Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ١١٨ ١٦١ سُؤَدَا هُود قال ابن عطيّة: وهذا ضعيف. وكأنَّه ذهب قائلُه إلى ما قيل: الملكُ يبقى مع الكُفر ولا يبقى مع الظّلم والجور(١). ولعلَّ وجهَ ضعفِه ما ذكره بعضُ المحقّقين من أنَّ مقامَ النهي عن المنكرات التي أقبحُها الإشراكُ بالله تعالى لا يلائمه، فإنَّ الشرك داخلٌ في الفساد في الأرض دخولاً أوليًّا، ولذلك كان يَنهى كلٌّ من الرسل عليهم السلام أمَّتَه عنه ثمَّ عن سائر المعاصي، فالوجهُ كما قال: حملُ الظّلم على مُطلقِ الفسادِ الشامل لسائرِ القبائحِ والآثام، وحملُ الإصلاح على إصلاحِه والإقلاع عنه بكون البعضِ متصدِّياً للنهي، والبعضِ الآخَر متوجّهاً إلى الاتِّعاظ، غيرَ مصرٍّ على ما هو عليه من الشِّرك وغيرِه من أنواع الفساد. انتهى، لكن أخرج الطبرانيُّ وابن مردويه وأبو الشيخ والديلميُّ عن جريرٍ قال: سمعتُ رسول الله وَلَّهِ يُسألُ عن تفسير هذه الآية (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) فقال عليه الصلاة والسلام: ((وأهلُها يُنْصِفُ بعضُهم بعضاً)(٢). وأخرجه ابن أبي حاتم والخرائطيُّ في ((مساوئ الأخلاق)) عن جريرٍ موقوفاً(٣)، وهو ظاهرٌ في المعنى الذي نقله الطبريُّ، ولعلَّه لم يثبتْ عن رسول الله وَّةٍ، وإلَّا فالأمرُ مشكلٌ، وجَعْلُ التصدِّي للنهي من بعضٍ والاتِّعاظِ من بعضٍ آخرَ من إنصافِ البعضِ البعضَ كما ترى، فافهم. ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾ مجتمعين على الدِّين الحقِّ بحيث لا يقع من أحدٍ منهم كفرٌ، لكنَّه لم يشأ سبحانه ذلك، فلم يكونوا مجتمعين على الدِّين الحقِّ، ونظيرُ ذلك قولُه سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنَهَا﴾ [السجدة: ١٣] وروي هذا عن ابن عباس وقتادة. وروي عن الضَّاك أنَّ المراد: لو شاء لَجَمَعَهم على هدّى أو ضلالة. ﴿وَلَ يَزَالُونَ مُخَْلِفِينٌ ﴾ بعضُهم على الحقِّ وبعضُهم على الباطل؛ أخرج (١) المحرر الوجيز ٢١٥/٣. (٢) المعجم الكبير (٢٠٨١)، والفردوس بمأثور الخطاب (٧٢٠٤)، وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٣٥٦/٣. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩/٧: فيه عبيد بن القاسم الكوفي وهو متروك. (٣) الدر المنثور ٣٥٦/٣. سُوٌَّلُ هُود! ١٦٢ الآية : ١١٩ ذلك ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس(١). ولعلَّ المراد الاختلافُ في الحقِّ والباطل من العقائد التي هي أصولُ الدين بقرينةِ المقام. وقيل: المرادُ ما يشمل الاختلافَ في العقائد والفروع وغيرِهما من أمور الدِّين؛ لعدم ما يدلُّ على الخصوص في النظم. فالاستثناءُ في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ زَّحِمَ رَبُّكَ﴾ مَّصلٌ على الأوَّل، وهو الذي اختاره أبو حيَّان(٢) وجماعةٌ، وعلى الثاني منقطعٌ حيث لم يخرجْ مَن رَحِمَه اللهُ تعالى من المختلفين كأئمَّةِ أهل الحقِّ، فإنَّهم أيضاً مختلفون فيما سوى أصولِ الدِّين من الفروع، وإلى هذا ذهب الحوفي ومَن تَبِعَه. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: الناس، والإشارة - كما روي عن الحسن وعطاء ــ إلى المصدر المفهوم من ((مختلفين))، ونظيرُه: إذا نُهي السَّفيهُ جرى إليه(٣) كأنه قيل: وللاختلاف خُلق الناسُ، على معنى: لثمرة الاختلاف من کون فريقٍ في الجنَّة وفريقٍ في السعير خَلَقَهم، واللامُ لامُ العاقبة والصيرورة؛ لأنَّ حكمةً خَلْقِهم ليس هذا؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولأنَّه لو خلقهم له لم يعذِّبْهم على ارتكاب الباطل، كذا قال غيرُ واحد، وروي عن الإمام مالك ما يقتضيه. وعندي أنَّه لا ضيرَ في الحمل على الظَّاهر، ولا منافاةً بين هذه الآية والآيةِ التي ذكروها؛ لِمَا ستعلمه إن شاء الله تعالى من تفسيرها في ((الذاريات))، وما يروى فيها من الآثار، وأنَّ الخلقَ من توابع الإرادةِ التابعة للعلم التابع للمعلوم في نفسه، والتعذيبُ أو الإثابةُ ليس إلا لأمرٍ أُفيض على المعذَّب والمثاب بحسبِ الاستعداد (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٠٩٣/٦. (٢) في البحر ٢٧٣/٥ . (٣) وعجزه: وخالَفَ والسفيهُ إلى خلاف، وهو في مجالس ثعلب ص٦٠، والخصائص ٤٩/٣، والمحتسب ١٧٠/١، وأمالي ابن الشجري ٢٧٣/١، والخزانة ٢٢٦/٥. وجاء في رواية: إذا زُجر السفيه ... ، وقوله: جرى إليه، أي: جرى إلى السفه. الآية : ١١٩ ١٦٣ سُوَلاَهُود الأصليِّ، وربَّما يرجع هذا بالآخرة إلى أنَّ التعذيبَ والإثابة من توابع ذلك الاستعدادِ الذي عليه المعذَّب أو المثاب في نفسه، ومن هنا قالوا: إنَّ المعصيةَ والطاعة أمارتان على الشَّقاوة والسَّعادة لا مقتضيتان لهما، وبذلك يندفع قولُهم: ولأنَّه لو خلقهم له لم يعذِّبْهم، ولِمَا قرَّرناه شواهدُ كثيرةٌ من الكتاب والسُّنَّة لا تخفى على المستعدِّين لإدراك الحقائق. وقيل: ضميرُ (خَلَقهم)) لـ ((مَن)) باعتبار معناه، والإشارة للرحمةِ المفهومةِ من (رَحِم))، والتذكير لتأويلها بأنْ والفعل، أو لكونها بمعنى الخير، ورُوي ذلك عن مجاهد وقتادة. وروي عن ابن عباس أنَّ الضمير للناسِ، والإشارة للرحمة والاختلاف، أي: لاختلافِ الجميع ورحمةِ بعضِهم ((خلقهم))، وجاءت الإشارةُ لاثنين كما في قوله تعالى: ﴿عَوَانُ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. واللام على هذا قيل: بمعنَّى مجازيٍ عامٍّ للمعنى الظاهرِ والصيرورةِ، وعلى ما قبلَه على معناها. وأظهرُ الأقوال في الإشارة والضمير ما قدَّمناه، والقولان الآخران دونَه. وأمَّا القولُ بأنَّ الإشارة لِمَا بعدُ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: وتمت كلمةُ ربِّك لأملأنَّ جهنّم إلخ ولذلك - أي: لملء جهنَّم - خَلَقهم، فبعيدٌ جدًّا من تراكيب كلام العرب. ومن هذا الطرز ما قيل: إنَّ ((ذلك)) إشارةٌ إلى شهودٍ ذلك اليوم المشهودِ. وكذا ما قيل: إنَّه إشارةٌ إلى قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ)، أو إلى الشَّقاوة والسَّعادة المفهومتَين من ذلك، أو إلى أن يكونَ فريقٌ في الجنَّة وفريقٌ في السعير، أو إلى النَّهي المفهوم من قوله سبحانه: (يَنْهَوّنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ)، أو إلى الجنَّة والنار، أو إلى العبادة. إلى غير ذلك من الأقوال التي يُتُعجَّب منها. وذهب بعضُ المحقّقين(١) في معنى الآية إلى أنَّ المرادَ من الوحدة الوحدةُ في الدِّين الحقِّ، ومن الاختلافِ الاختلافُ فيه على معنى المخالفةِ له، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيْنَتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] والمراد بـ ((مَن رَحِم): الذين هداهم الله تعالى ولم يخالفوا الحقَّ، والإشارة (١) هو أبو السعود في تفسيره ٢٤٨/٤. سُؤَدَاهُود ١٦٤ الآية : ١١٩ للاختلافِ بمعنى المخالفة، وضمير ((خَلَقهم)) للذين بقوا بعد الثُّنْيا، وهم المختلفون المخالفون، واللامُ للعاقبة، كأنَّه قيل: ولو شاء ربُّك لجعل الناسَ على الحقِّ ودينِ الإسلام، لكنَّه لم يشأُ فلم يجعل، ولا يزالون مخالفين للحقِّ إلا قوماً هداهم سبحانَه بفضلِه فلم يخالفوا الحقَّ، ولما ذكر من الاختلاف خلق المختلفين المخالفين. ولا يخفى ما فيه من ارتكابٍ خلافِ الظاهر وإن أخرج ابنُ جرير وأبو الشيخ عن مجاهدٍ ما يقتضي بعضَه(١). ومن الغريب ما روي عن الحسن أنَّ المراد من الاختلاف الاختلافُ في الأرزاق والأحوالِ وتسخيرِ بعضِهم بعضاً. وقال ابنُ بحر: المرادُ أنَّ بعضَهم يخلُفُ بعضاً، فيكون الآتي خَلَفاً للماضي، ومنه: ما اختلف الجديدان(٢)، أي: ما خَلَفَ أحدُهما صاحبَه. وإلى هذا ذهب أبو مسلم، إلَّا أنه قال: يخلفُ بعضُهم بعضاً في الكفر تقليداً. وفي ذلك ما فيه. وأيًّا ما كان فالظاهرُ من الناس العمومُ، وليتأمَّل عليه(٣) هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَةً وَحِدَةً﴾ [يونس: ١٩] فإنه يُتراءى بينهما - على ما قيل - المنافاة، والتزم بعضهم في دفعها حَمْلَ الاختلاف على ما يعمُّ الاختلافَ في الدِّين وغيره، وقال آخرون: إن ((الناس)) هناك العرب، وهنا ما يعمهم، فلا منافاة (٤). وقال الفاضل الجلبيُّ: ليس في هذه الآية ما يدلُّ على عموم ((الناس)) حتى تخالف ((وما كان الناس)) إلخ. وفيه نظر(٥). (١) تفسير الطبري ٦٣٣/١٢ و٦٣٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٥٦/٣، ولفظه: (ولا يزالون مختلفين)) قال: أهل الباطل، ((إلا مَن رحم ربك)) قال: أهل الحق. (٢) أي: الليل والنهار، ومن أمثالهم: لا أفعل ذلك ما اختلف الجديدان. الصحاح (جدد)، والمستقصی ٢٤٥/٢. (٣) قوله: عليه، ليس في (م). (٤) من قوله: فإنه يتراءى، إلى هذا الموضع ليس في (م)، وجاء فيها بدلاً منه: وليراجع تفسير ذلك. (٥) قوله: وفيه نظر، ليس في الأصل. الآية : ١١٩ ١٦٥ وقيل: إن الحكم تمَّ باعتبار الأكثر الغالب. وقيل: المراد هنا: لو شاء الآمن هذا النوع من الناس بحيث لا يقع بين أفراده اختلاف في الدين أصلاً، ولكنه سبحانه لم يشأ، وهذا لا ينافي وقوعَ الاتفاق بين الأفراد في بعض الأوقات کما لا يخفى. وقيل غير ذلك، فافهم وتذگّر(١). والجارُّ والمجرور - أعني ((لذلك)) - متعلّقٌ بـ ((خلق)) بعدَه، والظاهرُ أنَّ الحصرَ المستفادَ من التقديم إذا قلنا: إنَّ التقديمَ له إضافيٍّ، والمضافُ هو إليه مختلفٌ حَسْبَ اختلاف الأقوال في تعيين المشارِ إليه، وهو على الأوَّل الاتِّفاق، وعلى ما عداه يظهرُ أيضاً بأدنى التفاتٍ. هذا واستُدِلَّ بالآية على أنَّ الأمر غيرُ الإرادة، وأنَّه تعالى لم يُرِدِ الإيمان من كلٍّ، وأنَّ ما أراده سبحانه يجبُ وقوعُه. وذكر بعضُ العارفين أنَّ منشأ تشييبٍ سورة هودٍ له وَِّ اشتمالُها على أمرِه عليه الصلاة والسلام بالاستقامةِ على الدَّعوة مع إخبارِه أنَّه سبحانه إنَّما خلقَ الناسَ للاختلافِ، وأَنَّه لا يشاءُ اجتماعَهم على الدِّين الحقِّ، وهو كما ترى. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ﴾ أي: نَفَذَ قضاؤه وحقَّ أمرُه، وقد تُفسَّر الكلمةُ بالوعيد مجازاً، وقد يُراد منها الكلامُ الملقى على الملائكة عليهم السلام، والأوَّلُ أولى. والجملةُ متضمِّنةٌ معنى القَسَم، ولذا جيء باللام في قوله سبحانه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ والجِنَّةُ والجنُّ بمعنّى واحدٍ، وفي تفسير ابنِ عطية: أنَّ الهاء في الجِنَّة للمبالغة، وإن كان الجنُّ يقع على الواحد فالجِنَّة جمعُه(٢). انتهى. فيكون من الجموع التي يفرَّق بينها وبين مُفْرَدِها بالهاء، ككَمْءٍ وكمأةٍ، على ما ذكرناه في تعليقاتنا على ((الألفية)). وفي الآية سؤالٌ مشهورٌ، وهو أنَّها تقتضي بظاهرها دخولَ جميع الفريقين في جهنَّم، والمعلومُ من الآيات والأخبار خلافُه. (١) من قوله: وقيل إن الحكم تم، إلى هذا الموضع، ليس في (م). (٢) المحرر الوجيز ٢١٦/٣. سُوَلاَ هُودٍ ١٦٦ الآية : ١١٩ وأجاب عن ذلك القاضي(١) بما حاصلُه: أنَّ المراد بـ ((الجِنَّة والناس)) إمَّا عصاتُهما، على أنَّ التعريف للعهدِ والقرينةُ عقليَّةٌ لِمَا عُلِمَ من الشرع أنَّ العذابَ مخصوصٌ بهم، وأنَّ الوعيد ليس إلا لهم، وفي معنى ذلك ما قيل: المرادُ بـ ((الجنة والناس)) أتباعُ إبليسَ لقوله سبحانه في ((الأعراف)) و(ص)): ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾(٢) فاللازمُ دخول جمع تابعيه في جهنّم ولا محذورَ فيه، والقرآنُ يفسِّر بعضُه بعضاً، ولا حاجةَ إلى تقدير ((عصاة)) مضافاً إلى الفريقين كما قيل، فـ ((أجمعين)) لاستغراق الأفراد المرادةِ حسبما علمتَ. وإمَّا ما يتبادر منهما، ويُراد من التأكيد بيانُ أنَّ ملءَ جهنّم من الصِّنفين لا من أحدِهما فقط، وهذا لا يقتضي شمولَ أفراد كِلَا الفريقين، ويكون الدَّاخلوها منهما مسكوتاً عنه موكولاً إلى شيءٍ آخرَ. واعتُرض الأخير بأنَّه مبنيٌّ على وقوع ((أجمعين)) تأكيداً للمثنَّى، وهو خلافُ ما صرَّحوا به. وفيه أنَّ ذلك إذا كان لمثتَّى حقيقيٍّ لا إذا كان كلُّ فردٍ منه جمعاً؛ فإنه حينئذٍ تأكيدٌ للجمع في الحقيقة، فلا ورود لِمَا ذُكر. نعم يَرِدُ على الشِّقِّ الأوَّل أنَّ التأكيد يقتضي دخولَ جميع العصاة في النار، والمعلومُ من النُّصوص خلافُه، اللهمَّ إلا أن يقال: المرادُ العصاةُ الذين قدَّر الله تعالى أن يدخلوها . وأجاب بعضُهم بأنَّ ذلك لا يقتضي دخولَ الكلِّ بل قَدْرَ ما يملأ جهنم، كما إذا قيل: ملأتُ الكيسَ من الدراهم، لا يقتضي دخولَ جميع الدراهم في الكيس. وردّه الجلالُ الدواني بأنه نظيرُ أن يقال: ملأتُ الكيس من جميعِ الدراهم، وهو بظاهره يقتضي دخولَ جميع الدَّراهم فيه، والسؤالُ عليه كما في الآية باقٍ بحاله. ثم قال: والحقُّ في الجواب أن يقال: إنَّ(٣) المرادَ بلفظ ((أجمعين)) تعميمُ (١) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٥/ ١٥٠. (٢) الآية (٨٥) من سورة ص، وآية الأعراف هي: ﴿قَالَ أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا لَمَنْ تِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٨]. (٣) قوله: إن، ليس في (م). الآية : ١١٩ ١٦٧ سُوَلُ هُودٍ الأصناف، وذلك لا يقتضي دخولَ جميع الأفراد، كما إذا قلت: ملأتُ الجِرابَ من جميع أصنافِ الطعام، لا يقتضي ذلك إلَّا أنْ يكون فيه شيءٌ من كلِّ صنفٍ من الأصناف، لا أنْ يكون فيه جميعُ أفرادِ الطعام، وكقولك: امتلأ المجلسُ من جميع أصنافِ الناس، فإنَّه لا يقتضي أن يكونَ في المجلس جميعُ أفراد الناس، بل أنْ يكون فيه من كلِّ صنفٍ فردٌ، وهو (١) ظاهر. وعلى هذا يظهرُ فائدةُ لفظ ((أجمعين))؛ إذ فيه ردٌّ على اليهود وغيرهم مِمَّن زعم أنهم لا يدخلون النار. انتهى. وتعقّبه ابنُ الصَّدر(٢) بقوله: فيه بحثٌ؛ لأنَّهم صرَّحوا بأنَّ فائدةَ التأكيد بـ ((كلّ وأجمعين)) دفعُ توقُّم عدمِ الشمول والإحاطة بجميع الأفراد، وما ذكره من المثالين فإِنَّما نشأ شمولُ الأصناف فيه من إضافة لفظِ الجميع إلى الأصناف، كيف ولو قيل: ملأتُ الجرابَ من جميع الطعام. بإسقاط لفظ الأصناف كان الكلامُ فيه کالكلام فیما نحن فيه. وأيضاً ما ذكره من أنَّ في ذلك ردًّا على اليهود إلخ غيرُ صحيح؛ لأنَّ اليهود قالوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا التَارُ إِلَّ أَنَّامَا تَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠] فكيف يزعمون أنَّهم لا يدخلونها أصلاً. فتدبَّر ذاك والله سبحانه يتولَّى هداك. وأجاب بعضُهم بمنزع صوفيٍّ، وهو أنَّ المرادَ من ((الجِنَّة والناس)): الذين بَقُوا في مرتبة الجنّة والإنسيَّة، حيث انغمسوا في ظلماتِ الطبيعة، وانتكسوا في مقرِّ الأجرام العنصريَّة، ولم يرتفعوا(٣) إلى العالم الأعلى، واطمأنُّوا بالحياة الدنيا ورضوا بها، وانسلخوا عن عالم المجرَّدات، وهم المشركون الذين قيل في حقِّهم: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] إلخ؛ فإِنَّهم لا يستأهلون دارَ الله تعالى وقُرْبَه، ثم قال: ولهذا ترى الله تعالى شأنُه يذمُّ الإنسان ويدعو عليه في غير ما موضع. (١) في الأصل: وهذا. (٢) محمد الأمين بن صدر الدين الشرواني نزيل القسطنطينية، له حاشية على شرح العقائد العضدية للجلال الدواني، وتعليقات على أماكن من تفسير البيضاوي، والفوائد الخاقانية، توفي سنة (١٠٣٦هـ). خلاصة الأثر ٣/ ٤٧٥. (٣) في (م): وانتكبوا في مقر الأجرام العنصرية ولم يرفعوا. سُوَلَ هُود! ١٦٨ الآية : ١٢٠ أي: وكلَّ نبأ، فالتنوينُ للتعويض عن المضاف إليه المحذوف، ونصب (كلّ) على أنَّه مفعولٌ به لقوله سبحانه: ﴿نَّقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: نخبرك به، وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَثْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ صفةٌ لذلك المحذوف لا لـ ((كلَّا))؛ لأنَّها لا تُوصف في الفصيح كما في إيضاح المفضَّل، و((من)) تبعيضيَّة، وقيل: بيانيَّة. وقوله عزَّ وجل: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَكْ﴾ قيل: عطفُ بيان لـ ((كلَّا))، بناءً على عدم اشتراط توافُق البيانِ والمبيَّن تعريفاً وتنكيراً، والمعنى: هو ما نثبّت إلخ. وجوِّز أن يكون بدلاً منه بدلَ كلٍّ أو بعض. وفائدةُ ذلك التنبيهُ على أنَّ المقصودَ من الاقتصاص زيادةٌ يقينه وَل﴿ وطمأنينة قلبه، وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمالٍ أذى الكفار. وجوِّز أيضاً أن يكون مفعولَ ((نقصُّ))، و((كلَّا)) حينئذٍ منصوبٌ إمَّا على المصدريَّة، أي: كلَّ نوعٍ من أنواع الاقتصاصِ نقصُّ عليك الذي نثبّت به فؤادَك من أنباء الرُّسل، وإمَّا علىَّ الحاليَّة من ((ما)) أو من الضمير المجرور في ((به)) على مذهب مَن يرى جوازَ تقديم حالِ المجرور بالحرفِ عليه، وهو حينئذٍ نكرةٌ بمعنى جميعاً، أي: نقصُّ عليك من أنباء الرُّسل الأشياء التي نثبّت بها فؤادَك جميعاً. واستظهر أبو حيَّان كونَ ((كلَّ)) مفعولاً به لـ ((نقص))، و((من أنباء)» في موضع الصِّفة له، وهو مضافٌ في التقدير إلى نكرة، و((ما)) صلةٌ كما هي في قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَّا نَذَّكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢](١). ولا يخفى ما فيه. ﴿وَآَكَ فِى هَذِهِ آلْحَقُّ﴾ أي: الأمرُ الثابتُ المطابقُ للواقع، والإشارةُ بـ ((هذه)) إلى السُّورة كما جاء ذلك من عدَّة طُرقٍ عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وقتادة وابن جبير. وقيل: الإشارةُ إليها مع نظائرها. وليس بذاك، ككونها إشارةً إلى دار الدنيا وإن جاء في روايةٍ عن الحسن. وقيل: إلى الأنباء المقتصَّة، وهو مما لا بأس به. ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢٥)﴾ عطفٌ على ((الحق))، أي: جاءك الجامعُ المتَّصفُ بكونه حقًّا في نفسه وكونِه موعظةً وذكرى للمؤمنين، ولعلَّ تحليةَ الوصف (١) البحر ٢٧٤/٥. .. الآية : ١٢١ - ١٢٣ ١٦٩ سُوَلاَ هُود الأوَّل باللام دونَ الأخيرينِ لِمَا قيل من أنَّ الأوَّلَ حالٌ للشيء في نفسه، والأخيران وصفان له بالقياس إلى غيره. وقال الشِّهاب(١): الظاهرُ أن يقال: إنَّما عُرِّف الأوَّل لأنَّ المرادَ منه ما يختصُّ بالنبيِّ وَّةِ، من إرشادِه إلى الدَّعوة وتسليتِه بما هو معروفٌ معهودٌ عنده، وأمَّا الموعظةُ والتذكيرُ فأمرٌ عامٌّ لم ينظرْ فيه لخصوصيةٍ، ففرِّق بين الوصفين للفَرْق بين الموصوفين، وفي التخصيص بهذه السورة ما يشهدُ له؛ لأنَّ مبناها على إرشادِهِ وَّ على ما سمعتَ من صاحب ((الكشف))(٢). وتقديمُ الظرف على الفاعل ليتمكَّن المؤخَّر عند(٣) وروده أفضَلَ تمكّنٍ، ولأنَّ في المؤخَّر نوعَ طولٍ يخلُّ تقديمُه بتجاوُبِ النَّظم الکریم. ﴿وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكانَتِكُم﴾ أي: جهتِكم وحالِكم التي أنتم عليها على جهتِنا وحالِنا التي نحن عليها ﴿وَأْتَظِرُوَا﴾ بنا الدوائر ﴿إِنَّا ﴿إِنَّا عَمِلُونَ مُنَظِرُونَ ﴾ أن ينزلَ بكم نحوُ ما نزل بأمثالِكم من الكفرة. وصيغةُ الأمر في الموضعين للتهديد والوعيد، والآيتان محكمتان. وقيل: المرادُ الموادعةُ، فهما منسوختان. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أنه سبحانه يعلم كلَّ ما غاب في السماوات والأرض، ولا يعلم ذلك أحدٌ سواء جلَّ وعلا ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره عزَّ شأنُه ﴿يُرْجَعُ اٌلْأَمْرُ﴾ أي: الشأن ﴿كُلُّهُ﴾ فيرجع لا محالةَ أمُرُك وأمرُهم إليه. وقرأ أكثرُ السبعة: ((يَرْجِعُ)) بالبناء للفاعل(٤)، مِن رَجَع رجوعاً. ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فإنه سبحانه كافيك، والفاءُ لترتيب الأمر بالعبادة والتوُلِ على كونِ مَرْجِعِ الأمورِ كلُّها إليه. وقيل: على ذلك، وكونِه تعالى عالماً بكلِّ غيب أيضاً. (١) في الحاشية ١٥٠/٥-١٥١ . (٢) ينظر كلامه ٣٧٨/١١ و١٣٧/١٢. (٣) في (م): عنه، وهو تصحيف. (٤) التيسير ص١٢٦، والنشر ٢٠٨/٢، وقرأ نافع وحفص: ((يُرْجَع)). سُوَلاَ هُود! ١٧٠ التفسير الإشاري (١٠٥-١٢٣) وفي تأخير الأمر بالتوكّل عن الأمر بالعبادة تنبيهٌ على أنَّ التوُّل لا ينفع دونَها، وذلك لأن تقدُّمه في الذِّكر يُشعر بتقدُّمه في الرُّتبة أو الوقوع. وقيل: التقديمُ والتأخير لأنَّ المراد من العبادة امتثالُ سائر الأوامر من الإرشاد والتبليغ وغيرِ ذلك؛ ومن التوّل التوّلُ فيه، كأنَّه قيل: امتثلْ ما أُمرتَ به، وداوِمْ على الدَّعوة والتبليغ، وتوكّل عليه في ذلك، ولا تُبالِ بالذين لا يؤمنون، ولا يَضِقْ صدرُك منهم. · بتاء الخطاب على تغليبِ المخاطب، وبذلك ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٣) قرأ نافع وابن عامر وحفصٌ وقتادةُ والأعرجُ وشيبةٌ وأبو جعفرٍ والجحدريُّ(١)، أي: وما ربُّك بغافل عمَّا تعملُ أنتَ وما يعملون هم، فيجازي كلّ منك ومنهم بموجبٍ الاستحقاق. وقرأ الباقون من السبعة بالياء على الغيبة، وذلك ظاهر. هذا وفي ((زوائد الزُّهد)) لعبد الله بن أحمدَ بنِ حنبل، و((فضائل القرآن)) لابن الضُّرَيس عن كعب أنَّ فاتحةَ التوراة فاتحةُ ((الأنعام)) وخاتمتَها خاتمةُ ((هود)»: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة(٢)، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ﴾ كاملُ الشقاوة، ومنهم سعيدٌ كاملُ السعادة. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ﴾ أي: نارٍ الحرمان عن المرادِ، وآلام ما اكتسبوه من الآثام وهو عذابُ النفس ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَثُ وَالْأَرْضُ إِلََّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ فَيُخرجون من ذلك إلى ما هو أشدُّ منه، من نيرانِ القلب وذلك بالسّخطِ والإذلال، ونيرانِ الرُّوح وذلك بالحجْبِ واللَّعن والقهر ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّلٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ لا حجرَ عليه سبحانه. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَّةِ﴾ أي: جنَّةٍ حصول المرادات واللذَّات، وهي جثَّةُ (١) التيسير ص١٢٦، والنشر ٢٣/٢، والبحر ٢٧٥/٥، وهي قراءة يعقوب من العشرة. (٢) الدر المنثور ٣٥٧/٣، وهو في فضائل القرآن لابن الضريس ص٩٥. سُؤٌوَلاَ هُود ١٧١ التفسير الإشاري (١٠٥-١٢٣) النفس ﴿خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْشُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ﴾ فيخرجون من ذلك إلى ما هو أعلى وأعلى من جنَّات القلب في مقام تجلِّيات الصِّفات، وجنَّاتِ الرُّوح في مقام الشهود، وهناك ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌّ سمعت ولا خطر على قلبٍ بشر. وقد يُحمل التنوينُ على النوعية ويؤوَّل الاستثناءُ بخروج الشقيِّ من النار بالترقِّي من مقامِهِ إلى الجنَّة بزكاء نفسِه عمَّا حالَ بينَه وبينها . ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: في القيام بحقوقِ الحقِّ والخلق، وذلك بالمحافظة على حقوقِه تعالى والتعظيم لأمره والتسديدِ لِخَلْقِه، مع شهود الكثرة في الوحدة والوحدةِ في الكثرة من غير إخلالٍ مّا بشرطٍ من شرائط التعظيم ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ عن إنيته وذنبٍ وجوده ﴿مَعَكَ﴾ من المؤمنين الموحّدين إلى مقام البقاء بعد الفناء. وقيل: إنَّ الاستقامةَ المأمورَ بها بَّهِ فوقَ الاستقامة المأمورِ بها مَنْ معه عليه الصلاة والسلام، والعطفُ لا يقتضي أكثرَ من المشاركة في مطلَقِ الفعل كما يُرْشِدُ إليه قولُه تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ، لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَالْمَلَتَكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ﴾ [آل عمران: ١٨] على قول، ومن هنا قال الجنيد قدِّس سرُّه: الاستقامةُ مع الخوف والرجاء حالٌ العابدين، والاستقامةُ مع الهيبة والرجاء حالُ المقرَّبين، والاستقامةُ مع الغيبة عن رؤية الاستقامةِ حالُ العارفين. ﴿وَلَا تَطْفَوْ﴾ ولا تخرجوا عمَّا حُدَّ لكم من الشريعة؛ فإنَّ الخروج عنها زندقةٌ. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ أي: لا تَميلوا أدنى ميلٍ ﴿إِلَى الَّذِيْنَ ظَلَمُواْ﴾ وهي النفوسُ المظلمةُ المائلةُ إلى الشرورِ في أصل الخِلْقَة، كما قيل: الظلم من شِيَمِ النُّفوس فإِنْ تجدْ ذا عِنَّة فلعلَّةٍ لا يَظْلِمُ(١) وروي ذلك عن عليّ بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر وقيل: المعنى: لا تقتدوا بالمُرائين والجاهلين وقرناءٍ (٢) السوء. وقيل: لا تَصْحَبوا الأشرارَ ولا تُجالسوا أهل البدع. (١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢٥٣/٤، ووقع في الأصل و(م): لم يظلم. (٢) في الأصل: وقراء. سُؤَةُ هُودٍ ١٧٢ التفسير الإشاري (١٠٥- ١٢٣) ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّارِ وَزُلَغَا مِّنَ الَّيْلِ﴾ أمرٌ بإقامة الصَّلاة المفروضة على ما علمتَ، وقد ذكروا أنَّ الصلاة معراجُ المؤمن، وفي الأخبار ما يدلُّ على علوٍّ شأنها، والأمرُ غني عن البيان. ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّانِ﴾ قال الواسطي: أنوارُ الطاعات تَذْهَبُ بِظُلَم المعاصي. وقال يحيى بن معاذ: إنَّ الله سبحانه لم يرضَ للمؤمن بالذَّنب حتى ستَر، ولم يرضَ بالسَّتْر حتى غَفَر، ولم يرضَ بالغفران حتى بدَّل، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر من إقامة الصَّلاة في الأوقات المشارِ إليها، وإذهابٍ الحسنات السيئات، ﴿ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ تذكيرٌ لمن يذكرُ حاله عند الحضورِ مع الله تعالى في الصفاءِ والجمعية والأُنس والذّوق. ﴿وَأَصْبِرْ﴾ بالله سبحانه في الاستقامة، ومع الله تعالى بالحضور في الصلاة وعدمِ الرُّكون إلى الغير ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَخْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يشاهدونه في حال القيام بالحقوق. ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ اَلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ بَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ فیہ حضّ على الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ قيل: ((القرى)) فيه إشارةٌ إلى القلوب و((أهلها)) إشارةٌ إلى القُوى. ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَِدَةٌ﴾ متساويةً في الاستعداد، مثَّفقةً على دِين التوحيد ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الوجهة والاستعداد ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ بهدايتِه إلى التوحيد وتوفيقه للكمال، فإنهم متَّفقون في المذهب والمقصد، متوافقون في السِّيرة والطّريقة، قبلتُهم الحقُّ، ودينُهم التوحيد والمحبَّةُ وإن اختلفتْ عباراتُهم، كما قيل: عباراتُنا شئَّى وحسنُك واحدٌ وكلٌّ إلى ذاك الجمالِ يُشيرُ(١) (١) ذكره الزركشي في البرهان ١٦٠/٢. سُؤَدُّ هُود ١٧٣ التفسير الإشاري (١٠٥-١٢٣) ﴿وَلِذَلِكَ﴾ الاختلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾، وذلك ليكونوا مظاهرَ جمالِهِ وجلالِه ولطفِه وقهرِهِ. وقيل: ليتمَّ نظامُ العالم ويحصلَ قوامُ الحياة الدنيا . ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ﴾ أي: أُحكِمتْ وأُبرمت ((لأملأنَّ جهنم من الجِنَّة والنَّاس أجمعين)) لأنَّ جهنَّمَ رتبةٌ من مراتبِ الوجود لا يجوزُ في الحكمة تعطيلُها وإبقاؤها في كتم العدمٍ مع إمكانها . ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَّكَ مِنْ أَنْبَآءِ الرُّسُلِ مَا نُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكْ﴾ لِمَا اشتملتْ عليه من مُقاساتهم الشدائدَ من أممهم، مع ثباتهم وصبرِهم وإهلاكِ أعدائهم. ﴿وَجََّ فِىِ هَذِهِ﴾ السورةِ ﴿الْحَقُّ﴾ الذي لا ينبغي المحيدُ عنه ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وتخصيصُ هذه السورة بالذِّكر لِمَا أشرنا إليه، وقيل: للتشريف، وإلا فالقرآنُ كلُّه كذلك، والكلُّ يَغْرِفُ من بحرِهِ على ما يوافقُ مشْربه، ومن هنا قيل: العمومُ متعلِّقون بظاهره، والخصوصُ هائمون بباطنه، وخصوصُ الخصوصِ مستغرقون في تجلِّي الحقِّ سبحانه فيه. ﴿وَلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ﴾ على اختلافِ معانيها ﴿وَالْأَرْضِ﴾ كذلك ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ أي: كلُّ شأنٍ من الشؤون، فإنَّ الكلَّ منه ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ أسقِظْ عنك حظوظَ نفسِك وقِفْ مع الأمر بشرط الأدب ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ﴾ لا تهتمَّ بما قد كُفِيْتَه واهتمَّ بما نُدِبْتَ إليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلَّ حَسْبَما تقتضيه الحكمةُ. والله تعالى وليُّ التوفيق، وبيدِه أَزِمَّةُ التحقيقِ، لا ربَّ غيرُه ولا يُرجى إلَّا خیرُه. انتهى ما وفِّقنا له من تفسير سورة هود بمنٌّ مَنْ بيده الكرمُ والجودُ، ونسأله سبحانَه أن يُيسِّر لنا إتمامَ ما قَصَدْناه، ويوفِّقَنا لفَهْم معاني كلامِه على ما يحبُّه ويرضاه، والحمدُ لله حقَّ حمدِهِ، والصَّلاة والسلام على مَن لا نبيَّ من بعدِه، وعلى آله وصحبه وجندِه وحزبه، ما غرَّدت الأقلامُ في رياض التَّحرير، ووَرَدَت الأفهامُ من حياضٍ التفسير. سُورَةُ يُوسُفَ عليه السلام مكيةٌ كلُّها على المعتمد، وروي عن ابن عباس وقتادةَ أنهما قالا: إلَّا ثلاثَ آياتٍ من أوَّلها. واستثنى بعضُهم رابعةً، وهي قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَقِ مَايَتٌ لِلِسَّآَيِلِينَ ﴾﴾ وكلُّ ذلك واهٍ جدًّا لا يُلتفتُ إليه، وما اعتمدناہ کغيرنا هو الثابتُ عن الحبر، وقد أخرجه النحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عنه(١)، وأخرجه الأخير عن ابن الزبير(٢)، وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الحاكم وصحَّحه عن رفاعة بن رافع من حديثٍ طويل يحكي فيه قدومَ رافعٍ مكةً وإسلامه وتعليم رسول الله وَله إياه هذه السورة، و(اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيْكَ)(٣). وآيها مئةٌ وإحدى عَشْرةَ آيَةً بالإجماع على ما نُقل عن الداني وغيره. وسببُ نزولها على ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنزل القرآن على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتلاه على أصحابه زماناً، فقالوا: يا رسول الله، لو قصَصْتَ علينا. فنزلت(٤). (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٧٤/٢، وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه السيوطي في الدر ٤/ ٢. (٢) الدر المنثور ٢/٤. (٣) المستدرك ١٤٩/٤ من طريق يحيى بن محمد المدني الشجري، عن عبد بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: يحيى الشجري صاحب مناکیر. اهـ. (٤) أخرجه ابن حبان (٦٢٠٩)، وأبو يعلى (٧٤٠)، والبزار (٣٢١٨)، والحاكم ٣٤٥/٢، وصححه . ١٧٥ سُورَةٌ تُوسُفَ وقيل: هو تسليةُ الرسولِ وَّهِ عمَّا يفعلُه به قومُه بما فعلتْ إخوةُ يوسفَ عليه السلام به. وقيل: إنَّ اليهود سألوه و ﴿ أن يحدِّثهم بأمر يعقوب وولدِه، وشأنٍ يوسفَ وما انتهى إليه، فنزلت. وقيل: إنَّ كفار مكة أمرتهم اليهودُ أن يسألوا رسول الله وَلير عن السبب الذي أحلّ بني إسرائيل بمصر، فسألوه فنزلت. ويُبْعِدُ القولين الأخيرين فيما زعموا ما أخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس أنَّ حبراً من اليهود دخل على رسول الله وَج فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف، فقال: يا محمد مَن علَّمَكها؟ قال: ((اللهُ علَّمنيها)) فعَجِبَ الحبرُ لِمَا سمع منه، فرجع إلى اليهود فقال لهم: والله إنَّ محمداً ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة! فانْطَلقَ بنفرٍ منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة، ونظروا إلى خاتم النبوَّة بين كتفيه، فجعلوا يستمعون إلى قراءة سورة يوسف، فتعجَّبوا وأسلموا عند ذلك(١). وفي القلب من صحة الخبر ما فيه . ووجهُ مناسبتها للتي قبلها اشتمالُها على شرح ما قاساه بعضُ الأنبياء عليهم السلام من الأقارب، وفي الأُولى ذِكْرُ ما لقُوا من الأجانب. وأيضاً قد وقع فيما قبلُ: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقوله سبحانه: ﴿رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] ووقع هنا حالُ يعقوب مع أولاده وما صارت إليه عاقبةُ أمرهم مما هو أقوى شاهدٍ على الرحمة. وقد جاء عن ابن عباس وجابر بن زيد أن ((يونس)) نزلت، ثم ((هود)) ثم (يوسف))، وعُدَّ هذا وجهاً آخَر من وجوه المناسبة. (١) دلائل النبوة ٢٧٦/٦، والكلبي قال عنه الجوزجاني وغيره: كذاب. وقال الدارقطني وجماعة: متروك. الميزان ٥٥٩/٣. سُوَاُلُوسُفَ ١٧٦ الآية : ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَرْ﴾ الكلامُ فيه وفي نظائره شهيرٌ، وقد تقدَّم لك منه ما فيه إقناعٌ، والإشارةُ في قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِ﴾ إليه في قولٍ، وإلى آياتِ هذه السورة في آخر، وأُشيرَ إليها مع أنها لم تُذْكَر بعدُ لتنزيلها لكونها مترقَّةً منزلةَ المتقدِّم، أو لجعل حضورها في الذهن بمنزلةِ الوجود الخارجيّ. والإشارةُ بما يُشار به للبعيد: أمَّا على الثاني فلأنَّ ما أُشير إليه لَمَّا لم يكن محسوساً نزِّل منزلةَ البعيد لبُعْدِه عن حيِّز الإشارة أو لعظمِهِ (١) ويُعْدِ مرتبته، وعلى غيره لذلك أو لأنه لَمَّا وصل من المرسِل إلى المرسَلِ إليه صار كالمتباعد. وزعم بعضهم أنَّ الإشارة إلى ما في اللوحِ، وهو بعيد، وأبعدُ من ذلك كونُ الإشارة إلى التوراة والإنجيل، أو الآيات التي ذُكرت في سورة هود. والمرادُ بالكتاب إما هذه السورةُ أو القرآن. وقد تقدَّم لك في ((يونس)) ما يؤنِسُكَ تذُرُه هنا، فتذكَّرْ. ﴿الْمُِينِ ﴾﴾ من أَبان بمعنى بان، أي: ظهر، فهو لازمٌ، أي: الظاهر أمرُه في كونه من عند الله تعالى وفي إعجازه، أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا تَشْتَبِهُ عليهم حقائقُه، ولا تلتبِسُ عليهم دقائقُه، وكأنه على المعنيين حُذِفَ المضافُ وأقيمَ المضافُ إليه مقامه فارتفع واستتر، ولا يُعدُّ هذا من حَذْفِ الفاعل المحظور، فلا حاجةً إلى القول بأنَّ الإسناد مجازيٌّ فراراً منه. أو بمعنى بيَّن بمعنى أَظْهَرَ، فهو متعدٍّ والمفعولُ مقدَّرٌ، أي: المُظْهِر ما فيه هدى ورشدٌ، أو ما سَألتْ عنه اليهود(٢)، أو ما أَمَرَتْ أن تُسألَ عنه من السبب الذي أحلَّ بني إسرائيل بمصر، أو الأحكامَ والشرائعَ وخفايا الملك والملكوت وأسرارَ النشأتين، وغير ذلك من الحِكم والمعارف والقصص. (١) في (م): العظمة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٥١/٥، والكلام منه. (٢) جاء في هامش الأصل و(م): وفي الكلام على هذا براعة استهلال فافهم. اهـ منه. الآية : ٢ ١٧٧ سُوَلُ لُوسُفَ وعن ابن عباس ومجاهد الاقتصارُ على الحلال والحرام وما يُحتاج إليه في أمر الدین. وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذٍ رَُّه أنه قال في ذلك: بيَّن الله تعالى فيه الحروفَ التي سقطت عن أَلْسُنِ الأعاجم، وهي ستة أحرف: الطاء، والظاء، والصاد، والضاد، والعين، والحاء المهملتان. والمذكورُ في ((الفرهنك)) وغيره من الكتب المؤلّفة في اللغة الفارسية أنَّ الأحرف الساقطة ثمانيةٌ، ونَظَم ذلك بعضُهم فقال: هَشْتْ حَرْفَسْتْ أَنْكه أَنْدَرْ فارسي نايُذْهَمِي تَانَيَاموزِي نَبَاشِي أَنْدَرِین مَعْنى معَافْ بشنو أكنون تاكدَامَ اسْتْ آن حُرُوفِ ويَادْ کِیْرْ ثاوحا وصاد ضاد وطا وظا وعين وقاف ومع هذا فالأمرُ مبنيٌّ على الشائع الغالب، وإلَّا فبعضُ هذه الأحرف موجودٌ في بعض كلماتهم كما لا يخفى على المتتبّع. ولعل الوصف على الأقوال الأُوَلِ أَمْدَحُ منه على القول الأخير، والظاهرُ أنَّ ذلك وصفٌ له باعتبار الشرف الذاتيّ، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَّهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ وصفٌ له باعتبار الشرف الإضافي، وضميرُ الغائب للكتاب السابق ذكرُه، فإنْ كان المراد به القرآنَ كلَّه كما هو الظاهر المناسبُ للحال فذاك، وإن كان المرادُ به هذه السورةَ، فتسميتُه قرآناً لأنه اسمُ جنسٍ يقع على الكثير والقليل، فكما يطلق على الكلِّ يطلق على البعض، نعم إنه غلب على الكلِّ عند الإطلاق معرَّفاً لتبادُرِه، وهل وصل بالغلبة إلى حدِّ العَلَمية أوْ لا؟ فيه خلافٌ، وإلى الأوَّل ذهب البيضاويُّ قدِّسَ سرُّهُ(١) فتلزمُه الألف واللام، ومع ذلك لم يُهْجَرِ المعنى الأول، ووقع في كتب الأصول أنه وضع تارةً للكلِّ خاصةً، وأخرى لِمَا يعمُّه والبعضَ، أعني الكلامَ المنقول في المصحف تواتراً. ونُظِرَ فيه بأنَّ الغلبة ليس لها وضعٌ ثانٍ، وإنما هي تخصيصٌ لبعض أفراد الموضوع له، ولذا لزمَتِ العَلَمَ بها اللامُ أو الإضافةُ، إلا أنْ (١) في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٥٢/٥. الآية : ٢ ١٧٨ سُؤَدَُّ لُوسُفَ يُدَّعَى أنَّ فيها وضعاً تقديريًّا، كذا قيل، وممن صرَّح بأنَّ التعيين بالغلبة قسيمٌ للتعيين بالوضع العلّامةُ الزرقانيُّ وغيره، لكنْ تَعقَّبه الحمصيُّ فقال: إنَّ دلالة الإعلام بالغلبة على تعيين مسمَّاها بالوضع وإن كان غيرَ الوضع الأول، فليتأمَّل. وعن الزجَّاج وابنِ الأنباريِّ أنَّ الضمير لنبأ يوسف(١)، وإن لم يذكر في النظم الکریم. وقيل: هو للإنزال المفهوم من الفعل، ونَصْبُه على أنه مفعولٌ مطلقٌ، و((قرآناً)» هو المفعولُ به. والقولان ضعيفان كما لا يخفى. ونصب ((قرآناً)) على أنه حالٌ وهو بقَطْع النظر عمَّا بعده وعن تأويله بالمشتقِّ حالٌ موظّئةٌ للحال التي هي ((عربيًّا))، وإن أوِّل بَالمشتقِّ - أي: مقروءاً - فحالٌ غيرُ موطئة، و((عربيًّا)) إما صفتُه على رأي مَن يجوِّز وصفَ الصفة، وإما حالٌ من الضمير المستتر فيه على رأي مَن يقول بتحمُّل المصدر الضميرَ إذا كان مؤوَّلاً باسم المفعول مثلاً . وقيل: ((قرآناً)) بدلٌ من الضمير، و((عربيًّا)) صفتُه، وظاهرُ صنيع أبي حيان يقتضي اختيارَه(٢). ومعنى كونه عربيًّا أنه منسوبٌ إلى العرب باعتبار أنه نزل بلغتهم، وهي لغةٌ قديمة؛ أخرج ابن عساكر في ((التاريخ)) عن ابن عباس: أنَّ آدم عليه السلام كان لغتُه في الجنة العربيةَ، فلمَّا أكل الشجرةَ سُلِبَها فتكلّم بالسريانية، فلمَّا تاب ردَّها الله تعالى عليه(٣). وقال عبد الملك بن حبيب(٤): كان اللسانُ الأولُ الذي هبط به آدم عليه السلام من الجنة عربيًّا، إلى أنْ بَعُدَ وطال العهدُ حرِّف وصار سريانيًّا، وهو منسوبٌ إلى أرض سورية وهي أرضُ الجزيرة، وبها كان نوحٌ عليه السلام وقومُه قبل الغرق، وكان يشاكلُ اللسانَ العربيَّ إلا أنه محرَّفٌ، وكان أيضاً لسانَ جميع مَن في السفينة (١) معاني القرآن للزجاج ٨٧/٣، وذكره عنه وعن ابن الأنباري أبو حيان في البحر ٢٧٧/٥. (٢) النهر الماد من البحر ٢٧٦/٥، والبحر ٢٧٧/٥، ولعل قَصْد المصنف من قوله: وظاهر صنيع أبي حيان ... ، أن أبا حيان لم يذكر في النهر غير البدلية، وقد ذكر في البحر القولين: البدلية والحالية، دون اختيارٍ لأيٍّ منهما. (٣) تاريخ ابن عساكر ٤٠٦/٧ -٤٠٧. (٤) كما في المزهر للسيوطي ١/ ٣٠-٣١، وما سيأتي بين حاصرتين منه. الآية : ٢ ١٧٩ سُورَ ةُ لُوسُفَا إلا رجلاً واحداً يقال له: جرهم، فإنه كان لسانُه العربيَّ الأولَ، فلمَّا خرجوا من السفينة تزوَّج إرمُ بنُ سام بعضَ بناته وصار اللسانُ العربيُّ في ولده عوص أبي عاد وعبيل، وجائر أبي ثمود وجديس، وسمِّيت عادٌ باسم جرهم لأنه كان جدَّهم من الأمّ، وبقي اللسانُ السريانيُّ في ولد أرفخشد بن سام إلى أن وصل إلى [يشجب بن] قحطان من ذريته وكان باليمن، فنزل هناك بنو إسماعيل عليه السلام فتعلَّم منهم بنو قحطان اللسانَ العربيَّ. وقال ابن دحيةً(١): العربُ أقسام: الأول عاربةٌ وعرباءُ وهم الخلَّص، وهم تسعُ قبائل من ولد إرم بن سام بن نوح، وهي عاد، وثمود، وأميم، وعبيل، وطسم، وجديس، وعمليق، وجرهم، ووبار، ومنهم تعلَّم إسماعيلُ عليه السلام العربيةَ. والثاني المتعرِّبة؛ قال في ((الصحاح): وهم الذين ليسوا بخلَّصٍ(٢)، وهم بنو قحطان. والثالث المستعربةُ، وهم الذين ليسوا بخلَّصٍ أيضاً، وهم بنو إسماعيل، وهم ولدُ معد بنِ عدنان بن أدد. اهـ. وقال ابن دريد في ((الجمهرة)): العربُ العاربةُ سبعُ قبائلَ: عاد، وثمود، وعمليق، وطسم، وجديس، وأميم، وجاسم، وقد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرِّقين من القبائل، وأولُ مَن انْعدَلَ لسانُه عن السريانية إلى العربية يعرب بن قحطان(٣). وهو مرادُ الجوهريِّ بقوله: إنه أولُ مَن تكلّم بالعربية (٤). واستدلَّ بعضُهم على أنه أولُ مَن تكلّم بها بما أخرجه ابن عساكر في ((التاريخ)) بسندٍ رواه عن أنس بن مالك موقوفاً - ولا أراه يصحُّ - ذَكَر فيه تَبلْبُلَ الألسنة ببابل، وأنه أولُ مَن تكلّم بالعربية(٥) . (١) مجد الدين، أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي، وكان يذكر أنه من ولد دحية ﴿ه، كان بصيراً بالحديث حسن الخط، معروفاً بالضبط، له حَظّ وَافٍ من اللغة ومشاركة في العربية، توفي سنة (٦٣٣هـ). سير أعلام النبلاء ٣٨٩/٢٢. ونقل المصنف كلامه من المزهر ٣١/١. (٢) الصحاح (عرب)، والكلام من المزهر ٣١/١. (٣) جمهرة اللغة ٢٦٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في المزهر ٣١/١-٣٢. (٤) الصحاح (عرب)، والمزهر ٣٢/١. (٥) تاريخ ابن عساكر ٣٥٤/١، والمزهر ٣٢/١. سُوَةٌ تُوسُفَ ١٨٠ الآية : ٢ وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) وصححه، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) من طريق سفيان الثوريِّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﴿م، أنَّ رسول الله وَّ﴿ تلا هذه الآية (إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) إلخ ثم قال: ((أُلهم إسماعيل عليه السلام هذا اللسان العربيَّ إلهاماً)) (١). وقال الشيرازيُّ في كتاب ((الألقاب)): أخبرنا أحمد بن إسماعيل المعداني(٢)، أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق الماشي، حدثنا محمد بن جابر، حدثنا أبو يوسف بن السكيت قال: حدثني الأثرم، عن أبي عبيدة، حدَّثنا مسمع بن عبد الملك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه رضي الله عنهم أجمعين، عن النبيِّ بَّه قال: ((أولُ مَن فُتَق لسانه بالعربية المبينةِ إسماعيل عليه السلام، وهو ابن أربعَ عَشْرَةَ سنةً))(٣). ورُوي أيضاً عن ابن عباس أنَّ إسماعيل عليه السلام أولُ مَن تكلَّم بالعربية المحضة. وأُريدَ بذلك - على ما قاله بعضُ الحفّاظ - عربيةُ قريش(٤) التي نزل بها القرآن، وإلّا فاللغةُ العربيةُ مطلقاً كانت قبل إسماعيل عليه السلام، وكانت لغةً حمير وقحطان. وقال محمد بن سلام: أخبرني يونس عن أبي عمرو بن العلاء قال: العربُ كلُّها ولدُ إسماعيل إلا حمير وبقايا جرهم، وقد جاوَرَهم وأَصْهَر إليهم(٥) .. وذكر ابنُ كثير(٦) أنَّ من العرب مَن ليس من ذريته كعادٍ وثمودَ وطَسْمٍ وجَدِیسٍ (١) المستدرك ٤٣٩/٢، والشعب (١٦٢٠)، والمزهر ٣٣/١، والكلام منه. وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: مدار الحديث على إبراهيم بن إسحاق العسيلي وكان ممن يسرق الحدیث. (٢) في الأصل و(م): المداني، والمثبت من المزهر ٣٤/١. (٣) المزهر ٣٤/١، وعزاه السيوطي أيضاً في الجامع الصغير كما في فيض القدير ٢/ ٩٢ الشيرازي في الألقاب من حديث علي ، ورمز لحسنه، وأخرجه من حديث علي أيضاً الزبير بن بكار في النسب بإسناد حسن كما قال ابن حجر في الفتح ٤٣/٣. وعزاه المناوي للطبراني والديلمي من حديث ابن عباس ونقل عن ابن حجر قوله: وإسناده حسن. (٤) جاء في هامش الأصل و(م): وصححوا أن العربية المحضة كانت بتوقيف منه تعالى لإسماعيل عليه السلام. اهـ منه. (٥) طبقات فحول الشعراء ٩/١، والمزهر ٣٣/١. (٦) في البداية والنهاية ١٠٠/٣-١٠٢، ونقله المصنف بواسطة السيوطي في المزهر ٣٣/١-٣٤.