُ يفضي إلى زيادة ((من)) الاستغراقيَّة في
الإثبات لمكان ((إلا)) وتقدير العمل في النعت بعدها.
وجوِّز أنْ تكونَ نصباً على الاستثناء وإنْ كان المختارُ الرفعَ على البدليَّة. وهذا
كما ترى تسليةٌ لرسول الله وَله بأنَّ هذه شِنْشِنةُ جُهَّال الأمم مع المرسلين عليهم
السلام قبلُ.
وحيث كان الرسول مصحوباً بكتاب من عند الله تعالى تضمَّن ذكْرُ استهزائهم
بالرسول استهزاءهم بالكتاب، ولذلك قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل السَّلْك
(١) ديوان الهذليين ص٢، والمفضليات ص٤٢١، وخزانة الأدب ١/ ٤٢٠، والبحر المحيط
٤٤٧/٥ والكلام منه.
(٢) كما في ديوانه ص٤٦، والمغني ص٣٨٦، والبحر المحيط ٤٤٧/٥ والكلام منه، ولفظ
صدره في الديوان هكذا: له صدقات ما تغب ونائلٌ.
(٣) الإملاء ٤١٩/٣.

الآية : ١٣
٤١٣
سُورَةُ الِجُ
الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاؤوا به ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أي:
نُدخلُه، يقال: سلكتُ الخيطَ في الإبرة، والسِّنانَ في المطعون، أي: أدخلتُ،
وقرئ: ((نُسْلِكُه))(١). وسَلَك وأَسْلَكَ كما ذكر أبو عبيدة بمعنَّى واحد (٢)، والضميرُ
عند جمعٍ - ومنهم الحسنُ على ما ذكره الغزنويُّ - للذِّكر.
، أي: أهل مكة، أو جنس المجرمين فيدخلون فيه
١٢
﴿فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ
دخولاً أوليًّا، ومعنى المِثْليَّة كونُه مقروناً بالاستهزاء غير المقبول لِمَا تقتضيه
الحكمة، وحاصلُه أنَّه تعالى يُلقي القرآن في قلوب المجرمين مُستهزَأَ به غيرَ مقبولٍ،
لأنَّهم من أهل الخذلان ليس لهم استحقاقٌ لقبول الحقِّ، كما أَلَقى سبحانه كُتبَ
الرسل عليهم السلامُ في قلوب شِيَعهم مستهزأً بها غيرَ مقبولةٍ لذلك، وصيغةُ
المضارع لكون المشبّه به مقدَّماً في الوجود وهو السلك الواقع في شيع الأولين.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِ﴾ الضميرُ الذِّكر أيضاً، والجملةُ في موضع الحال من مفعول
(نَسلُكُه)) أي: غيرَ مُؤمَنٍ به، وهي إما مقدَّرة وإما مقارِنة، على معنى أنَّ الإلقاء
وقَعَ بعدَه الكفرُ من غير توقّفٍ،، فهما في زمانٍ واحدٍ عُرفاً، ويجوزُ أنْ تكونَ
بياناً للجملة السابقة، فلا محلَّ لها من الإعراب. قال في ((الكشف)): وهو
الأوجهُ، لأنَّ في طريقة الإبهام والتفسير لاسيما في هذا المقام ما يُجلُّ موقع
الكلام.
وفي ((إرشاد العقل السليم)): أنَّه قد جعل ضمير ((تَسْلُكُه)) للاستهزاء المفهوم من
(يستهزئون) فتتعيَّن البيانيَّةُ إلا أنْ يُجعل ضمير ((به)) له أيضاً، على أنَّ الباء
للملابسة، أي: يَسلك الاستهزاء في قلوبهم حالَ كونهم غيرَ مؤمنين بملابسة
الاستهزاء (٣) .
وقد ذهب إلى جواز إرجاع الضميرَين إلى الاستهزاء ابنُ عطيةَ إلا أنَّه جعَلَ الباء
للسببية(٤)، وكذا الفاضل الجلبي. ولا يخفى أنَّ بُعدَ ذلك يُغني عن ردِّه.
(١) معاني القرآن وإعرابه للزجاج ١٧٤/٣، والمحرر الوجيز ٣٥٣/٣، والكشاف ٣٨٨/٢.
(٢) مجاز القرآن ٣٤٧/١.
(٣) تفسير أبي السعود ٧٠/٥.
(٤) المحرر الوجيز ٣٥٣/٣.

سُوَدَّةُ الىجم
٤١٤
الآية : ١٣
وذهب البيضاوي(١) إلى كون الضمير الأول للاستهزاء، وضميرٍ ((به)) للذكر،
وتفريقُ الضمائرِ المتعاقبةِ على الأشياء المختلفةِ إذا دلَّ الدليل عليه ليس بيدْع في
القرآن، وجوَّز على هذا كونَ الجملة حالاً من ((المجرمين)) ولا يتعيَّن كونُها حالاً من
الضمير ليتعيَّن رجوعُه للذكر، وذكَرَ أنَّ عودَه على الاستهزاء لا يُنافي كونَها مفسِّرةً
بل يقوِّيه، إذ عدمُ الإيمان بالذكرِ أنسبُ بتمكُّن الاستهزاء في قلوبهم، وجَعَل الآية
دليلاً على أنَّه تعالى يوجد الباطلَ في قلوبهم، ففيها ردٌّ على المعتزلة في قولهم: إنَّه
قبيحٌ فلا يصدرُ منه سبحانه، وكأنَّه رحمه الله تعالى ظَنَّ أنَّ ما فعله الزمخشريُّ(٢) من
جعل الضميرَين للذكر، كان رعايةً لمذهبه ففعل ما فعل، ولا يخفَى أنَّه لم يُصِب
المحزَّ، وغَفَل عن قولهم: الدليل إذا طرقه الاحتمالُ بطل به الاستدلالُ.
وفي ((الكشف)) بعد كلام: إنَّ رَجْع الضميرِ إلى الاستهزاء أو الكفر مع ما فيه
من تنافر النظم لا ينكره أهلُ الاعتزال إلا كإنكار سَلْك الذكر بصفة التكذيب،
والتأويل كالتأويل، وكأنَّهم غَفَلوا عمَّا ذكره جارُ الله في الشعراء حيث أجابَ عن
سؤال إسنادٍ سَلكِ الذكر بتلك الصفة إلى نفسه جلَّ وعلا بأنَّ المراد تمُّنُه مكذَّباً في
قلوبهم أشدَّ التمكُّن، كشيءٍ جُبِلُوا عليه(٣)؛ ولَخَّص المعنى ها هنا بأنَّه تعالى يلقيه
في قلوبهم مكذَّباً، لا أنَّ التكذيبَ فِعْلُه سبحانه.
نعم أخرج ابنُ أبي حاتم عن أنس والحسن تفسيرَ ضمير ((نَسلُكُه)) إلى
الشرك(٤)، وأخرج هو وابنُ جرير عن ابن زيد أنَّه قال في الآية: هم كما قال الله
تعالى: هو أضلَّهم ومنَعَهم الإيمان(٥)، لكنْ هذا أمرٌ وما نحنُ فيه آخر.
واعترض بعضُهم رجوعَ الضمير إلى ((الذكر)) بأنَّ نون العظمة لا تناسبُ ذلك،
فإِنَّها إنَّما تحسُنُ إذا كان فعل المعظّم نفسَه فعلاً يَظهرُ له أثرٌ قويٌّ، وليس كذلك
هنا، فإنَّه تدافعٌ وتنازعٌ فيه.
(١) تفسير البيضاوي ٥/ ٢٨٥ بنحوه.
(٢) ينظر الكشاف ٣٨٨/٢.
(٣) الكشاف ١٢٩/٣.
(٤) عزا الأثرين السيوطي في الدر المنثور ٩٤/٤ إلى ابن أبي حاتم، وأخرج أثر الحسن
عبد الرزاق في تفسيره ٣٤٥/١-٣٤٦.
(٥) الطبري ٢١/١٤-٢٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ لابن أبي حاتم.

الآية : ١٣
٤١٥
سُورَةُ الحِجر
وأجاب بأنَّ المقام إذا كان للتوبيخ يَحسُنُ ذلك، ولا يلزمُ أنْ تكونَ العظمة
باعتبار القهر والغلبة، فقد تكونُ باعتبار اللطف والإحسان.
وتعقب ذلك الشهابُ بقوله: لا يخفى أنَّه باعتبار القهر والغلبة يقتضي أنْ يؤثّر
ذلك في قلوبهم، وليس كذلك؛ لعدم إيمانهم به، وكذا باعتبار اللَّطف والإحسانِ
يقتضي أنْ يكونَ سلكه في قلوبهم إنعاماً عليهم، فأيّ إنعامٍ عليهم بما يقتضي
الغضب، فلا وجْهَ لما ذكر(١).
وأنت تعلم أنَّه إذا كان المرادُ سَلْكَ ذلك وتمكينه في قلوبهم مكذَّباً به غيرَ
مقبولٍ، فكونُ الإسناد باعتبار القهر والغلبة مما لا ينبغي أنْ يَنْتَطح به كبشان، والأثر
الظاهرُ القويُّ لذلك بقاؤهم على الكفر والإصرار على الضلال ولو جاءتهم كلُّ آية .
ولا يخفى ما في ((كذلك)) ممَّا يناسب نون العظمة أيضاً، وقد مرَّ التنبيه عليه
غير مرَّةٍ.
والمرادُ عادةُ الله تعالى فيهم
﴿وَقَّدْ خَلَتْ﴾ مضَتْ ﴿سُنَّهُ﴾ طريقة ﴿الْأَوَّلِينَ
على أنَّ الإضافة لأدنَى ملابسةٍ، لا على أنَّ الإضافَة بمعنى ((في))، والمرادُ بتلك
العادةِ - على تقدير أنْ يكونَ ضميرُ ((نَسْلُكُه)) للاستهزاء - الخِذلانُ وسَلْكُ الكفر في
قلوبهم، أي: قد مضَت عادتُه سبحانه وتعالى في الأوَّلين ممَّن بَعَث إليهم الرسُلَ
عليهم السلام أنْ يخذُلَهم ويسلُكَ الكفرَ والاستهزاء في قلوبهم، وعلى تقدير أنْ
يكونَ للذكر الإهلاكُ، وعلى هذا قولُ الزمخشريِّ: أي: مضَت طريقتُهم التي
سنَّها الله تعالى في إهلاكهم حينَ كذَّبوا برسلهم والمنزَّل عليهم، وذَكَر أنَّه وعيدٌ
لأهل مكة على تكذيبهم (٢). وإلى الأوَّل ذهَبَ الزّجَّاج(٣)، وادَّعى الإمامُ أنَّه الألْيقُ
بظاهر اللفظ (٤).
وبيَّن ذلك الطيبي قائلاً: إنَّ التعريفَ في ((المجرمين)) للعهد، والمرادُ بهم
المكذِّبون مِن قوم رسولِ الله وَّر، لأنَّهم المذكورون بعدُ، أي: مثل ذلك السَّلك
(١) حاشية الشهاب ٢٨٥/٥.
(٢) الكشاف ٣٨٨/٢.
(٣) معاني القرآن ٣/ ١٧٤.
(٤) مفاتيح الغيب ١٦٥/١٩-١٦٦.

سُوََّ الِحْ
٤١٦
الآية : ١٤
الذي سَلَكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذِّبين للرسُل الماضين نَسلُكُه في
قلوب هؤلاء المجرمين، فلك أسوةٌ بالرسل الماضية مع أممهم المكذِّبة، ولستَ
بأوحديٍّ في ذلك وقد خَلَت سنةُ الأولين، والمقامُ مقتضٍ(١) التقريرَ والتأكيدَ،
فيكون في هذا مزيدُ تسليةٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، والوعيدُ بعيدٌ؛ لأنَّه لم
يَسِقِ لإهلاك الأمم ذكرٌ، وإيثارُ ذلك؛ لأنَّه أقربُ إلى مذهب الاعتزال. اهـ.
وفيه غَفْلةٌ عن مَغْزَى الزمخشريِّ، وقد تفطّن لذلك صاحبُ ((الكشف)) ولله تعالى
دُرُّه حيث قال: أرادَ أنَّ موقعَ ((قد خَلَت)) إلى آخره موقعُ الغاية في ((الشعراء)»، أعني
قوله تعالى هناك: ﴿حَّ يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] فإنَّهم لما شُبِّهوا بهم،
قيل: لا يؤمنون، وقد هلَكَ مَن قبلهم ولم يؤمنوا، فكذلك هؤلاء، ومنه يظهرُ أنَّ
الكلامَ على هذا الوجه شديدُ الملاءمةِ.
وأمَّا أنَّ الوعيدَ بعيدٌ لعدم سَبْق ذكرٍ لإهلاك الأمم، ففيه أنَّ لفظ السُّنَّة مضافاً
إلى ما أُضيفَ إليه يُنبئُ عن ذلك أشدَّ الإنباء، ثمَّ إنَّه ليس المقصود منه الوعيدَ على
ما قرَّرناه، وقد صرَّح أيضاً بعضُ الأجلة أنَّ الجملة استئنافيةٌ جيءَ بها تكملةً
للتسلية، وتصريحاً بالوعيد والتهديد.
ثم ما ذهب إليه الزمخشريُّ من المراد بالسُّنَّة مرويٌّ عن قتادة فقد أخرج ابنُ
جرير وابن المنذر وغيرهما عنه أنَّه قال في الآية: قد خَلَت وقائعُ الله تعالى فيمَن
خلا من الأمم(٢). وعن ابن عباس أنَّ المراد سُنَّتهم في التكذيب، ولعلَّ الإضافة
على هذا على ظاهرها.
﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هؤلاء المقترِحين المعاندين ﴿بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾
ظاهرُه: باباً ما، لا باباً مِن أبوابها المعهودة كما قيل ﴿فَظَلُّواْ فِيهِ﴾ أي: في ذلك
· يصعدون حسبما نُيسِّرُه لهم، فيّرون ما فيها من الملائكة
الباب ﴿يَعْرُجُونَ
والعجائبٍ طولَ نهارهم، مُستوضِحين لِمَا يرونه كما يفيده ((ظلوا)) لأنَّه يقال: ظلَّ
يعملُ كذا: إذا فَعَلَه في النهار حيث يكونُ للشخص ظلٌّ. وجوَّز في ((البحر)) كونَ
(١) في (م): يقتضي.
(٢) الطبري ٢٢/١٤، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٤/ ٩٤ -٩٥.

الآية : ١٥
٤١٧
سُوَدَّ الِىِجْر
(ظل)) بمعنى ((صار))(١). وهو مع كونه خلافَ الأصل مما لا داعيَ إليه.
وأيًّا ما كان فضميرُ الجمع للمقترِحين، وهو الظاهرُ المرويُّ عن الحسن، وإليه
ذهب الجبائي وأبو مسلم(٢). وأخرج ابنُ جرير(٣) عن ابن عباس ﴿ا أنَّه للملائكة،
ورُوي ذلك عن قتادة أيضاً، أي: فظلَّ الملائكةُ الذين اقترحوا إتيانَهم يعرُجون في
ذلك الباب وهم يَرَوْنَهم على أتمِّ وجهٍ.
وقرأ الأعمش وأبو حيوة: ((يعرِجون)) بكسر الراء(٤)، وهي لغةُ هذيل في
العروج بمعنى الصعود.
﴿لَقَالُواْ﴾ لِفَرْط عنادهم وغُلوّهم في المكابرة وتفاديهم عن قبول الحقِّ: ﴿إِنَّمَا
◌ُكِّرَتْ أَبْصَرَنَا﴾ أي: سُدَّت ومُنِعَت من الإبصار حقيقةً، وما نراه تخيُّل لا حقيقةً له،
أخرجه ابن أبي حاتم وغيرُه عن مجاهد(٥)، وروي أيضاً عن ابن عباس وقتادة، فهو
من السَّكر بالفتح.
وقال أبو حيان: بالكسر: السَّدُّ والحَبْس(٦)، وقال ابن السيد(٧): السَّكر،
بالفتح، سدُّ الباب والنهر، وبالكسر: السَّدُّ نفسُه، ويجمع على سُكُور، قال الرَّفَّاء:
قلَّ الغِناءُ ورناتُ النواعير (٨)
غِناؤنا فيه ألحان السكور إذا
ويشهد لهذا المعنى قراءة ابن كثير والحسن ومجاهد: ((سُكِرَتْ أَبصارُنا)»
(١) البحر المحيط ٤٤٨/٥.
(٢) مجمع البيان ١٤/ ١٥ .
(٣) في الأصل و(م): جريج، والمثبت من الدر المنثور ٩٥/٤، والأثر عند الطبري ٢٣/١٤.
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٣٥٣، والبحر المحيط ٤٤٨/٥.
(٥) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٩٥/٤، وأخرجه الطبري ٢٦/١٤.
(٦) البحر المحيط ٤٤٨/٥.
(٧) عبد الله بن محمد بن السيد البَطَلْيَوسيّ، كان عالماً باللغات والآداب متبحراً فيها، له ((شرح
أدب الكاتب))، و((الحلل في شرح أبيات الجمل))، توفي (٥٥١هـ). بغية الملتمس للضبي
ص٣٣٧، والمغرب في حلى المغرب للمغربي ٣٨٥/١-٣٨٦.
(٨) حاشية الشهاب ٢٨٦/٥. والرقّاء: هو السري بن أحمد بن السري أبو الحسن الكندي
الموصلي، الشاعر المشهور: أسلمه أبوه الرفَّائين صبيّا بالموصل، فكان يرفو ويطرِّز. معجم
الأدباء ١١/ ١٨٢.

سُوَةُ الىجم
٤١٨
الآية : ١٥
بتخفيف الكاف مبنيًّا للمفعول(١)؛ لأنَّ سَكَرَ المخفَّف المتعدِّي اشتهر في معنى
السَّدِّ، وعن عمرو بنِ العلاء أنَّ المراد: حُيِّرت، فهو من السُّكر - بالضَّمِّ - ضدُّ
الصحو، وفسَّروه بأنَّه حالةٌ تعرض بين المرء وعقله، وأكثرُ ما يستعمل ذلك في
الشراب، وقد يعتري من الغضب والعشق، ولذا قال الشاعر:
سُكرانٍ سُكْرُ هوَى وسكرُ مدامةٍ أَنَّى يفيقُ فتى به سُكرانٍ(٢)
والتشديد في ذلك للتعدية؛ لأنَّ سَكِرَ كفَرِحَ، لازمٌ في الأشهر، وقد حُكي
تعدِّيه، فيكونُ للتكثير والمبالغة، وأرادوا بذلك أنَّه فسَدَت أبصارُنا واعتراها خللٌ
في إحساسها كما يعتري عقلَ السكران ذلك، فيختلّ إدراكُه، ففي الكلام على هذا
استعارةٌ، وكذا على الأوَّل عند بعضٍ، ويشهد لهذا المعنى قراءة الزهريّ:
(سَكِرَت)) بفتح السين وكسر الكاف مخفَّفةً مبنيًّا للفاعل(٣)؛ لأنَّ الثلاثي اللازم
مشهورٌ فيه، ولأنَّ سَكَر بمعنى سدَّ، المعروفُ فیه فتحُ الكاف.
واختار الزجَّاج أنَّ المعنى: سكنت عن إبصار الحقائق، من سَکِرَت الريحُ
تسكُر سكراً: إذا ركَدَت(٤)، ويقال: ليلةٌ ساكرةٌ: لا ريحَ فيها، والتضعيف للتعدية،
ولهم أقوالٌ أُخَرُ متقاربةٌ في المعنى.
وقرأ أبانُ بنُ تغلب - وحُمِلَت لمخالفتها سواد المصحف على التفسير -:
(سحرت أبصارنا))(٥).
قد سحرنا محمدٌ وَل﴿ه كما قالوا ذلك عند ظهور
١٥
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْخُورُونَ
سائر الآياتِ الباهرةِ، والظاهرُ على ما قال القطب: إنَّهم أرادوا أولاً سُكِّرَت
أبصارنا لا عقولُنا، فنحن وإن تخيلنا هذه الأشياء بأبصارنا، لكن نعلمُ بعقولنا أنَّ
(١) قراءة ابن كثير في التيسير ص١٣٦، والنشر ٣٠١/٢، وقراءة الحسن ومجاهد في معاني
القرآن للنحاس ٤/ ١٤، والبحر المحيط ٤٤٨/٥.
(٢) البيت للخليع الشامي كما في يتيمة الدهر ٣٣/١، ونسبه أبو القاسم الحسن النيسابوري في
عقلاء المجانين ص٢١ لدیك الجن.
(٣) القراءات الشاذة ص ٧٠-٧١، والمحرر الوجيز ٣٥٣/٣، والبحر المحيط ٤٤٨/٥.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ١٧٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٥٣/٣، والبحر المحيط ٤٤٩/٥.

الآية : ١٥
٤١٩
سُورَةُ الحِجر
الحال بخلافه، ثم أضربوا عن الحصر في الإبصار وقالوا: بل تجاوز ذلك إلى
عقولنا .
وفسَّر الزمخشريُّ الحصرَ بأنَّ ذلك ليس إلا تسكيراً (١). فأورد عليه بأنَّ ((إنما))
إنما تفيدُ الحصرَ في المذكور آخراً، وحينئذٍ يكونُ المعنى ما تقدَّم، وهو مبنيٌّ على
أنَّ تقديمَ المقصورِ على المقصور عليه لازمٌ، وخلافه مُمتنعٌ، وقد قال المحقّق في
شرح ((التخليص)): إنَّه يجوزُ إذا كان نفسُ التقديم يُفيد الحصرَ، كما في قولنا:
إنَّما زيداً ضربت، فإنَّه لقَصْر الضرب على زيد، وقال أبو الطَّيِّب:
صفاتُه لم تَزِدْهُ معرفةً لكنَّها لذَّةً ذكرناها(٢)
أي: ما ذكرناها إلا لذةً. إلا أنَّ هذا لا ينفعُ فیما نحن فيه.
نعم نقل عن («عروس الأفراح)) أنَّ حكم أهل المعاني غيرُ مسلَّم، فإنَّ قولك:
إنَّما قمتُ، معناه: لم يَقَع إلا القيامُ، فهو لحصر الفعل وليس بآخر، ولو قصد
حصرَ الفاعل لانفصل، ثم أورد عدَّةَ أمثلة من كلام المفسِّرين تدلُّ على ما ذكروه
في المسألة، فالظاهرُ أنَّ الزمخشريَّ لا يرى ما قالوه مطّرداً، وهم قد غَفَلوا عن
مراده هنا، قاله الشهاب(٣)، وما نقله عن ((عروس الأفراح)) في: إنَّما قمتُ، مِن أنَّه
لحصر الفعل، ولو كان لحصر الفاعل لانفصل، يُخالفُه ما في شرح المفتاح
الشريفي من أنَّه إذا أُريدَ حصر الفعل في الفاعل المضمَر، فإنْ ذُكِرَ بعد الفعل شيءٌ
من متعلَّقاته وجَبَ انفصالُ الفاعل وتأخيرُه، كما في قولك: إنَّما ضَرَبَ اليومَ أنَا،
وكما في قول الفرزدق:
أنا الذائدُ الحامي الذمار وإنَّما يُدافعُ عن أحسابهم أنا أو مثلي(٤)
وإنْ لم يُذكر احتملَ الوجوبَ طرداً للباب وعدمه، بأنْ يجوز الانفصالُ نظراً
إلى المعنى، والاتِّصالُ نظراً إلى اللفظ، إذ لا فاصل لفظيًّا. اهـ.
(١) الكشاف ٢٨٩/٢.
(٢) البيت في شرح ديوانه ٤/ ٤١٠، وفيه: أسامياً، بدل: صفاته، و: إنما، بدل: لكنها.
(٣) في حاشيته على البيضاوي ٢٨٦/٥.
(٤) ديوان الفرزدق ١٥٣/٢، والمحتسب ١٩٥/٢، وتذكرة النحاة ص ٨٥، وخزانة الأدب
٤٦٥/٤، وروي صدره بلفظ: أنا الضامن الراعي عليهم وإنما .

سُوْدَةُ الِحُ
٤٢٠
الآية : ١٥
فإِنَّه صريحٌ في أنَّ: إنَّما قمتُ، لحصر الفاعل وإنْ لم يجب الانفصالُ، لكن
اختارَ السعدُ في شرحه وجوبَ الانفصال مطلقاً، وحكم بأنَّ الظاهر أنَّ معنى:
إنَّما أقومُ، ما أنا إلا أقوم، كما نقله السمر قنديُّ. وأبو حيان مع طائفةٍ يسيرةٍ من
النحاة أنكروا إفادة ((إنَّما)) للحصر أصلاً، وليس بالمعوَّل عليه عند المحقّقين،
لكنهم قالوا: إنَّها قد تأتي لمجرَّد التأكيد. وتمامُ الكلام في هذا المقام يُطلَب من
محلِّه.
ووجَّه الشهابُ الإضرابَ بعد أنْ قال: هو جعْلُ الأوَّلِ في حكم المسكوت عنه
دون النفي، ويحتمل الثاني بأنَّه إضرابٌ لأنَّ هذا ليس بواقع في نفس الأمر، بل
بطريق السحر، أو هو باعتبار ما تُفيدُه الجملة من الاستمرار الذي دلَّت عليه
الاسميَّةُ، أي: مسحورِيَّتْنا لا تختصُّ بهذه الحالة، بل نحن مستمرُّون عليها في كل
ما يُرينا من الآيات(١).
هذا، وفي هذه الآية من وصفهم بالعناد وتواطئهم على ما هم فيه من التكذيب
والفساد ما لا يخفى، وفي ذلك تأكيدٌ لما يُفهم من الآية الأولى.
وقد ذكر ابنُ المنير في المراد منها وجهاً بعيداً جدًّا فيما أرى فقال: المرادُ والله
تعالى أعلم إقامةُ الحَجَّة على المكذِّبين بأنَّ الله تعالى سَلَك القرآن في قلوبهم
وأدخلَه في سويدائها كما سلك في قلوب المؤمنين المصدِّقين، فكذَّب به هؤلاء
وصدَّق به هؤلاء، كلٌّ على علم وفَهْم ليهلِكَ من هَلَك عن بينةٍ ويحيا من حيَّ عن
بينة، ولئلا يكونَ للكفار على الله تعالى حجَّةٌ بأنَّهم ما فهموا وجْهَ الإعجاز
كما فهمها مَن آمن، فأعلمهم الله تعالى - وهم في مُهلةٍ وإمكان - أَنَّهم ما كفروا
إلا على علمٍ، معاندين باغين غيرَ معذورين، ولذلك عقَّبه سبحانه بقوله تعالى: (وَلَوْ
فَتَحْنَا عَلَتِهِم) إلخ أي: هؤلاء فهموا القرآنَ وعلموا وجوهَ إعجازه وولج ذلك في
قلوبهم ووَقَر، ولكنَّهم قومٌ سجيَّتُهم العنادُ وسِمَتُهم اللدادُ، حتى لو سَلَك بهم
أوضحَ السبل وأدعاها إلى الإيمان، لقالوا بعد الإيضاح العظيم: إنَّما سُكِّرت
أبصارُنا، وسُحِرْنا، وما هذه إلا خيالات لا حقائِقَ تحتها، فأسجل سبحانه عليهم
(١) حاشية الشهاب ٢٨٦/٥-٢٨٧.