Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ١٧
١٠١
سُورَةُ الرَّعَدِ
نفع أنفسهم وعلى نفع عَبَدَتِهم، فهل يقدرون على أن يخلقوا شيئاً؟! وهَبْ أنَّهم
قادرون على خلق بعض الأشياء، فهل يقدرون على ما يقدرُ عليه الخالقُ مِنْ خلق
السماوات والأرض؟! اهـ.
والحقُّ أنَّ الآية ناعيةٌ عليهم، مُتهكِّمةٌ بهم، فإنَّ من لا يملك لنفسه شيئاً من
النفع والضرِّ أبعدُ من أن يفيدَهم ذلك، وكيف يُتوهّم فيه أنَّه خالقٌ، وأنْ يشتبَه على
ذي عقل، فينبّه على نفيه، وهذا المقدار يكفي في الغرض فافهم.
﴿ثُلِ﴾ تحقيقاً للحقِّ وإرشاداً لهم: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ من الجواهر
والأعراض، ويلزمُ هذا أنْ لا خالقَ سواه؛ لئلا يلزمَ التوارِدُ - وهو المقصود -؛
ليدلَّ على المراد وهو نفيُ استحقاقٍ غيرِه تعالى للعبادة والألوهية، أي: لا خالقَ
سواء فيشاركه في ذلك الاستحقاق.
وبعموم الآية استدلَّ أهلُ السنَّة على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ له تعالى،
والمعتزلةُ تزعمُ التخصيصَ بغير أفعالهم. ومن الناس من يحتجُّ أيضاً لما ذهب إليه
أهلُ الحقِّ بالآية الأُولى، وهو كما ترى.
الغالبُ علی کلِّ
﴿وَهُوَ الْوَجِدُ﴾ المتوحِّد بالألوهيَّة المنفردُ بالربوبيَّة ﴿اَلْقَهَّرُ ◌َ﴾
ما سواه، ومن جملة ذلك آلهتُهم، فكيف يكون المغلوبُ شريكاً له تعالى؟! وهذا -
على ما قيل - كالنتيجة لما قبله.
وهو يحتمل أن يكونَ من مقول القول وأن يكون جملةً مستأنفةً.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من جهتِها على ما هو المشاهَدُ، وقيل: منها نفسها،
ولا تجوُّزَ في الكلام. واستُدلَّ له بآثارِ اللهُ تعالى أعلمُ بصحتها .
وقيل: أنزلَ منها نفسها ﴿مَ﴾ أي: كثيراً، أو نوعاً منه، وهو ماءُ المطرِ باعتبار
أنَّ مباديه منها، وذلك لتأثير الأجرامِ الفلكيَّة في تصاعد البخار، فيُتُجوَّزُ في ((مِنْ)).
﴿فَسَالَتْ﴾ بذلك ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ واقعة (١) في مواقعهِ لا جميع الأودية، إذِ الأمطارُ
لا تستوعبُ الأقطارَ.
(١) في (م): دافعة.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٠٢
الآية : ١٧
وهو جمعُ وادٍ، قال أبو علي الفارسيُّ(١): ولا يعلم أنَّ فاعلاً جُمعَ على أفعلة،
ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد، كعالِم وعليم،
وشاهد وشهيد، وناصر ونصير. ثمّ إنَّ وزنَ فاعل يُجمع على أفعال، کصاحب
وأصحاب، وطائر وأطيار. ووزنَ فعيل يجمع على أفعلة، كجريب(٢) وأجربة، ثمَّ
لمَّا حصلتِ المناسبةُ المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرَم يجمعُ فاعل جمعَ فعيل،
فيقال: وادٍ وأودية، ويجمعُ فعيل جمعَ فاعل: يتيم وأيتام، وشريف وأشراف. اهـ.
ونظيرُ ذلك: نادٍ وأندية، وناجٍ وأنجية. قيل: ولا رابع لها. وفي ((شرح
التسهيل)» ما يخالفه.
والوادي: الموضعُ الذي يسيل فيه الماء بكثرة، وبه سميت الفرجة بين
الجبلين، ويطلق على الماء الجاري فيه، وهو اسمُ فاعلٍ من وَدَى إذا سال، فإن
أُرِيدَ الأول فالإسنادُ مجازيٌّ، أو الكلام على تقدير مضافٍ كما قال الإمام(٣)، أي:
مياه أودية. وإن أُريد الثاني وهو معنًى مجازيٌّ من باب إطلاق اسم المحلِّ على
الحالِّ فالإسناد حقيقيٍّ، وإيثار التمثيل بالأودية على الأنهار المستمرَّة الجريان؛
لوضوح المماثلة بين شأنها وما مثَّل بها، كما سنشيرُ إليه إن شاء الله تعالى.
﴿يِقَدَرِهَا﴾ أي: بمقدارها الذي عيَّنه اللهُ تعالى واقتضَتْه حكمتُه سبحانه في نفع
الناس، أو بمقدارها المتفاوتِ قلَّةً وكثرةً، بحسب تفاوت محالّها صغراً وكبراً،
لا بكونها مالئةً لها منطبقةً عليها، بل بمجرَّد قلَّتها بصغرها المستلزم لقلَّةِ موارد
الماء، وكثرتها بكبرها المستدعي لكثرةِ المواردِ، فإنَّ مواردَ السيل الجاري في
الوادي الصغير أقلُّ من موارد السيل الجاري في الوادي الكبير. هذا إذا ما أُريد
بالأودية ما يسيلُ فيها. أمَّا إن أُريد بها المعنى الحقيقيُّ، فالمعنى: سالت مياهُها
بقدر تلك الأوديةِ على نحو ما عرفته آنفاً، أو يراد بضميرها مياهُها بطريق
الاستخدام، ويراد ((بقدرها)) ما ذُكر أولاً من المعنيين. قاله شيخ الإسلام(٤).
(١) ذكر كلامَه الرازيُّ في تفسيره ٣٦/١٩.
(٢) الجريب: مكيال. لسان العرب (جرب).
(٣) في تفسيره ٣٦/١٩.
(٤) هو أبو السعود في تفسيره ١٤/٥.

الآية : ١٧
١٠٣
سُوَّةُ الرّعَلِ
والجارُّ والمجرور على - ما نُقل عن الحوفيِّ - متعلِّقٌ بـ ((سالت))(١)، وقال
أبو البقاء(٢): إنه في موضع الصفة لـ ((أودية)). وجوِّز أن يكون متعلّقاً بـ ((أنزل)).
وقرأ زيدُ بن عليٍّ ﴿يَا، والأشهبُ العقيليُّ، وأبو عمرٍو في رواية: ((بقَدْرها))
بسكون الدال، وهي لغة في ذلك(٣).
﴿فَاحْتَعَلَ﴾ أي: حمل، وجاء افْتَعل بمعنى المجرَّد كاقْتَدر وقَدَر. ﴿الشَّيْلُ﴾
أي: الماء الجاري في تلك الأودية، والتعريف لكونه معهوداً مذكوراً بقوله تعالى:
﴿أَوْدِيَةٌ﴾. ولم يجمع؛ لأنه - كما قال الراغب(٤) - مصدرٌ بحسب الأصل، وفي
(البحر))(٥): إنَّه إنَّما عُرِّفَ؛ لأنَّه عنى به ما فُهم من الفعل، والذي يتضمنه الفعلُ من
المصدر وإن كان نكرةً إلا أنَّه إذا عاد في الظاهر كان معرفةً، كما كان لو صرّح به
نكرةً، وكذا يضمر إذا عاد ما دلَّ عليه الفعل من المصدر، نحو: مَنْ كذب كان شرًّا
له، أي: الكذبُ، ولو جاء هنا مضمراً لكان جائزاً عائداً على المصدر المفهوم من
سالت. اهـ.
وأورد عليه أنَّه كيف يجوزُ أن يعنى به ما فُهم من الفعل وهو حَدَثٌ،
والمذكورُ المعرَّفُ عينٌ كما علمت؟ وأجيب بأنَّه بطريق الاستخدام. وردًّ بأنَّ
الاستخدامَ أن يذكرَ لفٌ بمعنىّ ويعادَ عليه ضميرٌ بمعنىّ آخرَ، حقيقياً كان أو
مجازياً، وهذا ليس كذلك؛ لأنَّ الأوَّل مَصدرٌ أي: حَدَثٌ في ضمن الفعل،
وهذا اسمُ عينٍ ظاهرٌ يتَّصفُ بذلك، فكيف يُتصوَّرُ فيه الاستخدام؟ نعم،
ما ذكروه أغلبيٍّ لا يختصُّ بما ذكر، فإنَّ مثلَ الضمير اسمُ الإشارة، وكذا
الاسم الظاهر. اهـ.
وانظر هل يجوز أن يراد من السيل المعنى المصدريُّ فلا یحتاج إلی حدیث
الاستخدام أم لا ؟.
(١) ينظر البحر ٣٨١/٥، والدر المصون ٣٨/٧.
(٢) في الإملاء ٣٨١/٣.
(٣) القراءات الشاذة ص٦٦، والبحر ٣٨١/٥.
(٤) في المفردات (سال).
(٥) ٣٨١/٥.

سُورَةُ الرَّعَلِ
١٠٤
الآية : ١٧
وعلى الجواز يكون المعنى: فاحتمل الماءُ المنزل من السماء بسبب السيل
﴿َزَبَدًا﴾ هو: الغثاءُ الذي يطرحه الوادي إذا جاش ماؤهُ واضطربت أمواجهُ، على
ما قاله أبو الحجاج الأعلمُ (١)، وهو معنى قول ابن عيسى: إنه وَضَرُ الغليان
وَبَثُ(٢). قال الشاعر(٣):
وما الفراتُ إذا جاشَتْ غَوارِبُه
ترمي أواذيُّه العِبْرَين بالزَّبَدِ
﴿رَاِياً﴾ أي: عالياً منتفخاً فوق الماء، ووصفُ الزبد بذلك قيل: بياناً لما أُريد
بالاحتمال المحتمل؛ لكون المحمول غيرَ طافٍ كالأشجار الثقيلة، وإنَّما لم يدفع
ذلك بأن يقال: فاحتملَ السيلُ زبداً فوقَه؛ للإيذان بأنَّ تلك الفوقيَّةَ مقتضى شأن
الزبد، لا من جهة المحتمل، تحقيقاً للمماثلة بينه وبين ما مثَّل به من الباطل(٤)
الذي شأنهُ الظهور في مبادي الرأي من غير مداخلة في الحقِّ.
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ ابتداءُ جملة - كما رُوي عن مجاهد - معطوفةٍ على الجملة
الأولى؛ لضرب مثلٍ آخرَ، أي: ومن الذي يفعلون الإيقاد. ﴿عَلَيْهِ﴾ وضميرُ الجمع
للناس، أُضمر مع عدم السبق؛ لظهوره.
وقرأ أكثر السبعة، وأبو جعفر، والأعرج، وشَيْبة: ((توقدون)) بتاء الخطاب(٥).
(١) في أشعار الشعراء الستة الجاهليين ١٩٦/١ .
(٢) نقل كلامه أبو حيان في البحر المحيط ٣٥٨/٥، والوضر: وسخ الدسم واللبن. اللسان
(وضر).
(٣) البيت النابغة الذبياني من قصيدته المشهورة، وهو في ديوانه ص٣٦، وأشعار الشعراء الستة
الجاهليين ١٩٦/١، وروايته هناك:
فما الفراتُ إذا هبّ الرياحُ له ترمي غواربُه العِبْرَين بالزَّبَد
وفي اللسان، وتاج العروس (عبر) كما ذكره المصنف هنا .
غواربه: ما علا من الموج، مفردها: غارب، عِبْر الوادي: شاطئه وناحيته، الأواذيّ:
الأمواج، مفردها : آذيّ.
(٤) في (م): الباطن.
(٥) قرأ بها من السبعة: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر.
التيسير ص٣٣، والنشر ٢٩٧/٢ - ٢٩٨، والحجة للفارسي ١٦/٥. وقراءة الأعرج وشيبة من
الشواذ، وهما في البحر ٣٨١/٥.

الآية : ١٧
١٠٥
سُوَرَّةُ الرَّعَلِ
والجارُّ متعلِّق بما عندَه، وكذا قوله تعالى: ﴿فِ النَّارِ﴾ عند أبي البقاء (١)
والحوفيٍّ. قال أبو عليٍّ (٢): قد يُوقَد على الشيء وليس في النار، كقوله تعالى:
﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] فإنَّ الطين الذي أَمر بالموقد عليه ليس في
النار، وإنما يُصيبه لهبُها، وقال مكيٍّ وغيره: إن ((في النار)) متعلّق بمحذوفٍ وقع
حالاً من الموصول، أي: كائناً، أو ثابتاً فيها، ومنعوا تعلُّقه بـ ((توقدون))، قالوا:
لأنه لا يُوقد على شيء إلا وهو في النار، والتعليقُ بذلك يتضمَّن تخصيصَ حالٍ من
حال أخرى، وقال أبو حيان(٣): لو قلنا: إنه لا يُوقد على شيء إلا وهو في النار،
لجاز أيضاً التعليقُ على سبيلِ التوكيد؛ كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيرُ
يَجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقيل: إن زيادةَ ذلك؛ للإشعار بالمبالغة في الاعتمال للإذابة
وحصول الزَّبَد، والمراد بالموصول نحوُ الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس،
والرصاص، وفي عدم ذِكْرها بأسمائها والعدولِ إلى وصفها بالإيقاد عليها المشعرِ
بضربها بالمطارق؛ لأنه لأجله، وبكونها كالحطب الخسيس = تهاونٌ بها؛ إظهاراً
لكبريائه جلَّ شأنه على ما قيل، وهو لا ينافي كونَ ذلك ضربَ مثلٍ للحقِّ؛ لأن
مقامَ الكبرياء يقتضي التهاون بذلك، مع الإشارة إلى كونه مرغوباً فيه منتفَعَاً به بقوله
تعالى: ﴿أَبْغَآءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَع﴾ فوفي كلّ من المقامين حقّه، فما قيل: إن الحَمْلَ على
التهاون لا يناسب المقامَ؛ لأن المقصود تمثيلُ الحقِّ بها، وتحقیرُها
لا يناسبُه = ساقط، فتأمَّل.
ونصب ((ابتغاء)) على أنه مفعولٌ له كما هو الظاهر، وقال الحوفي: إنه مصدرٌ
في موضع الحال، أي: مبتغين وطالبين انِّخاذَ حلية: وهي ما يُتزيّن ويُتجمَّل به،
كالحلي المَّخذ من الذهب والفضة، واتخاذَ متاعٍ: وهو ما يُتمتَّع به من الأواني
والآلات المتخَذَة من الحديد، والرصاص، وغير ذلك من الفِلِزَّات.
﴾ حَبَثٌ ﴿مِثْلَهُ﴾ أي: مثلُ ما ذُكر من زَبَد الماء في كونه رابياً فوقه، ورفع
((زيد)) على أنه مبتدأُ خبرُه ((مما توقدون))، و((من)) لابتداء الغاية، دالَّةٌ على مجرَّد
(١) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٨١/٣.
(٢) الحجة للقراء السبعة ١٦/٥.
(٣) البحر المحيط ٣٨٢/٥.

سُورَةُ الرَّحْلِ
١٠٦
الآية : ١٧
كونه مبتدأ وناشئاً منه. واستظهر أبو حيان(١) كونَها للتبعيض؛ لأن ذلك الزَّبد بعضُ
ما يُوقَد عليه من تلك المعادن، ولم يرتَضِهِ بعضُ المحقّقين؛ لإخلاله - على ما قيل -
بالتمثيل، وإنما لم يتعرَّض لإخراج ذلك من الأرض كما تعرَّض لعنوان إنزال الماء
من السماء؛ لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل - على ما استعمله إن شاء الله
تعالى - كما أنَّ للعنوان السابق دخلاً فيه، بل له إخلالٌ بذلك.
﴿كَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الضربِ البديع المشتمِلِ على نكتٍ رائقة ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ
الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ﴾ أي: مثل الحقِّ ومثل الباطل، والحذفُ للإنباء عن(٢) كمال التماثُل
بين الممثَّل والممثَّل به، كأنَّ المثل المضروب عينُ الحقِّ والباطل.
﴿فَمَّا الزَّدُ﴾ من كلٍّ من السَّيل وما يُوقدون عليه، وأُفرد ولم يُثَنَّ، وإن تقدَّم
زبدان، لاشتراكهما في مطلق الزَّبديَّة، فهما واحدٌ باعتبار القَدْر المشترك. ﴿فَيَذْهَبُ
جُفَةٍ﴾ مرميًّا به، يقال: جفا الماءُ بالزَّبد: إذا قذَفَ ورمى به، ويقال: أجفأ أيضاً
بمعناه، وقال ابنُ الأنباري: ((جفاء» أي: متفرِّقاً، من جفأتِ الريحُ الغيمَ: إذا
قطعتهُ وفرَّقته، وجفأتُ الرجلَ: صرعتُه، ويقال: جفأ الوادي وأجفأ: إذا نشف،
وقُرئ: ((جفالاً)) باللام بدل الهمزة(٣)، وهو بمعنى متفرِّقاً أيضاً، أخذاً من جفلت
الريحُ الغيمَ، كجفأته، ونُسِبت هذه القراءةُ إلى رؤبة، قال ابن أبي حاتم(٤): ولا يُقرأ
بقراءته؛ لأنه كان يأكلُ الفأر، يعني أنه كان أعرابيّاً جافياً، وعنه: لا تُعتبر قراءةٌ
الأعراب في القرآن. والنصبُ على الحاليّة.
﴿وَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ أي: من الماء الصافي الخالص من الغُثاء، والجوهرِ
المعدنيِّ الخالص من الخَبَث ﴿فَيَتْكُهُ﴾ يبقى ﴿فِ الْأَرْضِّ﴾ أمَّا الماءُ فيبقى بعضُه في
مناقعه، ويسلك بعضُه في عروقِ الأرض إلى العيون ونحوها، وأما الجوهرُ المعدنيُّ
فيُصاغ من بعضه أنواع الحلي، ويُتَّخذ من بعضه أصنافُ الآلات والأدوات، فُيُنتَفَع
(١) البحر المحيط ٣٨٢/٥.
(٢) في الأصل و(م): للإنباء على، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٥/٥ والكلام منه، وجاء
في هامش (م) ما نصه: قوله: للابناء، كذا بخطّ المؤلف، ولعله: للابتناء، تأمل. اهـ.
(٣) القراءات الشاذة ص٦٦، والبحر المحيط ٣٨٢/٥.
(٤) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: أبو حاتم؛ كما في البحر والقراءات الشاذة.

الآية : ١٧
١٠٧
سُوَّةُ الرّعَلِ
بكلِّ من ذلك أنواع الانتفاعات مدَّةً طويلة، فالمرادُ بالمُكث في الأرض ما هو أعمُّ
من المُكْث في نفسها، ومن البقاء في أيدي المتقلِّين فيها .
وتغييرُ ترتيبٍ اللفّ الواقع في الفَذْلكةِ الموافقِ للترتيب الواقعِ في التمثيل؛
قيل: لمراعاة الملاءمة بين حالتي الذهابٍ والبقاء، وبين ذِكْرهما؛ فإنَّ المعتبرَ
إنما هو بقاءُ الباقي بعد ذهاب الذاهب، لا قبلَه، وقيل: النكتةُ في تقديم الزَّبد على
ما ينفَع هو أن الزَّبد هو الظاهرُ المنظورُ أولاً، وغيرُه باقٍ متأخِّرٌ في الوجود؛
لاستمراره، والآيةُ من الجمع والتقسيم كما لا يخفى.
وحاصلُ الكلام في الآيتين أنه تعالى مثَّل الحقَّ - وهو القرآنُ العظيم عند الكثير
- في فيضانه من جَناب القُدْس على قلوبٍ خاليةٍ عنه متفاوتةِ الاستعدادِ، وفي جريانه
عليها ملاحظةً وحفظاً، وعلى الألسنة مذاكرةً وتلاوةً، مع كونه مُمِدًّا لحياتها
الرُّوحانية وما يتلوها من المَلَكات السَّنِّة والأعمال المرضيةً = بالماء النازل من
السماء، والسائل في أوديةٍ يابسةٍ لم تجرِ عادتُها بذلك، سيلاناً مقدَّراً بمقدارٍ اقتضتهُ
الحكمةُ في إحياء الأرض وما عليها، الباقي فيها حسبما يدورُ عليه منافعُ الناس،
وفي كونه حِلْيةً تتحلَّى بها النفوسُ، وتصلُ إلى البهجة الأبدية، ومتاعاً يُتمتَّع به في
المعاش والمعاد بالذهب والفضة، وسائر الفِلِزَّات التي يُتَّخذ منها أنواعُ الآلات
والأدوات، وتبقى منتَفَعاً بها مدةً طويلة، ومثَّل الباطلَ الذي ابتُلي به الكَفَرةُ لقصورٍ
نظرهم بما يظهر فيهما من غيرِ مداخلةٍ له فيهما وإخلال بصفائهما من الزَّبد الرابي
فوقَهما المضمَحِلِّ سريعاً.
وصحَّ عن أبي موسى الأشعريِّ أنه قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ مَثَل
ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم مثَلُ غيثٍ أصاب أرضاً، فكانت منها طائفةٌ
طيِّبَةٌ قَبِلت الماءَ، فأنبتت الكلاَ والعشبَ الكثيرَ، وكانت منها أجادِبُ اكتسبت
الماء، نفَعَ الله تعالى بها الناس، فشربوا منها، وسقوا، ورعوا، وأصاب طائفة منها
أخرى إنما هي قِيْعان، لا تمسكُ ماءً، ولا تُنبت كَلَّاً، فذلك مثَلُ من فقه في دين الله
تعالى، ونفعه ما بعثني الله تعالى به، فعَلِمَ وعلَّمَ، ومثَلُ مَنْ لم يرفع بذلك رأساً،
ولم يقبَلْ هدى الله تعالى الذي أُرسِلتُ به))(١).
(١) صحيح البخاري (٧٩)، وصحيح مسلم (٢٢٨٢)، وقد سلف ٩/ ١٦٥.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٠٨
الآية : ١٨
وقال ابن عطية(١): صدرُ الآية تنبيهٌ على قدرة الله تعالى، وإقامة الحجَّة على
الكفرة، فلما فرغ من ذلك جعلَه مثالاً للحقِّ والباطل، والإيمان والكفر، واليقين في
الشرع والشكِّ فيه، وكأنه أراد بعطف الإيمان وما بعده التفسيرَ للمراد بالحقِّ والباطل.
وعن ابن عباس: جعل الزَّبَد إشارة إلى الشَّكِّ، والخالص منه إشارة إلى اليقين.
في كلِّ
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب العجيب ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (®
باب؛ إظهاراً لكمال اللَّطف والعناية في الإرشاد، وفيه تفخيمٌ لشأن هذا التمثيل،
وتأكيدٌ لقوله سبحانه: ((يضرب الله الحقَّ والباطل)) إما باعتبار ابتناءِ هذا على التمثيل
الأول، أو بجَعْل ذلك إشارةً إليهما جميعاً.
وبعد ما بيَّن تعالى شأنُه شأنَ كلٍّ من الحقِّ والباطل حالاً ومآلاً أكملَ بيانٍ،
شرَعَ في بيان حال أهل كلٍّ منهما مالاً؛ تكميلاً للدعوة ترغيباً وترهيباً، فقال
سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمُ﴾ إذ دعاهم إلى الحقِّ بفنون الدعوة التي من جملتها
ضربُ الأمثال؛ فإنَّ له - لما فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس - تأثيراً بليغاً
في تسخير النفوس. والجارُّ والمجرور خبرٌ مقدّم.
وقوله سبحانه ﴿اٌلْحُسْنَى﴾ أي: المثوبةُ الحسنى، وهي الجنةُ كما قال قتادة
وغيرُه، وعن مجاهد: الحياةُ الحسنى، أي: الطَّيِّبة التي لا يَشُوبُها كَدَر أصلاً.
وعن ابن عباس أن المراد جزاءُ الكلمة الحسنى، وهي لا إله إلا الله، وفيه من البُعد
ما لا يخفى = مبتدأٌ مؤخّر.
﴿وَالَّذِينَ لَّمْ يَسْتَجِيبُوْ لَهُ﴾ سبحانه، وعاندوا الحقَّ الجَليَّ ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى
اُلْأَرْضِ﴾ من أصناف الأموال ﴿جَمِيعًا﴾ بحيث لم يشذَّ منه شاذٌّ في أقطارها، أو
مجموعاً غيرَ متفرِّق بحسَب الأزمان ﴿وَمِثْلَهُ، مَعَهُ، لَاَقْتَدَوْاْ بِهِدَّ﴾ أي: بالمذكور
مما في الأرض ومثله معه جميعاً؛ ليتخلَّصوا عمَّا بهم، وفيه من تهويل ما يلقاهم
ما لا يُحيط به البيان، والموصولُ مبتدأ، والجملةُ الشرطية خبرُه، وهي - على
ما قيل - واقعةٌ موقع السُّوأى المقابلةِ للحسنى الواقعةِ في القرينة الأولى، فكأنه
قيل: وللذين لم يستجيبوا له السُّوأى.
(١) المحرر الوجيز ٣٠٧/٣.

الآية : ١٨
١٠٩
سُورَةُ الرَّحْلِ
وتُعقّب بأن الشرطيةَ وإن دلَّت على سوءِ حالهم لكنَّها بمعزلٍ عن القيام مقام
لفظ السُّوأى مصحوباً باللام الجارَّة الداخلة على الموصول أو ضميره، وعليه
يدور حصولُ المرام، فالذي ينبغي أن يعوَّل عليه أن الواقعَ في تلك المقابلةِ ((سوءُ
الحساب)) في قوله تعالى: ﴿أُوْلََّكَ لَهُمْ سُوَهُ الْحِسَابِ﴾ وحيث كان اسمُ الإشارة
الواقعُ مبتدأ في هذه الجملة عبارةً عن الموصول الواقع مبتدأ في الجملة السابقة
كان خبرُه - أعني الجملةَ الظرفيةَ - خبراً عن الموصول في الحقيقة، ومبيِّناً لإبهام
مضمون الشرطية الواقعةِ خبراً عنه أولاً، ولذلك ترك العطف، فكأنه قيل: والذين
لم يستجيبوا له لهم سوءُ الحساب، وذلك في قوةٍ أن يقال: وللذين لم يستجيبوا
له سوءُ الحساب مع زيادةٍ تأكيدٍ، فتمَّ حُسن المقابلة على أبلغ وجهٍ وآگّدِهِ.
واعتُذر بأنه يمكن أن يكون المراد أن (لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً)) إلى
آخر الآية واقعٌ موقع ذلك، على معنى أن رعايةَ حُسْن المقابلة لقوله تعالى: ((للذين
استجابوا لربهم الحسنى)) تقتضي أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له السُّوأى، ولا يُزاد
على ذلك، لكنه جيء بقوله سبحانه: ((لو أن لهم)) إلخ بدلَ ما ذكر، ولعل في كلام
الطّيبي ما يُستأنس به لذلك.
وإلى اعتبار السُّوأى في المقابلة ذهب أيضاً صاحب ((الكشف)) قال: إن قولَه
تعالى: ((لو أن لهم)) في مقابلة الحُسنى بدلَ السُّوأى مع زيادةِ تصويرٍ وتحسير، وأُوثر
الإجمالُ في الأول دلالةً على أن جزاء المستجيبين لا يدخل تحت الوصف، فتلَّر،
والمرادُ بسوء الحساب، أي: الحساب السيِّئ ـ على ما رُوي عن إبراهيم النَّخَعي
والحسن - أن يُحاسَبوا بذنوبهم كلِّها، لا يغفر لهم منها شيء، وهو المعنيُّ بالمناقشة.
وعن ابن عباس: هو أن يحاسبوا، فلا تُقبل حسناتُهم، ولا تُغفر سيِّئَاتُهم.
بيانٌ لمؤدَّی ما تقدم، وفيه نوعُ تأييدٍ لتفسير
﴿وَمَأْوَنُهُمْ﴾ أي: مرجِعُهم ﴿جَ
وَبِئْسَ الِهَادُ
((الحسنى)) بالجنة.
أي: المستقرُّ، والمخصوص بالذمِّ محذوفٌ،
١٨
أي: مهادهم، أو جهنم.
وقال الزمخشريُ(١): اللام في قوله تعالى: ((للذين استجابوا)) متعلّقةٌ
(١) الكشاف ٣٥٦/٢.

سُورَةُ الرَّعَلِ
١١٠
الآية : ١٨
بـ (يضرب الله الأمثال))، وقولُه سبحانه: ((الحسنى)) صفةٌ للمصدر، أي: استجابوا
الاستجابةَ الحُسنى، وقوله عزَّ وجلَّ: ((والذين لم يستجيبوا)) معطوفٌ على الموصول
الأول، وقولُهُ جلَّ وعلا: ((لو أن لهم)) إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان ما أُعدَّ لغير
المستجيبين من العذاب، والمعنى: كذلك يضرب الله تعالى الأمثالَ للمؤمنين
المستجيبين والكافرين المعاندين، أي: هما مَثَلا الفريقين. انتهى.
قال أبو حيان(١): والتفسيرُ الأول أَولى؛ لأن فيه ضربَ الأمثال غيرَ مقيَّد بمثل
هذين، والله تعالى قد ضرب أمثالاً كثيرةً في هذين، وفي غيرِهما، ولأن فيه ذكرَ
ثوابٍ المستجيبين، بخلاف هذا؛ ولأن تقديرَ الاستجابة الحسنى مشعرٌ بتقييد
الاستجابة ومقابلها، ليس نفيَ الاستجابة مطلقاً، وإنما هو نفي الاستجابة الحسنى،
والله تعالى قد نفى الاستجابةَ مطلقاً، ولأنه حينئذٍ يكون ((لو أن لهم)) إلخ كلاماً مفلتاً
أو كالمفلت؛ إذ يصيُّر المعنى: كذلك يضربُ الله الأمثال للمؤمنين والكافرين («لو
أنَّ لهم)، إلخ، ولو كان هناك حرفٌ يربط ((لو)) بما قبلَها زال التفلُّت، وأيضاً إنه
يُوهم الاشتراكَ في الضمير، وإن كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً.
وتُعقِّب بأنه لا كلامَ في أولوية التفسير الأول، لكن كونُ ما ذُكر وجهاً لها محلٌّ
كلامٍ؛ إذ لا مقتضى في التفسير الثاني لتقييد الأمثال عموماً بمثل هذين، ألا ترى
قوله تعالى: ((كذلك))، ثم إن فيه تفهيم ثوابٍ المستجيبين أيضاً، ألا يُرى إلى القصر
المستفاد من تقديم الظرف؟ وأيضاً قوله تعالى: ((الحسنى)) صفةٌ كاشفةٌ لا مفهومَ
لها؛ فإنَّ الاستجابةَ لله تعالى لا تكون إلا حُسْنى، وكيف يكون قولُه سبحانه: ((لو
أن لهم)» إلخ مفلَّتاً، وقد قالوا: إنه كلامٌ مبتدأ لبيان حال المستجيبين، يعنون أنه
استئنافٌ بيانيٍّ جواب للسؤال عن مآل حالهم؟ ثم كيف يُتوهم الاشتراكُ مع كون
تخصيصه بالکافرین معلوماً؟ انتھی.
قال بعضُ المحقّقين: إن ما ذُكر متوجّه بحسَب بادئ الرأي والنَّظرة الأولى،
أما إذا نُظِر بعين الإنصاف بعد تسليم أنَّ ذاك أولى وأقوى، عُلم أن ما قالَه أبو حيان
واردٌ؛ فإنَّ قوله تعالى: ((كذلك)) يقتضي أن هذا شأنُه وعادتُه عزَّ شأنُه في ضرب
(١) البحر المحيط ٣٨٣/٥.

الآية : ١٨
١١١
سُوَرَّةُ الرَّعَلِ
الأمثال، فيقتضي أن ما جَرَت به العادة القرآنية مقيّد بهؤلاء، وليس كذلك، وما ذكره
المتعقِّبُ ولو سلُّم فهو خلافُ الظاهر.
وأما قوله: إن ثوابَ المستجيبين معلومٌ مما ذَكَره، ففرقٌ بين العلم ضمناً والعلم
صراحةً، وأما أن الصفة مؤكّدة، أو لا مفهوم لها، فخلافُ الأصل أيضاً، وكون
الجملة غيرَ مرتبطةٍ بما قبلَها ظاهر، والسؤالُ عن حال أحدِ الفريقين مع
ذكرهما مُلْبِس، وعودُ الضمير على ما قبلَه مطلقاً هو المتبادر وما ذُكر لا يدفع
الإيهام.
وفي ((إرشاد العقل السليم))(١) بعد نقل التفسير الأخير وحمل الأمثال فيه على
الأمثال السابقة: وأنت خبيرٌ بأن عنوانَ الاستجابة وعدمِها لا مناسبةً بينه وبين
ما يدورُ عليه أمرُ التمثيل، وأنَّ الاستعمالَ المستفيضَ دخولُ اللام على مَنْ يُقصد
تذكيرُه بالمثل، نعم قد يُستعمل في هذا المعنى أيضاً كما في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ
اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] ونظائرِهِ، على أن بعضَ الأمثال
المضروبةِ لاسيما المثل الأخير الموصول بالكلام ليس مثل الفريقين، بل مثلٌ للحقِّ
والباطل، ولا مساغَ لجعل الفريقين مضروباً لهم أيضاً، بأن يُجعل في حكم أن
يقال: كذلك يضربُ الله الأمثال للناس؛ إذ لا وجهَ حينئذٍ لتنويعهم إلى المستجيبين
وغيرِ المستجيبين.
ويؤيِّد هذا ما في ((الكشف)) حيث قال: إن جعل ((للذين استجابوا)) من تتمة
الأمثال لا من صلة ((يضرب)) متكلَّف؛ لأنهما مثلا الحقِّ والباطل بالأصالة، ومن
صلةٍ ((يضرب)) أبعد؛ لأن الأمثال إنما ضُرِبت لمن يعقل.
ثم إن كون المراد بالأمثالِ الأمثالَ السابقةَ مبنيٌّ على أن ما تقدَّم كان أمثالاً،
والمشهور أنه مَثَلان، نعم أخرج ابنُ جرير(٢) وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: هذه
ثلاثةُ أمثالٍ ضَرَبَها الله تعالى في مَثَلٍ واحد.
وبعد هذا كلِّه لا شكَّ في سلامة التفسير الأول من القيل والقال، وأنه الذي
(١) تفسير أبي السعود ١٦/٥.
(٢) تفسير الطبري ١٣/ ٥٠١ .

سُؤَةُ الرَّعْلِ
١١٢
التفسير الإشاري (١-١٨)
يستدعيه النظمُ الجليل؛ لأن تمامَ حُسْن الفاصلة أن تكون كاسمها، ولهذا انحطّ
قولُ امرئ القيس :
بِصبحٍ وما الإصباح منك بأمثَلٍ(١)
ألا أيُّها الليلُ الطويل ألا انجلي
عن قول المتنبي(٢):
إذا كان مدحاً فالنسيبُ المقدَّم
أَكلُّ فصيحِ قال شعراً متيَّمُ
وهو الذي فهمه السلفُ من الآية، ومن هنا كان أكثرُ الشيوخ يقفون على
((الأمثال))، ويبتدؤون بقوله تعالى: ((للذين استجابوا)). وقال صاحبُ ((المرشد)): إنه
وقفٌ تامٌّ، والوقفُ على ((الحسنى)) حسنٌ، وكذا على ((لافتدوا به)). والعجبُ من
الزمخشريِّ كيف اختار خلافَ(٣) ذلك مع وضوحه! والله تعالى أعلم.
ومن باب الإشارة: ﴿الَتَرْ﴾ أي: الذاتُ الأحديةُ، واسمُه العليم، واسمُه
الأعظم، ومظهَرُه الذي هو الرحمةُ ﴿يَّكَ ءَايَتُ﴾ علامات ﴿اَلْكِتَبِ﴾ الجامع الذي
هو الوجودُ المطلق.
﴿اَللَّهُ الَّذِى رَفَعَ التَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَا﴾ أي: بغير عمدٍ مرئية، بل بعمدٍ غير
مرئية، وجعل الشيخُ الأكبر قُدِّس سرُّه(٤) عمادَها الإنسان الكامل، وقيل: النفس
المجرّدة التي تحرّكها بواسطة النفس المنطبعة، وهي قوةٌ جسمانية سارية في جميع
أجزاء الفلك، لا يختصُّ بها جزءٌ دون جزء؛ لبساطته، وهي بمنزلة الخيال فينا .
وفيه ما فيه. وقيل: رفع سماوات الأرواح بلا مادة تعمدها، بل مجردةً
قائمة بنفسها. ﴿ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بالتأثير والتقويم، وقيل: عرش القلب
بالتجلِّي.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ شمسَ الرُّوح بإدراك المعارف الكلية، واستشرافِ الأنوار
(١) ديوانه ص١٨، وسلف ٣١٢/٨.
(٢) ديوانه ٤ / ٦٩ .
(٣) وقد نقل المصنف اختياره هذا قريباً.
(٤) الفتوحات، الباب التاسع والخمسون وخمس مئة.

سُؤَدَّةُ الرَّحْدِ
١١٣
التفسير الإشاري (١-١٨)
العالية ﴿وَاُلْقَمَرْ﴾ قمر القلب بإدراك ما في العالمين، والاستمداد من فوق ومن
تحت، ثم قَبول تجلِّيات الصفات. ﴿كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَتَّىٌ﴾ وهو كمالُه بحسب
الفطرة.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ في البداية بتهيئة الاستعداد، وترتيب المبادئ. ﴿يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾
في النهاية بترتيب الكمالات والمقامات ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ﴾ عند مشاهدة آيات
التجلِّيات ﴿تُوقِنُونَ﴾ عين اليقين.
وقال ابن عطاء: يدبِّر الأمر بالقضاء السابق، ويُفَصِّل الآيات بأحكام الظاهر
لعلَّكم توقنون أنَّ الله تعالى الذي يُجري تلك الأحوالَ لابدَّ لكم من الرُّجوع إليه
سبحانه .
﴿وَهُوَ الَّذِى مَدَّ اُلْأَرْضَ﴾ أي: أرضَ قلوبٍ أوليائه ببسط أنوارِ المحبة ﴿وَجَعَلَ فِيهَا
رَوَسِىَ﴾ المعرفة لئلا تتزلزل بغلبةٍ هيجان المواجيد، ﴿و﴾ جعل فيها ﴿أَنْهَرًا﴾ من
علوم الحقائق ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ وهي ثمراتُ أشجار الحِكم
المتنوعة. ﴿يُغْشِىِ الَّلَ النَّهَارَ﴾ تجلِّي الجلال، وتجلِّي الجمال. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في آيات الله تعالی.
قال أبو عثمان: الفكرُ: إراحة القلب من وساوس التدبير، وقيل: تصفيتُه لوارد
الفوائد.
وقيل: الإشارة في ذلك إلى مدِّ أرض الجسد، وجعل رواسي العظام فيها،
وأنهار العروق، وثمرات الأخلاق من الجود والبخل، والفجور والعفَّة، والجبن
والشجاعة، والظلم والعدل وأمثالها، والسواد والبياض، والحرارة والبرودة،
والمَلاسة والخشونة ونحوها، وتغشيةٍ ليل ظلمة الجسمانيَّات نهار الروحانيات،
وفي ذلك آياتٌ لقوم يتفكرون في صنع الله تعالى، وتطابُقٍ عالَمَيه الأصغرِ والأكبر.
﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ﴾ فقلوبُ المحبين مجاورةٌ لقلوب المشتاقين، وهي
القلوب العاشقين، وهي لقلوب الوالهين، وهي لقلوب الهائمين، وهي لقلوب
العارفين، وهي لقلوب الموحّدين، وقيل: في أرض القلوب قِطَع متجاورات: قطع
النفوس، وقطع الأرواح، وقطع الأسرار، وقطع العقول، والأُولى تنبتُ شوكَ

سُوَّةُ الرَّحْدِ
١١٤
التفسير الإشاري (١- ١٨)
الشهوات، والثانية زهرَ المعارف، والثالثةُ نباتَ كواشف الأنوار، والرابعةُ أشجارَ
نورِ العلم، ﴿و﴾ فيها ﴿جَنَُّ مِّنْ أَعْتَدٍ﴾ أي: أعناب العشق ﴿وَزَرْعٌ﴾ أي: زرع
دقائق المعرفة ﴿وَخِيلٌ﴾ أي: نخل الإيمان ﴿صِنْوَانٌ﴾ في مقام الفَرْق ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾
في مقام الجمع.
وقيل: ﴿صِنْوَانٌ﴾ إيمانٌ مع شهود، و﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ إيمانٌ بدونه. ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ
وَحٍِ﴾ وهو التجلِّي الذي يقتضيه الجودُ المطلق. ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى
الْأُكُلِ﴾ في الطعم الرُّوحاني.
وقيل: أُشير أيضاً إلى أن في أرض الجسد قطعاً متجاورات من العظم،
واللحم، والشحم، والعصب، وجنات من أشجار القوى الطبيعية والحيوانية
والإنسانية، من ﴿أَعْنَبٍ﴾ القوى الشهوانية التي يُعصَر منها هوى النفس، والقوى
العقلية التي يُعصَر منها خمرُ المحبة والعشق، ﴿وَزَرْعٌ﴾ القوى الإنسانية، ﴿وَخِيلٌ﴾
سائر الحواسِّ الظاهرة والباطنة، ﴿صِنْوَانٌ﴾ كالعينين والأذنين ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾
كاللسان وآلة الفكر والوهم، ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ﴾ وهو ماء الحياة، ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا
عَلَى بَعْضٍ﴾ في أُكُلِ الإدراكات والملكات، كتفضيل مُذْرَكات العقل على الحسِّ،
والبصر على اللمس، ومَلَكة الحِكْمة على العفة، وهكذا.
﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْهُمْ﴾ بعد ظهور الآيات ﴿أَِذَا كُنَّا تُرَبًا أَِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
ولم يعلموا أن القادرَ على ذلك قادرٌ على أن يُحيي الموتى.
وقيل: منشأ التعجُّب أنهم أنكروا الخلقَ الجديد يومَ القيامة، مع أنَّ الإنسان
في كلِّ ساعةٍ في خلق آخر جديدٍ، بل العالمُ بأسره في كلِّ لحظةٍ يتجدَّد بتبدُّل
الهيآت، والأحوال، والأوضاعِ، والصُّور، وإلى كون العالم كلَّ لحظةٍ في خلق
جديد ذهب الشيخُ الأكبر قدِّسَ سرُّه(١)، فعنده الجوهرُ - وكذا العَرَض - لا يبقى
زمانين، كما أنَّ العَرَض عند الأشعريِّ كذلك، وهذا عند الشيخ قدِّس سرُّه مبنيٍّ
على أن الجواهر والأعراض كلَّها شؤونه(٢)، تعالى عمَّا يقولُه الظالمون علوًّا كبيرًا،
(١) وقد تكرر تصريحه بذلك، فمنه ما ذكره في الباب الخامس والتسعين والمئتين من
الفتوحات.
(٢) الفتوحات، الباب الثامن والخمسون وخمس مئة.

التفسير الإشاري (١-١٨)
١١٥
سُورَةُ الرَّحْدِ
وهو سبحانه ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ أي: وقت ﴿فِي شَأَذٍ﴾، وأكثرُ الناس ينكرون على الأشعريِّ
قولَه بتجدُّد الأعراض، والشيخ قدِّس سرُّه زاد في الشطرنج جَمَلاً، ولا يكاد يُدرَكُ
ما يقولُه بالدليل، بل هو موقوفٌ على الكشف والشهود، وقد اغترَّ كثير من الناس
بظاهرِ كلامه، فاعتقَدوه من غير تدبُّرِ، فضلُّوا وأضلُّوا.
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ﴾ فلم يعرفوا عظمتَه سبحانه. ﴿وَأُوْلَكَ الْأَغْلَلُ فِىّ
أَعْنَاقِهِمْ﴾ فلا يقدرون أن يرفعوا رؤوسهم المُنتكسة إلى النظر في الآيات. ﴿وَأُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ لِعِظَم ما أتوا.
﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ﴾ بمناسبة استعدادهم للشرِّ. ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِهِمُ الْمَثُلَتُ﴾ عقوبةُ أمثالهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَى ظُلِهِمْ﴾ أنفسَهم
باكتسابِ الأمور الحاجبةِ لهم عن النور ولم ترسَجْ فيهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ
الْعِقَابِ﴾ لمن رسخَت فيه.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لعَمَى بصائرهم عن مشاهدة الآيات الشاهدة بالنبوَّة ﴿لَوْلَاً
أَنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ﴾ تشهدُ لِهِوَّهِ بذلك. ﴿إِنَّمَآَ أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ ما عليك إلا إنذارُهم
لا هدايَتَهم ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ هو الله تعالى. وقيل: لكلِّ طائفة شيخٌ يُعرِّفُهم طريقَ
الحقِّ. ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾ فيعلم ما تحمل أنثى النفس من ولد الكمال،
أي: ما في قوة كلِّ استعداد. ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ أي: تغيض أرحامُ الاستعداد
بترك النفس وهواها. ﴿وَمَا تَزْدَادٌ﴾ بالتزكية وبركة الصُّحبة ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ﴾ من
الكمالات ﴿عِنْدَهُ﴾ سبحانه ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ معيَّنِ على حسَب القابلية.
﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ في مكمَنِ استعدادِهِ ﴿وَمَن جَهَرَ بِهِ،﴾ بإبرازِه إلى
الفعل. ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَيْلِ﴾ ظلمةِ ظُلمِهِ نفسَه. ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ بخروجه عن
مقام النفس، وذهابه في نهار نور الروح.
﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى سوابقِ
الرحمة الحافظةِ له من خاطفات الغضب، أو الإمدادات الملكوتية الحافظة له من
جنِّ القوى الخيالية والوهمية والسبعية والبهيمية وإهلاكِها إياه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْرٍ﴾ من النعم الظاهرةِ أو الباطنة ﴿حَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌ﴾

سُورَةُ الرَّعَلِ
١١٦
التفسير الإشاري (١-١٨)
من الاستعداد وقوةِ القَبول. قال النصرآبادي: إن هذا الحكم عامٌّ، لكنَّ مناقشة
الخواصِّ فوق مناقشة العوامِ.
وعن بعض السلف أنه قال: إن الفأرةَ مزَّقت خُفِّي، وما أعلم ذلك إلا بذنبٍ
أحدثتُه، وإلا لما سلَّطَها عليَّ، وتمثَّل بقول الشاعر(١):
لو کنتُ من مازنٍ لم تستبح إلي
بنو اللَّقيطةِ من نُعْل بن شّيْبانا
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾ إذ الكلُّ تحت
قهرِه سبحانه، قال القاسم: إذا أراد الله تعالى هلاكَ قومٍ حسَّن موارِدَه في أعينهم
حتى يمشون إليها بتدبيرهم وأرجلهم، ولله تعالى درُّ من قال:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى
فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُه(٢)
﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَفَ﴾ أي: برقَ لوامع الأنوار القدسيَّة ﴿خَوْنًا﴾ خائفين
من سرعة انقضائه، أو بطء رجوعِه ﴿وَطَمَعًا﴾ طامعين في ثباته وسرعةٍ رجوعه.
﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ التِّقَالَ﴾ بماءِ العلم والمعرفة، وقيل: يُرِي المحبِّين برقَ
المكاشفة، ويُنشئ للعارفين سحابَ العَظَمة الثِّقالِ بماء الهيبة، فيُمطر عليهم
ما يُحييهم به الحياةَ التي لا تُشبِهُها حياة، وأنشدوا للشِّبليّ:
أضاءت لنا برقاً وأبطا رِشاشُها
أظلَّت علينا منكَ يوماً غمامةٌ
فلا غيمُها يصحو فييأسَ طامعٌ ولا غيثُها يأتي فيَروى عِطاشُها(٣)
وعن بعضهم أنَّ البرق إشارةٌ إلى التجلِّيات البرقية التي تحصُلُ لأربابٍ
الأحوال، وأشهرُ التجلِّيات في تشبيهه بالبرقِ التجلِّي الذاتيُّ، وأنشدوا:
ما کان ما أولیتَ من وَصْلنا
إلا سراجاً لاح ثم انطفى(٤)
(١) هو قُرَيط بن أُنَيف من بَلْعَنبر، وهو في ديوان الحماسة بشرح المرزوقي ٢٣/١، وخزانة
الأدب ٤٤٦/٨.
(٢) البيت في الديوان المنسوب إلى سيدنا علي ر ص٤٦، وقد سلف ١١٥/٢.
(٣) لم نقف على من نسب البيتين إلى الشبلي، وهما في عيون الأخبار ٣/ ١٤٥ منسوبان إلى
عبد الصمد بن الفضل الرقاشي، وفي معاهد التنصيص ٥٢/٢ منسوبان إلى بشار بن برد،
وفي النجوم الزاهرة ٢٧/٥ منسوبان إلى مِهْيار بن مرزويه الديلمي.
(٤) أورده القشيري في تفسيره ٢٢١/٢ من غير نسبة.

سُؤَدَّةُ الرّعَلِ
١١٧
التفسير الإشاري (١-١٨)
وذكر الإمام الرباني قُدِّس سرُّه في ((المكتوبات))(١) أن التجلِّي الذاتيَّ دائميٌّ
للكاملين من أهل الطريقة النقشبندية، لا برقيٍّ، وأطال الكلامَ في ذلك مخالفاً لكبار
السادة الصوفية كالشيخ محيي الدين وغيره، والحقُّ أن ما ذكره من التجلِّي الذاتيّ
ليس هو الذي ذكروا أنه برقيٍّ؛ كما لا يخفى على من راجع كلامَه وكلامَهم.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ أي: رعدُ سطوةِ التجلِّيات الجلاليَّة، ويُمَجِّد الله تعالى
عما يتصوَّره العقلُ ملتبساً ﴿ِحَمْدِهِ﴾ وإثباتِ ما ينبغي له عزَّ شأنُه ﴿وَالْمَلَبِّكَةُ﴾
وتسبِّح ملائكةُ القوى الرُّوحانية ﴿مِنْ خِفَتِهِ﴾ من هَيبة جلاله جلَّ جلاله ﴿وَيُرْسِلُ
الصَّوَعِقَ﴾ هي صواعقُ السُّبحات الإلهية عند تجلِّي القهر الحقيقيّ المتضمِّن للَّطف
الكلِّي ﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ فيحرِقُه عن بقية نفسه، وفي الخبر: ((إن الله تعالى
سبعين ألفَ حجابٍ من نور وظلمة، لو كشَفَها لأحرقَتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه
بصرُه من خلقه))(٢). وقال ابنُ الزنجانيّ: الرعدُ: صعقاتُ الملائكة، والبرقُ:
زفرات أفئدتهم، والمطر: بكاؤُهم. وجعل الزمخشريُّ(٣) هذا من بِدَع المتصوِّفة.
وكأني بك تقول: إن أكثر ما ذُكر في باب الإشارة من هذا الكتاب من هذا
القَبِيل. والجواب: أنَّا لا ندَّعي إلا الإشارة، وأما أن ذلك مدلولُ اللفظ، أو مراد الله
تعالى، فمعاذ الله تعالى من أن يمرَّ بفكري، واعتقادُ ذلك هو الضلالُ البعيد،
والجهلُ الذي ليس عليه مزيد، وقد نصَّ المحقّقون من الصوفية على أن معتقدَ ذلك
كافرٌ، والعياذُ بالله تعالى، ولعلَّكَ تقول: كان الأولى مع هذا تركُ ذلك. فنقول: قد
ذَكَر مِثْلَه(٤) مَنْ هو خير منَّا، والوجه في ذلك غيرُ خفيٍّ عليك لو أنصفتَ.
(١) ينظر ١٩٦/١ وما بعده، و١٠٠/٣-١٠٢.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أبو يعلى (٧٥٢٥) من حديث سهل بن سعد حظه قال: قال
رسول الله وَل: ((دون الله سبعون ألف حجاب نور وظلمة، وما تسمع نفس شيئاً من حسِّ
تلك الحجب إلا زهقت نفسُها)). وفيه موسى بن عبيدة الربذي؛ قال عنه الهيثمي في المجمع
٧٩/١: لا يحتج به.
والصحيح من أحاديث الباب ما أخرجه مسلم (١٧٩) (٢٩٣) من حديث أبي موسى
الأشعري قال: قام فينا رسول الله ( 98 بخمس كلمات ..... وفيه: ((حجابه من نور - وفي
رواية: النار -، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
(٣) الكشاف: ٢/ ٣٥٣.
(٤) في الأصل: ذلك، والمثبت من (م).

سُورَةُ الَّعْدِ
١١٨
التفسير الإشاري (١-١٨)
﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ﴾ بالتفكّر في ذاته، والنظرِ للوقوف على حقيقة صفاته
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿شَدِيدُ الْحَالِ﴾ في دفع الأفكار والأنظار عن حَرَم ذاته، وحمى
صفاته جلَّ جلاله:
هيهاتَ أن تصطاد عنقاءَ البقا
بلُعابهنَّ عناكبُ الأفكار
﴿لَهُ دَعْوَةُ الَّةِّ﴾ أي: الحقَّة الحقيقة بالإجابة لا لغيره سبحانه ﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ﴾
الأصنام ﴿لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم ◌ِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَّتِهِ إِلَى الْمَآءِ لِلُغَ فَهُ﴾ أي: إلا استجابةً
كاستجابة من ذكر؛ لأن ما يدعونَه بمعزلٍ عن القدرة. ﴿وَمَا دُعَلَوَّا الْكَفِرِينَ﴾
المحجوبين ﴿إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ أي: ضياع؛ لأنهم لا يدعون الإله الحقَّ، وإنما يدعون
إلهاً توهّموه ونحتوه في خيالهم.
﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ﴾ ينقاد ﴿مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الحقائق والرُّوحانيات ﴿طَوْعًا
وَكَرَهَا﴾ شاؤوا أو أبوا ﴿وَظِلَلُهُمْ﴾ هياكلهم ﴿بَلَغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ أي: دائماً، وقيل:
يسجد مَنْ في السماوات، وهو الرُّوحُ والعقل والقلب، وسجودُهم طوعاً، ومَنْ في
الأرض وهو النفسُ وقواها، وسجودُهم كَرْهاً. وقيل: الساجدون طوعاً: أهلُ
الكشف والشُّهود، والساجدون كرهاً: أهلُ النَّظر والاستدلال.
﴿أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من سماءِ روح القُدُس ﴿مَ﴾ أي: ماءَ العلم ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾
أي: أوديةُ القلوب ﴿بِقَدَرِهَا﴾ بقدر استعدادِها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾، من خَبَثِ صفات
أرض النفس ﴿رَِّيًا﴾ طافياً على ذلك ﴿وَمِقَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ﴾ نارِ العشق من
المعارفِ والكُشوف والحقائق والمعاني التي تُهيِّجُ العشقَ ﴿أَبْتِغَاءَ عِيَةٍ﴾ طلب زينة
النفس؛ لكونها كمالاتٍ لها ﴿أَوْ مَتَجِ﴾ من الفضائل الخلقية التي تحصُلُ بسببها؛ فإنها
مما تتمتَّع به النفسُ ﴿رَبَدٌ﴾ خَبَث ﴿مِثْلُهُ﴾ كالنظر إليها ورؤيتها، والإعجابِ بها،
وسائرٍ ما يعدُّ من آفات النفس ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاً﴾ منفيّاً بالعلم ﴿وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ
النَّاسَ﴾ من المعاني الحَقَّة، والفضائل الخالصة ﴿فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِ﴾ أرضِ النفس.
وقال بعضُهم: إنه تعالى شبَّه ما ينزِلُ من مياه بحارٍ ذاته وصفاته وأسمائه
وأفعاله إلى قلوب الموحِّدين والعارفين والمكاشفين والمريدين بما يَنزِلُ من السماء
إلى الأودية، فكما تحمِلُ الأوديةُ حسب اختلافها ماءَ المطر تحملُ تلك القلوبُ
مياهَ هاتيكَ البحار حسب اختلاف حواصِلِها وأقدارِ استعداداتها في المحبَّة والمعرفة

التفسير الإشاري (١-١٨)
١١٩
سُوَرَّةُ الرَّعَلِ
والتوحيد، وكما أن قطراتِ الأمطار تكونُ في الأودية سيلاً، فيحتملُ السيلُ زبداً
وحُثالةٌ وما يكون مانعاً من الجريان، يكون تواترُ أنوارِ الحقِّ سبحانه سيلَ المعارف
والكشوفات، فيسيلُ في أودية القلوب، فيحتمِلُ من أوصاف البشرية وما دون الحقِّ
الذي يمنع القلوبَ من رؤيةِ الغيوب ما يحتمِلُه، فيذهب جُفاء، فتصيرُ حينئذٍ مقدَّسةً
عن زَبَد الرياء والسُّمعة والنفاق، والخواطر المذمومة، وتبقى سائحةً في أنوار الأزل
والأبد بلا مانعٍ من العرش إلى الثَّرى. وشبَّه سبحانه أعمالَ الظاهر والباطن،
وما ينفتحُ بمفاتيحها من الغيب، بجواهر الأرض من الذهب والفضة وغيرهما إذا
أُذيبا للانتفاع بهما، وبيَّن تعالى أن لهما زَبَداً مثل زَبَد السَّيل، وأنه يذهب ويمكثُ
أصلُهما الصافي، فكذلك أعمالُ الظاهر والباطن تدخل في بَوْدَقةِ الإخلاص ويُوقد
عليهما نيرانُ الامتحان، فيذهب ما فيه حظّ النفس، ويبقى ما هو خالصٌ لله تعالى،
وهكذا الخواطرُ يبقى منها خاطرُ الحقِّ، ويضمحلُّ سريعاً خاطرُ الباطل.
وعن بعضهم: القلوبُ أوعيةٌ، وفيها أوديةٌ، فقلبٌ يسيل فيه ماءُ التوبة، وقلبٌ
يسيلُ فيه ماءُ الرحمة، وقلبٌ يسيلُ فيه ماءُ الخوف، وقلبٌ يسيلُ فيه ماءُ الرجاء،
وقلبٌ يسيل فيه ماءُ المعرفة، وقلبٌ يسيلُ فيه ماءُ الأنس، وكلُّ ماءٍ من هذه المياه
يُثبت في القلب نوعاً من القُرْبة والقُرْب من الله عزَّ وجلَّ، ومن القلوب ما حُرِم ذلك
والعياذُ بالله تعالى.
وقال ابنُ عطية(١): رُوي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِن
السَمَاءِ مَاءٌ﴾ إلخ: يريد بالماء الشرعَ والدِّين، وبالأودية القلوبَ، ومعنى سيلانها
بقدرها أخذُ النبيلِ بحظّه والبليد بحظّه. ثم قال: وهذا قولٌ لا يصحُّ - والله تعالى أعلم
- عن ابن عباس؛ لأنه ينحو إلى قولِ أصحاب الرموز، وقد تمسّك به الغزاليُّ (٢) وأهلُ
ذلك الطريق، وفيه إخراجُ اللفظ عن مفهوم كلام العرب بغير داعٍ إلى ذلك، وإن صحَّ
ذلك عن ابن عباس فيقال فيه: إنما قصَدَ رَُّبه أن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ
وَالْبَطِلُّ﴾ معناه: الحق الذي يتقرَّر في القلوب، والباطل الذي يعتريها. اهـ.
(١) المحرر الوجيز ٣٠٨/٢.
(٢) الإحياء ١/ ١٠٢، وليس في كلامه ما يدل على تمسكه بهذا التفسير، بل المفهوم من كلامه
عدم قبول مثل هذه التأويلات كما سينبه عليه المصنف قريباً .

سُورَةُ الرّعَدِ
١٢٠
الآية : ١٩
ونحن نقول: إن صحَّ ذلك فمقصود الحبر منه الإشارةُ، وإن کان یرید غیر
ظاهر فيه، وحجَّةُ الإسلام الغزاليُّ عليه الرحمةُ أشدُّ الناس على أهل الرُّموز القائلين
بأن الظاهر ليس مرادَ الله تعالى كما لا يخفى على متبِّعي كلامِهِ.
وسمعتُ من بعض الناس أن أهل الكيمياء تكلّموا في هذه الآية على ما يوافق
غرضَهم، ولم أقف على ذلك.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ﴾ بتصفية الاستعداد عن كُدورات صفاتِ النفس ﴿الْحُسْنَىَّ﴾
المثوبةُ الحسنى، وهو الكمال الفائضُ عليهم عند الصفاء ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ﴾
تعالى وبقوا في الرذائل البشرية والكُدورات الطبيعية ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ﴾
الجهةِ السُّفلية من الأموال والأسباب التي انجذبوا إليها بالمحبَّة، فأهلكوا أنفسَهم
بها ﴿وَمِثْلَهُ، مَعَدُ لَأَفْتَدَوْ بِهِةَ﴾ مما ينالُهم من الحجاب والحِرْمان ﴿أُوْلَّكَ لَهُمْ سُوَّهُ
الْحِسَابِ﴾ لوقوفهم مع الأفعال في مقام النفس ﴿وَمَأْوَنُهُمْ جَهَّمْ﴾ الحِرْمانُ ﴿وَيْسَ
آلِهَادُ﴾ جهنّم، والعياذُ بالله تعالى، ونسألُه العفوَ والعافية.
﴿أَفَنْ يَعْلَمُ أَنَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ﴾ من القرآن الذي مُثِّل بالماء المُنزَلِ من السماء،
والإبريز الخالص في المنفعةِ والجدوى هو ﴿الْمَؤُّ﴾ الذي لا حقَّ وراءه، أو الحقُّ
الذي أُشير إليه بالأمثال المضروبة فيستجيب له ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ عمى القلب
لا يدركُهُ، ولا يُقدِّر قدرَه وهو هو، فيبقى حائراً في ظلمات الجهل وغَياهب
الضلال، ولا يتذكَّر بما يُضرب من الأمثال؟ والمراد كمن لا يعلم ذلك، إلا أنه
أُريد زيادةُ تقبيح حالِهِ، فعبّر عنه بالأعمى، والهمزةُ للإنكار، وإيرادُ الفاء بعدها
لتوجيه الإنكار إلى ترتُّب توهُّم المماثلة على ظهور حال كلٍّ منهما بما ضُرب من
الأمثال، وما بُيِّن من المصير والمآل، كأنه قيل: أَبَعْدَ ما بُيِّن حالُ كلٍّ من الفريقين
ومآلهما يُتُومَّم المماثلةُ بينهما؟!
وقرأ زيد بنُ عليٍّ ظّ: (أومن يعلم) بالواو مكان الفاء (١).
(١) البحر المحيط ٣٨٤/٥.