Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ١٧
٢٤١
سُورَةُلُوسُفَ
وفي الكلام - على ما في ((البحر) - حذفٌ، والتقدير: وجاؤوا أباهم دون
يوسف عشاء(١)
.
﴿يَكُونَ ﴾﴾ أي: متباكين، أي: مُظْهِرينَ البكاءَ بتكلُّفٍ لأنه لم يكن عن
حزنٍ لكنه يشبههُ، وكثيراً ما يفعل بعضُ الكذَّابين كذلك؛ أخرج ابن المنذر عن
الشعبيِّ قال: جاءت امرأةٌ إلى شريحِ تُخاصِمُ في شيءٍ، فجعلت تبكي فقالوا:
يا أبا أميةً، أما تراها تبكي؟! فقال: قَد جاء إخوةٌ يوسف أباهم عشاءً يبكون. وقال
الأعمش: لا يصدَّقُ باكٍ بعد إخوة يوسف(٢).
وفي بعض الآثار أنَّ يعقوب عليه السلام لَمَّا سمع بكاءهم قال: ما بالُكم،
أَجَرَى في الغنم شيءٌ؟ قالوا: لا. قال: فما أصابكم وأين يوسف؟(٣) ﴿قَالُواْ يَبَاناً
إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: متسابقينَ في العَدْوِ على الأقدام على ما روي عن السدِّيِّ،
أو في الرمي بالسهام كما قال الزجَّاج(٤)، أو في أعمالٍ نتوزَّعها من سقىٍ ورعيٍ
واحتطابٍ، أو في الصيد وأَخْذِه كما قيل. ورُجِّحَ ما قاله الزجَّاجُ بقراءة عبد الله:
((إنا ذهبنا ننتضل))(٥).
وأورد على الأول أنه كيف ساغ لهم الاستباقُ في العَدْوِ وهو من أفعال الصبيان
التي لا ثمرةَ فيها؟ وأُجيب بالمنع، وثمرتُه التدرُّبُ في العَدْوِ لمحاربة العدوِّ ومدافعةٍ
الذئب مثلاً .
وبالجملة ((نستبق)) بمعنى نتسابق، وقد يشتركُ الافتعال والتفاعُلُ فيكونان بمعنّی
كالانتضال والتناصُلِ ونظائرِهما.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا﴾ أي: ما يُتمتَّعُ به من الثياب والأزواد وغيرهما
﴿فَأَكَلَهُ الذِّثْبٌ﴾ عقيبَ ذلك من غير مضيِّ زمانٍ يُعتادُ فيه التفقُّدُ والتعهُّد، وحيث
لا يكاد يُطْرَحُ المتاعُ عادةً إلا في مقامٍ يُؤْمَنُ فيه الغوائلُ لم يُعَدَّ تركُه عليه السلام
(١) البحر ٢٨٨/٥.
(٢) الدر المنثور ٩/٤.
(٣) ذكره مطولاً أبو حيان في البحر ٢٨٨/٥.
(٤) في معاني القرآن ٩٥/٣.
(٥) تفسير القرطبي ١١/ ٢٨١.

سُوَلاَ يُوسُفَ
٢٤٢
الآية : ١٨
عنده من باب الغفلة وتَرْكِ الحفظ الملتزم، لاسيما إذا (١) لم يغيبوا عنه، فكأنهم
قالوا: إنَّا لم نقصِّر في محافظته، ولم نَغْفَلْ عن مراقبته، بل تركناه في مأمننا
ومجمعنا بمرأَى منَّا، وما فارقناه إلا ساعةً يسيرة بيننا وبينه مسافة قصيرة فكان
ما كان. قاله شيخُ الإسلام(٢).
والظاهر أنهم لم يريدوا إلا أنَّ الذئب أكل يوسف، ولم يقصدوا بذلك
تعريضاً، فما قيل: إنهم عرَّضوا وأرادوا: أَكَلَ الذئبُ المتاعَ، لا يَلتفتُ إليه لِمَا فيه
من الخروج عن الجادّة من غير موجب.
﴿وَمَّآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾ أي: ما أنت مصدِّقٌ لنا في هذه المقالة ﴿وَلَوْ كُنَّا﴾
عندك وفي اعتقادك ﴿صَدِقِينَ ﴾ أي: موصوفين بالصدق والثقة، لفَرْطِ محبتك
[ليوسف](٣) فكيف وأنت سيِّئُ الظنِّ بنا غير واثقٍ بقولنا؟ قيل: ولا بدَّ من هذا
التأويل؛ إذ لو كان المعنى: ولو كنّا صادقين في نفس الأمر، لكان تقديره: فكيف
إذا كنَّا كاذبين فيه، فيلزم اعترافُهم بكذبهم فيه، وقد تقدَّم(٤) أنَّ المراد في مثل ذلك
تحقيقُ الحكم السابق على كلِّ حال، فكأنه قيل هنا: وما أنت بمؤمنٍ لنا في حالٍ
من الأحوال، فتذگَّرْ وتأمَّل.
﴿وَجَدُو عَلَى قَمِيصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ﴾ أي: ذي كَذِبٍ، أو وُصِفَ بالمصدر مبالغةً كأنه
نفسُ الكذب وعينُه، كما يقال للكذاب: هو الكذبُ بعينه والزورُ بذاته، ومِن ذلك
ما في قوله :
فما في كتاب الله أن يُخْرَمَ الفضلُ
أفيضوا على عزَّابكم من بناتكم
فهنَّ به جودٌ وأنتم به بخلُ(٥)
وفیهنَّ فضلٌ قد عرفنا مكانه
وبعضهم يؤوِّل ((كذب)) بمكذوب فيه، فإنَّ المصدر قد يؤوَّل بمثل ذلك.
(١) في الأصل و(م): إذ، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٥٩/٤، والكلام منه.
(٢) في تفسيره ٢٥٩/٤.
(٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٥٩/٤، والكلام منه.
(٤) عند تفسير الآية (١٧٠) من سورة البقرة، والآية (٨٨) من سورة الأعراف.
(٥) ذكر الزمخشري في الكشاف ٣٠٨/٢ عجز البيت الثاني، والبيت الأول في شرح ديوان
الحماسة المرزوقي ١٨٤٥/٤ برواية: أفيضوا على عزَّابكم بنساءكم ...

الآية : ١٨
٢٤٣
سُوَلُ ◌ُوسُفَ
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿مّ: ((كذباً)) بالنصب(١)، وخرِّج على أنه في موضع الحال
من فاعل ((جاؤوا)) بتأويلٍ: كاذبين. وقيل: من ((دم)) على تأويل: مكذوباً فيه، وفيه
أنَّ الحال من النكرة على خلاف القياس. وجوِّز أن يكون مفعولاً من أجله، أي:
جاؤوا بذلك لأجْلِ الكذب.
وقرأت عائشة ﴿ّا والحسن: ((كَدِبٍ)) بالدال المهملة(٢)، وليس من قَلْبِ الذال
دالاً بل هو لغةٌ أخرى بمعنى: كَدِرٍ، أو طريٍّ، أو يابسٍ، فهو من الأضداد. وقال
صاحب ((اللوامح))(٣): المعنى: ذي كَدِبٍ، أي: أثر؛ لأن الكدب بياضٌ يخرج في
أظافير الشبان ويؤثِّر فيها، فهو كالنقش، ويسمَّى ذلك [البياض]: الفوف.
ولم يعتبر بعض المحقّقين تقديرَ المضاف، وجَعَلَ ذلك من التشبيه البليغ أو
الاستعارة، فإنَّ الدم في القميص يُشْبِهُ الكدبَ من جهةٍ مخالفةٍ لونه لونَ ما هو فيه.
وقوله سبحانه: (عَلَى قَِيصِهِ،) - على ما ذهب إليه أبو البقاء - حالٌ من ((دم))(٤)،
وفي جوازٍ تقديم الحال على صاحبها المجرورِ بالحرف غير الزائد خلافٌ،
والحقُّ - كما قالَ السفاقسيُّ - الجوازُ؛ لكثرة ذلك في كلامهم. وفي ((اللباب)):
ولا تتقدَّم على صاحبها المجرور على الأصح، نحو: مررتُ جالسةً بهندٍ، إلا أنْ
يكون الحالُ ظرفاً (٥). على أنَّ الحقَّ ما اختاره ابنُ مالك من جواز التقديم مطلقاً(٦).
وقال الزمخشريُّ ومَن تبعه: إنه في موضع النصب على الظرفية، أي: جاؤوا
فوق قميصه، كما تقول: جاء على جماله بأحمالٍ(٧). وأراد - على ما في
((الكشف)) - أنَّ ((على)) على حقيقة الاستعلاء، وهو ظرف لغو.
(١) البحر ٢٨٩/٥، وهي في الكشاف ٣٠٨/٢ دون نسبة.
(٢) القراءات الشاذة ص٦٢-٦٣، والمحتسب ٣٣٥/١، والكشاف ٣٠٨/٢، والبحر ٢٨٩/٥.
(٣) كما في البحر ٢٨٩/٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) الإملاء ٣٢٢/٣.
(٥) اللباب في علم الإعراب لتاج الدين الإسفراييني ص ١٠٠، ونقله المصنف عنه بواسطة
الشهاب في الحاشية ١٦٣/٥ .
(٦) حاشية الشهاب ١٦٣/٥، وقول ابن مالك في التسهيل ص١١٠ هو: وتقديمه على صاحبه
المجرور بحرفٍ ضعيف على الأصح، لا ممتنع.
(٧) الكشاف ٣٠٨/٢.

سَُّلّ ◌ُوسُفَ
٢٤٤
الآية : ١٨
ومنع في ((البحر)) (١) كونَ العامل فيه المجيءَ؛ لأنه يقتضي أنَّ الفوقية ظرفٌ
للجائين. وأجيبَ بأنَّ الظرفية ليست باعتبار الفاعل بل باعتبار المفعول.
وفي بعض الحواشي(٢) أنَّ الأولى أن يقال: جاؤوا مستولين على قميصه،
وقوله سبحانه: (بِدَرٍ) حالٌ من القميص، وجُعِلَ المعنى: استولوا على القميص
ملتبساً بدمٍ جائين، وهو - على ما قيل - أولى من: جاؤوا مستولين، لِمَا تقرَّر في
التضمين، والأمرُ في ذلك سهلٌ؛ فإنَّ جَعْلَ المضمَّن أصلاً والمذكورِ حالاً
وبالعكس كلٌّ منهما جائزٌ، وإذا اقتضى المقامُ أحدَهما رجّح.
واستُظْهِرَ كونُه ظرفاً للمجيءِ المتعدِّي، والمعنى: أتوا بدمٍ كذبٍ فوق قميصه،
ولا يخفى استقامتُه.
هذا ثم إنَّ ذلك الدم كان دمَ سخلةٍ ذبحوها ولّخوا بدمها القميصَ، كما روي
عن ابن عباس ومجاهد.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أنهم أخذوا ظبياً فذبحوه فلّخوا
بدمه القميصَ، ولَمَّا جاؤوا به جعل يقلِّبُه فيقول: ما أرى به أثرَ نابٍ ولا ظفرٍ، إنَّ
هذا السبع رحيمٌ (٣).
وفي روايةٍ أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضّب وجهه بدم
القميص، وقال: تالله ما رأيتُ كاليوم ذئباً أحلمَ من هذا، أكل ابني ولم يمزِّق عليه
قميصه .
وجاء أنه بكى وصاح وخرَّ مغشيًّا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادَوْه
فلم يُجِبْ ووضع يهوذا يده على مخارج نَفَسه فلم يُحسَّ بنَفَسٍ ولا تحرَّك له عرقٌ،
فقال: ويلٌ لنا من ديَّانِ يوم الدين، ضيَّعنا أخانا وقتلنا أبانا! فلم يُفِقْ إلَّا بَبَرْدِ
السَّخْر.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ أي: زيَّنت وسهَّلتْ ﴿أَمْرًا﴾ من الأمور منكراً
(١) ٢٨٩/٥.
(٢) كما ذكر الشهاب في الحاشية ١٦٣/٥، وعنه نقل المصنف.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١١، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٤/ ١٠.

الآية : ١٨
٢٤٥
سُورَلُ لُوسُفَ
لا يوصفُ ولا يعرف. وأصلُ التسويل تقديرُ شيءٍ في النفس مع الطمع في إتمامه.
وقال الراغب: هو تزيينُ النفس لِمَا تحرص عليه، وتصويرُ القبيح بصورة
الحسن(١).
وقال الأزهريُّ(٢): كأنَّ التسويل تفعيلٌ من سُول(٣) الإنسان، وهو أمنيتُه التي
يطلبها، فتزيِّن لطالبها الباطلَ وغيرَه، وأصلُه مهموز.
وقيل: من السَّوَل بفتحتين: وهو استرخاءٌ في العصب ونحوِهِ، كأنَّ المسؤِّل
لمزید حرصه استرخی عصبه.
وفي الكلام حذفٌ على ما في ((البحر))، أي: لم يأكله الذئب بل سوَّلت إلخ (٤).
وعِلْمُه عليه السلام بكذبهم قيل: حَصَلَ من سلامة القميص عن التمزيق، وهي
إحدى ثلاثٍ آياتٍ في القميص، ثانيتُها عَوْدُ يعقوبَ بصيراً بإلقائه على وجهه،
وثالثُها قدُّه من دبرٍ، فإنه كان دليلاً على براءة يوسف، وينضمُّ إلى ذلك وثوقُه(٥)
بالرؤيا الدالّة على بلوغه مرتبةً علياءَ تنحظُ عنها الكواكب.
وقيل: من تناقُضِهم، فإنه يُرْوَى أنه عليه السلام لَمَّا قال ما تقدم عن قتادة، قال
بعضهم: بل قتله اللصوصُ. فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصَه، وهم إلى قميصه
أحوجُ منهم إلى قتله؟! ولعله مع هذا العلم إنما حزن عليه السلام لِمَا خشي عليه
من المكروه والشدائد غير الموت.
وقيل: إنه إنما حَزِنَ لفراقه، وفراقُ الأحبَّةِ مما لا يطاق، ولذلك قيل:
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا (٦)
لولا مفارقةُ الأحباب ما وجدتْ
ولا بأسَ بأن يقال: إنه أحزنه فراقُه وخوفُ أن يناله مكروه.
(١) مفردات الراغب (سول).
(٢) في تهذيب اللغة ١٣/ ٦٧.
(٣) في الأصل و(م): سوال، والمثبت من تهذيب اللغة، ومثله في اللسان والتاج (سول).
(٤) البحر ٢٨٩/٥.
(٥) في (م): وقوفه، وهو تصحيف.
(٦) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢٨٢/٣.

سُؤْرَةٌ مُوسُفَ
٢٤٦
الآية : ١٨
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فأمري صبرٌ جميلٌ، أو: فصبري صبرٌ جميل كما قال
قطرب، أو: فالذي أفعلُه ذلك كما قال الخليل. أو: فهو صبرٌ إلخ كما قال الفرَّاء،
و (صبر)) في كلِّ ذلك خبرُ مبتدأ محذوفٍ. أو: فصبرٌ جميلٌ أمثلُ وأجملُ، على أنه
مبتدأُ خبرُه محذوف.
وهل الحذف في مثل ذلك واجبٌ أو جائز؟ فيه خلاف. وكذا اختلفوا فيما إذا
صحَّ في كلامٍ واحدٍ اعتبارُ حذفِ المبتدأ وإبقاءِ الخبر واعتبارُ العكس، هل الاعتبارُ
الأول أولى أم الثاني؟.
وقرأ أبيٍّ والأشهبُ وعيسى بنُ عمر: ((فصبراً جميلاً)) بنصبهما، وكذا في
مصحف أنس بن مالك(١). وروي ذلك عن الكسائيِّ، وخرِّج على أنَّ التقدير:
فأصبرُ صبراً، على أنَّ أصْبِر مضارعٌ مسندٌ لضمير المتكلِّم.
وتعقِّب بأنه لا يَحْسُنُ النصب في مثل ذلك إلا مع الأمر، والتَّزَمَ بعضهم تقديرَه
هنا بأن يكون عليه السلام قد رجع إلى مخاطبة نفسه فقال: صبراً جميلاً، على
معنی: فاصبري یا نفس صبراً جميلاً .
والصبر الجميلُ على ما رَوَى الحسن عنه ◌َّ: ((ما لا شكوى فيه))(٢) أي: إلى
الخَلْقِ، وإلَّا فقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَتِ وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ﴾
[يوسف: ٨٦].
وقيل: إنه عليه السلام سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعُهما بعصابة، فسئل
عن سبب ذلك فقال: طولُ الزمان وكثرةُ الأحزان. فأَوْحَى الله تعالى إليه أتَشْكوا
إلى غيري. فقال: يا رب، خطيئة فاغفرها .
وقيل: المراد من قوله: ((فصبرٌ جميلٌ)): أنِّي أتجمَّل لكم في صبري
(١) المحرر الوجيز ٢٢٧/٣، والبحر ٢٨٩/٥، وهي في القراءات الشاذة ص٦٣ عن عيسى بن
عمر وحده.
(٢) ذكره السيوطي في الدر ٤/ ١٠ عن الحسن قوله، وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري
٤١/١٣، وابن أبي حاتم ٢١١٢/٧، عن حِبَّن بن أبي جبلة عن النبي ◌َّ مرسلاً .

الآية : ١٨
٢٤٧
سُورَةُ مُوسُفَ
فلا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين، بل أبقى على ما كنتُ عليه معكم،
وهو خلافُ الظاهر جدًّا.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ أي: المطلوبُ منه العونُ، وهو إنشاءٌ منه عليه السلام
للاستعانة المستمرَّة ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾﴾ متعلِّقٌ بـ ((المستعان))، والوصفُ ذِكْرُ
الشيء بنعته، وهو قد يكون صدقاً وقد يكون كذباً، والمرادُ به هنا الثاني كما في
قوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] بل قيل: إنّ
الصيغة قد غلبت في ذلك.
ومعنى استعانتِه عليه السلام بالله تعالى على كذبهم طلبُه منه سبحانه إظهارَ كونه
كذباً بسلامةِ يوسفَ عليه السلام والاجتماع معه، فيكون ذكرُ الاستعانة هنا نظيرَ:
﴿عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بَعْدَ قوله فيما بَعْدُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلُ﴾ [الآية: ٨٣].
وفي بعض الآثار أنَّ عائشة ◌ِؤُّا قالت يوم الإفك: والله لئن حلفتُ
لا تصدِّقوني، ولئن اعتذرتُ لا تَعْذُروني، فَمَثَلي ومَثَلُكم كَمَثَل يعقوبَ وولدِهِ، واللهُ
المستعانُ على ما تصفون. فأنزل الله تعالى في عُذْرِها ما أنزل(١).
وقيل: المراد: والله المستعانُ(٢) على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف،
كأنه عليه السلام بعد أن قال: صبرٌ جميلٌ، طلب الإعانة منه تعالى على الصبر،
وذلك لأنَّ الدواعيَّ النفسانيةَ تدعو إلى إظهار الجزع وهي قويةٌ، والدواعي
الروحانيةُ الصبرُ الجميلُ، فكأنه وقعت المحاربةُ بين الصفتين، فما لم تحصل
المعونةُ منه جلَّ وعلا لا تحصل الغلبةُ، فقوله: ((فصبرٌ جميلٌ)) يجري مجرى (إيَّاكَ
نَعْبُدُ)، و(الله المستعان على ما تصفون)) يجري مجرى (وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينُ). ولعل
الأولَ أسلمُ من القال والقيل.
وللإمام الرازي عليه الرحمةُ في هذا المقام بحثٌ، وهو أنَّ الصبر على قضاء الله
تعالى واجبٌ، وأمَّا الصبرُ على ظلم الظالمين ومكرِ الماكرين فغيرُ واجبٍ، بل
الواجبُ إزالته لاسيما في الضرر العائد إلى الغير، فكان اللائقُ بيعقوب عليه السلام
(١) أخرجه البخاري (٤١٤٣).
(٢) في (م): المراد أنه تعالى المستعان.

سُوَاُ ◌ُوسُفَا
٢٤٨
الآية : ١٨
التفتيشَ والسعيَ في تخليص يوسف عليه السلام من البليّة والشدَّة إن كان حيًّا، وفي
إقامة القصاص إن صحَّ أنهم قتلوه، بل قد يقال: إنَّ الواجب المتعيِّن عليه السعيُّ
في طلبه وتخليصِه؛ لأنَّ الظاهر أنه كان عالماً بأنه حيٍّ سليم لقوله: (وَكَذَلِكَ يَجْنِكَ
رَبُّكَ وَيُعَلِمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) فإنَّ الظاهر أنه إنما قاله عن وحي.
وأيضاً إنه عليه السلام كان عظيم القَدْرِ جليلَ الشأن معّماً في النفوس مشهوراً
في الآفاق، فلو بالغ في الطلب والتفخُّص لظهر ذلك واشتهر، ولزال وجهُ التلبيس،
فما السبب في تركه عليه السلام الفحصَ مع نهاية رغبته في حضور يوسف وغاية
محبته له؟ وهل الصبرُ في هذا المقام إلا مذمومٌ عقلاً وشرعاً؟
ثم قال: والجوابُ أنْ نقول: لا جوابَ عن ذلك إلَّا أن يقال: إنه سبحانه
وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة وتغليظاً للأمر.
وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أنَّ أولاده أقوياءُ، وأنهم لا يمكِّنونه من
الطلب والتفخُّص، وأنه لو بالغ في البحث ربما أقدموا على إيذائه وقتله.
وأيضاً لعله عليه السلام علم أنَّ الله تعالى يصونُ يوسف عن البلاء والمحنة،
وأن أمره سيَعْظُمُ بالآخرة، ثم لم يُرِدْ هَتْكَ سِتْرٍ أولاده، وما رضي بإلقائهم في
ألسنة الناس، وذلك لأنَّ أحد الوالدين إذا ظلم الآخر وقع الأبُ في العذاب
الشديد؛ لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبُه على الولد المظلوم، وإن انتقم يحترق على
الولد الذي ينتقمُ منه، ونظيرُ ذلك ما أشار إليه الشاعر بقوله:
فإذا رميتُ يُصيبني سهمي
قومي هُمُ قتلوا أميم أخي
ولئن سطوتُ لموهنٌ عظمي
ولئن عفوتُ لأعفون جللاً
فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أنَّ الأصوب الصبرُ
والسكوتُ، وتفويضُ الأمر بالكلية إلى الله تعالى، لاسيما إنْ قلنا: إنه عليه السلام
كان عالماً بأنَّ ما وقع لا يمكن تلافيه حتى يبلغ الكتابُ أَجَلَه(١).
(١) تفسير الرازي ١٠٣/١٨-١٠٤ دون ذكر البيتين، وهما للحارث بن وَعْلَ الذُّهْلي كما في
شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١/ ٢٠٤، وفيه: لأوهنن، بدل: لموهن. و: فلئن، بدل:
ولئن، وسلف الأول منهما ١٣٦/٤ .

الآية : ١٩
٢٤٩
سُؤَةٌ مُوسُفَ
﴿وَجََّتْ﴾ شروعٌ فيما جرى على يوسف عليه السلام في الجبِّ بعد الفراغ عن
ذِكْرِ ما وقع بين إخوته وبين أبيه، أي: وجاءت إلى الجب ﴿سَيَّارَةٌ﴾ أي: رفقةٌ تسير
من جهة مدينَ إلى مصر، وكان ذلك بعد ثلاثة أيام مضت من زمن إلقائه في قولٍ،
وقيل: في اليوم الثاني.
والظاهرُ أنَّ الجبَّ كان في طريق سيرهم المعتاد. وقيل: إنه كان في قَفْرةٍ بعيدةٍ
من العمران، فأخطؤوا الطريقَ فأصابوه.
﴿فَرْسَلُواْ﴾ إليه ﴿وَارِدَهُمْ﴾ الذي يَرِدُ الماء ويستقي لهم، وكان ذلك مالك بن
دعر(١) الخزاعيَّ. وقال ابن عطية: الواردُ هنا يمكن أن يقع على الواحد وعلى
الجماعة(٢). اهـ. والظاهرُ الأولُ.
والتأنيثُ في ((جاءت) والتذكيرُ في ((أرسلوا)) و((واردهم)) باعتبار اللفظ والمعنى.
وفي التعبير بالمجيء إيماءٌ إلى كرامة يوسف عليه السلام عند ربِّه سبحانه، وحذف
متعلِّقه وكذا متعلِّق الإرسال لظهوره، ولذا حذف المتعلِّق في قوله سبحانه: ﴿فَأَذْلَى
دَلْوَّةٌ﴾ أي: أرسلها إلى الجبِّ ليُخْرِجَ الماء، ويقال: دَلَا الدلوَ، إذا أخرجها
ملأى، والدلوُ من المؤنَّئات السماعية، فتصغَّر على دُلَيَّة، وتجمعُ على أَدْلٍ ودِلَاءٍ
ودليّ(٣).
وقال ابن الشحنة: إنَّ الدلو التي يُستَقَى بها مؤنَّئَةٌ وقد تذكَّر، وأما الدلوُ مصدر
دَلَوْتُ وضربٌ من السير فمذكّرٌ، ومثلُها في التذكير والتأنيث الجبُّ عند الفرَّاء على
ما نقله عنه محمد بن الجهم، وعن بعضهم أنه مذكّرٌ لا غير، وأما البئر فمؤنثةٌ فقط
في المشهور، ويقال في تصغيرها: بُوَيْرة، وفي جمعها: آبار وأَبْآَر وأَبُر وبِئار.
وفي الكلام حذف، أي: فأدلى دلوه فتدلَّى بها يوسفُ فخرج ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ
مبنيٌّ على سؤالٍ يقتضيه الحال ﴿يَبُشْرَى هَذَا غُلَمْ﴾ نادى البشرى بشارةً لنفسه أو
(١) في الأصل و(م): ذعر، بالذال، وذكر صاحب القاموس أنه تصحيف، وأنّ الصواب دعر
بالدال المهملة، القاموس (دعر) و (ذعر).
(٢) نقل المصنف كلام ابن عطية عن البحر ٢٩٠/٥، وعبارة المحرر ٢٢٩/٣: والضمير في
قوله: ((وأسروه)) ظاهر الآيات أنه لوارد الماء.
(٣) بضم الدال وكسرها، أي: دُلِيٍّ، ودِلِيٍّ. القاموس (دلو).

سِوَةٌ مُوسُفَا
٢٥٠
الآية : ١٩
لقومه ورفقته، كأنه نزلَّها منزلةَ شخصٍ فناداه، فهو استعارةٌ مكنيةٌ وتخييلية، أي:
يا بشرى تعالَيْ فهذا أوانُ حضورك.
وقيل: المنادى محذوفٌ كما في: يا ليت، أي: يا قوم(١) انظروا واسمعوا
بشراي.
وقيل: إنَّ هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قَصْدٍ إلى النداء.
وزعم بعضهم أن ((بشرى)) اسمُ صاحبٍ له ناداه ليُعِينَه على إخراجه، ورُوي هذا
عن السديٌّ، وليس بذاك.
وقرأ غيرُ الكوفيين: ((يا بشراي)) بالإضافة(٢)، وأمال فتحةَ الراء حمزةُ
والكسائيُّ، وقرأ ورشٌ بين اللفظين(٣).
وروي عن نافع أنه قرأ: ((يا بشرائْ)) بسكون ياء الإضافة(٤)، ويلزمُه التقاءُ
الساكنين على غير حدِّه، واعتُذِرَ بأنه أَجْرَى الوصلَ مجرى الوقف، ونظائرُ ذلك
كثيرةٌ في القرآن وغيرِهِ. وقيل: جاز ذلك لأنَّ الألف لمدِّها تقومُ مقام الحركة.
وقرأ أبو الطفيل والحسن وابن أبي إسحاق والجحدريُّ: ((يا بُشْرَيَّ)) بقَلْبٍ
الألف ياءً وإدغامِها في ياء الإضافة(٥)، وهي لغةٌ لهذيلٍ ولناسٍ غيرِهم، ومن ذلك
قولُ أبي ذؤيب:
سَبَقوا هَوَيَّ وأَعْنَقوا لهواهم
فتُخرِّموا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ(٦)
ويقولون: يا سيدي ومَوْلَيَّ.
والغلامُ كثيراً ما يطلق على ما بين الحولين إلى البلوغ، وقد يطلق على الرجل
(١) في (م): قومي.
(٢) التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٣/٢. وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر
وأبي جعفر ويعقوب.
(٣) التيسير ص١٢٨ .
(٤) القراءات الشاذة ص ٦٢، والبحر ٢٩٠/٥.
(٥) القراءات الشاذة ص٦٢، والمحتسب ٣٣٦/١، والبحر ٢٩٠/٥.
(٦) ديوان الهذليين ١/ ٢.

الآية : ١٩
٢٥١
سُوَلاَ تُوسُفَ
الكامل كما في قول ليلى الأخيلية في الحجاج بن يوسف الثقفي :
غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها(١)
والظاهر أنَّ التنوين فيه للتفخيم، وحقّ له ذلك فقد كان عليه السلام من أحسن
الغلمان، وذكر البغويُّ عنه وَّرِ أنه قال: («أعطي يوسفُ شَطْرَ الحُسْنِ)»(٢).
وقال محمد بن إسحاق: ذهب يوسف وأُّه بثلثي الحُسْنِ.
وحكى الثعلبيُّ عن كعب الأحبار أنه قال: كان يوسف حَسَنَ الوجه، جعدَ
الشعر، ضخمَ العينين، مستويَ الخلق، أبيضَ اللون، غليظَ الساعدين والساقين،
خميصَ البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسّم رأيتَ النورَ في ضواحكه، وإن تكلّم
رأيتَ شعاع النور من ثناياه، ولا يستطيع أحدٌ وصفَه، وكان حُسْنُه كضوء النهار عند
الليل، وكان يُشْبِهُ آدم عليه السلام يومَ خَلْقِه قبل أن يصيب الخطيئة(٣).
ويُحكى أن جوانب الجبِّ بَكَتْ عليه حين خرج منها، ولعله من باب: بَكَتِ
الدار لفَقْدِ فلانٍ.
والظاهرُ أنَّ قول الوارد: ((يا بشرى هذا غلام» كان عند رؤيته. وقيل: إنه حين
وروده على أصحابه صاح بذاك.
﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ أي: أخفاه الواردُ وأصحابُه عن بقية الرفقة حتى لا تراه فتطمع فيه.
وقيل: أخفوا أمره وكونَه وُجد في البئر، وقالوا لسائر القافلة: دفعه إلينا أهل الماء
لنبيعه لهم بمصر.
وقيل: الضمير لإخوة يوسف، وذلك أن بعضهم رجع ليتحقَّق أمره فرآه عند
السيارة، فأخبر إخوته فجاؤوا إليهم فقالوا: هذا غلامٌ أبقَ لنا فاشْتَرُوه منَّا فاشْتَرَوه،
وسكت يوسف مخافةً أن يقتلوه. وفي روايةٍ أنهم قالوا بالعبرانية: لا تُنْكِر العبودية
نقتلك. فأقرَّ بها واشتروه منهم. وقيل: كان يهوذا يأتيه بالطعام، فأتاه يومَ أُخرج
(١) الأغاني ٢٤٨/١١، وأمالي القالي ٨٦/١، وزاد المسير ٣٨٥/١، وصدره: شفاها من الداء
العضال الذي بها .
(٢) تفسير البغوي ٤١٥/٢، وهو قطعة من حديث أنس رضيالله في الإسراء عند مسلم (١٦٢).
(٣) قصص الأنبياء المسمى بعرائس المجالس لأبي إسحاق الثعلبي ص١١١.

سُوَلاَ تُوسُفَ
٢٥٢
الآية : ٢٠
فلم يجده في الجبِّ، ووجده عند الرفقة، فأخبر إخوتَه فأتوهم فقالوا ما قالوا.
ورُوي كونُ الضمير للإخوة عن ابن عباس رضيًّا؛ قيل: وهو المناسب لإفراد
((قال)) وجمع ضمير ((أسرُّوا))، وللوعيد الآتي قريباً إن شاء الله تعالى، وليس فيه
اختلالٌ في النظم، ولا يخفى أنَّ الظاهر ما أشير إليه أوَّلاً .
ونصب قوله سبحانه: ﴿يِضَعَّةٌ﴾ على الحال، أي: أخفوه حالَ كونه متاعاً
للتجارة، وفي ((الفرائد))(١) أنه ضمّن («أسرُّوه)) معنى جعلوه، أي: جعلوه بضاعةً
مسرِّين إياه، فهو مفعول به.
وقال ابن الحاجب: يحتمل أن يكون مفعولاً له، أي: لأجل التجارة، وليس
شرطُه مفقوداً؛ لاتحادِ فاعله وفاعلِ الفعل المعلَّل به؛ إذ المعنى: كتموه لأجل
تحصيل المال به، ولا يجوز أن يكون تمييزاً.
وهو من البَضْعِ بمعنى القَطْع، وكأنَّ البضاعة إنما سمِّيتْ بذلك لأنها تُقطع من
المال وتُجعل للتجارة. ومِن ذلك البِضْعُ بالكسر لِمَا بين الثلاث إلى العشرة، أو
لما فوق الخمس ودون العشرة، والبَضيعةُ للجزيرة المنقطعةِ عن البر. واعتبر
الراغب في البضاعة كونَها قطعةً وافرة من المال تُقْتَنَى للتجارة(٢). ولم يُعتبر الكثيرُ
كونَها وافرة.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾﴾ لم يَخْفَ عليه سبحانه إسرارُهم، وصرَّح غير
واحدٍ أن هذا وعيدٌ لإخوة يوسف عليه السلام على ما صنعوا بأبيهم وأخيهم،
وجَعْلِهم إياه وهو هو عرضةً للابتذال بالبيع والشراء.
﴿وَشَرَوْهُ﴾ الضميرُ المرفوعُ إما للإِخوة، فشَرَى بمعنى باع، وإمّا للسيارة فهو
بمعنی اشتری، كما في قوله:
مِن بَعْدِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ (٣)
وشَرَيْتُ بُرْداً ليتني
(١) كما في حاشية الشهاب ١٦٤/٥، وهو كتاب فرائد التفسير لفصيح الدين محمد بن عمر.
(٢) مفردات الراغب (بضع).
(٣) البيت ليزيد بن مفرِّغ الحميري، وهو في ديوانه ص١٤٤، والهامة: من طيور الليل،
وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يُدرَك ثاره تصير هامة تقول عند قبره:
=

الآية : ٢٠
٢٥٣
سُؤَلُ بُوسُفَ
وقوله :
ولو أنَّ هذا الموتَ يقبلُ فديةً شريتُ أبا زيدٍ بما مَلَكتْ يدي(١)
وجوّز أن يكون على هذا الوجه بمعنى باع بناءً على أنهم باعوه لَمَّا التقطوه من
بعضهم.
﴿يِثَمَنِ بَخْسٍ﴾ أي: نقصٍ، وهو مصدرٌ أريدَ به اسمُ المفعول، أي:
منقوصٍ، وجوَّز الراغب(٢) أن يكون بمعنى باخسٍ، أي: ناقص عن القيمة نقصاناً
ظاهراً.
وقال مقاتل: زيفٍ ناقص العيار.
وقال قتادة: ((بخس)): ظلم؛ لأنه ظلموه في بيعه.
وقال ابن عباس والضحاك في آخرين: البخسُ: الحرامُ، وكان ذلك حراماً لأنه
ثمنُ الحرِّ، وسمِّي الحرام بخساً لأنه مبخوسُ البركة، أي: منقوصُها.
وقوله سبحانه: ﴿دَرَهِمَ﴾ بدلٌ من ((ثمن))، أي: لا دنانير. ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أي:
قليلة، وكني بالعدِّ عن القلّة لأنَّ الكثير يوزَنُ عندهم.
وكانت عدَّةُ هذه الدراهم في كثير من الروايات عشرين درهماً، وفي روايةٍ عن
ابن عباس: اثنين وعشرين. وفي أخرى عنه: عشرين وحلَّةً ونعلين. وقيل: ثلاثين
وحلَّةٌ ونعلين. وقيل: ثمانية عشر اشتروا بها أخفافاً ونعالاً. وقيل: عشرة.
وعن عكرمة: أنها كانت أربعين درهماً، ولا يأبى هذا ما ذكره غيرُ واحدٍ من
أنَّ عادتهم أنهم لا يَزِنون إلا ما بلغ أوقيةً وهي أربعون درهماً؛ إذ ليس فيه نفيُ أنَّ
الأربعين قد تعدُّ.
﴿وَكَانُواْ فِهِ﴾ أي: في يوسف كما هو الظاهر ﴿مِنَ الزَّهِدِينَ ﴾﴾ أي:
= اسقوني اسقوني، فإن أدرِكَ ثأره طارت. الصحاح (هيم). وبرد: اسم غلام ندم على
بيعه. المحرر الوجيز ٢٣٠/٣.
(١) ذكره أبو حيان في البحر ٢٩١/٥.
(٢) في مفرداته (بخس).

سِوَاُلُوسُفَ
٢٥٤
الآية : ٢٠
الراغبين عنه. والضمير في ((وكانوا)) إن كان للإخوة فظاهرٌ، وإن كان للرفقة وكانوا
بائعين، فَزُهْدُهم فيه لأنهم التقطوه، والملتقطُ للشيء متهاونٌ به لا يبالي بما باعه،
ولأنه یخاف أن يعرض له مستحقٌّ ینتزعُه من يده، فیبیعه من أول مساومٍ بأَوْكَسٍ
الثمن، وإن كان لهم وكانوا مبتاعين بأن اشتروه من بعضهم أو من الإخوة، فزهْدُهم
لأنهم اعتقدوا فيه أنه آبقٌ، فخافوا أن يخاطروا بمالهم فيه.
وقيل: ضمير ((فيه)) للثمن، وزهدُهم فيه لرداءته، أو لأنَّ مقصودهم لیس
إلا إبعاد يوسف عليه السلام، وهذا ظاهرٌ على تقدير أن يكون ضمير ((كانوا))
للإخوة.
والجارُّ - على ما نُقل عن ابن مالك - متعلِّقٌ بمحذوف يدل عليه ((الزاهدين))،
أي: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وذلك أنَّ اللام في ((الزاهدين)) اسمٌ موصولٌ،
ولا يتقدَّمُ ما في صلة الموصول عليه، ولأنَّ (١) ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله.
وهل (من الزاهدين)) حينئذٍ صفةٌ الزاهدين المحذوفِ مؤكِّدةٌ، كما تقول: عالمٌ
من العلماء، أو صفةٌ مبيِّنَةٌ أي: زاهدين بلغ بهم الزهدُ إلى أن يُعدُّوا في الزاهدين؛
لأنَّ الزاهد قد لا يكون عريقاً في الزاهدين حتى يُعدَّ فيهم إذا عُدُّوا. أو يكون خبراً
ثانياً؟ كلُّ ذلك محتملٌ. وليس بدلاً من المحذوف لوجود ((مِن)) معه. وقدَّر بعضُهم
المحذوفَ: أعني، وأنا فيه من الزاهدين(٢).
وقال ابن الحاجب في ((أماليه)): إنه متعلِّقٌ بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهةٍ،
وإنما فرُّوا منه لِمَا فهموا من أنَّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبلَ الموصول مطلقاً،
وبين صلة ((أل)) وغيرها فرقٌ، فإنَّ هذه على صورة الحرف المنزَّلِ منزلةً الجزء من
الكلمة، فلا يمتنعُ تقديم معمولها عليها، فلا حاجةَ إلى القول بأنَّ تعلُّقه بالمذكور
إنما هو مذهب المازنيِّ الذي جعل ((أل)) في مثل ذلك حرفَ تعريف(٣). وكأنه
لا يرى تقدُّمَ معمول المجرور ممتنعاً، وإلَّا لم يتمَّ بما ذكره ارتفاعُ المحذور.
(١) في الأصل: وأن.
(٢) قوله: وأنا فيه من الزاهدين، هو من كلام المصنف يقصد به تضعيف هذا القول، وكذلك
ضعَّفه الشهاب في الحاشية ١٦٥/٥ بقوله: ليس بجید.
(٣) نقل المصنف كلام ابن الحاجب عن حاشية الشهاب ٢٦٥/٥.

الآية : ٢٠
٢٥٥
سُؤَةُ بُوسُفَ
وزَعْمُ بعضِهم أنه يلزمُ بعدُ عَملُ اسم الفاعل من غير اعتمادٍ من الغفلة بمكان؛
لأنَّ محل الخلاف عملُه في الفاعل والمفعول به الصريح، لا في الجارِّ والمجرور
الذي يكفيه رائحةُ الفعل.
وقال بعض المتأخِّرين: إنَّ الصفة هنا معتمِدةٌ على اسم ((كانوا)) وهو مبتدأ في
الأصل، والاعتمادُ على ذلك معتبرٌ عندهم، ففي الرضيِّ عند قول ابن الحاجب:
والاعتماد على صاحبه: ويعني بصاحبه المبتدأ؛ إما في الحال نحو: زيد ضاربٌ
أخواه، أو في الأصل نحو: كان زيدٌ ضارباً أخواه، وظننتك ضارباً أخواك، وإنَّ
زيداً ضاربٌ غلاماه. وعلى هذا لا يحتاج في الجواب إلى إخراج الجارِّ والمجرور
عن حكم الفاعل والمفعول به الصريح وإن كان له وجهٌ وجيه، خلافاً لمن أنكره.
ومن الناس مَن يتمسَّكُ بعمومٍ: يُتَوِسَّعُ في الظرف والجارِّ والمجرور ما لا يُتُوسَّع
في غيرهما، في دَفْع ما يورَدُ علَى تعلَّق الجارِّ هنا بالصفة المجرورة الواقعة صلةً
( ((أل)» كائناً ما كان، فليفهم.
هذا والشائع أنَّ الباعةَ إخوتُه والزاهدين هم، وفي بعض الآثار أنهم حين باعوه
قالوا للتاجر: إنه لصُّ آبقٌ فقيِّدْه ووكِّل به عبداً أسود. فلما جاء وقتُ ارتحالهم بكى
عليه السلام، فقال له التاجر: ما لك تبكي؟ فقال: أريد أن أَصِلَ إلى الذين باعوني
لأودِّعهم وأسلِّمَ عليهم سلامَ مَن لا يرجعُ إليهم. فقال التاجر للعبد: خذه واذهب
به إلى مواليه ليودِّعهم ثم ألحقه بالقافلة، فما رأيتُ غلاماً أبرَّ من هذا بمواليه،
ولا قوماً أَجْفَی منهم.
فتقدَّم العبد به إلى إخوته، وكان واحدٌ منهم مستيقظاً يحرسُ الأغنام، فلمَّا
وصل إليه يوسفُ وهو يعثر في قيده انكبَّ عليه وبكى، فقال له: لما جئت؟ فقال:
جئتُ لأودِّعكم وأسلُم عليكم. فصاح عليهم أخوهم: قوموا إلى مَن أتاكم يسلِّم
عليكم سلامَ مَن لا يرجو أن يراكم أبداً، فويلٌ لكم من هذا الوداع. فقاموا فجعل
يوسف ينكبُّ على كلِّ واحدٍ منهم ويقبِّله ويعانقه، ويقول: حَفِظَكم الله تعالى وإن
ضيَّعْتُموني، آواكم الله تعالى وإن طردتُموني، رحمكم الله تعالى وإن لم ترحموني،
قيل: إنَّ الأغنام ألقتْ ما في بطونها من هول هذا التوديع.

سُورَةُ لُوسُفَ
٢٥٦
الآية : ٢٠
ثم أخذه العبدُ وطلب القافلةَ، فبينما هو على الراحلة إذ مرَّ بقبر أمِّه راحيل في
مقابر كنعان، فلمَّا أبصر القبر لم يتمالك أنْ رمى بنفسه عليه، فاعتنقه وجعل يبكي
ويقول: يا أماه، ارفعي رأسك من التراب حتى تَرَيْ ولدك مقيَّداً، يا أماه إخوتي في
الجبِّ طرحوني، ومن أبي فرَّقوني، وبأبخس الأثمان باعوني، ولم يَرِقُّوا لصغر
سنِّ ولم يرحموني، فأنا أسألُ الله تعالى أن يجمع بيني وبين والدي في مستقرِّ
رحمته إنه أرحمُ الراحمين. فالتفت العبد فلم يره، فرجع فرآه على القبر فقال: والله
لقد صَدَقَ مواليك، إنك عبدٌ آبقٌ. ثم لطمه لطمةً شديدةً فغُشي عليه، ثم أفاق فقال
له: لا تؤاخذني، هذا قبرُ أمِّ نزلتُ أسلِّم عليها، ولا أعودُ بعدُ لِمَا تكرهُه أبداً.
ثم رفع عينيه إلى السماء وقد تمرَّغ بالتراب والدموعُ في وجهه فقال: اللهم إن
كانت لي خطيئةٌ أخلقتْ وجهي عندك فبحُرْمةٍ آبائي الكرام إبراهيم وإسحاق ويعقوب
أن تعفوَ عِّي وترحمني يا أرحم الراحمين. فضجَّت الملائكة إلى الله تعالى عند
ذلك، فقال تبارك وتعالى: يا ملائكتي هذا نبيِّي وابنُ أنبيائي، وقد استغاث بي وأنا
مغيثُه ومغيثُ المستغيثين، يا جبريلُ أدركه. فنزل جبريل عليه السلام فقال:
يا صدِّيقَ الله، ربُّك يُقْرِتُكَ السلام ويقول لك: مهلاً عليك فقد أبكيتَ ملائكة
السماوات السبع، أتريد أن أطبق السماء على الأرض؟ فقال: لا، يا جبريلُ ارْفُقْ
بِخَلْقِ ربِّي فإنه حليم لا يعجل. فضرب الأرض بجناحه فهبَّت ريحُ حمراءُ، وكسفت
الشمس، وأظلمت الغبراء، فلم ير أهلُ القافلة بعضهم بعضاً، فقال التاجر: انزلوا
قبل أن تهلكوا، إنَّ لي سنين عديدةً أمرُّ بهذا الطريق فما رأيتُ كاليوم، فمن أصاب
منكم ذنباً فليتُبْ منه، فما أصابنا هذا إلا بذنب اقترفناه. فأخبره العبد بما فعل مع
يوسف، وقال: يا سيدي، إني لَمَّا ضربتُه رفع عينه إلى السماء وحرَّك شفتيه. فقال
له التاجر: ويحك أهلكْتَنا وأهلكْتَ نفسك. فتقدَّم إليه التاجر وقال: يا غلام إنَّا
ظلمناك حين ضربناك، فإنْ شئتَ أن تقتصَّ منَّا فها نحن بين يديك. فقال يوسف:
ما أنا من قوم إذا ◌ُلموا يقتصُّون، ولكنّي من أهل بيتٍ إذ ◌ُلموا عَفَوْا وغفروا،
ولقد عَفَوْتُ عنكم رجاءَ أن يعفو الله تعالى عنِّي. فانجلت الظلمةُ، وسكنت الريح،
وأسفرت الشمس، وأضاءت مشارق الأرض ومغاربها، فساروا حتى دخلوا مصر
آمنين، وكان هذا التاجرُ فيما قيل مالك بنَ دعر الذي أخرجه من الجب، وقيل:
غيره.

الآية : ٢١
٢٥٧
سُؤََّلُ بُوسُفَ
وروي أنه حين ورد به مصر باعه بعشرين ديناراً، وزَوْجيَ نعل، وثوبين أبيضين.
وقيل: أُدخل السوقَ للبيع فترافعوا في ثمنه حتى بلغ(١) وزنَه مسكاً، ووزنه
وَرِقاً، ووزنه حريراً، فاشتراه بذلك العزيز(٢) الذي كان على خزائن مصر عند
ملكها. وقيل: كان خبازَ الملك، وصاحبَ شرابه ودوابِّه، وصاحبَ السجن،
والمشهورُ المعوَّلُ عليه(٣) هو الأول، واسمه: قطفير، أو إطفير، أو قنطور،
والأول مرويٌّ عن ابن عباس، وهو المراد في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن
مِصْرَ﴾ فهذا الشراءُ غيرُ الشراء السابق الذي كان بثمنٍ بخس، وزَعْمُ
اتّحادِهما ضعيفٌ جدًّا، وإلا لا یبقی لقوله: ((من مصر» کثیرُ جدوی.
وكان الملك يومئذٍ الريان بنُ الوليد العمليقي، ومات في حياة يوسف عليه
السلام بعد أن آمن به، فملك بعده قابوس بنُ مصعب، فدعاه إلى الإيمان فأبى.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعونَ موسى عليه السلام عاش أربعَ مئة سنةٍ،
بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِاَلْبَإِنَتِ﴾ [غافر: ٣٤].
وقيل: فرعونُ موسى عليه السلام من أولاد فرعون يوسف عليه السلام، والآية
من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء، وهو الصحيح.
وظاهرُ أمر العزيز أنه كان كافراً، واستدلَّ في ((البحر)) (٤) على ذلك بكون الصنم
في بيته حسبما يُذكر في بعض الروايات.
وقال مجاهد: كان مؤمناً. ولعل مراده أنه آمن بعد ذلك، وإلا فكونُه مؤمناً يومَ
الاشتراء مما لا يكاد يسلّم، نعم إنه اعتنى بأمر يوسف عليه السلام، ولذا قال
(١) أي: حتى بلغ ثمنه. الكشاف ٣١٠/٢.
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): أخرج ابن إسحاق وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أن
مالك بن دعر لما باع يوسف من العزيز سأله: مَن أنت؟ فذكر له مَن هو، وابنُ مَن هو،
وكان من مدين فعرفه فقال: لو أخبرتني لم أَبِعْكَ. ثم طلب منه الدعاء، فدعا له وقال:
بارك الله لك في أهلك. فحملت امرأته اثني عشر بطناً في كلِّ بطنٍ غلامان. انتهى، وهذا
إن صح يُبْعِدُ صحة القصة، فتأمَّل. اهـ منه.
(٣) في (م): وصاحب السجن المشهور، والمعول عليه.
(٤) ٥/ ٢٩٢.

سُؤْرَةٌ تُوسُفَا
٢٥٨
الآية : ٢١
﴿لِأَمْرَأَتِهِ﴾ راعيل(١) بنت رعاييل، وهو المرويُّ عن مجاهد. وقال السدي:
زليخا(٢) بنت تمليخا. وقيل: اسمها راعيل ولقبها زليخا. وقيل: بالعكس.
والجارُّ الأول - كما قال أبو البقاء (٣) - متعلّق بـ ((اشتراه)) كقولك: اشتريتُه من
بغداد، أي: فيها أو بها، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ((الذي))، أو من الضمير
في (اشترى))، أي: كائناً من أهل مصر.
والجارُّ الثاني متعلِّقٌ بـ ((قال)) كما أشرنا إليه لا بـ ((اشتراه))، ومقولُ القول:
﴿أَكْرِى مَثْوَنُ﴾ أي: اجعلي محلَّ ثوائه وإقامته كريماً، أي: حسناً مرضيًّا، وهذا
كنايةٌ عن إكرامه عليه السلام نفسِه على أبلغ وجهٍ وأتمِّه؛ لأنَّ مَن أَكْرَمَ المحلَّ
بتنظيفه وفّرْشِه ونحو ذلك، فقد أکرم ضيفه بسائر ما يُکرم به.
وقيل: المثوى مُفْحَمٌ كما(٤) يقال: المجلس العالي، والمقام السامي،
والمعنى: أحسني تعهُّدَه والنظرَ فيما يقتضيه إكرامُ الضيف ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَا﴾ في
قضاء مصالحنا إذا تدرَّب في الأمور وعرف مجاريها ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ، وَلَدَّأَ﴾ أي: نتبنَّاه
ونقيمُه مقام الولد، وكان فيما يُروى عقيماً.
ولعل الانفصال لمنع الخلوِّ، وزعم بعضهم أنه لمنع الجمع، على معنى: عسى
أن نبيعه فننتفع بثمنه، وليس بشيء.
وكان هذا القول من العزيز لِمَا تفرَّس فيه من مخايل الرشد والنجابة، ومن ذلك
قال ابن مسعود ربه فيما أخرجه سعيد بن منصور، والحاكم وصحَّحه، وجماعةٌ:
أفرسُ الناس ثلاثةٌ: العزيز حين تفرَّس في يوسف فقال لامرأته: (أَكْرِمِ مَثَوَنُهُ
عَسَىّ أَنْ يَنْفَعَنَآَ) إلخ، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: ﴿يَأَبَتِ أَسْتَفْجِرَةٌ﴾
[القصص: ٢٦]، وأبو بكر حين استخلف عمر(٥).
(١) في هامش الأصل و(م): راعيل بوزن هابيل. اهـ منه.
(٢) بفتح الزاي وكسر اللام والخاء المعجمة وفي آخره ألف، وهو المشهور. وقيل: إنه بضم
أوله على هيئة المصغّر. حاشية الشهاب ١٦٥/٥.
(٣) في الإملاء ٣٢٧/٣.
(٤) قوله: كما، ليس في (م).
(٥) سنن سعيد بن منصور (١١٣ - تفسير)، والمستدرك ٣٤٥/٢، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة
٨/ ٥٧٥، والطبري ١٣/ ٦٤ .

الآية : ٢١
٢٥٩
سُؤَرَةُ لُوسُفَ
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي: جعلنا له فيها مكاناً، يقال: مگَّنه فيه،
أي: أثبته فيه، ومَّن له فيه، أي: جعل له مكاناً فيه، ولتقارُبهما وتلازُمهما يستعمل
كلٌّ منهما في مقام الآخر، قال سبحانه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَكَّنَّهُمْ فِی
اَلْأَرْضِ مَا لَمَ نُمَكِّنَ لَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] والمراد بالمكان هنا المكانةُ والمنزلة، لا البعدُ
المجرَّد أو السطح الباطن من الحاوي المماسِّ للسطح الظاهر من المحويِّ، أو غیرِ
ذلك مما ذهب إليه من ذهب من الفلاسفة إنْ حقًّا وإنْ باطلاً .
والإشارة إلى ما يفهم مما تقدَّم من الكلام، وما فيه من معنى البعد لتفخیمه،
والكافُ نصبٌ على المصدرية، أي: كما جعلنا له مثوى كريماً في منزل العزيز أو
مكاناً عليًّا في قلبه حتى أمر امرأته دون سائر حواشيه بإكرام مثواه، جعلنا له مكانةً
رفيعةً في أرض مصر.
وفسِّر الجعلُ المذكورُ بجَعْلِه وجيهاً فيما بين أهل مصر ومحبَّباً في قلوبهم، بناءً
على أنه الذي يؤدِّي إلى الغاية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيِلِ الْأَحَادِيثِ﴾
أي: بعض تعبير الرؤيا التي عُمْدتُها رؤيا الملك وصاحبي السجن، ورُوي هذا المعنى
عن مجاهد، وهو الظاهر كما يُرْشِدُ إليه قوله عليه السلام: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّ﴾
[الآية: ٣٧] سواءٌ جُعِلَ معطوفاً على غايةٍ مقدَّرةٍ ينساقُ إليها الكلامُ ويستدعيها النظام،
كأنه قيل: ومثلَ ذلك التمكين البديع مكَّنَّا ليوسف في الأرض وجعلنا قلوبَ أهلها كافةً
محالَّ محبته، ليترتَّب على ذلك ما يترتَّبُ مما جرى بينه وبين امرأة العزيز، ولنعلِّمه
بعضَ تأويل الأحاديث فيؤدِّي ذلك إلى الرتبة العليا والرياسة العظمى، ولعل تركَ
المعطوف عليه للإشعار بعدم كونه مراداً. أو جُعِلَ علَّةً لمحذوفٍ، کأنه قيل: ولهذه
الحكمة البالغة فعلنا ذلك التمكين لا لشيءٍ غيرِها مما ليس له عاقبةٌ حميدة.
واختار بعض المحققين كونَ ((ذلك)) إشارةً إلى مصدر الفعل المذكور بعده،
والكاف مقحمة للدلالة على تأكيد فخامة شأن المشار إليه، على ما ذكروا في
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطَّا﴾ [البقرة: ١٤٣] والمرادُ به التمكينُ في قلب العزيز أو في
منزله، وكونُ ذلك تمكيناً في الأرض بملابسةٍ أنه عزيزٌ فيها؛ لِمَا أنَّ الذي عليه
يدور تلك الأمور إنما هو التمكينُ في جانب العزيز، وأمَّا التمکینُ في جانب الناس
كافةً فتأديتُه إليها إنما هي باعتبار اشتماله على ذلك التمكين.

سُؤَلُ مُوسُفَنَا
٢٦٠
الآية : ٢١
ولا يَخْفَى أنَّ حَمْلَ التمكين في الأرض على التمكين في قلب العزيز أو في
منزله خلافُ الظاهر، وكذا حملُه على ما تقدَّم، ولعل الظاهر حملُه على جَعْلِهِ ملكاً
يتصرَّفُ في أرض مصر بالأمر والنهي، إلا أنَّ في جَعْلِ التعليم المذكور غايةً له
خفاءً؛ لأنَّ ذلك الجَعْلَ من آثاره ونتائجه المتفرِّعة عليه دون العكس، ولم يُعْهَدْ منه
عليه السلام في تضاعيف قضاياه العملُ بموجب الرؤيا المنبِّهة على الحوادث قبل
وقوعها عهداً مصحِّحاً لجعله غايةً لذلك، وما وقع من التدارُك في أمر السنين
فإنما هو عملٌ بموجب الرؤيا السابقة المعهودةِ، وإرادةُ: ليظهر تعليمُنا له،
كما ترى، وكأنَّ من ذهب إلى ذلك - لأنه الظاهرُ - أراد بتعليم تأويل الأحاديث
تفهيمَ غوامض أسرار الكتب الإلهية، ودقائقٍ سنن الأنبياء عليهم السلام، فيكون
المعنى حينئذ: مكثًّا له في أرض مصر ليتصرَّف فيها بالعدل، ولنعلِّمه معاني كتب الله
تعالى وأحكامَها، ودقائقَ سننِ الأنبياء عليهم السلام فيقضي بها بين أهلها، والتعليمُ
الإجماليُّ لتلك الأحاديث وإن كان غيرَ متأخِّرٍ عن تمكينه بذلك المعنى إلا أنَّ تعليم
كلِّ معنّى شخصيٍّ يتفقُ في ضمن الحوادث والإرشادَ إلى الحقِّ في كلِّ نازلة من
النوازل متأخّرٌ عن ذلك صالحٌ لأنْ يكون غايةً له، وأَدْرِجَ بعضُهم الإنجاء تحت
الإشارة بذلك، وفيه بحثٌ فتدبّر.
﴿وَللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهٍ﴾ لا يُمنع عمَّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فيما يريد، بل إنما أمرُه
لشيءٍ إذا أراد أن يقول له كن فيكون، ويدخل في عموم المصدر المضاف شؤونه
سبحانه المتعلّقةُ بيوسف عليه السلام دخولاً أوَّلِيًّا، أو متولٌّ على أمرٍ يوسف عليه
السلام فيدبِّره ولا يَكِلُه إلى غيره.
وإلى رجوع ضمير ((أمره)) إلى الله تعالى ذهب ابن جبير، وإلى رجوعه إلى
يوسف عليه السلام ذهب الطبريُ (١). وأيًّا ما كان فالكلام على ما في ((الكشف))
تذييلٌ، أما على الأول فلِجَرْيه مجرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:
٨١] من سابقه، لأنه لَمَّا كان غالباً على جميع أموره لا يزاحمه أحدٌ ولا يمتنعُ عليه
مرادٌ كانت إرادتُه تمكينَ يوسف وكيت وكيت والوقوعَ رضيعي لبان، وأما على
(١) في الأصل و(م): القرطبي، وهو خطأ، والمثبت من البحر ٢٩٢/٥، والكلام منه، وكلام
الطبري في تفسيره ١٣/ ٦٥.