Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ٤٧
٣٦١
سُؤَةٌ تُوسُفَ
وأنه في ذلك معبرٌ وسفير، ولذا لم يغيِّر لفظَ الملك(١)، ويُؤذنُ بهذا قولُه: ﴿لَعَلّ
أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أي: إلى الملك ومَنْ عنده، أو إلى أهل البلد، فأنبُّهم بما أفتيتَ.
ذلك ويعملون بمقتضاه، أو: يعلمون فضلك ومكانَك مع
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ فِ﴾
ما أنتَ فيه من الحال فتتخلَّص منه. والجملةُ عند أبي حيَّان على الأوَّل كالتعليل
للرجوع، وعلى الثاني كالتعليل لـ ((أفتنا))(٢).
وإنَّما لم يبثَّ القولَ بل قال: ((لعلِّي)) و((لعلَّهم)) مجاراةً معه عليه السلام على
نهج الأدب، واحترازاً عن المجازفة إذ لم يكن على يقينٍ من الرجوع:
فبينما المرءُ في الأحياء مُغتبطٌ إذا هو الرمسُ تعفوه الأعاصيرُ(٣)
ولا مِن عِلْمِهم بذلك، فربَّما لم يعلموه: إمَّا لعدم فهمهم، أو لعدمِ اعتمادهم.
﴿قَالَ﴾ مستأنفٌ على قياس ما مرَّ غيرَ مرَّة: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَابًا﴾ قرأ حفصٌ
بفتح الهمز، والجمهورُ بإسكانها(٤). وقرئ: ((داباً)) بألفٍ من غير همزٍ على
التخفيف(٥). وهو في كلِّ ذلك مصدرٌ لـ ((دأب))، وأصلُ معناه التَّعب، ويُکنی به عن
العادة المستمرَّة لأنها تنشأ من مداومة العَمَل اللازم له الشَّعبُ.
وانتصابُه على الحال من ضميرٍ ((تزرعون))، أي: دائبين، أو: ذوي دَبٍ، وأُفرد
لأنَّ المصدر الأصلُ فيه الإفراد. أو على أنَّه مفعولٌ مطلَقٌ لفعلٍ محذوف، أي:
تدأبون دأباً، والجملةُ حالية أيضاً. وعند المبرِّد مفعولٌ مطلق لـ ((تزرعون))، وذلك
عنده نظيرُ: قعد القرفصاءَ. وليس بشيء.
وقد أوَّل عليه السلام البقراتِ السِّمانَ والسنبلاتِ الخضرَ بسنين مخاصيب،
والعجافَ واليابساتِ بسنين مُجْدِبةٍ، فأخبرهم بأنَّهم يواظبون على الزِّراعة سبعَ سنين
(١) في حاشية (م): قيل: لم يغير لفظ الملك لأن التعبير يكون على وفقه، فافهم. اهـ منه.
(٢) البحر ٣١٥/٥.
(٣) البيت لجبلة العذري كما في الحماسة البصرية ٢/ ٦٥، أو لحريث بن جبلة العذري كما في
عيون الأخبار ٢/ ٣٠٥، واللسان (دهر)، أو لعِثْير بن لبيد العذري كما في اللسان (دهر).
(٤) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٩٥/٢.
(٥) هي قراءة السوسي وأبي جعفر، ووقفاً حمزة. البدور الزاهرة ص١٦٤ .

سُؤَةٌ تُوسُفَ
٣٦٢
الآية : ٤٧
ويبالغون فيها؛ إذ بذلك يتحقَّق الخصبُ الذي هو مصداقُ البقرات السِّمان
وتأويلُها .
وقيل: المراد الأمرُ بالزِّراعة كذلك، فالجملةُ خبرٌ لفظاً أمرٌ معنَى، وأُخرج على
صورة الخبر مبالغةً في إيجاب إيجادِهِ حتَّى كأنه وقع وأخبر عنه، وأُيِّد بأنَّ قوله
تعالى: ﴿فَا حَصَدتُمْ﴾ أي: في كلِّ سنة ﴿فَذَرُوهُ فی سُنْهُلِهِ=﴾ - ولا تذوره کیلا یأكله
السُّوس كما هو شأنُ غِلالِ مصرَ ونواحيها إذا مضى عليها نحوُ عامين، ولعلَّه
استدلَّ على ذلك بالسُّنبلات الخضر - يناسبُ كونَه أمراً مثله؛ قيل: لأنَّه لو لم يؤوَّل
ذلك بالأمر، لزم عطفُ الإنشاء الخبر؛ لأن ((ما)) إما شرطيةٌ أو موصولةٌ متضمِّنة
معنى الشرط، وعلى كلِّ حالٍ فلكون الجزاء إنشاءً تكونُ إنشائيَّةً معطوفة على
خبريّة .
وأُجيب بأنَّا لا نسلَّم أَنَّ الجملة الشرطية التي جوابُها إنشائيٌّ إنشائية، ولو سلِّم
فلا نسلِّم العطفَ، بل الجملةُ مستأنفة لنُصحِهم وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يفعلوه،
حيثُ لم يكن معتاداً لهم كما كان الزَّرِعُ كذلك، أو هي جوابُ شرط مقدَّر، أي:
إنْ زرعتم فما حَصَدْتم .. إلخ.
وأيضاً يحتمل الأمرُ عكسَ ما ذكروه، بأن يكون ((ذروه)) بمعنى: تَذَروه، وأُبرز
في صورة الأمر لأنه بإرشاده، فكأنَّه(١) أَمَرهم به.
والتحقيقُ ما في ((الكشف)) من أنَّ الأظهرَ أنَّ ((تزرعون)) على أصله؛ لأنَّه تأويلُ
المنام بدليلٍ قوله الآتي: ((ثم يأتي))، وقولُه: ((فما حصدتُم فذروه)) اعتراضٌ اهتماماً
منه عليه السلام بشأنهم قبلَ تتميم التأويل، وفيه ما يؤكّد أمر السّابق واللاحق كأنَّه
قد كان، فهو يأمرهم بما فيه صلاحُهم، وهذا هو النّظم المعجِز. انتهى.
وذكر بعضُهم أنَّ((ما حصدتم)) إلخ - على تقديرٍ كون ((تزرعون)) بمعنى ازرعوا - داخلٌ
في العبارة، فإنَّ أكْلَ السَّبعِ العِجاف السبعَ السِّمان، وغلبةَ السنبلات اليابساتِ
الخضرَ، دالٌّ على أنَّهم يأكلون في السِّنين المجدبة ما حصل في السنين المخصبة،
وطريقُ بقائه تعلَّموه من يوسف عليه السلام فبقي لهم في تلك المدَّة. وقيل: إنَّ
(١) في الأصل و(م): فكأنهم، والمثبت من حاشية الشهاب ١٨٤/٥، والكلام منه.

الآية : ٤٨
٣٦٣
سُورَةٌ تُوسُفَ
(تزرعون)) على هذا التقدير، وكذا ما بعدَه، خارجٌ عن العبارة. والكلُّ كما ترى.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُونَ ﴾ أي: اتركوا ذلك في السُّنبل إلَّا ما لا غنى عنه من
القليل الذي تأكلونه في تلك السنين، وفيه إرشادٌ (١) إلى التقليل في الأكل.
وقرأ السُّلمي: ((مما يأكلون)) بالياء على الغيبة، أي: يأكلُ الناس (٢).
والاقتصارُ على الاستثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوماً من قوله عليه
السلام: ((تزرعون سبع سنين)).
ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد السِّنين السبع المذكورات. وإنَّما لم يقل:
من بعدهنَّ، قَصْداً إلى تفخيم شأنهنَّ(٣). ﴿سَبْعٌ شِدَاءٌ﴾ أي: سبعُ سنين صعابٌ على
الناس، وحذف التمييز لدلالة الأوَّل عليه.
﴿يَأْكُنَ مَا فَدَّعْتُمْ لَمُنَّ﴾ أي: ما ادَّخرتُم في تلك السنين من الحبوب المتروكة في
سَنابلها لأجلهنَّ، وإسنادُ الأكل إليهنَّ مع أنه حالُ الناس فيهنَّ مجازيٌّ، كما في
قوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] واللَّام في ((لهن)) ترشيحٌ لذلك، وكان
الدَّاعي إليه التطبيقَ بين المعبَّر والمعبَّرِ به، ويجوز أن يكون التعبيرُ بذلك للمشاكلة
لِمَا وقع في الواقعة. وفسَّر بعضُهم الأكلَ بالإفناء كما في قولهم: أَكَلَ السَّير لحمَ
الناقة، أي: أفناه وذهب به.
أي: تُحْرِزونه وتخبِّئونه لبزورٍ الزِّراعة (٤)، مأخوذٌ
٤٨
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَا تُحْصِنُونَ (
من الحِصْن وهو الحِرْز والملجأ .
(١) في الأصل: إشارة، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٨٢/٤.
(٢) البحر ٣١٥/٥.
(٣) في حاشية (م): وفي إرشاد العقل السليم: لم يقل ذلك قصداً إلى الإشارة إلى وصفهن فإن
الضمير ساكت عن أوصاف المرجع بالكلية. اهـ فتدبر. اهـ منه. والكلام في تفسير
أبي السعود ٢٨٣/٤.
(٤) في حاشية (م): البذر والبزر بمعنَّى كما في ((العين))، وهو الحب الذي يجعل في الأرض
لينبت، وقال ابن دريد على ما في ((المجمل)): البذر بالذال في البقول، والبزر بالزاي
خلافه. اهـ منه. والكلام في حاشية الشهاب ١٨٤/٥ .

سُؤَةُ تُوسُفَ
٣٦٤
الآية : ٤٩
﴿ُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: السنينَ الموصوفة بما ذُكر من الشِّدَّة وأكْلِ المدَّخر من
الحبوب ﴿عَمِّ﴾ هو كالسَّنة لكنْ كثيراً ما يُستعمل فيما فيه الرخاءُ والخصبُ، والسَّنة
فيما فيه الشِّدةُ والجَذْب، ولهذا يعبّر عن الجدب بالسنة، وكأنَّه تحاشياً عن ذلك
وتنبيهاً من أوَّل الأمر على اختلاف الحال بينه وبين السَّوابق عبّر به دون السَّنة.
﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أي: يصيبهم غيث، أي: مطر كما قال ابن عباس ومجاهد
والجمهور. فهو من غاث الثلاثيّ اليائي، ومنه قولُ الأعرابية: غِثْنا ما شِئنا (١)،
وقولُ بعضهم: أذى البراغيثِ إذا البَرَى غِيث(٢).
وقيل: هو من الغَوث، أي: الفرج، يقال: أغاثنا الله تعالى: إذا أمدَّنا برفع
المکارِه حین أظلَّتنا، فهو رباعيّ واوي.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾﴾ من العصر المعروف، أي: يعصرون ما من شأنه أن
يُعصر: من العِنَب، والقَصَب، والزيتون، والسِّمْسِم، ونحوها من الفواكه لكثرتها،
والتعرُّض لذِكْره كما قال بعضُ المحقّقين (٣) مع جواز الاكتفاء عنه بذِكر الغَيث
المستلزم له عادةً كما اكتفى به عن ذِكر تصرُّفهم في الحبوب، إمَّا لأنَّ استلزام
الغَيث له ليس كاستلزامه للحبوب؛ إذ المذكورات يتوقّف صلاحُها على أمورٍ أخرى
غيرِ المطر، وإمَّا لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصَّة به بشارةً له، وهي
التي يدور عليها حسنُ موقع تغليبه على ((الناس)) في قراءة حمزةً والكسائي
بالفوقانية (٤) .
وعن ابن عباس تفسيرُ ذلك بـ ((يحلبون))، وكأنَّه مأخوذٌ من العَصْر المعروف؛
لأنَّ في الحلب عصرُ الضرع ليخرجَ الدَّرُّ.
(١) أي: مُطِرنا ما أردنا. ووقع في الأصل و(م): ما شيتنا، بدل: ما شئنا، وهو تصحيف،
والمثبت من الكشاف ٣٢٥/٢، واللسان (غيث)، والدر المصون ٥١٠/٦، وحاشية الشهاب
١٨٤/٥.
(٢) نسب هذه العبارة صاحب الوافي بالوفيات ١٠١/٣ لابن شرف القيرواني محمد بن
أبي سعيد، أبي عبد الله الجذامي، والمقصود بالبرى: التراب.
(٣) هو أبو السعود في تفسيره ٢٨٣/٤.
(٤) التيسير ص١٢٩، والنشر ٢٩٥/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.

الآية : ٤٩
٣٦٥
سُوَلاَ تُوسُفَ
وتكرير ((فيه)) إمَّا - كما قيل - للإشعار باختلاف ما يقع فيه زماناً وعنواناً(١)،
وإمَّا لأنَّ المقام مقامُ تعداد منافعٍ ذلك العامِ، ولأجله قدِّم في الموضعين على
العامل، فإنَّ المقامَ بيانُ أنَّه يقع في ذلك العامَ هذا وذاك، لا بيانُ أنهما يقعان في
ذلك العام كما يفيده التأخير.
وجوِّز أن يكون التقديمُ للقصر، على معنى أنَّ غيثَهم [وعصرهم (٢)] في تلك
السنين كالعدم بالنّسبة إلى عامهم ذلك، وأن يكون ذلك في الأخير لمراعاةٍ
الفواصل، وفي الأوَّل لرعاية حاله.
وقرأ جعفرُ بن محمد ﴿هَا، والأعرج، وعيسى البصرة: ((يُعْصَرون)) على البناء
للمفعول(٣).
وعن عيسى: (تُعصَرون)) بالفوقانية مبنيًّا للمفعول أيضاً (٤)، من عَصرهُ الله
تعالى: إذا أنجاه، أي: يُنجيهم الله سبحانه ممَّا هم فيه من الشدَّة، وهو مناسبٌ
لقوله: ((يُغاث الناس)). وعن أبي عبيدة وغيره: أخذ المبني للفاعل من العصر
بمعنى النَّجاة أيضاً(٥).
وفي ((البحر)) تفسير العَصَر والعُصْرة - بالضمِّ - بالمنجا، وأنشد قولَ أبي زُبيد
في عثمان
صادياً يستغيثُ غيرَ مُغاثٍ
ولقد كان عُضْرةَ المَنْجوهِ(٦)
(١) أي: للإشعار باختلاف أوقات ما يقع فيه من الغيث والعصر زماناً وهو ظاهر، وعنواناً فإن
الغيث والغوث من فضل الله تعالى، والعصر من فعل الناس. تفسير أبي السعود ٢٨٣/٤.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٨٣/٤، وعنه نقل المصنف.
(٣) القراءات الشاذة ص٦٤، والمحتسب ٣٤٤/١، والبحر ٣١٦/٥.
(٤) تفسير القرطبي ١١/ ٣٧٠، والبحر ٣١٦/٥.
(٥) مجاز القرآن ٣١٣/١.
(٦) البحر ٣١٥/٥، وأبو زبيد هو حرملة بن منذر الطائي، ويقال: المنذر بن حرملة. كان
نصرانيًّا واختلف في إسلامه، وهو أحد المعمَّرين، يقال: عاش مئة وخمسين سنة. الإصابة
١١/ ١٥٤. والبيت ليس في رثاء عثمان كما ذكر أبو حيان وقبله ابن عطية في المحرر الوجيز
٢٥١/٣، وإنما هو من قصيدة في رثاء ابن أخت أبي زبيد كما ذكر البكري في اللآلي ١١٩/١،
واليزيدي في أماليه ص٨، وتنظر قصيدته بتمامها في جمهرة أشعار العرب ٧٣١/٢ .

سُوَلَةُ ◌ُوسُفَ
٣٦٦
الآية : ٤٩
وقال ابن المستنير(١): معناه يُمطَّرون، من أَعْصَرَتِ السَّحابةُ عليهم، أي: حان
وقتُ عصرِ الرياح لها لتمطرَ، فـ ((على)) صلةُ الفعل، كما في: عصرتُ الليمونَ على
الطعام. فحُذفت وأُوصل الفعل بنفسِه. أو تضمَّن ((أعصرتْ)) معنى مطرتْ فتعدَّى
تعديته. وفي ((الصحاح)) عصِر القومُ، أي: أُمطروا، ومنه قراءة بعضهم: ((وفيه
يُعصَرون))(٢). وظاهرُه أنَّ اللفظ موضعٌ لذلك فلا يحتاجُ إلى التضمين عليه.
وحكى النقّاش أنه قرئ: ((يُعصِّرون)) بضمِّ الياء وكسرِ الصَّاد وتشديدِها من
عصَّر مشدّداً للتكثير، وقرأ زيدُ بن علي ◌ًَّا: ((وفيه تِعِصِّرون)) بكسر التاء والعين
والصَّاد وتشديدِها(٣)، وأصلُه: تعتصرون، فأدغم التاءَ في الصَّاد ونقل حركتَها (٤)
إلى العين، وأتبع حركةَ التاء لحركةِ العين، واحتمل أن يكون من: اعتصرَ العنب
ونحوه، أو من اعتصر بمعنى نجا، ومن ذلك قوله:
کنتُ كالغصَّان بالماء اعتصاري
(٥)
لو بغيرِ الماءِ حَلقي شَرِقٌ
ثم إنَّ أحكامَ هذا العام المبارك - كما أخرج ابنُ جرير(٦) وغيرُه عن قتادة - عِلْمٌ
آتاه الله تعالی علمه لم یکن فیما سُئل عنه، وروي مثلُ ذلك عن ابن عباس
وعَنَّيًا أنَّ ذلك بالوحي، وهو الظاهر.
ولقد أتى عليه السلام بما يدلُّ على فضله في آخر فتواه على عكسٍ ما فعل أوَّلاً
عند الجواب عن رؤيا صاحبَيْه، حيث أتى بذلك في أوَّلها، ووجهُ ذلك ظاهر.
وقيل: إنَّ هذه البشارةَ منه عليه السَّلام لم تكنْ عن وحي بل لأنَّ العادة جاريةٌ
بأنَّ انتهاءَ الجدب الخصبُ، أو لأنَّ السنَّة الإلهية على أن يوسِّعَ على عباده سبحانه
(١) في الأصل و(م): المنير، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٥١/٣، والبحر ٣١٦/٥. وابن
المستنير هو قطرب. ينظر الدر المصون ٦/ ٥١١.
(٢) الصحاح (عصر) دون قوله: ومنه قراءة ... ، والقراءة سلفت قريباً عن جعفر بن محمد
والأعرج وعيسى.
(٣) القراءتان في البحر ٣١٦/٥.
(٤) أي: حركة الصاد.
(٥) البيت لعدي بن زيد، وهو في الشعر والشعراء ٢٢٩/١، والعقد الفريد ٣٣/١، والصحاح
(شرق).
(٦) في تفسيره ١٩٣/١٣.

الآية : ٤٩
٣٦٧
سُؤََّلاَ تُوسُفَ
بعد ما ضيَّق عليهم. وفيه أنَّه لو كان كذلك لأُجملَ في البشارة، وأنَّ حصرَ الجدب
يقتضي تغييرَه بخصبٍ مَّا لا على ما ذكره، خصوصاً على ما تقتضيه بعضُ القراءات
من إغاثةِ بعضِهم بعضاً، فإنَّها لا تُعلم إلا بالوحي.
ثمَّ إنه عليه السلام بعد أن أفتاهم وأرشدَهم وبشَرهم كان يتوقَّع وقوعَ ما أَخبر
به، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أنه عليه السَّلام كان بعد ذلك يصنعُ
لرجلٍ طعامَ اثنين فيقرِّبه إلى الرجل فيأكلُ نصفَه ويدعُ نصفه، حتى إذا كان يومٌ قَرَّبه
له فأكله كلَّه، فقال عليه السلام: هذا أوَّلُ يومٍ من الشِّداد(١).
واستدل البلخيُّ بتأويله لذلك على بطلانِ قولٍ من يقول: إنَّ الرؤيا على
ما عبّرت أوَّلاً، فإنهم كانوا قد قالوا: ((أضغاث أحلام))، فلو كان ما قالوه مؤثّراً
شيئاً لأعرض عليه السلام عن تأويلها .
وفيه بحث، فقد روى أبو داود وابن ماجه عن أبي رزين: ((الرؤيا على جناح
طائرٍ ما لم تُعبَّر فإذا عُبِّرت وقعتْ، ولا تقصَّها إلا على وادٍّ وذي رأي))(٢). ولعلَّه
إذا صحَّ هذا يلزم القول بأنَّ الحكم على الرؤيا بأنها ((أضغاث أحلام)) وأنَّها
لا تأويل(٣) لها ليس من التّعبير في شيء، وإلا فالجمعُ بين ما هنا وبين الخبر
مُشکل.
وقال ابن العربي(٤): إنَّه ينبغي أن يُخصَّ ذلك بما يحتمل من الرؤيا وجوهاً،
فيعبَّر بأحدِها فيقع عليه.
واستدلُّوا بذلك أيضاً على صحَّة رؤيا الكافر، وهو ظاهر.
وقد ذكروا للاستفتاء عن الرؤيا آداباً: منها أن لا يكونَ ذلك عند طلوع الشمس
أو عند غروبها أو في الليل، وقالوا: إنَّ تعبيرَها مناماً هو تعبيرُها في نفس الأمر،
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢١٥٤/٧.
(٢) سنن أبي داود (٥٠٢٠)، وسنن ابن ماجه (٣٩١٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦١٨٣)،
والترمذي (٢٢٧٨) وقال: حسن صحيح. وجاء عندهم : ... على رجلٍ طائر ...
(٣) في (م): لا ذيل.
(٤) في أحكام القرآن ١٠٧٧/٣ -١٠٧٨.

سُورَةُ مُوسُفَ
٣٦٨
الآية : ٥٠
فلا تحتاج إلى تعبير بعدُ. وأكثروا القولَ فيما يتعلَّق بها، وأكثرُ ما قيل ممَّا لا يظهرُ
لي سرُّه ولا أرى بعضَ ذلك إلا أضغاث(١) أحلام.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعد ما جاء السَّفير المعبِّر بالتعبير، وسمع منه ما سمع من نقیرٍ
وقِطمير: ﴿أَتُنِ بٌِّ﴾ لِمَا رأى من علمِه وفضْلِه وإخباره عمَّا لا يعلمه إلا اللطيفُ
الخبير.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُ﴾ أي: يوسف عليه السلام ﴿الرَّسُولُ﴾ وهو صاحبه الذي استفتاه،
وقال له: إنَّ المَلِكَ يريد أن تخرجَ إليه. ﴿ٍقَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: سيِّدك وهو
الملك ﴿فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِ قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ﴾ أي: فَتِّشه عن شأنهنَّ وحالهنَّ،
وإنما لم يقل: فاسأله أنْ يفتِّش عن ذلك، حثًّا للملك على الجدِّ في التفتيش لتتبينَّ
براءتُه وتتَّضح نزاهتُه، فإنَّ السؤالَ عن شيء مما يهيِّج الإنسانَ ويحرِّكه للبحث؛ لأنه
يأنفُ من الجهل، ولو قال: سَلْه أن يفتّش، لكان تهييجاً له عن الفحص عن ذلك،
وفيه جراءةٌ علیه، فربّما امتنع منه ولم يلتفت إليه.
وإنما لم يتعرَّض عليه السلام لامرأة العزيز مع أنَّها الأصلُ الأصيل لِمَا لاقاه
تأدُّباً وتكرُّماً، ولذا حمَلَها ذلك على الاعتراف بنزاهتِه وبراءةِ ساحته.
وقيل: احترازاً عن مكرِها حيثُ اعتقدها باقيةً في ضلالها القديم، وأما النِّسوة
فقد كان يطمع في صدعهنَّ بالحقِّ، وشهادتهنَّ بإقرارها بأنها راودته عن نفسه
فاستعصم، ولذلك اقتصر على وصفهنَّ بتقطيع الأيدي ولم يصرِّح بمراودتهنَّ له،
واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبِّ بِكَدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾﴾ مجاملةً معهن،
واحترازاً عن سوء مقالتهنَّ، وانتصابهنَّ عند رفعهنَّ إلى الملك للخصومة عن
أنفسهنَّ متى سمعنَ بنسبته لهنَّ إلى الفساد.
وفي (الكشاف)) أنه عليه السلام أراد بهذا أنَّه كيدٌ عظيم لا يعلمه إلا الله تعالى،
أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهنَّ كِدْنَه وأنه بريءٌ ممَّا قُرف به، أو أراد الوعيدَ
لهنَّ، أي: عليم بكيدهنَّ فمجازيهنَّ عليه (٢). انتهى.
(١) في (م): كأضغاث.
(٢) الكشاف ٢٢٦/٢.

الآية : ٥٠
٣٦٩
سُورَةُ لُوسُفَا
وكأنَّ الحصرَ على الأوَّل مِن قُربه مِن: زيد يعلم، وصُلوحِه لإفادته عندَه(١)، أو
من اقتضاء المقام لأنَّه إذا حمله على السؤال ثمَّ أضاف عِلْمه إلى الله تعالى دلَّ به
على عظمته، وأنَّ الكُنْه غيرُ مأمولِ الوصول، لكنْ ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه،
وهذا هو الوجه، وفيه زيادةُ تشويق وبعثٌ إلى تعرُّف الأمر، فالجملة عليه تتميمٌ
لقوله: ((فاسأله)» إلخ، والکیدُ اسمٌ لما کِئْنَه به.
وعلى الوجه الثاني تكون تذييلاً(٢)، كأنَّه قيل: احملْه على التعرُّف يتبيَّنْ له
براءةُ ساحتي، فإنَّ الله سبحانه يعلم أنَّ ذلك كان كيداً منهنَّ، وإذا كان كيداً يكونُ
لا محالةَ بريئاً، والكيد هو الحدث.
وعلى الثالث تحتملها، والمعنى بَعْثُ الملك على الغَضب له والانتقامِ منهنَّ،
وإلَّا لم يتلاءم الكلامُ.
ولا يطابقُ كرمَ يوسف عليه السلام الذي عجب منه نبيّنا عليه الصلاة والسلام،
فقد أخرج غيرُ واحد عن ابن عباسٍ وابنٍ مسعود عنه وَّ أنَّه قال: ((لقد عجبتُ من
يوسفَ وكرمِه وصبرِه، والله تعالى يغفر له، حين سُئل عن البقرات العِجاف
والسِّمان، ولو كنتُ مكانه ما أَجَبْتُهم حتى اشترطتُ أن يخرجوني، ولقد عجبتُ منه
حين أتاه الرسولُ فقال: ((ارجع إلى ربك)) ولو كنتُ مكانه ولبثتُ في السِّجن مالبث،
لأسرعتُ الإجابة وبادرتُهم الباب ولما ابتغيتُ العذرَ، إنْ كان لحليماً ذا أناة))(٣).
(١) في حاشية (م): أي صاحب الكشاف. اهـ منه. وقوله: لإفادته، أي: لإفادة الحصر.
(٢) جاء في حاشية (م): وقال الطيبي: كأنه قال: والله تعالى شاهدي، وشهادة الله تعالى تلك
الأمارات الدالة على براءته، اهـ ولا يحتاج إلى هذا، ففي الكيد غنية على أنه حسن. اهـ
منه .
(٣) أخرجه من حديث ابن عباس ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٦٠)، والطبراني في الكبير
(١١٦٤٠)، وإسناده ضعيف جدًّا، وقد سلف الكلام عليه ص٣٤٧ من هذا الجزء، وليس
فيه: ((إن كان لحليماً ذا أناة)» وهذه العبارة أخرجها الطبري ٢٠٠/١٣ من حديث
..
أبي هريرة ,
ولم نقف عليه من حديث ابن مسعود ظله، ويشهد لبعضه حديث أبي هريرة ◌ُه في صحيح
البخاري (٤٦٩٤)، وصحيح مسلم (١٥١)، وفيه: ((ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت
الداعي)). ولفظه عند أحمد (٨٥٥٤): ((لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر)).

سُورَةُ تُوسُفَ
٣٧٠
الآية : ٥٠
ودعاؤه له وَ لِ﴿ قيل: إشارةٌ إلى ترك العزيمة بالرُّخصة؛ وهي تقديم حقِّ الله
تعالى بتبليغ التوحيد والرِّسالة على براءة نفسه. وجعله العلامةُ الطيبي من قبيل
قولك لمن تعِّمه: رضي الله تعالى عنك ما جوابُك عن كلامي؟
وقيل: يمكن أن يقال: إنَّ في براءة النفس من حقِّ الله تعالى ما فيها، فإنَّها إذا
تحقَّقت عندهم وقع ما تلاها موقعَ القبول، وقد ذكر أنَّ الاجتهاد في نفي التُّهم
واجبٌ وجوبَ اتِّقاء الوقوف في مواقفها(١)، فقد قال ◌َّ: ((مَن كان يُؤمن بالله
واليوم الآخر فلا يقفنَّ مواقفَ التُّهم))(٢).
وأخرج مسلمٌ من رواية أنس أنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام كان مع إحدى
نسائِهِ فمرَّ به رجلٌ، فدعاه وقال: ((هذه زوجتي)) فقال: يا رسولَ الله، مَن كنتُ أظنُّ
به فلم أكن أظنُّ بك. فقال رسول الله وَّه: ((إنَّ الشيطان يجري من ابنِ آدمَ مجرى
الدَّم)»(٣).
وكأنَّه لهذا كان الزمخشري وكان ساقط الرِّجل قد أَثبت على القُضاة أنَّ رِجلَه
لم تُقطع في جناية ولا فسادٍ، بل سقطتْ من ثلج أصابها في بعض الأسفار، وكان
يُظهر مكتوبَ القضاة في كلِّ بلدٍ دخله خوفاً من تُهمة السُّوء.
فلعلَّه عليه السلام خشي إن خرجَ (٤) ساكتاً عن أمر ذنبه، غيرَ متَّضحةٍ براءةٌ
ساحته عمَّا سُجِن فيه وقُرف به، من أن يتسلَّق به الحاسدون إلى تقبيحِ أمره،
ويجعلوه سُلَّماً إلى حطّ قَدْره ونَظرِ الناس إليه بعين الاحتقار، فلا يَعلقُ كلَامُه في
قلوبهم، ولا يترتَّب على دعوته قبولُهم، وفي ذلك مِن تعرِّي التبليغ عن الثمرة
ما فيه.
وما ذكره وَّ: ((ولو كنتُ مكانه)) إلخ كانَ تواضعاً منه عليه الصلاة والسلام
لا أنه لو كان مكانَه بادر وعجل، وإلا فحِلمُهُ نَّهِ وتحمُّله واهتمامُه بما يترتَّب عليه
قبول الخَلْقِ أوامرَ الحقِّ سبحانه وتعالى أمرٌ معلوم لدى الخواصِّ والعموم.
(١) جاء في حاشية (م): وزعم بعضهم أن الآية تدل على ذلك، وفيه نظر. اهـ منه.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٢٥/٢ و٢٧٣/٣.
(٣) صحيح مسلم (٢١٧٤).
(٤) في (م): أن يخرج.

الآية : ٥١
٣٧١
سُوَ لُ بُوسُفَ
وزعم ابن عطيَّةً أنه يحتمل أنْ يكون عليه السلام أراد بالرَّبِّ العزيزَ كما قيل في
قوله: ((إنَّه ربي أحسن مثواي))، ففي ذلك استشهادٌ به وتقريعٌ له(١). وليس بشيء،
ومثله ما قيل: إنَّ ضمير ((كيدهنَّ)) ليس عائداً على النِّسوة المذكورات بل عائدٌ على
الجنس فافهم.
وقرأ أبو حيوةَ وأبو بكر عن عاصم في رواية: ((النُّسوة)) بضم النون، وقرأت
فرقة: ((اللاي)) بالياء(٢)، وهو كاللاء جمع التي.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كما سبق، كأنه قيل: فما كان بعد ذلك؟
فقيل: قال الملك إثرَ ما بلَّغه الرسولُ الخبرَ وأحضرهنَّ: ﴿مَا خَطَبَّكُنَّ﴾ أي:
شأنكنَّ، وأصلُه: الأمر العظيم الذي يحقُّ لعظمته أن يكثرَ فيه التخاطبُ ويُخطب له
﴿إِذْ رَوَدُنَّ يُوسُفَ﴾ وخادعتُنَّه ﴿عَن نَّفْسِهِ﴾ ورغَّبتْنَّه في طاعة مولاته، هل وجدتنَّ
فيه ميلاً إليكن؟
﴿قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ﴾ تنزيهاً له، وتعجيباً من نزاهته عليه السلام وعفَّتِه ﴿مَا عَلِمْنَا
عَلَيْهِ مِن سُوءٌ﴾ بالغْنَ في نفي جنس السُّوء عنه بالتنكير وزيادةٍ ((من)).
وفي ((الكشف)) في توجيه كون السؤال المقدَّر في نظم الكلام عن وجدانهنَّ فيه
الميل، وذلك لأنَّه سؤالٌ عن شأنهنَّ معه عند المراودة، وأوَّله الميلُ ثمَّ ما يترتَّب
عليه: وحَمَله(٣) على السؤال مدَّعَى النزاهة الكلِّية، فيكون سؤالُ الملك منزّلاً عليه؛
إذ لا يمكن ما بعدَه إلا إذا سلِّم الميل، وجوابهنَّ عليه ينطبق لتعجبهنَّ عن نزاهته
بسبب التعجّب من قدرة الله تعالى على خَلْقٍ عفيفٍ مثلِه، ليكون التعجُّب منها على
سبيلِ الكتابة، فيكون أبلغَ وأبلغَ، ثم نفيهنَّ العلمَ (٤) مطلقاً وطرفاً، أي: طرفَ وهم
من سوءٍ أيِّ سوءٍ، فضلاً عن شهود الميل معهنّ. اهـ، وهو من الحُسْن بمكان.
وما ذكره ابنُ عطية(٥) من أنَّ النسوة قد أجبنَ بجوابٍ جيِّد تَظْهرُ منه براءةُ
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٢٥٢.
(٢) القراءتان في البحر ٣١٧/٥. والمشهور عن عاصم القراءة بكسر النون في ((النسوة)).
(٣) في حاشية (م): أي يوسف عليه السلام. اهـ منه.
(٤) في حاشية (م): قد صرح غير واحد أن المراد بالعلم هنا الإدراك. اهـ منه.
(٥) في المحرر الوجيز ٢٥٣/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

سُورَةُ مُوسُفَ
٣٧٢
الآية : ٥١
أنفسهنَّ جملةً، وأعطينَ يوسفَ عليه السلام بعضَ براءةٍ؛ وذلك أنَّ الملك لمَّا
قرَّرهنَّ أنهنَّ راوذْنه، قلنَ جواباً عن ذلك وتنزيهاً لأنفسهنَّ: ((حاش لله))، و[قد]
يحتمل [على بُعدٍ] أن يكون في جهته عليه السلام، وقولُهنَّ: ((ما علمنا)) إلخ ليس
بإبراءٍ تامٌّ، وإنما هو (١) شرحُ القصّة على وجهها حتَّى يتقرَّر الخطأُ في جهتهنَّ = ناشئٌ
عن الغفلة عمَّا قرَّره المولى صاحب ((الكشف)).
﴿قَالَتِ آَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ وكانت حاضرةَ المجلس، قيل: أقبلت النِّسوة عليها
يقرِّرْنها. وقيل: خافتْ أن يشهدْن عليها بما قالتْ يوم قطَّعنَ أيديهنَّ، فأقرَّت
قائلةً :
﴿اَلْقَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: ظهر وتبيَّن بعد خفاء؛ قاله الخليل. وهو مأخوذٌ من
الحصَّة وهي القطعةُ من الجملة، أي: تبيَّنتْ حصَّة الحقِّ من حصَّة الباطل، والمراد
تميُّز هذا عن هذا، وإلى ذلك ذهب الزجَّاج أيضاً(٢).
وقيل: هو مِن حصَّ شعرَه: إذا استأصله بحيث ظهرتْ بشرةُ رأسه، وعلى ذلك
قوله :
قد حصَّت البيضةُ رأسي فما أطعَمُ نوماً غيرَ تَهْجاع(٣)
ويرجع هذا إلى الظهور أيضاً.
وقيل: هو من حصحصَ البعیرُ: إذا ألقی مبارِگہ لیناخ؛ قال حمیدُ بن ثور
الهلاليُّ يصف بعيراً:
وناء بسَلْمی نوءةً ثمَّ صمَّما(٤)
فحصحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِه
(١) أي: الإبراء التام، كما في المحرر الوجيز.
(٢) في معاني القرآن ٣/ ١١٥.
(٣) البيت لأبي قيس بن الأسلت الأوسي، وهو في المفضليات ص٢٨٤، والكامل ٢٣٥/١،
والصحاح (حصص)، والخزانة ٤١١/٣. والتَّهجاع: النومة الخفيفة. الصحاح (هجع).
(٤) ديوان حميد بن ثور ص١٩، والصحاح (صمم)، والمخصص ١٠٩/١٢، والكشاف ٣٢٦/٢،
واللسان (صمم)، وفيه: صمَّم في السير وغيره، أي: مضى. والثفنات جمع ثفنة: وهي ما يقع
على الأرض من أعضاء البعير إذا استناخ. والصفا: الحجارة. والصم جمع أصم، وهو
الصلب من الحجارة. حاشية الشهاب ١٨٦/٥ .

الآية : ٥١
٣٧٣
سُؤَدَأُ ◌ُوسُفَا
والمعنى: الآن ثبت الحقُّ واستقرَّ، وذکر الراغبُ وغیرُه أن حصَّ وحصحص
ككَفَّ وكَفْكف، وکبَّ وکبکب(١).
وقرئ بالبناء للمفعول(٢)، على معنى: أُقرَّ الحقُّ في مقرَّه ووُضع في موضعه.
و((الآن)) من الظروف المبنيَّة في المشهور(٣)، وهو اسمٌ للوقت الحاضرِ جميعُه
كوقتٍ فعل الإنشاء حالَ النُّطق به، أو الحاضِر بعضُه كما في هذه الآية، وقولِه
سبحانه: ﴿الْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنَكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] وقد يَخْرُجُ عند ابن مالك عن الظرفيَّة
كخبر ((فهو يهوي في النار، الآنَ حينَ انتهى إلى قعْرها))(٤) فإنَّ ((الآن)) فيه في
موضع رفعٍ على الابتداء، و((حين)) خبرُه، وهو مبنيٌّ لإضافته إلى جملةٍ صدرُها
ماضٍ.
وألِفُه منقلبةٌ عن واو؛ لقولهم في معناه: الأوان. وقيل: عن ياء؛ لأنَّه من آن
يئين، إذا قُرُب.
وقيل: أصلُه: أوان، قُلبت الواو ألفاً ثم حُذفت لالتقاءِ الساكنين. ورُدَّ بأنَّ
الواو قبل الألف لا تُقلب، كالجواد والسَّواد.
وقيل: حُذفت الألف وغيِّرت الواوُ إليها كما في راحِ ورَوَاحِ، استعملوه مرَّة
على فَعَلٍ وأخرى على فَعَال، كَزَمَنٍ وزَمان.
واختلفوا في علَّة بنائه؛ فقال الزَّجَّاج: بني لتضمُّنه معنى الإشارة؛ لأنَّ معناه:
هذا الوقت(٥). ورُدَّ بأنَّ المتضمِّن معنى الإشارة بمنزلة اسم الإشارة وهو لا تدخلُه
(أل)).
(١) مفردات الراغب (حصص).
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٤، والبحر ٣١٧/٥.
(٣) في حاشية (م): ودليل اسميتها دخول ((أل)) وحرف الجر. اهـ منه.
(٤) أخرجه مسلم (٢٨٤٤)، والآجري في الشريعة (٩٣٠) عن أبي هريرة له، والكلام من
همع الهوامع للسيوطي ٢/ ١٨٤. ورواية مسلم: حتى، بدل: حين. ووقع في (م): مقرها،
بدل: قعرها، وهو تصحيف.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٤/٣-٢٥، ونقله المصنف عنه - وكذا ما سيأتي من أقوال - بواسطة
السيوطي في همع الهوامع ١٨٥/٢ - ١٨٦ .

سُؤَلُ بُوسُفَ)
٣٧٤
الآية : ٥١
وقال أبو علي: لتضمُّنه معنى لام التَّعريف؛ لأنه استُعمل معرفةً وليس عَلَماً،
و((أل)) فيه زائدة. وضعِّف (١) بأنَّ تضمُّن اسم معنى حرفٍ اختصاراً ينافي زيادةً
ما لا يعتدُّ به، هذا مع كون المزيد غيرَ المضمَّنَ معناه، فكيف إذا كان إِيَّاه؟
وقال المبرِّد وابن السَّرَّاج: لأنه خالف نظائرَه إذ هو نكرةٌ في الأصل استُعمل
من أوَّل وضعِه باللَّام، وبابُها أن تدخلَ على النَّكرة. وإليه ذهب الزمخشري.
وردَّه ابن مالك بلزوم بناءِ الجَّماء الغَفير(٢) ونحوه ممَّا وقع في أوَّل وضعه
باللام، وبأنَّه لو كانت مخالفةُ الاسم لسائر الأسماء موجبةً لشَبَهِ الحرف واستحقاقٍ
البناء، لوجبَ بناءُ كلِّ اسم خالفَ الأسماء بوزنٍ أو غيرِه، وهو باطل بإجماع.
واختار(٣) أنَّه بني لشبه الحرف في ملازمةِ لفظٍ واحدٍ، لأنه لا يثنَّى ولا يُجمع
ولا يصغَّر بخلافِ حين، ووقت، وزمان، ومدَّة. وردَّه أبو حيَّان بما ردًّ هو به على
مَن تقدَّم(٤).
وقال الفرَّاء(٥): إنما بني لأنَّه نُقل من فعلٍ ماض وهو ((آنَ)) بمعنى حانَ، فبقي
على بنائه استصحاباً، على حدٍّ: أنهاكم عن قيل وقالَ.
ورُدَّ بأنَّه لو كان كذلك لم تدخل عليه ((ألْ)) كما لا تدخل على ما ذَكَر، وجاز
فيه الإعراب كما جاز فيه(٦).
وذهب بعضُهم إلى أنَّه مُعرَبٌ منصوبٌ على الظرفية، واستَدَلَّ بقوله:
كأنَّهما مِلْآنٍ لم يتغيَّرا(٧)
(١) جاء في حاشية (م): هو ابن مالك. اهـ منه. والكلام من همع الهوامع ١٨٥/٢.
(٢) الجماء: بيضة الرأس، سميت بذلك لأنها جماء، أي: ملساء، ووصفت بالغفير لأنها تغفر،
أي: تغطي الرأس. اللسان (جمم).
(٣) في التسهيل ص٩٥، والكلام من همع الهوامع ١٨٥/٢ .
(٤) وقول أبي حيان كما في همع الهوامع: وهو مردود بما رد به هو (يعني ابن مالك) على
الزمخشري .
(٥) في معاني القرآن ١/ ٤٦٨، والكلام من همع الهوامع ١٨٦/٢ .
(٦) أي: في قيل وقال. وكذا قوله: على ما ذكر، أي: على قيل وقال. همع الهوامع ١٨٦/٢ .
(٧) وعجزه: وقد مرَّ للدارين من بعدنا عصرُ، والبيت لأبي صخر الهذلي، وسلف ٢٤٣/٢.

الآية : ٥١
٣٧٥
سُوَرَةُ بُوسُفَ
بكسر النون، أي: من الآن، فحُذفت النُّون والهمزةُ وجُرَّ، فدلَّ على أنَّه
مُعرَبٌ.
وضعِّف(١) باحتمال أن تكون الكسرةُ كسرةَ بناء، ويكون في بناء ((الآن)) لغتان:
الفتح والكسرُ، كما في ((شتَّان)) إلَّا أنَّ الفتحَ أكثرُ وأشهر.
وفي ((شرح الألفية)) لابن الصَّائغ: أنَّ الذي قال: إنَّ أصلَه ((أوان))، يقول
بإعرابه كما أن أواناً مُعْرَبٌ. واختار الجلال السيوطيّ (٢) القولَ بإعرابه؛ لأنَّه لم
يثبتْ لبنائه علَّة معتبرةٌ، فهو عنده منصوبٌ على الظرفية، وإن دخلت ((من)) جُرَّ،
وخروجُه عن الظرفية غيرُ ثابت، وفي الاستدلال بالحديث السابق مقالٌ.
وأيًّا ما كان فهو هنا متعلِّق بـ ((حصحص))، أي: حصحص الحقُّ في هذا
الوقت.
﴿أَنَاْ رَوَدَّتُّهُ, عَن نَّفْسِهِ،﴾ لا أنَّه راودني عن نفسي، وإنَّما قالت ذلك بعدَ اعترافها
تأكيداً لنزاهتِهِ عليه السلام، وكذا قولُها: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ ﴾﴾ أي: في قوله
حين افتريتُ عليه: ((هي راودتني عن نفسي)).
قيل: إنَّ الذي دعاها لذلك كلِّه التوخِّي لمقابلة الاعتراف - حيث لا يُجدي
الإنكار - بالعفو.
وقيل: إنَّها لما تناهتْ في حُبِّه لم تُبالِ بانتهاك ستْرِها وظهورِ سرِّها.
وفي ((إرشاد العقل السليم))(٣) أنَّها لم تُرِدْ بقولها: ((الآن)) إلخ مجرَّدَ ظهورِ
ما ظهر بشهادة النِّسوة من مُطلَق نزاهتِه عليه السلام فيما أحاط به علمهنَّ، من غير
تعرُّضٍ لنزاهته في سائر المواطن خصوصاً فيما وقع فيه التَّشاجُر بمحضرِ العزيز،
ولا بَحْثٍ عن حال نفسِها وما صنعتْ في ذلك، بل أرادتْ ظهورَ ما هو متحقِّقٌ في
نفس الأمر وثبوتَه، من نزاهته عليه السلام في محلِّ النزاع وخيانتها، ولهذا قالت:
(أنا راودته)) إلخ، وأرادت بـ ((الآن)) زمانَ تكلِّمها بهذا الكلام لا زمانَ شهادتهنَّ،
(١) في حاشية (م): المضعِّف هو ابن مالك. اهـ منه.
(٢) في همع الهوامع ١٨٧/٢ .
(٣) ٤ / ٢٨٥.

سُلُّوسُفَ
٣٧٦
الآية : ٥٢
فتأمل أيها المنصف(١)، هل ترى فوقَ هذه المرتبة نزاهةً، حيث لم يتمالك
الخُصَماءُ من الشَّهادة بها على أتمٍّ وجه، والفضلُ ما شهدت به الخُصَماءُ؟
وليت مَن نَسَبَ إليه السُّوء - وحاشاه - كان عنده عُشرُ مِعشارٍ ما كان عند أولئك
النِّسوة الشاهداتِ من الإنصاف.
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ الذي ذهب إليه غيرُ واحد أنَّ ((ذلك)) إشارةٌ إلى التثُبُّت مع ما تلاه
من القصّة أجمعُ، فهو من كلام يوسفَ عليه السلام(٢)، جَعَله فذلكةً منه لِمَا نهض
له أوَّلاً من التشمُّر لطهارة ذيلِه وبراءة ساحتِهِ.
وقد حكى الله تعالى ما وقع من ذلك طبقَ الوجودِ مع رعاية ما عليه دأبُ القرآن
من الإيجاز، كحذفٍ: فرجع إلى ربِّه، فأنهاهُ مقالةَ يوسف، فأحضرهنَّ سائلاً قال:
((ما خطبكن)) إلخ. وكذلك - كما قيل - في ((قالت امرأة العزيز)) إلخ.
وكذلك هذا أيضاً؛ لأنَّ المعنى: فرجع إليه الرسولُ قائلاً: فَتَّش الملكُ عن كُنْه
الأمر، وبان له جليَّةُ الحقِّ من عصمتك وأنَّك لم ترجعْ في ذلك المقام الدَّحضٍ
بمسِّ مُلام، فعند ذلك قال عليه السلام: ((ذلك ليعلم)) العزيز ﴿أَنِى لَمْ أَغُنَّهُ﴾ في
حُرمته ﴿یَلَغَيْبٍ﴾ أي: بظهر الغيب.
وقيل: ضمير ((يَعلم)) للمَلِك، وضميرُ ((أخنْه)) للعزيز، وقيل: للمَلِك أيضاً لأنَّ
خيانةَ وزيرِه خيانةٌ له. والباءُ إمّا للمُلابسة أو للظرفيَّة، وعلى الأوَّل هو حالٌ من
فاعلٍ ((أخُنْه))، أي: تركتُ خيانتَه وأنا غائبٌ عنه، أو من مفعولِه، أي: وهو غائب
عنِّي. وهما متلازمان. وجوِّز أن يكون حالاً منهما، وليس بشيء، وعلى الثاني فهو
ظرفٌ لغوٌ لما عندَه، أي: ((لم أخنْه)) بمكان الغَيب وراءَ الأستار والأبواب المغلَّقة،
ويَحتمل الحاليَّةَ أيضاً.
(١) في الأصل و(م): انتهى فافهم وتأمل، بدل: فتأمل أيها المنصف، والمثبت من تفسير
أبي السعود.
(٢) في حاشية (م): وفي الكشاف: صح ذلك لدلالة المعنى عليه، ونحوُه قوله تعالى: ﴿قَالَ
اَلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ إِنّ هَذَا لَسَِّ عَلِيمٌ ﴿٣ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُونَ﴾
[الأعراف: ١٠٩-١١٠]. وفيه دغدغة فتأمل. اهـ منه. وهو في الكشاف ٣٢٨/٢.

الآية : ٥٣
٣٧٧
سُدَلّ لُوسُفَ
﴾ أي: لا يُنفذُه
﴿وَأَنَّ الَّ﴾ أي: وليعلم أنَّ الله تعالى ﴿لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ
ولا يسدِّدُه، بل يبطلُه ويزهقه، فهداية الكيد مجازٌ عن تنفيذه.
ويجوز أن يكون المرادُ: لا يهدي الخائنين بسبب كيدِهم(١)، فَأَوْقعَ الهدايةَ
المنفيَّةَ على الكيد - وهي واقعةٌ عليهم - تجوُّزاً للمبالغة؛ لأنَّه إذا لم يهدِ السبب عُلم
منه عدمُ هداية مسبِّه بالطريقِ الأَولى.
وفيه تعريضُ بامرأة العزيز في خيانتها أمانتَه، وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين
ساعدها على حبسِه بعد ما رأَوا الآياتِ الدَّالَّةَ على نزاهته عليه السلام.
ويجوز أن يكونَ مع ذلك تأكيداً لأمانته عليه السلام، على معنى: لو كنتُ خائناً
لما هدی الله تعالی کیدي ولا سدَّده.
وتُوهِمُ عبارةُ بعضهم عدمَ اجتماع التأكيد والتعريض، والحقُّ أنه لا مانعَ من
ذلك، وأراد بكيدِه تشمُّرَه وثباتَه ذلك، وتسميتُه كيداً على فرضِ الخيانة على بابها
حقيقةٌ كما لا يخفى، فما في ((الكشف)) من أنه سمَّاه كيداً استعارةً أو مشاكلةً لیس
بشيء.
وقيل: إنَّ ضمير ((يَعلم)) و((لم أخنْه)) لله تعالى، أي: ذلك ليعلم الله تعالى أنِّي لم
أَعْصِهِ، أي: لِيُظْهِرَ أَنِّي غيرُ عاصٍ ويُكرمَني به ويصير سببَ رفع منزلتي، وليظهرَ أنَّ
كيد الخائن لا ينفُذُ، وأنَّ العاقبة للمطيع لا للعاصي، فهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ
مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِتَن يَنْقَلِبُ﴾ [البقرة: ١٤٣] وله نظائرُ أُخَر في القرآن كثيرةٌ.
إلا أنَّ الله تعالى أخبر عن نفسِه بذلك، وأمَّا غيره فلم يَرِدْ في الكتاب العزيز،
وفيه نوعُ إيهامِ التحاشي عنه أحسنُ، على أنَّ المقام لِمَا تقدَّم أَدْعَى.
﴿وَمَآ أُبَرِيُ نَفْسِىٌّ﴾ أي: لا أنزِّمها عن السُّوء، قال ذلك عليه السلام هضماً
لنفسه البريَّة عن كلِّ سوء، وتواضعاً لله تعالى، وتحاشياً عن التزكية والإعجاب
(١) جاء في حاشية (م): في عبارة بعضهم: بكيدهم، فالباء إما متعلقة بالفعل (يعني بـ ((يهدي)))،
أو متعلقة بـ ((الخائنين))، وفيه تنبيه على أنه تعالى يهدي كيد من لم يقصد الخيانة بكيده،
كيوسف على السلام في كيده إخوتَه، كذا قيل: فتدبر. اهـ منه. والبعض المذكور هو
البيضاوي، والشرح للشهاب في الحاشية ١٨٦/٥.

سُوَةٌ مُوسُفَ
٣٧٨
الآية : ٥٣
بحالها، على أسلوب قوله وص له: ((أنا سيِّد ولدِ آدَمَ ولا فَخْر))(١).
أو تحديثاً بنعمة الله تعالى، وإبرازاً لسِرِّه المكنون في شأن أفعال العباد، أي:
لا أنزِّهها من حيثُ هي هي، ولا أُسند هذه الفضيلةَ إليها بمقتضى طبعِها من غير
توفيقٍ من الله سبحانه، بل إنَّما ذلك بتوفيقه جلَّ شأنُه ورحمتِهِ.
وقيل: إنه أشار بذلك إلى أنَّ عدم التعرُّض لم يكن لعدم الميل الطبيعي، بل
لخوفٍ الله تعالی.
﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾ البشريَّة التي من جملتها نفسي في حدٍّ ذاتها ﴿لَأَمَّارَةٌ﴾ لكثيرٌ
الأمر ﴿يَالشُوَءِ﴾ أي: بجنسه، والمراد أنَّها كثيرةُ الميل إلى الشهوات مستعملةً في
تحصيلها القوى والآلات.
وفي كثير من التفاسير أنَّه عليه السلام حين قال: ((ليَعْلَمَ أنّي لم أَخُنْه بالغيب»
قال له جبريلُ عليه السلام: ولا حينَ هممتَ؟ فقال: ((وما أبرِّىء نفسي)) إلخ، وقد
أخرجه الحاكم في ((تاريخه)) وابنُ مردويه بلفظٍ قريب من هذا عن أنس مرفوعاً (٢)،
وروي ذلك عن ابن عباس وحكيم بن جابر والحسنِ وغيرهم. وهو إنَّ صحَّ يُحمل
الهُّ فيه على الميل الصَّادر عن طريق الشَّهوة البشرية لا عن طريقِ العَزْم والقصد.
وقيل: لا مانعَ من أن يُحمل على الثاني، ويقالَ: إنَّه صغيرة، وهي تجوزُ على
الأنبياء عليهم السلام قبلَ النبوّة، ويُلتزم أنَّه عليه السلام لم يكنْ إذ ذاك نبيّاً .
والزمخشريُّ جعل ذلك وما أشبهه من تلفيقِ المبطلةِ وبهتهِم على الله تعالى
ورسولِهِ(٣). وارتضاه - وهو الحريُّ بذلك - ابن المنيِّر، وعرَّضَ بالمعتزلة بقوله:
وذلك شأنُ المبطلة من كلِّ طائفة (٤).
(١) قطعة من حديث أخرجه ابن حبان (٦٢٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع حظه. وورد أيضاً
ضمن حديث أبي هريرة ه عند أحمد (١٠٩٧٢)، والبخاري (٤٧١٢)، ومسلم (٢٢٧٨)
دون قوله: ((ولا فخر).
(٢) الدر المنثور ٢٣/٤.
(٣) الکشاف ٣٢٨/٢.
(٤) الانتصاف مع الكشاف ٣٢٨/٢.

الآية : ٥٣
٣٧٩
سُؤ ◌َلّ ◌ُوسُفَ
﴿إِلَّ مَا رَحِمَ رَبْ﴾ قال ابنُ عطية(١): الجمهورُ على أنَّ الاستثناءَ منقطعٌ، و((ما))
مصدريَّة، أي: لكن رحمةُ ربِّي هي التي تصرفُ عنها السوء، على حدٍّ ما جوِّز في
قوله سبحانه: ﴿وَلَا هُمْ يُقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِّنَا﴾ [يس: ٤٣ -٤٤].
وجوِّز أن يكون استثناءً من أعمِّ الأوقات، و((ما)) مصدرية ظرفية زمانيَّة، أي:
هي أمَّارةٌ بالسوء في كلِّ وقتٍ إلا في وقتٍ رحمة ربِّي وعصمتِه، والنَّصبُ على
الظرفية لا على الاستثناء كما تُوهِّم، لكنْ فيه التفريغُ في الإثبات، والجمهورُ على
أنه لا يجوز إلا بعدَ النفي أو شبهه، نعم أجازه بعضُهم في الإثبات إن استقام
المعنى، كـ : قرأت إلا يومَ الجمعة.
وأُورد على هذا بأنَّه يلزم عليه كونُ نفس يوسفَ وغيرِه من الأنبياء عليهم السلام
مائلةً إلى الشهوات في أكثر الأوقات، إلا أنْ يُحمل ذلك على ما قبل النبوَّة بناءً
على جواز ما ذُكر قبلها، أو يُرادَ جنسُ النَّفس لا كلُّ واحدة.
وتُعقّب بأنَّ الأخير غيرُ ظاهر؛ لأنَّ الاستثناء معيارُ العموم، ولا يَردُ ما ذكر
رأساً؛ لأنَّ المراد هضمُ النوع البشريِّ اعترافاً بالعجز لولا العصمةُ، على أنَّ وقتَ
الرحمة قد يعمُّ العمرَ كلَّه لبعضهم. اهـ، ولعلَّ الأولى الاقتصارُ على ما في حيِّز
العلاوة، فتأمَّل.
وأن يكون استثناءً من ((النفس))، أو من الضميرِ المستتر في ((أمَّارة)) الراجع
إليها، أي: كلُّ نفس أمَّارةٌ بالسُّوء إلا التي رحمها الله تعالى وعصَمَها عن ذلك
كنفسي، أو من مفعول ((أمَّارة)) المحذوفِ، أي: أمارةٌ صاحبَها إلَّا ما رحمه الله
تعالى، وفيه وقوعُ ((ما)) على مَنْ يعقل، وهو خلافُ الظاهر. ولْينظر الفرقُ في ذلك
بينه وبينَ انقطاع الاستثناء.
﴿﴿إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ عظيمُ المغفرة فيغفر ما يعتري النفوس بمقتضى
طباعها، ومبالغٌ في الرحمة فيعصمها من الجريان على موجبٍ ذلك. والإظهارُ في
مقام الإضمار مع التعرُّض لعنوان الربوبية لتربية مبادي المغفرة والرحمة، ولعلَّ
تقديمَ ما يُفيد الأولى على ما يفيد الثانية لأنَّ التخليةَ مقدَّمة على التحلية.
(١) في المحرر الوجيز ٣/ ٢٥٤.

سُو ◌َلاَّ ◌ُوسُفَ
٣٨٠
الآية : ٥٣
وذهب الجبَّائيُّ - واستظهره أبو حيَّان(١) - إلى أنَّ ((ذلك ليعلم)) إلى هنا من كلامٍ
امرأة العزيز، والمعنى: ذلك الإقرارُ والاعترافُ بالحقِّ ليعلم يوسفُ أنّي لم أخُنْهَ
ولم أكذبْ عليه في حالِ غيبته، وما أبرِّئ نفسي مع ذلك من الخيانة حيثُ قلتُ
ما قلتُ وفعلتُ به ما فعلتُ، إنَّ كلَّ نفس أمَّارةٌ بالسوء إلا نفساً رَحِمها الله تعالى
بالعِصمة كنفس يوسفَ عليه السلام، إنَّ ربي غفورٌ لمن استغفر لذَنبه واعترفَ به،
رحیمٌ له.
وتَعقَّب ذلك صاحبُ ((الكشف)) بأنَّه ليس مُؤْجِبهُ إلا ما تُوهِّم من الاتِّصال
الصُّوري، وليس بذاك، ومن أين لها أن تقول: ((وما أبرِّئ نفسي)) بعد
ما وضح - ولا كَثِيَةِ الأَبْلَق(٢) - أنها أمُّها يرجع إليها ◌ِمُّها ورمُّها(٣)؟
ومن الناس مَن انتصر له بأنَّ أمر التعليل ظاهرٌ عليه، وهو على تقدير جعْلِه من
كلامه عليه السلام غيرُ ظاهر؛ لأنَّ عِلْمَ العزيز بأنَّه لم يكن منه ما قُرف(٤) به
إنَّما يستدعي التفتيشَ مطلقاً، لا خصوصَ تقديمه على الخروج حين طلبه الملك،
والظاهرُ على ذلك التقدير جعلُه له.
وأجيب بأنَّ المراد: ليظهرَ علمُه على أتمٍّ وجهٍ، وهو يستدعي الخصوصَ،
ويساعدُ على إرادة ظهور العلم أنَّ أصلَ العلم كان حاصلاً للعزيز قبلُ حين شهد
شاهدٌ من أهلها، وفيه نظر.
ويمكن أن يقال: إنَّ في التثبُّت وتقديم التفتيش على الخروج من مراعاة
حقوقِ العزيز ما فيه، حيثُ لم يخرج من حبسَه قبلَ ظهور بطلان ما جعله سبباً له
مع أنَّ الملك دعاه إليه، ويترتَّب على ذلك علمُه بأنه لم يخنْه في شيءٍ من
الأشياء أصلاً فضلاً عن خيانته في أهله؛ لظهورِ أنَّه عليه السلام إذا لم يُقْدِمْ على
ما عسى أن يُتوقَّم أنه نقضٌ لِمَا أبرمه مع قوَّة الدَّاعي وتوفّرِ الدواعي، فهو بعدم
(١) في البحر ٣١٧/٥.
(٢) البَلَق: ارتفاع التحجيل إلى الفخذين، ويقال للدابَّة: أَبْلق ويَلْقاء. والشِّيَة: كلُّ لون يخالف
معظمَ لون الفرس وغيره. اللسان (بلق) و(وشي).
(٣) الظّمّ: الرطب، والرِّمّ: اليابس. اللسان (رمم).
(٤) قَرَفَ فلانٌ فلاناً: وقع فيه. تهذيب اللغة ٩/ ١٠٢ (قرف).