Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ الآية : ٩٣ وقال بعضُ أجلَّة الفضلاء: إنَّ اختيار إحدى الطريقين ثَمَّةَ والأخرى هنا وإن كان مثله لا يسأل عنه لأنَّه دوريٌّ؛ لأنَّ أوَّل الذِّكرين يقتضي التصريحَ فيناسبُ في الثاني خلافَه. انتهى. وهو دون ما قلناه. و(مَن)) في قوله سبحانه: ﴿مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيدِ﴾ قيل: موصولةٌ مفعولُ العلم وهو بمعنى العرفان، وجملة ((يأتيه عذاب)) صلةُ الموصول، وجملةُ ((يخزيه)) صفةٌ ((عذاب))، ووصفُه بالإخزاء تعريضاً بما أَوْعَدوه عليه السَّلام من الرَّجم، فإنه مع کونه عذاباً فيه خزيٌ ظاهر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ﴾ عطفٌ على ((مَن يأتيه)) و((مَن)) أيضاً موصولةٌ. وجوِّز أن تكون ((مَن)) في الموضعين استفهاميَّة، والعلمُ على بابه، وهي معلِّقةٌ له عن العمل. واستظهر أبو حيَّان الموصوليَّة(١). وليس هذا العطفُ من عطفِ القَسيم على قسيمِه كما في: سيعلم الصادق والكاذب، إذ ليس القصدُ إلى ذكر الفريقين، وإنَّما القصدُ إلى الردِّ على القوم في العزم على تعذيبه بقولهم: ((لرجمناك))، والتصميم على تكذيبه بقولهم: ((أصلاتك تأمرك)) إلخ، فكأنَّهُ قيل: سيظهرُ لكم مَن المعذَّبَ أنتم أم نحن، ومَن الكاذب في دعواه أنا أم أنتم. وفيه إدراجُ حال الفريقين أيضاً. وفي ((الإرشاد)) أنَّ فيه تعريضاً بكذبهم في ادِّعائهم القوَّةَ والقدرةَ على رجمهٍ عليه السلام، وفي نسبته إلى الضَّعف والهوان، وفي إدعائهم الإبقاءَ عليه لرعايةٍ جانبٍ الرهط (٢) . وقال الزمخشريُّ: إنَّه كان القياس: ومَن هو صادقٌ، بدلَ هذا المعطوف؛ لأنه قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أَتْبَعه ذكرَ عاقبة العاملين منه ومنهم، فحينئذ ينصرفُ ((مَن يأتيه)) إلخ إلى الجاحدين، و((مَن هو صادق)) إلى النبيِّ المبعوث، ولكنَّهم لَمَّا كانوا يدعونه عليه السلام كاذباً قال: و((مَن هو كاذب))، (١) البحر ٢٥٧/٥. (٢) تفسير أبي السعود ٤/ ٢٣٧. سُؤَلاَ هُودٍ ٨٢ الآية : ٩٣ بمعنى: في زعمكم ودعواكم، تجهيلاً لهم(١). يعني أنَّه عليه السلام جرى في الذِّكر على ما اعتادوه في تسميته كاذباً تجهيلاً لهم، والمعنى: ستعلمون حالَكم وحالَ الصَّادق الذي سمَّيتموه كاذباً لجهلكم، وليس المرادُ: ستعلمون أنَّه كاذب في زَعْمِكم، فلا يَرِدُ ما توهِّم من أنَّ كذبَه في زعمهم واقعٌ معلومٌ لهم الآن فلا معنى التعليق علمِه على المستقبل. وقال ابن المنيِّر: الظاهر أنَّ الكلامين جميعاً لهم، فـ ((مَن يأتيه)) إلخ متضمِّنٌ ذِكْرَ جزائهم، ((ومَن هو كاذبٌ)) متضمِّنٌ ذکرَ جُرمهم الذي يجازَوْن به وهو الكذب، وهو مِن عَطْفِ الصِّفة على الصفة والموصوفُ واحدٌ، كما تقول لمن تهدِّده: ستعلمُ مَن يُهانُ ومَن يعاقَبُ، وأنت تعني المخاطب في الكلامین، فیکون في ذکر گذِبهم تعريضٌ لصِدْقه، وهو أبلغُ وأوقعُ من التصريح، ولذلك لم يذكر عاقبةَ شعيب عليه السلام استغناءً بذكر عاقبتهم. وقد مرَّ مثلُ ذلك أولَ السورة في قوله سبحانه: (فَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ (®) حيث اكتفى بذلك عن أنْ يقول: ومَن هو على خلافِ ذلك، ونظيرُه ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ. عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] حيث ذكر فيه إحدى العاقبتين؛ لأنَّ المراد بهذه العاقبة عاقبةُ الخير؛ لأنها متى أطلقتْ لا يعني إلا ذلك، نحو: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُشَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ولأنَّ اللام في ((له)) يدلُّ على أنَّها ليست عليه، واستغنى عن ذكر مقابلها(٢). انتهى، وتعقّبه الطيبيُّ بما ردَّه عليه الفاضل الجلبي. ﴿وَارْتَقِبُواْ﴾ أي: انتظروا ما أقولُ لكم من حلول ما أعِدُكم به وظهورِ صدقِه ﴿إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٣)﴾ أي: منتظرٌ ذلك. وقيل: المعنى: انتظروا العذابَ إِنِّي منتظرٌ النصرةَ والرحمة، وروي ذلك عن ابن عباس. و((رقيب)) إما بمعنى مرتقب، كالرفيع بمعنى المرتفع، أو راقب كالصَّريم بمعنى الصارم، أو مراقبٌ كعشير بمعنى معاشر، والأنسبُ - على ما قيل - بقوله: ((ارتقبوا)) (١) الكشاف ٢٩٠/٢. (٢) الانتصاف ٣/ ٢٩٠. الآية : ٩٤ ٨٣ سُؤَدَلُ هُود الأوَّلُ وإنْ كان مجيءُ فعيل بمعنى اسم الفاعل المزيد غيرَ كثير. وفي زيادة ((معكم)) إظهارٌ منه عليه السلام لكمال الوثوق بأمره. ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: عذابُنا، كما ينبئُ عنه قولُه سبحانه: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلخ، أو: وقتُه، فإنَّ الارتقابَ مُؤْذِنٌ بذلك ﴿نَّنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ. بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾ وهو الإيمانُ الذي وقَّقناهم له، أو بمرحمةٍ كائنةٍ منَّا لهم. وإنما جيء بالفاء في قصَّتي ثمود ولوط حيث قيل: ((فلما جاء أمرنا)» وبالواو هاهنا وفي قصَّة عادٍ حيث قيل: ((ولما جاء)» إلخ لأنَّه قد سبق هناك سابقةُ الوعد بقوله سبحانه: (ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) وقوله تعالى: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ) وهو يجري مجرى السبب المقتضي لدخول الفاء في معلوله، وأمَّا هاهنا وفي قصّة عادٍ فلم يسبق مثل ذلك، بل ذُكِرَ مجيءُ العذاب(١) على أنه قصَّةٌ بنفسه وما قبله قصَّةٌ أخرى لكنَّهما متعلَّقان بقومٍ واحد، فهما متشاركان من وجهٍ مفترقان من آخرَ، وذلك مقامُ الواو، كذا قيل. وتعقِّب بأنَّ في الكلام هاهنا ذكرَ الوعد أيضاً، وهو قولُه سبحانه: (وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ) إلى قوله عزَّ وجلَّ: (رَقِيبٌ)، غايةُ الأمر أنه لم يُذكَرْ بلفظِ الوعد، ومثلُه لا يكفي في الفرق. وقيل: إنَّ ذكرَ الفاء في الموضعين لقُرْبٍ عذاب قومٍ صالح ولوط للوعد المذكور، فإنَّ بين الأوَّلينَ والعذابِ ثلاثةَ أيام، وبين الآخرينَ وبينَه ما بين قول الملائكة: ((إن موعدهم الصبح)) والصبحِ، وهي سويعاتٌ يسيرة، ولا كذلك عذابُ قومي شعيبٍ وهودٍ عليهما السلام، بل في قصَّة شعيب عليه السلام ما يُشعر بعدم تضييق زمان مجيء العذاب بناءً على الشائع في استعمال (سوف)). على أنَّ مَن أنصف من نفسه لم يشكَ في الفَرْق بين الوعد في قصَّتي صالح ولوط عليهما السلام والوعدِ في غيرهما، فإنَّ الإشعار بالمجيء فيهما ظاهرٌ فحسُنَ تفريعُه بالفاء، ولا كذلك في غيرهما. كذا قيل، وفيه ما لا يخفى. (١) بعدها في الأصل: يدل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٣٢/٥. سُوَلاَ هُود! ٨٤ الآية : ٩٤ ولعلَّ الاقتصارَ على التفرقة بالقرب وعدمِه أقلُّ غائلةً مما قيل، وكذا مما يقال من أنَّ الإتيان بالفاء لتقدُّ الوعد، وتركَها وإن كان هناك وعدٌ للإشارة إلى سوءٍ حال أولئك القومَيْن ومزيدِ فظاعته، حتى إنَّ العذابَ حلَّ بهم لا لسببٍ سَبْقِ الوعدِ بل لمجرَّد ظلمِهم، وكأنَّ وجهَ اعتبار ذلك فيهم دون قومي لوط وصالح عليهما السلام أنَّهم امتازوا عنهم برمي ذينك النبيّين بالجنون، ومشافهتهما بما لم يشافِهِ به كلٍّ من قومَي صالح ولوط نبيَّه فيما قُّصَّ عنهما في هذه السورة الكريمة = فإنَّ في ذلك ما لا يكاد يَخْفَى عليك فتدبّر. ﴿وَأَخَذَتِ اٌلَِّينَ ظَلَمُوا﴾ عدل عن الضمير تسجيلاً عليهم بالظّلم، وإشعاراً بالعِلِّية، أي: وأخذتْ أولئك الظالمين بسبب ظلمهم الذي فصِّل ﴿اُلصَّيْسَةُ﴾ قيل: صاح بهم جبريلُ عليه السلام فهلكوا، وكانت صيحةً على الحقيقة. وجوَّز البلخيُّ أن يكون المرادُ بها نوعاً من العذاب، والعربُ تقول: صاح بهم الزمانُ، إذا هلكوا، وقال امرؤ القيس: فدَعْ عنكَ نهباً صِيْح في حَجَراته ولكنْ حديثٌ ما حديثُ الرواحلِ(١) والمعوَّل عليه الأول، وقد سبق في ((الأعراف)): ﴿الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٩١] - أي: الزلزلة - بَدَلَها، ولعلها كانت من مباديها فلا منافاة، وقيل غير ذلك فتذكَّر. ﴾ أي: ميتين، من جثمَ الطائرُ: إذا أَلْصقَ بطنَه ﴿فَضْبَحُوا فِي دِيَِهِمْ جَثِينَ ( بالأرض، ولذا (٢) خُصَّ الجثمانُ بشخص الإنسان قاعداً (٣)، ثمَّ توسَّعوا فاستعملوا الجثومَ بمعنى الإقامة، ثمَّ استُعير من هذا الجاثمُ للميت لأنَّه لا يبرح مكانَه. ولَمَّا لم يُجعل متعلّقُ العلم في قوله سبحانه: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ) إلخ نفسَ مجيءٍ العذاب بل مَن يجيئه ذلك، جُعل مجيئه بعدُ أمراً مسلَّمَ (١) ديوان امرئ القيس ص٩٤، وفيه: حديثا، بدل: حديث. قال الشارح: يقول: دَعْ عنك ذكرك نهباً أُغِيرَ عليه وصيح في نواحيه، والحجّرات: النواحي، ولكن حدِّثنا حديثاً عن الرواحل کیف ذهب بها أيضاً. (٢) في الأصل: وإنما، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٣٢/٥، والكلام منه. (٣) جاء في هامش الأصل: قاله بعضهم وفيه تردُّد. الآية : ٩٥ ٨٥ سُوَلَ هُود! الوقوع غنيًّا عن الإخبار به، حيث جُعل شرطاً، وجُعل تنجيةُ شعيب عليه السَّلام والمؤمنين وإهلاكُ الكفرة الظالمين جواباً له ومقصودَ الإفادة، وإنَّما قدَّم التنجية اهتماماً بشأنها وإيذاناً بسبقِ الرَّحمة على الغضب. قاله شيخ الإسلام(١). و((أصبح)) إمّا ناقصةٌ أو تامَّة، أي: صاروا جاثمين، أو: دخلوا في الصباح حال کونهم جائمین. ﴿كَنْ لَمْ يَغْنَواْ﴾ أي: لم يقيموا ﴿فِيًَّ﴾ متصرِّفين في أطرافها متقلِّبين في أكنافها، والجملةُ إما خبرٌ بعد خبر، أو حالٌ بعد حال. ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾﴾ العدولُ عن الإضمار إلى الإظهار للمبالغة في تفظيع حالهم، وليكون أنسبَ بمن شُبِّه هلاكُهم بهلاكهم، وإنما شُبِّه هلاكُهم بهلاكهم لأنَّ عذابَ كلٍّ كان بالصَّيحة، غيرَ أنه روى الكلبي عن ابن عباس ــ أنَّ صيحةَ ثمودَ كانت من تحتهم، وصيحةً مدينَ كانت من فوقِهم. وقرأ السُّلمي وأبو حيوة: (بَعُدَتْ)) بضم العين(٢). والجمهور بكسرِها على أنَّه من بعِد يبعَد، بكَسْرِ العين في الماضي وفتحها في المضارع، بمعنى: هلك، ومنه قولُه: يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفنونني وأين مكانُ البُعْدِ إِلَّا مكانيا(٣) وأما بعُد يبعُد بالضم فهو من (٤) البُعد ضد القرب، قاله ابنُ قتيبة(٥)؛ قيل: أرادت العربُ بهذا التغيير الفرقَ بين المعنيين. وقال ابنُ الأنباري: من العرب مَن يسوِّي بين الهلاك والبُعد الذي هو ضدُّ القرب. (١) في تفسيره ٢٣٧/٤. (٢) القراءات الشاذة ص٦١، والمحتسب ٣٢٧/١، والبحر ٢٥٧/٥. (٣) البيت لمالك بن الريب كما في جمهرة أشعار العرب ٧٦٣/٢، والعقد الفريد ٢٤٧/٣، وذيل الأمالي ص١٣٧، والخزانة ٢/ ٢٠٥، والبحر ٢٥٨/٥. (٤) قوله: من، ليس في (م). (٥) في تفسير غريب القرآن ص٢٠٩. سُوََّلُ هُوّد! ٨٦ التفسير الإشاري (٥٦-٩٥) وفي ((القاموس)): البعد معروف، والموتُ، وفعلُهما ككَرُم وفَرِح، بُعداً وبَعَداً بفتحتين(١). وقال المهدويُّ: إنَّ (بَعُدَ)) بالضمِّ يستعمل في الخير والشر، وبَعِد بالكسر في الشرِّ خاصَّة. وكيفما كان الأمرُ فالمرادُ بـ ((بعُدَثْ)) على تلك القراءة أيضاً: هلكت، غاية الأمر أنَّه في ذلك إمَّا حقيقة أو مجاز، ومَنْ هلك فقد بَعُدَ ونأى كما قال الشاعر: مَن كان بينَكَ في التراب وبينَه شبرانِ فهو بغايةِ البُعد(٢) وفي الآية ما يسمَّى الاسْتطراد (٣)، قيل: ولم يَرِدْ في القرآن من هذا النوع إلا ما في هذا الموضع(٤)، وقد استعملته العرب في أشعارها، ومن ذلك قولُ حسان څته: فنجوتِ مَنْجى الحارثِ بن هِشام إنْ كنتِ كاذبةَ الذي حدَّثتِني ونجا برأسٍ طِمِرَّةٍ ولجامِ (٥) ترَكَ الأحبَّةَ أن يقاتِلَ دونَهُمْ هذا ومن باب الإشارة في الآيات: قوله سبحانه في قصّة هود عليه السلام: ﴿َا مِن دَآبَّةٍ إلَّا هُوَ ءَلِذٌ بِنَاصِيَهَاْ إِنَّ رَبٍِّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ ذي نَفْسٍ تحتَ قَهْرِه سبحانه وسلطانِه، أسيرٌ في يد تصرُّفه وملكتِهِ، عاجزٌ عن الفعل إلا بإذنه، وأنَّه عزَّ وجلَّ لا يسلِّط أحداً على أحدٍ إلا عن استحقاقٍ ذنبٍ، أو رَفْعِ درجةٍ وإعلاءِ منزلةٍ؛ لأنه تبارك وتعالى على طريقِ العدل الذي لا اْوِ جاجَ فيه . (١) القاموس (بعد). (٢) البيت في الديوان المنسوب لعلي ظاه ص٣٧، وهو دون نسبة في بهجة المجالس لابن عبد البر ٣٤٠/٣، والدر المصون ٣٨١/٦، واللباب لابن عادل ٥٥٦/١٠، وحاشية الشهاب ١٣٢/٥، ووقع في الأصل و(م): شهران، وفي حاشية الشهاب: شبر فذا في غاية .... ، والمثبت من باقي المصادر. (٣) وهو التعريض بعيب إنسان بذكر عيب غيره. البرهان ٣٠٠/٣. (٤) وذكر الزركشي آيتين غيرها، وهما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِفَةُ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، وقوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]. (٥) ديوان حسان ص٤١٩، والطمرَّة: الفرس الطويل القوائم الخفيف. القاموس (طمر). سُورَةٌ هُوَّدٍ ٨٧ التفسير الإشاري (٥٦-٩٥) وذكر الشيخُ الأكبرُ قدِّس سرُّه في ((فصوصه)): أنَّ كلَّ ما سوى الحقِّ فهو دابَّةٌ فإنه ذو روحٍ، وما ثَمَّ مَن يدبُّ بنفسِه وإنما يدبُّ بغيره بحكم التبعيَّة للذي هو على صراطٍ مستقيم، فكلُّ ماشٍ فهو على الصراط المستقيم، وحينئذٍ فلا مغضوب عليه ولا ضالٌ من هذا الوجه. نعم إنَّ الناس على قسمين: أهلِ الكشف، وأهلٍ الحجاب. فالأوَّلون يمشون على طريقٍ يعرفونها ويعرفون غايتَها، فهي في حقِّهم صراط مستقيم كما أنَّها في نفس الأمر كذلك، والآخَرون يمشون على طريقٍ يجهلونها ولا يعرفون غايتَها، وأنَّها تنتهي إلى الحقِّ، فهي في حقِّهم ليست صراطاً مستقيماً وإن كانت عند العارف وفي(١) نفس الأمر صراطاً مستقيماً، واستنبط قدِّس سرُّه من الآية أنَّ مآلَ الخلق كلِّهم إلى الرحمة التي وسعت كلَّ شيء، وهي الرحمةُ السّابقةُ على الغضب، وادَّعى أنَّ فيها بشارةً للخَلْقِ أيَّ بشارة. وقال القيصريُّ (٢) في تفسيرها: أي: ما من شيءٍ موجودٍ إلا هو سبحانه آخِذٌ بناصيته، وإنما جُعِلَ دابةً لأنَّ الكلَّ عند صاحب الشهودِ وأهل الوجود حيٍّ، فالمعنى: ما من حيٍّ إلا والحقُّ آخذٌ بناصيته ومتصرِّفٌ فيه بحسب أسمائه، يسلك به أيَّ طريقٍ شاء من طرقه، وهو على صراط مستقيم. وأشار بقوله سبحانه: ﴿ءَاخِذٌ﴾ إلى هوية الحقِّ الذي مع كلٍّ من الأسماء ومظاهرها، وإنما قال: ((إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيم)) بإضافة الرَّبِّ إلى نفسه وتنكيرِ الصراط تنبيهاً على أنَّ كلَّ ربٍّ على صراطِه المستقيم الذي عيّن له من الحضرة الإلهية. والصراطُ المستقيم الجامعُ للطرق هو المخصوصُ بالاسم الإلهيِّ ومظهره، لذلك قال في ((الفاتحة)» ﴾ بلام العهد أو الماهية التي منها المختصّة بنبيِّنَا بَّهِ: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ تتفرَّع جزئيًّاتُها، فلا يقال: إذا كان كلُّ أحدٍ على الصراط المستقيم فما فائدةٌ الدعوة؟ لأنَّا نقول: الدعوةُ إلى الهادي من المضلِّ، وإلى العدل من الجائرِ، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. انتهى بحروفه. (١) قوله: في، ليس في (م). (٢) شرف الدين داود بن محمود بن محمد، أديب من علماء الروم من أهل قيصرية، من مصنفاته: مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم، ويعرف بمقدمة شرح الفصوص، توفي سنة (٧٥١هـ). كشف الظنون ١٧٢٠/٢، وهدية العارفين ٣٦١/١، والأعلام ٣٣٥/٢. سُدَلاَ هُود ٨٨ التفسير الإشاري (٥٦-٩٥) وأعظمُ من هذا إشكالاً التكليفُ مع القول بالوحدة، وكذا التنعيم والتعذيب، فإنَّ الظاهر من التقرير لكلام المحقّقين من الصوفية أنَّ المكلّف عبارةٌ عن موجودٍ هو حصّةٌ من الوجود المطلق المفاضِ على حقائقِ الممكنات، المتعيِّن بتعيُّناتٍ مختلفةٍ اقتضتْها الاستعداداتُ الذاتيّة للحقائق التي هي المعدومات المتميِّزة في نفس الأمر، المستعدَّة باستعداداتٍ ذاتية غيرِ مجعولة، فالمكلَّف مقيَّدٌ من مقيّدات الوجود المطلقِ المفاضِ، والمقيَّد لا يوجدُ بدون المطلق لأنَّه قيُّومه، والمطلقُ من حيثُ الإطلاقُ عينُ الحقِّ، ولا شكَّ أن قاعدةَ التكليف تقتضي أن يكون بينهما مغايرةٌ ومباينةٌ حقيقيّةٌ ذاتيَّةٌ حتى يصحَّ التكليف وما يترتَّب عليه من التنعيم والتعذيب. وأجيب بأنَّ حقيقةَ الممكن أمرٌ معدومٌ متميّزٌ في نفسه بتميُّزٍ ذاتيٍّ غيرِ مجعولٍ، ووجودُه خاصٌّ مقيَّدٌ بخصوصيَّةٍ مّا اقتضاها استعدادُه الذاتيُّ لماهيته العدميَّة، فهو مركّبٌ من الوجود والعدم، وحقيقتُه مغايرةٌ لوجودِه تعقُّلاً لتمايُزهما ذهناً، ولا ينافي ذلك قولَ الأشعري: وجودُ كلِّ شيء عينُ حقيقتِه؛ لما بيِّن في محلِّه، وحقيقةُ الحقِّ تعالى لا تُغايِرُ وجودَه، ووجودُه سبحانه هو الوجودُ المطلَق بالإطلاق الحقيقيِّ حسبما حقَّقه محقِّقو الصُّوفية، فالمغايرةُ الذاتية بين المكلّف والمكلِّف في غاية الظهور؛ لأنَّ المكلَّف هو المعدومُ اللابسُ لحصةٍ من الوجود المتعيِّنُ بمقتضى حقيقتِهِ، والمكلِّفُ سبحانه هو الحقُّ عزَّ وجلَّ الذي هو عينُ الوجود المطلَق الغير المقترن بماهيَّةٍ عدميّة. وبعبارة أخرى: إنَّ حقيقةَ الممكن أمرٌ معدوم، وحقيقةَ الواجب سبحانه الوجودُ المطلَق حتَّى عن قيدِ الإطلاق، وقد وقع في البَيْنِ تجلِّي الهوية في العبد، وذلك التجلِّي هو الجامعُ للقدرة وغيرِها من الكمالات التي يتوقَّف عليها التكليف بمقتضى الحكمةِ ومحققُ المغايرة. وحاصلُ ذلك أنَّ حقيقةَ المزج بين تجلِّي الهوية والصورة الخَلْقيَّة المتعيِّنةِ بمقتضى الحقيقة العَدَميَّة هي التي أحدثت ما به يصحُّ التكليفُ وما يترتَّب عليه، وكونُ الحقِّ سبحانه قيُّوماً للوجود المقيّد غيرُ قادحِ في ذلك، بل القُّوميَّةُ هي المصحِّحة له، لما تبيَّن من النصوص أنَّه لا تكليفَ إلّ بالوسعِ، ولا وسعَ للممكن سُوَةٌ هُود ٨٩ التفسير الإشاري (٥٦ -٩٥) إلا بقيُّوميَّته تعالى بنصِ ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةً إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] وما هو بالله فهو لله تعالى. والبحثُ في ذلك طويل، وبعضُ كلماتهم يتراءى منها عدمُ المغايرة بين المكلّف والمكلِّف، من ذلك ما قيل: إخالُكَ أنّي ذاكرٌ لك شاكرُ لقد كنتُ دهراً قبل أنْ يُكشَفَ الغطا بأنّك مذكورٌ وذكرٌ وذاكر فلمَّا أضاء الليلُ أصبحْتُ شاهداً لكنْ ينبغي أنْ لا يبادِرَ سامعُها بالإنكار، ويرجعَ في المراد منها إلى العارفين بدقائق الأسرار. هذا وقد تقدَّم الكلام في ناقة صالح عليه السَّلام. وفيما قصَّ اللهُ تعالى هاهنا عن إبراهيم عليه السلام إشارةٌ إلى بعض آداب الفتوَّة، فقد قالوا: إنَّ مِنْ آدابها إذا نزل الضيفُ أن يبدأ بالكرامة في الإنزال(١)، ثمّ يثِّي بالكرامة بالطعام، وإنَّما أَوْجَسَ عليه السَّلام في نفسه خيفةً لأنَّه ظنَّ الغضب، والخليلُ يخشى غضبَ خليله ومُناهُ رضاه، ولله درُّ مَن قال: لعلَّك غضبان ولستُ بعالم سلامٌ على الدَّارين إنْ كنت راضيا وفي هذه القصّة دليلٌ على أنَّه قد ينسدُّ بابُ الفراسة على الكاملين لِحِكْمٍ يريدُها الله تعالى، ومن ذلك لم يعرف إبراهيمُ وكذا لوظٌ عليهما السلام الملائكةَ عليهم السلام في أوَّل الأمر، وكانت مجادلتُه عليه السلام من آثار مقام الإدلال على ما قيل. وقولُه تعالى عن لوط عليه السلام: ﴿لَ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ قيل: يشيرُ بالقوّة إلى الهمَّة، وهي عندهم القوَّةُ المؤثِّرة في النفوس؛ لأنَّ القوَّة منها جسمانية ومنها روحانية، وهذه المسمّاة بالهمَّة، وهي أقوى تأثيراً؛ لأنَّها قد تؤثّر في أكثر العالم أو كلِّه بخلاف الجسمانية. وقَصَدَ عليه السلام بالرُّكن الشديد القبيلةَ؛ لأنَّه يعلم أنَّ أفعال الله تعالى لا تظهرُ (١) في الأصل: بالإنزال. سُورَةُ هُود! ٩٠ الآية : ٩٦ في الخارج إلا على أيدي المُظاهر، فتوجَّه إلى الله سبحانه وطلب منه أن يجعل له أنصاراً ينصرونه على أعداءِ الله تعالى، وردّد الأمر بين ذلك وأن يجعل له همَّةً مؤثّرةً من نفسه ليقاومَ بها الأعداء. وقد علمتَ ما روي عن النبيِّ بَّر من قوله: ((يرحم الله تعالى أخي لوطاً)) الخبر(١)، وذكر الشيخُ الأكبر قدّس سرُّه أنه عليه الصلاة والسلام نَبَّه بذلك الخبر أنَّ لوطاً كان مع الله تعالى من أنَّه سبحانه ركنٌ شديدٌ. والإشارةُ في قصَّة شعيبٍ عليه السلام إلى أنَّه ينبغي لمن كان في خيرٍ (٢) أنْ لا يعصيَ الله تعالى، وللواعظ أنْ لا يخالفَ فعلُه قولَه: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عظِيمُ(٣) وأنَّه لا ينبغي أن يكون عند العبد شيء(٤) أعزَّ عليه من الله تعالى، إلى غيرِ ذلك، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد. ﴿وَلَقَدْ أَزْسَلْنَا مُوسَى بَِايَِنَا﴾ وهي الآياتُ التِّسع: العصا، واليدُ البيضاء، والطُّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدَّم، والنقصُ من الثمرات والأنفس. والباء متعلّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعول ((أرسلنا))، أو نعتاً لمصدره المؤكّد، أي: أرسلناه حالَ كونِه ملتبساً بآياتنا، أو: أرسلناه إرسالاً ملتبساً بها. ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ هو المعجزاتُ الباهرةُ منها، أو هو (٥) العصا، والإفرادُ بالذِّكر لإظهار شرفِها لكونها أبهرَها، والمرادُ بالآيات ما عداها. ويجوز أن يرادَ بهما واحدٌ، والعطف باعتبارِ التغايُر الوصفي، أي: أرسلناه (١) صحيح البخاري (٣٣٨٧)، وصحيح مسلم (١٥١)، عن أبي هريرة، وسلف ٣٥٤/١٠، وص٤١ من هذا الجزء. (٢) في (م): حيز. (٣) سلف ٨٨/١٠. (٤) في (م): شيء عند العبد. (٥) في الأصل و(م): وهو، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٣٣/٥، وتفسير أبي السعود ٢٣٨/٤ . الآية : ٩٧ ٩١ سُورَةٌ هُوَّد! بالجامع بين كونه آياتنا وكونِه سلطاناً له على نبوَّته، واضحاً في نفسه أو موضّحاً إيَّاها، من ((أبان)) لازماً بمعنى تبيَّن ومتعدِّياً(١) بمعنى (بيَّن)). وجَعَل بعضُهم الآيات والسلطانَ شيئاً واحداً في نفس الأمر، إلا أنَّ في ذلك تجريداً، نحو مررتُ بالرجل الكريم والنسمة المباركة(٢)، كأنه جرَّد من الآيات الحجَّة وجعلها غيرَها وعطف(٣) عليها لذلك. وجوِّز أن يكون المرادُ بالآيات ما سمعتَ، وبالسلطان ما بيَّنه عليه السلام في تضاعيف دعوتِه حين قال له فرعون: ﴿فَمَنْ رَّبُّكُمَا﴾ [طه: ٤٩] ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ اٌلْأُولَى﴾ [طه: ٥١] من الحقائقِ الرائقة، والدَّقائقِ اللائقة. أو هو الغلبةُ والاستيلاءُ كما في قوله سبحانه: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: ٣٥]. وجَعْلُه عبارةً عن التوراة، أو إدراجُها في جملةِ الآيات، يردُّه كما قال أبو حيَّان قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ﴾ فإنَّ نزولها إنَّما كان بعد مهلكِ فرعون وقومِه قاطبةً(٤)؛ ليعملَ بها بنو إسرائيل فيما يأتون ويَذَرون، وأمَّا فرعونُ وقومُه فإنما كانوا مأمورين بعبادةِ ربِّ العالمين، وتركِ العظيمةِ الشنعاء التي كان يدَّعيها الطاغيةُ وتقبَّلَها منه فتتُه الباغية، وبإرسال بني إسرائيل من الأسْر والقَسْر. ومن هذا يعلم ما في عدِّ النقص من الثمرات والنقصٍ من الأنفس آيةً واحدة من الآيات التِّسع وعدِّ إظلال الجبل منها؛ لأنَّ ذلك إنما كان لقبولِ التوراة حين أباه بنو إسرائيل، فهو متأخّرٌ أيضاً ضرورةً، ومثلُ ذلك عَدُّ فَلْقِ البحر وإظلالِ الغمام بدلهما؛ لأنَّ هذا الإظلال أيضاً متأخِّر عن مهلكِ فرعون وقومِه. (١) في الأصل: أو متعدياً. (٢) التجريد: هو أن ينتزع من أمرٍ ذي صفة آخر مثله مبالغةً في كمالها فيه. وفي المثال الذي ذكره المصنف جردوا من الرجل الكريم آخر مثله متصفاً بصفة البركة، وعطفوه عليه كأنه غيره، وهو هو، ومن أمثلته في القرآن أيضاً: ﴿لَمْ فِهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨] ليس المعنى أن الجنة فيها دار خلد وغير دار خلد، بل هي نفسها دار الخلد، فكأنه جرَّد من الدار داراً. الإتقان ٩١٧/٢-٩١٨. (٣) في (م): وعطفت، وفي حاشية الشهاب ١٣٣/٥ (والكلام منه): وعطفها. (٤) البحر ٢٥٨/٥. سَُّلاَ هُودٍ ٩٢ الآية : ٩٧ وأجاب بعضُ الأفاضل عن الاعتراض على جعل التوراةٍ من الآيات بأنَّ التصحيح ممكنٌ : أما أوَّلاً: فبما صرَّحوا به من جواز إرجاع الضمير وتعلَّق الجارِّ ونحوِه بالمطلق الذي في ضمن المقيَّد، فقوله سبحانه: ((إلى فرعون)) يجوز أن يتعلَّق بالإرسال المطلَق لا المقيَّد بكونه بالتوراة. وأما ثانياً: فبأنْ يقال: إنَّ موسى عليه السَّلام كما أُرسل إلى الفراعنة أُرسل إلى بني إسرائيل أيضاً، فيجب أن يُحمل ملأُ فرعون على ما يشملُهم، فيجيءُ الكلامُ على التوزيع، على معنى: أرسلناه إلى فرعونَ بسلطانٍ مبينٍ وإلى ملئه بالتوراةٍ، فيكون لفًّا ونشراً غيرَ مرتَّب، ويقال نحوُ هذا على تقدير عدِّ إظلالِ الجبل أو الغمامٍ من الآيات. وفي مجموعة سريٍّ الدِّين المصري: أنَّ هذا السؤال مما أَورد الحافظ الطاشكندي(١) على مخدوم المُلْكِ(٢)، فأجاب بأنَّ قوله سبحانه: ((بآياتنا)) حالٌ مقدَّرة، أي: مقدِّرين تلُّسه أو نصرتَه بالآيات والسلطان إلى فرعون وملئه، فلا يقدحُ فيه ظهورُ بعضها بعد هلاك فرعون، كالتوراة، وانفجارِ الماء، وغيرِ ذلك. وبأنه قيل: إنَّ إعطاء التوراة مجموعاً مرتَّباً مكتوباً في الألواح بعد غرق فرعون، وأوحي بها إلى موسى عليه السَّلام في حياة فرعون، وكان يأمر بها قومَه ويبلِّغها إلى فرعون وملئه، ويؤيِّده ما قيل: إنَّ بعض الألواح كان منزَّلاً قبل نزول التوراة بتمامها، وكانت تلك الألواح من خشبٍ، والألواح التي كانت فيها التوراة بتمامها كانت من زمرُّد، أو من ياقوت أحمرَ، أو من صخرةٍ صمَّاءَ. انتهى. ولا يخفى أنَّ الذهاب إلى كون الحال مقدَّرةً مما لا يكاد يقبله الذوقُ السليم. وما حَكَى من أنَّ إعطاءَ التوراة مجموعاً كان بعدُ والإيحاء بها كان قبلُ .. إلخ، مما لا مستندَ له من الأخبار الصحيحة. (١) لعله محمد كمال الدين الشاشي الفركندي الحنفي النقشبندي نزيل الروم، المتوفى سنة (٩٨٠هـ)، له حاشية على تفسير البيضاوي. إيضاح المكنون ١/ ١٤١. (٢) هو عبد الله الأنصاري السلطانبوري الهندي المتوفى سنة (١٠٠٦ هـ)، من تصانيفه: عفيفة الأنبياء، وكشف الغمة عن بصائر الأئمة، ومنهاج الدين. هدية العارفين ١/ ٤٧٣. الآية : ٩٧ ٩٣ سُؤَلُ هُودٍ وما ذكر أوَّلاً من حديث التعلُّق بالمطلق، وثانياً من حمل الملأ على ما يشمل بني إسرائيل .. إلخ، مِمَّا ينبغي أن ينزَّه ساحةُ التنزيل عنه، وكيف يُحمل الملأ على ما يشمل بني إسرائيل مع الإضافة إليهم وجَعْلِھم من أهل النار، ولا أظنُّك في مِرْبةٍ من القول بعدمٍ صحَّة ذلك. وقيل: لو جُعل ((إلى فرعون)) متعلِّقاً ((بسلطانٍ مبين)) لفظاً أو معنًى على تقديرٍ: وسلطانٍ مرسَلٍ به إلى فرعون، لم يَبْعُدْ، مع المناسبة بينه وبين السلطان. وفيه ما لا يخفى، فتأمَّل. وتخصيصُ الملأ بالذُكر مع عموم رسالة موسى عليه السلام للقوم كافَّة؛ لأصالتهم في الرَّأي وتدبيرِ الأمور، واتِّباعِ الغير لهم في الورود والصدور. ولم يصرَّح بكفر فرعون بالآيات وانهماكِه فيما كان عليه من الضَّلال والإضلال، بل اقتُصر على ذكرٍ شأنٍ ملئِهِ، فقيل: ﴿وَّعُواْ أَقَ فِرْعَوْنٌ﴾ أي: أمْرَه بالكفر بما جاء به موسى عليه السَّلام من الحقِّ = للإيذان بوضوح حالِهِ، فكأنَّ كفرَه وأَمْرَ ملئه بذلك أمرٌ متحقِّقُ الوجود غيرُ محتاج إلى الذِّكر صريحاً، وإنَّما المحتاجُ إلى ذلك شأنُ ملئه المتردِّدين بين هادٍ إلى الحقِّ وهو موسى عليه السلام، وداعٍ إلى الضَّلال وهو فرعون، فنعى عليهم سوءَ اختيارهم. وإيرادُ الفاء للإشعار بمفاجأتهم في الاتِّباع، ومسارعةٍ فرعونَ إلى الكفر والأمرِ به، فكأنَّ ذلك لم يتراخَ عن الإرسال والتبليغ. وجوِّز أن يرادَ من الأمر الطريقةُ والشأنُ. وقيل: معنى ((فاتَّبَعوا)): فاستمروا على الاتِّباع، والفاءُ مثل ما في قولك: وَعَظْتُه فلم يتَّعظُ، وزجرتُه فلم يَنْزَجِرْ؛ فإن الإتيان بالشيء بعد ورودِ ما يوجبُ الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه لكنَّه بحسب العنوان فعلٌ جدید وصنعٌ حادث. ويجوز أن يكون المراد: فاتَّصَفوا بما انَّصف به فرعونُ من الكفر بما جاء به موسى عليه السَّلام والتكذيبٍ له، ووافقوه في ذلك، وإيرادُ الفاء للإشعار بمفاجأتهم في الموافقة لفرعون في الكفر ومسارعتِهِ إليه، فكأنَّه حين حصل الإرسالُ والتبليغُ حصلَ كفرُ فرعون بما جاء به موسى عليه السَّلام، ووقع على أثرِه الموافقةُ منهم، ولا تتوهَّمنَّ أنَّ هذه الموافقةَ كانت حاصلةً لهم قبلُ؛ لأنَّها تتوقَّف على انِّصاف فرعونَ بالكفر بما جاء به موسى عليه السَّلام، وذلك إنّما تجدَّد له بعد سُرَلاَ هُودٍ ٩٤ الآية : ٩٨ الإرسال والتبليغ، فلا ضرورةً إلى الحمل على الاستمرار، وجَعْلِ الفاء كما في قولك: زجرتُه فانزجر، فتأمل. وعُدل عن: أمرِهِ، إلى ((أمرِ فرعون))؛ لدَفْع توهُّم رجوع الضميرِ إلى موسى عليه السَّلام من أوَّل الأمر، ولزيادةٍ تقبيح حالِ المتَّبِعِين، فإن فرعون عَلَمٌ في الفساد والإفساد، والضَّلال والإضلال، فاتِّاعُه لفَرْطِ الجهالة وعدمِ الاستبصار. ﴾ أي: براشدٍ، أو وكذا الحالُ في قوله تعالى: ﴿وَمَّ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٧) بذي رَشَد، والرَّشَدُ ضدُّ الغيّ، وإسنادُه إلى الأمر مجازيٌّ، وكأنَّ في العدول عن: وأمرُ فرعون غيُّ وضلالٌ، إلى ما في النَّظم الكريم زيادةً في تقبيح فعلهِم، وتحسيراً لهم على فوات ما فيه صلاحُ الدَّارين، أعني الرشد. ويجوز أن يجعل الرَّشَد كنايةً عن المحموديَّة والإسنادُ حقيقيٌّ، أي: وما أمرُ فرعونَ بصالحِ حميدِ العاقبة. وقوله سبحانه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ, يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِّ﴾ على الأوَّل استئنافٌ وقعَ جواباً لمن سأل عن حالِ المتبوع والتابع مالاً، وعلى الثاني تفسيرٌ وإيضاحٌ لعدم صلاح عاقبته، أي: كيف يرشدُ أمرُ مَنْ هذه عاقبتُه؟ وجملة ((وما أَمْرُ)) إلخ جوِّز أن تكون حالاً من فاعل ((اتَّبعوا)) وأن تكون حالاً من مفعوله، قيل: وهو مختارُ الزمخشريٌّ(١). والمرادُ بالقوم ما يشمل الملأ وغيرهم. و((يقدُّم)) كينصُر، من قَدَمَ كنَصَر بمعنى تقدَّم، ومنه قادِمةُ الرَّحْل، وهذا كما يقال: قَدَمه بمعنى تقدَّمه، ومنه مقدِّمةُ الجيش، وأَقْدَم بمعنى تقدَّم، ومنه مُقْدِمُ العين؛ فإنَّه بالكسر لا غير كما قاله المرزوقي، ومثله مُؤْخِر العين كما في ((المزهر))(٢). (١) في الكشاف ٢/ ٢٩١. (٢) المزهر في علوم اللغة وأنواعها ٢٩٢/٢، وعنه نقل المصنف قول المرزوقي، ومُؤْخِر العين مثل مؤمن: الذي يلي الصُّدْغِ. ومُقْدِمها الذي يلي الأنف، ومؤخر العين ومقدمها جاء في العين بالتخفيف خاصة. اللسان (أخر). الآية : ٩٨ ٩٥ سُوَلاَ هُود! والمراد مِن أَوْرَدَهم: يُؤْرِدُهم، والتعبيرُ به دونه للإيذان بتحقُّق وقوعِه لا محالة. والقول بأنَّه باقٍ على حقيقته، والمراد: فأوردهم في الدنيا النارَ، أي: مُؤْجِبَها وهو الكفر، ليس بشيءٍ. ونصب ((النار)) على أنَّه مفعول ثانٍ لـ ((أوردهم))، وهي استعارةٌ مكنيَّة تهُّمية للضدِّ وهو الماء، وفي قرينتها احتمالاتٌ كما شاع في ﴿يَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٥] وعلى احتمال المجاز يكون الإيرادُ مستعاراً استعارةً تبعيّة لسوقهم إلى النار. وجوِّز أن يقال: إنه شبَّه فرعون بالفارطِ، وهو الذي يتقدَّم القومَ للماء، ففيه استعارةٌ مكنيَّة، وجَعْلُ أتباعه واردةً وإثباتُ الورود لهم تخييلٌ، وجوِّز أيضاً جَعْلُ المجموع تمثيلاً . وجوَّز بعضُهم كونَ (يقدم)) و((أَوْرَدَ)) متنازعَيْنٍ في ((النار)) إلا أنه أَعمل الثاني وحَذَف معمولَ الأوَّل(١)، وليس بذلك(٢). ﴿وَبِْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾﴾ أي: بئس الوِرْدُ الذي يَرِدونه النارُ؛ لأنَّ الوِرْدَ إنَّما يورَدُ لتسكينِ العطش وتبريدِ الأكباد، وفي النار تقُّعُ الأكبادِ واشتعالُها، كذا قيل، فالوِرْدُ على هذا بمعنى النَّصيبِ من الماء ((والمورود)) صفتُه، والمخصوصُ بالذمِ محذوفٌ وهو النار. وتُعقّب بأنه لا بدَّ من تصادُقٍ فاعل ((بئس)) ومخصوصِها، ولا تَصادُقَ على هذا، وأيضاً في جواز وصفٍ فاعل ((نعم وبئس)) خلافٌ، وابن السرَّاج والفارسيُّ على عدم الجواز(٣). (١) في (م): مفعول الأول. (٢) ولعل هذا بسبب ما ذكره السمين في الدر المصون ٦/ ٣٨٢ من أنَّ ((يقدم)) يصح أن يتسلط على ((النار)) بحرف الجر، أي: يقدم قومه إلى النار، وهنا قد أعمل الثاني للحذف من الأول، ولو أعمل الأول لتعدَّی بـ ((إلى)). (٣) الأصول في النحو لابن السراج ١٢٠/١-١٢١، وذكره عن الفارسي وابن السراج ابنُ هشام في المغني ص ٧٦٥، ونقل عن ابن مالك قوله: يمتنع نعته إذا قصد بالنعت التخصيص مع إقامة الفاعل مقام الجنس؛ لأن تخصيصه حينئذ منافٍ لذلك القصد، فأما إذا تُؤُوِّل بالجامع لأكمل الخصال فلا مانع من نعته حينئذ، لإمكان أن يُنوى في النعت ما نُوي في المنعوت. سُوَلاَ هُودٍ ٩٦ الآية : ٩٩ وجوَّز ابنُ عطية(١) كونَ ((المورود)) صفةً والمخصوص ((النار))، إلا أنَّه جعل الكلام على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه، فالتصادُقُ حاصلٌ في الحقيقة، أي: بئس مكانُ الوردِ (٢) المورودُ النارُ. ومنهم مَن يجعلُ («المورود)» هو المخصوصَ بالذَّم، والمراد به النار، ويقدِّر المضافَ ليحصلَ التصادقُ أيضاً، أي: بئس مكانُ الوردِ النار. ومَن يجعلُ ((الورد)) فاعلَ ((بئس)) ويفسِّره بالجمع الوارد و ((المورود)» صفة لهم، والمخصوصُ بالذَّمِّ ضميرهم المحذوف، أي: بئس القومُ المورود بهم هم، فيكون ذمًا للواردين لا لموضعٍ الورود. ﴿وَأَتَّبِعُواْ﴾ أي: الملأ الذين اتَّبعوا أمرَ فرعون، وقيل: القوم مطلقاً ﴿فِى هَذِهِ﴾ أي: في الدنيا ﴿لَغَنَةٌ﴾ عظيمةٌ حيثُ يلعنهم مَن بعدَهم من الأمم ﴿وَيَوْمَ الْقِيََّةِ﴾ أيضاً حيث يلعنُهم أهلُ الموقف قاطبةً، فهي تابعةٌ لهم حيثما ساروا، ودائرةٌ أينما داروا، فكما اتَّبعوا أمرَ فرعون اتَّبعتهم اللعنةُ في الدارين جزاءً وفاقاً . وقال الكلبيُّ: اللعنة في الدنيا من المؤمنين أو بالغرق، ويومَ القيامة من الملائكةِ أو بالنار. ﴿يَأْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾ أي: بئس العونُ المعانُ كما نُقل عن أبي عبيدة(٣)، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوف، أي: رفدُهم. ويكون ((الرفد)) بمعنى العطيّة كما يكون بمعنى العون. قال أبو حيَّان: يقال: رَفَد الرجلَ يَرْفِدُه رَفداً ورِفداً: إذا أعطاه وأعانَه، من رفدَ الحائطَ: دَعَمه. وعن الأصمعيِّ الرَّفد بالفتح القَدَح، والرِّفد بالكسر ما فيه من الشَّراب. وقال الليث: أصلُ الرفد العطاءُ والمعونةُ، ومنه رفادةٌ قريش: وهي معاونتُهم للحاجٌّ بشيءٍ يخرجونه للفقراء، ويقال رفدَه رِفداً ورَفداً بكسر الراء وفتحها، ويقال: بالكسر الاسم، وبالفتح المصدر(٤). (١) في المحرر الوجيز ٢٠٥/٣. (٢) في (م): الورود. (٣) مجاز القرآن ٢٩٨/١. (٤) البحر ٢٥١/٥. الآية : ٩٩ ٩٧ وفسَّرَه هنا بالعطاء غيرُ واحد، وزَعْمُ أنَّ المقام لا يلائمه ليس بشيءٍ، نعم تفسيرُه بالعَوْنِ جاء في ((صحيح)) البخاري(١). والمراد به على التفسيرين اللعنةُ، وتسميتُها عوناً على التفسير الأوَّل من باب الاستعارة التهكُّمية، وأما كونُها معاناً فلأَّنها أُرفدت في الآخرة بلعنةٍ أخرى لتكونا هاديتَيْن إلى صراط الجحيم، وكان القياسُ أن يسندَ المرفود إليهم؛ لأنَّ اللعنة في الدنيا تتبعهم وكذا في الآخرة؛ لقوله سبحانه: ((وأتبعوا)) إلخ، ولكن أُسند إلى ((الرِّفد)» الذي هو اللعنة على الإسناد المجازيِّ نحو جدًّ جدُّه، وجنونك مجنون، وكذا يعتبر الاستعارة والمجاز المذكوران على التفسير الثاني، كذا قيل. وقال بعض المدقِّقين: إنَّ في قول الزمخشريِّ في بيان الآية على المعنى الأوَّل المنقولِ عن أبي عبيدة: وذلك أنَّ اللعنةَ في الدنيا رفدٌ للعذاب ومددٌ له، وقد رُفدت باللعنة في الآخرة(٢). ما يشعرُ بأنه ليس من الاستعارة التهكّمية في شيءٍ، إذ لو كان رفداً للمعذّبين لكان من ذلك القبيل، ثمَّ قال: وجعْلُه من باب جدَّ جدُّه أبعدُ وأبعدُ، لأنه ذكر أنه رفدٌ أُعين برفٍ، أما لو فُسِّر بالتفسير الثاني ففيه الأوَّل لا الثاني؛ لأنَّه ليس مصدراً وإنَّما العطاءُ بمعنى ما يُعْطَى، فكثيراً ما يُطلق عليه. انتھی، وفيه نظرٌ لا يخفى. ثم إنَّ القول بأنَّ هناك لعنتَيْن رُفِدتْ إحداهما بالأخرى هو المرويُّ عن مجاهد وغيرِه، فـ ((يوم)) معطوفٌ على محلِّ ((في الدنيا)). وذهب قوم إلى أنَّ التقسيم هو أنَّ لهم في الدنيا لعنةً ويومَ القيامة بئسَ ما يرفدون به، فهي لعنةٌ واحدة أوَّلاً، وقبحُ إرفادٍ آخِراً. انتهى. وتعقّبه في ((البحر)) بأنَّ هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ ((يوم)) معمولُ ((بئس))، وهي لا تتصرَّفُ فلا يتقدَّم معمولُها عليها، ولو كان ((يوم)) متأخِّراً، صحَّ ذلك كما قال الشاعر: (١) قبل الحديث (٤٦٨٦). (٢) الكشاف ٢/ ٢٩١. سُورَةُ هُود! ٩٨ الآية : ١٠٠ دُعِيتْ نزالٍ ولُجَّ في الذُّعرِ (١) ولنِعْمَ حَشْوُ الدِّرع أنت إذا وهو كلامٌ وجيه. والآية ظاهرةٌ في سوء حال فرعون يومَ القيامة؛ لأنَّه إذا كان حالُ الأتباع ما قَصَّ الله سبحانه، فما ظُّك بحال مَن أغواهم وألقاهم في هذا الضَّلال البعيد؟ وهذا يعكِّرُ على مَن ذهب إلى أنَّه قُبض طاهراً مطهّراً، بل قال بعضُهم: إنَّها نصُّ في ردِّ ذلك؛ لأنَّه تعالى سلب عنه فيها الرَّشاد بعد موته، والمؤمن الطاهرُ المطهّر لا يُسلب عنه الرَّشاد بعد الموت، ولعلَّ مَن ذهب إلى ذلك يقول: بابُ التأويل واسع، وبابُ الرَّحمة أوسعُ منه(٢). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما قصَّ من أنباء الأمم وبعده باعتبار تقضِّيه، أو باعتبارٍ ما قيل في غير موضع. والخطابُ لرسول الله وَله، وهو مبتدأ خبرُه ﴿مِنْ أَنْبَآءِ اَلْقُرَى﴾ المُهْلَكةِ بما جنَتْه أيدي أهلِها فـ ((ألْ)) فيها للعهد السابق تقديراً بذكر أربابها(٣) ﴿نَقُضُهُ، عَلَيْكٌ﴾ خبر بعد خبر، أي: ذلك النبأُ بعضُ أنباء القرى مقصوصٌ عليك، وجوِّز أن يكون ((من أنباء)» في موضع الحالِ وهذا هو الخبر، وجوِّز أيضاً عكس ذلك. ﴿مِنْهَا﴾ أي: من تلك القرى ﴿قَابِهٌ وَحَصِيدٌ ﴾﴾ أي: ومنها حصيدٌ، فالعطفُ من عَطْفِ الجملة على الجملة، وهو الذي يقتضيه المعنی كما لا يخفى، وقد شبِّه ما بقي منها بالزرع القائم على ساقه، وما عفا وبطلَ بالحصيد، فالمعنى: منها باقٍ ومنها عافٍ، وهو المرويُّ عن قتادة. ونحوُه ما روي عن الضحاك: ((قائم)) لم يخسف ((وحصيد)» قد خسف. قيل: وحصيد الزَّرع جاء في كلامهم بمعنى الفناءِ، كما في قوله: والناس في قَسْم المنيَّة بينهم كالزَّرع منه قائمٌ وحصيد(٤) (١) البحر ٢٥٩/٥، والبيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص٨٩. قال ثعلب شارح الديوان: أي: تتابَعَ الناس في الذعر. (٢) ينظر ما سلف ٢٨٣/١١ وما بعدها. (٣) في الأصل: أهلها. (٤) البيت في النكت والعيون ٥٠٣/٢، وتفسير القرطبي ٢٠٦/١١، والبحر ٢٦٠/٥. الآية : ١٠٠ ٩٩ سُورَا هُوْداً وصيغة فعيل بمعنى مفعول، أي: محصود كما قال الأخفش(١)، وجمعُه حَصْدَی وحِصاد مثل مَرضی ومِراض. وجملة ((منها قائم)) إلخ مستأنفةٌ استئنافاً نحويًّا للتحريض على النَّظر في ذلك والاعتبار به، أو بيانيًّا كأنَّه سُئِل لَمَّا ذكرت: ما حالُها؟ فأجيب بذلك. وقال أبو البقاء: هي في موضع الحال من الهاء في ((نقصُّه))(٢). وجرَّز الطَّيبيُّ كونَها حالاً من ((القرى)). وادَّعى صاحبُ ((الكشف)) أنَّ جَعْلَها حالاً من ضمير ((نقصُّه)) فاسدٌ لفظاً ومعنّى، ومن ((القرى)) كذلك؛ وفي ((الحواشي الشهابية))(٣): أراد بالفساد اللفظيِّ في الأوَّل خلوَّ الجملة من الواو والضمير، وفي الثاني مجيءَ الحال من المضاف إليه في غيرِ الصور المعهودة، وبالفساد المعنويِّ أنَّه يقتضي أنه ليس من المقصوص، بل هو حالٌ خارجةٌ عنها، وليس بمرادٍ، ولا يَسُوُ جَعْلُ ما بعدَه ابتداءً المقصوص، وفيه فسادٌ لفظيٍّ أيضاً. وزعم بعضٌ أنه أراد بالفساد الأوَّل في الأوَّل ما ذكر، وفي الثاني وقوعَ الجملة الاسمية حالاً بالضمير وحدَه، وبالمعنوي (٤) تخصيصَ كونها مقصوصةً بتلك الحالة، فإنَّ المقصوصيَّةَ ثابتةٌ لها وللنَّبأ وقتَ قيام بعضها أيضاً. وقد أصاب بعضاً وأخطأ بعضاً. ووجَّه الجلبيُّ الخلو عن الواو والضمير بأنَّ المقصودَ من الضمير الرَّبط، وهو حاصلٌ لارتباط ذلك بمتعلِّق ذي الحال وهو (٥) ((القرى))، فالمعنى: نقصُّ عليك بعضَ أنباء القرى وهي على هذه الحالة تشاهدون فِعْلَ الله تعالى بها . وتُعقّب بأنَّ الاكتفاء في الربط بما ذكر مع خفائه مذهبٌ تفرَّد به الأخفش، ولم يذكره في الحال، وإنما ذكره في خبر المبتدأ. وقولُ أبي حيَّان: إنَّ الحال أبلغُ في (١) في معاني القرآن ٢/ ٥٨٢. (٢) الإملاء ٣٠٣/٣. (٣) ١٣٤/٥-١٣٥. (٤) في الأصل و(م): وبالضمير، والمثبت من حاشية الشهاب ١٣٥/٥. (٥) في (م): وهي، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٥/ ١٣٤. سُؤَدَاهُود! ١٠٠ الآية : ١٠١ التخويف وضرب المثل للحاضرين(١) [لا يُجدي](٢)، مع ما سمعتَ نفعاً، والحقُّ أنه لا وجهَ لِمَا ذكره أبو البقاء يعوَّل عليه إلا الذُّهول. ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ﴾ قيل: الضمير للقرى مراداً بها أهلُها، وقد أريد منها أوَّلاً حقيقتُها، ففي الكلام استخدامٌ(٣). وقيل: الضمير لأهل القرى؛ لأنَّ هناك مضافاً مقدَّراً، أي: ذلك من أنباء أهل القرى، والضمائرُ منها ما يعود إلى المضاف، ومنها ما يعود إلى المضاف إليه، ومتى وضح الأمرُ جاز مثلُ ذلك. وقيل: القرى على ظاهرِها، وإسنادُ الأنباء إليها مجازٌ، وضمير ((منها)) لها، وضمير ((ظلمناهم)) للأهل المفهوم منها. وقيل: ((القرى)) مجازٌ على أهلها، والضميران راجعان إليها بذلك الاعتبار، أو يقدَّر المضافُ والضميران له أيضاً، وعلى هذا خُرِّج ما حكي عن بعضهم من أنَّ معنى ((منها قائم وحصيد)): منها باقٍ نسلُه، ومنها منقطعٌ نسلُه. وأيًّا ما كان ففي الكلام إيذانٌ بإهلاك الأهل، فيكون المعنى هنا: وما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمَّ﴾ حيث اقترفوا بسوءِ استعدادهم ما يترتَّب عليه ذلك بمقتضى الحكمة ﴿فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ أي: ما نفعتهم ولا دفعتْ بأسَ الله تعالى عنهم ﴿َالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ﴾ أي: يعبدونها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُوثر صيغةُ المضارع الحكايةِ الحال الماضية، أو للدلالةِ على استمرار عبادتهم لها ﴿مِن شَىْءٍ﴾ أي: شيئاً من الإغناء، أو شيئاً من الأشياء. فـ (ما)) نافيةٌ لا استفهامية، وإن جوَّزه السَّمين(٤)، وتَعلَّق ((عن)) بما عنده لِمَا فيه من معنى الدفع، و((من)) الأخيرة صلةٌ ومجرورُها مفعولٌ مطلق، أو مفعولٌ به للدفع. (١) البحر ٢٦٠/٥. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ١٣٥/٥. (٣) الاستخدام: أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر. ولهم فيه عبارة أخرى، وهي: أن يؤتى بلفظ مشترك، ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين، ومن الآخر الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١. (٤) في الدر المصون ٣٨٥/٦.