Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ٦٩
٤٢١
سُؤَةٌ مُوسُفَ
أيضاً لا يُعْلَم، وإنَّما طُويَ عِلْمُه حتى لا يُشارَكَ الحقُّ في عِلْم حقائق الأشياء من
طريق الإحاطة بها، إذ لو عُلم أيُّ معلومٍ كان بطريقِ الإحاطة من جميع وجوهِه
كما يعلمه الحقُّ، لَمَا تميَّز عِلْمُ الحقِّ عن عِلْمِ العبد بذلك الشيء، ولا يلزمنا على
هذا الاستواءُ فيما عُلِمَ منه، فإنَّ الكلام فيما عُلم كذلك(١)، فإن العبد جاهلٌ بكيفية
تعلُّق العلم مطلقاً بمعلومه، فلا يصحُّ أن يقع الاشتراكُ مع الحقِّ في العلم بمعلوم
ما، ومن المعلومات العِلْمُ بالعلم، وما من وجهٍ من المعلومات إلا وللقَدَر فيه حكمٌ
لا يعلمه إلا هو سبحانه، فلو عُلم القَدَر عُلمتْ أحكامُه، ولو عُلِمت أحكامُه
لاستقلَّ العبدُ في العلم بكلِّ شيء، وما احتاج إليه سبحانه في شيء، وكان له الغنى
على الإطلاق. وسِرُّ القَدَر عينُ تحكّمه في الخلائق، وأنه لا ينكشفُ لهم هذا السرُّ
حتى يكون الحقُّ بصَّرهم.
وقد ورد النهي عن طلب علم القَدَر، وفي بعض الآثار أنَّ عُزيراً عليه السلام
كان كثيرَ السؤال عنه إلى أن قال الحقُّ سبحانه له: يا عزيرُ، لئن سألتَ عنه لأمحونَ
اسمَك من ديوان النبوّة.
ويَقْرُبُ من ذلك السؤالُ عن علل الأشياء في تكويناتها(٢)، فإنَّ أفعالَ الحقِّ
لا ينبغي أن تعلَّل، فإنَّ ما ثمَّ علَّةٌ موجبةٌ لتكوين شيءٍ إلا عينُ وجود الذَّات، وقبول
عين الممكن لظهورٍ الوجود، والأزلُ لا يقبل السؤال عن العلل، والسؤال عن ذلك
لا يصدر إلا عن جاهلٍ بالله تعالى، فافهم ذاك، والله سبحانه يتولَّى هداك.
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَخَاءٌ﴾ بنيامين، قال
المفسّرون: إنَّهم لمَّا دخلوا عليه - عليه السلام - قالوا: أيُّها الملك هذا أخونا
الذي أمرْتنا أنْ نأتيك به قد جئناك به. فقال لهم: أحسنتم وأصبتم وستجدون
ذلك عندي. وبلَّغوه رسالةً أبيهم، فإنه عليه السلام لمَّا ودَّعوه قال لهم: بلِّغوا
ملكَ مصرَ سلامي، وقولوا له: إنَّ أبانا يصلِّي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعكَ
معنا .
(١) في الفتوحات: فإن الكلام فيما عُلم منه على ذلك.
(٢) في (م): مكوناتها، والمثبت من الأصل والفتوحات.

سُوَلُ بُوسُفَ
٤٢٢
الآية : ٦٩
وقال أبو منصور المهراني(١): إنَّه عليه السلام خاطبه بذلك في كتاب، فلمَّا
قرأه يوسفُ عليه السلام بكى.
ثَمَّ إنه أكرمهم وأنزلهم وأحسنَ نُزُلَهم، ثمَّ أضافهم وأجلس كلَّ اثنين منهم على
مائدةٍ، فبقي بنيامين وحيداً، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيّاً لأجلسني معه.
فقال يوسف عليه السلام: بقي أخوكم وحدَه. فقالوا له: كان له أخٌ فهلك. قال:
فأنا أُجلسه معي. فأخذه وأجلسه معه على مائدةٍ وجعل يؤاكله. فلما كان الليلُ
أمرهم بمثل ذلك، وقال: ينام كلُّ اثنين منكم على فراش، فبقي بنيامين وحدَه،
فقال: هذا ينام عندي على فراشي. فنام مع يوسف عليه السلام على فراشه، فجعل
يوسفُ عليه السلام يضمُّه إليه ويشمُّ ريحه حتى أصبح، وسأله عن ولده، فقال: لي
عشرةُ بنين اشتققتُ أسماءهم من اسمٍ أخٍ لي هلك. فقال له: أتحبُّ أن أكون أخاك
بدلَ أخيك الهالك؟ قال: مَن يجدُ أَخاًّ مثلك أيُّها الملك؟ ولكن لم يلدْكَ يعقوبُ
ولا راحيل. فبكى يوسفُ عليه السلام وقام إليه وعانقه وتعرَّف إليه.
عند ذلك ﴿قَالَ إِنَّ أَنَاْ أَخُوَكَ﴾ يوسف ﴿فَلَا تَبْتَبِسْ﴾ أي: فلا تحزن ﴿بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ بنا فيما مضى، فإنَّ الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا على
خير، ولا تُعْلِمْهم بما أَعْلَمتُك.
والقولُ بأنه عليه السلام تعرَّف إليه وأعْلَمه بأنَّه أخوه حقيقةً هو الظاهر، وروي
عن ابن عبّاس وابن إسحاق وغيرهما، إلا أنَّ ابن إسحاق قال: إنَّه عليه السلام قال
له بعدَ أن تعرَّف إليه: لا تُبالِ بكلِّ ما تراه من المكروه في تحيُّلي في أخذك منهم.
قال ابنُ عطية: وعلى هذا التأويل يحتملُ أن يشير بـ ((ما كانوا يعملون)) إلى ما يعمله
فتيانُه عليه السلام من أمر السِّقاية ونحو ذلك(٢). وهو لَعمري ممَّا لا يكادُ يقول به
مَن له أدنى معرفةٍ بأساليب الكلام.
(١) نصر بن بكر بن أحمد الواعظ، سمع من جدِّه أحمد بن الحسين بن مهران إمام القراء
ومصنفهم في وقته، وروى عنه كتاب الغاية من تصنيفه، وسمع من أبي سعيد الرازي
الصوفي وطبقته، توفي سنة (٤٤٧هـ). المنتخب من السياق من تاريخ نيسابور ص ٧٠٩.
وقوله في المحرر الوجيز ٢٦٢/٣، والبحر ٣٢٥/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٢٦٣/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٣٢٨/٥.

الآية : ٧٠
٤٢٣
سُؤَادَةُ تُوسُفَ
وقال وهب: إنَّما أَخْبَر عليه السلام أنَّه قائمٌ مقامَ أخيه الذاهب في الودِّ ولم
یکشف إليه الأمرَ.
ومعنى ((لا تبتئس)) إلخ: لا تحزن بما كنتَ تلقاه منهم من الحسد والأذى فقد
أَمِنْتَهم. وروي أنه قال ليوسف عليه السلام: أنا لا أفارقك. قال: قد علمتَ
اغتمام والدي، فإذا حبستُك ازداد غمُّه، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى
ما لا يَجْمُلُ، قال: لا أبالي، فافعل ما بدا لك. قال: فإنِّي أدسُّ صاعي في
رحلك، ثمَّ أنادي عليك بأنَّك سرقته ليتهيَّ لي ردُّك بعد تسريحك معهم. قال:
افعل.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِهَازِهِمْ﴾ ووفَّى لهم الكيلَ وزاد كلَّ منهم - على ما روي - حملَ
بعير ﴿جَعَلَ اُلْسِّقَايَةَ﴾ هي إناءٌ يشرب به الملكُ، وبه كان يُكال الطعامُ للناس،
وقيل: كانت تُسقى بها الدوابُّ ويُكال بها الحبوب.
وكانت من فضَّةٍ مرصَّعةٍ بالجواهر على ما روي عن عكرمةً، أو بدون ذلك
كما روي عن ابن عبّاس والحسن. وعن ابن زيد أنَّها من ذهب. وقيل: من فضَّةٍ
مموَّهة بالذهب. وقيل: كانت إناءً مستطيلةً تشبهُ المكوك الفارسيَّ الذي يلتقي طرفاه
يستعمله الأعاجم، يُروى أنَّه كان للعباس مثلُه يَشْرَبُ به في الجاهلية.
ولعزَّة الطعام في تلك الأعوام قَصَر كيله على ذلك، والظاهر أنَّ الجاعل هو
يوسفُ عليه السلام نفسُه، ويظهرُ من حيث كونُه ملكاً أنه عليه السلام لم يباشر
الجعلَ بنفسه بل أمر أحداً فجعلها ﴿فِ رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين من حيثُ يشعر أو
لا يشعر.
قرىء: ((وجَعَل)) بواو(١). وفي ذلك احتمالان:
الأول: أن تكون الواوُ زائدةً على مذهب الكوفيين، وما بعدها هو جوابُ
«لمّا)».
والثاني: أن تكون عاطفةً على محذوفٍ وهو الجوابُ، أي: فلمَّا جهّزهم
أمهلهم حتى انطلقوا وجعل.
(١) الكشاف ٣٣٤/٢، والبحر ٣٢٩/٥ عن ابن مسعود

سُوُدَلةُ تُوسُفَ
٤٢٤
الآية : ٧٠
(ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنَّ﴾ نادى مُسْمِعٌ كما في (مجمع البيان))(١). وفي ((الكشاف))
وغیرِه: نادى منادٍ(٢).
وأُورد عليه أنَّ النحاة قالوا: لا يقال: قام قائمٌ؛ لأنه لا فائدةَ فيه. وأُجيب بأنَّهم
أرادوا أنَّ ذلك المنادي من شأنِهِ الإعلامُ بما نادى به، بمعنى أنَّه موصوفٌ بصفةٍ مقدَّرةٍ
تُّ بها الفائدةُ، أي: أَذَّن رجلٌ معيَّنٌ للأذان: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ
﴾.
٧٠
وقد يقال: قياسُ ما في النَّظم الجليل على المثال المذكور ليس في محلِّه،
وكثيراً ما تتمُّ الفائدةُ بما ليس من أجزاء الجملة، ومنه قولُه ◌ِالجر: ((لا يزني الزاني
وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ وهو مؤمن))(٣).
والعير: الإبل التي عليها الأحمالُ، سمِّيت بذلك لأنَّها تَعِيرُ، أي: تذهب
وتَجيء، وهو اسم جمع لذلك لا واحدَ له، والمراد هنا أصحابُ العير، كما في
قوله وَله: ((يا خيل الله اركبي))(٤) وذلك إمَّا من باب المجاز أو الإضمارِ، إلا أنَّه
نظر إلى المعنى في الآية(٥)، ولم ينظر إليه في الحديث(٦).
وقيل: العير قافلةُ الحمير، ثمَّ توسِّع فيها حتى قيلت لكلِّ قافلةٍ(٧)، كأنَّها جمع
عَيْر بفتح العين وسكون الياء: وهو الحمار، وأصلُها: عُيُر بضمِّ العين والياء،
استُثُقِلت الضمَّةُ على الياء فحُذفت، ثمَّ كُسرت العين لِثِقَل الياء بعد الضمَّة، كما فُعل
في بِيْضٍ جمع أَبْيَض، وغِيْدٍ جمع أَغْيَد. وحملُ العير هنا على قافلة الإبل هو
المرويُّ عن الأكثرين، وعن مجاهد أنها كانت قافلةً حمير.
(١) ١٣/ ٩٥.
(٢) الكشاف ٢/ ٣٣٤.
(٣) أخرجه أحمد (١٠٢١٦)، والبخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٦٣/٨ عن سعيد بن جبير مرفوعاً، وأخرجه الحاكم في
المستدرك ٣٦٦/٢ من حديث علي له. وهو عند البيهقي في الدلائل ١٨٧/٤ من طريق
ابن إسحاق، وفيه: ارْكَبُوا. بدل: ارْكَبِي. وقال في النهاية ٩٤/٢: هذا على حذف
المضاف، أراد: يا فرسان خيل الله اركبي. وهذا من أحسن المجازات وألطفها.
(٥) في هامش الأصل و(م): فقيل: ((إنكم لسارقون)). اهـ منه.
(٦) في هامش الأصل و(م): فقيل: اركبي، دون: اركبوا.
(٧) في هامش الأصل و(م): وقيل: تُجوِّز بها لقافلة الحمير، فتأمل. اهـ منه.

الآية : ٧١
٤٢٥
سُورَةُ لُوسُفَ
والخطاب بـ ((إنكم لسارقون)) إن كان بأمرٍ يوسفَ عليه السلام، فلعلَّه أُريد
بالسرقة أخذُهم له من أبيه على وجه الخيانة كالسُّرَّاق، ودخولُ بنيامين فيه بطريق
التغليب، أو أريد سرقةُ السقاية(١)، ولا يضرُّ لزومُ الكذب؛ لأنَّه إذا تضمَّن مصلحةً
رخّص فيه، وأمَّا كونُه برضا أخيه فلا يدفعُ ارتكاب الكذب وإنما يدفع تأذِّيَ الأخ
منه. أو يكون المعنى على الاستفهام، أي: أئنكم لسارقون؟ ولا يخفى ما فيه من
البُعد. وإلا فهو من قِبَل المؤذِّن بناءً على زعمه. قيل: والأول هو الأظهر الأوفق
للسياق.
وفي ((البحر)): الذي يظهر أنَّ هذا التحيُّل، ورميَ البُرآء بالسرقة، وإدخالَ الهمِّ
على يعقوب عليه السلام، بوحي من الله تعالى لِمَا علم سبحانه في ذلك من الصَّلاح
ولِمَا أراد من محنتِهم بذلك، ويؤْيِّده قولُه سبحانه: (كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفٌَ)(٢).
وقرأ اليماني: ((إنكم سارقون)) بلا لام(٣).
﴿قَالُواْ﴾ أي: الإخوةُ ﴿وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على طالبي السِّقاية، المفهوم من
الكلام، أو على المؤذِّن إن كان أُريد منه جمعٌ، كأنه عليه السلام جعلَ مؤذِّنینَ
ينادون بذلك على ما في ((البحر))(٤).
والجملة في موضع الحال من ضمير ((قالوا))، جيء بها للدلالة على انزعاجهم
ممَّا سمعوه لمباينته لحالهم، أي: قالوا مُقْبِلِينَ عليهم: ﴿مَّاذَا تَّفْقِدُونَ ﴾﴾ أي:
أيَّ شيءٍ تفقدون، أو: ما الذي تفقدونه؟
والفقدُ كما قال الراغبُ: عدمُ الشيء بعدَ وجوده، فهو أخصُّ من العدم؛ فإنه
يقال له ولِمَا لم يوجد أصلاً(٥). وقيل: هو عدمُ الشيء، بأن يضلَّ عنك لا بفعلِك.
وحاصلُ المعنى: ما ضاع منكم؟ وصيغةُ المستقبل لاستحضار الصورة.
(١) في هامش الأصل و(م): والكلام من قبيل: بنو فلان قتلوا فلاناً، فتدبر. اهـ منه.
(٢) البحر ٣٢٩/٥.
(٣) ذكرها أبو السعود في تفسيره ٢٩٤/٤.
(٤) ٣٢٩/٥.
(٥) مفردات الراغب (فقد).

سُوَةُ لُوسُفَ
٤٢٦
الآية : ٧٢
وقرأ السُّلمي: (تُفْقِدون)) بضمِّ التاء(١)، من أفقدتُه: إذا وجدتَه فقيداً، نحو
أحمدتُه: إذا وجدتَه محموداً. وضعَّف أبو حاتم (٢) هذه القراءة، ووَجْهُها ما ذُكر.
وعلى القراءتين فالعدولُ عمَّا يقتضيه الظاهر من قولهم: ماذا سُرق منكم - على
ما قيل - لبيانِ كمالِ نزاهتهم بإظهارِ أنَّه لم يُسرق منهم شيءٌ فضلاً عن أن يكونوا
هم السارقين له، وإنَّما الممكن أن يضيع منهم شيء فيسألونهم: ماذا .. ؟
وفيه إرشادٌ لهم إلى مراعاة حُسن الأدب والاحترازِ عن المجازفة ونسبةِ البُرآء
إلى ما لا خيرَ فيه، لاسيما بطريق التأكيد، فلذلك غيّروا كلامهم حيث قالوا في
جوابهم: ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ ولم يقولوا: سرقتموه، أو: سُرق.
وقيل: كان الظاهر أن يبادروا بالإنكار ونفي أن يكونوا سارقين، ولكنهم
قالوا ذلك طلباً لإكمال الدعوى؛ إذ يجوز أن يكون فيها ما تبطلُ به فلا تحتاج
إلى خصام، وعدلوا عن: ماذا سُرق منكم؟ إلى ما في النَّظم الجليل لِمَا ذكر
آنفاً .
والضُّواع بوزن غُراب: المكيال، وهو السقاية، ولم يعبّر بها مبالغةً في الإفهام
والإفصاح؛ ولذا أعادوا(٣) الفعل. وصيغةُ المستقبل لِمَا تقدَّم أو للمشاكلة.
وقرأ الحسن وأبو حيوة وابنُ جبير فيما نقل ابن عطيّة كما قرأ الجمهور إلا أنَّهم
كسروا الصاد(٤).
وقرأ أبو هريرة ومجاهد: ((صاعَ)) بغيرِ واوٍ على وزن فَعَل، فالألف فيه بدلٌ من
الواو المفتوحة. وقرأ أبو رجاء: ((صَوْعَ)) بوزن قوس. وقرأ عبد الله بن عون بن
أَرْطَبَان: ((صُوع)) بضمِّ الصاد(٥). وكلَّها لغات في الصاع، وهو مما يذكَّر ويؤنَّث،
(١) القراءات الشاذة ص ٦٤، والكشاف ٣٣٤/٢، والبحر ٣٣٠/٥.
(٢) كما في البحر ٣٣٠/٥.
(٣) في (م): أعاد.
(٤) المحرر الوجيز ٢٦٤/٣، والبحر ٣٣٠/٥، وعنه نقل المصنّف.
(٥) ذكر هذه القراءات ابن خالويه ص ٦٤، والمحتسب ٣٤٦/١، والبحر ٣٣٠/٥. وعبد الله بن
عون هو أبو عون المزني مولاهم البصري الحافظ، كان يقال له سيد القراء في زمانه، وقال
عنه ابن معين: هو في كلِّ شيء ثقة، توفي سنة (١٥٠هـ). السير ٣٦٤/٦.

الآية : ٧٢
٤٢٧
سُورَةٌ مُوسُفَ
وأبو عبيدة لم يحفظ التأنيث(١).
وقرأ الحسن وابنُ جبير فيما نَقل عنهما صاحبُ ((اللوامح))(٢): ((صُواغ)) بالغين
المعجمة على وزن غراب أيضاً. وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنَّه حذف الألفَ
وسكَّن الواو. وقرأ زيد بن علي: ((صَوْغ)) على أنه مصدرٌ من صاغ يصوغ، أُريد به
المفعول. وكذا يراد من ((صُواغ)) و((صُوغ)) في القراءتين، أي: نفقدَ مصوغَ
الملك (٣)
﴿وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ﴾ أي: أتى به مطلقاً ولو من عند نفسه. وقيل: مَن دلَّ على
سارقه وفَضَحَه ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: من الطعام جُعْلاً له، والحمل على ما في ((مجمع
البيان)) بالكسر لِمَا انفصل، وبالفتح لما اتَّصل(٤)، وكأنَّه أشار إلى ما ذكره الراغبُ
من أنَّ الحمل بالفتح يقال في الأثقال المحمولة في الباطن، كالولد في البطن،
والماء في السَّحاب، والثمرةِ في الشجرة(٥).
﴿وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ ﴾ أي: كفيلٌ أؤدِّيه إليه، وهو قولُ المؤذِّن، واستدلَّ بذلك
كما في ((الهداية)) وشروحِها(٦) على جواز تعليق الكفالة بالشُّروط؛ لأنَّ مُناديَه علَّق
الالتزام بالكفالة بسبب وجوب المال وهو المجيءُ بصواع الملك، ونداؤه(٧) بأمرٍ
يوسف عليه السلام، وشَرْعُ مَنْ قبلنا شرعٌ لنا إذا مضى منِ غير إنكار.
وأُورد عليه أمران:
الأول: ما قاله بعضُ الشافعية من أنَّ هذه الآيةَ محمولةٌ على الجعالة لمن
يأتي(٨) به، لا لبيان الكفالةِ، فهي كقول مَنْ أبق عبدُه: مَن جاء به فله عشرةُ
(١) ينظر مجاز القرآن ٣١٥/١.
(٢) كما في البحر ٣٣٠/٥، والكلام منه.
(٣) البحر ٣٣٠/٥، وذكر هذه القراءات أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٤.
(٤) مجمع البيان ١٣/ ٩٣.
(٥) مفردات الراغب (جمل).
(٦) ينظر فتح القدير لابن الهمام ٥/ ٣٩٧، والكلام من حاشية الشهاب ١٩٥/٥.
(٧) في الأصل و(م): وندائه، والمثبت من حاشية الشهاب.
(٨) في الأصل: لما يؤتى، وفي (م): لما يأتي، والمثبت من حاشية الشهاب.

سُوَلاَ لُوسُفَ
٤٢٨
الآية : ٧٢
دراهم، وهو ليس بكفالة؛ لأنها إنَّما تكون إذا التَزَم عن غيرِهِ، وهنا قد التزم عن
نفسه .
الثاني: أنَّ الآية متروكةُ الظاهر؛ لأنَّ فيها جهالةَ المكفول له، وهي تُبطل
الكفالة.
وأجيب عن الأول: بأنَّ الزعم حقيقةٌ في الكفالة، والعملُ بها مهما أمكن
واجبٌ، فكأنَّ معناه قولُ المنادي للغير: إنَّ الملك قال: لمن جاء به حملُ بعير وأنا
به زعيم، فيكون ضامناً عن الملك لا عن نفسه، فتتحقَّق حقيقةُ الكفالة.
وعن الثاني: بأنَّ في الآية ذكرَ أمرين: الكفالة مع الجهالة (١) للمكفول له،
وإضافتها إلى سبب الوجوب. وعدمُ جواز أحدهما بدليلٍ لا يستلزم عدمَ جواز
الآخر.
وفي كتاب ((الأحكام)) (٢) أنه رُوي عن عطاء الخراساني: ((زعيم)) بمعنى كفيل،
فظنَّ بعضُ الناس أنَّ ذلك كفالة إنسان(٣)، وليس كذلك؛ لأنَّ قائلَه جَعَل حملَ بعيرٍ
أجرةً لمن جاء بالصَّاعِ، وأَّده بقوله: ((وأنا به زعيم)) أي: ضامن، فألزم نفسَه
ضمانَ الأجرة لردِّ الصَّاعِ، وهذا أصلٌ في جواز قول القائل: مَن حمل هذا المتاعَ
لموضعٍ كذا فله درهم، وأنَّه إجارةٌ جائزة وإنْ لم يشارِط رجلاً بعينه، وكذا قال
محمدُ بن الحسن في ((السير الكبير)).
ولعل حملَ البعير كان قَدْراً معلوماً، فلا يقال: إنَّ الإجارة لا تصحُّ إلا بأجرٍ
معلوم، كذا ذكره بعضُ المحقّقين(٤).
وقال الإمام(٥): إنَّ الآيةَ تدلُّ على أنَّ الكفالةَ كانت صحيحةً في شرعهم، وقد
(١) في الأصل و(م): الحمالة، والمثبت من حاشية الشهاب، ومثله في فتح القدير لابن الهمام
٣٩٧/٥.
(٢) هو أحكام القرآن للجصاص ١٧٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية
١٩٥/٥.
(٣) في الأحكام: عن إنسان.
(٤) هو الشهاب في الحاشية ١٩٥/٥ .
(٥) هو الرازي في تفسيره ١٨/ ١٨٠.

الآية : ٧٣
٤٢٩
حكم بها رسولُ اللهِ وَّهِ في قوله: ((الزعيمُ غارمٌ))(١) وليست كفالةً بشيءٍ مجهول؛
لأنَّ حملَ بعير من الطعام كان معلوماً عندهم، فصحّت الكفالةُ به، إلا أنَّ هذه
كفالةُ مالٍ لردِّ السرقة، وهي كفالةٌ لِمَا لم يَجبْ؛ لأنَّه لا يحلُّ للسارق أن يأخذ شيئاً
على ردِّ السرقة. ولعلَّ مثل هذه الكفالة كانت تصحُّ عندهم.
وتعقّب بأنَّه لا دليل على أنَّ الرادَّ هو مَن عُلم أنه الذي سَرق، ليُحتاج إلى
التزامِ القول بصحّة ذلك في دينهم، وتمامُ البحث في محلِّه.
﴿قَالُواْ تَلَّهِ﴾ أكثر النحويين على أنَّ التاءَ بدلٌ من الواو، كما أُبدلت في
(تراث)) و(توراة) عند البصريين. وقيل: هي بدلٌ من الباء. وقال السُّهيلي: إنها
أصل برأسها .
وقال الزجَّاج (٢): إنَّها لا يقسَمُ بها إلا في ((الله)) خاصة. وتعقِّب بالمنع؛
لدخولها على الربِّ مطلقاً أو مضافاً للكعبة، وعلى الرحمن(٣)، وقالوا: تَحَيَاتِكَ
أيضاً.
وأيًّا ما كان ففي القسم بها معنى التعجُّب؛ كأنَّهم تعجّبوا من رَمْيهم بما ذُكر مع
ما شاهدوه من حالهم، فقد روي أنهم كانوا يعكمون أفواهَ إبلهم (٤) لئلا تنالَ من
زروع الناس وطعامِهم شيئاً، واشتهر أمرهم في مصر بالعقَّة والصَّلاح والمثابرة على
فنونِ الطاعات، ولذا قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ علماً جازماً مطابقاً للواقع ﴿مَّا جِئْنَا
لِتُفْسِدَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: لنسرقَ، فإن السرقة من أعظم أنواع الإفساد، أو: لنفسد
فيها أيَّ إفسادٍ كان فضلاً عمَّا نسبتمونا إليه من السرقة.
ونفي المجيء للإفساد وإن لم يكن مستلزماً لِمَا هو مقتضى المقام من نفي
الإفساد مطلقاً، لكنَّهم جعلوا المجيء الذي يترتب عليه ذلك ولو بطريقِ الاتّفاق
(١) أخرجه أحمد (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠) من حديث
أبي أمامة به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) في معاني القرآن ٣/ ١٢٠.
(٣) في هامش (م): قيل: على ضعف. اهـ منه.
(٤) أي: يشدُّونها بالعِكُم، وهو الحبل الذي يُعگم به. وجاء في حاشية (م): وليتهم قد كانوا
عکموا فم نتبهم عن أکل یوسف عليه السلام. اهـ منه.

سُبَةُ تُوسُفَ
٤٣٠
الآية : ٧٤
مجيئاً لغرض الإفساد مفعولاً لأجله ادِّعاءً، إظهاراً لكمال قُبحه عندهم، وتريبةً
لاستحالةٍ صدوره عنهم، فكأنهم قالوا: إنْ صدر عنَّا إفسادٌ كان مجيئُنا لذلك،
مريدين به تقبيحَ حاله وإظهارَ كمال نزاهتهم عنه. كذا قيل(١).
وقيل: إنَّهم أرادوا نفيَ لازم المجيء للإفساد في الجملة وهو تصوُّر الإفساد
مبالغةً في نزاهتهم عن ذلك، فكأنهم قالوا: ما مرَّ لنا الإفساد بيالٍ ولا تعلَّق بخيالٍ
فضلاً عن وقوعه منَّا، ولا يخفى بُعدُه.
﴿وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ ﴾﴾ أي: ما كنَّا نوصَفُ بالسرقة قطّ، والظاهر دخولُ هذا
في حيِّز العلم كالأول، ووجهُه أنَّ العلم بأحوالهم الشاهدة يستلزم العلمَ بأحوالهم
الغائبة(٢).
والحلف في الحقيقة على الأمرين اللذين في حيِّز العلم، لا على علم
المخاطبين بذلك، إلّا أنهم ذكروه للاستشهاد وتأكيد الكلام، ولذا أجرت العربُ
العلم مجرى القسم كما في قوله :
ولقد علمتُ لَتَأْتِينَ منيَّتي
إِنَّ المنايا لا تَطيشُ سهامُها(٣)
وفي ذلك من إلزام الحجّة عليهم وتحقيقِ أمر التعجُّب المفهوم من تاء القَسم
من كلامهم ما (٤) فيه.
وذكر بعضُهم أنه يجوز أن يكون ((ما جئنا)) إلخ متعلَّق العلم، وأن يكون جوابَ
القسم، أو جوابَ العلم لتضمُّنه معناه، وهو لا يأبى ما تقدَّم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أصحابُ يوسف عليه السلام: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: الصواع،
(١) هو قول أبي السعود في تفسيره ٢٩٥/٤ .
(٢) في (م): أن العلم بأحوالهم المشاهدة يستلزم العلم بأحوالهم الفائتة، والمثبت من الأصل
وتفسير أبي السعود ٢٩٥/٤، والكلام منه.
(٣) نسبه سيبويه في الكتاب ١١٠/٣ للبيد، والذي في معلقته إنما هو عجزه، وصدره:
صادَفْن منها غِرَّةً فأصَبْنها، كما في شرح ديوان لبيد ص ٣٠٨، وشرح القصائد لابن
النحاس ٣٩٩/١، وللتبريزي ص ١٧٩. وينظر: الخزانة ٩/ ١٦١.
(٤) في (م): كما، وهو تصحيف.

الآية : ٧٥
٤٣١
سُؤَدَةُلُوسُفَ
والكلام على حذف مضاف، أي: ما جزاء سرقته، وقيل: الضميرُ للسَّرق(١) أو
للسارق، والجزاءُ يضاف إلى الجناية حقيقةً وإلى صاحبها مجازاً، وقد يقال بحذف
المضاف، فافهم.
والمراد: فما جزاءُ ذلك عندكم وفي شريعتكم ﴿إِن كُنتُمْ كَذِبِينَ ﴾﴾ أي:
في ادِّعاء البراءة كما هو الظاهر، وفي التعبير بـ ((إنْ)) مراعاةٌ لجانبهم.
﴿قَالُواْ﴾ أي: الإخوة: ﴿َُّهُ مَنْ وُجِدَ﴾ أي: أَخْذُ مَن وُجد الصُّواع ﴿فِى
رَحْلِهِ﴾ واسترقاقُه، وقدِّر المضاف لأنَّ المصدر لا يكون خبراً عن الذَّات، ولأنَّ
نفس ذاتٍ مَن وُجد في رحله ليستْ جزاءً في الحقيقة.
واختاروا عنوانَ الوجدان في الرَّحل دون السرقة مع أنَّه المراد - لأنَّ كونَ الأخذ
والاسترقاق سنَّةً عندهم ومن شريعة أبيهم عليه السلام إنَّما هو بالنّسبة إلى السارق
دون مَن وُجِد عندَه مالُ غيره كيفما كان - إشارةً إلى كمال نزاهتهم، حتَّى كأنَّ أنفسَهم
لا تطاوعهم وألسنتُهم لا تساعدهم على التلفُّظ به مثبتاً لأحدهم بأيِ وجهٍ كان،
وكأنَّهم تأكيداً لتلك الإشارة عدلوا عن: مَن وُجد عندَه، إلى: ((مَن ◌ُجد في رحله)).
﴿فَهُوَ جَزَّؤُهُ﴾ أي: فَأَخْذُه جزاؤه، وهو تقديرٌ للحكم السابق بإعادته، كما في
قولك: حقُّ الضيف أن يُكرَم، فهو حقُّه. وليس مجرَّدَ تأكيد، فالغرض من الأول
إفادةُ الحكم، ومن الثاني إفادةُ حقِّيَّته والاحتفاظ بشأنه، كأنه قيل: فهذا ما تلخّص
وتحقَّق للناظر في المسألة لا مريةً فيه.
قيل: وذكر الفاء في ذلك لتفرُّعه على ما قبله ادِّعاء، وإلّا فكان الظاهرُ تركَها
لمكان التأكيد، ومنه يُعلم أنَّ الجملةَ المؤكّدة قد تُعطف لنكتةٍ وإن لم يذكره أهل
المعاني.
وجوِّز كونُ ((مَن)) موصولةً مبتداً، وهذه الجملة خبرُه، والفاء لتضمُّن المبتدأ
معنى الشرط، وجملةُ المبتدأ وخبرهٍ خبرُ ((جزاؤه)). وأن تكون ((مَن)) شرطيةً مبتدأً،
و ((وُجد في رَحْلِه)) فعل الشرط، وجزاؤُه ((فهو جزاؤه)) والفاء رابطة، والشرطُ
وجزاؤه خبرٌ أيضاً كما في احتمال الموصولة.
(١) في (م): لسرق.

سُؤَلُ كُوسُفَ
٤٣٢
الآية : ٧٥
واعتُرض على ذلك بأنَّه يلزم خلوُّ الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ عن عائد إليه؛
لأنَّ الضمير المذکور لـ ((مَن)) لا له.
وأُجيب بأنَّه جَعل الاسمَ الظاهر وهو الجزاء الثاني قائماً مقام الضمير، والربطُ
کما یکون بالضمیر یکونُ بالظاهر، والأصلُ: جزاؤه من وُجد في رحله فهو هو،
أي: فهو الجزاء، وفي العدول ما عُلم من التقرير السابق وإزالة اللَّبس والتفخيم،
لاسيما في مثل هذا الموضع فهو كاللازم.
وقد صرَّح الزجَّاج بأنَّ الإظهار هنا أحسنُ من الإضمار، وعلَّله ببعضٍ ما ذكر،
وأَنشد:
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ نغَّصَ الموتُ ذا الغنى والفقيرا(١)
وبذلك يندفع ما في ((البحر)) اعتراضاً على هذا الجعل من أنَّ وضع الظاهر
موضعَ الضمير للربط إنَّما يَفْصُحُ إذا كان المقامُ مقامَ تعظيم كما قال سیبویه،
فلا ينبغي حملُ النظم الجليل على ذلك(٢).
وأن یکون «جزاؤه) خبر مبتدأ محذوف، تقديرُه: المسؤول عنه جزاؤه، فهو
حكايةُ قولِ السائل، ويكون ((مَن وُجد)) إلخ بياناً وشروعاً في الفتوى، وهذا على
ما قيل كما يقول مَن يُسْتفتَى في جزاء صيدِ المُحْرِم: جزاءُ صيدِ المحرم، ثم يقول:
﴿وَمَنْ قََّهُ، مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥](٣) فإنَّ قول المفتي:
جزاء صيد الحرم، بتقديرٍ: ما استفتيتَ فيه أو سألتَ عنه ذلك، وما بعده بيانٌ للحكم
وشرحٌ للجواب، وليس التقدير: ما أذكره جزاء صيد الحرم؛ لأنَّ مقام الجواب
والسؤال نابٍ عنه. نعم إذا ابتدأ العالِمُ بإلقاءِ مسألةٍ فهنالك يناسب هذا التقدير.
وتعقب ذلك أبو حيَّان بأنَّه ليس في الإخبار عن المسؤول عنه بذلك كثيرُ فائدة؛ إذ
قد عُلم أنَّ المسؤول عنه ذلك من قولهم: (فَمَا جَزَّؤُهُ,)، وكذا يقال في المثال(٤).
(١) معاني القرآن للزجاج ١٢١/٣-١٢٢، والبيت سلف صدره ٣٣٦/٢.
(٢) البحر ٥/ ٣٣١ بنحوه، وكلام سيبويه في الكتاب ٦٢/١.
(٣) ذكر هذا القول الزمخشري في الكشاف ٣٣٤/٢-٣٣٥.
(٤) البحر ٣٣١/٥.

الآية : ٧٦
٤٣٣
سُؤَّ ◌ُوسُفَ
وأُجيب بأنَّه يمكن أن يقال: إنَّ فائدة ذلك إعلامُ المفتي المستفتيَ أنَّه قد أحاط
خبراً بسؤاله؛ ليأخذَ فتواه بالقبول، ولا يتوقَّفَ في ذلك لظنِّ الغفلة فيها عن تحقيق
المسؤول، وهي فائدة جليلة.
وزعم بعضُهم أنَّ الجملة من الخبر والمبتدأ المحذوف على معنى الاستفهام
الإنكاريِّ، كأنَّ المسؤول ينكر أن يكونَ المسؤول عنه ذلك لظهورٍ جوابه، ثمَّ يعود
فیجیبُ، وهو كما ترى.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الجزاء الأَوْنَى ﴿نَجْزِى الَّالِمِينَ ﴾ بالسرقة،
والظاهر أن هذا من تتمَّة كلام الإخوة، فهو تأكيدٌ للحكم المذكور غِبَّ تأكيد، وبيانٌ
لقبح السرقة، وقد فعلوا ذلك ثقةً بكمال براءتهم عنها، وهم عمَّا فُعل بهم غافلون.
وقيل: هو من كلام أصحاب يوسفَ عليه السلام. وقيل: كلامُه نفسه، أي:
مثلَ الجزاء الذي ذكرتُموه نجزي السارقين.
﴿فَبَدَأَ﴾ قيل: المؤذِّن، ورُجّح بِقُرْبٍ سَبْقِ ذِكْرِهِ. وقيل: يوسفُ عليه السلام؛
فقد روي أنَّ إخوتَه لمَّا قالوا ما قالوا، قال لهم أصحابُه: لابدَّ من تفتيش
رحالكم، فردُّوهم بعد أن ساروا منزلاً - أو بعد أن خرجوا من العمارة - إليه عليه
السلام، فبدأ ﴿بِأَوْعَتِهِمْ﴾ أي: بتفتيش أوعية الإخوة العشرة، ورُجِّح ذلك
بمقاولة يوسف عليه السلام، فإنَّها تقتضي ظاهراً وقوعَ ما ذكر بعد ردِّهم إليه.
ولا يخفى أنَّ الظاهر أنَّ إسناد التفتيش إليه عليه السلام مجازيٌّ، والمفتِّشُ حقيقةً
أصحابُه بأَمْرِه بذلك.
﴿قَبْلَ﴾ تفتيش ﴿وِعَّءٍ أَخِيهِ﴾ بنيامين لنفي التُّهمة؛ رُوي أنَّه لمَّا بلغت النَّوبة إلى
وعائه، قال: ما أظنُّ هذا أخذ شيئاً. فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظرَ في رحله فإنَّه
أطيبُ لنفسك وأنفسنا. ففعل.
ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السقايةَ أو الصُّواعَ؛ لأنَّه كما علمتَ ممَّا يؤنَّث ويذكَّر عند
الحقَّاظ. وقيل: الضميرُ للسرقة المفهومة من الكلام، أي: ثمَّ استخرج السرقة.
﴿مِن وِعَاءِ أَخِيَةٍ﴾ لم يقل: منه، على رَجْع الضمير إلى الوعاء، أو: من وعائه،
علی رَجْعِه إلى أخيه؛ قصداً إلى زيادة كشفٍ وبيان.

سُؤَةٌ تُوسُفَ
٤٣٤
الآية : ٧٦
والوعاء: الظرفُ الذي يُحفظ فيه الشيء، وكأنَّ المراد به هنا ما يشمل الرَّحل
وغيرَه؛ لأنه الأنسبُ بمقام التفتيش، ولذا لم يعبّر بالرحال على ما قيل، وعليه
يكون عليه السلام قد فتَّش كلَّ ما يمكن أن يُحفظ الصواعُ فيه ممَّا كان معهم من
رحلٍ وغيره.
وقولهم: مقابلةُ الجمع بالجمع تقتضي انقسامَ الآحاد على الآحاد - كما قال
المدقِّق أبو القاسم السمر قنديُّ - لا يقتضي أنْ يلزم في كلِّ مقابلةٍ مقارنةُ الواحد
للواحد؛ لأنَّ انقسام الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكونَ على السَّواء، كما في:
ركب القومُ دوابَّهم. يجوز أن يكون على التفاؤُتِ، كما في: باع القومُ دوابَّهم، فإنه
يُفهم منه(١) أنَّ كلَّا منهم باع ما له من دابة، وقد مرَّ التنبيه على هذا فيما سبق،
وحينئذٍ يحتمل أن يرادَ من وعاء أخيه الواحدُ والمتعدِّد.
وقرأ الحسن: ((وُعاء)) بضمِّ الواو، وجاء كذلك عن نافع. وقرأ ابنُ جبير:
((إعاء)) بإبدال الواو المكسورة همزةً (٢)، كما قالوا في وشاح: إشاح. وفي وسادة:
إسادة. وقلبُ الواو المكسورة في أوَّل الكلمة همزةً مطّردٌ في لغة هذيل.
كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الكيد العجيب، وهو إرشادُ الإخوة إلى الإفتاء
المذكور بإجرائه على ألسنتهم، وحَمْلِهم عليه بواسطة المستفتين من حيثُ لم
يحتسبوا ﴿كِذْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: صنعنا ودَبَّرنا لأجلِ تحصيل غرضه من المقدِّمات
التي رتَّبها من دسِّ السقاية وما يتلوه، فالكيدُ مجازٌ لغويٌّ في ذلك،
وإلا فحقيقتُه - وهي أنْ تُوهِمَ غيرَك خلافَ ما تُخفيه وتريده على ما قالوا - محالٌ
عليه تعالى. وقيل: إنَّ ذلك محمولٌ على التمثيل.
وقيل: إنَّ في الكيد إسنادين: بالفحوى إلى يوسف عليه السلام، وبالتَّصريح
إليه سبحانه، والأولُ حقيقيٍّ والثاني مجازيٌّ، والمعنى: فعلنا کیدَ یوسف. ولیس
بذاك.
وفي ((درر)) المرتضى أنَّ ((كِدْنا)) بمعنى أَرَدْنا، وأَنشد:
(١) في (م): عنه.
(٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص ٦٥، والمحتسب ٣٤٨/١، والبحر ٣٣٢/٥.

الآية : ٧٦
٤٣٥
سُوَاُ لُوسُفَ
(١)
لو عاد من لهو الصَّبابة ما مضى
كادتْ وكِدْتُ وتلك خيرٌ إرادةٍ
واللام للنفع، لا كاللام في قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] فإنها
للضَّرر على ما هو الاستعمال الشائع.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ رِينِ اٌلْمَلِكِ﴾ أي: في سلطانه على ما روي عن ابن
عباس، أو: في حكمه وقضائه كما روي عن قتادة. والكلامُ استئنافٌ وتعليلٌ لذلك
الكيد، كأنه قيل: لماذا فعل ذلك؟ فقيل: لأنه لم يكن ليأخذَ أخاه جزاءَ وجودٍ
الصُّواعِ عندَه في دين الملك في أمر السارق إلَّا بذلك الكيد؛ لأنَّ جزاء السارق في
دينه على ما روي عن الكلبي وغيره أنْ يضاعفَ عليه الغُرم - وفي رواية:
ويضربَ - دونَ أن يؤخذَ ويسترقَّ كما هو شريعةُ يعقوب عليه السلام. فلم يكن
يتمكّن بما صنعه من أخذ أخيه بما نُسب إليه من السرقة بحالٍ من الأحوال ﴿إِلَّ أَن
يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي: إلا حالَ مشيئتِه تعالى التي هي عبارةٌ عن ذلك الكيد، أو: إلا حال
مشیئتِه تعالی للأخذ بذلك الوجه.
وجوِّز أن يكون المرادُ من ذلك الكيد الإرشادَ المذكورَ ومَبَاديَه المؤدِّيّةَ إليه
جميعاً؛ من إرشاد يوسفَ عليه السلام وقومِه إلى ما صدر عنهم من الأفعال
والأقوال حسبما شُرح مرتَّباً، وأمرُ التعليل كما هو، بَيْد أنَّ المعنى على هذا
الاحتمال: مثلَ ذلك الكيد البالغ إلى هذا الحدِّ كدنا ليوسف عليه السلام، ولم
نكتفٍ ببعضٍ من ذلك؛ لأنَّه لم يكن يأخذُ أخاه في دين الملك به إلا حالَ مشيئتنا
له بإيجاد ما يجري مجرى الجزاء الصُّوريِّ من العِلَّة التامة، وهو إرشادُ إخوته إلى
الإفتاء المذكور، فالقصرُ المستفاد من تقديم المجرور مأخوذٌ بالنسبة إلى البعض.
وكذا يقال في تفسير مَن فسَّر ((كدنا ليوسف)) بقوله: علَّمناه إياه وأوحينا به إليه،
أي: مثلَ ذلك التعليم المستتبعِ لِمَا شُرح علَّمناه دونَ بعضٍ من ذلك فقط .. إلخ.
والاستثناء على كلِّ حالٍ من أعمِّ الأحوال، وجوِّز أن يكون من أعمِّ العِلَل
والأسباب، أي: لم يكن ليأخذَ أخاه في دين الملك لعِلَّةٍ من العِلَل وسببٍ من
الأسباب، إلَّا لعلَّةِ مشيئته تعالى. وأيّاً ما كان فهو متَّصل؛ لأن أخْذَ السارق إذا
(١) أمالي المرتضى ٣٣١/١، والبيت ذكره أيضاً الجوهري في الصحاح (كيد).

سُورَةٌ تُوسُفَ
٤٣٦
الآية : ٧٦
كان ممَّن يرى ذلك ويعتقدُه ديناً لاسيما عند رضاه وإفتائه به ليس مخالفاً لدین
الملك، فلذلك لم ينازعه الملكُ وأصحابُه في مخالفة دينهم، بل لم يَعُدُّوه مخالفةً.
وقيل: إنَّ جملة ((ما كان)) إلخ في موضع البيان والتفسير للكيد، وإنَّ معنى
الاستثناء: إلّا أن يشاء الله تعالى أن يجعل ذلك الحكمَ حُكمَ الملك، وفيه بحث.
وجوِّزَ أن يكون الاستثناء منقطعاً، أي: لكن أخذه بمشيئة الله سبحانه وإذنِه في
دينٍ غيرٍ دين الملك.
﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ﴾ أي: رُتباً كثيرةً عاليةً من العلم، وانتصابُها على ما نُقل عن
أبي البقاء على الظرفية، أو على نزع الخافض، أي: إلى درجات(١). وجوَّز غيرُ
واحد النصبَ على المصدريَّة(٢). وأيًّ ما كان فالمفعولُ به قولُه تعالى: ﴿َّن نَّشَاءُ﴾
أي: نشاء رفْعَه حسبما تقتضيه الحكمةُ وتستدعيه المصلحة كما رفعنا يوسفَ عليه
السلام، وإيثارُ صيغة الاستقبال للإشعار بأنَّ ذلك سنَّةٌ مستمرَّةٌ غيرُ مختصَّةٍ بهذه
المادة. والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلٍّ﴾ من أولئك المرفوعين ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ لا ينالون شَأْوَه.
قال المولى المحقّق شيخُ الإسلام قدِّس سرُّهُ(٣) في بيان ربطِ الآية بما قبلُ:
إنَّه إنْ جُعِلَ الكيدُ عبارةً عن إرشاد الإخوة إلى الإفتاء وحَمْلِهم عليه، أو عبارةً عن
ذلك مع مباديه المؤذِّية إليه، فالمرادُ برفع يوسفَ عليه السلام ما اعتُبر فيه
بالشرطيَّة أو الشطريَّة من إرشادِه عليه السلام إلى ما يتمُّ من قبله من المبادي
المفضيةِ إلى استقباء أخيه، والمعنى: أَرْشَدْنا إخوتَه إلى الإفتاء لأنَّه لم يكن
(١) الإملاء ٥٨٤/٢، عند تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿َرَفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّثَةُ﴾
[الآية: ٨٣].
(٢) ذكر ذلك أبو البقاء أيضاً في الإملاء ٤٩٧/١، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] حيث قال: وقيل: انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة،
فكأنه قال: ورفعنا بعضهم رفعات. وأشار عند الآية نفسها أيضاً إلى النصب بنزع الخافض
بقوله: وقيل: التقدير: على درجات، أو: في درجات، أو: إلى درجات، فلما حذف
حرف الجر وصل الفعل بنفسه .
(٣) هو أبو السعود في تفسيره ٢٩٧/٤-٢٩٨.

الآية : ٧٦
٤٣٧
سُؤَةُ تُوسُفَ
متمكِّناً من غرضه بدونه، أو: أرشدنا كلَّا منهم ومن يوسفَ وأصحابِه إلى ما صدر
عنهم، ولم نكتفٍ بما تمَّ من قِبَلٍ يوسفَ لأنَّه لم يكن متمكِّناً من غرضِه بمجرَّد
ذلك. وحينئذٍ يكون قولُه تعالى: ((نرفع)) إلى ((عليم)) توضيحاً لذلك، على معنى أنَّ
الرفعَ المذكور لا يوجبُ تمامَ مرامِه؛ إذ ليس ذلك بحيث لا يغيبُ(١) عن عِلمه
شيء، بل إنما نرفعُ كلَّ مَن نرفعُ حسب استعداده، وفوقَ كلِّ واحد منهم عليمٌ
لا يقادَر قدرُه، يرفعُ كلَّ منهم إلى ما يليق به من معارج العِلْم، وقد رَفَعَ يوسفَ
إلى ذلك وعَلِمَ أن ما حواه دائرةُ عِلْمِه لا يفي بمرامه، فأرشد إخوتَه إلى الإفتاء
المذكور، فكان ما كان، وكأنَّه عليه السلام لم يكن على يقينٍ من صدور ذلك
منهم وإن كان على طمعٍ منه، فإنَّ ذلك إلى الله تعالى شأنُه وجوداً وعدماً،
والتعرُّض لوصف العلم لَتعيين جهةِ الفوقيَّة. وفي صيغة المبالغة مع التنكيرِ
والالتفاتِ إلى الغَيبةِ من الدّلالة على فخامة شأنه عزَّ شأنُه وجلالةٍ مقدار علمه
المحيطِ جلَّ جلالُه ما لا يخفى.
وإن جُعِلَ عبارةً عن التعليم المستتبعِ للإفتاء، فالرفعُ عبارةٌ عن ذلك
التعليم، والإفتاءُ وإن كان لم يكن داخلاً تَحت قدرتِه عليه السلام لكنَّه كان
داخلاً تحت عِلْمه بواسطة الوحي والتعليم، والمعنى: مثل ذلك التعليم البالغ
إلى هذا الحدِّ عَّمناه ولم نقتصرْ على تعليمِ ماعدا الإفتاء الذي سيصدرُ عن
إخوته إذا لم يكن متمكِّناً من غرضِه في أخيه إلا بذلك، وحينئذٍ يكون قوله
تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ) توضيحاً لقوله سبحانه: (كِدْنَا) وبياناً؛ لأنَّ ذلك
من باب الرفع إلى الدَّرجات العالية من العلم، ومدحاً ليوسف عليه السلام
برفعه إليها، و((فوق)) إلخ تذييلاً له، أي: نرفع درجاتٍ عاليةً مَنْ نشاء رفْعَه،
وفوق كلٌّ منهم عليمٌ هو أعلى درجة. قال ابن عباس ﴿ها: فوق كلِّ عالمٍ عالمٌ
إلى أن ينتهي العِلْم إلى الله تعالى، والمعنى أنَّ إخوةَ يوسف كانوا علماءَ، إلا أنَّ
يوسف أفضلُ منهم. اهـ.
والذي اختاره الزمخشريُّ - على ما قيل - حديثُ التذييل، إلا أنَّه أوجز في
كلامه حتى خفي مغزاه، وعدَّ ذلك من المداحض حيث قال: ((وفوقَ كلِّ ذي علم
(١) في تفسير أبي السعود: يعزب.

سُؤَةُ بُوسُفَ
٤٣٨
الآية : ٧٦
عليمٌ)) فوقه أرفعُ درجةً منه في علمه، أو فوقَ العلماء كلِّهم عليمٌ هم دونَه في العلم
وهو الله عزَّ وعلا(١).
وبيانُ ذلك على ما في ((الكشف)): أنَّ غرضَه أنْ يبيِّن وجهَ التذييل بهذه
الجملة، فأفاد أنَّه إمَّا على وجهِ التأكيد لرفع درجةٍ يوسفَ عليه السلام على إخوته
في العلم، أي: فَاقَهُم علماً؛ لأنَّ ((فوقَ كلِّ ذي علم عليم)) أرفع درجةً منه، وفيه
مدحٌ له بأنَّ الذين فَاقَهُم علماءُ أيضاً .
وإمَّا على تحقيقٍ أنَّ الله تعالى رفعه درجاتٍ، وهو (٢) إليه لا منازعَ له فيه،
فقال: وفوق العلماء كلِّهم عليمٌ هم دونَه يرفع مَن يشاء ويقرِّبه إليه بالعلم كما رفع
يوسفَ عليه السلام.
وذكر أنَّ ما يقال من أنَّ الكلَّ على الثاني مجموعيٌّ؛ وعلى الأوَّل بمعنى: كلّ
واحدٍ، كلامٌ غيرُ محصّل؛ لأنَّ الداخل على النَّكرة لا يكون مجموعيًّا.
وأصلُ النُّكتة في الترديد أنَّه لو نظر إلى العلم ولا تَنَاهيهِ كان الأوَّل، فيرتقي
إلى ما لا نهايةَ لعلمه، بلْ جلَّ عن النهاية من كلِّ الوجوه، ولابدَّ من تخصيصٍ في
لفظ ((كلّ)، والمعنى: وفوقَ كلِّ واحدٍ من العلماء عالمٌ، وهكذا إلى أنْ ينتهي. ولو
نظر إلى العالِم وإفادتِه إيَّاه كان الثاني، والمعنى: وفوقَ كلِّ واحدٍ واحدٍ عالمٌ
واحدٌ، فأولى أن يكون فوقَ كلِّهم؛ لأنَّ الثاني معلولُ الأوَّل، ولظهور المعنى عليه
قدِّر: وفوقَ العلماء كلِّهم. وكلا الوجهين يناسب المقام. اهـ.
ولعلَّ اعتبارَ كونِ الجملة الأولى مدحاً ليوسف عليه السلام وتعظيماً لشأن
الكيد، وكونِ الثانية تذييلاً، هو الأظهر، فتأمل.
وقد استدلَّ بالآية مَن ذهب إلى أنه تعالى شأنُه عالمٌ بذاته لا بصفةٍ علم زائدةٍ
على ذلك، وحاصلُ استدلالهم: أنَّه لو كان له سبحانه صفةُ علم زائدةٌ على ذاته
كان ذا علمٍ لاتِّصافه به، وكلُّ ذي علم فوقَه عليمٌ؛ للآية، فيلزم أن يكون فوقَه
وأعلمَ منه جَلَّ وعلا عليمٌ آخرُ، وهو من البطلان بمكان.
(١) الكشاف ٣٣٥/٢.
(٢) أي: العلم.

الآية : ٧٦
٤٣٩
سُورَةُ لُوسُفَ
وأجيب: بأنَّ المراد بكلِّ ذي علم المخلوقاتُ ذوو العِلم؛ لأنَّ الكلام في
الخلق، ولأنَّ العليم صيغةُ مبالغةٍ، معناه: أعلمُ من كلِّ ذي علم، فيتعيّن أن
يكون المراد به الله تعالى، فما يقابله يلزمُ كونه من الخلائقّ لئلا يدخلَ
فیما يقابله.
وكونُ المرادِ من العليم ذلك هو إحدى روايتين عن الحبر، فقد أخرج
عبدُ الرزاق وجماعةٌ عن سعيد بن جبير قال: كثَّا عند ابن عباس ظِّمًا فحدَّث
بحديثٍ، فقال رجل عنده: ((وفوق كلِّ ذي علم عليم))، فقال ابن عباس:
بئسما قلتَ، الله العليم، وهو فوقَ كلِّ عالم(١).
وإلى ذلك ذهب الضَّّاك؛ فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنَّه قال بعد أن تلا الآية:
يعني اللهُ تعالى بذلك نفسه(٢).
على أنَّه لو صحَّ ما ذكره المستدلُّ لم يكن الله تعالى عالماً بناءً على أنَّ الظاهر
اتِّفاقه معنا في صحّة قولنا: فوقَ كلِّ العلماء عليمٌ، وذلك أنَّه يلزم على تسليم دليله
إذا كان الله تعالى عالماً أن يكون فوقَه مَن هو أعلمُ منه، فإن أجابَ بالتخصيص في
المثال فالآيةُ مثله.
وقرأ غيرُ واحد من السبعة: ((درجاتِ مَن نشاء)) بالإضافة(٣). قيل: والقراءة
الأُولى أنسبُ بالتذييل، حيث نُسب فيها الرفع إلى مَن نُسب إليه الفوقية لا إلى
درجته، والأمرُ في ذلك میِّن.
وقرأ يعقوب بالياء في ((يرفع)) و((يشاء))(٤).
وقرأ عيسى البصرة: ((نرفع)) بالنون، و((درجاتٍ)) منوَّناً، و((مَن يشاء)) بالياء(٥)؛
قال صاحب ((اللوامح)): وهذه قراءةٌ مرغوبٌ عنها، ولا يمكن إنكارها .
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٢٦/١-٣٢٧، وتفسير الطبري ٢٦٨/١٣.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) التيسير ص ١٠٤، والنشر ٢/ ٢٦٠. وقرأ بها من السبعة: ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو
ونافع.
.(٤) النشر ٢٩٦/٢.
(٥) البحر ٣٣٢/٥، وعنه نقل المصنف ما سيأتي من كلام صاحب اللوامح.

سُدَل ◌ُوسُفَا
٤٤٠
الآية : ٧٧
وقرأ عبد الله(١): ((وفوق كلِّ ذي عالم عليم)) فخرِّجت كما في ((البحر)) على
زيادةِ ((ذي)»، أو على أنَّ ((عالم)، مصدرٌ بمعنى عِلْم كالباطل، أو على أنَّ التقدير:
كلّ ذي شخصٍ عالم (٢). والذي في ((الدر المنثور)) أنه ظُه قرأ: ((وفوق كلِّ عالم
عليم))(٣) بدون ((ذي))، ولعلَّه الأثبت، والله تعالى العليم.
﴿قَالُوا﴾ أي: الإخوةُ ﴿إِن يَسْرِقْ﴾ يعنُون بنيامين ﴿فَقَدْ سَرَفَ أَخُ لَّهُ, مِن
قَبْلٌ﴾ يريدون به يوسفَ عليه السلام وما جرى عليه من جهة عمَّته، فقد أخرج
ابنُ إسحاق وابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن مجاهد قال: كان أوَّل ما دخل على
يوسف عليه السلام من البلاء فيما بلغني أنَّ عمَّته كانت تحضنُه، وكانت أكبرَ ولدٍ
إسحاق عليه السلام، وكانت إليها مِنْطَقةٌ (٤) أبيها، وكانوا يتوارثونها بالكبر،
فكانت لا تحبُّ أحداً كحبِّها إيَّه، حتى إذا ترعرع وقعتْ نفسُ يعقوب إليه، فأتاها
فقال: يا أختاه، سلِّمي إليَّ يوسف، فواللهِ ما أقدرُ على أن يغيبَ عنِّي ساعة.
فقالت: والله ما أنا بتاركتِهِ، فَدَعْه عندي أيَّاماً أنظُر إليه لعلَّ ذلك يسلِّيني. فلمّا
خرج يعقوب عليه السلام من عندها عمدتْ إلى تلك المِنْطقةِ فحزمتها على يوسف
عليه السلام من تحت ثيابه، ثمَّ قالت: فقدتُ منطقةً أبي إسحاق فانظروا مَن
أخذها. فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهلَ البيت. فكشفوهم فوجدوها مع يوسفَ
عليه السلام، فقالت: والله إنَّه لسَلَمٌ لي أصنع فيه ما شئتُ. فأتاها يعقوب
فأخبرته الخبرَ، فقال لها: أنتِ وذاك إن كان فعل. فأمسكته فما قدر عليه حتى
ماتت(٥) .
وأخرج ابنُ مردويه عن ابن عباس، عن النبيِّ وَّ أنَّه قال في الآية: ((سرق
يوسفُ عليه السلام صنماً لجدِّه أبي أمِّه من ذهبٍ وفضَّةٍ، فكسَّره وألقاه على
(١) هو ابن مسعود به كما في القراءات الشاذة ص ٦٥، والمحتسب ٣٤٦/١. ووقع في (م):
وقرأ عبد الله الحبر.
(٢) البحر ٣٣٣/٥.
(٣) الدر المنثور ٢٨/٤، وعزاه لابن جرير وأبي الشيخ، وهو في تفسير الطبري ٢٧١/١٣.
(٤) المنطقة بكسر الميم: ما يُشد به الوسط. حاشية الشهاب ٥/ ١٩٧ .
(٥) تفسير الطبري ٢٧٤/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٧٨/٧ من طريق ابن إسحاق، عن
عبد الله بن أبي نجیح، عن مجاهد.