Indexed OCR Text

Pages 41-60

الآية : ٤
٤١
سُؤَّةُ الرَّعَلِ
وذكر الإمام(١) أنَّ الأكثر في الآيات إذا ذُكِرَ فيها الدلائلُ الموجودة في العالم
السفليِّ أن يُجعلَ مقطعُها (إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمِ يَتَفَّكَّرُونَ) وما يقربُ منه، وسببُهُ أنَّ
الفلاسفةَ يسندون حوادثَ العالم السفليِّ إلى الاختلافاتِ الواقعة في الإشكالات
الكوكبَّة، فردَّه الله تعالى بقوله: ((لقوم يتفكّرون)) لأنَّ مَنْ تفكّر فيها عَلِمَ أنَّه لا يجوز
أن يكون حدوثُ تلك الحوادثِ من الاتِّصالات الفلكية. فتفكّر.
﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مشتملة على طائفةٍ أخرى من الآيات، أي:
في الأرض بقاعٌ كثيرة مختلفة في الأوصاف، فمن طيِّة مُنبتة، ومن سبخةٍ لا تُنبت،
ومن رِخوة ومن صُلبة، ومن صالحةٍ للزَّرع لا للشجر، ومن صالحةٍ للشجر
لا للزرع، إلى غير ذلك.
﴿مُتَجَوِرَتُ﴾ أي: متلاصقة، والمقصودُ الإخبار بتفاوت أجزاء الأرض
المتلاصقة على الوجه الذي علمت، وهذا هو المأثور عن الأكثرين.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنَّ المعنى: وفي الأرض قرى قريبٌ بعضُها من
بعض(٢). وأخرج عن الحسن أنَّه فسَّر ذلك بالأهواز وفارس والكوفة والبصرة(٣).
ومن هنا قيل: في الآية اكتفاءٌ على حدٍّ: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]
والمرادُ: قِطَعٌ متجاوراتٌ وغيرُ متجاورات.
وفي بعض المصاحف: ((وقطعاً متجاوراتٍ)) بالنصب(٤)، أي: وجعل في
الأرض قطعاً.
﴿وَجَنَّتٌ﴾ أي: بساتين كثيرة ﴿مِّنْ أَعْنَبٍ﴾ أي: من أشجار الكرم ﴿وَزَرْعٌ﴾ من
كلِّ نوعٍ من أنواع الحبوب، وإفرادُه لمراعاة أصله حيثُ كان مصدراً، ولعلَّ تقديم
ذكر الجنَّات عليه مع كونه عمود المعاش، لِما أنَّ في صنعة الأعناب ممَّا يبهر
العقول ما لا يخفى، ولو لم يكن فيها إلَّا أنَّها مياهٌ متجمِّدةٌ في ظروف رقيقة، حتى
(١) تفسير الرازي ١٩/ ٧.
(٢) الدر المنثور ٤٣/٤.
(٣) الدر المنثور ٤٣/٤ .
(٤) قرأ بها الحسن، الإملاء ٣٦٧/٣، والإتحاف ص٣٣٨.

الآية : ٤
٤٢
سُوَّةُ الرّعْدِ
أنَّ منها شفافاً لا يحجب البصر عن إدراك ما في جوفه لكفى؛ ومن هنا جاء في
بعض الأخبار القدسيَّة: ((أتكفرون بي وأنا خالقُ العنب))(١). وفي ((إرشاد العقل
السليم)»(٢) تعليلُ ذلك بظهور حال الجنَّات في اختلافها ومباينتها لسائرها ورسوخِ
ذلك فيها .
وتأخيرُ قوله تعالى: ﴿وَخِيلٌ﴾ لئلا يقعَ بينها وبين صفتها - وهي قوله تعالى:
﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ - فاصلةٌ، أو يطولَ الفصل بين المتعاطفين.
وصِنْوان جمعُ: صِنْو، وهو الفرع الذي يجمعُه وآخرَ أصلٌ واحدٌ، وأصله:
المِثْلُ، ومنه قيل للعمِّ(٣): صِنْو.
وكسرُ الصاد في الجمع كالمفرد هو اللُّغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور. ولغةُ
تميم وقيس: ((صُنْوان)) بالضمِّ(٤)، كذِئْب وذُؤْبان، وبذلك قرأ زيدُ بن علي ﴾
والسُّلميُّ وابنُ مُصرِّف(٥)، ونقله الجعبريُ في ((شرح الشاطبيَّة)) عن حفص(٦). وقرأ
الحسنُ وقتادةٌ بالفتح(٧)، وهو علی ذلك اسمُ جمع كالسَّعْدان(٨)، لا جمع تکسیر؛
لأَنَّه ليس من أبنيته. وقرأ الحسنُ: ((جناتٍ)) بالنصب(٩)، عطفاً عند بعضٍ على
(زوجين)) مفعول ((جعل))، و((من كل الثمرات)) حينئذٍ حالٌ مقدَّمةٌ لا صلة ((جعل))؛
لفساد المعنى عليه، أي: جعل فيها زوجَيْن حال كونهما(١٠) من كلِّ الثمرات،
وجناتٍ من أعناب. ولا يجب هنا تقييدُ المعطوف بقيد المعطوف عليه. وزعم
(١) سلف ٤٥١/٣، وقال عنه المصنف ثمة: لم أجده في كتاب يعوَّل عليه.
(٢) ٥/ ٥.
(٣) في الأصل: للصنم، وقد أخرج أحمد (٨٢٨٤)، ومسلم (٩٨٣)، وأبو داود (١٦٢٣)،
والترمذي (٣٧٦١) من حديث أبي هريرة عُ مرفوعاً: (( .... إن عمَّ الرجل صِنْرُ أبيه)).
(٤) المحتسب ٣٥١/١، والكشاف ٣٤٩/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص٦٦، والمحتسب١/ ٣٥١، والبحر ٣٦٣/٥.
(٦) ينظر حاشية الشهاب ٢٢٠/٥.
(٧) المحتسب ٣٥١/١، والبحر ٣٦٣/٥.
(٨) السعدان: نبات ذو شوك، واحدته: سعدانة. اللسان (سعد).
(٩) القراءات الشاذة ص٦٦، والبحر ٣٦٣/٥.
(١٠)في (م): كونه.

الآية : ٤
٤٣
سُورَةُ الرَّعَلِ
بعضُهم أنَّ العطف على ((رواسي)). وقال أبو حيان (١): الأولى إضمارُ فعل؛ لِبعد
ما بين المتعاطفَيْن. أو بالجرِّ عطفاً على ((كل الثمرات)) على أن يكون هو مفعولاً
بزيادة (مِنْ)) في الإثبات، و((زوجين اثنين)) حالاً منه، والتقدير: وجعل فيها من كلِّ
الثمرات حالَ كونها صنفين.
فلعلَّ عدم نظم قوله تعالى: ((وفي الأرض قطع متجاورات)) في هذا السلك،
مع أنَّ اختصاص كلٍّ من تلك القطع بما لها من الأحوال والصفاتِ بمحضٍ خَلْق
الخالقِ الحكيم - جلَّت قدرته - حين مدَّ الأرضَ ودحاها - على ما قيل - الإيماءُ إلى
كون تلك الأحوال صفاتٍ راسخة لتلك القِطَع.
وقرأ جمعٌ من السبعة: ((وزرعٍ ونخيلٍ)) بالجرِّ(٢)، على أنَّ العطفَ على ((أعناب))
وهو كما في ((الكشف)) من باب:
متقلِّداً سيفاً ورمحاً(٣)
أو المراد: أنَّ في الجنات فُرجاً مزروعةً بين الأشجار، وإلا فلا يقال للمزروعة
وحدَها: جنّةٌ، وهذا أحسنُ منظراً وأنزه. وادَّعى أبو حيان(٤) أنَّ في جعل الجنَّة من
الأعناب تجوّزاً؛ لأنَّ الجنَّةَ في الحقيقة هي الأرضُ التي فيها الأعناب.
﴿يُسْقَى﴾ أي: ما ذُكر من القِطَع والجنَّات والزرع والنخيل.
وقرأ أكثرُ السبعة بالتاء(٥) مراعاة للَّفظ، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر(٦). قيل:
(١) في البحر ٣٦٣/٥.
(٢) قرأ بها نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية شعبة. التيسير ص١٣١،
والنشر ٢٩٧/٢.
(٣) عجز بيت لعبد الله بن الزبعرى، وصدره:
ياليت زوجك قد غدا
وهو في ديوانه ص٣٢، وسلف ٧١/٧.
(٤) في البحر ٣٦٣/٥.
(٥) في (م): بالتأنيث، وهي قراءة العشرة ما عدا ابن عامر وعاصم ويعقوب. التيسير ص١٣١،
والنشر ٢٩٧/٢.
(٦) البحر ٣٦٣/٥، والإتحاف ص٣٣٨.

سُوَّةُ الرّعْلِ
٤٤
الآية : ٤
والأول أوفق بمقام بيان اتِّحاد الكلِّ في حالة السَّقْي.
﴿بِمَآٍ وَحٍِ﴾ لا اختلافَ في طبعه، سواءٌ كان السَّقْيُ من ماء الأمطار أو من
ماء الأنهار، وقيل: إنَّ الثاني أوفقُ بقوله سبحانه: ﴿وَنُفَضِّلُ﴾ أي: مع وجود
أسباب التشابه بمحض قدرتنا وإحساننا ﴿بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ﴾ آخر منها ﴿فِي الْأُكُلِّ﴾
لمكان التأنيث.
وأمال فتحةً القاف حمزةُ والكسائيُّ(١).
و((الأُكُل)) - بضمِّ الهمزة والكاف، وجاء تسكينُها - ما يُؤكل، وهو هنا: الثمر
والحبُّ. وقولُ بعضهم: أي: في الثمر شكلاً وقدراً ورائحةً وطعماً. من باب
التغليب.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((يُفضِّل)) بالياء على بناء الفاعل(٢)، رداً على ((يدبِّر))
و((يفصل)) و((يغشى)). وقرأ يحيى بنُ يَعْمَر - وهو أوَّلُ من نَقَطَ المصحف(٣) -
وأبو حيوة والحلبيُّ عن عبد الوارث: بالياء على بناء المفعول ورفع ((بعضُها))(٤).
وفيه ما لا يخفى من الفخامة والدلالة على أنَّ عدمَ احتمال استناد الفعل إلى فاعل
آخرَ مُغنٍ عن بناء الفعل للفاعل.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي فصل من أحوال القطع وغيرها ﴿لَيَتٍ﴾ كثيرة عظيمة
باهرة ﴿لَقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ يعملون على قضية عقولهم، فإنَّ مَنْ عَقلَ هاتيك
الأحوالَ العجيبة، وخروجَ الثمار المختلفة في الأشكال والألوان والطعوم والروائح
في تلك القطع المتباينة المتلاصقة مع اتِّحاد ما تُسقى به، بل وسائر أسباب نموِّها،
لا يتلعثم في الجزم بأنَّ لذلك صانعاً حكيماً قادراً مدبِّراً لها لا يعجزه شيءٌ. وقيل:
المراد: أنَّ مَنْ عَقَلَ ذلك لا يتوقَّف في الجزم بأنَّ مَنْ قدرَ على إبداع ما ذُكر قادرٌ
على إعادة ما أبداه، بل هي أهونُ في القياس. ولعلَّ ما ذكرناه أولى.
(١) يعني من ((يسقى)). ينظر التيسير ص٤٦، والنشر ٣٥/٢ - ٣٦.
(٢) التيسير ص١٣١، والنشر ٢٩٧/٢.
(٣) ينظر معرفة القرّاء الكبار ١٦٢/١.
(٤) البحر ٣٦٣/٥.

الآية : ٤
٤٥
سُؤَدَّةُ الرَّحْدِ
ثمَّ إنَّ الأحوالَ وإن كانت هي الآياتِ أنفسها لا أنَّها فيها إلَّا أنها قد جرَّدت
عنها أمثالَها مبالغةً في كونه آية، فـ ((في)) تجريديَّة، مثلُها في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا
دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨] على المشهور. وجوِّز أن يكون المشارُ إليه الأحوالَ
الكليَّةَ، والآياتُ أفرادُها الحادثة شيئاً فشيئاً في الأزمنة، وآحادُها الواقعة في
الأقطار والأمكنة المشاهدة لأهلها، فـ ((في)) على معناها. ومنهم مَنْ فشَّرِ الآيَاتِ
بالدلالات؛ لتبقى ((في)) على ذلك. وهو كما ترى، وحيثُ كلفت دلالة هذه
الأحوال على مدلولاتها أظهرَ ممَّا سبق علَّق سبحانه كونَها آياتّ بمحض التعقُّل،
كما قال أبو حيان وغيرُهُ(١)، ولذلك - على ما قيل - لم يتعرَّض - جلَّ شأنُه .- لغير
تفضيل بعضِها على بعض في الأُكُل الظاهر لكلِّ عاقل مع تحقّق ذلك في النخواصِ
والكيفيات مما يتوقَّف العثورُ عليه على نوع تأمُّل وتفكّر، كأنَّه لا حاجة إلى التفكّر
في ذلك أيضاً، وفيه تعريضٌ بأنَّ المشركين غيرُ عاقلين.
ولبعض الرُّجَّاز فيما تُشير إليه الآية:
تُخبرُ عن صنعِ مَليكٍ مُقتدِر
والأرضُ فيها عِبرةٌ للمعتبر
وبقعةٌ واحدةٌ قَرَارُها
تُسقى بماءٍ واحدٍ أشجارُها
وأكلُها مختلفٌ لا يأتلف
والشمسُ والهواءُ ليس يختلف
أو أنَّه صنعةُ غيرِ صانع
لو أنَّ ذا من عملِ الطّبائع
هل يشبه الأولادُ إلَّا الوالدا
لم يختلف وكان شيئاً واحداً
والماءُ والترابُ شيءٌ واحد
الشمسُ والهواءُ يا معاندُ
إلَّا حكيمٌ لم يرده باطلاً
فما الذي أوجبَ ذا التفاضلا
وأخرج ابنُ جرير(٢)، عن الحسن في هذه الآية أنَّه قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله
تعالى لقلوب بني آدم، كانت الأرضُ في يد الرحمن طينةً واحدةً، فسطحها
وبطحها، فصارت قِطَعاً متجاورةً، فينزلُ عليها الماءُ من السماء فتخرج هذه زهرتها
(١) البحر المحيط ٥/ ٣٦٤، وتفسير أبي السعود ٥/٥.
(٢) في تفسيره ٤٢٦/١٣.

سُؤَدَّةُ الرَّحَدِ
٤٦
الآية : ٥
وثمرَها وشجرها وتخرج نباتَها(١)، وتخرج هذه سَبَخها وملحَها وخَبَثها،
وكلتاهما تسقى بماء واحد، فلو كان الماءُ ملحاً، قيل: إنَّما استسبخت هذه من قبل
الماء. كذلك الناس خلقوا من آدمَ عليه السلام، فينزل عليهم من السماء تذكرة،
فترقُّ قلوب فتخشعُ وتخضعُ، وتقسو قلوب فتلھو وتسھو. ثم قال: واللهِ ما جالس
القرآنَ أحدٌ إلَّا قام من عنده بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَزِّلُ مِنَ اُلْقُرْءَانِ مَا
هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّكَلِينَ إِلََّّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. اهـ.
قال أبو حيان(٢): وهو شبيهٌ بكلام الصوفية.
﴿وَإِن تَعْجَبْ﴾ أي: إن يقعْ منك عجبٌ يا محمد ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُمْ﴾ بعد مشاهدةِ
الآيات الدالّة على عظيم قدرته تعالى، أي: فَلْيكُن عجبُك من قولهم: ﴿أَِذَا كُنَّاً
تُزَّبًا﴾ إلى آخره، فإنَّه الذي ينبغي أن يُتُعجَّبَ منه.
ورفع ((عجب)) على أنَّه خبرٌ مقدَّمٌ، و((قولهم)) مبتدأ مؤخّر، وقدم الخبر؛ للقصر
والتسجيل من أوَّل الأمر بكون قولهم أمراً عجيباً. وفي ((البحر))(٣) أنَّه لا بدَّ من
تقدير صفة لـ (عجب))؛ لأنَّه لا يتمكَّن المعنى بمطلق، فيقدَّر - والله تعالى أعلم -
فعجبٌ أيُّ عجبٍ، أو فعجبٌ غريبٌ. وإذا قدَّرناه موصوفاً جاز أن يُعرب مبتدأً؛
للمسوِّغ وهو الوصف، ولا يضرُّ كونُ الخبرِ معرفةً، وذلك كما قال سيبويه في: كم
مالك: إنَّ (كم)) مبتدأ؛ لوجود المسوِّغ فيه وهو الاستفهام، وفي نحو: اقْصِدْ رجلاً
خيرٌ منه أبوه: إنَّ ((خير)) مبتدأ؛ للمسوِّغ أيضاً، وهو العمل. ونقل أبو البقاء(٤)
القول بأنَّ (عجب)) بمعنى مُعْجِب، ثَّم قال: فعلى هذا يجوز أن يرتفعَ ((قولهم)) به.
وتُعقّب بأنَّه لا يجوز ذلك؛ لأنَّه لا يلزم من كون شيء بمعنى شيء أن يكون حكمُه
في العمل حكمَه، فمعجِبٌ يعمل، و((عجب)) لا يعمل، ألا ترى أنَّ فِعْلاً كذِبْح،
وفَعَلَاً (٥) كَقَبَض، وفُعْلة كغُرْفة، بمعنى مفعول، ولا يعمل عمله، فلا تقول: مررت
(١) بعدها عند الطبري: وتحيي مواتَها.
(٢) في البحر ٣٦٤/٥.
(٣) ٣٦٦/٥.
(٤) في الإملاء ٣٦٨/٣.
(٥) في (م): فعلة.

الآية : ٥
٤٧
سُوَّةُ الرَّعَلِ
برجل ذِبْحِ كبشُه، أو قَبَضٍ مالُه، أو غُرْفة ماؤه. بمعنى مذبوح كبشُه ومقبوض مالُه
ومغروفَ ماؤُه. وقد نصُّوا على أنَّ هذه تنوب في الدلالة لا العمل عن المفعول.
وحَصَر النحويون ما يرفع الفاعلَ في أشياءَ، ولم يعدُّوا المصدرَ إذا كان بمعنى اسم
المفعول(١) منها .
والظاهر أنَّ ((أئذا كنّا)) إلى آخره، في محلِّ نصبٍ مقول القول، محکيٌّ به،
والاستفهامُ إنكاريٌّ مفيدٌ لكمال الاستبعاد والاستنكار. وجوز أن يكون في محلٌ
رفع على البدليَّة من ((قولهم)) على أنَّه بمعنى المقول، وهو على ما قال أبو حيان (٢):
إعرابٌ متكلَّفٌ وعدولٌ عن الظاهر. وعليه فالعجب تكلُّمهم بذلك، وعلى الأَول
کلامهم ذلك.
والعامل في ((إذا)) ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿أَمِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نُبعث أو
نعاد.
والجديدُ: ضدُّ الخَلَق والبالي، ويقال: ثوبٌ جديد. أي: كما فُرِغ من عمله.
وهو فعيلٌ بمعنى مفعول، كأنَّه قطع من نسجه.
وتقديمُ الظرف؛ لتقوية الإنكار بالبعث بتوجيهه إليه في حالةٍ مُنافية له، وتكريرُ
الهمزة في ((أئنا)) لتأكيد الإنكار، وليس مدارُ إنكارهم كونَهم ثابتين في الخلق
الجديد بالفعل عند كونهم تراباً، بل كونهم بعرضيَّة ذلك واستعدادهم له، وفيه من
الدلالة على عُتوِّهم وتماديهم في التَّكير ما لا يخفى.
قال أبو البقاء (٣): ولا يجوز أن تنتصب ((إذا)) بـ ((كنَّا)) لأنَّها مضافةٌ إليها،
ولا بـ ((جديد)) لأنَّ ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها. وكذا الاستفهام. وردَّ الأول في
((المغني)) (٤) بأنَّ ((إذا)) عند مَنْ يقول بأنَّ العامل فيها شرطُها - وهو المشهور - غيرُ
مضافة، كما يقوله الجميع إذا جزمت، كما في قوله:
(١) في (م): الفاعل.
(٢) في البحر ٣٦٦/٥.
(٣) في الإملاء ٣/ ٣٧٠.
(٤) ص ١٣٠ - ١٣١.

سُوَةُ الرَّحْدِ
٤٨
الآية : ٥
وإذا تُصْبْكَ خَصاصةٌ فتحمَّلٍ (١)
قيل: فالوجه في ردِّ ذلك أنَّ عملَه فيها موقوفٌ على تعيين مدلولها، وتعيينُه
ليس إلَّا بشرطها فيدور، ونظرَ فيه الشهاب(٢) بأنَّها عندهم بمنزلة ((متى)) و ((أيَّان)) غير
معيَّنة بل مبهمة، كما ذكره القائلون به، وبه صرَّح في ((المغني))(٣) أيضاً.
وقيل: معنى الآية: إنْ تَعجب يا محمد من قولهم في إنكار البعث، فقولُهم
عجيبٌ حقيق أن يُتُعجَّب منه.
وتعقّبه في ((البحر))(٤) بأنَّه ليس مدلول اللفظ؛ لأنَّه جعل فيه متعلّقَ عجبه وَّهِ هو
قولهم في إنكار البعث، وجوابُ الشرط هو ذلك القول، فيتَّحد الشرط والجزاء، إذ
تقديرُه: إن تعجب من إنكارهم البعثَ فاعجب من قولهم في إنكار البعث. وهو غير
صحيح.
وردًّ بأنَّ ذلك ممَّا اتَّحد فيه الشرط والجزاء صورةً، وتغايرا حقيقةً كما في
قوله وَلج: ((من كانت هجرته إلى الله تعالى ورسوله، فهجرتُه إلى الله تعالى
ورسوله)»(٥). وقولهم: من أدرك الصمَّان(٦) فقد أدرك المرعى. وهو أبلغ في
الكلام، لأنَّ معناه أنَّه أمرٌ لا يكتنه كُنهه، ولا تُدرك حقيقته، وأنَّه أمر عظيم.
(١) هذا عجز بيت لعبد قيس بن خُفاف، وصدره:
واسْتَغْنِ ما أغناكَ رَبُّكَ بالغنى
وهو في المفضليات ص٣٨٥، والأصمعيات ص٢٣٠، وفيهما: فتجمَّل، بالجيم، والمغني
ص١٣١ وفيه: فتحمّل، بالحاء المهملة. قال البغدادي في شرح أبيات المغني ٢/ ٢٦٢ :
وتجمّل: إمّا بالجيم، أي: أظهر الجمال وعدم الحاجة .... ، وإما بالحاء المهملة، أي:
تكلّف حمل هذه المشقة. قاله الدماميني. اهـ. والخصاصة: الفقر. القاموس (خصّ).
(٢) في حاشيته ٢٢٠/٥ .
(٣) ص ١٣٠.
(٤) ٣٦٥/٥.
(٥) أخرجه البخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر له، وسلف ٤١٢/٢.
(٦) الصَّمّان، بفتح الصاد وتشديد الميم: أرض غليظة دون الجبل، فيها قيعان واسعة ورياض
معشبة، كانت لبني حنظلة، وقيل: هو جبل في أرض تميم أحمر ينقاد ثلاث ليال وليس له
ارتفاع، وقيل غير ذلك. معجم البلدان (الصمان).

الآية : ٥
٤٩
سُورَةُ الرّعَدِ
وذهب بعضٌ إلى أنَّ الخطاب في ((إن تعجب)) عامٌّ، والمعنى: إن تعجب يا مَنْ
نظر ما في هذه الآيات، وعَلِمَ قدرةَ مَنْ هذه أفعالُه، فازدَدْ تعجّباً ممن يُنكر - مع
هذا - قدرته على البعث وهو أهون شيءٍ عليه. وقيل: المعنى: إنْ تجدَّدَ منك
التعجّبُ لإنكارهم البعثَ، فاستمرَّ عليه، فإنَّ إنكارهم ذلك من الأعاجيب. وقيل:
المراد: إن كنت تريد أيُّها المريد عجباً، فَهَلُمَّ؛ فإنَّ من أعجب العجب إنكارَهم
البعثَ.
واختلف القرَّاء في الاستفهامين - إذا اجتمعا - في أحدَ عشرَ موضعاً: هذا وفي
((المؤمنين)) و((العنكبوت)) و((النمل)) و((السجدة)) و((الواقعة)) و((النازعات)) و(ابني
إسرائيل)) في موضعين، وكذا في ((الصافات)).
فقرأ نافع والكسائي بجعل الأول استفهاماً والثاني خبراً، إلَّا في ((العنكبوت))
و((النمل)) فعكسَ نافعٍ. وجمع الكسائيُّ بين الاستفهامين في ((العنكبوت)) وأما في
((النمل)) فعلى أصله إلَّا أنَّه زاد نوناً.
وقرأ ابنُ عامر بجعل الأول خبراً والثاني استفهاماً إلَّا في ((النمل)) و((النازعات))
فعكس، وزاد في ((النمل)) نوناً كالكسائي، وإلَّا في ((الواقعة)) فقرأ باستفهامين، وهي
قراءة باقي السبعة في هذا الباب إلَّا ابنَ كثير وحفصاً فإنَّهما قرأا في ((العنكبوت))
بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني، وهم على أصولهم في اجتماع الهمزتين من
تخفيفٍ وتحقيقٍ وفصل بین الهمزتين(١).
﴿أُوْلَكَ﴾ مبتدأ، والموصول خبره، أي: أولئك المنكرون للبعث ريثما عاينوا
من آيات ربهم الكبرى ما يرشد إلى الإيمان لو كانوا يبصرون.
﴿أَِّينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ﴾ وتمادَوْا في ذلك، فإنَّ إنكار قدرته - عزَّ وجل - إنكارٌ له
سبحانه؛ لأنَّ الإله لا يكون عاجزاً، مع ما في ذلك من تكذيبه - جلَّ شأنُه -
وتكذيبٍ رسله، المتَّفقون عليه عليهم السلام.
﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ، خبرُه جملة قوله تعالى: ﴿اٌلْأَغْلَلُ فِىّ أَعْنَاقِهِرٌ﴾ وفيه
احتمالان :
(١) التيسير ص١٣١ - ١٣٢، والنشر٣٧٢/١، وينظر الدر المصون ١٧/٧.

سُورَةُ الرَّعَلِ
٥٠
الآية : ٥
الأول: أن يكونَ المراد وصفَهم بذلك في الدنيا، فهو تشبيهٌ وتمثيلٌ لحالهم في
امتناعهم عن الإيمان وعدم الالتفات إلى الحقِّ، بحال طائفةٍ في أعناقهم أغلالٌ
وقيود لا يُمكنهم الالتفات معها، كقوله:
لهم عن الرشدِ أغلالٌ وأقيادُ(١)
کیف الرَّشادُ وقد خُلُفت في نفرٍ
كأنَّه قيل: أولئك مقيَّدون بقيود الضلالة لا يُرجى خلاصهم.
الثاني: أن يكون المراد (٢) وصفَهم به في الآخرة.
والكلام إمّا باقٍ على حقيقته كما قال سبحانه: ﴿إِذِ الْأَغْظَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ
وَالسَّلَسِلُ﴾ [غافر: ٧١]. ورُوي ذلك عن الحسن قال: إنَّ الأغلال لم تجعل في
أعناق أهل النار؛ لأنَّهم أعجزوا الربَّ سبحانه، ولكنَّما جُعلت في أعناقهم؛ لكي
إذا طَفا بهم اللَّهبُ أرستهم في (٢) النار. وإمَّا مُخرَجٌ مخرجَ التشبيه لحالهم بحال من
يقدم للسياسة.
وقيل: المراد من الأغلال أعمالهم الفاسدة التي تقلَّدوها كالأغلال. وهو جارٍ
على احتمال أن يكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة. والأول ناظرٌ إلى ما قبل،
والثاني إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْلَكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر.
﴿أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾﴾ لا ينفكُّون عنها، قيل: وتوسيطُ الفصل ليس
لتخصيص الخلود بمنكري البعث خاصَّةً، بل بالجميع المدلول عليه بقوله تعالى:
(أولئك الذين كفروا بربهم)).
وأورد على ذلك أنَّ (هم)) ليس ضميرَ فصلٍ؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر
يكون اسماً معرفةً، أو مثل المعرفة في أنَّهُ لا يقبل حرف التعريف، كأفعل
التفضيل، وهذا ليس كذلك؟
وأُجيب بأنَّ المراد بالفصل الضميرُ المنفصل، وأنَّه أتى به وجعل الخبر جملةً
(١) البيت للأفوه الأودي وهو في ديوانه ص١٠، والحماسة البصرية ٦٩/٢. ورواية الشطر
الأول فيه :
كيف الرشاد إذا ما كنت من نفر
(٢) ليست في الأصل.

الآية : ٦
٥١
سُورَةُ الرَّعَلِ
مع أنَّ الأصل فيه الإفرادُ؛ لقصد الحصر والتخصيص المذكور كما في: هو عارف.
وقال بعضهم: لعلَّ القائل بما ذُكر، لا يتبع النحاة في الاشتراط المذكور،
كما أنَّ الجرجانيَّ والسهيليَّ(١) جوَّزا ذلك إذا كان الخبرُ مضارعاً واسمُ الفاعل
مثله .
﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بالعقوبة التي هُدِّدوا بها على الإصرار على الكفر
استهزاءً وتكذيباً ﴿قَبْلَ الْحَسَنَّةِ﴾ أي: العافية والسلامة منها، والمرادُ بكونها قبلها:
أنَّ سؤالَها قبل سؤالها، أو أنَّ سؤالَها قبل انقضاء الزمان المقدَّر لها .
وأخرج ابن جرير(٢) وغيرُه، عن قتادة أنَّه قال في الآية: هؤلاء مشركو العرب،
استعجلوا بالشرِّ قبل الخير، فقالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ
عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُكَثُ﴾ جمع: مَثْلَة، كسَمُرة وسَمُرَات، وهي: العقوبة
ـجّ بالعقوبة المستأصِلة للعضو، كقطع الأذن ونحوه،
الفاضحة. وفسرها ابن عباس
سمِّيت بها لما بين العقاب والمعاقَب به من المماثلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوْاْ سِشَةٍ
سََّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] أو هي مأخوذةٌ من المثال بمعنى القِصاص، يقال: أَمْثَلْت
الرجلَ من صاحبه وأقصصته، بمعنىّ واحدٍ، أو هي من المَثَل المضروب؛ لعِظَمِها.
والجملة في موضع الحال؛ لبيان ركاكة رأيهم في الاستعجال بطريق
الاستهزاء، أي: يستعجلونك بذلك مستهزئين بإنذارك، منكرين لوقوع ما أنذرتهم
إياه، والحال أنَّه قد مضت العقوباتُ الفاضحة النازلة على أمثالهم من المكذُّبين
المستهزئین .
وقرأ مجاهد والأعمش: ((المَثَلات)) بفتح الميم والثاء(٣). وعيسى بن عمر -
وفي روايةٍ: الأعمشُ وأبو بكر - بضمِّهما(٤)، وهو لغةٌ أصلية، ويحتمل أنه أتبع فيه
(١) كما في حاشية الشهاب ٢٢١/٥.
(٢) في تفسيره ٤٣٥/١٣ -٤٣٦.
(٣) الكشاف ٢/ ٣٥٠ (دون نسبة)، والبحر ٣٦٦/٥.
(٤) القراءات الشاذة ص٦٦، والبحر المحيط ٣٦٦/٥.

سُورَةُ الَّعْدِ
٥٢
الآية : ٦
العين للفاء. وابنُ وثَّب بضمِّ الميم وسكون الثاء(١)، وهي لغة تميم. وابنُ مصرِّف
بفتح الميم وسكون الثاء(٢)، وهي لغة الحجازيين.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ عظيمةٍ ﴿لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمْ﴾ أنفسَهم بالذنوب
والمعاصي.
والجارُّ والمجرور في موضع الحال من الناس، والعاملُ فيها هو العامل في
صاحبها وهو ((مغفرة))، أي: إنَّه تعالى لغفورٌ للناس مع كونهم ظالمين.
قيل: والآية ظاهرة في مذهب أهل السنَّة، وهو جواز مغفرة الكبائر والصغائر
بدون توبة؛ لأنَّه سبحانه ذكرَ المغفرة مع الظلم، أي: الذنب، ولا يكون معه إلَّا
قبل التوبة؛ لأنَّ التائب من الذنب کمن لا ذنب له.
وأوَّلَ ذلك المعتزلةُ بأنَّ المراد مغفرةُ الصغائر لمجتنب الكبائر، أو مغفرتُها لمن
تاب، أو المراد بالمغفرة معناها اللُّغوي: وهو السترُ، بالإمهال وتأخير العقاب إلى
الآخرة، كأنه قيل: إنَّه تعالى لا يعجِّلُ للناس العقوبةَ وإن كانوا ظالمين، بل يستر
عليهم بتأخيرها .
واعتُرض التأويل بالتخصيص، بأنَّه تخصيصٌ للعامٌّ من غير دليل. وأجيب بأنَّ
الكفر قد خُصَّ بالإجماع، فيسري التخصيصُ إلى ذلك.
وتعقب الأخير بأنَّه في غاية البعد؛ لأنه - كما قال الإمام(٣) - لا يسمَّى مثلُه
مغفرةً، وإلَّا لصحَّ أن يقال: الكفار مغفورون. وردًّ بأن المغفرةَ حقيقتُها في اللغة:
الستر. وكونهم مغفورين بمعنى مؤخّرٌ عذابُهم إلى الآخرة؛ لا محذور فیه، وهو
المناسب لاستعجالهم العذاب. وأُجيب بأنَّ المراد أنَّ ذلك مخالفٌ للظاهر
ولاستعمال القرآن.
(١) القراءات الشاذة ص٦٦، والمحتسب ٣٥٣/١.
(٢) نسبها في القراءات الشاذة ص٦٦ ليحيى بن وثاب، ونسبها ابن جني في المحتسب ٣٥٣/١
لعيسى الثقفي وطلحة بن سليمان وللأعمش عن يحيى بن وثاب، ونسبها أبو حيان في البحر
٣٦٦/٥ لابن مصرف.
(٣) تفسير الرازي ١٩/ ١٢.

الآية : ٧
٥٣
سُورَةُ الرَّعَلِ
وذكر العلّامة الطَّبي أنَّه يجب تأويلُ الآية بأحد الأوجه الثلاثة؛ لأنَّها بظاهرها
كالحثِّ على الظلم؛ لأنَّه سبحانه وعدَ المغفرة البالغة مع وجود الظلم.
وتعقّب ذلك في ((الكشف)) فقال: فيه نظر؛ لأنَّ الأسلوب يدلُّ على أنَّه تعالى
بليغُ المغفرة لهم مع استحقاقهم لخلافها؛ لتلبُّسهم بما العقابُ أولى بهم عنده.
والظاهر أنَّ التأويل بناء على مذهب الاعتزال. وأمَّا على مذهب أهل السنَّة
فإنَّما(١) يؤوَّل لو عمَّ الظلم الكفر، ثم قال: والتأويل بالستر والإمهال أحسن،
لتحقيق الوعيد بهم، وإن كانوا
فيكون قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾
تحت ستره وإمهاله، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ ذلك إمهال لا إهمال. والمراد بالناس إمَّا
المعهودون، وهم المستعجلون المذكورون قبلُ، أو الجنس؛ دلالةً على كثرة
الهالكين لتناولهم وأضرابهم، وهذا جارٍ على المذهبين، وكذا اختار الطيبي هذا
التأويل وقال: هو الوجه.
والآية على وزان قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ النِزَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ
كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦] على ما ذكره الزمخشري في ((تفسيره))(٢) وأنت قد
سمعت ما له وما عليه، فتدبّر.
واختار غيرُ واحدٍ إرادة الجنس من الناس، وهو مرادٌ أيضاً في ((شديد
العقاب)).
والتخصيص بالكفَّار غيرُ مختار، ويؤيّد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم،
وأبو الشيخ، عن سعيد بن المسيَّب قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ((وإنَّ ربك)) .. إلخ،
قال رسول الله وَلجر: ((لولا عفوُ الله تعالى وتجاوزُه، ما هنأ أحداً العيشُ،
ولولا وعيدُه وعقابه لاتَّكل كلُّ أحد))(٣).
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المستعجلون، كما رُوي عن قتادة، وكأنَّه إنَّما عبّر
عنهم بذلك نعياً عليهم كفرَهم بآيات الله تعالى التي تخرُّ لها صُّ الجبال، حيثُ لم
(١) في الأصل: فإنه.
(٢) ٣/ ٨٢.
(٣) ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٤، وهو مرسل.

الآية : ٨
٥٤
سُورَةُ الرّحَدِ
يرفعوا لها رأساً، ولم يعدُّوها من جنس الآيات، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن
رَّيّةُ.) مثلُ آيات موسى وعيسى عليهما السلام، من قلب العصا حيَّة، وإحياءِ
الموتى، ◌ِناداً أو مُكابرةً، وإلَّ ففي أدنى آيةٍ أُنزلت عليه - عليه الصلاة والسلام -
غُنيّةٌ وعِبرةٌ لأولي الألباب.
والتعبير بالمضارع استحضاراً للحال الماضية، وجوز أن يكون إشارةً إلى أنَّ
ذلك القول دیدنُهم.
وتنوين ((آيَةٌ)) للتعظيم، وجُوِّز أن يكون للوَحْدة.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ مُرسَلٌ للإنذار من سوء عاقبة ما نهى الله تعالى عنه، كدابٍ
من قبلك من الرسل، وليس عليك إلَّا الإتيان بما يُعلم به نبوَّتُك، وقد حصل
بما لا مَزيد عليه، ولا حاجة إلى إلزامهم وإلقامهم الحجرَ بالإتيان بما اقترحوه.
﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ ﴾﴾ أي: نبيٌّ داعٍ إلى الحقِّ، مرشدٌ إليه بآية تَليقُ به وبزمانه.
والتنكير للإبهام، ورُوي هذا عن قتادة أيضاً ومجاهد.
وعليه فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾ استئنافٌ، جواباً عن سؤال
من يقول: لماذا لم يُجابوا إلى المقترَح، فتنقطعَ حُجَّتهم ولعلَّهم يهتدون؟ بأنَّ ذلك
أمرٌ مدبٌَّ ببالغ العلم ونافذ القدرة لا عن الجُزاف واتِّباع آرائهم السخاف.
وجوز أن يراد بالهادي هو الله تعالى، ورُوي ذلك عن ابن عباس والضحاك
وابن جبير، فالتنوينُ فيه للتفخيم والتعظيم، وتوجيه الآية على ذلك: أنَّهم لما أنكروا
الآيات عناداً؛ لكفرهم الناشئ عن التقليد، ولم يتدبَّروا الآيات قيل: إنما أنت منذرٌ
لا هادٍ، مثبتٌ للآيات(١) في صدورهم، صادٌّ لهم عن جحودهم، فإنَّ ذلك إلى الله
تعالى وحده وهو سبحانه القادر وحده(٢) عليه.
وعلى هذا قيل: يجوز أن يكون قوله سبحانه: ((الله)) خبرَ مبتدأ محذوف،
أي: هو الله، ويكون ذلك تفسيراً لـ ((هاد))، و((يعلم)) جملة مقرّرة لاستقلاله تعالى
بالهداية كالعلَّة لذلك، ويجوز أن يكون جملة ((الله يعلم)) مقرّرة، ويكون من باب
(١) في (م): للإيمان.
(٢) قوله: وحده، ليس في (م).

الآية : ٨
٥٥
سُورَةُ الرَّحْلِ
إقامة الظاهر مقام المضمر، كأنَّه هو تعالى يعلم - أي ــ ذلك الهادي، والأول
بعيد جدّاً.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، وابنُ جرير، عن عكرمة وأبي الضحى:
أنَّ المنذر والهادي هو رسولُ اللهِ وَالٍ(١).
ووجه ذلك بأنَّ ((هاد)) عطف على ((منذر))، و((لكل قوم)) متعلق به، قدِّم عليه
للفاصلة.
وفي ذلك دليل على عموم رسالته وَلقر وشمول دعوته. وفيه الفصل بين
المعطوف والمعطوف عليه بالجارِّ والمجرور، والنحويون في جوازه مختلفون.
وقد يجعل ((هاد)) خبر مبتدأ مقدَّر، أي: وهو هادٍ، أو: وأنت هادٍ، وعلى
الأول فيه التفات. وقال أبو العالية: الهادي: العمل. وقال علي بن عيسى: هو
السابق إلى الهدى، ولكلِّ قوم سابقٌ سبقهم إلى الهدى. قال أبو حيان(٢): وهذا
يرجعُ إلى أنَّ الهادي هو النبيُّ؛ لأنَّه الذي يسبق إلى ذلك. وعن أبي صالح أنَّه
القائد إلى الخير أو إلى الشرِّ. والكلُّ كما ترى.
وقالت الشيعة: إنه عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وروَوْا ذلك في أخبار كثيرة(٣)،
وذكر ذلك القشيريُّ منا .
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، والديلميُّ، وابنُ عساكر، عن ابن عباس
قال: لمَّا نزلت ((إنما أنت منذر)) الآية، وضع رسولُ اللهِ وَيَزِ يدَه على صدره
فقال: ((أنا المنذر)). وأومأ بيده إلى مَنْكِبٍ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، فقال:
(أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون من بعدي)) (٤). وأخرج عبدُ الله بن
أحمد في ((زوائد المسند))، وابن أبي حاتم، والطبرانيُّ في ((الأوسط))، والحاكم
(١) الطبري في تفسيره ٤٣٨/١٣، وفيه: عن عكرمة ومنصور عن أبي الضحى.
(٢) ذكر أبو حيان هذا القول في البحر المحيط ٣٦٨/٥ ونسبه لعيسى بن عمر.
(٣) في (م): في ذلك أخباراً.
(٤) ابن جرير في تفسيره ٤٤٢/١٣، ٤٤٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٥٩/٤٢.
قال ابن كثير عنه عند تفسير هذه الآية: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.

سُورَةُ الرَّحْدِ
٥٦
الآية : ٨
وصحَّحه، وابن عساكر أيضاً، عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال في الآية:
رسولُ اللهِ وَ﴿ المنذرُ، وأنا الهادي. وفي لفظ: الهادي: رجلٌ من بني هاشم(١)
- يعني نفسه -.
واستدلَّ بذلك الشيعةُ على خلافة عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه بعدَ رسول الله وَه
بلا فصل. وأجيب بأنَّا لا نسلِّم صحَّة الخبر، وتصحيحُ الحاكم محكومٌ عليه بعدم
الاعتبار عند أهل الأثر، وليس في الآية دلالةٌ على ما تضمَّنه بوجهٍ من الوجوه،
علی أنَّ قصاری ما فیه کونه ۔ کرَّم الله تعالی وجهه - به يهتدي المهتدون بعد
رسول الله وَّ﴾، وذلك لا يستدعي إلَّا إثباتَ مرتبة الإرشاد، وهو أمرٌ والخلافةُ التي
نقول بها أمرٌ، لا تلازم بينهما عندنا .
، حیثُ دگَّ
وقال بعضهم: إنْ صحَّ الخبر يلزم القول بصحّة خلافة الثلاثة
على أنَّه - كرَّم الله تعالى وجهه - على الحقِّ فيما يأتي ويذر، وأنه الذي يُهتدى به،
وهو قد بايع أولئك الخلفاء طوعاً ومدحهم وأثنى عليهم خيراً ولم يَطعُن في
خلافتهم، فينبغي الاقتداءُ به والجريُ على سننه في ذلك، ودون إثبات خلاف
ما أظهر خَرْط القَتَاد.
وقال أبو حيان(٢): إنه وَّهُ على فَرْض صحَّة الرواية، إنَّما جعل عليّاً كرَّم الله
تعالى وجهه مثالاً من علماء الأُمة وهداتها إلى الدين، فكأنَّه عليه الصلاة والسلام
قال: يا عليٌّ، هذا وصفك. فيدخل الخلفاء الثلاث وسائر علماء الصحابة مع﴿ه بل
وسائر علماء الأمة، وعليه فيكون معنى الآية: إنَّما أنت منذرٌ ولكلِّ قومٍ في القديم
والحديث إلى ما شاء الله تعالى هداةٌ دعاة إلى الخير. اهـ.
وظاهره أنه لم يحمل تقديم المعمول(٣) في خبر ابن عباس ◌ًا على الحصر
الحقيقي، وحينئذٍ لا مانع من القول بكثرة من يُهتدى به، ويؤيِّد عدمَ الحصر ما جاء
(١) مسند أحمد (١٠٤١)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٢٢٥/٧، والأوسط (١٣٦١)، والمستدرك
١٢٩/٣-١٣٠، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٥٩/٤٢.
وتعقّب الذهبيُّ تصحيحَ الحاكم فقال: بل كذب، قبَّح الله واضعه.
(٢) في البحر ٣٦٨/٥.
(٣) في الأصل: المحمول.

الآية : ٨
٥٧
سُورَةُ الرَّحْدِ
عندنا من قوله ◌َ﴾: ((اقتدُوا باللَّذين من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ))(١) وأخبار أُخَر
متضمنة لإثبات من يهتدى به غير عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه.
وأنا أظنُّك لا تلتفت إلى التأويل ولا تعبأ بما قيل وتكتفي بمنع صحَّة الخبر،
وتقول: ليس في الآية ممَّا يدل عليه عين ولا أثر.
هذا، و((ما)) يحتمل أن تكون مصدرية، أي: يعلم حملَ كلٌّ أُنثى من أيِّ الإناث
كانت. والحمل على هذا بمعنى المحمول. وأن تكون موصولةً والعائد محذوف،
أي: الذي تحمله في بطنها من حينِ العلوق إلى زمن الولادة، لا بعدَ تكامل الخلق
فقط. وجوز أن تكون نكرةً موصوفةً. و((يعلم)) قيل: متعدِّية إلى واحد، فهي عرفانية.
ونُظر فيه بأنَّ المعرفةَ لا يصحُّ استعمالها في علم الله تعالى وهو ناشئٌّ من عدم المعرفة
بتحقيق ذلك، وقد تقدَّم(٢). وجوز أن تكون استفهاميةً معلّقة لـ ((يعلم))(٣)، وهي مبتدأ
أو مفعول مقدَّم، والجملة سادَّةٌ مسدّ المفعولين، أي: يعلم أيّ شيءٍ تحمل.
وعلى أيِّ حالٍ هو من الأحوال المتواردة عليه طوراً فطوراً، ولا يخفى أنَّ هذا
خلاف الظاهر المتبادر.
وكما جوز في ((ما)) هذه هذه الأوجهُ، جوّزت في ((ما)) بعدَها أيضاً.
ووجه مناسبة الآية لما قبلها قد عُلم ممَّا سبق، وقيل: وجهها أنَّه لما تقدَّم
إنكارهم البعثَ، وكان من شُبَهِهم تفرُّقُ الأجزاء واختلاطُ بعضها ببعض بحيث
لا يتهيَّأ الامتياز بينها، نَّه سبحانه بهذه الآية على إحاطة علمه - جلَّ شأنه - إزاحةً
لشبهتهم. وقيل: وجهها أنَّهم لما استعجلوا بالسيئة، نَّه عزَّ وجل على إحاطة علمه
تعالى ليفيد أنَّه - جلَّت حكمته - إنَّما يُنزل العذاب حسبما يعلم من المصلحة
والحكمة.
وفي مصحف أُبيِّ ومرَّ ما قيل في نظيره -: ((ما تحملُ كلُّ أنثى وما تضعُ))(٤).
(١) أخرجه أحمد (٢٣٢٤٥)، والترمذي (٣٦٦٢) من حديث حذيفة ، وقال الترمذي: هذا
حدیث حسن.
(٢) في سورة الأنفال، الآية (٦٠).
(٣) في الأصل: بيعلم.
(٤) البحر ٣٦٩/٥.

سُورَةُ الرَعَلِ
٥٨
الآية : ٨
﴿وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ أي: ما تنقصه وما تزداده في الجثّة:
کالخدیج(١) والتامٌ، ورُوي ذلك عن ابن عباس.
وفي المدَّة: كالمولود في أقلِّ مدَّة الحمل، والمولود في أكثرها وفيما بينهما،
وهو رواية أخرى عن الحبر. قيل: إنَّ الضحاك ولد لسنتين، وإنَّ هَرِمَ بن حيَّان
الأربع، ومن ذلك سُمِّي: هَرِماً. وإلى كون أقصى مدَّة الحمل أربعَ سنين ذهب
الشافعيُّ، وعند مالك أقصاها خمسٌ، وعند الإمام أبي حنيفة هاته أقصاها سنتان،
وهو المرويُّ عن عائشة ◌ُِّها، فقد أخرج ابنُ جرير عنها: لا يكون الحملُ أكثرَ من
سنتين، قدْرَ ما تتحرَّك فَلْكةُ مِغْزل(٢).
وفي العدد: كالواحد فما فوق، قيل: ونهاية ما عرف أربعة، فإنَّه يُروى أنَّ
شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر (٣) القرشيَّ كان رابع أربعةٍ، وهو الذي وقف عليه
إمامنا الأعظم رُ. وقال الشافعيُّ عليه الرحمة: أخبرني شيخٌ باليمن أنَّ امرأته
ولدت بطوناً في كلِّ بطن خمسةٌ. وهذا من النوادر، وقد اتَّفق مثله، لكن ما زاد
على اثنين - لضعفه - لا يعيش إلَّا نادراً. وما يحكى أنه وُلد لبعضهم أربعون في
بطن واحدة، كلٌّ منهم مثل الإصبع، وأنَّهم عاشوا كلَّهم، فالظاهر أنه كذب.
وقيل : المراد نقصانُ دم الحيض وازديادُه، ورُوي ذلك عن جماعة، وفيه جعل
الدم في الرحم كالماء في الأرض، يغيضُ تارةً ويظهر أُخرى.
وغاض جاء متعدِّياً ولازماً، كنقص، وكذا ازداد، وهو مما اتَّفق عليه أهل
اللغة(٤)، فإن جعلتهما لازمَيْن لا يجوز أن تكون ((ما)) موصولةً أو موصوفة؛ لعدم
العائد.
(١) الخداج: إلقاء الناقة ولدها قبل تمام الأيام. وأخدجت الناقة: جاءت بولد ناقص وإن كانت
أيامه تامة. القاموس (خدج).
(٢) تفسير الطبري ٤٥٠/١٣. وفيه: قدر ما يتحول ظل مغزل. وفَلْكة المغزل: القطعة المستديرة
من الخشب ونحوه تجعل في أعلاه. المعجم الوسيط (فلك).
(٣) في الأصل و(م): نمير، والمثبت من سير أعلام النبلاء ١٥٩/٦.
(٤) لسان العرب (غيض).

الآية : ٩
٥٩
سُورَةُ الرَّحْدِ
وإسنادُ الفعلين كيفما كانا إلى الأرحام فإنَّهما على اللزوم لما فيهما، وعلى
التعدِّي لله جلَّ شأنه وعَظُمَ سلطانه.
بقدر، لا يُجاوزه
﴿وَكُلُّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء ﴿عِندَهُ﴾ سبحانه ﴿بِمِقْدَارٍ {
ولا ينقص عنه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] فإنَّ كلَّ حادث
من الأعراض والجواهر له في كل مرتبة من مراتب التكوين ومباديها وقتٌ معيَّن
وحالٌ مخصوص لا يكاد يجاوزه، ولعلَّ حال المعدوم معلومٌ بالدلالة إذا قلنا: إنَّ
الشيء هو الموجود.
و((عنده)) ظرف متعلّق بمحذوف، وقع صفة لـ ((كل)) أو لـ ((شيء))، و((بمقدار)) خبر
(كل))، وجوز أن يكون الظرف متعلّقاً بمحذوف وقع حالاً من ((مقدار))، وهو في الأصل
صفة له، لكنه لما قُدِّم أعرب حالاً؛ وفاءً بالقاعدة. وأن يكون ظرفاً لما يتعلَّق به الجارُّ.
والمراد بالعنديَّة الحضور العلميُّ، بل العلم الحضوريُّ على ما قيل، فإنَّ تحقق
الأشياء في أنفسها (١) في أيِّ مرتبة كانت من مراتب الوجود، والاستعداد لذلك علم
بالنسبة إليه تعالى، وقيل: معنى ((عنده)) في حكمه.
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ أي: الغائب عن الحسِّ ﴿وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: الحاضر له، عبّر
عنهما بهما مبالغةً.
وأخرج ابن أبي حاتم (٢)، عن ابن عباس أنَّ الغيبَ السِّرُّ، والشهادةَ العلانيةُ.
وقيل: الأول المعدوم والثاني الموجود.
ونُقل عن بعضهم أنَّه قال: إنَّه سبحانه لا يعلم الغيب. على معنى أنْ لا غيبَ
بالنسبة إليه - جلَّ شأنه - والمعدومات مشهودةٌ له تعالى، بناءً على القول برؤية
المعدوم، كما برهن عليه الكورانيُّ في رسالة ألَّفها لذلك(٣).
(١) قوله: في أنفسها. ليس في الأصل.
(٢) في تفسيره ٢٢٢٨/٧.
(٣) هو الشيخ إبراهيم بن الحسن الكُوراني، (ت ١١٠١ هـ)، وسلفت ترجمته. ولعلّ الرسالة
اسمها «جلاء الفهوم في رؤية المعدوم)» كما سيذكره المصنف عند تفسير الآية (٤٠) من
سورة النمل، حیث ذکر اسمها مختصراً، وذکر اسمها كاملاً إسماعيل باشا البغدادي في ذيل
كشف الظنون ٣٦٣/٢ لكن دون عزيٍ إلى مؤلف.

سُؤَّةُ الرّعْلِ
٦٠
الآية : ١٠
ولا يخفى ما في ذلك من مزيد الجسارة على الله تعالى، والمصادمة لقوله جلَّ
شأنه: ((عالم الغيب))، ولا ينبغي لمسلم أن يتفوَّه بمثل هذه الكلمة التي تقشعرُّ من
سماعها أبدانُ المؤمنين، نسأل الله تعالى أن يوفِّقَنا للوقوف عند حدِّنا، ويمنَّ علینا
بحسن الأدب معه سبحانه.
ورفعُ ((عالم)) على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أو خبرٌ بعد خبر.
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿يَا: ((عالمَ)) بالنصب على المدح(١)، وهذا الكلامُ كالدليل
على ما قبله من قوله تعالى: ((الله يعلم)) .. إلخ.
4﴾ المستعلي على
﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيمُ الشأن الذي كلُّ شيءٍ دونه ﴿اٌلْمُتَعَالِ ®
كلِّ شيءٍ في ذاته وعلمه وسائر صفاته سبحانه، وجوز أن يكون المعنى: الكبيرُ
الذي يَجِلُّ عمَّا نعته به الخلقُ من صفات المخلوقين ويتعالى عنه، فعلى الأول
المرادُ تنزيهُه - سبحانه - في ذاته وصفاته عن مداناة شيءٍ منه، وعلى هذا: المراد
تنزيهه تعالى عمَّا وصفَه الكفرةُ به، فهو ردٌّ لهم، كقوله جلَّ شأنه: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا
يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
قال العلّامة الطيبيُّ: إنَّ معنى: ((الكبير المتعال)) بالنسبة إلى مردوفه - وهو
((عالم الغيب والشهادة)) - هو العظيمُ الشأن، الذي يكبر عن صفات المخلوقين،
ليضمَّ مع العلم العظمةَ والقدرةَ بالنظر إلى ما سبق من قوله تعالى: ((ما تحمل كل
أنثى)) إلى آخر ما يفيد التنزية عمَّا يزعمه النصارى والمشركون.
ورفع ((الكبير)) على أنَّه خبرٌ بعد خبر، وجوز أن يكون ((عالم)) مبتدأ وهو خبرُه.
﴿سَوَآءٌ مِّنْكُ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ أي(٢): أخفاه في نفسه ولم يتلفّظ به، وقيل: تلفَّظ
به بحيثُ يُسمع(٣) نفسَه دون غيره ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ من يقابل ذلك بالمعنيَيْن ﴿وَمَنْ
هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ أي (٤): مبالغٌ في الاختفاء، كأنَّه مختفٍ ﴿ِلَيْلِ﴾ وطالب للزيادة
﴿وَسَارِبُّ بِالنَّهَارِ ﴾﴾ أي: ظاهرٌ فيه، كما رُوي عن ابن عباس.
(١) البحر ٣٧٠/٥.
(٢) ليست في (م).
(٣) في (م): لم يسمع، وهو خطأ.
(٤) ليست في (م).