Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ٥٣
٣٨١
سُورَةُ تُوسُفَ
الإقدام على غيره أجدرُ وأحرى، فالعِلَّة للتثبُّت مع ما تلاه من القصّة هي قصدُ
حصول العلم بأنَّه عليه السلام لم يكنْ منه ما يخوَّن به، كائناً ما كان مع ما عطف
عليه، وذلك العلم إنَّما يترتَّب على ما ذُكر لا على التفتيش ولو بعد الخروج
کما لا يخفى.
أو يقال: إنَّ المراد: ليجريَّ على موجب العلم بما ذُكر، بناءً على التزام أنَّه
كان قبل ذلك عالماً به لكنَّه لم يجرِ على موجب عِلْمِه، وإلا لَمَا حبسه عليه
السلام، فيتلافى تقصيرَه بالإعراض عن تقبيح أمرِه، أو بالثناء عليه ليحظى عند
الملك ويعظّمَه الناس، فتَيْنَع من دعوته أشجارُها، وتجري في أودية القلوب
أنهارُها، ولا شكَّ أنَّ هذا ممَّا يترتَّب على تقديم التفتيش كما فعل.
وليس ذلك ممَّا لا يليق بشأنه عليه السلام، بل الأنبياءُ عليهم السلام كثيراً
ما يفعلون مثل ذلك في مبادي أمرهم، وقد كان نبيُّنَا وَهِ يُعطي الكافرَ إذا كان
سيِّد قومِه ما يُعطيه ترويجاً لأمره. وإذا حُمل قولُه عليه السلام لصاحبه الناجي:
(اذكرني عند ربك)) على مِثْلِ هذا - كما فعل أبو حيَّان(١) - تناسَبَ طرفا الكلام
أشدَّ تناسُبٍ، وكذا لو حُمل ذاك على ما اقتضاه ظاهرُ الكلام وتضافرت عليه
الأخبار.
وقيل هنا: إنَّ ذلك لئلا يقبِّحَ العزيزُ أمرَه عند الملك تمثّلاً لإمضاء ما قضاه،
ويكون ذلك من قبيل السَّعي في تحقيق المقتضي لخلاصِه، وهذا من قبيل التَّشمير
لرفع المانع، لكنَّه ممَّا لا يليقُ بجلالة شأنِه عليه السلام، ولعلَّ الدُّعاء بالمغفرة في
الخبر السَّالف على هذا إشارةٌ إلى ما ذكر.
ويقال: إنَّه عليه السلام إنَّما لم يُعاتَب عليه كما عُوتب على الأوَّل لكونه دونَه،
مع أنَّه قد بلغَ السيلُ الزُّبى. ولا يخفى أنَّ عودَه عليه السلام لِمَا يستدعي أدنى
عتابٍ بالنّسبة إلى منصبه بعدَ أن جرى ما جرى في غاية البُعد، ومن هنا قيل:
(١) في البحر ٣١١/٥، قال: والذي أختاره أن يوسف إنما قال للساقي: ((اذكرني عند ربك))
ليتوصل إلى هدايته وإيمانه بالله، كما توصل إلى إيضاح الحق للساقي ورفيقه، والضمير في
((فأنساه)) عائد على الساقي، ومعنى ((ذكر ربه)): ذكر يوسف لربِّه، والإضافة تكون بأدنى
ملابسة.

سُؤَةُ بُوسُفَ
٣٨٢
الآية : ٥٤
الأَولى أن يجعلَ ما تقدَّم كما تقدَّم، ويُحملَ هذا على أنَّه عليه السلام أراد به تمهيدَ
أمر الدَّعوة إلى الله تعالى جَبْراً لِمَا فعل قبلُ، واتِّباعاً لخلافِ الأَوْلى بالنَّظر إلى
مقامه بالأولى.
وقيل في وجه التعليل غيرُ ذلك، وأخرج ابنُ جرير عن ابنِ جُريج أنَّ هذا من
تقديم القرآن وتأخيرهٍ(١). وذهب إلى أنه متَّصل بقوله: ((فاسأله ما بال النسوة اللاتي
قطعن أيديهن)) إلخ. ويَرِدُ على ظاهره ما لا يخفى، فتأمَّل جميعَ ما ذكرناه لتكونَ
على بصيرة من أمرك.
وفي رواية البزِّي عن ابن كثير، وقالون عن نافع أنهما قرأا: ((بالسُّوِ)) على قلب
الهمزة واواً والإدغام(٢).
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِ بَِّ أَسْتَخِصْهُ﴾ أجعلْه خالصاً ﴿لِنَفْسِىٌ﴾ وخاصّاً بي.
﴿فَلَّا كَمَهُ﴾ في الكلام إيجازٌ، أي: فأَتَوْا به فلمَّا ... إلخ، وحُذف ذلك
للإيذان بسرعة الإتيان، فكأنَّه لم يكن بينه وبينَ الأمر بإحضاره عليه السلام
والخطابٍ معه زمانٌ أصلاً، ولم يكن حاضراً مع النِّسوة في المجلس كما زعمه
بعضٌ، وجَعَل المراد من هذا الأمر: قرِّبوه إلي.
والضميرُ المستكنُّ في ((كلَّمه)) ليوسفَ عليه السلام، والبارزُ للملك، أي:
فلما كلَّم يوسفُ عليه السلام الملكَ إثرَ ما أتاه فاستنطقَه ورأى حُسْنَ مَنطقِه
بما صدَّق الخُبْرُ الخَبَرَ(٣).
واستَظْهَر في ((البحر)) كونَ الضمير الأوَّل للملك والثاني ليوسف، أي:
فلما كلَّمه الملكُ ورأى حُسنَ جوابه ومحاورته (٤) ﴿قَالَ إِنَّكَ اَلْيَّوْمَ لَدَيْنَا مَكِيرُ﴾ ذو
مكانةٍ ومنزلةٍ رفيعة ﴿أَمِينٌ ﴾﴾ مؤتمنٌ على كلِّ شيء، وقيل: آمِنٌ من كلِّ مكروه،
والوصفُ بالأمانة هو الأبلغ في الإكرام.
(١) تفسير الطبري ٣٥١/١٣.
(٢) التيسير ص ١٢٩، والنشر ٣٨٣/١.
(٣) الخُبْر: العلم بالشيء، والخَبَر محرَّكةً: النبأ. القاموس (خبر).
(٤) البحر ٣١٩/٥.

٠٠٠
الآية : ٥٤
٣٨٣
سُوَّلُ بُوسُفَ
و((اليوم)) ليس بمعيارٍ للمكانة والأمانة بل هو آنُ التكلُّم، والمراد تحديدُ
مبدئهما احترازاً عن كونهما بعدَ حين. وفي اختيار (لَدَى)) على ((عند) ما لا يخفى
من الاعتناء بشأنِه عليه السلام، وكذا في اسميَّةِ الجملة وتأكيدها.
روي أنَّ الرسول جاءَه فقال له: أجبِ الملكَ الآن بلا معاودة، وألْقِ عنك
ثيابَ السِّجن، واغتسلْ والبَسْ ثياباً جُدُداً. ففعل، فلما قام ليخرجَ دعا لأهل
السِّجن: اللهمَّ عطّف عليهم قلوبَ الأخيار، ولا تُعَمِّ عليهم الأخبار. فهم أعلمُ
الناس بالأخبار في كلِّ بلد. ثم خرج فكتبَ على الباب: هذه منازلُ البلوى، وقبورُ
الأحياء، وشماتةُ الأعداء، وتجربةُ الأصدقاء. فلمّا وصل إلى باب الملك قال:
حسبي ربِّي من دنياي، وحسبي ربِّي من خَلْقه، عزَّ جارُك وجلَّ ثناؤك ولا إله
غيرُك. فلمَّا دخل على الملك قال: اللهمَّ إنِّي أسألكَ بخيرِكَ من خيرِهِ، وأعوذُ بكَ
من شرِّه وشرِّ غيرِه. ثم سلَّم عليه بالعربية، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟! فقال:
لسانُ عمِّي إسماعيل، ثَّ دعا له بالعبرانية، فقال له: وما هذا اللسان أيضاً؟! فقال:
هذا لسانُ آبائي، وكان الملك يعرفُ سبعين لساناً، فكلَّمه بها فأجابه بجميعِها،
فتعجَّب منه وقال: أيُّها الصِّدِّيق إنِّي أحبُّ أن أسمعَ رؤياي منكَ. فحكاها عليه
السلام له طبقَ ما رأى لم يخرمْ منها حرفاً، فقال الملك: أَعْجَبُ من تأويلك إيَّاها
معرفتُك لها! فأجلسه معه على السرير وفوَّض إليه أمرَه (١). وقيل: إنه أجلسه قبلَ أن
یقصَّ الرؤيا .
وأخرج ابنُ جرير عن ابن إسحاق قال: ذَكَروا أنَّ قطفيرَ هَلَك في تلك
الليالي (٢)، وأنَّ الملك زوَّج يوسفَ امرأتَه راعيل(٣)، فقال لها حين أُدخلت عليه:
أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت: أيُّها الصِّدِّيق لا تلُمْني، فإني كنت امرأةً
كما ترى حسناءَ جملاءَ ناعمةً في مُلْكِ ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النِّساء، وكنتَ
(١) أخرجه الثعلبي في عرائس المجالس ص ١٢٩ مطولاً من طريق إسحاق بن بشر، عن
جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف
ص ٩٠: هذا إسناد ساقط.
(٢) في حاشية (م): وجاء في رواية أن الملك عزله ونصَّب يوسف عليه السلام منصبه. اهـ منه.
(٣) في هامش (م): وكان ذلك على الفور بناء على أنه لم تكن العدة من دينهم. اهـ منه.

سُوَلُ ◌ُوسُفَ
٣٨٤
الآية : ٥٥
كما جعلكَ الله تعالى في حُسنك وهيئتِك، فغلَبتْني نفسي على ما رأيت. فيزعمون
أنَّه وجدَها عذراءَ، فأصابها فولدتْ له رجلين: إفراثيم وميشا (١).
وأخرج الحكيم الترمذيُّ عن وهب قال: أصابت امرأةً العزيز حاجةٌ، فقيل
لها: لو أتيتِ يوسفَ بنَ يعقوب فسألتيه. فاستشارت الناسَ في ذلك، فقالوا:
لا تفعلي؛ فإنَّا نخافُه عليك. قالت: كلِّ إنِّي لا أخاف ممَّن يخاف الله تعالى.
فأُدخلت عليه فرأته في ملكِه فقالت: الحمدُ لله الذي جعلَ العبيد ملوكاً بطاعته، ثمَّ
نظرت إلى نفسِها فقالت: الحمد لله الذي جعلَ الملوك عبيداً بمعصيته. فقضى لها
جميعَ حوائجها، ثمَّ تزوَّجَها فوجدها بِكْراً، الخبر(٢).
وفي رواية: أنَّها تعرَّضتْ له في الطريق فقالت ما قالت، فعرفها فتزوَّجها
فوجدها بِكْراً، وكان زوجُها عنِّناً.
وشاع عند القُصَّاص أنَّها عادت شابَّة بِكْراً؛ إكراماً له عليه السلام بعد ما كانت
ثيِّياً غيرَ شابة، وهذا ممَّا لا أصل له. وخبرُ تزوّجها أيضاً ممَّا لا يعوَّل عليه عند
المحدِّثين، وعلى فرضٍ ثبوت التزوُّج فظاهرُ خبر الحكيم أنَّه إنَّما كان بعدَ تعيينه
عليه السلام لِمَا عُيِّن له من أمر الخزائن.
قيل: ويُعرب عنه قولُه تعالى: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَآيِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضٍ
مصرَ، وفي معناه قولُ بعضهم: أي: أرضكَ التي تحت تصرُّفك، وقيل: أراد
بالأرض الجنسَ، وبخزائِنها الطعامَ الذي يخرج منها. و((على)) متعلّقة - على
ما قيل - بـ ((مستول)) مقدَّرٍ، والمعنى: ولِّني على أمرِها من الإيراد والصَّرف.
﴿إِنّ حَفِيظُ﴾ لها ممَّن لا يستحقُّها ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ بوجوه التصرُّف فيها، وقيل:
بوقتِ الجوع. وقيل: حفيظٌ للحساب عليمٌ بالألسُن.
وفيه دليلٌ على جواز مدح الإنسانِ نفسَه بالحقِّ إذا جُهل أمرُه، وجوازٍ طلبٍ
الولاية إذا كان الطالبُ ممَّن يقَدرُ على إقامة العَدْل وإجراءِ أحكام الشريعة وإن كان
من يدِ الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطَّلبُ إذا توَّقف على ولايته إقامةُ
(١) تفسير الطبري ٢٢٠/١٣-٢٢١، دون ذكر الاسمين.
(٢) نوادر الأصول ٢/ ١٨١-١٨٢.

الآية : ٥٥
٣٨٥
سُؤَةُ بُوسُف
واجبٍ مثلاً وكان متعيِّناً لذلك، وما في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن
سمرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارةَ؛ فإنك إنْ
أُوتيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتَها من غيرِ مسألة أُعِنْتَ عليها))(١) - واردٌ
في غير ما ذُكر.
وعن مجاهد: أنَّه أسلم الملكُ على يدِه عليه السلام، ولعل إيثارَه عليه السلام
لتلكَ الولاية خاصَّةً إنما كان للقيام بما هو أهمُّ أمور السَّلطنة إذ ذاك من تدبيرِ أمر
السِّنين؛ لكونه من فروع تلكِ الولاية، لا لمجرَّدٍ عموم الفائدة كما قيل.
وجاء في روايةٍ أنَّ الملك لمَّا كلَّمه عليه السلام وقصَّ رؤياه وعبَّرها له، قال:
ما ترى أيها الصِّدِّيق؟ قال: تزرعُ في سنيّ الخصب زرعاً كثيراً، فإنك لو زرعتَ
فيها على حجرٍ نَبَت، وتبني الخزائنَ وتجمعُ فيها الطعامَ بقصبه وسُنبله فإنه أبقى له،
ويكون القَصَبُ علفاً للدوابِّ، فإذا جاءت السّنون بعتَ ذلك فيحصل لك مالٌ
عظيم. فقال الملك: ومَن لي بهذا، ومَن يجمعُه ويبيعُه لي ويكفيني العملَ فيه؟
فقال: ((اجعلني على خزائن الأرض)) إلخ(٢).
والظاهر أنه أجابه لذلك حينَ سأله، وإنما لم يذكر إجابته له عليه السلام إيذاناً
بأنَّ ذلك أمرٌ لا مردّ له غنيٌّ عن التصريح به، لاسيما بعدَ تقديم ما تندرجُ تحته
أحكامُ السلطنة جميعها .
وأخرج الثعلبيُّ عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (يرحمُ الله تعالى أخي
يوسف؛ لو لم يقل: ((اجعلني على خزائن الأرض)) لاستعمله من ساعته، ولكنَّه أخّر
ذلك سنةً))(٣).
(١) صحيح البخاري (٦٦٢٢)، وصحيح مسلم (١٦٥٢)، وهو عند أحمد (٢٠٦١٨).
(٢) كان يجدر بالمصنف رحمه الله وغيره من المفسرين عدم ذكر هذه الروايات وأمثالها؛ لِما فيها
من الإساءة إلى نبي الله يوسف، وإيهام أن ما فعله عليه السلام إنما كان من أجل الملك
وزيادة ماله، وليس هذا من أخلاق الدعاة ولا من أفعالهم، فكيف ينسب مثله إلى نبي من
أنبياء الله تعالى؟ !.
(٣) عرائس المجالس ص ١٢٩- ١٣٠، وإسناده ساقط كما قال الحافظ ابن حجر في تخريج
أحاديث الكشاف ص ٩٠.

سُوَلةُ لُوسُفَ
٣٨٦
الآية : ٥٦
ثمَّ إنه - كما روي عن ابن عباس وغيره - توَّجه، وختمه بخاتمِه، وردّاه بسیفِه،
ووضع له سريراً من ذهبٍ مكلَّلاً بالدُّرِّ والياقوت، طولُه ثلاثون ذراعاً، وعرضُه عشرةٌ
أذرع، ووضع عليه الفُرش، وضرب عليه حُلَّة من استبرق، فقال عليه السلام: أمَّا
السريرُ فأشدُّ به ملكَكَ، وأمَّا الخاتم فأدبِّر به أمرَكَ، وأمَّا التاجُ فليس من لباسي
ولا لباسٍ آبائي. فقال: قد وضعتُه إجلالاً لك وإقراراً بفضلك. فجلس على السرير،
ودانتْ له الملوكُ، وفوَّض إليه الملكُ أمرَه، وأقام العدلَ بمصر، وأحبَّتْه الرِّجال
والنساء، وباع من أهل مصرَ في سنيٍّ القَخْط الطعام في السنة الأولى بالذَّراهم
والدنانير حتى لم يبقَ منها شيء، وفي الثانية بالحَلْي والجواهر، وفي الثالثة بالدَّوابِّ
والمواشي، وفي الرابعة بالعبيد والجواري، وفي الخامسة بالضِّياع والعَقار، وفي
السادسة بالأولاد، وفي السابعة بالرِّقاب، حتى استرقَّهم جميعاً، وكان ذلك ممَّا یصحُ
في شرعهم. فقالوا: ما رأينا كاليوم ملكاً أجلَّ وأعظمَ منه. فقال للملك: كيف رأيتَ
صنع الله تعالى فيما خوَّلني، فما ترى في هؤلاء؟ فقال الملك: الرأيُ رأيُك ونحنُ لك
تَبَع. فقال: إني أُشهد الله تعالى وأُشهدك أني قد أعتقتُهُم ورددتُ إليهم أملاكهم.
ولعلَّ الحكمةَ في ذلك إظهارُ قدرته وکرمِه، وانقیادُهم بعد ذلك لأمره حتى
يخلُصَ إيمانُهم ويتَّبعوه فيما يأمرهم به، فلا يقال: ما الفائدةُ في تحصيل ذلك المال
العظيم ثمَّ إضاعتِهِ؟
وكان عليه السلام في تلك المدَّة فيما يُروى لا يشبعُ من الطعام، فقيل له:
أتجوعُ وخزائنُ الأرض بيدك؟ فقال: أخافُ إن شبعتُ [أن](١) أنسى الجائعَ. وأمر
عليه السلام طبَّاخِي الملك أن يجعلوا غذاءَه نصفَ النَّهار، وأراد بذلك أن يذوقَ
طعمَ الجوع فلا ينسى الجياع، قيل: ومن ثمَّ جعل الملوكُ غذاءهم نصف النهار.
وقد أشار سبحانه إلى ما آتاه من المُلك العظيم بقوله جلَّ وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ﴾
أي: مثل ذلك(٢) التمكين البديع ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ أي: جعلنا له مكاناً ﴿فِى الْأَرْضِ﴾
أي: أرضٍ مصر، روي أنَّها كانت أربعين فرسخاً في أربعين.
(١) ما بين حاصرتين من عرائس المجالس ص ١٣١، وتفسير البغوي ٤٣٤/٢، وتفسير القرطبي
٣٨٩/١١.
(٢) قوله: ذلك، ساقط من (م).

الآية : ٥٧
٣٨٧
سُؤَدَةٌ تُوسُفَ
وفي التعبير عن الجَعْل المذكور بالتمكين في الأرض مسنداً إلى ضميرٍه تعالى
من تشريفِه عليه السلام، والمبالغةِ في كمال ولايتِه، والإشارة إلى حصول ذلك من
أوَّل الأمر لا أنَّه حصل بعدَ السؤال = ما لا يخفى.
واللام في ((ليوسف)) - على ما زعم أبو البقاء - يجوز أن تكون زائدةً، أي:
مكّنًا يوسف. وأن لا تكون كذلك، والمفعول محذوف، أي: مكَّنَّا له الأمور(١).
وقد مرَّ لك ما يتَّضح منه الحقُّ.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ ينزل من قطعِها وبلادِها ﴿حَيْثُ يَشَأْهُ﴾ ظرفٌ لـ ((يَتَبَّوأ))، وجوِّز
أن يكون مفعولاً به كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾
[الأنعام: ١٢٤].
و((منها)) متعلِّق بما عنده. وقيل: بمحذوفٍ وقع حالاً من ((حيث)). وتُعقّب بأنَّ
((حيث)) لا يتمُّ إلا بالمضاف إليه، وتقديمُ الحال على المضاف إليه لا يجوز.
والجملة في موضع الحال من ((يوسف))، وضمير ((يشاء)) له، وجوِّز أن يكون لله
تعالى، ففيه التفات، ويؤيِّده أنه قرأ ابنُ كثير والحسنُ، وبخلاف عنهم أبو جعفر
وشيبةُ ونافع: ((نشاء)» بالنُّون(٢)، فإنَّ الضمير على ذلك لله تعالى قطعاً.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ بنعمتِنا وعطائِنا في الدنيا من المُلْك والغنى وغيرهما من
النِّعم. وقيل: المراد بالرحمة النبوَّةُ، وليس بذاك ﴿مَن نَّشَآءُ﴾ بمقتضى الحكمة
الدَّاعية للمشيئة.
بل نوفِّي لهم أجورَهم في الدنيا لإحسانهم،
﴿وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
والمرادُ به - على ما قيل - الإيمانُ والثَّباتُ على التقوى؛ فإنَّ قوله سبحانه: ﴿وَلَأَجْرُ
قد وُضع فيه الموصولُ موضعَ ضمير
اَلْأَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ (®﴾
(المحسنين))، وجُمع بين صيغتي الماضي والمستقبل تنبيهاً على ذلك، والمعنى:
ولأجرُهم في الآخرة خيرٌ، والإضافة فيه للملابسة.
(١) الإملاء ٣٤١/٣.
(٢) التيسير ص ٢٩، والنشر ٢/ ٢٩٥ عن ابن كثير، والكلام من البحر ٣٢٠/٥.

سُؤَدَلُّ لُوسُفَ
٣٨٨
الآية : ٥٧
وجُعل في تعقيب الجملة المثبتة بالجملةِ المنفيَّة إشعارٌ بأنَّ مدارَ المشيئة
المذكورة إحسانُ مَن تصيبه الرَّحمة المذكورة، وفي ذكر الجملةِ الثالثة المؤكّدةِ بعدُ
دفعُ توهُّم انحصار ثمراتِ الإحسان فيما ذُكر من الأجر العاجل، ويُفهم من ذلك أن
المراد من ((مَن نشاء)»: مَنْ نشاء أن نُصيبَه بالرَّحمة من عبادنا الذين آمنوا واستمرُّوا
على التقوى. وتُعقّب بأنَّه خلافُ الظاهر.
ولعلَّ الظاهر حملُ (مَن)) على ما هو أعمُّ مما ذُكر، وحينئذٍ لا يبعدُ أن يُراد
بالرَّحمة النِّعمةُ التي لا تكون في مقابلة شيءٍ من الأعمال، وبالأجر ما كان في
مقابلة شيءٍ من ذلك، ويبقى أمرُ وضع الموصولِ موضعَ الضمير على حاله، كأنه
قيل: نتفضَّل على مَن نشاءُ من عبادنا كيف كانوا، ونُنعِم عليهم بالمُلك والغِنى
وغيرِهما لا في مقابلة شيءٍ، ونوِّي أجورَ المؤمنين المستمرِّين على التقوى منهم،
ونُعطيهم في الدنيا ما نعطيهم في مقابلةِ إيمانهم واستمرارِهم على التَّقوى،
وما نعطيهم في مقابلة ذلك في الآخرة من النعيم العظيم المقيم خيرٌ لهم ممَّا نعطيهم
في الدنيا لِعِظَمه ودوامه.
واعتُرض بأنَّ فيه إطلاقَ الرحمة على ما يُصيب الكافرَ من نحو المُلك والغِنى،
مع أنَّه ليس برحمةٍ كما يُشعر به كثيرٌ من الآيات، ويقتضيه قولُهم: ليس لله تعالى
نعمةٌ علی کافر.
وأُجيب بأنَّ قولَهم في ((الرحمن)) إنَّه الذي يرحم المؤمنَ والكافر في الدنيا.
ظاهرٌ في صحة إطلاق الرحمة على ما يُصيب الكافرَ من ذلك، وكذا قوله تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ظاهرٌ في صحة القول بكون الكافر
مرحوماً في الجُملة، وأمرُ الإشعار سهل.
وقولهم: ليس لله تعالى نعمةٌ على كافر، إنَّما قاله البعضُ بناءً على أَخْذِ:
(يُحمَدُ عاقبتُها)) في تعريفها، وإن أبيتَ - ولا أظنُّ - فلمَ لا يجوزُ أن يقال: إنَّه عبَّر
عما ذُكر بالرحمة رعايةً لجانبٍ مَن اندرج في عمومِ ((مَنْ)) من المؤمنين؟
نعم يَرِدُ على تفسيرِ الرحمة هنا بالنِّعمة التي لا تكون في مقابلة شيءٍ من
الأعمال، والأجرِ بما كان، ما روي عن سفيان بنِ عيينة أنَّه قال: المؤمنُ يُئاب

الآية : ٥٨
٣٨٩
سُؤََّلُ لُوسُفَ
على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجرُ يُعجَّلُ له الخيرُ في الدنيا، وما له في
الآخرة من خَلَاقٍ. وتلا الآيةَ. فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ ما يُصيبُ الكافر ممَّا تقدَّم في
مقابلةِ عملٍ له، وأنَّ في الآية ما يدلُّ على ذلك، وليس هو إلا ((نصيب برحمتنا من
نشاء)» .
وقد يجاب بأنَّه لعلَّه حمل ((المحسنين)) على ما يشمل الكفَّار الفاعلين لِمَا
يَحْسُنُ، كصِلة الرَّحِم، ونُصرةِ المظلوم، وإطعامِ الفقير، ونحوِ ذلك، فحصرُ الدلالة
فيما ذُكر ممنوعٌ، نعم إنَّ هذا الأثر يعكِّرُ على التفسير السَّابق عكراً بيِّناً؛ إذ الآية
عليه لا تعرُّض فيها للكافر أصلاً، فلا معنى لتلاوتها إثرَ ذلك الكلام.
وعمَّم بعضهم الأوقات في «نُصيب)) و((لا نُضِيعُ)) فقال: نُصيب في
الدنيا والآخرة، ولا نُضيع أجرَ المحسنين بل نوفِّي أجورهم عاجلاً وآجلاً. وأيّد
بأنه لا مُؤْجِبَ للتخصيص، وأنَّ خبر سفيان يدلُّ على العموم.
وتُعقِّب بأنَّ مَن خصَّ ذلك بالدنيا إنما(١) خصَّه ليكون ما بعدَه تأسيساً، وبأنَّه
لا دلالة للخبر على ذلك؛ لأنَّه مأخوذٌ من مجموع الآية، وفيه ما فيه.
وعن ابن عباس تفسيرُ ((المحسنين)) بالصابرين، ولعلَّه ◌َُه على تقدير صحة
الرواية رأى ذلك أوفقَ بالمقام.
وأيّاً ما كان، ففي (٢) الآية إشارة إلى أنَّ ما أعدَّ الله تعالى ليوسف عليه السلام
من الأجر والثواب في الآخرة أفضلُ ممَّا أعطاه في الدنيا من المُلْك.
﴿وَجَآءَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ﴾ ممتارين(٣)، لمَّا أصاب أرض كنعان وبلاد الشَّام
ما أصاب مصر، وقد كان حلَّ بآل يعقوبَ عليه السلام ما حلَّ بأهلها، فدعا أبناءه
ما عدا بنيامين، فقال لهم: يا بَنيَّ بلغني أنَّ بمصر ملكاً صالحاً يبيع الطعامَ فتجهّزوا
إليه واقصدوه تشتروا منه ما تحتاجون إليه. فخرجوا حتَّى قدموا مصر ﴿فَدَخَلُوا
عَلَيْهِ﴾ عليه السلام وهو في مجلسٍ ولايته ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لقوَّة فهمِه، وعدمٍ مباينةٍ
(١) في (م): فإنما .
(٢) في (م): في.
(٣) من المِيْرَة، وهي جلب الطعام. القاموس (مير).

سُرَةٌ تُوسُفَ
٣٩٠
الآية : ٥٨
أحوالهم السَّابقةِ أحوالَهم يومئذٍ (١)؛ لمفارقته إيَّاهم وهم رجالٌ، وتشابُهِ هيآتهم
وزيِّهم في الحالين، ولكون همَّتِهِ معقودً بهم وبمعرفةِ أحوالهم لا سيما في زمن
القحط. ولعلَّه عليه السلام كان مترقِّباً مجيئَهم إليه لِمَا يعلم من تأويل رؤياه.
وروي أنهم انتسبوا في الاستئذان عليه فعرفهم وأمر بإنزالهم، ولذلك قال
الحسن: ما عرفهم حتى تعرَّفوا إليه(٢).
وتعقّب ذلك في ((الانتصاف)) بأنَّ توسيط الفاء بين دخولهم عليه ومعرفتِه لهم
يأبى كلامَ الحسن، ويدلُّ على أنَّ مجرَّد دخولهم عليه استعقبه المعرفةُ بلا مهلةٍ(٣)،
وفيه تأمل.
﴿وَهُمْ لَهُمْ مُنْكِرُونَ ﴾﴾ أي: والحالُ أنَّهم منكرون له؛ لنسيانهم له بطولِ العَهد
وتبايُنِ ما بين حاليه في نفسه ومنزلتِهِ وزيُّه، ولاعتقادهم أنَّه هلك.
وقيل: إنَّما لم يعرفوه لأنَّه عليه السلام أوقفهم موقفَ ذوي الحاجات بعيداً منه
وگلّمهم بالواسطة.
وقيل: إنَّ ذلك لمحضٍ أنه سبحانه لم يخلقِ العرفانَ في قلوبهم تحقيقاً لِمَا أخبر
أنَّه سينبِّتهم بأمرِهم وهم لا يشعرون، فكان ذلك معجزةً له عليه السلام.
وقابَل المعرفة بالإنكار على ما هو الاستعمالُ الشائع، فعن الراغب: المعرفةُ
والعرفان: معرفةُ الشيء بتفكِّرٍ في أثره، فهو أخصُّ من العلم، وأصلُه من عرفتُ،
أي: أصبتُ عَرْفَه، أي: رائحتَه، ويضادُّ المعرفةَ الإنكارُ، والعلمَ الجهلُ (٤).
وحيث كان إنكارُهم له عليه السلام أمراً مستمرًّا في حالتي المحضرِ والمَغيبِ
أخبر عنه بالجملة الاسميَّة، بخلافِ عِرفانه عليه السلام إيَّاهم.
(١) في الأصل و(م): يوم المفارقة، بدل: يومئذ، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٨٨/٤،
والكلام منه.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٣، وذكره الزمخشري في الكشاف ٣٢٩/٢-٣٣٠،
وأبو حيان في البحر ٣٢١/٥، وأبو السعود في تفسيره ٢٨٨/٤ بلفظ :... حتى تعرفوا له.
(٣) الانتصاف ٢/ ٣٣٠، وفيه: استعقبته، بدل: استعقبه.
(٤) مفردات الراغب (عرف).

الآية : ٥٩
٣٩١
سَُّلُ لُوسُفَ
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أصلحهم بعدَّتهم وأوقرَ رَكائبهم بما جاؤوا لأجله،
ولعلَّه عليه السلام إنَّما باع كلَّ واحدٍ منهم حِمْلَ بعيرٍ ؛ لِمَا رُوي أنه عليه السلام كان
لا يبيعُ أحداً من الممتارين أكثرَ من ذلك تقسيطاً بين الناس، وفيما يأتي إن شاء الله
تعالى من قولهم: ((ونزداد كيل بعير)) ما يؤيِّده.
وأصلُ الجَهاز ما يحتاجُ إليه المسافر من زادٍ ومتاعٍ، وجِهَاز العروس: ما تُزفُّ
به إلى زوجها، والميتِ: ما يُحتاج إليه في دفنِه. وقرىء بكسر الجيم(١).
﴿قَالَ آَتْنُونِي بِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ﴾ ولم يقلْ: بأخيكم، مبالغةً في إظهار عدمٍ معرفته
لهم، كأنَّه لا يدري مَن هو، ولو أضافه اقتضَى معرفتَه لإشعارِ الإضافة به، ومن هنا
قالوا في: أَرْسِلْ غلاماً لك: الغلامُ غيرُ معروف. وفي: أرسل غلامَك: معروفٌ
بينك وبين مخاطبك عهدٌ فيه.
ولعلَّه عليه السلام إنَّما قال ذلك لِمَا قيل من أنَّهم سألوه حملاً زائداً على
المعتاد لبنيامين، فأعطاهم ذلك وشَرَطَ عليهم أن يأتوه به مُظهِراً لهم أنَّه يريد أن
يعلَم صدقَهم.
وقيل: إنهم لمَّا رأَوه فكلَّموه بالعبرية قال لهم: مَن أنتم فإني أُنْكِرُكم؟ فقالوا : نحن
قومٌ من أهل الشام رعاةً أصابنا الجهدُ فجِثْنا نمتارُ. فقال: لعلَّكم جئتم عيوناً تنظرون
عورةَ بلادي. قالوا: معاذ الله، نحنُ إخوةٌ بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخٌ صدِّيقٌ نبيٍّ من
الأنبياء اسمُه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا: كنَّا اثني عشر فهلك منَّا واحد. فقال: كم
أنتم ها هنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه یتسلَّی به عن
الهالك. قال: فمن يشهدُ لكم أنكم لستُم عيوناً وأنَّ ما تقولون حقٌّ؟ قالوا: نحن ببلادٍ
لا يعرفنا فيها أحدٌ فيشهدَ لنا. قال: فدَعُوا بعضكم عندي رهينةً وائتوني بأخيكم من
أبيكم وهو يحملُ رسالةً من أبيكم حتَّى أصدِّقكم. فاقترعوا فأصابَ القرعةُ شمعون،
وقيل: إنَّه عليه السلام هو الذي اختاره؛ لأنَّه كان أحسنهم رأياً فيه، والمشهورُ أنَّ
الأحسن يهوذا، فخلَّفوه عنده(٢)، ومن هذا يُعلم سبب هذا القول.
(١) القراءات الشاذة ص ٦٤، والبحر المحيط ٣٢١/٥.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٣٠/٢، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٢٣/١٣ عن السدي.

سُؤَةُ ◌ُوسُفَ
٣٩٢
الآية : ٥٩
وتُعقِّب بأنَّه لا يساعده ورودُ الأمر بالإتيان به عند التجهيز، ولا الحثُّ عليه
بإيفاء الكَيْل، ولا الإحسانُ في الإنزال، ولا الاقتصارُ على منع الكيل من غيرِ ذكر
الرسالة، على أنَّ استبقاءَ شمعون لو وقع لكان ذلك طامَّةً ينسى عندَها كلُّ قيل.
وقال بعضهم: إنَّه يضعِّف الخبرَ اشتمالُه على بَهتِ إخوتهِ بجعلهم جواسيسَ،
إلَّا أن يقال: إنَّ ذلك كان عن وحي.
وقال ابن المنيِّر(١): إنَّ ذلك غيرُ صحيح، لأنه إذا ظنَّهم جواسيسَ، كيف
يطلبُ منهم واحداً من إخوتهم؟ وما في النَّظم الكريم يخالفُه. وأطال في ذلك.
وتعقِّب بأنه ليس بشيءٍ؛ لأنهم لمَّا قالوا له: إنهم أولاد يعقوب عليه السلام،
طَلَب أخاهم، وبه يتّضح الحال.
وأخرج ابنُ جرير وغيرُه عن ابن عباس أنَّهم لمَّا دخلوا عليه عليه السلام
فعرفهم وهم له منكرون، جاء بصُواع الملك الذي كان يشربُ فيه، فوضعه على يدِه
فجعل ينقرُه ويطنُّ وينقرُه ويطنُّ، فقال: إنَّ هذا الجامَ(٢) ليخبرني خبراً؛ هل كان
لكم أخٌّ من أبيكم يقال له: يوسف، وكان أبوه يحبُّه دونَكم، وإنَّكم انطلقتم به
فألقيتموه في الجُبِّ، وأخبرتم أباكم أنَّ الذِّئب أكله، وجئتم على قميصِه بدمٍ كذب؟
قال: فجعل بعضُهم ينظر إلى بعض، ويَعْجَبون أنَّ الجامَ يخبرُ بذلك(٣). وفيه مخالفةٌ
للخبر السابق، وفي الباب أخبارٌ أُخَرُ كلُّها (٤) مضطربة، فلْيُقصر على ما حكاه الله
تعالى ممَّا قالوا ليوسف عليه السلام.
وقال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ أُوْفِ الْكَيْلَ﴾ أتمُّه لكم، وإيثارُ صيغة الاستقبال مع كون
هذا الكلام بعد التجهيز للدلالة على أن ذلك عادةٌ مستمرَّة ﴿وَأَنَأْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
٥٩
جملةٌ حالية، أي: ألا ترون أنِّي أوفِ الكيلَ لكم إيفاءً مستمرّاً، والحالُ أنِّي في
غايةِ الإحسان في إنزالكم وضيافتِكم، وكان الأمر كذلك. ويُفهم من كلام بعضِهم
التعميمُ في الجملتين بحيث يندرجُ حينئذٍ في ذلك المخاطبون.
(١) كما في حاشية الشهاب ١٨٨/٥ .
(٢) الجام: إناء من فضة. القاموس (جوم).
(٣) تفسير الطبري ٣٣/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٢.
(٤) في (م): وكلها.

الآية : ٦٠ - ٦١
٣٩٣
سُؤَلاَ تُوسُفَ
وتخصيصُ الرؤية بالإيفاء لوقوع الخطاب في أثنائه، وأمَّا الإحسان في الإنزال
فقد كان مستمرّاً فيما سبق ولَحِق، ولذلك أُخبر عنه بالجملة الاسميّة. ولم يقلْ ذلك
عليه السلام بطريقِ الامتنان، بل لحثِّهم على تحقيق ما أمرهم به.
والاقتصارُ في الكيل على ذكر الإيفاء؛ لأنَّ معاملته عليه السلام معهم في ذلك
كمعاملته مع غيرهم في مراعاة مواجب العَدْل، وأما الضيافةُ فليس للناس فيها حقٌّ،
فخصَّهم في ذلك بما يشاء. قاله شيخ الإسلام(١).
﴿فَإِنِ لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾ إيعادٌ لهم على عدم الإتيان به، والمرادُ:
لا كيلَ لكم في المرَّة الأخرى، فضلاً عن إیفائه.
﴿وَلَا نَّقْرَبُونِ ﴾﴾ أي: لا تقربوني بدخولٍ بلادي، فضلاً عن الإحسان في
الإنزال والضيافةِ، وهو إمَّا نهيٌ أو نفيٌ، معطوفٌ - على التقديرين - على الجزاء.
وقيل: هو على الأوَّل استئنافٌ؛ لئلا يلزم عطفُ الإنشاء على الخبر. وأُجيب
بأنَّ العطفَ مغتفرٌ فيه؛ لأنَّ النهي يقع جزاءً.
وفيه دليلٌ على أنهم كانوا على نيةِ الامتيارِ مرَّة بعد أخرى، وأنَّ ذلك كان
معلوماً له عليه السلام، والظاهرُ أنَّ ما فعله معهم كان بوحي، وإلا فالبرُّ يقتضي أن
يبادرَ إلى أبيه ويستدعيَه، لكنَّ الله سبحانه أراد تكميلَ أجرٍ يعقوب في محنته، وهو
الفعَّال لِمَا یریدُ في خليقته.
﴿قَالُواْ سَنُزَوِّدُ عَنْهُ أَبَاءُ﴾ أي: سنخادعه ونستميلُه برفقٍ، ونجتهدُ في ذلك، وفيه
تنبيهٌ على عزَّة المَظْلب(٢) وصعوبةِ مناله.
﴿وَإِنَّا لَفَعِلُونَ ﴾﴾ أي: إنَّا لقادرون على ذلك لا نتعايا به، أو: إنَّا لفاعلون
ذلك لا محالةَ ولا نفرِّط فيه ولا نتوانا. والجملةُ على الأوَّل تذييلٌ يؤكّد مضمونَ
الجملة الأُولى ويحقِّق حصولَ الموعود من إطلاق المسبَّب - أعني الفعل - على
السبب أعني القدرة، وعلى الثاني هي تحقيقٌ للوفاء بالوعد، وليس فيه ما يدلُّ على
أنَّ الموعود يحصل أوْ لا .
(١) في تفسيره ٢٨٨/٤ .
(٢) في الأصل: الطلب، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٩/٤، والكلام منه.

سُورَةُ تُوسُفَ
٣٩٤
الآية : ٦٢
﴿وَقَالَ﴾ يوسفُ عليه السلام ﴿لِفِنْيَنِهِ﴾ لغلمانه الكيَّالين، كما قال قتادةُ وغيره،
أو لأعوانه الموظّفين لخدمته كما قيل. وهو جمعُ فتى، أو اسمُ جمع له علی قولٍ،
وليس بشيءٍ.
وقرأ أكثرُ السبعة: ((لفتيته)(١)، وهو جمعُ قِلَّة له. ورجِّحت القراءة الأولى بأنَّها
أوفقُ بقوله: ﴿أَجْعَلُواْ بِضََهُمْ فِ رِعَالِهِمْ﴾ فإنَّ الرِّحال فيه جمعُ كثرة، ومقابلةُ الجمع
بالجمع تقتضي انقسامَ الآحاد على الآحاد، فينبغي أن يكون في مقابله صيغةُ جمع
الكثرة، وعلى القراءة الأخرى يُستعار أحدُ الجمعين للآخر؛ روي أنه عليه السلام
وَّلَ بكلِّ رَحْلٍ رجلاً يُعِّىُ فيه بضاعتهم التي اشتروا بها الطعامَ، وكانت نعالاً
وأدماً(٢). وأصلُ البضاعة: قطعةٌ وافرة من المال تُقتنى للتجارة، والمراد بها هنا
ثمنُ ما اشتروه.
والرَّحْل ما على ظَهْر المركوب من متاعِ الراكب وغيره، كما في ((البحر))(٣).
وقال الراغب: هو ما يُوضَع على البعير للركوب، ثمَّ يعبَّر به تارةً عن البعيرِ،
وأخرى عمَّا يُجلس عليه في المنزله(٤). ويُجمع في القِلَّة على أَرْحِلَة.
والظاهرُ أنَّ هذا الأمر كان بعد تجهيزهم. وقيل: قبلَه، ففيه تقديمٌ وتأخير،
ولا حاجةً إليه.
وإنَّما فعل عليه السلام ذلك تفضُّلاً عليهم، وخوفاً أن لا يكون عند أبيه
ما يرجعون به مرَّةً أخرى، وكلُّ ذلك لتحقيق ما يتوخَّاه من رجوعهم بأخيهم
کما يُؤْذن به قولُه :
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: يعرفون حقَّ ردِّها والتكرُّم بذلك، فـ((لعل)) على
ظاهرها، وفي الكلام مضافٌ مقدَّر. ويحتمل أن يكون المعنى: لكي يعرفوها،
فلا يحتاج إلى تقديرٍ، وهو ظاهرُ التعلَّق بقوله: ﴿إِذَا أُنْقَلَبُواْ﴾ أي: رجعوا ﴿إِلَى
(١) التيسير ص ١٢٩، والنشر ٢٩٥/٢، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر ونافع وأبي عمرو
وأبي جعفر ويعقوب.
(٢) بضم الهمزة وفتحها، جمع أَدَم، وهو الجلد المدبوغ. حاشية الشهاب ١٨٩/٥ .
(٣) ٣١٤/٥.
(٤) مفردات الراغب (رحل).

الآية : ٦٣
٣٩٥
سُؤَاُ لُوسُفَ)
أَهْلِهِمْ﴾ فإنَّ معرفتهم لها مقيَّدةٌ بالرجوع وتفريغ الأوعية قطعاً، وأمَّا معرفةُ حقِّ
التكرُّم في ردِّها وإن كانت في ذاتها غيرَ مقيَّدة بذلك لكنْ لمَّا كان ابتداؤُها حينئذٍ
ڤيِّدت به.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ حسبما طلبتُ منهم، فإنَّ التفضُّل بإعطاء البدلَيْنِ
ولا سيما عند إعواز البضاعة من أقوى الدَّواعي إلى الرجوع.
وقيل: إنَّما فعله عليه السلام لِمَا أنه لم يرَ من الكرم أن يأخذَ من أبيه وإخوته
ثمناً وهو الكريمُ ابنُ الكريم، وهو كلامٌ حقٌّ في نفسه، ولكنْ يأباه التعليلُ
المذكور.
ومثله في هذا ما زعمه ابنُ عطيّة من وجوبٍ صلتهم وجبرِهم عليه - عليه
السلام - في تلك الشدّة، إذ هو ملكٌ عادلٌ وهم أهلُ إيمانٍ ونبوّة(١).
وأغربُ منه ما قيل: إنه عليه السلام فعل ذلك توطئةً لجَعْلِ السِّقاية في رَحْلٍ
أخيه بعد ذلك؛ ليتبيّن أنه لم يسرقْ لمن يتأمل القصّة.
ووجَّه بعضُهم عِلِّيَّة الجعل المذكور للرجوع بأنَّ ديانتهم تحملهم على ردِّ
البضاعة؛ لاحتمال أنَّه لم يقع ذلك قصداً، أو قصداً للتجربة، فـ ((يرجعون)) على
هذا إما لازمٌ، وإما متعدٍّ والمعنى: يرْجِعونها، أي: يردُّونها.
وفيه أنَّ هيئة التَّعْبِية تنادي بأنَّ ذلك بطريق التفضُّل، فاحتمالُ غيره في غاية
البُعد، ألا ترى أنَّهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلاً على
التفضُّلات السابقة كما ستحيط به خُبراً إن شاء الله تعالى.
﴿فَمَّا رَجَعُواْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَأَبَنَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي: حُكِمَ بمنعه بعدَ اليوم إنْ
لم نذهب بأخينا بنيامين، حيثُ قال لنا الملك: ((إن لم تأتوني به فلا كيلَ لكم
عندي)) والتعبيرُ بذلك عمَّا ذُكر(٢) مجازٌ، والدَّاعي لارتكابه أنَّه لم يقع منعٌ ماض،
وفيه دليلٌ على كون الامتيارِ مرَّة بعد أخرى كان معهوداً بينهم وبينه عليه السلام.
(١) المحرر الوجيز ٢٥٩/٣.
(٢) أي: تأويل (مُنع)) بـ ((حُكِمَ)). حاشية الشهاب ١٨٩/٥.

سُؤَةُ بُوسُفَ
٣٩٦
الآية : ٦٣
وقيل: إنَّ الفعل على حقيقته، والمرادُ: منع أن يكال لأخيهم الغائب حِمْلاً
آخر، ورُدَّ بعيرُه غيرَ محمَّلٍ، بناءً على روايةٍ أنه عليه السلام لم يُعْطِ له وسقاً.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا﴾ بنيامين إلى مصر، وفيه إيذانٌ بأنَّ مدار المنع على عدم
كونه معهم.
﴿نَكْتَلْ﴾ أي: من الطعام ما نحتاج إليه، وهو جوابُ الطلب؛ قيل:
والأصل: يُرفع المانعُ ونَكْتَلْ، فالجواب هو ((يرفع)) إلَّا أنه رُفع ووُضع موضعه
(نكتل))؛ لأنَّه لَمَّا علِّق المنعُ من الكيل بعدم إتيان أخيهم، كان إرسالُه رفعاً لذلك
المانع، ووضع موضعه ذلك لأنَّه المقصود.
وقيل: إنه جيء بآخر الجزأين ترتُّباً دلالةٌ على أوَّلهما مبالغةً.
وأصل هذا الفعل: نَكْتَيِلُ على وزن نفتعل، قُلبت الياءُ ألفاً لتحرُّكها وانفتاحِ
ما قبلها، ثمَّ حُذفت لالتقاء الساكنين.
ومن الغريب أنَّه نقل السجاوندي أنه سأل المازنيُّ ابنَ السِّكِّيت عند الواثق عن
وزنِ ((نكتل)) فقال: نفعل. فقال المازنيُّ: فإذاً ماضيه ((كتل)) فخّأه على أبلغ
وجه(١).
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((يكتل)) بياء الغيبة(٢) على إسناده للأخ مجازاً؛ لأنَّه
سببٌ للاكتيال، أو: يكتل أخونا فينضمّ اكتيالُه إلى اكتيالنا، وقوَّى أبو حيَّان بهذه
القراءة القولَ ببقاء (مُنِعَ)) على حقيقته، ومثلُه الإمام (٣).
(١) اختلف في القصة؛ فروى بعضهم أنها كانت بحضرة الواثق، كما نقل المصنف عن
السجاوندي، وبعضهم ذكر أنها كانت بين يدي المتوكل، وقال آخرون: إن ذلك كان
عند محمد بن عبد الملك الزيات الوزير. ينظر معجم الأدباء ١١٧/٧، ووفيات الأعيان
٣٩٧/٦، والدر المصون ٥١٧/٦. إلا أن السمين ذكر أن ابن السكيت أجاب عن
سؤال المازني بأن وزن ((نكتل)) هو: نفتل، وقال: هكذا رأيت في بعض الكتب، وهذا
ليس بخطأ؛ لأن التصريفيين نصُّوا على أنه إذا كان في الكلمة حذف أو قلب حذفت في
الزنة وقلبت، فنقول: وزن بعت وقمت: فِعْتُ وفُعتُ، ووزن عِد: عِل. ثم قال: ورأيت
في بعض الكتب أنه قال: نفعل، بالعين، وهو خطأ محض ... إلى آخر ما قاله.
(٢) التيسير ص ١٢٩، والنشر ٢٩٥/٢. وهي قراءة خلف من العشرة.
(٣) البحر ٣٢٢/٥، وتفسير الرازي ١٧٣/١٨ .

الآية : ٦٤
٣٩٧
سُورَةُ تُوسُفَ
﴿وَإِنَّا لَهُنْ لَحَفِظُونَ ﴾﴾ من أن يصيبه مكروهٌ، وهذا سدٍّ لباب الاعتذار،
وقد بالغوا في ذلك كما لا يخفى، وفي بعض الأخبار - ولا يخفى حالُه - أنَّهم
لمَّا دخلوا على أبيهم عليه السلام سلَّموا عليه سلاماً ضعيفاً، فقال لهم: يا بَنِيَّ
ما لكم تسلُّمون عليّ سلاماً ضعيفاً؟ وما لي لا أسمع فيكم صوتَ شمعون؟
فقالوا: يا أبانا جئناك من عند أعظم الناس مُلْكاً، ولم يُر مثله علماً وحكماً ا
وخشوعاً وسكينةً ووقاراً، ولئن كان لكَ شبةٌ فإنه يشبهك، ولكنَّا أهلُ بيت خُلقنا
للبلاء، إنه اتَّهمنا وزعم أنه لا يصدِّقنا حتى ترسلَ معنا بنيامين برسالةٍ منك
تخبره عن حزنك وما الذي أحزنك، وعن سرعةِ الشَّيب إليك وذهابٍ بصرك،
وقد مَنَعَ منَّا الكيل فيما يُستقبل إن لم نأتِهِ بأخينا، فأرسلْه معنا نَكْتَلْ وإِنَّا له
لحافظون حتَّی نأتيك به.
﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ، و((آمَنُكم)) بالمدِّ وفتحِ الميم ورفعٍ
النون مضارعٌ من بابٍ عَلِمَ، وأَمِنَه وائتمنه. بمعنى، أي: ما أأتَمنكم (١) عليه
كَمَّ أَمِنِتُكُمْ﴾ أي: إلا ائتماناً مثلَ ائتماني إِيَّاكم ﴿عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسفَ
﴿مِن قَبْلَّ﴾ وقد قلتم أيضاً في حقِّه ما قلتم، ثم فعلتم به ما فعلتم، فلا أثقُ بكم
ولا بحفظِكم وإنَّما أفوِّض أمري إلى الله تعالى ﴿فَاللَّهُ خَيْرُ حَفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِمِينَ ﴾﴾ فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمعَ عليَّ مصيبتين.
وهذا كما ترى ميلٌ منه عليه السلام إلى الإذن والإرسال لِمَا رأى فيه من
المصلحة، وفيه أيضاً من التوكُّل على الله تعالى ما لا يخفَى، ولذا روي أنَّ الله
تعالى قال: وعزَّتي وجلالي لَأَردُّهما عليك إذا توّلتَ عليّ.
ونصب ((حافظاً)) على التمييز، نحو: لله دَرُّه فارساً. وجوَّز غير واحد أن يكون
على الحالية، وتعقَّبه أبو حيَّان بأنه ليس بجيِّد، لما فيه من تقييد الخيريَّة بهذه
الحالة (٢). ورُدَّ بأنها حالٌ لازمةٌ مؤكِّدةٌ لا مبيّنةٌ، ومثلُها كثيرٌ، مع أنه قولٌ بالمفهوم
وهو غيرُ معتبر، ولو اعتُبر ورَدَ على التمييز، وفيه نظر.
(١) في الأصل و(م): انتمنكم، والصواب ما أثبتناه.
(٢) البحر ٣٢٢/٥.

سُوٌ لٌ تُوسُفَ
٣٩٨
الآية : ٦٥
وقرأ أكثر السبعة: ((حِفظاً))(١) ونصبُه على ما قال أبو البقاء على التمييز
لا غير(٢).
وقرأ الأعمش: ((خيرُ حافظٍ)) على الإضافة وإفرادِ ((حافظ))(٣). وقرأ أبو هريرة:
(خير الحافظين)) على الإضافة والجمع(٤). ونقل ابنُ عطية عن ابن مسعود ظُه أنَّه
قرأ: ((فالله خيرٌ حافظاً وهو خيرُ الحافظين))(٥) قال أبو حيَّان: وينبغي أن تُجعل
جملة ((وهو خير)) إلخ تفسيراً للجملة التي قبلها لا أنَّها قرآن(٦). وقد مرَّ تعليلُ
ذلك.
﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ﴾ قال الراغب: المتاُ: كلُّ ما يُنتفع به على وجهٍ، وهو
في الآية الطّعام، وقيل: الوعاء. وكلاهما متاعٌ، وهما متلازمان فإنَّ الطعام كان
في الوعاء(٧). والمعنى على أنَّهم لمَّا فتحوا أوعية طعامهم ﴿وَجَدُواْ بِضَعَتَّهُمْ﴾ التي
كانوا أعطوها ثمناً للطعام ﴿رُدَّتْ إِلَتِهِمْ﴾ أي: تفضُّلاً، وقد علموا ذلك بما مرَّ من
دلالةِ الحال.
وقرأ علقمة ويحيى بنُ وثاب والأعمش: ((رِدَّت)) بكسر الراء(٨)، وذلك أنَّه
نقلت حركةُ الدَّال المدغمة إلى الراء بعد توهُّم خلوِّها من الضمَّة، وهي لغةٌ لبني
ضبَّة كما نقلت العرب في قيل وبيع، وحكى قُطرب النقلَ في الحرف الصحيح غيرِ
المدغَم نحو: ضِرب زيد(٩).
(١) هي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو ونافع. التيسير ص ١٢٩، والنشر ٢٩٥/٢. وقرأ
بها من العشرة أبو جعفر ويعقوب.
(٢) الإملاء ٣٤١/٣.
(٣) القراءات الشاذة ص ٦٤، والبحر ٣٢٣/٥.
(٤) الكشاف ٣٣١/٢، والبحر ٣٢٣/٥، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٤ عن
ابن مسعود ئه .
(٥) نقله المصنف عن ابن عطية بواسطة أبي حيان في البحر ٣٢٣/٥، والذي في مطبوع المحرر
نقلاً عن أبي عمرو الداني: ((فالله خير حافظٍ وهو خير الحافظين)).
(٦) البحر ٣٢٣/٥.
(٧) مفردات الراغب (متع).
(٨) القراءات الشاذة ص ٦٤، والمحتسب ٣٤٥/١، والبحر ٣٢٣/٥.
(٩) بمعنى: ضُرِبَ زيدٌ. الدر المصون ٥١٩/٦.

الآية : ٦٥
٣٩٩
سُؤَةٌ يُوسُفَ
﴿قَالُوا﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: ماذا قالوا حينئذٍ؟ فقيل: قالوا لأبيهم،
ولعلَّه كان حاضراً عند الفتح: ﴿يَأَبَنَا مَا نَبْغِىّ﴾ إذا فسِّر البغيُ بمعنى
الطلب - كما ذهب إليه جماعةٌ - فـ ((ما)) يحتمل أن تكون استفهاميَّة منصوبةَ المحلِّ
على أنَّها مفعولٌ مقدَّمٌ لـ ((نبغي))، فالمعنى: ماذا نطلب وراء ما وَصَفْنا لك من
إحسان الملك إلينا وكرمِه الدَّاعي إلى امتثال أمره والمراجعة إليه في الحوائج، وقد
كانوا أخبروه بذلك على ما روي أنَّهم قالوا له عليه السلام: إنَّا قَدِمنا على خيرِ
رجلٍ وأنزلَنا وأكرمَنا كرامةً لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمَنا كرامته.
وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ، بِضَعَنْنَا رُدَّتْ إِلَيْنًا﴾ جملةٌ مستأنفةٌ موضحةٌ لِمَا دلَّ عليه
الإنكارُ من بلوغ اللَّطف غايتَه، كأنهم قالوا: كيف لا، وهذه بضاعتُنا ردَّها إلينا
تفضُّلاً من حيث لا ندري، بعد ما منَّ علينا بما يُثقلُ الكواهلَ من المنن العِظامِ،
وهل من مزيد على هذا فنطلبَه؟ ومرادُهم به أن ذلك كافٍ في استيجاب الامتثال
لأمره، والالتجاء إليه في استجلاب المزيد، ولم يريدوا أنَّه كافٍ مطلقاً فينبغي
التقاعُدُ عن طلبٍ نظائره، وهو ظاهر.
وجملة ((ردَّت)) في موضع الحال من ((بضاعتنا)) بتقدير ((قد)) عند مَن يرى
وجوبَها في أمثال ذلك، والعامل معنى الإشارة. وجَعْلُها خبرَ ((هذه)) و((بضاعتنا))
بياناً له، ليس بشيء. وإيثارُ صيغة البناء للمفعول قيل: للإيذان بكمال الإحسان
الناشئ عن كمال الإخفاء المفهوم من كمالٍ غفلتهم عنه بحيث لم يشعروا به
ولا بفاعلِهِ. وقيل: للإيذان بتعيُّن الفاعل، وفيه من مدحه أيضاً ما فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نجلب لهم المِيرة، وهي بكسر الميم وسكون
الياء: طعامٌ يمتارُه الإنسان، أي: يجلبه من بلدٍ إلى بلد، وحاصلُه: نجلبُ لهم
الطعامَ من عند الملك، معطوفٌ على مقدَّرٍ ينسحب عليه ردُّ البضاعة، أي:
فنستظهرُ بها ونميرُ أهلنا .
﴿وَتَحْفَظُ أَخَانَا﴾ من المكاره حَسْبَما وعدنا، وتفرُّعُه على ما تقدَّم باعتبارِ دلالتِه
على إحسان الملك، فإنه ممَّا يُعِينُ على الحفظ ﴿وَنَزْدَادُ﴾ أي: بواسطته، ولذلك
وسّط الإخبار به بين الأصل والمزيد ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي: وسقَ بعيرٍ زائداً على
أوساق أباعرنا، على قضيّة التقسيط المعهود من الملك.

سُؤَلّ ◌ُوسُفَ
٤٠٠
الآية : ٦٥
والبعير في المشهور مقابلُ الناقة، وقد يُطلق عليها، وتكسرُ في لغةٍ باؤه،
ويُجمع على أبعرةٍ وبعران(١) وأباعِر. وعن مجاهد تفسيرُه هنا بالحمار، وذَكَر أنَّ
بعض العرب يقول للحمار: بعير(٢). وهو شاذّ.
أي: قليلٌ لا يقوم
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ﴾ أي: مَكيلٌ ﴿يَسِيرٌ ﴾ّ
بأَوَدنا، يحتملُ أن يكون إشارةً إلى ما كِيل لهم أوَّلاً، والجملةُ استئنافٌ جيء
بها للجواب عمَّا عسى أن يقال لهم: قد صَدَقْتُم فيما قلتم، ولكنْ ما الحاجةُ
إلى التزام ذلك قد جئتم بالطّعام؟ فكأنَّهم قالوا: إنَّ ما جئنا به غيرُ كافٍ لنا،
فلابدَّ من الرجوع مرَّةً أخرى وأخذِ مثلٍ ذلك مع زيادةٍ، ولا يكون ذلك بدون
استصحابٍ أخينا.
ويحتمل أن يكون إشارةً إلى ما تحمله أباعرُهم، والجملةُ استئنافٌ وقع تعليلاً
لما سبق من الازدياد، كأنَّه قيل: أيُّ حاجة إلى الازدياد؟ فقيل: إنَّ ما تحمله
أباعرُنا قليلٌ لا يكفينا .
وقيل: المعنى: إنَّ ذلك الكيلَ الزائد قليلٌ لا يضايقنا فيه الملك، أو سهلٌ عليه
لا يتعاظمه، وكأنَّ الجملة على هذا استئنافٌ جيء به لدفع ما يقال: لعلَّ الملك
لا يُعطيكم فوقَ العشرة شيئاً، ويرى ذلك كثيراً أو صعباً عليه. وهو كما ترى.
وجوِّز أن يكون («ذلك)) إشارةً إلى الكيل الذي هم بصدده وتضمَّنه كلامهم،
وهو المنضمُّ إليه كيلُ البعير الحاصلُ بسبب أخيهم المتعهَّد بحفظه، كأنَّهم لمَّا
ذكروا ما ذكروا، صرَّحوا بما يُفهم منه مبالغةً في استنزال أبيهم، فقالوا: ذلك الذي
نحن بصدده كيلٌ سهلٌ لا مشقَّةَ فيه ولا محنةَ تتبعه. وقد يبقى الكيلُ على معناه
المصدري، والكلام على هذا الطرز إلا يسيراً .
وجوَّز بعضُهم كونَ ذلك من كلام يعقوب عليه السلام، والإشارة إلى كيلٍ
البعير، أي: كيلُ بعيرٍ واحدٍ شيءٌ قليلٌ لا يخاطَرُ لمثله بالولد. وكان الظاهر على
هذا ذكرَه مع كلامه السّابق أو اللاحق.
(١) بفتح الباء وكسرها، كما في القاموس (بعر).
(٢) تفسير الطبري ٢٣٤/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٧٤/٧.