Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٣٣
٣٢١
الترمذيُّ عن معاذ بن جبل عنه عليه الصَّلاة والسَّلام: أنه سمع رجلاً وهو يقول:
اللهمَّ إني أسألك الصَّبر. فقال ◌َّهِ: ((سألتَ الله تعالى البلاءَ فاسأله العافيةَ))(١).
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ﴾ أي: وإنْ لم تدفع ﴿عَنِّ كَيْدَهُنَّ﴾ في تحبيب ذلك إليَّ وتحسينِهِ
لديَّ، بأنْ تثبّتَني على ما أنا عليه من العِصمة والعِفَّة ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أمِلْ على
قضيَّة الطبيعة وحُكم القوَّة الشهويَّة إلى إجابتهنَّ بمواتاتها. أو: إلى أنفسهنَّ، وهو
کنایةٌ عن مواتاتهنّ.
وهذا فزعٌ منه عليه السَّلام إلى ألطاف الله تعالى جرياً على سَنَنِ الأنبياء عليهم
السلام والصَّالحين في قَصْرِ نيلِ الخيرات والنَّجاةِ عن الشُّرور على جناب الله
تعالى، وسلبِ القوى والقُدَرِ عن أنفسهم، ومبالغةٌ في استدعاء لطفِه سبحانه في
صرفٍ كيدهنَّ بإظهار أنَّه لا طاقةَ له بالمدافعة، كقول المستغيث: أدركني
وإلا هلَكْتُ، لا أنَّه عليه السلام يطلبُ الإجبار والإلجاء إلى العصمةِ والعقَّة وفي
نفسه داعيةٌ تدعوه إلى السُّوء، كذا قرَّرة المولى أبو السُّعود(٢). وهو معنَى لطيفٌ،
وقد أخذه من كلام الزمخشريٌّ(٣).
لكنْ قال القطب وغيرُه: إنَّه فرارٌ إلى الاعتزال، وإشارةٌ إلى جواب استدلالٍ
الأشاعرة بهذه الآية على أنَّ العبدَ لا ينصرفُ عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى،
وقد قرَّر ذلك الإمام(٤) بما قَرَّره، فليُراجَعْ وليُتَأْمَّل.
وأصل ((إلَّا)): ((إنْ لا)) فهي مرَّبةٌ من ((إنْ)) الشرطية و((لا)) النافية كما أشرنا
إليه، وقد أدغمت فيه الُّون باللام. و((أَصْبُ)) من صَبَا يَصْبو صَبْواً وصَبْوةً: إذا مال
إلى الهوى، ومنه الصَّبا للريح المخصوصة؛ لأنَّ النفوس تميلُ إليها لطيب نسيمها
ورَوْحها. مضارعٌ مجزوم على أنَّه جواب الشرط. والجملةُ الشرطية عطفٌ على
قوله: ((السجن أحبُّ))، وجيء بالأولى اسميَّةً دون الثانية لأنَّ أَحَبِّيَّته السجنَ
مما يدعونه إليه كانت ثابتةً مستمرَّةً، ولا كذلك الصَّرفُ المطلوب.
(١) سنن الترمذي (٣٥٢٧)، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) في تفسيره ٢٧٤/٤ .
(٣) في الكشاف ٣١٩/٢.
(٤) في تفسيره ١٣١/١٨-١٣٢.

سُوَاُ لُوسُفَ
٣٢٢
الآية : ٣٤ - ٣٥
وقرئ: ((أَصَبُّ(١)) من صَبِبْتُ صبابةً: إذا عشقْت، وفي ((البحر)): الصبابةُ
إفراطُ الشَّوق، كأنَّ صاحبها ينصبُّ فيما يهوى(٢). والفعل مضمَّنٌ معنى الميلِ أيضاً
ولذا عدِّي بإلى، أي: أصبُّ مائلاً إليهنَّ.
﴾ أي: الذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأنَّ مَن لا جدوى
﴿وَكُ مِّنَ الْجَهِلِينَ
لعِلْمِه فهو ومَنْ لا يعلم سواءٌ، أو من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه من القبائح؛
لأنَّ الحكيمَ لا يفعل القبيح، فالجهلُ بمعنى السفاهة ضدّ الحكمة لا بمعنى عدم
العلم، ومن ذلك قولُه:
أَلَا لا يَجْهلَنْ أحدٌ علينا فنجهلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا(٣)
﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أي: أجاب له على أبلغ وجهٍ دعاءَه الذي تضمَّنه قولُه:
(إلَّا تصرف عنِّي كيدهنَّ)) إلخ، فإنه في قوَّة قوله: اصرفْه عني، بل أقوى منه في
استدعاء الصَّرف على ما علمتَ، وفي إسناد الاستجابة إلى الربِّ مضافاً إلى ضميره
عليه السَّلام ما لا يخفى من إظهارِ اللّطف، وزاد حُسنَ موقع ذلك افتتاحُ كلامه عليه
السلام بندائِه تعالى بعنوان الرُّبوبيَّة.
﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنُّ﴾ حسبَ دعائِهِ بأنْ ثَبَّته على العِصْمة والعِفَّة، وحالَ بينه وبين
المعصية.
﴿إِنَّهُ، هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء المتضرِّعين إليه ﴿اَلْعَلِيمُ (®﴾ بأحوالهم وما انطوتْ
عليه نيَّاتهم وبما يصلحُهم، لا غيرُه سبحانه.
﴿ثُمَّ بَدَا لَمْ﴾ أي: ظهر للعزيز وأصحابه المتصدِّين للحلِّ والعقد ريثما(٤)
اكتفَوا بأمر يوسفَ عليه السَّلام بالكتمان والإعراضِ عن ذلك ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوَأ
اُلَيَتِ﴾ الصَّارفة لهم عن ذلك البداء، وهي الشواهدُ الدَّالَّة على براءته عليه السلام
وطهارتِه؛ من قدِّ القميص وقطع النِّساء أيديهنَّ. وعليهما اقتصر قتادةُ فيما أخرجه
(١) القراءات الشاذة ص٦٤، والبحر ٣٠٧/٥.
(٢) البحر ٣٠٧/٥.
(٣) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم، وهو في ديوانه ص١١٧، وسلف ٣٧٩/٥.
(٤) في (م): ربما، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٧٤/٤، والكلام منه.

الآية : ٣٥
٣٢٣
سُوَّلُ لُوسُفَ
عنه ابنُ جرير(١)، وفيه إطلاقُ الجمع على اثنين، والأمرُ فيه هيِّن.
وعن مجاهدٍ الاقتصارُ على القدِّ فقط؛ لأنَّ القطعَ ليس من الشواهد الدَّالَّة على
البراءة في شيءٍ(٢)، ويحملُ الجمعُ حينئذٍ على التعظيم، أو ((أل) على الجنسيّة وهي
تبطلُ معنى الجمعيَّة، كذا قيل، وهو كما ترى.
ووجَّه بعضهم عدَّ القطع من الشواهد بأنَّ حُسْنَه عليه الصلاة والسلام الفاتنَ
للنساء في مجلسٍ واحد، وفي أوَّل نظرةٍ، يدلُّ على فتنتِها بالطريق الأولى، وأنَّ
الطلبَ منها لا منه.
وعدَّ بعضُهم استعصامَه عليه السلام عن النِّسوة إذ دعونه إلى أنفسهنَّ؛ فإنَّ
العزيز وأصحابَه قد سمعوه وتيقَّنوه(٣) حتى صار كالمشاهَد لهم، ودلالةُ ذلك على
البراءة ظاهرة. وأخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمةَ قال: سألت ابنَ
عباس ﴿ّ: عن الآيات، فقال: ما سألني عنها أحدٌ قبلَك، من الآيات: قدُّ
القميص، وأثرُها في جسده، وأثرُ السِّكين(٤). فعَذَّ رَبّه الأثرَ من الآيات ولم يذكرْ
فيما سبق. ومن هنا قيل: يجوز أن يكونَ هناك آياتٌ غير ما ذُكر تُرك ذكرُها كما تُرك
ذكرُ كثير من معجزات الأنبياء عليهم السَّلام.
وفاعلُ ((بدا)) ضميرٌ يعود إمَّا للبداء مصدر الفعل المذكور، أو بمعنى الرأي
كما في قوله :
لعلَّك والموعودُ حقٌّ لقاؤُه بدالك في تلك القَلوصِ بَداءُ(٥)
وإمَّا للسَّجن بالفتح المفهوم من قوله سبحانه: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ .
(١) في تفسيره ١٤٨/١٣ .
(٢) بعدها في (م): حينئذ للتعظيم.
(٣) في (م): وتيقنوا به.
(٤) الدر المنثور ١٨/٤، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٢١٣٩/٧ دون قوله: وأثرها في جسده.
(٥) البيت لمحمد بن بشير الخارجي كما في الأغاني ١٢٣/١٦، ونسبه صاحب اللسان (بدا)
للشماخ، وهو في ملحقات ديوانه ص٤٢٧، وذكره ابن الشجري في الأمالي ٢/ ٣٧،
وأبو حيان في البحر ٣٠٧/٥ دون نسبة. قوله: والموعود، أي: والأمر الموعود، أو يكون
الموعود مثل الوعد.

سُوٌَّلُ لُوسُفَنَا
٣٢٤
الآية : ٣٥
وجملةُ القسم وجوابُه إمَّا مفعولٌ لقولٍ مضمرٍ وقع حالاً من ضمير ((هم))، وإلى
ذلك ذهب المبرِّد، وإما مفسِّرةٌ للضمير المستتر في ((بدا)) فلا موضعَ لها .
وقيل: إنَّ جملةَ ((ليسجننه)) جوابٌ لـ ((بدا)) لأنَّه من أفعال القلوب، والعربُ
تُجريها مجرى القَسَم وتتلقًّاها بما يتلقّی به.
وزعم بعضُهم أنَّ مضمون الجملة هو فاعل ((بدا))، كما قالوا في قوله سبحانه:
﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَتَبَّنَ لَكُمْ
كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]: إنَّ الفاعلَ مضمون الجملة، أي: كثرةُ إهلاكنا،
وكيفيَّةُ فِعْلِنا .
وظاهرُ كلام ابن مالك في ((شرح التسهيل)) أنَّ الفاعلَ في ذلك الجملةُ لتأويلها
بالمفرد، حيث قال: وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل كما جاز في باب
المبتدأ، نحو: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرّهُمْ﴾ [البقرة: ٦] وجمهورُ النُّحاة
لا یجوِّزون ذلك کما حُقِّق في موضعه.
واختار المازنيُّ في الفاعل الوجه الأول، قيل: وحَسُنَ: بدا لهم بداء، وإن لم
يحسنْ: ظهر لهم ظهورٌ؛ لأنَّ البداء قد استُعمل في غير المصدريَّة كما علمت.
واختار أبو حيَّان(١) الوجهَ الأخيرَ وكونَه ضميرَ السَّجن السابق على قراءةٍ مَن
فتح السين، والأولى كونُه ضميرَ السَّجن المفهوم من الجملةِ، أي: بدا لهم سَجْنُه
المحتومُ قائلین: والله ليسجننه.
وكان ذلك البداءُ باستنزالِ المرأة لزوجِها، ومطاوعتِه لها، وحبِّه إيَّاها،
وجعلِهِ زمامَ أمرِه بيدها؛ روي أنه عليه السلام لمَّا استعصَم عنها ويئستْ منه،
قالت للعزيز: إنَّ هذا الغلامَ العبرانيَّ قد فضحني في الناس، يخبرهم بأنِّي
راودته عن نفسه فأبى، ويصفُ الأمرَ حسبما يختار، وأنا محبوسةٌ محجوبةٌ، فإمَّا
أن تأذنَ لي فأخرجَ فأعتذر إلى الناس وأكذِّبه، وإمّا أن تحبسَه كما أني
محبوسة. فحُبِس.
(١) في البحر ٣٠٧/٥.

الآية : ٣٦
٣٢٥
سُوَةٌ تُوسُفَ
قال ابن عباس: إنَّه أُمر به عليه السلام فحُمِل على حمارٍ وضُرب معه الطبلُ،
ونودي عليه في أسواق مصرَ أنَّ يوسفَ العبرانيّ راود سيِّدتَه، فهذا جزاؤه. وكان
ابنُ عباس ﴿ًّا - كما قال أبو صالح - كلَّما ذكر هذا بكى.
وأرادتْ بذلك تحقيقَ وعيدِها، لتلين به عريكتُه، وتنقادَ لها قَرونتُه(١)، لمَّا
انصرمتْ حبالُ رجائها عن استتباعه بعرضٍ الجمال بنفسِها وبأعوانها .
وقرأ الحسنُ: ((لتَسْجُننَّه)) على صيغة الخطاب(٢)، بأنْ خاطبَ بعضُهم العزيزَ
ومَن يليه، أو العزيزَ وحدَه على وجه التعظيم، أو خاطبَ به العزيزَ ومَن عندَه مِن
أصحاب الرأي المباشرين للسّجن والحبس.
﴿حَّى حِينٍ (٥)﴾ قال ابن عباس: إلى انقطاع المقالِ وما شاع في المدينة من
الفاحشة، وهذا بادي الرأي عند العزيز، وأما عندَها فحتى يذلِلَه السّجنُ ويسخِّره
لها، ويحسب الناسُ أنَّه المجرم.
وقيل: الحين هاهنا خمسُ سنين. وقيل: بل سبع. وقال مقاتل: إنَّه عليه السلام
حُبس اثنتي عشرةً سنة.
والأَولى أن لا يُجزمَ بمقدار، وإنما يجزم بالمدَّة الطويلة، والحين عند الأكثرين
وقتٌ من الزمان غيرُ محدودٍ يقعُ على القصير منه والطويل، وقد استعمل في غير
ذلك كما ذكرناه في ((شرح القادرية))(٣). وقرأ ابن مسعود: ((عتى)) بإبدال حاء
((حتى)) عيناً، وهي لغة هُذيل، وقد أقرأ ◌َه بذلك إلى أن كتبَ إليه عمرُ صُبه أن
يُقرئ بلغةٍ قريش ((حتى)) بالحاء(٤).
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ﴾ غلامان كانا للملك الأكبر الريَّان بن الوليد؛
(١) أي: نَفْسُه. اللسان (قرن).
(٢) القراءات الشاذة ص٦٣، والبحر ٣٠٧/٥.
(٣) هو: الطراز المذهب في شرح قصيدة الباز الأشهب، والقصيدة لعبد الباقي العمري في
مدح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وقد أشرنا إلى هذا الكتاب ضمن كتب المصنف في
المقدمة.
(٤) المحتسب ٣٤٣/١، والبحر ٣٠٧/٥، وذكر القراءة أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٦٣ .

سُوَةٌ تُوسُفَ
٣٢٦
الآية : ٣٦
أحدُهما خبَّازُه وصاحبُ طعامه، والآخرُ ساقيه وصاحبُ شرابه، وكان قد غضب
عليهما الملكُ بسبب أنَّ جماعةً من أشراف مصرَ أرادوا المكرَ بالملك واغتيالَه،
فضمنوا لهما مالاً على أن يَسُمَّاه في طعامه وشرابه، فأجابا إلى ذلك، ثم إنَّ
الساقيَ ندم فرجع عن ذلك، وقبل الخبّازُ الرشوة وسمَّ الطعام، فلما حضر بين يدي
الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملكُ فإنَّ الطعام مسموم، وقال الخباز:
لا تشربْ فإنَّ الشراب مسموم، فقال للساقي: اشربه فشربه فلم يضرَّه، وقال
للخباز: كُلْ من طعامك فأبى، فأطعم من ذلك لدابَّة فهلكت، فأمر الملكُ
بحبسهما، فاتَّفق أن أُدخلا معه السِّجن.
ولعلَّه إنما عبّر بـ ((دخل)) الظاهرِ في كون الدُّخول بالاختيار مع أنَّه لم يكن
كذلك، للإشارة - على ما قيل - إلى أنَّهما لمَّا رأيا يوسف هان عليهما أمرُ
السّجن(١)؛ لِمَا وقع في قلوبهما من محبَّتِه، و:
هوى كلِّ نفسٍ حيث حلَّ حبيبُها(٢)
فقد أخرج غيرُ واحد عن ابنٍ إسحاق أنَّهما لمَّا رأياه قالا له: يا فتى، لقد والله
أحببناكَ حين رأيناك. فقال لهما عليه السّلام: أنشدكما اللهَ تعالى أنْ لا تحبَّاني،
فوالله ما أحبَّني أحدٌ قظُ إلا دخل عَليَّ من حبِّه بلاء، لقد أحبتني عمَّتي فدخل عليَّ
من حبِّها بلاء، ثمَّ أحبَّني أبي فدخل عليَّ من حبِّه بلاء، ثم أحبَّتني زوجةُ صاحبي
هذا فدخل عليَّ بحبِّها إياي بلاء، فلا تحبَّاني بارك الله تعالى فيكما. فأبيا إلا حبَّه
وإلفَه حيث كان(٣).
وقيل: عبّر بذلك لِمَا أنَّ ذكر ((معه)) يفيد اتِّصافه عليه السلام بما يُنسب إليهما،
والمناسبُ في حقِّه نسبةُ الدخول، لمكان قوله عليه السلام: (رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ
مِمَا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ) لا الإدخالِ المفيدِ لسلب الاختيار، ولو عبّر بـ ((أدخل)) لأفادَ ذلك
(١) في الأصل: كان عليهما أمر السجن سهلاً.
(٢) وصدره: هوّى تذرفُ العينان منه وإنما، والبيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٢/ ٦٩٥.
(٣) في الأصل و(م): إلا حبه والله حيث كان، والمثبت من تفسير الطبري ١٥٤/١٣، وتفسير
ابن أبي حاتم ٢١٤٢/٧، والخبر فيهما من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن
مجاهد.

الآية : ٣٦
٣٢٧
سُؤَلَ مُوسُفَ
نسبةَ الإدخال إليه، فلم يكن بدٌّ من التعبير بالدُّخول ترجيحاً لجانبه عليه السلام.
والظاهر أنَّ ((مع)) تدلُّ على الصُّحبة والمقارَنةِ لفاعل الفعل في ابتداء تلبُّسه
بالفعل، فتفيد أنَّ دخولَهما مصاحبين له، وأنَّهم سجنوا الثلاثة في ساعةٍ واحدة.
وتُعقّب بأنَّ هذا منتقضٌ بقوله سبحانه: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ﴾ [النمل: ٤٤]
حكايةً عن بلقيس، إذ ليس إسلامها مقارناً لابتداء إسلام سليمان عليه السلام.
وأُجيب بأنَّ الحملَ على المجاز هنالك للصارف، ولا صارفَ فيما نحن فيه،
فيُحمل على الحقيقة. ويشهد لذلك ما ذكره الزمخشريُّ في قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ
مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢] من أنَّه بيانٌ متعلِّقٌ بمحذوفٍ لتعذُّر التعلُّق بـ ((بلغ)» أو
((السعي)) معنّى أو لفظاً (١).
وقال صاحبُ ((الكشف)): إنه لا يتعيَّن المحكيُّ عنها لمعيَّة الفاعل، فجاز أن
يُراد: أسلمتُ لله ولرسوله مثلاً، وتقديمُ ((مع)) للإشعار بأنها كانت تظنُّ أنَّها على
دينٍ قبلُ، وأَنَّها كانت مسلمةً فيما كانت تعبدُ من الشمس، فدلَّ على أنه إسلام يعتدُّ
به من أثر متابعةِ نبيّه، لا إسلامٌ كالأوَّل فاسدٌ، وهذا معنّى صحيحٌ، حَمْلُ الآية عليه
أَوْلى، وإنْ حُمِلَ على معيَّة الفاعل لم يكن بدٌّ من محذوفٍ، نحو: مع بلوغٍ دعوته
وإظهارٍ معجزته؛ لأنَّ فرقَ ما بين المعيَّة ومطلَقِ الجمع معلومٌ بالضرورة. اهـ.
وفرَّق بعضُهم بين الفعل الممتدِّ كالإسلام، وغيرِهِ كالدُّخول، بأنَّ الأوَّلَ
لا يقتضي مقارنتهما في ابتدائه بخلافِ الثاني، وهو - على ما قيل - راجعٌ إلى
الجمع وليس من المعيَّة في شيءٍ، على أنَّه حينئذٍ لا يحتاج إلى تأويلٍ في آية (فَمَّا
بَلَغَ مَعَهُ السَّغْىَ) واختير أن المقارنة هي الأصلُ ولا يعدلُ عنها ما أمكنت. فتأمَّل.
وتأخيرُ الفاعل عن المفعول لِمَا مرَّ غيرَ مرَّةٍ من الاهتمام بالمقدَّم والتشويقِ إلى
المؤخخَّر؛ ليتمكّن عند النفس حين وروده فضلَ تمكُّنٍ، ولعلَّ تقديم الظرف على
(السّجن)) لأنَّ الاهتمام بأمر المعيَّة أشدُّ من الاهتمام بأمره؛ لِمَا أنَّها المنشأُ لِمَا كان.
(١) الكشاف ٣٤٧/٣، وفيه: لا يصح تعلق (معه)) بـ ((بلغ)) لاقتضائه بلوغهما معاً حد السعي،
ولا بـ (السعي) لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بياناً، كأنه لما قال: فلما بلغ
السعي، أي: الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: مع مَن؟ فقال: مع أبيه.

سُوَلُ لُوسُفَا
٣٢٨
الآية : ٣٦
وقيل: إنما قدِّم لأنَّ تأخيرَه يُوهم أن يكون خبراً مقدَّماً على المبتدأ، وتكون
الجملة حالاً من فاعل ((دخل)).
وتُعقّب بأنَّ حاصلَ التركيب الأوَّل مصاحبةُ الفتيَيْن له عند دخولهما، وحاصل
الثاني مصاحبةُ الفَتَيَيْنِ له عند دخوله، ويؤولُ الأمران إلى دخولهما ودخوله
متصاحبين. فافهم.
والجملة على ما قيل: معطوفة على محذوفٍ ينساق إليه الذِّهن، كأنه قيل:
فلما بدا لهم ذلك سجنوه ودخل معه ... إلخ.
وقرئ: ((السَّجن)) بفتح السين على معنى موضع السجن(١).
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالِ مَن يقول: ما صنعا بعد ما دخلا؟ فأُجيب
بأنَّه ((قال)) ﴿أَحَدُهُمَا﴾ وهو الشرابي واسمه نبو ﴿إِنِّ أَرَنِّ﴾ أي: رأيتُني في المنام،
والتعبيرُ بالمضارع لاستحضار الصورة(٢) الماضية ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: عنباً، روي
أنه قال: رأيتُ حَبَةً(٣) من كَرْم حسنة لها ثلاثةُ أغصان فيها عناقيدُ عنب، فكنتُ
أعصرها وأسقي الملك.
وسمَّاه بما يَؤُولُ إليه لأنَّ الخمرَ ممَّا لا يُعصُر؛ إذ عَصْرُ الشيءِ إخراجُ ما فيه
من المائع بقوّة، وكونُ العنب يؤولُ إلى الخمر ظاهر(٤)، وكون الذي يؤولُ إليه
ماؤه لا جرمُه لا يضرُّ؛ لأنه المقصودُ منه فما عَدَاه غيرُ منظور إليه، فليس فيه
تجُّزان بالنَّظر إلى المتعارَفِ فیه.
وقيل: الخمر بلغةٍ غسَّان اسمٌ للعنب. وقيل: في لغة أزد عمان(٥).
(١) الإملاء ٣٣٥/٣-٣٣٦.
(٢) في (م): الصور، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٧٥/٤ .
(٣) الحبلة: القضيب من الكرم. الصحاح (حبل).
(٤) قوله: ظاهر، ليس في (م).
(٥) في (م): أذرعان، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل والمحرر الوجيز ٢٤٣/٣، والبحر
٣٠٨/٥. وجاء في هامش الأصل و(م): قال المعتمر: لقيت أعرابيًّا يحمل عنباً في وعاء،
فقلت: ما تحمل؟ قال: خمراً. أراد العنب. اهـ منه.

الآية : ٣٦
٣٢٩
سُوَلاَ تُوسُفَ
وقرأ أبيٍّ وعبدُ الله: ((أعصر عنباً))(١) قال في (البحر)): وينبغي أن يُحملَ ذلك
على التفسير لمخالفتِه لسوادِ المصحف، والثابتُ عنهما بالتواتر قراءتُهما: ((أعصر
خمراً))(٢). انتهى.
وقد أخرج القراءةَ كذلك عن الثاني البخاريُّ في ((تاريخه)) وابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرقٍ. وذكروا أنَّه قال: والله لقد
أخذتُها من رسولِ الله وَّرِ هكذا(٣)، فافهم.
وقال ابنُ عطية: يجوز أن يكونَ وصف الخمر بأنَّها معصورةٌ؛ لأنَّ العصرَ من
أجلها(٤). فليس ذلك من مجازِ الأَوْلِ، والمشهورُ أنه منه.
والخمر كما قال الفرَّاء: مؤنثة وربما ذكِّرت(٥). وعن السجستاني أنه سمع
التذكير ممَّن يُوثق به من الفصحاء(٦).
ورأى الحُلميَّة جرت مجرى أفعالِ القلوب في جواز كونٍ فاعلها ومفعولها
ضميرَيْن متَّحدي المعنى، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر، فلا يقال: أَضْرِبُني،
ولا أُكْرِمُني، وحاصلُه: أرى نفسي أعصرُ خمراً.
﴿وَقَالَ الْآَخَرُ﴾ وهو الخبَّاز واسمه مجلث(٧) ﴿إِّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا﴾
وفي مصحف ابنٍ مسعود: ((ثريداً)) ﴿تَأْكُلُ اٌلَّيْرُ مِنٌْ﴾ وهذا كما قيل أيضاً: تفسيرٌ
لا قراءة(٨).
(١) المحتسب ٣٤٣/١، والبحر ٣٠٨/٥.
(٢) البحر ٣٠٨/٥.
(٣) التاريخ الكبير ٢٧٤/١-٢٧٥، وتفسير الطبري ١٥٤/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٤٢/٧،
والكلام من الدر المنثور ١٩/٤ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٤/٣.
(٥) المذكر والمؤنث للفراء ص١٨، وقوله: والخمر، ساقط من (م).
(٦) المذكر والمؤنث لأبي حاتم السجستاني ص١٦٥.
(٧) في هامش الأصل و(م): وقيل: اسم الفتيين راشان ومرطش، وقيل: سرهم وشرهم. اهـ
منه. وينظر التعريف والإعلام للسهيلي ص٨١، وتفسير الطبري ١٥١/١٣-١٥٢، وتفسير
القرطبي ٢٤٥/١١ -٣٤٦.
(٨) البحر ٣٠٨/٥.

سُؤَلُ لُوسُفَ
٣٣٠
الآية : ٣٦
روي أنه قال: رأيتُ أنِّي أَخرج من مطبخةِ الملك وعلى رأسي ثلاثُ سلالٍ
فيها خبزٌ والطير تأكلُ من أعلاه.
والخبز معروف، وجمعُه أخباز، وهو مفعول ((أحمل))، والظرفُ متعلِّق
بـ ((أحمل))، وتأخيرُه عنه لِمَا مرَّ، وقيل: متعلِّق بمحذوف وقع حالاً منه. وجملة
(تأكل)) إلخ صفةٌ له، أو استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال.
﴿فَإِثْنَا﴾ أي: أَخْبرنا ﴿بِتَأْوِيِ﴾ بتعبيرِه وما يؤولُ إليه أمرُه، والضمير للرؤيتيْن
بتأويل: ما ذُكر، أو: ما رُئِيَ، وقد أجْري الضميرُ مجرى ((ذلك)) بطريقِ الاستعارة،
فإنَّ اسمَ الإشارة يُشار به إلى متعدِّدٍ (١) كما مرَّت الإشارة إليه غيرَ مرة، هذا إذا
قالاه معاً، أو قاله أحدُهما من جهتهما معاً، وأمَّا إذا قاله كلٌّ منهما إثرَ ما قصَّ
ما رآه، فالمرجعُ غيرُ متعدِّد، ولا يمنع من هذا الاحتمال صيغةُ المتكلِّم مع الغير؛
لاحتمالٍ أن تكون واقعةً في الحكاية دون المحكيِّ، على طريقة قوله تعالى: ﴿يَأَيُها
الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّتِبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] فإنهم لم يخاطبوا دفعةً، بل خُوطب كلٌّ منهم
في زمانه(٢) بصيغةٍ مفردةٍ خاصّة به.
﴿إِنَّا نَرَئِكَ﴾ تعليلٌ لعرضٍ رؤياهما عليه واستفسارِهما منه عليه السَّلام، أي:
إنَّا نعتقدُك ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ أي: من الذين يُحسنون تأويلَ الرُّؤيا، لمَّا رأياه
يقصُّ عليه بعضُ أهل السجن رؤياه فيؤوِّلها لهم تأويلاً حسناً، وكان عليه السلام
حين دخلَ السجن قد قال: إنِّي أَعْبُرُ الرؤيا وأجيدُ.
أو: من العلماء، كما في قول عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: قيمةُ كلِّ امرئٍ
ما يحسنُه. وذلك لمَّا سمعاه يذكرُ للنَّاس ما يدلُّ على علمِه وفضْلِه؛ أخرج ابنُ
أبي حاتم وغيرُه عن قتادة قال: لمَّا انتهى يوسفُ إلى السِّجن، وجد فيه قوماً قد
(١) جاء في هامش الأصل و(م): والسر في المصير إلى هذا الإجراء بعد التأويل أن الضمير
إنما يتعرض لنفس المرجع من حيث هو، من غير تعرُّضٍ لحالٍ من أحواله، فلا ينبغي تأويله
بأحد الاعتبارين إلا بإجرائه مجرى اسم الإشارة الذي يدل على المشار إليه بالاعتبار الذي
جرى عليه الكلام فتأمل، قاله أبو السعود. اهـ منه. والكلام في تفسير أبي السعود ٤/ ٢٧٥،
وفيه: فلا يتسنى تأويله، بدل: فلا ينبغي تأويله.
(٢) في (م): زمان، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٧٦/٤.

الآية : ٣٧
٣٣١
سُوَةٌ تُوسُف
انقطع رجاؤهم، واشتدَّ بلاؤهم، وطال حزنُهم، فجعل يقول: أبشروا واصبروا
تُؤجروا إِنَّ لهذا لأجراً. فقالوا: يا فتى، بارك الله تعالى فيكَ، ما أحسن وجهَك
وأحسنَ خَلْقك وخُلُقَك! لقد بُورك لنا في جوارك، ما نحبُّ أنَّا كَّا في غير هذا منذ
حُبِسْنا(١) لِمَا تخبرنا من الأجر والكفَّارة والطّهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا
يوسفُ بن صفيِّ الله تعالى يعقوبَ بنِ ذبيح الله تعالى إسحاق بنٍ خليل الله تعالى
إبراهيم. فقال له عاملُ السِّجن: يا فتى، لو استطعتُ خلَّيتُ سبيلكَ، ولكن
سأُحْسِنُ جِوارَك، فكن في أيِّ بيوت السِّجن شئت(٢).
أو: من المحسنين إلى أهل السّجن، أي: فَأَحْسِنْ إلينا بكشفِ غمَّتِنا إنْ كنت
قادراً على ذلك. وإلى هذا ذهب الضَّحاك؛ أخرج سعيدُ بنُ منصور والبيهقيُّ
وغيرهما عنه أنَّه سُئِل: ما كان إحسانُ يوسف؟ فقال: كان إذا مرضَ إنسانٌ في
السِّجن قام عليه، وإذا ضاق عليه مكانٌ أَوْسَعَ له، وإذا احتاج جَمَعَ له(٣).
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانٍِ﴾ في الحبس حَسبَ عادتكما المطّردة ﴿إِلَّا بَتَأْتُكُمَا
بِتَأْوِيلِهِ ﴾ استثناءٌ مفرَّغ من أعمِّ الأحوال، أي: لا يأتيكما طعام في حالٍ من
الأحوال إلا حال ما نبّتكما به بأنْ بيَّنتُ لكما ماهيته وكيفيَّته وسائرَ أحواله ﴿قَبْلَ أَن
يَأْتِيَّكُمَِّ﴾ وحاصلُه: لا يأتيكما طعامٌ إلا أخبرتُكما قبل إتيانه إياكما بأنَّه يأتيكما طعام
من صفتِه كيت وكيت، وإطلاقُ التأويل على ذلك - مع أنَّ حقيقتَه في المشهور
تفسير الألفاظ المراد منها خلافُ الظاهر ببيان المرادِ - بطريق الاستعارة، فإنَّ ذلك
يشبه تفسيرَ المشكل، أو أنه بالنّسبة إلى الطعام المبهم بمنزلةِ التأويل بالتأويل
والنِّسبة إلى ما رُئِيَ (٤) في المنام وشبيه له. ويحسِّنُ هذه الاستعارةَ ما في ذلك من
المشاكلة لِمَا وقع في عبارتِهما من قولهما: ((نبّنا بتأويله)).
(١) في الأصل و(م): جئتنا، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ في تفسير ابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري ١٥٧/١٣-١٥٨، وعزاه
السيوطي في الدر ١٩/٤ للطبري وأبي الشيخ. والمشهور أن الذبيح على الصحيح هو
إسماعيل عليه السلام، وليس إسحاق عليه السلام.
(٣) سنن سعيد بن منصور (١١٢٤ - تفسير)، وشعب الإيمان (٩٥٧٩).
(٤) جاءت هذه العبارة في تفسير أبي السعود بلفظ :... بمنزلة التأويل بالنظر إلى ما رُئيَ ...

سُوَةٌ مُوسُفَ
٣٣٢
الآية : ٣٧
وكونُ المراد بالتأويل الأمرَ الآيلَ لا المآل، بناءً على أنَّه في الأصل جَعْلُ شيءٍ
آيلاً إلى شيء آخر، وكما يجوز أن يُراد به الثاني يجوز أنْ يراد به الأوَّل، ويكون
المعنى: إلَّا نَبَّاتُكما بما يؤولُ إليه من الكلام والخبرِ المطابق للواقع = في غاية
البُعد، بل لا يكاد يلتفتُ إليه كما لا يخفى على المنْصِف.
وكأنَّه عليه السلام أراد أن يَعرضَ عليهما التوحيدَ ويزِيِّتَه لهما، ويقبِّحَ لهما الشِّركَ
بالله تعالى قبل أن يجيبهما عمَّا سألاه من تعبير رؤياهما، ثمَّ يجيبهما عن ذلك. وهذه
طريقةٌ على كلِّ ذي عقلٍ أن يسلكها مع الجَهَلة والفَسَقة إذا استفتاه واحدٌ منهم، أن
يقدِّم الإرشادَ والنَّصيحة أوَّلاً ويدعوه إلى ما هو أَولى به وأوجبُ(١) عليه مما استفتى
فيه، ثمَّ يُفتيه. ولعلَّ ذلك كان مفترضاً عليه عليه السّلام، فوصف نفسه أوَّلاً بما هو
فوق عِلْم العلماء، وهو الإخبار بالمغيَّبات، وجعلَه تخلُّصاً لِمَا أراد، كالتخلُّصات
المعروفة عندهم، فإنَّ الإخبارَ بالغَيب يناسبُ ما سألاه من تأويل رؤياهما، وأنَّ مَن
كان هكذا لا محالةَ يكون بغيره(٢) صادقاً، ويقوِّي أمرَ المناسبة تخصيصُ الطعام
بالذِّكر من بين سائر المغيِّبات كما لا يخفى، ويناسب ما أراده من الدَّعوة إلى
التوحيد؛ لأنَّه ثبت صدقُه ونبوَّته وكونُه من المرتَضيْن عند الله تعالى الصَّادقين في
أقوالهم وأفعالهم، وفي حكايةِ اللهِ تعالى ذلك إرشادٌ لمن كان له قلب. وقد أدمج فيه
أنَّ وصفَ العالم نفسَه ليُنْتفع به لا يحرُم، ولا يعدُّ ذلك من التَّزكية المحظورة.
وإلى ما ذكرنا من حَمْلِ الإتيان على الإتيان في اليقظة ذهب غيرُ واحد من
الأجلَّة، ورُوي عن ابن جريج. وحَمَله بعضُهم على الإتيان مناماً؛ قال السُّدِّي وابنُ
إسحاق: إنَّه عليه السَّلام لمَّا علم من رؤية الخبَّاز أنه يُقتل أخذ في حديث آخرَ
تنسيةً لهما أمر المنام، وطماعيةً في إيمانهما ليأخذَ المقتول بحظّه من الإيمان
وتسلمَ له آخرتُه، فقال بعظيم عِلْمه بالتعبير: إنَّه لا يجيئكما طعامٌ في نومكما تریان
أنَّكما تُرزقانه إلا أعلمتُكما بما يؤُولُ إليه أمرُه في اليقظة قبل أن يظهرَ ذلك.
ولا يخفى أنَّ حديث الطَّماعيةِ المذكورةِ مما لا بأس، إلا أنَّ حديث التّنسية لا يخلو
عن منع.
(١) في (م): وأوجبه، والمثبت من الأصل والكشاف ٣٢٠/٢.
(٢) في الأصل: تعبيره.

الآية : ٣٧
٣٣٣
سُؤَةٌ مُوسُفَ
وجاء في روايةٍ أخرى عن ابن مُجُرَيجٍ أخرجها ابنُ جَرِيرٍ وابن المنذر وغيرُهما عنه
ما يَقْرُبُ من هذا الحديث من وجهٍ، فَإِنَّه قال: إنه عليه السلام كره العبارةَ لهما،
فأجابهما بأنَّ له علماً بما يأتيهما من الطعام، ولم يصرِّح بما تدلُّ عليه رؤياهما شفقةً
على الهالك منهما، وكان الملك إذا أراد قَتْلَ إنسان صنع له طعاماً معلوماً فأرسل به
إليه، فلمَّا لم يكتفيا بذلك وطلبا منه التعبيرَ أيضاً دعاهما إلى التوحيد كراهةً للعبارة
أيضاً، فلمّا لم یکتفیا عبَّر لهما وأوضح ما تدلُّ علیه رؤیاهما(١). وهو كما ترى.
وأيًّا ما كان فالضميرُ في ((تأويله)) يعود على الطعام، وجوِّز عودُه على ما قصَّاه
عليه من الرؤيتَيْن على معنى: لا يأتيكما طعامٌ تُرزقانه حسبَ عادتكما إلَّا
أخبرتُكما بتأويل ما قصَصْتما عليَّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعامُ المؤقَّت، والمرادُ
الإخبارُ بالاستعجال بالتَّنبئة(٢). وفيه أنَّه خلافُ الظاهر مع أنَّ الإخبار بالاستعجال
مما ليس فيه كثيرُ مناسَبةٍ لمَا هو بصَدَدِه.
وقد يقال: يجوز عودُ الضمير إلى ما قصَّاه، ويكون المرادُ من الطّعام المرزوقِ
ما رأياه في المنام. ولا يخفى ما فيه أيضاً، لكنَّ التأويل على هذين الوجهين
لا يحتاجُ إلى التأويل بل يُراد منه ما أريد من تأويله في كلامهما.
وكذا الضمير المستتر في ((يأتيكما)) يعود على الطعام، وعودُه على التأويل وإن
كان أقرب بعيدٌ.
ثمَّ إنه عليه السلام أخبرهما بأنَّ عِلْمَه ذلك ليس من علوم الكَهَنة والمنجِّمین،
بل هو فضلٌ إلهيٍّ يؤتيه مَنْ يشاء فقال: ﴿ذَلِكُمَا﴾ ويُروى أنَّهما قالا له: من أين لك
ما تدَّعيه من العِلْمِ، وأنَّك لستَ بكاهِنٍ ولا منجِّم؟! وقيل: قالا: إنَّ هذا كهانةٌ أو
تنجيمٌ. فقال: [((ذلكما))](٣) أي: ذلك التأويلُ والكشفُ عن المغيَّبات، ومعنى
(١) تفسير الطبري ١٦١/١٣، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٩/٤.
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): قال في إرشاد العقل السليم في الاعتراض عليه: وأنت خبير
بأن النظم الكريم ظاهر في تعدُّد إتيان الطعام والإخبارِ بالتأويل وتجدُّدِهما، وأن المقام مقام
إظهار فضله في فنون العلوم بحيث يدخل في ذلك رؤياهما دخولاً أوَّلَيًّا. اهـ فافهم. اهـ منه.
والكلام في تفسير أبي السعود ٢٧٦/٤.
(٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٤/ ٢٧٧ .

سُورَةٌ تُوسُفَ
٣٣٤
الآية : ٣٧
البعدِ في ((ذلك)) للإشارة إلى بُعد منزلته وعلوِّ درجته ﴿مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّ﴾ بالوحي،
أو بنحو ذلك ممَّا يحصل به العلم كما يكون للأولياء أهلِ الكشف ظه، واقتصر
بعضُهم على الأوَّل وادَّعى أنَّ الآية دليلٌ على أنَّه عليه السلام كان إذ ذاك نبيًّا، وأيًّا
ما كان فالمرادُ: إنَّ ذلك بعض مما علَّمنيه الله تعالى، أو من ذلك الجنس الذي
لا يناله إلا الأصفياءُ، ولقد دلَّهما بذلك على أنَّ له علوماً جمَّةً، ما سمعاه قطرةٌ من
تيارِها وزهرةٌ من أزهارها.
وقوله: ﴿إِّ تَرَّكْتُ مِنَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ
ممَّا تقدَّم وتعليلاً له، كأنَّه قيل: لماذا علَّمك ربُّك تلك العلوم الجليلةَ الشَّان؟
فقال: لأنِّي تركتُ دينَ الكفرة (١) الذي اجتمعوا عليه من الشِّرك وعبادةِ الأوثان.
وقيل: تعليلٌ للتعليم الواقع صلةً. وهو يؤدِّي إلى معنى أنَّه مما علَّمني ربِّي لهذا
السبب دون غيره، وليس بمراد.
وقيل: لمضمونِ الجملة الخبريَّة. وفيه أنَّ ما ذكر ليس بعلَّةٍ لكون التأويل
المذكور بعضاً مما علَّمه ربُّه، أو لكونِه من جنسه، بل لنفسِ التعليم.
والمراد بالتَّرك الامتناعُ فإنَّه لم يتلوَّث بتلك قظُ كما يُفصح عنه ما يأتي من
كلامِه عليه السلام قريباً إن شاء الله تعالى، لكن عبَّر به عن ذلك استجلاباً لهما لأنْ
يتركا تلك الملَّة التي هم عليها على أحسن وجه.
والتعبيرُ عن كفرهم بالله تعالى بسلبِ الإيمان به سبحانه للتنصيص على أنَّ
عبادتَهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليس بإيمانٍ به تعالى كما يزعمونه. وأراد بأولئك
القوم المتَّصفين بعنوان الصِّلة حيث كانوا، وقيل: أهلَ مصرَ فإنَّهم كانوا عَبَدةً إذ
ذاك .
﴿وَهُمْ بِلْآَخِرَةٍ﴾ وما فيها من الجزاء ﴿هُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ أي: على الخصوص
دونَ غيرهم من الكنعانيين الذين هم على ملَّة إبراهيم عليه السلام، على ما يفيده
توسيطُ ضمير الفَصْلِ هنا عند البعض، وذكر أنَّ تقديم الضميرِ للتخصيص وتكريرَه
للتأكيد، ولعلَّه إنما أَّد إنكارَهم للمعاد لأنَّه كان أشدَّ من إنكارهم للمبدأ، فتأمل.
(١) في (م): الكفر.

الآية : ٣٨
٣٣٥
سُوَلّ ◌ُوسُفَ
﴿وَتَبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآِىّ إِنََّهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ﴾ داخلٌ في حيِّز التعليل، كأنَّه قال:
إنما فزت بما فزتُ بسبب أنِّي لم أتَّبعْ ملَّة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد، واتَّبعتُ ملَّة
آبائي الكرامِ المؤمنين بذلك. وإنَّما قاله عليه السلام ترغيباً لصاحبيه في الإيمان
والتوحيد، وَتنفيراً لهما عمَّا كانا عليه من الشِّرك والضَّلال، وقدَّم ذكْرَ تركه لمَّتِهم
على ذِكْرِ اتِّباعه لملَّة آبائه عليهم السلام؛ لأنَّ التخلية مقدَّمةٌ على التحلية.
وجوَّز بعضُهم أن لا يكون هناك تعليلٌ، وإنَّما الجملة الأولى مستأنفةٌ ذُكرت
تمهيداً للدَّعوة، والثانيةُ إظهاراً لأنَّه من بيتِ النبوّة لتَقْوَى الرغبةُ فيه، وفي كلام
أبي حيَّان (١) ما يقتضي أنَّه الظاهر، وليس بذاك.
وقرأ الأشهبُ العقيليُّ والكوفيون: ((آبائي)» بإسكان الياء(٢)، وهي مرويَّةٌ عن
أبي عمرو(٣).
﴿مَا كَانَ﴾ ما صحَّ وما استقام، فضلاً عن الوقوع ﴿لَنَا﴾ معاشرَ(٤) الأنبياء
لقوَّة نفوسنا. وقيل: أي: أهل هذا البيتِ لوفور عناية الله تعالى بنا ﴿أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ
مِن شَىْءٌ﴾ أي: شيئاً أيَّ شيءٍ كان، من مَلَكِ، أو جنِّي، أو إنسيٍّ، فضلاً عن الصَّنم
الذي لا يسمع ولا يُبصر. فـ ((من)) زائدةٌ في المفعول به لتأكيدِ العموم. ويجوز أن
يكونَ المعنى: شيئاً من الإشراك قليلاً كان أو كثيراً، فيُراد من ((شيء)) المصدرُ وأمرُ
العموم بحاله، ويلزم من عموم ذلك عمومُ المتعلقات.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: التوحيدُ المدلولُ عليه بنفي صحَّة الإشراك(٥) ﴿مِن فَضْلِ اَللَّهِ
عَلَيْنَا﴾ أي: ناشئٌ من تأييده لنا بالنبوَّة والوحي بأقسامه، والمرادُ أنه فَضْلٌ علينا
بالذَّاتِ ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بواسطتنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾﴾ أي:
(١) في البحر ٣٠٩/٥.
(٢) التيسير ص١٣١، والنشر ٢٩٧/٢ عن الكوفيين، وهم عاصم وحمزة والكسائي وخلف،
وهي قراءة يعقوب من العشرة.
(٣) البحر ٣٠٩/٥، وهي خلاف المشهور عنه، فقد قرأ هو وباقي العشرة بفتح الياء.
(٤) في هامش الأصل و(م): قيل: يراد معاشر الأنبياء، ويعتبر التغليب بناءً على عدم نبوته عليه
السلام إذ ذاك. وهو كما ترى. اهـ منه.
(٥) في (م): الشرك.

سُوَلاَ تُوسُفَ
٣٣٦
الآية : ٣٨
لا يوحّدون، وحيث عبّر عن ذلك بذلك العنوان عبّر عن التوحيد الذي يوجبه
بالشكر؛ لأنَّه مع كونه من آثار ما ذكر من التأييد شكرٌ لله عزَّ وجلَّ.
ووُضع الظاهرُ موضعَ الضمير الراجع إلى ((الناس)) لزيادةِ التَّوضيح والبيان،
ولقطعٍ توهُّم رجوعه إلى مجموع الناس وما كنَى عنه بـ ((نا)) الموهمِ لعدمٍ اختصاص
غيرِ الشَّاكر بالناس، وفيه من الفساد ما فيه.
وجوِّز أن يكون المعنى: ذلك التوحيد ناشئٌّ من فضْل الله تعالى علينا، حيثُ
نصب لنا أدلَّةً ننظر فيها ونستدلُّ بها على الحق، وقد نصب مثلَ تلك الأدلَّة لسائر
الناس أيضاً من غير تفاوتٍ، ولكنَّ أكثرهم لا ينظرون ولا يستدلُّون بها اتِّباعاً
لأهوائهم، فيبقَون كافرين غيرَ شاكرين. والفضلُ على هذا عقليٍّ، وعلى الأوَّل
سمعيٌّ.
وجوَّز المولى أبو السُّعود أن يقال: المعنى: ذلك التوحيدُ من فضل الله تعالى
علينا، حيث أعطانا عقولاً ومشاعرَ نستعملها في دلائل التوحيد التي مهدها في
الأنْفُس والآفاق، وقد أعطى سائر الناس أيضاً مثلها، ولكنَّ أكثرهم لا يشكرون،
أي: لا يصرفون تلك القوى والمشاعرَ إلى ما خُلقت هي له، ولا يستعملونها
فيما ذُكر من أدلّة التوحيد الآفاقية والأنفسيَّة والعقليَّة والنقليَّة(١). انتهى.
ولك أن تقول: يجوز أنْ تكون الإشارةُ إلى ما أشير إليه بـ ((ذلكما))، ويراد منه
ما يُفهم مما قبلُ من عِلْمه بتأويل الرؤيا، و((مِنْ)) في قوله ((من فضل الله)) تبعيضيّة،
ويكون قد أخبرَ عنه أوَّلاً بأنه مما علَّمه إياه ربُّه، وثانياً بأنه بعضُ فضلِ الله تعالى
عليه وعلى آبائه بالذَّات، وعلى الناس بواسطتهم؛ لأنهم يَعْبُرون لهم رؤياهم
فيكشِفون لهم ما أُبهم عليهم، ويُزايلون عنهم ما أَشغل أذهانَهم، مع ما في ذلك من
النفع الذي لا يُنكره إلا نائم أو مُتناوم. ومَن وقف على ما ترتّب على تعبير
رؤيا الملك من النَّفْع الخاصِّ والعامٌّ لم يشكّ في أنَّ علم التعبير من فَضْل الله تعالى
على الناس ولكنَّ أكثرهم لا يشكرون فَضْل الله تعالى مطلقاً، أو فَضْلَه عليهم بوجودِ
مَن يرجعون إليه في تعبير رؤياهم. ویکون ذلك نظير قولك لمن سألك عن زيد:
(١) تفسير أبي السعود ٢٧٨/٤.

الآية : ٣٨
٣٣٧
سُؤُكَلُ لُوسُفَ
ذلك أخي ذلك حبيبي، لكنَّه وسَّط هاهنا ما وسَّط وتفنَّن في التعبير، فأتى باسم
الإشارة أوَّلاً مقروناً بخطابهما ولم يأت به ثانياً كذلك، وأتى بالربِّ مضافاً إلى
ضميره أوَّلاً وبالاسم الجليل ثانياً .
ويجوز أن يكون المشارُ إليه في الموضعين الإخبارَ بالمغيَّبات مطلقاً، والكلامُ
في سائر الآية عليه لا أظنُّه مشكلاً.
وعلى الوجهين لا ينافي تعليلُ نيلِ تلك الكرامة بتركه مَّةَ الكَفَرة واتِّباعِه ملَّةً
آبائه الكرام الإخبارَ بأنَّ ذلك من فَضْل الله تعالی علیه وعلی مَنْ معه کما لا یخفی.
نعم إنَّ حملَ الإشارة على ما ذُكر، وتوجيهَ الآية عليه بما وُجِّهت لا يخلو عن بُعْد.
ومن الناس مَن جَعَل الإشارةَ إلى النبوّة، وفيه ما فيه أيضاً.
هذا وأوجب الإمامُ(١) كونَ المراد في قوله: ((لا يشكرون)): لا يشكرون الله
تعالى على نعمةِ الإيمان، ثم قال: وحُكي أنَّ واحداً من أهل السُّنَّة دخل على
بشرِ بن المعتمرِ(٢)، فقال: هل تشكرُ الله تعالى على الإيمان أم لا؟ فإن قلت: لا،
فقد خالفتَ الإجماع، وإن شكرتَه فكيف تشكره على ما ليس فعلاً له؟! فقال بشرٌ:
إنَّا نشكره على أنْ أعطانا القُدرةَ والعقل والآلة، وأما أن نشكرَه على الإيمان مع أنه
ليس فعلاً له فذلك باطل! وصَعُب الكلام على بشرٍ، فدخل عليهم ثمامةٌ بن
الأشرس(٣)، فقال: إنا لا نشكرُ الله تعالى على الإيمان، بل الله تعالى يشكره
علينا(٤) كما قال سبحانه: ﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. فقال
(١) في تفسيره ١٣٨/١٨-١٣٩.
(٢) هو شيخ المعتزلة، أبو سهل الكوفي ثم البغدادي، كان أخباريًّا شاعراً متكلماً، له: تأويل
المتشابه، والرد على الجھَّال، والعدل، وأشياء لم نرها والحمد لله، مات سنة (٢١٠هـ).
السير ٢٠٣/١٠.
(٣) أبو معن النميري البصري المتكلم، من رؤوس المتعزلة، كان نديماً ظريفاً صاحب مِلَحٍ
اتصل بالرشيد ثم بالمأمون، وروى عنه تلميذه الجاحظ، من ضلالاته قوله بأن المقلِّدين منْ
أهل الكتاب وعبدة الأوثان لا يدخلون النار، وأن أطفال المؤمنين لايدخلون الجنة، بل
يصير الجميع تراباً. السير ٢٠٣/١٠.
(٤) كذا في الأصل و(م)، والذي في تفسير الرازي: يشكرنا عليه، ومثله في اللباب لابن عادل
١٠٤/١١ نقلاً عن الرازي.

سۈاُلُوسُفَا
٣٣٨
الآية : ٣٩
بشر: لما صُعب الكلامُ سَهُل. وتعقَّب ذلك عليه الرَّحمة بأنَّ الذي التزمه ثمامةُ
باطلٌ وهو على طَرفِ الثُّمام بنصِّ هذه الآية؛ لأنَّه سبحانه بيّن فيها أنَّ عدمَ الإشراك
من فَضْل الله تعالى، ثم بيَّن أنَّ أكثر الناس لا يشكرون هذه النِّعمة، وقد ذكر
سبحانه ذلك على سبيلِ الذَّمِّ، فدلَّ على أنه يجب على كلٌّ(١) مؤمن أن يشكرَ الله
تعالى على الإيمان لئلا يدخل في الذَّمِّ، وحينئذٍ تَقْوَى الحجَّةُ وتكمُل الدلالة. اهـ.
ولعلَّ الوجه في الآية ما تقدَّم، فليفهم.
﴿يَصَحِ السِّجْنِ﴾ أي: يا صاحبيَّ فيه، إلَّا أنه أضيف إلى الظّرف توسُّعاً
كما في قولهم: يا سارقَ اللَّيلةِ أهلَ الدَّار. ولعلَّه إنَّما ناداهما بعنوان الصُّحبة في
مدار الأشْجان ودارٍ الأحزان التي تصفو فيها المودّة وتتمخّض النَّصيحة ليُقبِلا عليه
ويَقبَلا مقالته.
ويجوز أن يُراد بالصُّحبة السُّكنى، كما يقال: أصحابُ النار وأصحابُ الجنَّة
الملازمتهم لهما، والإضافةُ من باب إضافة الشيءٍ إلى شبه المفعول عند أبي حيَّان(٢)
وإلى المفعول عند غيرِهِ، ولا اتِّساع في ذلك.
وقيل: بل هناك اتِّساع أيضاً، وأنَّه أضافهما إلى السِّجن دونَه لكونهما كافرَیْن.
وفيه نظر.
ولعل في ندائهما بذلك على هذا الوجه حثًّا لهما على الإقرار بالحقِّ، كأنه قال
لهما: يا ساكني هذا المكان الشَّاقِّ والمحلِّ الضَّنْك إنِّي ذاكرٌ لكم أمراً، فقولوا
الحقَّ فيه ولا تزيغوا عن ذلك؛ فأنتم تحت شدَّةٍ ولا ينبغي لمن كان كذلك أن يزيغَ
عن الحقِّ. وإنَّما حُمِلَ الصَّاحبُ على ما سمعتَ لأنَّ صاحبَ السِّجن في
الاستعمال المشهور السجَّان أو المَلِك.
والنداء بـ ((يا)) بناء على الشائع من أنَّها للبعيد(٣)؛ للإشارة إلى
غَفْلتهما وهَيمَانهما في أودية الضَّلال. وقد تلطّف عليه السلام بهما في ردِّهما إلى
(١) قوله: كل، ساقط من (م).
(٢) البحر ٣١٠/٥.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): والحق أنها للنداء مطلقاً بعيداً كان المنادى أو قريباً. اهـ منه.

الآية : ٣٩
٣٣٩
سُؤَةُ لُوسُفَ
الحقِّ وإرشادِهما إلى الهُدى، حيثُ أبرزَ لهما ما يدلُّ على بطلان ما هما عليه
بصورةِ الاستفهام حتَّى لا تنفرَ طباعُهما من المفاجأة بإبطال ما أَلِفاه دهراً طويلاً،
ومضتْ عليه أسلافهما جيلاً فجيلاً، فقال:
﴿وَأَرْبَابٌ مُتَغَرِفُونَ﴾ متعدِّدون متكثِّرون يَسْتَعبِدُكما منهم هذا وهذا، والكلامُ
على ما صرَّح به أبو حيَّان (١) على حذفِ مضافٍ، أي: أعبادةُ أربابٍ متفرِّقين
﴿خَيْرٌ﴾ لكما ﴿أَمِ اللَّهُ﴾ أي: أم عبادةُ الله سبحانه ﴿اُلْوَِّدُ﴾ المنفرِدُ بالألوهية
﴿اَلْقَهَّارُ﴾ الغالبُ الذي لا يغالبه أحدٌ جلَّ وعلا، وهو أولى مما قاله الخطّابيُّ من
أنَّه الذي قهر الجبابرةَ بالعقوبة، والخلقَ بالموت.
وذكر الزمخشريُّ أنَّ هذا مثلٌ ضُرِبَ لعبادة الله تعالى وحدَه ولعبادة الأصنام (٢).
واعترضه القُطبُ بأنَّ ذلك إنَّما يصحُّ لو نُسبا تارةً إلى أربابٍ شتَّى وأخرى إلى
ربِّ واحد، كما في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَّهُ﴾ الآية [الزمر: ٢٩]،
لكنَّهما نُسبا إلى ((أرباب)) وإلى ((الله)) تعالى، فكيف يكون مَثَلاً؟ وأجاب بأنَّه يفسّر
((الله)) بربِّ واحد؛ لأنَّه في مقابلة ((أرباب))، وإنما عبر عن ربِّ واحدٍ بالله تعالى
لانحصارِه فیه جلَّ جلالُه.
وقال الطِّيبيُّ أيضاً: إنَّ في ذلك إشكالاً؛ لأنَّ الظاهر من الآية نفيُ استواء
الأصنام وعبادتها بالله تعالى وعبادته، فأين المثل؟ ثم قال: لكن التقدير: أساداتٌ
شتَّى تَستعبِدُ مملوكاً واحداً خيرٌ من سيِّدٍ واحدٍ قَهَّارٍ، فَوَضَعَ موضعَ الربِّ والسِّيد
((الله)) لكونه مقابلاً لقوله: ((أأرباب)) فيكون كقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ زَّجُلًا فِيهِ
شُرَكَآء) الآية.
وقرَّر في ((الكشف)) ما ادَّعى معه ظهورَ كونه مَثَلاً ظهوراً لا إشكالَ فيه.
والحقُّ أنَّه ظاهرٌ في نفي الاستواء، وأنَّ جَعْلَه مثلاً يحتاج إلى تأويل
حسبما سمعتَ عن الطِّيبِي، إلا أنَّه لا يخلو عن لُطفٍ، ولعلَّه الأَوْلى وإِنْ أَحْوَجَ إلى
ما أَحْوَجَ.
(١) في البحر ٣١٠/٥.
(٢) الكشاف ٢/ ٣٢١.

سُؤَةٌ تُوسُفَ)
٣٤٠
الآية : ٤٠
وحملُ التفرُّق على التفرُّق في العدد والتكاثُرِ ممَّا ذهب إليه غيرُ واحد، وحملَه
بعضُهم على الاختلاف في الكِبَر والصِّغَر والشَّكْل، ونحو ذلك مما يحصل لها
بواسطة تأثيرِ الغير فيها، وجَعَلَه إشارةً إلى كونِها مقهورةً عاجزة. وأمَّا التعدُّدُ فيُشير
إليه جمعُ (أرباب)) باعتبارِ أنه جمعٌ، فيكون ذكرُ ((الواحد)» على هذا في مقابلة
ما أُشير إليه من التعدُّد، ((والقهَّار)) في مقابلةِ ما أُشير إليه من المقهوريَّة والعجز،
والمعنى: أمتعدِّدون سمَّيتموهم أرباباً عُجَّزٌ مقهورون متأثِّرون من غيرهم خيرٌ
(أم الله))، أي: صاحبُ هذا الاسم الجليل ((الواحدُ)) الذي يستحيل عليه التكثُّر بوجهٍ
من الوجوه ((القهَّار)» الذي لا موجودَ إلا وهو مسخَّر تحت قَهْرِه وقدرتِه، عاجزٌ في
قبضته .
وقيل: المراد من ((متفرِّقون)): مختلفو الأجناس والطبائع، كالمَلَكِ والجنِّ
والجماد مثلاً، ويجوز أن يُرادَ منه مَن لا ارتباطَ بينهم ولا اتِّفاق، وكثيراً ما يُكنى
بذلك عن العجز واختلالِ الحال.
وقد استنبط الإمام(١) من الآية غيرَ ما حُجَّةٍ على بطلان عبادة الأصنام، وظاهرُ
كلامه أنَّه لم یعتبرها مثلاً. فليتأمل.
ثم إنَّه عليه السلام زاد في الإرشاد ببيانٍ سقوط آلهتهما عن درجة الاعتبار
رأساً، فضلاً عن الألوهية، وأخرج ذلك على أتمٍّ وجهٍ فقال معمِّماً للخطاب
لهما ولمن على دِينهما من أهلِ مصرَ كما هو الظاهر، وقيل: مطلقاً، وقيل: مَنْ
معهما من أهل السِّجن:
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ﴾ أي: من دون الله تعالى شيئاً ﴿إِلَّ أَسْمَاءُ﴾ أي: ألفاظاً
فارغةً لا مُطابِقَ لها في الخارج؛ لأن ما ليس فيه مصداقُ إطلاقِ الاسم عليه
لا وجودَ له أصلاً، فكانت عبادتُهم لتلك الألفاظ فقط ﴿سَتَّيْتُمُوهَا﴾ جعلتموها(٢)
أسماء ﴿أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ﴾ بمحضِ الجهل والضَّلالة ﴿مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا﴾ أي: بتلك
التَّسمية المستتبعةِ للعبادة ﴿مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: حُجَّةٍ تدلُّ على صحَّتها.
(١) في تفسيره ١٤٠/١٨-١٤١.
(٢) في (م): جعلوها.