Indexed OCR Text
Pages 141-160
الآية : ١١٣ ١٤١ سُؤَةٌ هُود وإلى التفسير الثاني - وما أصعبه على الناس اليوم بل في غالب الأعاصير من تفسيرٍ - ذهبَ أكثرُ المفسِّرين، قالوا: وإذا كان حالُ الميل في الجملة إلى مَن وُجِدَ منه ظلم ما في الإفضاء إلى مساسِ النار(١)، فما ظنُّك بمن يميلُ إلى الراسخين في الظلم كلَّ الميل، ويتهالك على مصاحبتهم ومنادَمَتِهم، ويُتُعبُ قلبَه وقالبه في إدخال السرور عليهم، ويستنهضُ الرَّجِلَ والخيلَ في جلب المنافع إليهم، ويبتهجُ بالتزِّي بزيِّهم والمشاركةِ لهم في غيِّهم، ويمدُّ عينه إلى ما مُتِّعوا به من زهرةِ الدنيا الفانية، ويغبطُهم بما أوتوا من القطوف الدانية، غافلاً عن حقيقة ذلك، ذاهلاً عن منتهى ما هنالك؟ وينبغي أن يعدَّ مثلُ ذلك من الذين ظلموا لا من الراكنين إليهم بناءً على ما روي أنَّ رجلاً قال لسفيان: إنِّي أَخيطُ للَّلَمة، فهل أُعَدُّ مِنْ أعوانهم؟ فقال له: لا، أنت منهم، والذي يبيعُك الإبرةَ من أعوانهم. وما أحسنَ ما كتبه بعضُ الناصحين للزهريِّ حين خالط السلاطين، وهو: عافانا الله تعالى وإِيَّاك أبا بكرٍ من الفتن، فقد أصبحتَ بحالٍ ينبغي لمن عرفكَ أن يدعوَ لك الله تعالى ويرحمَك، أصبحتَ شيخاً كبيراً، وقد أثقلتْكَ نِعَمُ الله تعالى بما فَهَّمك من كتابه، وعلَّمك من سنَّة نبيِّك ◌َّله، وليس كذلك أَخَذَ الله تعالى الميثاقَ على العلماء، قال سبحانه: ﴿لَتُّبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] واعلم أنَّ أيسرَ ما ارتكبتَ، وأخفَّ ما احتملتَ أنَّك آنستَ وحشةَ الظالم، وسهَّلْتَ سبيلَ الغيِّ بدنوِّك مِمَّن لم يؤدِّ حقًّا ولم يترك باطلاً حین أدناك، اتخذوك قطباً تدور علیك رحی باطلهم، وجسراً یعبرون علیك إلی بلائھم، وسُلَّماً يصعدون فیك إلى ضلالهم، يُدخلون الشكَّ بكَ على العلماء، ويقتادون بك قلوبَ الجهلاء، فما أيسرَ ما عَمَروا لك في جنبٍ ما خربُوا عليك، وما أكثرَ ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنُك أن تكونَ مِمَّن قال الله تعالى فيهم: ﴿َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الضَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَنِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] فإنَّكَ تُعامل مَن لا يجهل، ويحفظ عليك مَن لا يغفلْ، فداوِ دينَكَ فقد دخلَه سقمٌ، وهيِّئ زادكَ فقد حضر السفرُ البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام(٢). (١) في (م): إلى مساس الناس النار. (٢) أخرجه مطولاً أبو نعيم في الحلية ٢٤٦/٣، وصاحب الرسالة هو أبو حازم الأعرج، ونقلها المصنف عن الكشاف ١٩٦/٢ . سُوَةُ هُود ١٤٢ الآية : ١١٣ وعن الأوزاعيِّ: ما من شيء أبغضُ إلى الله تعالى من عالم يزور عاملاً. وعن محمد بن سلمة: الذَّباب على العذرةِ أحسنُ من قارئٍ على باب هؤلاء. وفي الخبر: مَن دعا لظالمٍ بالبقاء فقد أحبَّ أنْ يُعصَى اللهُ تعالى في أرضه (١). ولعمري إنَّ الآية أبلغُ شيءٍ في التحذير عن الّلمة والظلم، ولذا قال الحسن: جُمِعَ الدِّين في لاءين، يعني ((لا تطغوا)) و((لا تركنوا)). ويُحْكَى أنَّ الموفَّق أبا أحمد طلحةَ العباسي(٢) صلَّى خلف الإمام، فقرأ هذه الآيةَ، فغُشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: هذا فيمَنْ ركن إلى مَن ظَلَم، فكيف الظالم؟ هذا وخطابُ النبيِّ وَّهِ ومَن معه من المؤمنين بهذين النهْيَيْن بعد الأمر بالاستقامة للتثبيت عليها، وقد تُجعل تأكيداً لذلك إذا كان المرادُ به الدَّوامَ والثبات. وعن أبي عمرو أنه قرأ: ((تِرْكَنوا)) بكسرِ التاء على لغة تميم (٣). وقرأ قتادة وطلحةُ والأشهبُ، ورُوِيَتْ عن أبي عمرو: ((تركُنوا)) بضمِ الكاف(٤)، مضارع رَكَن بفتحها، وهي على ما في ((البحر)) لغةُ قيسٍ وتميم، وقال الكسائيُّ: إنَّها لغةُ أهل نجدٍ. وشدَّ (يَرَكَن)) بالفتح مضارع رَكَن كذلك(٥). وقرأ ابن أبي عبلة: ((ولا تُركَنوا)) مبنيًّا للمفعول(٦)، من أرْكَتَه إذا أماله. (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥٣/٧-٥٤ من قول سفيان الثوري، و٢٤٠/٨ من قول يوسف بن أسباط، وأخرجه البيهقي في الشعب (٩٤٣٢) من قول الحسن. (٢) ابن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي، أخو الخليفة المعتمد، ووالد أمير المؤمنين المعتضد، توفي سنة (٢٨٧هـ). السير ١٦٩/١٣. (٣) البحر ٢٦٩/٥، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦١ عن يحيى بن وثاب. والمشهور عن أبي عمرو القراءة بفتح التاء كقراءة الجمهور. (٤) القراءات الشاذة ص ٦١، والمحتسب ٣٢٩/١، والبحر ٢٦٩/٥. (٥) البحر ٢٦٩/٥. (٦) البحر ٢٦٩/٥، وهي في القراءات الشاذة ص٦١ عن أبي حيوة. الآية : ١١٣ ١٤٣ سُؤََّلُ هُود! وقراءة الجمهور: ((تَرْكَنوا)) بفتح الكاف، والماضي ((رَكِنَ)) بكسرها، وهي لغة قريش، وهي الفصحى على ما قال الأزهريُّ(١). وقرأ ابنُ وثَّاب وعلقمة والأعمش وابنُ مصرِّفٍ، وحمزةُ فيما يروى عنه: (فِتِمَسَّكم)) بكسر التاء على لغة تميم أيضاً (٢). ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ من أنصارٍ يمنعون العذابَ عنكم، والمراد نفيُ أن يكونَ لكلِّ نصيرٌ، والمقامُ قرينةٌ على ذلك. والجملةُ في موضع الحال من ضمیر (تمسّکم)). (٣)﴾ من جهتِّه تعالى إذ قد سبق في حُكْمِه تعالى أن يعذِّبَكم ﴿ثُمَّ لَا نُصَرُونَ بركونِكم إليهم ولا يُبْقي عليكم. و((ثم)) قيل: لاستبعاد نَصْرِه سبحانه إيَّاهم وقد اوعدهم العذابَ علی ذلك، وأوجبه لهم. وتُعقِّب بأنَّ أثر الحرف إنما هو في مدخولِهِ، ومدخولُ ((ثم)) عدمُ النُّصرة وليس بمستبعَدٍ، وإنما المستَبْعد نصرُ الله تعالى لهم، فالظاهرُ أنَّها للتراخي في الرتبة؛ لأنَّ عدمَ نصر الله تعالى أشدُّ وأفظعُ من عدم نصرةٍ غيره. وأُجيب بما لا يخلو عن تكلُّف. وأيًّا ما كان فالمقامُ مقامُ الواو إلاَ أنَّه عدل عنها لما ذُكر. وجوَّز القاضي أن تكون منزَّلةً منزلةَ الفاء بمعنى الاستبعاد، فإنه سبحانه لَمَّا بَيَّن أنه معذِّبهم وأنَّ أحداً لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنَّهم لا يُنصرون أصلاً(٣). ووجّه ذلك بأنَّه كان الظاهرُ أن يؤتى بالفاء التفريعيةِ المقارنةِ للنتائج؛ إذ المعنى: إنَّ الله تعالى أوجب عليكم عقابَه ولا مانعَ لكم منه، فإذن أنتم لا تنصرون، فعدل عنه إلى العطف بـ ((ثم)) الاستبعادية إلى الوجه الذي ذكره، واستبعادُ الوقوع يقتضي النفي والعدم الحاصل الآن، فهو مناسبٌ لمعنى تسبُّب النفي، ودُفع بذلك ما قيل عليه: إنَّ الداخل على النتائج هي الفاءُ السببيَّة لا الاستبعاديَّة. ولا يخفى قوَّةُ الاعتراض. (١) في تهذيب اللغة ١٨٩/١٠. (٢) المحتسب ٣٣٠/١، والبحر ٢٦٩/٥. (٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ١٤٥، وما سيأتي هو من كلام الشهاب. ١٤٤ الآية : ١١٤ وفُرِّق بين وجهي الاستبعاد السابق والتنزيلِ المذكور بأنَّ المنفيَّ على الأوَّل نصرةُ الله تعالى لهم، وعلى الثاني مطلقُ النصرة. ﴿وَأَقِ اُلْضَلَوَةَ﴾ أي: المكتوبةَ، ومعنى إقامتها أداؤُها على تمامها. وقيل: المداومةُ عليها. وقيل: فعلُها في أوَّل وقتها . ﴿طَرَفِ النَّارِ﴾ أي: أوَّلَه وآخرَه، وانتصابُه على الظرفية لـ ((أقم)). ويضعَّف كونُه ظرفاً للصلاة، ووجهُ انتصابه على ذلك إضافته إلى الظرف. ﴿وَزُلَفَّا مِنَ الََّلِّ﴾ أي: ساعاتٍ منه قريبةً من النهار، فإنَّه من أزلفه: إذا قرَّبه. وقال الليث: هي طائفة من أوَّل الليل، وكذا قال ثعلبُ. وقال أبو عبيدةً والأخفشُ وابنُ قتيبة: هي مطلقُ ساعاته وآناؤه، وكلُّ ساعة زلفة، وأنشدوا للعجاج: ناجٍ طواه الأينُ مِمَّا وجفا طيَّ الليالي زُلَفاً فِزُلَفا سماوَةَ الهلالِ حتى احقَوقَفا (١) وهو عطفٌ على ((طرفي النهار))، و((من الليل)) في موضع الصِّفة له. والمراد بصلاة الطرفين؛ قيل: صلاة الصبح والعصر، وروي ذلك عن الحسن وقتادة والضحاك، واستظهر ذلك أبو حيَّان(٢) بناءً على أنَّ طرف الشيءٍ يقتضي أن يكون من الشيء، والتزم أنَّ أوَّل النهار من الفجر، وقد يطلق طرفُ الشيءٍ على الملاصق لأوَّله وآخرِه مجازاً، فيمكن اعتبارُ النهار من طلوع الشمس مع صحّة ما ذكروه في صلاة الطرف الأوَّل بجعل التثنيةِ هنا مثلَها في قولهم: القلمُ أحدٌّ اللسانين. إلا أنه قيل بشذوذٍ ذلك. (١) مجاز القرآن ٣٠٠/١، وتفسير غريب القرآن ص ٢١٠، والرجز في ديوان العجاج ص٤٢٦، وهو في وصف بعير، وقال الأصمعي شارح الديوان: الأين: الفترة. وطواه: أضمره. والوجيف: ضرب من السير. وزُلفاً فزلفاً، أي: منزلة بعد منزلة. وسماوة الهلال: شخصه. واحقوقف: اغْوَجّ. وينظر اللسان (زلف) و (سما). (٢) في البحر ٢٧٠/٥ . الآية : ١١٤ ١٤٥ سُدَلاً هُود وروي عن ابن عباس - واختاره الطبريُّ(١) - أنَّ المرادَ صلاةُ الصبح والمغرب، فإن كان النهارُ من أول الفجر إلى غروب الشمس فالمغربُ طرفٌ مجازاً، وهو حقيقةً طرفُ الليل، وإن كان من طلوع الشمس إلى غروبها، فالصبحُ كالمغرب طرفٌ مجازيٌّ. وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: الطرفُ الأوَّل الصبح، والثاني الظهر والعصر، واختار ذلك ابنُ عطية (٢)، وأنت تعلم أنَّ في جَعْلِ الظهر من الطرف الثاني خفاءً، وإنما الظهر نصفُ النهار، والنصفُ لا يسمَّى طَرَفاً إلا بمجاز بعيد. والمرادُ بصلاة الزلف عند الأكثر صلاةُ المغرب والعشاء، وروى الحسن في ذلك خبراً مرفوعاً (٣). وعن ابن عباس أنه فسَّر صلاة الزُّلف بصلاةِ العتمةِ، وهي ثلثُ الليل الأوَّل بعد غيبوبة الشَّفق، وقد تُطلقُ على وقتٍ صلاة العشاء الآخرة. وأغربَ مَن قال: صلاة الطرفين صلاةُ الظهر والعصر، وصلاةُ الزُّلف صلاةٌ المغرب والعشاء والصبح. وقيل: معنى ((زلفاً)): قُرَباً، وحقُّه على هذا - كما في ((الكشاف)) - أن يُعطف على الصلاة، أي: أَقم الصلاةَ طرفي النهار وأَقِمْ زُلفاً من الليل، أي: صلواتٍ تتقرَّب بها إلى الله عزَّ وجلَّ(٤). انتهى؛ قيل: والمرادُ بها على هذا صلاةُ العشاء والتهُجُّد، وقد كان واجباً عليه عليه الصلاة والسلام، أو العشاء والوتر على ما ذهب إليه أبو حنيفةَ رَظُه، أو المجموع كما يقتضيه ظاهرُ الجمع، وقد تُفسَّر بصلاة المغرب والعشاء، واختاره البعضُ. وقد جاء إطلاقُ الجمع على الاثنين فلا حاجةً إلى التزام أنَّ ذلك باعتبار أنَّ كلَّ ركعة قربةٌ فتحقَّق قربٌ فوقَ الثلاث فيما ذكر. وقرأ طلحةُ وابنُ أبي إسحاق وأبو جعفر: ((زُلُفاً)) بضمِّ اللام(٥)، إمّا على أنه جمعُ زلفة أيضاً، ولكن ضمَّت عينُهُ إنْباعاً لفائه، أو على أنَّه اسمٌ مفردٌ كعُنُق، أو جمع زَلِيف بمعنى زلفى، کرغيف ورُغُف. (١) في تفسيره ٦٠٣/١٢ و٦٠٥. (٢) في المحرر الوجيز ٢١٢/٣. (٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٦١٠، وهو من مراسيل الحسن. (٤) الكشاف ٢/ ٢٩٧. (٥) النشر ٢٩١/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٢٧٠/٥. سِوَلُ هُود ١٤٦ الآية : ١١٤ وقرأ مجاهد وابن محيصن بإسكان اللام(١)، كُبُسْرٍ بالضمِّ والسكون في بُسْرةٍ، وهو على هذا - على ما في ((البحر))(٢) - اسمُ جنس، وفي رواية عنهما أنهما قرأا: (زُلْفَى)) كحبلى(٣)، وهو بمعنى زُلْفة فإنَّ تاء التأنيث وأَلِفَه قد يتعاقبان، نحو: قُربى وقربة، وجوِّز أن تكون هذه الألف بدلاً من التنوين إجراءً للوصل مجرى الوقف. ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّاتِ﴾ أي: يكفِّرْنَها ويُذهبْنَ المؤاخذةَ عليها، وإلا فنفسُ السيئات أعراضٌ وُجِدت فانعدمت. وقيل: يمحينها (٤) من صحائفٍ الأعمال، ویشهدُ له بعض الآثار. وقيل: يمنعنَ من اقترافها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكُرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهو مع بُعدِه في نفسه مخالفٌ للمأثور عن الصحابة والتابعين ﴿ه، فلا ينبغي أن يعوَّل عليه. والظاهرُ أنَّ المراد من «الحسنات)) ما يعمُّ الصلواتِ المفروضةَ وغيرها من الطاعات المفروضةِ وغيرِها. وقيل: المرادُ الفرائضُ فقط لرواية: ((الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضان مكفِّرات ما بينهنَّ»(٥) . وفيه أنه قد صحَّ من حديث أبي هريرة ◌َظُبه قال: سمعتُ رسولُ اللهِوَ لَ﴿ يقول: ((إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنَّ الملائكة تؤمّنُ، فمَنْ وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)) (٦)، وفي روايةٍ تفرَّد بحر بن نصر (٧) - وهو من الثقات - بزيادة: ((وما تأخّر))(٨). (١) المحتسب ٣٣٠/١، والبحر ٢٧٠/٥. (٢) ٢٧٠/٥. (٣) المحرر الوجيز ٢١٢/٣، والبحر ٢٧٠/٥. (٤) في الأصل: تمحيها . (٥) أخرجه مسلم (٢٣٣): (١٦) من حديث أبي هريرة ◌ُه، وجاء في آخره: ((إذا اجْتَنَبَ الكبائر)»، وسلف ٢٣١/٥. (٦) أخرجه أحمد (٩٩٢١)، والبخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠). (٧) في الأصل و(م): يحيى بن نصير، والصواب ما أثبتناه، وهو بحر بن نصر بن سابق الخولاني مولاهم، المصري، وثقه يونس بن عبد الأعلى وابن أبي حاتم وابن خزيمة، وقال مسلمة بن قاسم الأندلسي: كان ثقة فاضلاً مشهوراً. توفي سنة (٢٦٣هـ). التهذيب ٢١٣/١. (٨) أخرج هذه الرواية الجرجاني في أماليه، كما ذكر الحافظ في فتح الباري ٢٦٥/٢، وقال: وهي زيادة شاذة. وينظر تتمة كلامه ثمة. الآية : ١١٤ ١٤٧ سُوَلاَ هُودٍ وصحَّ أنَّ صيامَ يوم عرفة تكفِّر السنة الماضية والمستقبلة(١). وأخرج أبو داود في (السنن)) بإسنادٍ حسن عن سهلٍ بن معاذ بنٍ أنس، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلهـ قال: ((مَن أكل طعاماً ثمَّ قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعامَ ورزقنيه من غيرِ حولٍ مِنِّي ولا قوَّةٍ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن لبس ثوباً وقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غيرِ حولٍ مِنِّي ولا قوّةٍ، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر))(٢) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في تكفير أفعالٍ ليست بمفروضةٍ ذنوباً كثيرة. وقيل: المرادُ بها الصلواتُ المفروضة؛ لما في بعض طُرقِ خبرِ سبب النزول من أنَّ أبا اليَسَر من الأنصار قبَّل امرأةً، ثم ندم فأتى رسولَ الله بَّر فأخبره بما فعل، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أنتظرُ أمرَ ربِّي)) فلمَّا صلى صلاةً قال ◌َِّ: ((نعم، اذهب بها فإنَّها كَفَّارَةٌ لِمَا عَمِلْتَ))(٣). وروي هذا القول عن ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب، والظاهرُ أنَّ ذلك منهم اقتصارٌ على بعضٍ مهمٍّ من أفراد ذلك العامٌّ، وسببُ النزول لا يأبى العمومَ كما لا يخفى. وفي روايةٍ عن مجاهدٍ أنَّها قولُ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله العليّ العظيم. وفيه ما فيه. (١) أخرجه مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة (٢) سنن أبي داود (٤٠٢٣)، وأخرج شطره الأول أحمد (١٥٦٣٢)، والترمذي (٣٤٥٨) وقال: حديث حسن غريب . (٣) أخرجه بنحوه البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٤) من حديث أنس ظه. وأخرجه البخاري بنحوه أيضاً (٥٢٦)، ومسلم (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود به. وأخرجه بنحوه أيضاً مسلم (٢٧٦٥) من حديث أبي أمامة ه، وليس في الصحيحين ذكر اسم الرجل. وأخرجه الترمذي (٣١١٥) من حديث أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمراً، فقلت: إن في البيت تمراً أطيب من هذا، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبَّلتها ... ، فذكر نحوه. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقيس بن الربيع (وهو أحد رجال الإسناد عند الترمذي) ضعفه وكيع وغيره. ووقع في مطبوع الترمذي: حسن صحيح، والمثبت من التحفة ٨/ ٣٠٧. وقد اختلف في اسم صاحب القصة، وقال الحافظ في الفتح ٨/ ٣٥٧ بعد أن ذكر الاختلاف على ذلك: وأقوى الجميع أنه أبو اليسر. سُؤَلُ هُود ١٤٨ الآية : ١١٤ والمراد بالسيئات عند الأكثرين الصغائرُ؛ لأنَّ الكبائرَ لا يكفِّرها - على ما قالوا - إلا التوبة، واستدلُّوا لذلك بما رواه مسلم من رواية العلاء: ((الصلوات الخمسُ كفَّارة لما بينها ما اجتنبت الكبائرُ))(١). واستشكل بأنَّ الصغائرَ مكفَّرة باجتناب الكبائر بنصِّ ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فما الذي تكفّره الصلوات الخمس؟ وأجاب البلقيني بأنَّ ذلك غيرُ وارد؛ لأنَّ المراد بالآية: إن تجتنبوا في جميع العُمُر، ومعناه الموافاةُ على هذه الحالة من وقتِ الإيمان أو التكليفِ إلى الموت، والذي في الحديث أنَّ الصلوات تكفِّر ما بينها - أي: يومها - إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فلا تعارُضَ. وتعقَّبه السمهوديُّ بقوله: ولك أن تقول: لا يتحقَّق اجتنابُ الكبائر في جميع العُمُر إلا مع الإتيان بالصلوات الخمس فيه كلَّ يوم، فالتكفيرُ حاصلٌ بما تضمَّنه الحديثُ، فما فائدةُ الاجتناب المذكور في الآية؟ ثم قال: ولك أن تجيب بأنَّ ذلك من باب فِعْل شيئين كلٌّ منهما مكفِّرٌ، وقد قال بعض العلماء: إنَّه إذا اجتمعت مكفّرات فحُكمُها أنَّها إذا ترتَّبت فالمكفِّرُ السّابقُ، وإن وقعتْ معاً فالمكفِّر واحدٌ منها يشاؤه الله تعالى، وأما البقيةُ فثوابُها باقٍ له، وذلك الثواب على كلٍّ منها يكون بحيث يَعْدِلُ تكفيرَ الصغائر لو وُجدت، وكذا إذا فعل واحداً من الأمور المكفّرة ولم يكن قد ارتكب ذنباً . وفي ((شرح مسلم)) للنووي نحوُ ذلك، غير أنَّه ذكر أنه لو صادف فِعْلُ المكفِّر كبيرةً أو كبائرَ ولم يصادفْ صغيرةً رجونا أن يخفّف من الكبائر(٢). ويَرِدُ على قوله: إنَّ المراد: إنْ تجتنبوا في جميع العُمُر، منعٌ ظاهر. والظاهرُ أنَّ المرادَ من ذلك أنَّ ثوابَ اجتناب الكبائر في كلِّ وقتٍ يكفِّرِ الصغائرَ الواقعةَ فيه، وفي تفسير القاضي ما يؤيِّده(٣). (١) صحيح مسلم (٢٣٣): (١٤) من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َلچر. (٢) شرح صحيح مسلم للنووي ١١٣/٣ . (٣) تفسير البيضاوي، عند قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ ◌َلَّمْ﴾ [النجم: ٣٢]. الآية : ١١٤ ١٤٩ سُؤَلُ هُودٍ وكذا ما ذكره الإمام حجَّة الإسلام في الكلام على التوبة من أنَّ حكم الكبيرة أنَّ الصلواتِ الخمسَ لا تكفِّرها، وأنَّ اجتنابَ الكبائر يكفِّر الصغائر بموجب قوله سبحانه: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ﴾ إلخ [النساء: ٣١]، ولكن اجتناب الكبيرة إنَّما يكفِّر الصغيرةَ إذا اجتنبها مع القُدرة والإرادة، كمَن يتمكّن من امرأةٍ ومن مواقعتها فيكفُّ نفسَه عن الوقوع، ويقتصر على النَّظر واللمس، فإنَّ مجاهدته نفسَه في الكفّ عن الوقاع أشدُّ تأثيراً في تنوير قلبه من إقدامِه على النَّظر في إظلامه، فهذا معنى تكفيره، فإن كان عنِّيناً ولم يكن امتناعه إلا بالضّرورة للعجز، أو كان قادراً ولكن امتنع لخوفٍ من آخر، فهذا لا يصلحُ للتكفير أصلاً، فكلُّ مَن لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيحَ له ما شربه فاجتنابُه لا يكفِّر عنه الصغائرَ التي هي من مقدِّماته كسماع الملاهي والأوتار(١). وهذا ظاهرٌ يدلُّ عليه: ((إنَّ الحسنات يذهبن السيئات))، ولا شكَّ أنَّ اجتناب الكبائر إذا قارن القصدَ حسنةٌ، وإنَّما قيَّدنا بذلك وإن كان الخروج عند عُهدة النھی لا یتوقّف علیه لأنَّه لا يُئاب على الاجتناب بدون ذلك. فالأولى في الجواب عن الإشكال أن يقال: ((ما اجتنبت الكبائر)) في الخبر ليس قيداً لأصل التكفير، بل لشمولِ التَّكفير سائرَ الذنوب التي بين الصلوات الخمس، فهو بمثابة استثناءِ الكبائر من الذَّنوب، وكأنه قيل: الصلواتُ الخمسُ كفَّارةٌ لجميع الذنوب التي بينها، وتكفيرُها للجميع في المدَّة التي اجتنبت فيها الكبائر، أو مقيّد باجتناب الكبائر، وإلا فليست الصَّلوات كفَّارةً لجميع الذنوب بل للصغائر فقط، وهذا وإن كان خلافَ الظاهر من عَوْد القَيْد لأصل التكفير، لكن قرينة الآية دعتْ للعدول عنه إلى ذلك جمعاً بين الأدلة، ولا بدَّ في هذا من اعتبار ما قالوا في اجتماع الأمور المكفِّرة للصغائر. وذكر الحافظ ابنُ حجر بعد نقله لكلام البلقينيّ ما لفظُه: وعلى تقدير ورودٍ السؤال، فالتخلُّص عنه سهلٌ؛ وذلك لأنَّه لا يتمُّ اجتنابُ الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يُعدَّ مجتنباً للكبائر؛ لأنَّ تَرْكَها من الكبائر فيتوقَّف التكفير على فِعلها(٢). انتهى، ولا يخلو عن بحث. (١) إحياء علوم الدين ٢١/٤-٢٢. (٢) فتح الباري ٢/ ١٢ . سُوَلاَ هُود! ١٥٠ الآية : ١١٤ ومِمَّن صرَّح بأنَّ ((ما اجتُنبت)) إلخ بمعنى الاستثناء نقلاً عن بعضهم المحبُّ الطبريُّ، فقد قال في ((أحكامه)): اختلف العلماءُ في أمر تكفير الصغائر بالعبادات، هل هو مشروطٌ باجتناب الكبائر؟ على قولين: أحدهما: نعم، وهو ظاهرُ قوله وَلّى: (ما اجتنبت الكبائر)) فإنَّ ظاهرَه الشرطية كما يقتضيه: ((إذا اجتنبت)) الآتي في بعض الروايات(١)، فإذا اجتنبت الكبائرُ كانت مكفِّرةً لها وإلا فلا، وإليه ذهب الجمهور على ما ذكره ابنُ عطية(٢). وقال بعضُهم: لا يشترط، والشرط في الحديث بمعنى الاستثناء، والتقديرُ: مكفِّراتٌ لِمَا بينها إلا الكبائرَ، وهو الأظهر. هذا وقد ذكر الزركشيُّ(٣) أنَّهم اختلفوا في أنَّ التكفيرَ هل يُشترط فيه التوبةُ أم لا؟ فذهب إلى الاشتراط طائفةٌ وإلى عدمه أخرى، وفي ((البحر)) أنَّ الاشتراط نصُّ حُذَّاق الأصوليين(٤). ولعلَّ الخلاف مبنيٌّ على الخلاف في اشتراط الاجتناب وعدمِه، فمَنْ جعل اجتنابَ الكبائر شرطاً في تكفير الصغائر لم يَشترط التوبةَ، وجعل هذه خصوصيةً لمجتنب الكبائر، ولم يشترطُه إلا مَن اشترطها، ويدلُ عليه خبرُ أبي اليَسَر، فإنَّ الرواياتِ متضافرةٌ على أنَّه جاء نادماً والنَّدمُ توبة، وأنَّ إخبارَه ◌َِّ له بأنَّ صلاةَ العصر كفَّرت عنه ما فعل إنَّما وقع بعد نَدَمِه، لكن ظاهر إطلاق الحديث يقتضي أنَّ التكفيرَ كان بنفس الصلاة، فإنَّ التوبة بمجرَّدِها تَجُبُّ ما قبلها، فلو اشترطناها مع العبادات لم تكن العباداتُ مكفِّرة، وقد ثبت أنَّها مكفّراتٌ فيسقط اعتبارُ التوبة معها. انتهى ملخَّصاً مع زيادة. ولا يخفى أنَّ هذا يحتاجُ إلى التزامِ القول بأنَّ ندمَ أبي اليَسَر لم يكن توبةً صحيحة، وإلا لكان التكفيرُ به لأنَّه السابقَ، وبعضُ التزم القولَ بكونه توبةً صحيحةً إلا أنه توبةٌ لم تُقبل ولم تكفِّر الذَّنب، وأنت تعلم أنَّ في عدم تكفير التوبة الذَّنب مقالاً، والمنقول عن السُّبْكي أنه قال: إنَّ قبولَ التوبة عن الكُفر مقطوعٌ به تفضُّلاً، وفي القَطع بقبول توبة العاصي قولان لأهل السنة، والمختار عندَ إمام الحرمين أنَّ (١) وردت هذه الرواية عند مسلم (٢٣٣): (١٦). (٢) في المحرر الوجيز ٢١٣/٣. (٣) في المنثور في القواعد ٤١٩/١-٤٢٠. (٤) البحر ٢٧١/٥. الآية : ١١٤ ١٥١ سُوَلُ هُود! تكفيرَ التوبة للذَّنب مظنون، وادَّعى النوويُّ أنه الأصحُ(١)، وفي ((شرح البرهان)»: الصحيح عندنا القطعُ بالتكفير، وقال الحليمي(٢): لا يجبُ على الله تعالى قبولُ التوبة، لكنَّه لَمَّا أخبر عن نفسه أنَّه يقبلُ التوبةَ عن عباده ولم يجزْ أن يُخلفَ وعدَه، عَلِمِنا أنَّه سبحانه وتعالى لا يردُّ التوبة الصحيحةَ فضلاً منه تعالى وكرماً(٣). ومثلُ هذا الخلافِ الخلافُ في التكفير باجتناب الكبائر ونحوِه، هل هو قطعيٌّ أو ظنِّ؟ وفي كلام العلامة نجم الدِّين النسفي(٤) وصَدْرِ الشريعة وغيرهما أنَّ العقاب على الصغائر جائزُ الوقوع سواءٌ اجتَنَب مرتكِبُها الكبائرَ أم لا؛ لدخولها تحتَ قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] ولقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾ [الكهف: ٤٩] والإحصاءُ إنما يكون للسؤال والمجازاة، إلى غيرِ ذلك من الآيات والأحاديث. وخالفت المعتزلةُ في ذلك فلم يُجيزوا وقوعَ التعذيب إذا اجتنبت الكبائر، واستدلُّوا بِآيَةِ (إِن تَجْتَنِبُوا) إلخ. ويجابُ بأنَّ المراد بالكبائر الكفرُ، والجمعُ لتعدُّد أنواعه أو تعدُّدِ مَن اتَّصف به، ومعنى الآية: إن تجتنبوا الكفرَ نجعلكم صالحين لتكفيرِ سيئاتكم. ولا يخفى ما في استدلالهم من الوَهن، وجوابُهم عن استدلال المعتزلة لَعمري أوهنُ منه. وذهب صاحبُ ((الذخائر)) (٥) إلى أنَّ من الحسنات ما يكفِّر الصغائر والكبائر؛ إذ قد صحَّ في عدَّة أخبارٍ: مَنْ فعل كذا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر. وفي بعضها: ((خرج من ذُنوبه كيومَ ولدتْه أمّه))، ومتى حُمِلَتِ الحسناتُ في الآية على الاستغراق فالمناسبُ حَمْلُ السيئات عليه أيضاً، والتخصيصُ خلافُ الظاهر، (١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٧ / ٦٠. (٢) في كتاب المنهاج في شعب الإيمان ١٢٣/٣. (٣) قوله: وكرماً، ليس في (م). (٤) محمد بن محمد بن أحمد، أبو حفص السمرقندي، الفقيه الحنفي، من مصنفاته: الأكمل الأطول في تفسير القرآن، وتطويل الأسفار لتحصيل الأخبار، ودعوات المستغفرين، والعقائد، توفي سنة (٥٣٣هـ). هدية العارفين ٧٨٣/١. (٥) جواهر الذخائر في شرح الكبائر والصغائر، لرضي الدين محمد بن يوسف بن أبي اللطف المقدسي. كشف الظنون ١/ ٦١٤ . سُوَلاَ هُود! ١٥٢ الآية : ١١٤ وفضْلُ الله تعالى واسعٌ. وإلى هذا مال ابنُ المنذر(١)، وحكاه ابنُ عبد البَرِّ عن بعض المعاصرين له - وعَنَى فيما قيل: أبا محمد المحدِّث(٢) - لكنْ رَدَّ عليه، فقال: بعضُهم يقول: إنَّ الكبائر والصغائر تكفِّرها الطهارةُ والصَّلاة لظاهر الأحاديث، وهو جَهْلٌ بَيِّنٌّ وموافَقةٌ للمرجئة في قولهم، ولو كان كما زَعَم لم يكن للأمر بالتوبة معنّى، وقد أجمع المسلمون على أنَّها فرضٌ، وقد صحَّ أيضاً من حديث أبي هريرة: ((الصلواتُ كفاراتٌ لما بينهنَّ ما اجْتُنِيَتِ الكبائر))(٣). انتهى. وفيه أنَّ دعوى أنَّ ذلك جهلٌ لا يخلو عن الإفراط، إذا الفرقُ بين القول بعموم التكفير ومذهبٍ المرجئة في غاية الوضوح، ولو صحَّ أنَّ ذلك ذهابٌ إلى قولهم للزمه مثلُه بالنّسبة إلى التوبة، فإنه يسلّم أنَّها تكفِّر الصغائر والكبائر وهي من جملة أعمال العبد، فكما جاز أن يجعل الله سبحانه هذا العمل سبباً لتكفير الجميع يجوز أن يَجعل غيرَه من الأعمال كذلك. وقوله: ولو كان كما زعم ... إلخ، مردودٌ؛ لأنَّه لا يلزم من تكفير الذنوب الحاصلةِ عدمُ الأمر بالتوبة وكونِها فرضاً؛ إذ تركُها من الذنوب المتجدِّدة التي لا يشملُها التكفيرُ السابق بفعل الوضوء مثلاً، ألا ترى أنَّ التوبةَ من الصغائر واجبةٌ على ما نُقل عن الأشعريِّ، وحَكَى إمامُ الحرمين (٤) وتلميذُه الأنصاريُّ الإجماعَ عليه، ومع ذلك فجميعُ الصغائر مكفَّرَةٌ بنصِ الشارع وإن لم يتبْ، على ما سمعتَ من الخلاف. وتحقيقُ ذلك أنَّ التوبة واجبةٌ في نفسها على الفور، ومَن أخَّرها تكرّر عصيانُه بتكرُّر الأزمنة، كما صرَّح به الشيخ عزُّ الدِّين بن عبد السلام، ولا يلزمُ من تكفيرِ الله تعالى ذنوبَ عبده سقوطُ التكليف بالتوبة التي كلِّف بها تكليفاً مستمرًّا، وقريبٌ من (١) في كتاب الإشراف، كما في فيض القدير ١٩١/٦ . (٢) الأصيلي، كما في فيض القدير ١٩١/٦، وهو عبد الله بن إبراهيم أبو محمد الأصيلي، شيخ المالكية، عالم الأندلس، له كتاب الدلائل في اختلاف مالك وأبي حنيفة والشافعي، توفي سنة (٣٩٢هـ). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٥٦٠. (٣) التمهيد ٤٤/٤-٤٥، ونقله المصنف عنه بواسطة المناوي في فيض القدير ٦/ ١٩١. (٤) في الإرشاد ص٣٣٩. الآية : ١١٥ ١٥٣ سُوَلاَ هُود! هذا ارتفاعُ الإثم عن النائم إذا أخرجَ الصلاةَ عن وقتها مع الأمر بقضائها، وما رُوي من حديث أبي هريرة إنَّما ورد في أمرٍ خاصٍّ فلا يتعدَّاه؛ إذ الأصلُ بقاءُ ما عَدَاه على عمومه، وهذا مِمَّا لا مجال للقياس فيه حتى يخصَّ بالقياس على ذلك، فلا يليق نسبةُ ذلك القائل إلى الجهل، والرجاء بالله تعالى شأنُه قويٌّ، كذا قيل، وفي المقام بَعْدُ أبحاثٌ تركنا ذِكرها خوفَ الإملال، فإن أردتها فعليك بالنظر في الكتب المفصّلة في علم الحديث. ﴿َلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ ﴾ أي: عظةٌ للمتَعظين، وخصَّهم بالذِّكر لأنّهم المنتفعون بها، والإشارةُ إلى ما تقدَّم من الوصية بالاستقامة، والنهي عن الطغيانِ، والركونِ إلى الذين ظلموا، وإقامةِ الصلوات في تلك الأوقات، بتأويل المذكور، وإلى هذا ذهب ((الزمخشري))(١)، واستظهر ((أبو حيَّان))(٢) كونَ ذلك إشارةً إلى إقامة الصَّلاة، وأمرُ التذكير سهلٌ. وقيل: هي إشارةٌ إلى الإخبار بأنَّ الحسنات يُذهبن السيئات. وقال الطَّبريُّ: إشارة إلى الأوامر والنواهي في هذه السُّورة(٣). وقيل: إلى القرآن، وبعضُ مَن جَعَلَ الإشارة إلى الإقامة فسَّر الذِّكرى بالتوبة. ﴿وَأَصْبِرْ﴾ أي: على مشاقٌ امتثالِ ما كُلِّفْتَ به، في ((الكشاف)»: إنَّ هذا كرورٌ منه تعالى إلى التذكير بالصَّبر بعد ما جاء بما هو خاتمةٌ للتذكير؛ لفضل خصوصيَّةٍ ومزيَّةٍ، وتنبيهٌ على مكان الصَّبر ومحلِّه، كأنه قال: وعليك بما هو أهمُّ مما ذكّرت به وأحقُّ بالتوصية، وهو الصَّبرُ على امتثال ما أُمرت به، والانتهاءُ عمَّا نُهيت عنه، فلا يتمُّ شيءٌ منه إلا به(٤). انتهى. ووجهُ كونه كريراً إلى ما ذُكر بأنَّ الأمرَ بالاستقامة أمرٌ بالثبات قولاً وفعلاً وعقداً، وهو الصبرُ على طاعة الله تعالى، ويتضمَّن الصبرَ عن معصيتِهِ ضرورةً، على أنَّ ما ذكره سبحانه كلَّه لا يتُّ إلا بالصَّبر، ففي ضمن الأمرِ به أمرٌ بالصبر. (١) في الكشاف ٢٩٧/٢. (٢) في البحر ٢٧١/٥ . (٣) تفسير الطبري ٦١٧/١٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٧١/٥. (٤) الكشاف ٢/ ٢٩٧. سُوَّلُ هُود! ١٥٤ الآية : ١١٦ واعتُرض اعتبارُ الانتهاء عمَّا نُهي عنه من متعلّقات الصبر؛ إذ لا مشقَّةً في ذلك، واعتُذر عن ذلك بأنَّه يمكن أن يرادَ بما نُهي عنه من الطغيان والرُّكونِ ما لا يمكن عادةً خلوُّ البشر عنه من أدنى ميلٍ بحكم الطبيعة من الاستقامة المأمورٍ بها، ومِن يسير ميلٍ بحكم البشرية إلى مَنْ وُجد منه ظلمٌ، فإنَّ في الاحتراز عن أمثاله من المشقّة ما لا يخفى. وتُعقّب بأنَّ ما هو من توابع الطبيعة لا يكون من متعلَّقات النهي، ولهذا ذكروا أنَّ حبَّ المسلم لولده الكافر مثلاً لا إثمَ فيه، فالأولى أن يقال: إنَّ وجود المشقّة في امتثال مجموع ما كلِّف به يكفي في الغرض. وقيل: المراد من الصبر المأمور به المداومةُ على الصلاة، كأنَّه قيل: أقم الصلاةَ، أي: أدِّها تامَّةً وداوِمْ عليها، نظير قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرْ [طه: ١٣٢]. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: يوفِّيهم ثوابَ أعمالهم من غير بَخْسٍ أصلاً، وعبّر عن ذلك بنفي الإضاعة بياناً لكمال نزاهتِه تعالى عن حرمانهم شيئاً من ثوابهم، وعُدِل عن الضمير ليكونَ كالبرهان على المقصود، مع إفادة فائدةٍ عامَّةٍ لكلِّ مَن يَتَّصف بذلك، وهو تعليلٌ للأمر بالصبر، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ الصبرَ على ما ذكر من باب الإحسان. وعن مقاتلِ أنَّه فسَّر الإحسانَ هنا بالإخلاص. وعن ابن عبّاس أنه قال: المُحسِنون المصلُّون، وكأنَّه نَظَرَ إلى سياق الكلام. هذا ومن البلاغةِ القرآنية أنَّ الأوامر بأفعال الخيرِ أُفردت للنبيِّ وَّ وإن كانت عامَّة في المعنى، والمناهي جُمعتْ للأمة، وما أعظم شأنَ الرسول عليه الصلاة والسلام عند ربِّه جلَّ وعلا !. ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ تحضيضٌ فيه معنى التفجّع مجازاً، أي: فهلا كان ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ أي: الأقوام المقترنة في زمان واحد ﴿مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ أي: ذوو خصلةٍ باقيةٍ من الرأي والعقل، أو ذوو فضلٍ، على أنْ يكون البقيةُ اسماً للفضلِ والهاء للنقل، وأطلق عليه ذلك على سبيل الاستعارة من البقيَّة التي يصطفيها المرءُ لنفسه ويدَّخرها الآية : ١١٦ ١٥٥ سُوَلُ هُود! مما ينفعه، ومن هنا يقال: فلانٌ من بقية القوم، أي: من خِيارِهم، وبذلك فسِّر بيتُ الحماسة : إنْ تُذنبوا ثم يأتيني بقيَّتُكم فما عليَّ بذنبٍ عندَكمْ فَوْتُ(١) ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا(٢). وجوِّز أن تكون البقيَّةُ بمعنى البَقْوَى كالتقيَّة بمعنى التقوى، أي: فهلًا كان منهم ذوُو إبقاءٍ لأنفسهم وصيانةٍ لها عمَّا يُوجبُ سخطَ الله تعالى وعقابَه. والظاهرُ أنَّها على هذا مصدر، وقيل: اسم مصدر. ويؤيِّد المصدريَّة أنَّه قرئ: (بَقْيَة)) بزِنَةٍ المرَّة(٣)، وهو مصدر بَقَاه يَبْقِيه كرماه يَرميه بمعنى انتظره وراقبَه، وفي الحديث عن معاذ بن جبل قال: ((بقينا رسولَ اللهِ وَل﴾ وقد تأخَّر عن (٤) صلاة العشاء حتى ظنَّ الظانُّ أنه ليس بخارج) الخبر(٥)، أراد معاذ: انتظرناه. وأما الذي من البقاء ضدّ الفناء، ففِعْلُه بقيَ يبقى كرضي يرضى، والمعنى على هذه القراءة: فهلًّا كان منهم ذوو مراقبةٍ لخشية الله تعالى وانتقامِه . وقرئ: (بَقِيَة)) بتخفيف الياء اسم فاعل من بقي، نحو شَجِيَتْ فهي شَجِيَةٍ(٦). وقرأ أبو جعفر وشيبة: ((بُقْية)) بضم الباء وسكون القاف(٧). ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ﴾ الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم، وفسَّر الفساد في ((البحر)) بالكفر وما اقترن به من المعاصي(٨). (١) شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٦٨/١-١٦٩، ونسبه لرويشد بن كثير الطائي. (٢) هو من كلام الخوارزمي الذي جرى مجرى الأمثال. يتيمة الدهر ٢٢٦/٤. (٣) البحر ٢٧١/٥ . (٤) قوله: عن، ساقط من (م). (٥) أخرجه أبو داود (٤٢١). (٦) البحر ٢٧١/٥، والتقدير على هذه القراءة: أولو طائفةٍ بَقِيّةٍ، أي: باقية. الدر المصون ٦/ ٤٢٣. (٧) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٢٧١/٥، وقد وهَّم صاحب النشر ٢١٢/٢ أبا حيان في هذه القراءة، فقال: روى ابن جماز بكسر الباء وإسكان القاف وتخفيف الياء، وهي قراءة شيبة ... وقد ترجمها أبو حيان بضم الباء فوهم. اهـ. قلنا: وليس هذا الكلام من أبي حيان، فقد سبقه إليه ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٤/٣. (٨) البحر ٢٧١/٥. سُوَلُ هُوْد! ١٥٦ الآية : ١١٦ ﴿إِلَّا قَلِلًا مِمَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ استثناءٌ منقطع، أي: ولكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم كانوا ينهون. وقيل: أي: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نَهَوا عن الفساد وسائرُهم تاركون للنهي، و((من)) الأولى بيانيَّة لا تبعيضية؛ لأنَّ النجاةَ إنما هي للناهين وحدَهم بدليل قوله سبحانه: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَِّ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥] وإلى ذلك ذهب الزمخشري، ومنع اتصالَ الاستثناء على ما عليه ظاهرُ الكلام؛ لاستلزامِه فسادَ المعنى؛ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلَّا للقليل من الناجين منهم (١)، ثم قال: وإن قلت: في تحصيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنَّه قيل: ما كان من القرون أولو بقيَّة إلَّا قليلاً، كان استثناءً متَّصلاً ومعنَى صحيحاً، وكان انتصابُه على أصل الاستثناء، إن كان الأفصحُ أن يُرفع على البدل(٢). والحاصل أنَّ في الكلام اعتبارين: التحضيضَ والنفيَ، فإن اعتُبر التحضيضُ، لا يكون الاستثناءُ متَّصلاً؛ لأنَّ المتصلَ يَسلبُ ما للمستثنى منه عن المستثنى أو يُثبتُ له ما ليس له، والتحضيضُ معناه: لمَ ما نَهَوْا، ولا يجوز أن يقال: إلَّا قليلاً فإنهم لا يقال لهم: لمَ ما نَهَوْا؛ لفسادِ المعنى؛ لأنَّ القليل ناهون. وإن اعتُبر النفي كان مثَّصلاً؛ لأنه يفيدُ أنَّ القليل الناجين ناهون. وأَوْرَدَ على ذلك القطبُ أنَّ صحة السلب أو الإثبات بحسب اللفظ لازمٌ في الخبر، وأما في الطلب فيكونُ بحسب المعنى، فإنك إذا قلت: اضْرِبِ القومَ إلا زيداً، فليس المعنى على أنَّه ليس اضرب، بل على أنَّ القومَ مأمورٌ بضربهم إلا زيداً فإنه غيرُ مأمورٍ به، فكذا هنا يجوز أن يقال: ((أولو بقية)) محضوضون على النهي ((إلا قليلاً)) فإنهم ليسوا محضوضين عليه لأنَّهم نَهوا، فالاستثناءُ متَّصلٌ قطعاً كما ذهب إليه بعضُ السلف. وقد يُدفع ما أورده بأنَّ مقتضى الاستثناء أنَّهم غيرُ محضوضين، وذلك إمَّا لكونهم نَهوا، أو لكونهم لا يُحضُّون عليه لعدم توقُّعه منهم، فإمَّا أن يكون قد جعل احتمال الفساد إفساداً، أو ادَّعى أنَّه هو المفهومَ من السِّياق. (١) كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاءَ منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضَّضين على قراءة القرآن. الكشاف ٢٩٨/٢. (٢) الكشاف ٢٩٨/٢. الآية : ١١٦ ١٥٧ سُؤَادَةُ هُود ثم إنَّ المدفِّق صاحبَ ((الكشف)) قال: إنَّ ظاهرَ تقريرٍ كلام الزمخشريِّ يُشعر بأنَّ ((ينهون)) خبرُ ((كان))، جعل ((من القرون)) خبراً آخر أو حالاً قدّمت؛ لأنَّ تحضيض أولي البقية على النهي على ذلك التقدير، حتى لو جُعل صفةً و((من القرون)» خبراً، كان المعنى تنديمَ أهل القرون على أنْ لم يكنْ فيهم أولو بقيَّة ناهون، وإذا جعل خبراً لا يكون معنى الاستثناء: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلاً، بل كان: ما كان منهم أولو بقيّة ناهين إلا قليلاً فإنَّهم نَهَوا، وهو فاسد . والانقطاعُ على ما آثره الزمخشريُّ أيضاً يفسُدُ؛ لِمَا يلزمُ منه أن يكون ((أولو بقيَّة)) غيرَ ناهين؛ لأنَّ في التحضيض والتنديم دلالةً على نفيه عنهم، فالوجه أنْ يؤوَّل بأنَّ المقصودَ مِن ذِكْر الاسم الخبرُ وهو كالتمهيد له، كأنَّه قيل: فلولا كان من القرون من قبلكم ناهون إلَّا قليلاً، وفي كلامه إشارةٌ إلى أنه لا يتخلف نفي الناهي وأولو البقيَّة، وإنَّما عدل إلى المنزَلِ مبالغةً لأنَّ أصحابَ فضلِهم وبقاياهم إذا حضِّضوا على النهي وندِّموا على التَّرك، فهُمْ أولى بالتحضيض والتنديم، وفيه مع ذلك الدلالةُ على خلوِّهم عن الاسم لخلوِّهم عن الخبرِ؛ لأنَّ ذا البقية لا يكونُ إلا ناهياً، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وهو من باب: ولا ترى الضَّبَّ بها يَنْجَحِر(١) وقولك: ما كان شجعانُهم يحمون عن الحقائق، في معرض الذَّمِّ، تريد أنْ لا شجاعَ ولا حمايةً، لكنْ بالغْتَ في الذَّمِّ حتَّى خيَّلتَ أنَّه لو كان لهم شجاعٌ کان كالعدم، فهذا هو الوجه الكريمُ والمطابق لبلاغةِ القرآن العظيم. انتهى، وهو تحقيقٌ دقيقٌ أَنَيقٌ. واذَّعى بعضُهم أنَّ الظاهر أنَّ((كان)) تامةٌ، و((أولو بقية)) فاعلُها، وجملةُ ((ينهون)) صفتُه، و((من القرون)) حالٌ متقدِّمة عليه، و((من)) تبعيضيَّة، و((من قبلكم)) حالٌ من ((القرون))، ويجوز أن يكون صفةً لها - أي: الكائنة - بناءً على رأي مَن جوَّز حذفَ الموصول مع بعضٍ صلتِّه. (١) وصدره: لا تفزع الأرنبَ أهوالها، والبيت لابن أحمر، وهو في ديوانه ص ٦٧، وسلف ٥٦/٥. سُورَةٌ هُود ١٥٨ الآية : ١١٦ واعتُرض بأنَّه يلزمُ منه كونُ التحضيض على وجود أولئك فيهم، وكذا يلزمُ كونُ المنفيِّ ذلك، وليس بذاك، بل المدارُ على النهي تحضيضاً ونفياً. والتزامُ توجُّهِ الأمرين إليه لكون الصفة قيداً في الكلام، والاستعمالُ الشائعُ توجُّهُ نحوِ ما ذُكر إلى القيد كما قيل، زيادةُ نغمةٍ في الُّنبور من غير طربٍ، ومثلُه يعدُّ من النَّصب. ﴿وَبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم تاركو النهي عن الفساد ﴿مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ ما أُنعموا فيه من الثروة والعيش الهنيِّ والشهواتِ الدنيويَّة، وأصلُ التَّرف: التوسُّع في النعمة. وعن الفرَّاء(١): معنى أُترف: عوِّد الترفةَ وهي النعمة. وقيل: ((أُترفوا)) أي: طغَوا، من أترفتْه النِّعمُ: إذا أَظْغَتْه، فـ ((في)) إمَّا سببيَّة أو ظرفيَّة مجازية. وتُعقِّب بأنَّ هذا المعنى خلافُ المشهور وإن صحَّ هنا. ومعنى اتِّباعِ ذلك الاهتمامُ به وتركُ غيرِهِ، أي: اهتموا بذلك ﴿وَكَانُوا تُجْرِبِينَ ﴾ أي: مرتكبي جرائمَ غير ذلك، أو كافرين متَّصفين بما هو أعظمُ الإجرام، ولكلٍّ من التفسيرين ذهب بعضٌ. وحمل بعضُهم ((الذين ظلموا» على ما يعمُّ تاركي النهي عن الفسادِ والمباشرين له، ثم قال: وأنتَ خبيرٌ بأنه يلزمُ من التحضيض بالأوَّلَيْنَ عدمُ دخول مباشري الفساد في الظّلم والإجرام عبارةً، ولعلَّ الأمرَ في ذلك هيِّنٌّ فلا تغفل. والجملةُ عند أبي حيَّان مستأنفةٌ للإِخبار عن حالِ هؤلاءِ الذين ظلموا، وبيانٍ أنَّهم مع كونهم تاركي النهي عن الفساد كانوا ذوي جرائمَ غير ذلك(٢). وجوَّز بعضُ المحقّقين أن تكون عطفاً على مقدَّرٍ دلَّ عليه الكلامُ، أي: لم يَنْهَوا واتَّبع ... إلخ، وقيل: التقدير: إلَّا قليلاً مِمَّن أنجينا منهم نَهَوا عن الفساد واتبع الذين ... إلخ. وأن تكون استئنافاً يترتَّب على قوله سبحانه: (إلَّا قَلِيلًا)، أي: إلا قليلاً مِمَّن أنجينا منهم نَهَوا عن الفساد واتَّبع الذين ظلموا من مباشري الفساد وتاركي النهي عنه. وجُعل الإظهار على هذا مقتضَى الظاهر، وعلى الأوَّل (١) في معاني القرآن ٣١/٢. (٢) البحر ٢٧٢/٥. الآية : ١١٦ ١٥٩ سُؤَدَّ هُود لإدراج المباشرين مع التاركين في الحكم، والتسجيلِ عليهم بالظّلم، وللإشعار بعلِيّة ذلك لِمَا حاق بهم من العذاب. وفي ((الكشاف)) ما يقضي ظاهرُه بأنَّ العطف على (نَهَوا)) الواقع خبر لكن(١)، فيلزمُ أن يكونَ المعطوفُ خبراً أيضاً مع خلوِّه عن الرابط، وأُجيبَ تارةً بأنه في تأويل سائرهم أو مقابلوهم، وأخرى بأنَّ ((نهوا)) جملةٌ مستأنفة استؤنفتْ بعد اعتبار الخبرِ فعُطف عليها، وفي ذلك ما فيه. وقوله تعالى: (وَكَنُواْ مُجْرِمِينَ) عطفٌ على ((اتَّبع الذين)) إلخ مع المغايرة بينهما. وجوِّز أن يكون العطفُ تفسيريًّا على معنى: وكانوا مجرمين بذلك الاتِّباع، وفيه بُعدٌ. وأن يكون على ((أترفوا)) على معنى: اتَّبعوا الإتراف وكونَهم مجرمين؛ لأنَّ تابع الشهوات مغمورٌ بالآثام، أو أُريد بالإجرام إغفالُهم للشكر. وتعقّبه صاحبُ (التقريب)) بقوله: وفيه نظر؛ لأنَّ (ما)) في ((ما أترفوا)) موصولةٌ لا مصدريَّةٌ؛ لعودٍ الضمير من ((فيه)) إليه، فكيف يقدَّر ((كانوا)) مصدراً، إلا أن يقال: يرجع الضميرُ إلى الظُّلم بدلالةِ ((ظلموا)) فتكون ((ما)) مصدريَّةً. وأن تكون الجملةُ اعتراضاً بناءً على أنه قد يكونُ في آخر الكلام عند أهل المعاني. وقرأ أبو جعفر(٢) والعلاء بن سَيابة وأبو عمرو في رواية الجُعفي: ((وأُتْبع)) بضمٌ الهمزة المقطوعةِ وسكونِ التاء وكسرٍ الباء على البناء للمفعول من الإتباع. قيل: ولا بدَّ حينئذٍ من تقديرٍ مضاف، أي: أُتبعوا جزاءَ ما أُترفوا، و((ما)) إما مصدريَّةٌ أو موصولةٌ، والواوُ للحال، وجَعَلَها بعضُهم للعطف على ((لم يَنْهَوا)) المقدَّر، والمعنى على الأوَّل: إلا قليلاً نجَّيناهم وقد هلك سائرُهم. وأمَّا قوله سبحانه: (وَكَانُوا تُجْرِمِينَ) فقد قالوا: إنه لا يحسُنُ جَعْلُه قيداً للإنجاء إلا من حيث إنه يجري مَجرى (١) الكشاف ٢٩٨/٢. (٢) كذا في الأصل و(م) وحاشية الشهاب، والذي في المحتسب ٣٣١/١، والبحر ٢٧٢/٥، والدر المصون ٤٢٦/٦: جعفر بن محمد، وهي في القراءات الشاذة ص ٦١ عن الضحاك والعلاء والجعفي عن أبي عمرو. ١٦٠ الآية : ١١٧ العلَّة لإهلاك السائر، فيكون اعتراضاً أو حالاً من ((الذين ظلموا))، والحالُ الأوَّلُ من مفعول ((أنجينا)) المقدَّر. وجوِّز أن يفسّر بذلك القراءةُ المشهورة، وتقدُّمُ الإنجاء للناهين يناسب أن يبيّن هلاك الذين لم يَنْهَوا، والواوُ للحال أيضاً في القول الشائع، كأنَّه قيل: أنجينا القليلَ وقد اتَّبع الذين ظلموا جزاءهم فهلكوا. وإذا فسِّرت المشهورةُ بذلك فقيل: فاعل (اتَّبع)): ((ما أُترفوا))، أو الكلامُ على القلب، فتدبَّر. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُّهْلِكَ الْقُرَى﴾ أي: ما صحَّ وما استقام بل استحالَ في الحكمة أنْ يهلك القرى التي أهلكها وبلغتْك أنباؤُها، أو ما يعمُّها وغيرَها من القرى الظالم أهلُها، واللامُ في مثل ذلك زائدةٌ لتأكيدِ النفي عند الكوفيَّة، وعند البصريَّة متعلِّقةٌ بمحذوفٍ توجَّه إليه النَّفي. وقوله سبحانه: ﴿يِظُلْمٍ﴾ أي: ملتبساً به، قيل: هو حالٌ من الفاعل، أي: ظالماً لها، والتنكيرُ للتفخيم والإيذانِ بأنَّ إهلاكَ المصلحين ظلمٌ عظيمٌ، والمراد تنزيهُ الله تعالى عن ذلك على أبلغ وجهٍ، وإلّا فلا ظُلْمَ منه تعالى فيما يفعله بعبادِه كائناً ما كان، لِمَا عُلم من قاعدةِ أَهل السنة. وقولُه جل وعلا: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (٢٧) حالٌ من المفعول، والعاملُ فيه عاملُه، ولكن لا باعتبارٍ تقييده بالحال السابقة لدلالتِهِ على تقييدٍ نفي الإهلاك ظلماً بحال كونِ أهلها مصلحين، وفيه من الفسادِ - على ما قيل - ما فيه، بل مطلقاً عن ذلك، وهذا ما اختاره ابنُ عطية (١). ونقل الطَّبري(٢) أنَّ المرادَ بالظّلم الشِّرك، والباءُ للسببية، أي: لا يُهلك القرى بسبب إشراكِ أهلِها وهم مصلحون في أعمالهم يتعاطون الحقَّ فيما بينهم، بل لا بدَّ في إهلاكهم من أنْ يَضُّوا إلى شركهم فساداً وتباغياً، وذلك لفَرْطِ رحمته ومسامحتِه في حقوقه سبحانه، ومن ذلك قدَّم الفقهاءُ - عند تزاحُم الحقوق - حقوقَ العباد في الجملة ما لم يمنع منه مانعٌ. (١) في المحرر الوجيز ٢١٤/٣. (٢) في تفسيره ٢/ ٦٣٢.