Indexed OCR Text

Pages 441-460

الآية : ٧٧
٤٤١
سُؤَلُّ لُوسُفَ
الطريق، فعيَّره إخوتُه بذلك))(١).
وأخرج غيرُ واحد عن زيد بن أسلم قال: كان يوسفُ عليه السلام غلاماً صغيراً
مع أمِّه عند خالٍ له، وهو يلعب مع الغلمان، فدخل كنيسةً لهم فوجد تمثالاً صغيراً
من ذهبٍ فأخذه، وذلك الذي عَنَوه بسرقته(٢) .
وقال مجاهد: إنَّ سائلاً جاءه يوماً، فأخذ بيضةً فناولها إياه. وقال سفيان بن
عيينة: أخذ دجاجةٌ فأعطاها السائل. وقال وهب: كان عليه السلام يَخبِّىء الطعامَ
من المائدة للفقراء. وقيل وقيل.
وعن ابن المنيِّر: أنَّ ذلك تصلُّفٌ(٣) لا يسوغ نسبةُ مثله إلى بيت النبوَّة، بل
ولا إلى أحدٍ من الأشراف، فالواجب تركُه. وإليه ذهب مكِّي(٤).
وقال بعضهم: المعنى: إنْ يسرق فقد سرق مثلُه من بني آدم، وذكر له نظائر في
الحديث، قيل(٥): وهو كلامٌ حقيقٌ بالقبول.
وأنت تعلم أنَّ في عدِّ كلِّ ما قيل في بيان المراد من سرقةِ الأخ تصلُّفاً تصلُّفٌ؛
فإنَّ فيه ما لا بأس في نسبته إلى بيت النبوَّة. وإن ادُّعي أنَّ دعوى نسبتهم السرقةَ إلى
يوسف عليه السلام ممَّا لا يليق نسبةُ مثله إليهم؛ لأنَّ ذلك كذبٌ إذ لا سرقةَ في
الحقيقة وهم أهلُ بيت النبوَّة الذين لا يكذبون = جاء حديث ((أكَلَه الذئب)»، وهم
غير معصومين أوَّلاً وآخِراً.
وما قاله البعض - وقيل: إنه كلام حقيقٌ بالقبول - ممَّا يأباه ما بعدُ كما لا يخفى
على مَن له ذوقٌ، على أنَّ ذلك في نفسه بعيدٌ ذوقاً.
وأتوا بكلمة ((إنْ)) لعدم جَزْمهم بسرقته بمجرَّد خروج السِّقاية من رَحْلِه، فقد
(١) الدر المنثور ٢٨/٤، وهو في الفردوس للديلمي ٢٤١/١. وأخرجه الطبري ٢٧٢/١٣ -
٢٧٣، عن سعيد بن جبير وقتادة قولهما .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢١٧٨/٧.
(٣) في حاشية الشهاب ١٩٧/٥ (والكلام منه): تكلف.
(٤) في مشكل إعراب القرآن ٣٩٢/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية
١٩٧/٥.
(٥) القائل هو الشهاب في الحاشية ١٩٧/٥ .

سُوَلُ ◌ُوسُفَ
٤٤٢
الآية : ٧٧
وجدوا من قبلُ بضاعتَهم في رحالهم ولم يكونوا سارقين، وفي بعض الروايات أنَّهم
لمَّا رأوا إخراج السقاية من رحلِه خجلوا فقالوا: يا ابنَ راحيل، كيف سرقتَ هذه
السقاية؟ فرفع يده إلى السماء فقال: والله ما فعلت. فقالوا: فمن وضعها في
رحلك؟ قال: الذي وضع البضاعةَ في رحالكم. فإن كان قولهم: ((إن يسرق)) إلخ
بعدَ هذه المقاولة، فالظاهرُ أنَّها هي التي دعتهم لـ ((إنْ))، وأمَّا قولهم: ((إنَّ ابنَك
سرق)) فبناءً على الظاهر ومدَّعى القوم، وكذا عِلْمُهم مبنيٌّ على ذلك.
وقيل: إنَّهم جزموا بذلك، و((إنْ)) لمجرَّد الشرط، ولعلَّه الأولى؛ لظاهر ما يأتي
إن شاء الله تعالى تحقيقُه.
و ((يسرق)) لحكاية الحال الماضية، والمعنى: إن كان سرقَ فليس ببِدْعِ لسَبْقِ
مثلِهِ من أخيه، وكأنَّهم أرادوا بذلك دفعَ المعرَّة عنهم واختصاصَها بالشقيقين.
وتنكيرُ ((أخ)) لأنَّ الحاضرين لا عِلْمَ لهم به.
وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي وابن أبي سريج عن الكسائي، والوليدُ بن
حسان، وغيرُهم: ((فقد سُرِّق)) بالتشديد مبنيًّاً للمفعول(١)، أي: نُسب إلى السرقة.
﴿فَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ الضمير لِمَا يُفهم من الكلام والمقام، أي: أضمر الحزازةَ
التي حصلت له عليه السلام ممَّا قالوا. وقيل: أضمر مقالتهم، أو نسبةَ السرقة إليه
فلم يجبهم عنها ﴿فِى نَفْسِهِ﴾ لا أنَّه أسرَّها لبعض أصحابه كما في قوله تعالى:
﴿وَأَسْرَرْتُ لَمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٩] ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ أي: يظهرْها ﴿لَهُرَّ﴾ لا قولاً ولا فعلاً؛
صفحاً لهم وحلماً، وهو تأكيدٌ لِمَا سبق.
﴿قَالَ﴾ أي: في نفسه، وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من الإخبار
بالإسرار المذكور، كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في تضاعيف ذلك؟ فقيل: قال:
(١) البحر ٣٣٣/٥. وأحمد بن جبير هو أبو جعفر الكوفي المقرئ نزيل أنطاكية، أخذ القراءة
عرضاً وسماعاً عن الكسائي، وسمع بعض حروف عاصم من أبي بكر بن عياش، توفي سنة
(٢٥٨ هـ).
وابن أبي سريج هو أحمد بن أبي سريج الرازي، أبو جعفر المقرئ، واسم أبيه الصَّبَّاح، قرأ
على الكسائي، وروى عنه البخاري وأبو داود والنسائي في كتبهم، توفي بعد الأربعين
ومئتين. طبقات القراء الكبار ٤١٦/١ و٤٣٣.

الآية : ٧٧
٤٤٣
سُورَةٌ تُوسُفَ
﴿أَنْتُمْ شَرِّ مَكَانًا﴾ أي: منزلةً في السَّرق، وحاصله: أنَّكم أثبتُ في الاتِّصاف
بهذا الوصف وأقوى فيه، حيثُ سرقتُم أخاكم من أبيكم، ثمَّ طَفِقْتُم تفترون على
البريء.
وقال الزَجَّاج (١): إنَّ الإضمار هنا على شريطةِ التفسير(٢)؛ لأنَّ ((قال أنتم)) إلخ
بدلٌ من الضمير، والمعنى: فأسرَّ يوسفُ في نفسه قولَه: ((أنتم شرٌّ مكاناً))، والتأنيثُ
باعتبارِ أنَّه جملةٌ أو كلمة.
وتعقّب ذلك أبو عليٍّ بأنَّ الإضمارَ على شريطة التفسير على ضربين: أحدهما:
أن يفسّر بمفرد، نحو: نِعْمَ رجلاً زيدٌ، ورُبَّه رجلاً. وثانيهما: أن يفسّر بجملةٍ كقوله
تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ [الإخلاص: ١] وأصر هذا أن يقع في الابتداء ثمَّ
يدخل عليه النواسخ، نحو: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَىَ
الْأَبْصَرُ﴾ [الحج: ٤٦].
وليس منها شفاءُ النَّفْس مبذولٌ(٣).
وغير ذلك، وتفسير المضمَر في كِلَا الموضعين مثَّصلٌ بالجملة التي قبلها
المتضمِّنةِ لذلك المضمَر ومتعلِّقٌ بها، ولا يكون منقطعاً عنها، والذي ذكره الزجَّاج
منقطعٌ، فلا يكون من الإضمار على شريطة التفسير.
وفي ((أنوار التنزيل)) أنَّ المفسَّر بالجملة لا يكون إلا ضميرَ الشأن(٤). واعتُرض
عليه بالمنع.
وفي ((الكشف)): إنَّ هذا ليس من التفسير بالجُمل في شيء حتى يعترض بأنَّه من
(١) في معاني القرآن ١٢٣/٣.
(٢) أي: لم يرجع الضمير في ((فأسرَّها)) على ما سبقه، وإنما فسَّره ما بعده.
(٣) وصدره: هي الشفاء لدائي لو ظَفِرْتُ بها. والبيت عزاه سيبويه في الكتاب ٧١/١ لهشام
أخي ذي الرُّمَّة، وقال ابن السِّيد في الحلل ص ٦٧: يروى لكعب بن زهير، ويروى لهشام.
وهو في المغني ص ٣٨٩ دون نسبة. والشاهد فيه أنه جعل في ((ليس)) ضمير الشأن وجعل
الجملة التي بعدها تفسيراً للمضمر في موضع الخبر. وقوله: منها متعلق بمبذول. ينظر
تحصيل عين الذهب ص ٩٥، وشرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ٢٠٩/٥.
(٤) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٩٨/٥ .

سُورَةٌ تُوسُفَ
٤٤٤
الآية : ٧٧
خواصِّ ضميرٍ الشأن الواجب التصدير، وإنما هو نظيرُ: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِهِ
وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ﴾ إلخ [البقرة: ١٣٢].
وتُعقّب بأنَّ في تلك الآية تفسيرَ جملةٍ بجملةٍ، وهذا فيها تفسيرُ ضميرٍ بجملة.
وفي ((الكشاف)) جَعَلَ ((أنتم شرٌّ مكاناً) هو المفسِّر(١)، وفيه خفاء؛ لأنَّ ذلك
مقولُ القول.
واستدلُّ بعضهم بالآية على إثبات الكلام النفسيِّ بجَعْل ((قال)) إلخ بدلاً من
((أسرَّ))، ولعلَّ الأمرَ لا يتوقَّف على ذلك؛ لِمَا أشرنا إليه من أنَّ المراد: قال في
نفسه. نعم قال أبو حيَّان: إنَّ الظاهرَ أنه عليه السلام خاطبهم وواجههم به بعدَ أنْ
أسرَّ كراهيةَ مقالتهم في نفسه، وغرضُه توبيخُهم وتكذيبُهم، ويقوِّيه أنَّهم تركوا أن
يشفعوا بأنفسهم، وعدلوا إلى الشفاعة له بأبيه(٢). وفيه نظر.
وقرأ عبد الله، وابنُ أبي عبلة: ((فأسرَّه)) بتذكير الضمير(٣).
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ أي: عالمٌ علماً بالغاً إلى أقصى المراتب بأنَّ
الأمر ليس كما تصفون من صدور السَّرقة منّا، فصيغةُ أفعل لمجرَّد المبالغة لا لتفضيلٍ
علمه تعالى على علمهم، كيف لا وليس لهم بذلك من عِلْم؟ قاله غير واحد.
وقال أبو حيَّان: إنَّ المعنى: أعلمُ بما تصفون به منكم؛ لأنه سبحانه عالمٌ
بحقائقِ الأمور، وکیف کانت سرقةُ أخيه الذي أحَلْتم سرقته عليه (٤). فأفعل حينئذٍ
على ظاهره.
واعتُرض بأنَّه لم يكن فيهم عِلْم، والتفضيلُ يقتضي الشركة.
وأُجيب بأنَّه تكفي الشركةُ بحسب زَعْمِهم؛ فإنَّهم كانوا يدَّعون العِلْمَ لأنفسهم،
ألا ترى قولَهم: ((فقد سَرق أخٌ له من قبل)) جزماً؟
(١) الكشاف ٣٣٦/٢.
(٢) البحر ٣٣٤/٥.
(٣) الكشاف ٣٣٦/٢، والبحر ٣٣٣/٥.
(٤) البحر ٣٣٤/٥.

الآية : ٧٨ - ٧٩
٤٤٥
سُورَةُ تُوسُفَ
﴿قَالُوا﴾ عندما شاهدوا مخايلَ أَخْذِ بنيامين مستعطِفِينَ: ﴿يَّأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ: أَبَّ
شَيْئًا كَبِيرًا﴾ طاعناً في السنِّ لا يكاد يستطيع فراقَه، وهو عُلالةٌ به يتعلَّل عن شقيقِه
الهالك. وقيل: أرادوا مسنّاً كبيراً في القَدْر. والوصفُ على القولين محظُ الفائدة،
وإلا فالإخبارُ بأنَّ له أباً معلومٌ ممَّا سبق.
﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ بدله، فلسنا عنده بمنزلته من المحبَّة والشفقة.
إلينا، فَأَتِمَّ إحسانك، فما الإنعامُ إلا بالإتمام،
﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
أو: مِن عادتِك الإحسان مطلقاً، فاجْرٍ على عادتك ولا تغيِّرها معنا فنحن أحقُّ
الناس بذلك، فالإحسانُ على الأوَّل خاصٌّ، وعلى الثاني عامٌّ.
والجملة على الوجهين اعتراضٌ تذييليٌّ على ما ذهب إليه بعضُ المدفِّقين،
وذهب بعضٌ آخرُ إلى أنَّه إذا أريد بالإحسان الإحسانُ إليهم تكونُ مستأنفةً لبيان
ما قبلُ؛ إذ أَخْذُ البدل إحسانٌ إليهم، وإذا أريد أنَّ عمومَ ذلك من دأبك وعادتكَ
تكونُ مؤكِّدة لِمَا قبلُ، وذكرُ أمرٍ عامٍّ على سبيلِ التذييل أنسبُ بذلك.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: نعوذُ بالله تعالى معاذاً من ﴿أَن تَأْخُذَ﴾ فحذِفَ الفعلُ
وأُقيم المصدرُ مقامه مضافاً إلى المفعول به، وحُذف حرف الجرِّ كما في أمثاله.
﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ﴾ لأنَّ أخْذَنا له إنَّما هو بقضيَّةٍ فَتْواكم، فليس لنا
الإخلالُ بموجبها. ﴿إِنَّ إِذَا﴾ أي: إذا أخذنا غيرَ مَن وَجَدْنا متاعنا عنده ولو برضاه
◌ِأَظَلِمُونَ ﴾﴾ في مذهبكم وشَرْعِكم، وما لنا ذلك.
وإيثارُ صيغة التكلُّم (١) مع الغير - مع كون الخطاب من جهة إخوته على
التوحيد - من باب السلوك إلى سَنَنِ الملوك، وللإشعار (٢) بأنَّ الأخذَ والإعطاء ليس
مما يستبدُّ به، بل هو منوظٌ بآراء أهل الحلِّ والعَقْد.
وإيثارُ ((من وجدنا متاعنا عنده)) على: مَن سَرَقَ متاعَنا - الأخصر - لأنَّه أوفقُ
بما وقع في الاستفتاء والفتوى، أو لتحقيقِ الحقِّ والاحتراز عن الكذب في الكلام
مع تمام المرامٍ، فإنهم لا يحملون وجدانَ الصُّواع عندَه على محملٍ غيرِ السرقة.
(١) في (م): المتكلم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٩٩/٤.
(٢) في تفسير أبي السعود: أو للإشعار.

سُؤَدَلُّ لُوسُفَ
٤٤٦
الآية : ٨٠
والمتاعُ: اسم لما يُنتفع به، وأريد به الصُّواع، وما ألطفَ استعمالَه مع الأخذ
المرادِ به الاسترقاقُ والاستخدام، وكأنَّه لهذا أوثر على الصُّواع. والظاهرُ أنَّ الأخذ
فيٍ كلامهم محمولٌ على هذا المعنى أيضاً حقيقةً، وجوَّز ابن عطية (١) أن يكون ذلك
مجازاً؛ لأنَّهم يعلمون أنَّه لا يجوز استرقاقُ حرِّ غيرٍ سارق بدلَ مَن قد أحكمت
السُّنَّةُ رقَّه، فقولهم ذلك كما تقول لمن تكره فعلَه: اقتلني ولا تفعل كذا. وأنت
لا تريد أن يقتلك ولكنَّك تبالغُ في استنزاله. ثم قال: وعلى هذا يتَّجه قولُ يوسفَ
عليه السلام: ((معاذ الله))؛ لأنَّه تعوَّذ من غيرِ جائزٍ، ويحتمل أن لا يريدوا هذا
المعنى(٢)، وبعيدٌ عليهم وهم أنبياءُ أن يريدوا استرقاق حرِّ، فلم يَبْقَ إلا أن يريدوا
بذلك الحمالةَ، أي: خُذ أحدنا وأَبْقِه عندك حتى ينصرفَ إليك صاحبُك،
ومقصدُهم بذلك أن يصلَ بنيامين إلى أبيه فيعرِّفه جليَّة الحال. اهـ، وهو كلامٌ
لا يُعوَّل عليه أصلاً كما لا يخفى.
ولجواب يوسف عليه السلام معنًى باطنٌ هو: أنَّ الله عزَّ وجلَّ إنما أمرني
بالوحي أن آخذ بنيامين لمصالح عَلِمَها سبحانه في ذلك، فلو أخذتُ غيرَه كنت
ظالماً لنفسي وعاملاً بخلاف الوحي.
﴿فَلَمَّا أُسْتَيَِّسُواْ مِنْهُ﴾ أي: يئسوا من يوسف عليه السلام وإجابتِه لهم إلى
مرادهم، فاستفعل بمعنى فَعِلَ، نحو: سَخِرَ واسْتَسْخَر، وعَجِبَ واستعجب، على
ما في ((البحر))(٣).
وقال غيرُ واحدٍ: إنَّ السين والتاء زائدتان للمبالغة، أي: يئسوا يأساً كاملاً؛
لأنَّ المطلوبَ المرغوبَ مبالغٌ في تحصيله، ولعلَّ حصول هذه المرتبة من اليأس
لهم لِمَا شاهدوه من عوذِه بالله تعالى ممَّا طلبوه، الدالِّ على كون ذلك عنده في
أقصى مراتب الكراهة، وأنَّه ممَّا يجب أن يُحترز عنه ويُعاذَ بالله تعالى منه، ومن
تسميته ذلك ظلماً بقوله: ((إنا إذاً لظالمون)).
(١) في المحرر الوجيز ٢٦٨/٣.
(٢) أي: أن يكون قولهم: ((فخذ أحدنا مكانه)» حقيقةً، كما في المحرر الوجيز.
(٣) ٣٣٥/٥.

الآية : ٨٠
٤٤٧
سُدَةُ ◌ُوسُفَ
وفي بعض الآثار أنَّهم لمَّا رأوا خروجَ الصُّواع من رحله وكانوا قد أفتَوا
بما أفتَوا، تذكَّروا عهدَهم مع أبيهم، استشاط من بينهم روبيل(١) غضباً، وكان
لا يقوم لغضبه شيء، ووقف شعرُه حتى خرج من ثيابه، فقال: أيُّها الملك لتتركنَّ
أخانا أو لأصيحنَّ صيحةً لا يبقينَّ بها في مصر حاملٌ إلا وضعت. فقال يوسف
عليه السلام لولدٍ له صغير: قم إلى هذا فمُسَّه أو خُذْ بيده. وكان إذا مسَّه أحدٌ من
ولد يعقوب عليه السلام يسكنُ غضبه، فلما فعل الولدُ سكن غضبه، فقال لإخوته:
مَن مسَّني منكم؟ فقالوا: ما مسَّك أحدٌ منا. فقال: لقد مسَّني ولدٌ من آل يعقوب.
ثم قال لإخوته: كم عددُ الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. قال: اكفوني أنتم
الأسواقَ وأنا أكفيكم الملكَ. أو: اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواقَ.
فلما أحسَّ يوسف عليه السلام بذلك قام إليه وأخذ بتلابيبه وصرعه، وقال: أنتم
يا معشر العبرانيين تزعمون أنْ لا أحد أشدُّ منكم قوَّةً. فعند ذلك خضعوا وقالوا:
(يا أيُّها العزيز)) إلخ. ويمكن على هذا أن يكون حصولُ اليأس الكامل لهم من
مجموعٍ الأمرين.
وجوَّز بعضهم كونَ ضمير ((منه)) لبنيامين، وتعقِّب بأنَّهم لم ييأسوا منه، بدلیل
تخلُّف کبیرهم لأَجْلِه.
وروى أبو ربيعة عن البزِّي عن ابن كثير أنَّه قرأ: ((استايَسُوا))(٢) من ((أيس))
مقلوبٍ يئس(٣)، ودليلُ القلب على ما في ((البحر)) عدمُ انقلاب ياءِ ((أيس)) ألفاً
لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها (٤).
وحاصلُ المعنى (٥): لمَّا انقطع طمعهم بالكلِّية ﴿خَلَصُوا﴾ أي: انفردوا عن
غيرِهم واعتزلوا الناس. وقول الزجَّاج(٦): انفرد بعضُهم عن بعضٍ. فيه نظر.
(١) في هامش الأصل و(م): وقيل: شمعون، وروي عن وهب. اهـ منه.
(٢) بالألف وفتح الياء من غير همز، وهي في رواية البزي بخلف عنه، والوجه الثاني للبزي
كقراءة الجماعة. التيسير ص١٢٩، والنشر ٤٠٥/١-٤٠٦.
(٣) في حاشية (م): في مجمع البيان أن أيس ويئس كلٌّ منهما لغة. اهـ منه.
(٤) البحر ٣٣٥/٥.
(٥) في هامش الأصل و(م): على تقدير كون الزيادة للمبالغة. اهـ منه.
(٦) في معاني القرآن ١٢٤/٣.

سُدَلاَ تُوسُفَ
٤٤٨
الآية : ٨٠
﴿َّاً﴾ أي: متناجين متشاورين فيما يقولون لأبيهم عليه السلام،
وإنَّما وخَّده - وكان الظاهرُ جمعَه؛ لأنه حالٌ من ضمير الجمع - لأنَّه مصدرٌ بحسب
الأصل - كالتناجي - أطلق على المتناجين مبالغةً أو لتأويله بالمشتقِّ، والمصدرُ ولو
بحسب الأصل يشملُ القليل والكثيرَ. أو لكونه على زنة المصدر؛ لأن فعيلاً من
أبنية المصادر، وهو (١) فعيل بمعنى مفاعل، كجليس بمعنى مجالس، وكعشير بمعنى
مُعاشر(٢)، أي: مناجٍ بعضُهم بعضاً فيكونون متناجين، وجمعُه أنجية؛ قال لبيد :
وشهدتُ أنجيةَ الخلافة عالياً كَعْبيٍ وأردافُ الملوكِ شهودُ (٣)
وأنشد الجوهري :
إني إذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَةْ
واضطربوا مثلَ اضطرابِ الأرشيه
هناكِ أوصيني ولا تُوْصِي بِيَهْ (٤)
وهو على خلاف القياسِ؛ إذ قياسُه في الوصف أفعلاء، كمغني وأغنياء.
﴿قَالَ كَبِيُهُمْ﴾ أي: رئيسُهم وهو شمعون؛ قاله مجاهد. أو كبيرُهم في السنِّ
وهو روبيل؛ قاله قتادة. أو كبيرُهم في العقل وهو يهوذا؛ قاله وهب والكلبي. وعن
محمد بن إسحاق أنَّه لا وى.
(١) في الأصل و(م): هو، والمثبت من حاشية الشهاب ١٩٩/٥، والكلام منه.
(٢) في هامش الأصل و(م): وخليط بمعنى مخالط، وسمير بمعنى مسامر، وغير ذلك. اهـ منه.
(٣) ديوان لبيد ص ٣٥، والمحرر الوجيز ٢٦٩/٣، والبحر ٣٣٥/٥، والدر المصون ٥٣٩/٦.
وجاء في هذه المصادر بدل الخلافة: الأفاقة، وهي موضع بعينه. وردف الملك: الذي معه
لا يفارقه. وجاء في هامش الأصل و(م): وهو يقوِّي كونه جامداً كرغيف وأرغفة. اهـ منه.
يعني أن جمعه كذلك یقوي كونه جامداً. الدر المصون ٥٣٩/٦.
(٤) الصحاح (نجا)، وهذا الرجز نسبه في اللسان (نجا) إلى سحيم بن وثيل اليربوعي، وهو في
معاني القرآن للزجاج ١٢٤/٣ دون نسبة. والبيت الثاني في الصحاح واللسان برواية:
واضطرب القوم اضطراب ... ، وعند الزجاج: واختلف القول اختلاف ... ، وذكر صاحب
اللسان أن ((هناك)) بكسر الكاف بخط علي بن حمزة، وبخطه أيضاً: أوصيني ولا توصي،
بإثبات الياء لأنه يخاطب مؤنثاً. والأرشية جمع رشاء: وهو الحبل. وقيل في معنى الرجز:
إنه ضربه مثلاً لنزول الأمر المهم. وقيل غير ذلك.

الآية : ٨٠
٤٤٩
سُؤَةٌ مُوسُفََ
﴿أَلَمْ تَعْلَمُواْ﴾ كأنَّهم أجمعوا عند التناجي على الانقلاب جملةً ولم يرضَ به،
فقال مُنْكِراً عليهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ قَوْئِقًا مِنَ الَهِ﴾ عهداً يوثَقُ
به، وهو حَلِفُهم بالله تعالى، وكونُه منه تعالى لأنه بإذنه، فكأنَّه صَدَر منه تعالى. أو
هو من جهته سبحانه، فـ ((من)) ابتدائية.
﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا، والجارُّ والمجرور متعلُّقٌ بقوله تعالى: ﴿مَا
فَرَّطِّثُمْ فِى يُوسُفٌَ﴾ أي: قصَّرتُم في شأنه ولم تحفظوا عهدَ أبيكم فيه وقد قُلتم
ما قلتم. و((ما)) مزيدةٌ، والجملةُ حاليَّة، وهذا - على ما قيل - أحسنُ الوجوه في" ...
الآية وأسلمُها .
وجوِّز أن تكون (ما)) مصدريةً، ومحلُّ المصدر النصبُ عطفاً على مفعول
(تعلموا))، أي: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم موثقاً عليكم وتفريطَكم السَّابقَ في شأن
يوسف عليه السلام.
وأُورد عليه أمران: الفصلُ بين حرف العطف والمعطوفِ بالظرَّف، وتقدیمُ
معمول صِلة الموصول الحرفي عليه، وفي جوازهما خلافٌ للنَّحاة، والصحيح
الجوازُ خصوصاً بالظرف المتوسّعِ فيه.
وقيل بجواز العطف على اسم ((أنَّ) ويحتاج حينئذٍ إلى خبر؛ لأنَّ الخبر الأوَّل
لا يصحُّ أن يكون خبراً له، فهو ((في يوسف))، أو ((من قبل))، على معنى: ألم
تعلموا أنَّ تفريطَكم السابقَ وقع في شأن يوسف عليه السلام، أو: أنَّ تفريطكم
الكائنَ أو كائناً في شأن يوسف عليه السلام وقع من قبلُ.
واعتُرض بأنَّ مقتضى المقام إنَّما هو الإخبارُ بوقوع ذلك التفريط، لا بكون
تفريطهم السابقِ واقعاً في شأن يوسف عليه السلام كما هو مفادُ الأول، ولا بكون
تفريطهم الكائن في شأنه واقعاً من قبل كما هو مفاد الثاني.
وفيه أيضاً ما ذكره أبو البقاء وتبعه أبو حيَّن من أنَّ الغايات لا تقع(١) خبراً
ولا صلةً ولا صفةً ولا حالاً، وقد صرَّح بذلك سيبويه سواءٌ جُرَّت أم لم تُجرَّ،
(١) أي: الظروف التي هي غايات، إذا بنيت - أي: إذا كانت مقطوعة - لا تقع ... ، ينظر الدر ..
المصون ٦/ ٥٤٠.

سُوٌَّةُ ◌ُوسُفَ
٤٥٠
الآية : ٨٠
فتقول: يومُ السبت يومٌ مبارك والسفرُ بعدَه، ولا تقول: والسفرُ بعدُ (١).
وأجاب عنه في ((الدرِ المصون)) بأنه إنَّما امتنع ذلك لعدم الفائدة، [وعدمُ
الفائدة] لعدم العلم بالمضاف إليه المحذوفِ، فينبغي الجواز إذا كان المضاف إليه
معلوماً مدلولاً عليه كما في الآية الكريمة (٢).
ورُدَّ بأنَّ جوازَ حذف المضاف إليه في الغايات مشروط بقيام القرينة على تعيين
ذلك المحذوف على ما صرَّح به الرضي، فدلَّ على أن الامتناعَ ليس معلَّلاً بما ذكر.
وقال الشهاب(٣): إنَّ ما ذكروه ليس متَّفقاً عليه؛ فقد قال الإمام المرزوقي في
(شرح الحماسة)): إنها تقع صفاتٍ وأخباراً وصلاتٍ وأحوالاً، ونقل هذا الإعراب
المذكور هنا عن الرمَّاني وغيرِهِ، واستشهد له بما يثبتُه من كلام العرب. ثم إنَّ في
تعرُّفها بالإضافة باعتبارٍ تقدير المضافِ إليه معرفةً يعيِّنه الكلام السَّابق عليها
اختلافاً، والمشهور أنَّها معارف(٤)، وقال بعضهم: نكرات، وإنَّ التقدير: من قبلٍ
شيءٍ، كما في ((شرح التسهيل)). والفاضلُ صاحب ((الدر)) سلك مسلكاً حسناً، وهو
أنَّ المضاف إليه إذا كان معلوماً مدلولاً عليه بأن يكون مخصوصاً معيَّناً، صحَّ
الإخبار لحصول الفائدة، فإنْ لم يتعيَّن بأنْ قامت قرينةُ العموم دونَ الخصوص
وقدِّر: من قبل شيء، لم يصحَّ الإخبار ونحوُه؛ إذ ما [من] شيءٍ إلا وهو قبلَ شيءٍ
ما، فلا فائدةَ في الإخبار، فحينئذ يكون معرفةً ونكرة، ولا مخالفةً بين كلامه وكلام
(١) الإملاء ٣/ ٣٥٥، والبحر ٣٣٦/٥، ونقله المصنف عنهما بواسطة الشهاب في الحاشية
١٩٩/٥. وجاء في هامش الأصل و(م) عند قوله: ولا صلة: أُوْرِد على أنها لا تكون صلة
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ودُفع بأن الصلة قوله سبحانه: ﴿كَانَ
أَكْتَرُهُ مُشْرِكِينَ﴾ و ((من قبل)) ظرفٌ لغوٌ متعلُّقٌ بخبرٍ ((كان))، لا مستقرٍّ صلة. اهـ منه.
(٢) الدر المصون ٦/ ٥٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٩٩/٥، وما بين
حاصرتين منهما .
(٣) في الحاشية ١٩٩/٥- ٢٠٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه. وجاء في هامش الأصل و(م):
وذَكَر بأنه تحقيقٌ حقيقٌ بأن يرسم في دفاتر الأذهان، ويعلَّق في حقائب الحفظ والجنان. اهـ
منه. وهو في الحاشية ٢٠٠/٥ .
(٤) في هامش الأصل و(م): وذكر السيرافي في شرح الكتاب ما يقتضى أن الغايات معارف
لا يقدر ما حذف بعدها إلا معرفة، فتأمل. اهـ منه.

الآية : ٨٠
٤٥١
سُؤَةٌ تُوسُفَ
الرضي، مع أنَّ كلام الرضي غيرُ متفق عليه. انتهى، وهو كما قال: تحقيقٌ نفيس.
وقيل: محلُّ المصدر الرفعُ على الابتداء، والخبرُ ((من قبل)). وفيه البحثُ السابق.
وقيل: ((ما)) موصولة، ومحلُّها من الإعراب ما تقدَّم من الرفع أو النصب،
وجملةُ ((فرَّطتم)) صلتُها، والعائد محذوفٌ، والتفريط بمعنى التقديم من الفَرَط
لا بمعنى التقصير، أي: ما قدَّمتموه من الجناية.
وأُورد عليه أنه يكون قوله تعالى: ((من قبل)) تكراراً؛ فإنْ جُعل خبراً يكون
الكلام غيرَ مفيد، وإن جُعل متعلِّقاً بالصِّلة يلزم مع التكرار تقديمُ متعلّق الصِّلة على
الموصول، وهو غير جائز.
وقيل: ((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ ومحلُّها ما تقدَّم. وفيه ما فيه.
﴿فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ﴾ مفرٌَّ على ما ذكره وذَّر به، و((بَرِحَ)) تامَّة، وتستعمل إذا
كانت كذلك بمعنى ذهب، وبمعنى ظهر كما في قولهم: بَرِحَ الخفاءُ(١)، وقد
ضمّنت هنا معنى فارَقَ فنصبت ((الأرض)» على المفعولية. ولا يجوز أن تكون
ناقصةً؛ لأنَّ الأرض لا يصحُّ أن تكون خبراً عن المتكلِّم هنا، وليست منصوبةً على
الظرفية ولا بنزع الخافض، وعنى بها أرض مصرَ، أي: فلن أفارقَ أرض مصر
جرياً على قضيّة الميثاق.
﴿حَّى يَأْذَنَ لِيّ أَبِ﴾ في البراح بالانصراف إليه ﴿أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِ﴾ بالخروج منها
على وجهٍ لا يؤدِّي إلى نقض الميثاق، أو بخلاص أخي بسببٍ من الأسباب.
قال في ((البحر)): إنَّه غَيًّا ذلك بغايتين: خاصَّةٍ وهي إذنُ أبيه، وعامَّةٍ وهي
حكمُ الله تعالى له، وكأنه بعد أن غيَّا بالأولى رجع وفوَّض الأمرَ إلى مَن له الحكمُ
حقيقةً جلَّ شأنه، وأراد حكمَه سبحانه بما يكون عذراً له ولو الموت(٢).
والظاهر أن أحبَّ الغايتين إليه الأُولى، فلذا قدَّم ((لي)) وأخَره في الثانية،
فلیفهم .
(١) أي: وَضَح الأمر. القاموس (برح).
(٢) البحر ٣٣٦/٥.

سُؤَةُ تُوسُفَ
٤٥٢
الآية : ٨١
إذ لا يحكم سبحانه إلا بالحقِّ والعدل.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ
﴿أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا﴾ له: ﴿يَأَبَاناً إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ﴾ الظاهرُ أنَّ هذا القول
من تتمَّة كلام كبيرهم. وقيل: هو من كلام يوسفَ عليه السلام، وفيه بعدٌ. كما أنَّ
الظاهر أنَّهم أرادوا أنه سرق في نفس الأمر.
﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه ﴿إِلَّا بِمَا عَلِيْنَا﴾ من سرقته وتيقَّنَّاه، حيثُ استُخرج صواعُ
الملك من رَحْله ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ ﴾﴾ وما علمنا أنه سيسرق حين
أعطيناك الميثاقَ، أو: ما علمنا أنَّك ستصاب به كما أُصبت بيوسف.
وقرأ الضحاك: ((سارق)) باسم الفاعل(١).
وقرأ ابنُ عباس وأبو رزين والكسائيُّ في رواية: ((سُرِّق)) بتشديد الراء مبنيّاً
للمفعول(٢)، أي: نُسب إلى السرقة، فمعنى ((وما شهدنا)) إلخ: وما شهدنا إلا بقَدْرِ
ما عَلِمْنا من التسريق، وما كنَّا للأمر الخفيِّ بحافظين: أَسَرق بالصحَّة، أم دُسَّ الُواع
في رحله ولم يشعر؟ واستُحسنت هذه القراءةُ؛ لِمَا فيها من التنزيه، كذا قالوا.
والظاهرُ أنَّ القول باستفادة اليقين من استخراج الُّواع من رَحْلِهِ مما لا يصحُّ،
فكيف يوجبُ اليقين؟ واحتمالُ أنه دُسَّ فيه من غير شعورٍ قائمٌ، جُعِلَ مجرَّدُ وجودٍ
الشيء في يد المدَّعَى عليه بعد إنكاره مُؤْجِباً للسَّرق في شرعهم أوْ لا . قيل:
فالوجهُ أن الظنّ البَيِّنَ قائمٌ مقام العلم، ألا ترى أنَّ الشهادة تجوز بناءً على
الاستصحاب(٣) ويسمَّى علماً، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُهُنَّ مُؤْمِنَةٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]،
وإنما جزموا بذلك لبُعد الاحتمالات المعارِضةِ عندهم، وإذا جُعل الحكم بالسرقة
وكذا علمُهم أيضاً مبنيّاً على ما شاهدوا من ظاهرِ الأمر اتَّحدت القراءتان، ويفسَّر
((وما كنا)) إلخ بما فسِّر به على القراءة الأخيرة.
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٢٧٠، والبحر ٣٣٧/٥.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤١/٢، والمحرر الوجيز ٢٧٠/٣، وتفسير البغوي ٤٤٣/٢،
والبحر ٣٣٧/٥.
(٣) هو الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغير تلك
الحال. أو هو جَعْلُ الحكم الذي كان ثابتاً في الماضي باقياً في الحال حتى يقوم دليل على
تغييره. علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص ٩١.

الآية : ٨٢
٤٥٣
سُؤَلُ لُوسُفَ
وقيل: معنى ((وما شهدنا)) إلخ: ما كانت شهادتُنا في عمرنا على شيء إلَّا
بما عَلِمْنا، وليست هذه شهادةً منَّا إنَّما هي خبرٌ عن صنيع ابنك بزعمِهم،
((وما كنا)) إلخ كما هو. وهو ذهابٌ أيضاً إلى أنَّهم غيرُ جازمين.
وفي ((الكشف)): الذي يشهد له الذوقُ أنهم كانوا جازمين، وقولُهم: (إن يسرق
فقد سرق)) تمهيدٌ بيِّنٌ، وادِّعاءُ العلم لا يُلْزِمُ العلم، فإن كان لبُعْدِ الاحتمالات
المعارِضة فلا يكون كذباً محرَّماً، وإلا فغايتُه الكذبُ في دعوى العِلم، وليس بأوَّل
كذباتهم، وكان قبل أن تنبؤوا ولهذا خوَّنهم الأب في هذه أيضاً، على أنَّ قولهم:
(جزاؤه مَن وُجد في رحله)) مؤكّداً ذلك التأكيدَ يدلُّ على أنَّهم جعلوا الوجدان في
الرحل قاطعاً، وإلَّا كان عليهم أن يقولوا: جزاؤه مَن وُجد في رحله متعدِّياً، أو
سارقاً، ونحوه. فإن يُحتمَلْ عنهم الجزمُ هنالك فلِمَ لا يُحتمل ها هنا؟ اهـ، وفيه
مخالفةٌ لبعض ما نحن عليه، وكذا لِمَا ذكرناه في تفسير ((جزاؤه)» إلخ، ولعلَّ الأمر
في هذا هیِّن.
ومن غريب التفسير أنَّ معنى قولهم: (للغيب)): للَّل، وهو بهذا المعنى في لغة
حِمْير، وكأنَّهم قالوا: وما شهدنا إلا بما علمنا من ظاهر حاله، وما كنّا للَّيل
حافظين، أي: لا ندري ما يقع فيه، فلعلَّه سرق فيه أو دُلِّس عليه. وأنا لا أدري
ما الداعي إلى هذا التفسير المظلم مع تبلّج صبح المعنى المشهور. وأيّاً ما كان
فلامُ (للغيب)) للتقوية، والمرادُ: حافظين الغيب.
﴿وَسَثَلِ الْقَرْيَةَ الَتِى كُنَّا فِهَا﴾ يعنُون كما روي عن ابن عباس وقتادة والحسن
مصرَ، وقيل: قريةً بقربها لحقهم المنادي بها(١). والأوَّل ظاهرٌ على القول بأنَّ
المفتِّش لهم يوسفُ عليه السلام، والثاني ظاهرٌ(٢) على القول بأنَّه المؤذِّن.
وسؤالُ القرية عبارةٌ عن سؤال أهلها: إمَّا مجازاً في ((القرية)» لإطلاقها عليها(٣)
بعلاقةِ الحالّة والمحليّة أو في النِّسبة، أو يقدَّر فيه مضافٌ، وهو مجازٌ أيضاً عند
(١) في الأصل: لها، وفي تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٠٠/٥: فيها، وفي تفسير
أبي السعود ٣٠١/٤: عندها.
(٢) في (م): الظاهر.
(٣) أي: على أهلها. حاشية الشهاب ٢٠٠/٥.

سُودَةُلُوسُفَ
٤٥٤
الآية : ٨٢
سيبويه (١) وجماعةٍ. وفي ((المحصول)) وغيره: أنَّ الإضمار والمجازَ متباينان ليس
أحدُهما قسماً من الآخر(٢). والأكثرون على المقابلة بينهما.
وأيّاً ما كان فالمسؤول عنه محذوفٌ للعلم به، وحاصل المعنى: أرسلْ مَن تثقُ
به إلى أهل القرية واسألهم عن القصّة.
﴿وَأَلْغِيَرَ الَّتِّيَّ أَقْنَا فِيًّا﴾ أي: أصحابَها الذين توجَّهنا فيهم وكنّا معهم، فإن
القصَّة معروفةٌ فيما بينهم. وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوبَ عليه السلام.
وقيل: من أهل صنعاءَ، والكلام هنا في التجوُّز والإضمار كالكلام سابقاً .
وقيل: لا تجوُّزَ ولا إضمارَ في الموضعين، والمقصود إحالةُ تحقيق الحال
والاطلاع على كُنْه القصّة على السؤال من الجمادات والبهائم أنفسِها، بناءً على أنه
عليه السلام نبيٌّ فلا يبعدُ أن تنطقَ وتخبرَه بذلك على خرقِ العادة.
وتُعقّب بأنَّه مما لا ينبغي أن يكون مراداً ولا يقتضيه المقام؛ لأنَّه ليس بصدد
إظهار المعجزة.
وقال بعض الأجلَّة: الأولى إبقاءُ ((القرية)) و((العير)) على ظاهرهما وعدمُ إضمار
مضافٍ إليهما، ويكونُ الكلام مبنيّاً على دعوى ظهورِ الأمر بحيث إن الجمادات
والبهائم قد علمت به. وقد شاع مثلُ ذلك في الكلام قديماً وحديثاً، ومنه قول ابن
الدُّمَيْنَة :
به البانُ هل حيَّيتُ أطلال دارِكِ(٣)
سلِ القاعةَ الوعسا من الأجرعِ الذي
و قوله :
(١) في الكتاب ٢٤٧/٣.
(٢) نقله المصنف عن البحر ٣٣٧/٥، وفيه: وفي المحصول لأبي عبد الله محمد الرازي وفي
مختصراته أن الإضمار ... ، وينظر المحصول ٣٥٩/١.
(٣) ديوان ابن الدمينة ص ١٣، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣٠٧/٣، والحماسة البصرية
١٠٧/٢، واختلفت الرواية في صدر البيت في المصادر. وقوله: الأجرع، قال المرزوقي:
الأجرع من الأماكن: السهل المختلط بالرمل. اهـ. والوعساء: رابية من رمل لينةٌ.
والوعساء موضع معروف بين الثعلبية والخزيمية على جادة الحاجّ، وهي شقائق رمل متصلة.
التاج (وعس).

الآية : ٨٣
٤٥٥
سُؤْرَةُ تُوسُفَ
سلوا مضجعي عنِّي وعنها فإنَّنا رضينا بما يُخبِرْنَ عنَّا المَضَاجِعُ(١)
وقوله :
واسأل نجوم اللیل ھلْ زار الگرَی
جَفْني وكيف يزورُ مَن لم يَعْرِفِ (٢)
ولا يخفى أنَّ مثلَ هذا لا يخلو عن ارتكاب مجازٍ. نعم هو معنّى لطيفٌ بَيْد أن
الجمهورَ على خلافه، وأكثرُهم على اعتبار مجازِ الحذف.
﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴾﴾ فيما أخبرناك به، وليس المرادُ إثباتَ صدقهم بما ذكر
حتى يكون مصادرة (٣)، بل تأكيدَ صدقهم بما يفيد ذلك من الاسميَّة و((إنَّ)) واللام،
وهو مرادُ مَن قال: إنه تأكيدٌ في محلِّ القسم. ويحتمل - على ما قيل - أن يريد أنَّ
هنا قَسَماً مقدَّراً.
وقيل: المرادُ الإثباتُ ولا مصادرةَ، على معنى: إنَّا قومٌ عادتُنا الصِّدق،
فلا يكون ما أخبرناك به كذباً، ولا نظنُّك في مريةٍ من عدمٍ قبوله.
﴿قَالَ﴾ أي: أبوهم عليه السلام، وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ ممَّا سبق،
فكأنه قيل: فماذا كان عند قولِ ذلك القائل للإخوة ما قال؟ فقيل: قال أبوهم
عندما رجعوا إليه فقالوا له ما قالوا: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وإنما حذف
للإيذان بأنَّ مسارعتهم إلى قبول كلام ذلك القائل ورجوعَهم به إلى أبيهم أمرٌ مسلّم
غنيٌّ عن البيان، وإنما المحتاج إليه جوابُه.
يروى أنَّهم لمَّا عزموا على الرجوع إلى أبيهم، قال لهم يوسفُ عليه السلام:
إذا أتيتم أباكم فاقرؤوا عليه السلام، وقولوا له: إن ملك مصرَ يدعو لك أن لا تموت
حتى ترى ولدكَ يوسف؛ ليعلم أنَّ في أرض مصرَ صدِّيقين مثله. فساروا حتى
وصلوا إليه فأخبروه بجميع ما كان، فبكى وقال ما قال.
و((بل)) للإضراب، وهو - على ما قيل - إضرابٌ لا عن صريح كلامهم فإنَّهم
صادقون فيه، بل عمَّا يتضمَّنه من ادِّعاء البراءة عن التسبُّب فيما نزل به، وأنه لم
(١) البيت الشريف الرضي، وهو في ديوانه ٦٥٨/١.
(٢) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ١٥١ .
(٣) في حاشية الشهاب ٢٠١/٥ (والكلام منه): حتى يكون مصادرة لإثبات الشيء بنفسه.

سُوٌَّةُ تُوسُفَ
٤٥٦
الآية : ٨٣
يصدر عنهم ما أدَّى إلى ذلك من قولٍ أو فعلٍ، كـ : إنَّه لم يكن الأمرُ كذلك، بل
زيَّنت وسهَّلت لكم أنفسكم أمراً من الأمور فأتيتموه، يريد بذلك فُتياهم بأخذٍ
السّارق بسرقته، وليس ذلك من دین الملك.
وقال أبو حيَّان: إنَّ هنا كلاماً محذوفاً وقع الإضراب عنه، والتقدير: ليس
[الأمر] حقيقةً كما أخبرتم، بل سوَّلت إلخ(١). وهو عند ابن عطية - وادَّعَى أَنَّه
الظاهر، على حدٍّ ما قال في قصة يوسف عليه السلام - ظنُّ سوءٍ بهم، خلا أنه عليه
السلام صدقَ ظُّه هناك ولم يتحقَّق هنا(٢).
وذكر ابن المنيِّر(٣) في توجيه هذا القول ها هنا مع أنَّهم لم يتعمَّدوا في
حقِّ بنيامين سوءاً، ولا أخبروا أباهم إلا بالواقع على جليَّته، وما تركوه بمصر
إلا مغلوبين عن استصحابه: إنهم كانوا عند أبيهم عليه السلام حينئذٍ متَّهمين، وهم
قُمُنَّ باتِّهامه لِمَا أسلفوه في حقِّ يوسف عليه السلام، وقامت عنده قرينةٌ تؤكِّد التهمةَ
وتقوِّيها، وهي أخذُ الملك له في السرقة، ولم يكن ذلك إلَّا من دينه، لا من دينه
ولا من دينٍ غيرهٍ من الناس(٤)، فظنَّ أنهم الذين أفتَوه بذلك بعد ظهور السرقة التي
ذكروها تعمُّداً ليتخلَّف دونهم، واتهامُ مَنْ هو بحيث يتطرَّق إليه التهمة لا جرحَ فيه،
لاسيما فيما يرجع إلى الوالد مع الولد.
ثم قال: ويحتمل أن يكون الوجهُ الذي سوَّغْ له هذا القولَ في حقِّهم أنَّهم
جعلوا مجرَّد وجود الصُّواع في رحل مَنْ يوجد في رحله سرقةً، من غير أن يحيلوا
الحكم على ثبوت كونه سارقاً بوجهٍ معلوم، وهذا في شرعنا لا يُثْبِتُ السرقة على
مَن ادُّعيت عليه، فإن كان في شرعهم أيضاً كذلك ففي عدم تحرير الفتوى إشعارٌ
بأنّهم كانوا حِراصاً على أخذه، وهو من التسويل وإن اقتضى ذلك في شرعهم،
فالعُمدة على الجواب الأول.
(١) البحر ٣٣٧/٥، وما بين حاصرتين منه.
(٢) المحرر الوجيز ٢٧١/٣.
(٣) في الانتصاف ٣٣٨/٢.
(٤) العبارة في الانتصاف: ولم يكن ذلك إلا من دين يعقوب لا من دين غيره من الناس ولا من
عادتهم ...

الآية : ٨٤
٤٥٧
سُؤَلُّ لُوسُفَ
هذا والتنوينُ في ((أمراً)) للتعظيم، أي: أمراً عظيماً. ﴿فَصَبْرٌ جميلٌ﴾ أي:
فأمري ذلك، أو: فصبرٌ جميلٌ أجملُ، وقد تقدَّم تمامُ الكلام فيه فتذَّر.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بيوسفَ وأخيه بنيامين والمتوقّفِ بمصر
الذي يبتلي ويرفع البلاءَ حسب
﴿إِنَّهُ, هُوَ اَلْعَلِيمُ﴾ بحالي وحالِهِم ﴿اَلْحَكِيمُ (
الحكمة البالغة.
قيل: إنما ترجَّى عليه السلام للرؤيا التي رآها يوسفُ عليه السلام، فكان
ينتظرها ويُحسنُ ظنَّه بالله تعالى، لاسيما بعد أن بلغَ الشِّظاظ الوركين، وجاوز
الحزامُ الطَّبْيَيْنِ (١)، فإنَّه قد جرتْ سنَّته تعالى أنَّ الشِّدة إذا تناهت يَجْعَلُ وراءَها
فرجاً عظيماً، وانضمَّ إلى ذلك ما أُخبر به عن ملك مصر أنَّه يدعو له أن لا يموت
حتَّی یری ولده.
﴿وَتَوَلَّ﴾ أي: أعرض ﴿عَنْهُمْ﴾ كراهةً لِمَا جاؤوا به ﴿وَقَالَ بَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾
الأسفُ: أشدُّ الحزن على ما فات، والظاهر أنه عليه السلام أضافه إلى نفسه،
والألفُ بدلٌ من ياء المتكلِّم للتخفيف، والمعنى: يا أسفي تعالَ فهذا أوانك.
وقيل: الألف ألفُ النُّدبة والهاءُ محذوفةٌ. والمعوَّل عليه الأوَّل.
وإنَّما تأسَّف على يوسف مع أنَّ الحادثَ مصيبةُ أخويه؛ لأنَّ رزأه كان قاعدةَ
الأرزاء عنده وإن تقادَم عهدُه آخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولا يزولُ عن فكره أبداً :
ولَمْ تُنْسِني أَوْفَى المصيباتُ بَعْدَه ولكنَّ نَكْءَ القَرْحِ بِالقَرْحِ أوجعُ(٢)
(١) هذان مثلان يضربان فيما جاوز الحد، وهما كقولهم: بلغ السيل الزبى، ينظر مجمع الأمثال
١٦٦/١ و١٢٤/٢. والشظاظ: عُوَيد محدَّدُ الطَّرَف، يُدْخَل في عروة الجُوَالقين فيَجمع
بينهما عند حملهما على البعير. والجُوَالق معرب جوال: وعاء من أوعية الطعام. والطّيُ:
حلمات الضرع التي فيها اللبن من ذي خفٍّ أو ظلف أو حافر أو سبع، جمعها أَظْبَاء،
وقولهم عند اشتداد الأمر: بلغ الحزام الطّبيين؛ لأن الحزام إذا انتهى إلى الطبيين فقد انتهى
إلى أبعد غاية، فكيف إذا جاوز؟ معجم متن اللغة (شظظ) و(جولق) و(طبا).
(٢) البيت ينسب لهشام أخي ذي الرُّمَّة كما في الكامل للمبرد ١/ ٣٤٠، وعيون الأخبار ٦٧/٣،
وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٧٩٣/٢، وللتبريزي ١٤٧/٢. ونسب لأخيه مسعود في
الأغاني ٣/١٨، وطبقات الفحول ٥٦٦/٢، والشعر والشعراء ٥٢٨/١. وأوفى: هو اسم
أُخیھم.

سُورَةٌ يُوسُفَ
٤٥٨
الآية : ٨٤
ولا يَرِدُ أنَّ هذا منافٍ لمنصب النبوّة؛ إذ يقتضي ذلك معرفةَ الله تعالى، ومَن
عرفه سبحانه أحبَّه، ومَن أحبَّه لم يتفرَّغ قلبُه لحبِّ ما سواه = لما قيل: إنَّ هذه محبّةٌ
طبيعيَّةٌ، ولا تأبى الاجتماع مع حبِّه تعالى.
وقال الإمام: إنَّ مثل هذه المحبَّة الشديدة تزيلُ عن القلب الخواطرَ، ويكون
صاحبُها كثيرَ الرجوع إليه تعالى، كثيرَ الدعاء والتضرُّع، فيصير ذلك سبباً لكمال
الاستغراق(١). وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم في
هذا المقام في باب الإشارة.
وقيل: لأنَّه عليه السلام كان واثقاً بحياتهما، عالماً بمكانهما، طامعاً بإيابهما،
وأمَّا يوسفُ فلم يكن في شأنه ما يحرِّك سلسلةَ رجائه سوى رحمةِ الله تعالى
وفضله. وفیه بحث.
وأخرج الطبرانيُّ وابن مردويه والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن سعيد بن جبير:
لم تُعْطَ أمةٌ من الأمم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] إلا أمَّةُ محمد ◌َِّ(٢).
أي: لم يَعْلَموه ولم يوقَّقوا له عند نزول المصيبة بهم، ألا يُرى إلى يعقوب عليه
السلام حین أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال ما قال؟
وفي ((أسفا)) و((يوسف)) تجنيسٌ نفيسٌ من غير تكلُّفٍ، وهو مما يزيد الكلامَ
الجليل بهجةً.
﴿وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: بسببه، وهو في الحقيقة سببٌ للبكاء،
والبكاءُ سببٌ لابْيِضَاض عينه، فإنَّ العَبْرةَ إذا كثُرتْ محقتْ سوادَ العين وقَلَبتْه إلى
بياضٍ كدرٍ، فأقيم سببُ السبب مقامَه؛ لظهوره.
والابيضاضُ قيل: إنه كناية عن العمى، فيكون قد ذهب بصرُه عليه السلام
(١) تفسير الرازي ٢٠٠/١٨.
(٢) شعب الإيمان (٩٦٩١). وهو في المعجم الكبير (١٢٤١١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن
عباس عن النبي ◌َّل، وإسناده ضعيف، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٠/٢: فيه
محمد بن خالد الطحان، وهو ضعيف. اهـ. وقال البيهقي: رفعه بعض الضعفاء إلى ابن
عباس ثم إلى النبي وَلـ

الآية : ٨٤
٤٥٩
سُؤَُّ لُوسُفَ)
بالكلِّيَّة، واستظهره أبو حيَّان؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَرْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] وهو يقابل
بالأعمى(١).
وقيل: ليس كنايةً عن ذلك، والمرادُ من الآية أنه عليه السلام صارت في عينيه
غشاوةٌ بَيَّضَتْهما، وكان عليه السلام يدركُ إدراكاً ضعيفاً. وقد تقدَّم الكلامُ في حكم
العَمى بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلام(٢).
وكان الحسن ممَّن يرى جوازه؛ فقد أخرج عبد الله بن أحمد في ((زوائده)) وابنُ
جرير وأبو الشيخ عنه قال: كان منذ خرج يوسفُ من عند يعقوبَ عليهما السلام إلى
يوم رجع ثمانون سنةً لم يفارق الحزنُ قلبَه، ودموعُه تجري على خدَّيه، ولم يزلْ
يبكي حتى ذهب بصرُه، وما على الأرض يومئذٍ واللهِ أكرم على الله تعالى منه (٣).
والظاهر أنه عليه السلام لم يحدث له هذا الأمرُ عند الحادث الأخير، ويدلُّ
عليه ما أخرجه ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن ليث بن أبي سليم: أنَّ جبريل عليه
السلام دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه، فقال له: أيُّها المَلَكُ
الكريم على ربِّه هل لك علمٌ بيعقوب؟ قال: نعم. قال: ما فَعَل؟ قال: ابيضَّتْ
عيناه من الحُزن عليك. قال: فما بلغ من الحزن؟ قال: حُزْنَ سبعين مُنْكَلةً. قال:
هل له على ذلك من أجرٍ؟ قال: نعم، أجرُ مئةٍ شهيد(٤).
وقرأ ابنُ عباس ومجاهد: ((من الحَزَن)) بفتح الحاء والزاي. وقرأ قتادةُ
بضمّهما(٥).
واستُدلَّ بالآية على جواز التأسُّف والبكاءِ عند النوائب، ولعلَّ الكفَّ عن أمثال
ذلك لا يدخلُ تحت التكليف، فإنه قلَّ مَن يملك نفسه عند الشدائد.
وقد روى الشيخان من حديث أنس أنه وَّهِ بكى على ولدِه إبراهيم، وقال: ((إنَّ
(١) البحر ٣٣٨/٥.
(٢) ص٧٢-٧٣ من هذا الجزء.
(٣) الزهد لأحمد ص ١٠٧، وتفسير الطبري ٣١٣/١٣، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر
٣٠/٤.
(٤) تفسير الطبري ٣٠٩/١٣-٣١٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٨٦/٧.
(٥) القراءتان في البحر ٣٣٨/٥.

سُوَالُلُوسُف
٤٦٠
الآية : ٨٤
العين تدمعُ، والقلبَ يخشع، ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربَّنا، وإنا لفراقك يا إبراهيمُ
لمحزونون»(١).
وإنَّما المنهيُّ عنه ما يفعله الجهلةُ من النِّياحة ولطم الخدود والصدور، وشقِّ
الجيوب، وتمزيقٍ الثياب.
ورَوَيا أيضاً من حديث أسامة أنَّه ◌ِ وَّهِ رُفع إليه صبيٍّ لبعض بناتِهِ يجودُ بنفسه،
فأقعده في حِجْره ونفسُه تتقعقع كأنَّها في شنٍّ، ففاضتْ عيناه عليه الصلاة والسلام،
فقال سعد: يا رسولَ الله، ما هذا؟ فقال: ((هذهِ رحمةٌ جعلها الله تعالى فيمَن شاء
من عباده، وإنَّما يرحم الله تعالى من عباده الرُّحماء))(٢).
وفي ((الكشاف)) أنه قيل له عليه الصلاة والسلام: تبكي وقد نَهيْتَنا عن البكاء؟
قال: ((ما نهيتكم عن البكاء، وإنَّما نهيتكم عن صوتين أحمقين؛ صوتٍ عند الفرح
وصوتٍ عند التّرَح))(٣).
وعن الحسن أنَّه بكى على ولدٍ أو غيرِهِ، فقيل له في ذلك، فقال: ما رأيتُ الله
تعالى جعلَ الحزنَ عاراً على يعقوب عليه السلام.
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾﴾﴾ أي: مملوءٌ من الغيظ على أولادِه، ممسكٌ له في قلبه
لا يُظْهِره. وقيل: مملوء من الحزن ممسكٌ له لا يبديه. وهو من كَظَم السِّقاء: إذا
شدَّه بعد مَلْئه. ففعيل بمعنى مفعول، أي: مكظوم. فهو كما جاء في يونس عليه
السلام: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨].
ويجوز أن يكون بمعنى فاعِل كقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] من
كظَمَ الغيظَ: إذا تجرَّعه، أي: شديدُ التجرُّع للغيظ أو الحزن؛ لأنه لم يشكُه إلى
أحدٍ قظُ. وأصله من كَظَم البعيرُ جرَّته: إذا ردَّها في جوفه، فكأنه عليه السلام يردُّ
(١) صحيح البخاري (١٣٠٣)، وصحيح مسلم (٢٣١٥)، وهو عند أحمد (١٣٠١٤).
(٢) صحيح البخاري (١٢٨٤)، وصحيح مسلم (٩٢٣)، وهو عند أحمد (٢١٧٧٦).
(٣) الكشاف ٣٣٩/٢، وأخرج نحوه عبد بن حميد (١٠٠٦)، والترمذي (١٠٠٥) من حديث
جابر ظه، وفيه: (( ... ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة؛ لهوٍ
ولعبٍ ومزامير شيطان. وصوت عند مصيبة: خمش وجوهٍ وشقِّ جيوبٍ ورنة شيطان ... ))
قال الترمذي: حديث حسن.