Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآية : ٧٢
٢١
سُؤَةٌ هُوَّد!
والاسمان يحتمل وقوعُهما في البشارة كما في قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ بِغُلٍَّ
اسْمُهُ, يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] وهو الأظهر؛ وروي عن السُّدِّي. ويحتمل أنها بُشِّرت بولدٍ
وولدٍ ولدٍ من غير تسميةٍ، ثمَّ سُمِّيا بعد الولادة.
وتوجيهُ البشارة إليها مع أنَّ الأصل في ذلك إبراهيم عليه السلام، وقد وُجِّهت
إليه في آيتي ((الحجر))(١) و(الذاريات))(٢)؛ للإيذان بأنَّ ما بُشِّر به يكون منها(٣)،
ولكونها عقيمةً حريصةً على الولد، وكانت قد تمنَّتْه حينما وُلد لهاجرَ إسماعيلُ عليه
السلام.
﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّ سائلاً سأل: ما فَعلَتْ حين بُشِّرت؟ فقيل: قالت
﴿يَيَِّ﴾ من الويل وأصلُه الخزيُ، ويستعمل في كلِّ أمر فظيع، والمرادُ هنا
التعجّب، وقد كثُرت هذه الكلمة على أفواهِ النساء إذا طرأ عليهنَّ ما يتعجّبنَ منه.
والظاهرُ أنَّ الألف بدلٌ من ياء المتكلِّم، ولذا أمالها أبو عمرو وعاصم في رواية (٤).
وبهذا يُلغز فيقال: ما ألفٌ هي ضميرُ مفردٍ متكلِّم؟ وقرأ الحسن: ((يا ويلتي)) بالياء
على الأصل(٥). وقيل: إنَّها ألفُ الندبة، ولذا يُلحقونها الهاءَ فيقولون: يا ويلتاه.
﴿وَأَلِدُ وَنَأْ عَجُوزٌ﴾ ابنةُ تسعين سنةٌ، على ما روي عن ابن إسحاق، أو تسعٍ
وتسعين على ما روي عن مجاهد.
﴿وَهَذَا﴾ الذي تشاهدونه ﴿بَعْلِى﴾ أي: زوجي، وأصلُ البعل: القائمُ بالأمر،
فَأُطلق على الزوج لأنَّه يقوم بأمر الزوجة.
وقال الراغب: هو الذَّكَر من الزوجين، وجمعُه بُعُولة، نحو: فحل وفحولة،
ولَمَّا تصوَّروا من الرَّجُل استعلاءً على المرأة فجُعلَ سائسَها والقائمَ عليها وسمِّي
به، شُبِّه كلُّ مُسْتَعْلٍ على غيرِهِ به فسمِّي باسمه، ومن هنا سمَّى العربُ معبودَهم
(١) الآية (٥٣).
(٢) الآية (٢٨).
(٣) في الأصل و(م): منهما، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١١٦/٥.
(٤) البحر ٢٤٤/٥، والدر المصون ٣٥٧/٨، وينظر مذاهب القراء في الإمالة في التيسير
ص٤٦- ٤٨، والنشر ٣٧/٢، والبدور الزاهرة ص١٥٨ .
(٥) القراءات الشاذة ص ٦٠، والبحر ٢٤٤/٥.

سُوَةٌ هُود
٢٢
الآية : ٧٢
الذي يتقرَّبون به إلى الله تعالى بعلاً؛ لاعتقادِهم ذلك فيه(١) .
﴿شَيْئًا﴾ ابنَ مئة سنة، أو مئةٍ وعشرين، وهو مِن شاخ يشيخُ. وقد يقال للأنثى
شيخة، كما قال:
وتضحكُ منِّي شيخةٌ عبشميَّةٍ(٢)
ويُجمع على أشياخ وشُيوخ وشِيْخَان. ونصبُه على الحال عند البصريين،
والعاملُ فيه ما في ((هذا)) من معنى الإشارة أو التنبيه.
قال الزجَّاج: ومثل هذه الحال من لطيفِ النحو وغامضِه؛ إذ لا تجوزُ إلا حيث
يُعرف الخبر، ففي قولك: هذا زيدٌ قائماً، لا يقال إلا لمن يعرفُه، فيُفيده قيامَه،
ولو لم يكن كذلك لَزِم أن لا يكونَ زيداً عند عدم القيام، وليس بصحيح(٣). فهنا
بَعْليَّتُه معروفة، والمقصودُ بيانُ شيخوخته، وإلَّا لزم أن لا يكون بعلَها قبل
الشيخوخة. قاله الطيبي.
ونُظر فيه بأنَّه إنما يتوجَّه إذا لم تكن الحالُ لازمةً غيرَ منفكّة، أما في نحو: هذا
أبوك عطوفاً، فلا يلزم المحذور، والحالُ هاهنا مبيّنةٌ هيئةَ الفاعل أو المفعول؛ لأنَّ
العامل فيها ما أشير إليه، وبذلك التأويل يتَّحد عاملُ الحال وذيها. وذهب الكوفيُّون
إلى أنَّ ((هذا)) يعمل عمل كان، و((شيخاً)) خبرُه وسمَّوه تقريباً.
وقرأ ابنُ مسعود - وهو في مصحفه - والأعمش: ((شيخٌ)) بالرفع(٤) على أنَّه خبرُ
محذوفٍ، أي: هو شيخٌ، أو خبرٌ بعدَ خبر، وفي ((البحر))(٥): أنَّ الكلام على هذا
كقولهم: هذا حلوٌ حامض(٦). أو هو الخبر، و((بعلي)) بدل من اسم الإشارة أو بيان
له. وجوِّز أن يكون ((بعلي)) الخبر، و ((شیخ)) تابعاً له.
(١) مفردات الراغب (بعل).
(٢) وعجزه: كأن لم تَرَيْ قبلي أسيراً يمانيا، والبيت لعبد يغوث الحارثي اليمني كما في الأغاني
٣٣٤/١٦، والخزانة ٢٠١/٢.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٦٣ - ٦٤ بنحوه.
(٤) القراءات الشاذة ص ٦٠، والمحتسب ٣٢٤/١، والبحر ٢٤٤/٥.
(٥) ٢٤٤/٥.
(٦) أي: هما خبران في معنى خبر واحد. الدر المصون ٣٥٧/٦.

الآية : ٧٣
٢٣
سُؤَلُ هُودٍ
وكلتا الجملتين وقعت حالاً من الضمير في ((أألد))؛ لتقريرٍ ما فيه من الاستبعاد
وتعليلِه، أي: أألد وكلانا على حالةٍ منافيةٍ لذلك. وإنما قدَّمت بيانَ حالها على بيان
حاله عليه السلام لأنَّ مُباينةَ حالها لِمَا ذُكر من الولادة أكثرُ؛ إذ ربَّما يولدُ للشيوخ
من الشوابِّ، أما العجائز داؤهنَّ عقام، ولأنَّ البشارةَ متوجِّهةٌ إليها صريحاً، ولأنَّ
العكس في البيان ربَّما يوهم من أوَّل الأمر نسبةَ المانع عن الولادة إلى جانب
إبراهيم عليه السلام، وفيه ما لا يخفى من المحذور، واقتصارُها في الاستبعاد على
ولادتها من غير تعرُّضٍ لحال النافلة؛ لأنها المستبعدة، وأما ولادةُ ولدها فلا يتعلَّق
بها استبعاد. قاله شيخ الإسلام(١).
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: ما ذكر من حصولِ الولد من هَرِمَيْنِ مثلِنا، وقيل: هو إشارةٌ إلى
الولادة أو البشارة بها، والتذكيرُ لأنَّ المصدر في تأويلِ (أنْ)) مع الفعل، ولعلَّ المآل:
إنَّ هذا الفعل ﴿لَشَىْءُ عَجِيبٌ ®﴾ أي: من سنَّة الله تعالى المسلوكةِ في عباده.
والجملةُ تعليلٌ بطريق الاستئناف التحقيقيِّ، ومقصدُها كما قيل: استعظامُ نعمة الله
تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي، لا استبعادُ ذلك من حيث القدرة.
﴿قَالُوَا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّ﴾ أي: قدرتِه وحكمته، أو تكوينِه وشأنِه سبحانه،
أنكروا عليها تعجّبَها لأنها كانت ناشئةً في بيت النبوَّة ومهبطِ الوحي ومحلٌ
الخوارق، فكان حقُّها أن تتوقّر ولا يَزْدَهيها ما يزدهي سائرَ النساء من أمثال هذه
الخوارق من ألطاف الله سبحانه الخفيَّة، ولطائفٍ صنعه الفائضة على كلِّ أحدٍ مِمَّن
يتعلَّق بإفاضته عليه مشيئتُه تعالى الأزليَّة، لاسيما أهل بيتِ النبوّة الذين هم هم،
وأن تسبِّحَ الله تعالى وتمجِّدَه وتحمده.
وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ المستتبعةُ كلَّ خیر، ووُضع
المُظهَر موضعَ المضمَر لزيادةِ تشريفِها والإيماء إلى عظمتها. ﴿وَكَنُهُ﴾ أي:
خيراتُه التامَّة المتكاثرة التي من جملتها هبةُ الأولاد.
وقيل: الرحمة: النبوّة، والبركاتُ: الأسباط من بني إسرائيل؛ لأن الأنبياء
عليهم السلام منهم، وكلَّهم من ولد إبراهيمَ عليه السلام.
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٢٢٥/٤-٢٢٦.

سُوَلاَ هُودٍ
٢٤
الآية : ٧٣
وقيل: رحمتُهُ تحيَّتُه، وبركاتُه فواضلُ خيرِهِ بالخلَّة والإمامة.
﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ﴾ نصبٌ على المدح أو الاختصاص كما ذهب إليه كثيرٌ من
المعرِبين؛ قال أبو حيَّان: وبينهما فرقٌ ولذلك جعلهما سيبويه في بابين؛ وهو أنَّ
المنصوبَ على المدح لفظ يتضمَّن بوضعه المدحَ كما أنَّ المنصوب على الذمِّ
يتضمَّن بوضعه الذمَّ، والمنصوب على الاختصاص يُقصد به المدحُ أو الذُّ، لكن
لفظه لا يتضمَّن بوضعه ذلك، کقول رؤبة:
بنا تميماً يُكشفُ الضباب(١)
انتھی.
وفي ((الهمع))(٢) أنَّ النصب في الاختصاص بفعلٍ واجبٍ الإضمار، وقدَّره
سيبويه(٣) بـ ((أعني))، ويختصُّ بأيّ الواقعةِ بعد ضمير المتكلِّم، كـ : أنا أفعلُ كذا
أيُّها الرجل، وكاللَّهم اغفر لنا أيتها العصابة، وحُكْمُها في هذا الباب - إلا عند
السيرافيِّ والأخفش - حُكْمُها في باب النداء(٤)، ويقومُ مَقامها في الأكثر - كما قال
سیبویہ ۔ ((بنو )) نحو قوله :
نحن بني ضبَّة أصحابُ الجَمَل(٥)
ومنه قوله :
ـن بنات طارق نمشي على النَّمارق(٦)
(١) البحر ٢٤٥/٥، والرجز في ديوان رؤبة ص١٦٩، وقبله: راح وراحت كعصا السيساب.
(٢) ٢٨/٢.
(٣) ينظر الكتاب ٣٣١/٢-٣٣٦.
(٤) وهو بناؤها على الضم محكوماً على موضعها بالنصب، ووصفُها باسم الجنس ملتزماً فيه
الرفع. همع الهوامع ٢٨/٢.
(٥) الرجز في شرح ديوان الحماسة المرزوقي منسوب للأعرج المعني، وفي تاريخ الطبري
٥٣٠/٤ لعمرو بن يثربي، وهو ما صححه التبريزي في شرح ديوان الحماسة ١/ ١٥٤ .
ودون نسبة في الجمل في النحو المنسوب للخليل ص٦٧، والكامل ١٤٦/١ و٥١٠/٢،
والعقد الفريد ٣٢٧/٤. وبعده عند الطبري: ننزل بالموت إذا الموت نزل. وفي العقد
الفريد: الموت أحلى عندنا من العسل.
(٦) نسب في أدب الكاتب ص٩٠، وثمار القلوب ص٢٩٧ لهند بنت عتبة. وهو دون نسبة في

الآية : ٧٣
٢٥
سُؤَةُ هُودٍ
و((معشر)» كقوله:
لنا معشرَ الأنصار مجدٌ مؤثّل بإرضائنا خيرَ البريَّة أحمدا(١)
وفي الحديث: ((نحنُ معاشرَ الأنبياء لا نُورَث))(٢).
وآل وأهل؛ وأبو عمرو لا ينصبُ غيرها(٣)، وليس بشيءٍ. وقلَّ كونُ ذلك عَلَماً
كما في بيت رؤبةَ السابق في كلام أبي حيَّان. ولا يكون اسمَ إشارة ولا غيرَه
ولا نكرة البتة.
ولا يجوز تقديمُ اسم الاختصاص على الضمير، وقلَّ وقوعُ الاختصاص بعدَ
ضمير المخاطب، كسبحانك الله العظيم، وبعد لفظ غائبٍ في تأويل المتكلِّم أو
المخاطب، نحو: على المُضارِبِ الوضيعةُ أيُّها البائع، فالمضاربُ لفظُ غيبةٍ لأنَّه
ظاهرٌ لكنَّه في معنى: عليَّ، أو: عليك، ومنع ذلك الصفَّار البتة؛ لأنَّ الاختصاصَ
شِبْهُ النداء، فكما لا ينادَى الغائبُ، فكذلك لا يكون فيه الاختصاصُ. انتهى، مع
أدنى زيادةٍ وتغيير، ومنه يُعلم بعضُ ما في كلام أبي حيَّان، وأنَّ حَمْلَ ما في الآية
الكريمة على الاختصاص من ارتكابٍ ما قلَّ في كلامهم.
وجوّز في ((الكشاف)»(٤) نصبَه على النِّداء، وقدَّمه على احتمال النَّصب على
الاختصاص، ولعلَّه أشار بذلك إلى ترجيحِه على الاحتمال الثاني، لكنْ ذكر بعضُ
الأفاضل أنَّ في ذلك فواتَ معنى المدح المناسب للمقام.
والمراد من البيت كما في ((البحر)): بيتُ السكنى(٥). وأصلُه: مأوى الإنسان
= المغني ص٥٠٧. وقال البطليوسي في الاقتضاب ٧٧/٣: هذا الشعر ليس لهند بنت عتبة،
وإنما تمثلت به، وإنما هو لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق الإيادي. ويروى ((بنات))
بالرفع والنصب، فمن رفعه فعلى خبر المبتدأ، ومن نصبه فعلى المدح والتخصيص، ويكون
الخبر: نمشي على النمارق.
(١) شرح شذور الذهب ص٢٨٣ .
(٢) سلف ٢٨٧/٢، وينظر تخريجه ثمة.
(٣) في (م): غيرهما، والمثبت من الأصل، وهو الصواب، وعبارة الهمع ٢٩/٢: وقال
أبو عمرو: العرب تنصب في الاختصاص هذه الأربعة، ولا ينصبون غيرها.
(٤) ٢٨٢/٢.
(٥) البحر ٢٤٥/٥.

سُوَلاَ هُود!
٢٦
الآية : ٧٣
بالليل، ثمَّ قد يُقال من غيرِ اعتبارِ الليل فيه، ويقعُ على المتَّخَذِ من حجر، ومن
مدر، ومن صوف ووبر، وعبّر عن مكان الشيء بأنه بيتُه. ويُجمع على بيوت
وأبيات، وجمعُ الجمع: أباييت، وبيوتات، وأبياوات، ويصغَّر على: بُيَيْت وبَِيْت
بالكسر، ولا (١) يقال: بُويت كما تقولُه العامَّة.
وصرفُ الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع؛ ليكونَ جوابُهم عليهم السلام
لها جواباً لمن يخطر بباله مثلُ ما خطرَ ببالها من سائر أهلِ البيت.
والجملة كلامٌ مستأنف عُلِّل به إنكارُ تعجُبها، فهي جملةٌ خبريّة، واختاره جمعٌ
من المحققين. وقيل: هي دعائية، وليس بذاك.
واستُدلَّ بالآية على دخولِ الزوجة في أهل البيت، وهو الذي ذهب إليه السنُّّون،
ويؤيِّده ما في سورة الأحزاب(٢)، وخالف في ذلك الشيعة(٣) فقالوا: لا تدخُل إلا إذا
كانتْ قريبَ الزوجِ ومِن نَسَبه، فإنَّ المراد من البيت بيتُ النَّسب لا بيتُ الطَّن
والخشب، ودخولُ سارةَ رُِّها هنا لأنَّها بنت عمِّه. وكأنَّهم حملوا البيتَ على الشَّرف
كما هو أحدُ معانيه، وبه فسِّر في قول العباس ◌َُّه يمدحُ النبيَّ ◌َّ:
خندفَ علياءَ تحتها النُّطْقُ (٤)
حتَّى احتوى بيتُك المهيمنُ من
ثم خَصُّوا الشرفَ بالشرف النَّسَبِيِّ، وإلا فالبيتُ بمعنى النَّسب مما لم يَشِعْ عند
اللغويين، ولعلَّ الذي دعاهم لذلك بغضُهم لعائشةَ رَُّا، فرامُوا إخراجها من حُكم
(١) قوله: لا، ساقط من (م)، وينظر القاموس (بيت).
(٢) الآية: (٣٣).
(٣) في الأصل: الرافضة.
(٤) أمالي الزجاجي ص٦٦، والشفا ٣٢٨/١، والوافي بالوفيات ٦٣٣/١٦، وورد ضمن حديث
أخرجه الطبراني في الكبير (٤١٦٧)، والحاكم ٣٢٦/٣-٣٢٧ عن خريم بن أوس
قوله: المهيمن، أي: الشاهد بفضلك. وخندف - بكسر الخاء وسكون النون وكسر الدال
وقد تفتح -: امرأة إلياس بن مضر سميت بها القبيلة، واسمها ليلى، وهي القضاعية أم عرب
الحجاز، فهو غير منصرف. علياء، أي: منزلة علياء، مفعول احتوى. والنُّطق: أعراضٌ
ونواحٍ من جبالٍ بعضها فوق بعض، شبهت بالنُّطق التي تشد بها الأوساط، ضربه مثلاً له في
ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، أي: حتى احتوى شرفك الشاهدُ بفضلك أعلى مكان من نسب
خندف. شرح الشفا للملا علي القاري ٣٦٣/١-٣٦٤.

الآية : ٧٣
٢٧
سُوَلاَ هُود
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلُ الكلام في هذا المقام.
واستُدلَّ بالآية على كراهةِ الزيادة في التحيَّة على: السَّلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، ورُوي ذلك عن غيرٍ واحد من الصحابة ◌ُه؛ أخرج البيهقيُّ في ((الشعب))
عن ابن عمرَ ﴿ّ أنَّ رجلاً قال له: سلامٌ عليك ورحمةُ الله وبركاتُه ومغفرته،
فانتهره ابنُ عمر وقال: حسبُك ما قال الله تعالى(١).
وأخرج عن ابن عباس أنَّ سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونةً، فقال:
السلامُ عليكم أهل البيت ورحمةُ الله وبركاتُه وصلواتُه ومغفرتُه. فقال: انتهوا
بالتحيَّة إلى ما قال الله سبحانه(٢).
وفي روايةٍ عن عطاء قال: كنتُ جالساً عند ابن عباس، فجاء سائلٌ فقال:
السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه ومغفرته ورضوانُه، فقال: ما هذا
السَّلام؟ ! - وغضب حتى احمرَّتْ وجنتاه - إنَّ الله تعالى حدَّ للسلام حدًّا ثم انتهى،
ونَهى عمَّا وراءَ ذلك، ثم قرأ: (رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْنِ)(٣).
﴿إِنَّهُ، حَمِيدٌ﴾ قال أبو الهيثم: أي: تُحمد أفعاله. وفي ((الكشاف)) أي: فاعلٌ
ما يستوجبُ به الحمدَ من عبادِه(٤). ففعيل بمعنى مفعول. وجوَّز الراغبُ(٥) أن
يكون ((حميد)» هنا بمعنى حامد، ولعلَّ الأوَّلَ أولى.
﴿َجِدُ ﴾﴾ أي: كثيرُ الخير والإحسان، وقال ابنُ الأعرابي: هو الرفيع.
يقال: مجد - كنَصَر وكَرُم - مجداً ومجادةً، أي: كرُم وشرُف؛ وأصلُه من مَجَدَتِ
الإبلُ: إذا وقعتْ في مرعَى كثيرٍ واسع، وقد أمْجدَها الراعي: إذا أوقعها في ذلك.
وقال الأصمعيُّ: يقال: أمجدتُ الدابةَ: إذا أكثرت علفَها. وقال الليث: أَمْجَدَ
فلانٌ عطاءَه ومجَّده: إذا كثَّره، ومن ذلك قولُ أبي حيَّة النميريِّ:
(١) شعب الإيمان (٨٨٨٠).
(٢) الشعب (٣٩٨٠).
(٣) الشعب (٨٨٧٨).
(٤) الكشاف ٢/ ٢٨٢.
(٥) في مفرداته (حمد).

سُوَلاَ هُود!
٢٨
الآية : ٧٤
بماجدةِ الطعام ولا الشَّراب(١)
تزيدُ على صواحبها وليستْ
أي: ليست بكثيرةٍ الطعام ولا الشراب.
ومن أمثالهم: في كلِّ شجرٍ نارٌ، واستَمْجَدَ المرخُ والعَفار(٢)، أي: استكثر من
ذلك.
وقال الراغب (٣): أي: يُجري (٤) السَّعةَ في بذل الفضل المختصِّ به.
وقال ابنُ عطية: مجدَ الشيءُ إذا حسُنتْ أوصافُه(٥).
والجملة على ما في ((الكشف)) تذييلٌ حَسَنٌ لبيانِ أنَّ مقتضَى حالها أنْ تحمدَ
مستوجبَ الحمدِ المحسِنَ إليها بما أَحْسَنَ، وتمجِّدَه إذ شرَّفها بما شرَّف.
وقيل: هي تعليلٌ لِمَا سبق من قوله سبحانه: (رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ، عَلَيْكُمْ).
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إَِهِيَمَ الرَّعُ﴾ أي: الخوفُ والفزعُ، قال الشاعر:
إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمسكتْ بمنكبٍ مِقدامٍ على الهَوْل أرْوَعا (٦)
والفعلُ: راعَ، ويتعدَّى بنفسِه كما في قوله:
ما رَاعني إلا حمولةُ أهلِها وسْطَ الدِّيار تَسَفُّ حبَّ الخِمْخِم(٧)
والرُّوع بضم الراء النَّفْسُ، وهي محلُّ الروع.
والفاءُ لربط بعضٍ أحوال إبراهيم عليه السلام ببعضٍ غِبَّ انفصالِها بما ليس
(١) البحر ٢٣٧/٥، وهو في تهذيب اللغة ٦٨٣/١٠، واللسان (مجد) بلفظ: وليست بماجدةٍ
للطعام ولا الشراب.
(٢) جمهرة الأمثال ٢/ ٩٢، ومجمع الأمثال ٧٤/٢، والمستقصى ١٨٣/٢. قال العسكري:
يضرب في تفضيل الرجال بعضهم على بعض، أي: لكل واحد من هؤلاء فضل، إلا أن
فلاناً أفضل. والمرخ والعفار نوعان من الشجر.
(٣) في مفرداته (مجد).
(٤) في الأصل و(م): تحرى، والمثبت من مفردات الراغب.
(٥) المحرر الوجيز ١٩٢/٣.
(٦) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص٢٤٢ .
(٧) البيت لعنترة، وهو في ديوانه ص١٧، والخِمْخِم: نبت يُعلف حبّه الإبل. الصحاح (خمم).

الآية : ٧٤
٢٩
سُؤَلُ هُود
بأجنبيٍّ من كلِّ وجهٍ، بل له مدخلٌ في السِّياق والسباق.
وتأخّر الفاعل عن الّرف لكونه مصبَّ الفائدة، والمعنى: لَمَّا زال عنه ما كان
أوجسَه منهم من الخِيفة، واطمأنَّتْ نفسُه بالوقوف على جليَّةِ أمرهم ﴿وَجَآءَتَّهُ
الْبُشْرَى يُحَدِلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ (39﴾﴾ أي: يجادل رسلَنا في حالهم وشأنهم، ففيه مجازٌ
في الإسناد.
وكانت مجادلتُه عليه السلام لهم ما قصَّه الله سبحانه في قوله سبحانه في سورة
العنكبوت: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ إِنَّ
أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣١-٣٢] فقوله عليه
السلام: ((إنَّ فيها لوطاً)) مجادلةٌ، وعُدَّ ذلك مجادلةً لأنَّ مَلَه على ما قيل: كيف
تهلك قرية فيها مَن هو مؤمنٌ غيرُ مستحقٌّ للعذاب؟ ولذا أجابوه بقولهم: ﴿نَحْنُ
أَعْلَمُ بِمَن فِيهَّا لَنُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] وهذا القدْرُ من القول هو
المتيقن .
وعن حذيفةً أنَّهم لَمَّا قالوا له عليه السَّلام ما قالوا، قال: أرأيتُم إنْ كان فيها
خمسون من المسلمين أتُهلكونَها؟ قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، قال:
فعشرون؟ قالوا: لا، قال: فإنَّ كان فيهم عشرةٌ، أو خمسة؟ - شكَّ الراوي - قالوا:
لا، قال: أرأيتُم إنْ كان فيها رجلٌ واحد من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا: لا ، فعندَ
ذلك قال: (إِنَّ فِيهَا لُوطَأ) فأجابوه بما أجابوه(١). ورويَ نحوَ ذلك عدَّةُ
روايات الله تعالى أعلم بصحّتها .
وفسَّر بعضُهم المجادلةَ بطلب الشفاعة، وقيل: هي سؤالُه عن العذاب؛ هل هو
واقعٌ بهم لا محالة، أمْ على سبيل الإخافةِ ليرجعوا إلى الطاعة؟ وأيًّا ما كان
فـ (يجادلنا)) جوابُ ((لَمَّا))، وكان الظاهرُ: جادلنا، إلا أنه عبّر بالمضارع لحكايةِ
الحال الماضية واستحضارِ صورتها. وقيل: إنَّ(لَمَّا)) كـ ((لو)) تقلبُ المضارعَ
ماضياً، كما أنَّ ((إنْ)) تقلبُ الماضي مستقبلاً.
(١) البحر ٢٤٥/٥، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٢٣/١١-٥٢٤، وابن أبي حاتم ٢٠٥٧/٦ إلى
قوله: شك الراوي.

سُودُ هُود
٣٠
الآية : ٧٤
وقيل: الجواب محذوفٌ، وهذه الجملةُ في موضع الحال من فاعلِهِ، أي:
أَخَذَ - أو أقبل - مجادلاً لنا، وآثَرَ هذا الوجهَ الزجَّاجُ، ولكنَّه جَعَلَه مع حكايةِ الحال
وجهاً واحداً؛ لأنه قال: ولم يذكر في الكلام أخذ لأنَّ الكلام إذا أريد به حكايةٌ
حالٍ ماضية قدِّر فيه أخذ وأقبل؛ لأنَّك إذا قلت: قام زيد. دلَّ على فعلٍ ماض،
وإذا قلت: أخذ زيد يقوم. دلَّ على حالٍ ممتدَّة من أجلها ذكر أخذَ وأَقبل(١).
وصنيعُ الزمخشري(٢) يدلُّ على أنهما وجهان، وتحقيقُه على ما في ((الكشف)) أنَّه إذا
أريد استمرارُ الماضي فهو كما ذكره الزجَّاج، وإن أريد التصوير المجرَّد، فلا.
وقيل: الجواب محذوف، والجملة مستأنفةٌ استئنافاً نحويًّا أو بيانيًّا، وهي دليلٌ
عليه، والتقدير: اجترأ على خطابنا، أو فطن بمجادلتنا، وقال: كيت وکیت،
واختاره في ((الكشاف))(٣).
وقيل: إنَّ هذه الجملة - وكذا الجملةُ التي قبلها - في موضع الحال من
(إبراهيم)) على الترادُفِ أو التداخُلِ، وجوابُ (لَمَّا)): قلنا، يقدَّر قبل (يَإِثَهِيمُ أَغْيِضْ
عَنْ هَذًَّ).
وأقربُ الأقوال أوَّلُها .
والبشرى إن فسِّرت بقولهم: ((لا تخف)) فسببيَّةُ ذهابٍ الخوف ومجيء السُّرور
للمجادلةِ ظاهرةٌ، وأمَّا إن فسِّرت ببشارة الولد - كما أخرجه ابنُ جرير وابنُ المنذر
وغيرُهما عن قتادة(٤)، واختاره جمع ـ أو بما يعمُّها، فلعلَّ سببيَّتَها لها من حيث
إنها تفيدُ زيادةً اطمئنانِ قلبِهِ عليه السلام بسلامته وسلامةِ أهله كافةً، كذا قاله مولانا
شيخُ الإسلام(٥) .
ثم قال: إن قيل: إنَّ المتبادر من هذا الكلام أنْ يكون إبراهيمُ عليه السلام قد
(١) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٦٤-٦٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١١٧/٥.
(٢) في الكشاف ٢/ ٢٨٢.
(٣) ٢/ ٢٨٢.
(٤) تفسير الطبري ٤٨٦/١٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٠٥٧/٦، وعزاه لابن المنذر السيوطي في
الدر ٣٤١/٣.
(٥) هو أبو السعود في تفسيره ٢٢٦/٤-٢٢٧.

الآية : ٧٤
٣١
سِوَلاَ هُود!
علم أنَّهم مرسلون لإهلاك قوم لوطٍ قبل ذهاب الرَّوع عن نفسه، ولكنْ لم يقدر على
مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسه، فلمَّا ذهب عنه الرَّوعُ فَرَغَ لها، مع أنَّ
ذهاب الرَّوع إنَّما هو قبل العِلم بذلك لقوله سبحانه: (قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ
لُوطٍ).
قلنا: كان لوط عليه السلام على شريعة إبراهيم عليه السلام، وقومُه مكلَّفين
بها، فلما رأى من الملائكة عليهم السلام ما رأى، خاف على نفسه وعلى كافَّة أمته
التي من جُملتهم قومُ لوط، ولا ريبَ في تقدُّم هذا الخوف على قولهم: (لَا تَخَفْ)
وأمَّا الذي علمه عليه السلام بعد النهي فهو اختصاصُ قوم لوط بالهلاك
لا دخولُهم(١) تحت العموم فتأملْ. انتهى.
وفيه أنَّ كون الكلِّ أمَّتَه في حيِّز المنع، وما أشار إليه من اتّحاد الشريعتين إنْ
أراد به الاتِّحادَ في الأصول كاتِّحاد شريعة نبيِّنا وَّه مع شريعة إبراهيم عليه السلام،
فمسلَّم لكن لا يلزم منه ذلك، وإنْ أراد به الاتحادَ في الأصول والفروع فغيرُ
مسلّم، ولو سُلِّم ففي لزوم كونِ الكلِّ أمَّتَه له تردُّد.
على أنَّه لو سلَّمنا كلَّ ذلك، فلقائل أن يقول: سلَّمنا أنه عليه السَّلام لَمَّا رأى
من الملائكة عليهم السلام ما رأى حصل له خوفٌ على نفسه وعلى كافَّة أمته التي
من جملتهم قومُ لوط عليه السلام، لكنْ لا نسلِّم أنَّ هذا الخوفَ كان عن عِلمٍ بأنَّ
أولئك الملائكة كانوا مرسَلِين لإهلاك الكلِّ المندرج فيه قومُ لوطِ، بل عن تردّدٍ
وتحيُّرٍ في أمرهم، وحينئذٍ لا ينحلُّ السؤال بهذا الجواب كما لا يخفى على
المتبصِّر، وكأنه لذلك أَمَرَ بالتأمُّل.
وقد يقال: المفهومُ من الكلام تحقَّقُ المجادلة بعد تحقّق مجموع الأمرين؛
ذهابِ الروع ومجيءٍ البشارة، وهو لا يستدعي إلا سَبْقَ العلم بأنَّهم مرسلون
الإهلاك قوم لوط على تحقَّق المجموع، ويكفي في ذلك سَبْقُه على تحقّق البشارة،
وهذا العلم مستفادٌ من قولهم له: (لَا تَّخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وكأنه عليه
السلام إنَّما لم يجادل بعد هذا العلم، وأخَّر المجادلة إلى مجيءِ البشارة؛ ليرى
(١) في الأصل و(م): لا دخول لهم، والمثبت من تفسير أبي السعود.

سوداُهُود
٣٢
الآية : ٧٥ - ٧٦
ما ينتهي إليه كلامُ الملائكة عليهم السلام، أو لأنَّه لم يقعْ فاصلُ سكوتٍ في البَيْن
ليجادلَ فيه، إلا أنَّ هذا لا يتمُّ إلَّا أنْ يكون الإخبارُ بالإرسال إلى قوم لوطِ سابقاً
على البشارة بالولد، وفيه تردُّد.
وفي بعض الآيات ما هو ظاهرٌ في سبق البشارة على الإخبار بذلك، نعم يمكن
أن يلتزمَ سَبْقُ الإخبار على البشارة، ويقالَ: إِنَّهم أخبروه أوَّلاً ثم بشَروه ثانياً، ثمَّ
بعد أن تحقَّق مجموع الأمرين قال: ﴿فَا خَطَبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات: ٣١]
ويقالَ: المراد منه السؤالُ عن حال العذاب، هل هو واقعٌ بهم لا محالةَ، أم هو
على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الإيمان؟ وتفسير (١) المجادلة به كما مرَّ عن بعضٍ،
فتدبَّر ذاك والله سبحانه يتولَّى هُداك.
﴿إِنَّ إِتَرْهِيَمَ لَعَلِيمٌ﴾ غيرُ عجولٍ على الانتقام إلى المسيء(٢) إليه ﴿أَّةٌ﴾ كثيرُ
التأوُّهِ من الذنوب والتأسُّفِ على الناس ﴿مُنِيبٌ ﴾ راجعٌ إلى الله تعالى،
والمقصودُ من وَصْفِه عليه السلام بهذه الصِّفات المنبئةِ عن الشفقة ورقة القلب بيانُ
ما حَمَلَه على ما صَدَر عنه من المجادلة.
وحَمْلُ الحلم على عدم العجلة والتأنِي في الشيء مطلقاً، وجَعْلُ المقصود من
الوصف بتلك الصِّفاتِ بيانً ما حمله على المجادلة وإيقاعها بعد أن تحقَّق ذهابُ
الرَّوع ومجيءُ البشرى، لا يخفى حالُه.
﴿وَإِنَّهِيمُ﴾ على تقديرِ القولِ ليرتبط بما قبلُ، أي: قالت الملائكة، أو قلنا:
يا إبراهيم ﴿أَغْرِضِ عَنْ هَذَا﴾ الجدالِ ﴿إنّهُ﴾ أي: الشأن ﴿قَدْ جَّةَ أَمْرُ رَيْكٌ﴾ أي:
قَدَرُه تعالى المقضيُّ بعذابهم.
وقد يفسّر بالعذاب، ويرادُ بالمجيء المشارفةُ، فلا يتكرَّر مع قوله سبحانه:
﴿وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُورِ ([®﴾ أي: لا بجدالٍ ولا بدعاءٍ، ولا بغيرِهما، إذ
حاصلُ ذلك حينئذٍ: شارَفَهم ثمَّ وقع بهم.
(١) في الأصل: وتفسر.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: من المسيء، كما في تفسير البيضاوي مع حاشية
الشهاب ١١٧/٥ والكلام منه، وجاء في تفسير أبي السعود ٢٢٧/٤: ممن أساء.

الآية : ٧٧
٣٣
سُؤَلةُ هُودٍ
وقيل: لا حاجةَ إلى اعتبار المشارَفة، والتكرارُ مدفوعٌ بأنَّ ذاك توطئةٌ لذكرٍ كونه
غير مردود.
وقرأ عمرو بن هرم: ((وإنهم أتاهم)) بلفظ الماضي، و((عذابٌ)) فاعلٌ به، وعبَّر
بالماضي لتحقيق الوقوع(١).
﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوطَا﴾ عن ابن عباس ◌ًَّا قال: انطلقوا من عند إبراهيمَ عليه
السلام وبين القريتين أربعةُ فراسخ، ودخلوا عليه في صُوَر(٢) غلمان مُردٍ حسان
الوجوه، فلذلك ﴿سَِّ بِهِمْ﴾ أي: أَحْدثَ له عليه السلام مجيئُهم المساءةَ؛ لظنّه
أنهم أناسٌ، فخاف أن يقصدَهم قومُه ويعجز عن مدافعتهم.
وقيل: كان بين القريتين ثمانيةُ أميال فأتوها عشاء. وقيل: نصفُ النهار،
ووجدوا لوطاً في حَرْثٍ له.
وقيل: وجدوا بنتاً له تستقي ماءً من نهرٍ سَدُوم، وهي أكبرُ محلٌّ للقوم،
فسألوها الدلالةَ على مَن يُضيفهم، ورأت هيأتَهم فخافتْ عليهم من قومٍ أبيها،
فقالت لهم: مكانَكم وذهبتْ إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم فقالوا: إنَّا نريد أن
تُضيفنا الليلةَ. فقال: أوَ ما سمعتُم بعملِ هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملُهم؟ فقال:
أشهد بالله تعالى إنهم شرٌّ قوم في الأرض. وقد كان الله تعالى قال للملائكة
لا تعذِّبوهم حتى يشهدَ عليهم لوظٌ أربعَ شهادات، فلمَّا قال هذه قال جبريل عليه
السلام: هذه واحدةٌ. وتكرَّر القولُ منهم حتَّى كرَّر لوظُ الشهادةَ، فتَمَّت الأربعُ، ثمَّ
دخل المدينة فدخلوا معه منزلَه.
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: طاقةً وجهداً، وهو في الأصل مصدرُ ذَرَعَ البعيرُ
بيديه، يَذْرَعُ في مسيره: إذا سار مادًّا خَطْوَه، مأخوذٌ من الذِّراعِ وهي العضوُ
المعروف، ثم تُوسِّع فيه فوُضع موضعَ الطاقة والجهد، وذلك أنَّ اليدَ كما تُجعل
مجازاً عن القوة، فالذراعُ المعروفةُ كذلك.
(١) البحر ٢٤٥/٥. وعمرو بن هرم هو الأزدي البصري، روى عن سعيد بن جبير وقتادة
وغيرهما، ووثقه أحمد وابن معين وأبو داود وغيرهم، وتوفي قبل قتادة. التهذيب ٣٠٩/٣.
(٢) في (م): صورة.

سُؤَلَ هُود!
٣٤
الآية : ٧٨
وفي ((الصحاح)): يقال: ضِقْتُ بالأمر ذَرْعاً: إذا لم تُطِقْه ولم تقوَ عليه. وأصلُ
الذَّرع بسطُ اليد، فكأنك تريدُ: مددتُ يدي إليه فلم تَتَلْه، وربَّما قالوا: ضقتُ به
ذِراعاً، قال حميد بن ثور يصفُ ذئباً :
وإن بات وَخْشاً لیلةً لم يَضِقْ بھا
ذِراعاً ولم يُصبح لها وهو خاشِعُ(١)
وفي ((الكشاف)): جَعَلَتِ العربُ ضِيقَ الذِّراع والذَّرْعِ عبارةً عن فَقْدِ الطاقة،
كما قالوا: رَحْبُ الذِّراع بكذا، إذا كان مطيقاً له، والأصلَ فيه أنَّ الرجل إذا طالت
ذراعُه نال ما لا ينالُهُ القصيرُ الذِّراع، فضُرب ذلك مثلاً في العجز والقدرة(٢).
ونصبُه على أنه تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعل، أي: ضاق بأمرهم وحالِهم ذَرْعُه.
وجوِّز أن يكون الذَّرْع كنايةً عن الصَّدر والقلب، وضِيقُه كنايةً عن شدَّة الانقباض؛
للعَجْز عن مدافعة المكروه والاحتيالِ فيه، وهو على ما قيل: كنايةٌ متفرِّعةٌ على
كنايةٍ أخرى مشهورة. وقيل: إنَّه مجاز؛ لأنَّ الحقيقة غيرُ مرادةٍ هنا.
وأبعدَ بعضُهم في تخريج هذا الكلام، فخرَّجه على أنَّ المرادَ أنَّ بدنه ضاق
قدره(٣) عن احتمالِ ما وقع.
﴿وَقَالَ هَذَا﴾ اليومُ ﴿يَمُ عَصِيبٌ ﴾﴾ أي: شديد، وأصلُه من العَصْبِ بمعنى
الشدِّ، كأنَّه لشدَّة شرِّه عُصِبَ بعضُه ببعض، وقال أبو عبيدة: سمِّي بذلك لأنه
يعصِبُ الناس بالشرِّ، قال الراجز:
عَصْبَ القوِيِّ السَّلَمَ الطَّوالا(٤)
يومٌ عصيبٌ يَعْصِبُ الأبطالا
وفي معناه العَصَبْصَب والعَصَوْصَب.
﴿وَهُ﴾ أي: لوطاً وهي في بيته مع أضيافه ﴿قَوْمُّهُ, يُّهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ قال
(١) الصحاح (ذرع)، والبيت في ديوان حميد بن ثور ص ١٠٤ برواية: وهو خاضع.
(٢) الكشاف ٣/ ٢٠٥.
(٣) في (م): قدر، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٢٨/٤، وعنه نقل المصنف هذا
التخريج.
(٤) مجاز القرآن ٢٩٣/١-٢٩٤، وذكر البيت أيضاً الطبري ٤٩٨/١٢، والقرطبي ١٧٤/١١.
والسَّلَم: شجر من العضاه (الشول). الصحاح (سلم).

الآية : ٧٨
٣٥
سُوَلاَ هُود
أبو عبيدة: أي: يُسحتُّون إليه(١). كأنه يحثُ بعضُهم بعضاً، أو يحثُّهم كبيرهم
ويسوقُهم، أو الطمع في الفاحشة.
والعامَّة على قراءته مبنيًّا للمفعول، وقرأ جماعة: ((يَهرعون)) بفتح الياء مبنيًّا
للفاعل من هرع (٢).
وأصلُه من الهَرِع: وهو الدَّم الشديدُ السيلان، كأنَّ بعضَه يدفع بعضاً، وجاء:
أَهْرَعَ القومُ: إذا أسرعوا، وفسَّر بعضُهم الإهراعَ بالمشي بين الهرولة والجَمْز.
وعن ابن عباس أنه سُئل عمَّا في الآية، فقال: المعنى: يُقْبِلون إليه بالغضب،
ثم أنشد قول مُھلھِل:
فجاؤوا يُهْرَعون وهُم أُسارى نَقودُهمُ على رَغْمِ الأُنُوف(٣)
وفي رواية أخرى عنه أنَّه فسَّر ذلك بُسرعون، وهو بيانٌ للمراد، ويستقيم على
القراءتين.
وجملة ((يهرعون)) في موضع الحال من ((قومه))، أي: جاؤوا مُهرعين إليه.
وروي أنَّه لَمَّا جاء لوظٌ بضيفِه لم يعلم ذلك أحدٌ إلا أهلُ بيته، فخرجت امرأتُه حتى
أتتْ مجالسَ قومِها فقالت: إنَّ لوطاً قد أضاف الليلةَ فئةً ما رؤي مثلُهم جمالاً،
فحينئذٍ جاؤوا يُھرعون إليه.
﴿وَمِن قَبَّلُ﴾ أي: من قبلٍ وقت مجيئهم. وقيل: ((من قبل)) بعثٍ لوطِ رسولاً
إليهم ﴿ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قيل: المراد سيّئةُ إتيان الذُّكور، إلا أنَّها جُمعت
باعتبار تكرُّرِها أو باعتبارٍ فاعليها.
وقيل: المراد ما يعمُّ ذلك، وإتيانَ النساء في محاشهنَّ، والمكاءَ، والصفيرَ،
واللعبَ بالحمام، والقمارَ، والاستهزاءَ بالناس، وغير ذلك.
والمرادُ من ذِكْر عملهم السيئات من قبلُ بيانُ أنَّهم اعتادوا المنكرَ فلم يستحبُّوا
(١) مجاز القرآن ١/ ٢٩٤.
(٢) البحر ٢٤٦/٥.
(٣) أخرجه الطستي كما الدر المنثور ٣٤٢/٣، والبيت في تفسير الطبري ٥٠٠/١٢، وتهذيب
اللغة ١٤١/١، والمحرر الوجيز ١٩٤/٣ .

سُؤَادَةُ هُود
٣٦
الآية : ٧٨
فلِذلك أسرعوا لطلب الفاحشةِ من ضيوفه مُظْهِرين غيرَ مكترثين، فالجملةُ معترضةٌ
لتأكيد ما قبلها .
وقيل: إنَّها بيانٌ لوجه ضيق صدره؛ لِمَا عرف من عادتِهم. وجَعَلَها شيخُ
الإسلام في موضع الحال كالتي قبلها، أي: جاؤوا مسرعين، والحالُ أنَّهم كانوا
منهمكين في عمل السيئات(١).
﴿قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ فتزوَّجوهنَّ، وكانوا يطلبونهنَّ من قبلُ
ولا يجيبهم لِخُبثهم وعدمٍ كفاءتهم، لا لعدم مشروعيَّة تزويجِ المؤمنات من الكفّار؛
فإنه كان جائزاً، وقد زوَّجَ النبيُّ وَ﴿ ابنته زينب لأبي العاص بن الربيع، وابنته رقيّة
لعتبة بن أبي لهب قبل الوحي، وكانا كافرينٍ، إلا أنَّ عتبةً لم يدخلْ بها وفارقها
بطلب أبيه حين نزلتْ (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ)، فتزوَّجها عثمانُ ◌َ﴿ه، وأبا العاص كان
قد دخل بها لكنْ لَمَّا أُسر يومَ بدرٍ وفادى نفسَه، أخذ النبيُّ وَِّ العهدَ عليه أن يردّها
إذا عاد، فأرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار في طلبها،
فجاءا بها، ثمَّ إنه أسلم وأتى المدينة، فردَّها عليه الصلاة والسلام إليه بنكاحٍ جديد
أو بدونه على الخلاف(٢).
وقال الحسينُ بن الفَضل(٣): إنه عليه السَّلام عرضَ بناته عليهم بشرطِ الإسلام.
وإلى ذلك ذهب الزجَّاج(٤)، وهو مبنيٌّ على أنَّ تزوُّج المسلمات من الكفّار لم يكن
جائزاً إذ ذاك.
(١) تفسير أبي السعود ٢٢٨/٤.
(٢) حديث أن النبي و 98 ردَّ زينب على أبي العاص بالنكاح الأول أخرجه أحمد (١٨٧٦)،
وأبو داود (٢٢٤٠). وحديث أن النبي وَلوردّها بمهر جديد ونكاح جديد أخرجه أحمد
(٦٩٣٨)، والترمذي (١١٤٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ؤها، وقال الترمذي: في
إسناده مقال. وينظر معالم السنن ٢٥٩/٣-٢٦٠، ونصب الراية ٢٠٩/٣-٢١٢، وينظر
كذلك ما سيأتي عند تفسير الآية (٣) من سورة النور.
(٣) في الأصل و(م): الحسن بن الفضل، والمثبت من تفسير البغوي ٣٩٥/٢، وعنه نقل
المصنف، والحسين بن الفضل هو أبو عليٍّ البجلي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر اللغوي
المحدث، إمام عصره في معاني القرآن، توفي سنة (٢٨٢هـ). سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤١٤ .
(٤) في معاني القرآن ٦٧/٣.

الآية : ٧٨
٣٧
سُوَلاَ هُودٍ
وقيل: كان لهم سيِّدان مطاعان، فأراد أن يزوِّجهما ابنتيه، ولم يكن له عليه
السَّلام سواهما، واسمُ إحداهما ـ على ما في بعض الآثار - زعوراء، والأخرى
زیتاء.
وقيل: كان له عليه السَّلام ثلاثُ بنات، وأخرجه الحاكم وصحَّحه عن ابن
عباس(١)، ويؤيِّده ظاهرُ الجمع وإن جاء إطلاقُه على اثنين. وأيًّا ما كان فقد أرادَ
عليه السَّلام بذلك وقايةَ ضيفِه، وهو غايةُ الكرم، فلا يقال: كيف يليقُ عليه السَّلام
أن يعرضَ بناتِهِ على أعدائه ليزوِّجهنَّ إِيَّهم؟!
نعم استشكل عرضُ بناته - بناءً على أنهنَّ اثنتان كما هو المشهور، أو ثلاثٌ
كما قيل - على أولئك المهرعين ليتزوَّ جوهنَّ مع القول بأنَّهم أكثرُ منهنَّ؛ إذ لا يَسُوغُ
القولُ بحلِّ تزوُّج الجماعة بأقلَّ منهم في زمانٍ واحد، ومن هنا قال بعضُ أجلَّة
المفسرين: إنَّ ذلك القولَ لم يكن منه عليه السَّلام مجريًّا على الحقيقة من إرادةٍ
النكاح، بل كان ذلك مبالغةً في التواضع لهم، وإظهاراً لشدَّة امتعاضه مِمَّا أوردوا
عليه؛ طمعاً في أن يستحيوا منه ويَرِقُّوا له إذا سمعوا ذلك فيتركوا ضيوفَه، مع
ظهور الأمر واستقرارِ العلم عنده وعندَهم أن لا مناكحةَ بينَه وبينهم، وهو الأنسبُ
بجوابهم الآتي.
وأخرج أبو الشيخ(٢) عن ابن عبّاس، وابن جرير وابنُ أبي حاتم عن ابن جبير
ومجاهد(٣)، وابنُ أبي الدنيا وابنُ عساكر عن السُّدِّيِّ(٤) أنَّ المراد بيناته عليه السَّلام
نساءُ أمَّتِهِ، والإشارةُ بـ ((هؤلاء)» لتنزيلهنَّ منزلةَ الحاضر عنده، وإضافتهنَّ إليه؛ لأنَّ
كلَّ نبيِّ أبٌّ لأمَّته.
وفي قراءة ابن مسعود رظُه: ((النبيُّ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسِهم وهو أبٌّ لهم
(١) المستدرك ٣٤٤/٢-٣٤٥.
(٢) كما في الدر المنثور ٣٤٢/٣.
(٣) تفسير الطبري ٥٠٣/١٢-٥٠٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٠٦٢/٦. وقوله: وابن جرير،
ساقط من (م).
(٤) الدر المنثور ٣٤٢/٣، وهو في تاريخ ابن عساكر ٣١٧/٥٠.

سُؤَدَاهُودٍ
٣٨
الآية : ٧٨
وأزواجُه أمَّهاتهم))(١). وقرأ أبيِّ ◌َبه مثلَ ذلك لكنَّه قدَّم ((وأزواجه أمهاتهم)) على
((وهو أبٌّ لهم))(٢).
وأراد عليه السلام بقوله: ((هنَّ أطهرُ لكم)) أنظفُ فِعْلاً، أو: أقلُّ فُحشاً،
كقولك: الميتةُ أطيبُ من المغصوب وأحلُّ منه، ويُراد من الطَّهارة على الأوَّل
الطهارةُ الحسيَّة، وهي الطهارة عمَّا في اللِّواطة من الأذى والخبث، وعلى الثاني
الطهارةُ المعنويَّة، وهي التنزُّه عن الفُحش والإثم، وصيغةُ أفعل في ذلك مجازٌ.
والظاهرُ أن ((هؤلاء بناتي)) مبتدأ وخبر، وكذلك ((هنَّ أطهر لكم))، وجوَّز
أبو البقاء(٣) كونَ ((بناتي)) بدلاً أو عطفَ بيان، و((هنَّ) ضميرَ فَصْلٍ، و((أطهر)) هو
الخبر، وكونَ ((هنَّ) مبتدأ ثانياً، و((أطهر)) خبرَه، والجملةُ خبر («هؤلاء)».
وقرأ الحسن وزيدُ بن عليٍّ وعيسى الثقفيُّ وسعيد بن جبير والسُّدِّيُّ ((أطهرَ))
بالنصب(٤). وقد خفي وجهُه حتى قال ابنُ العلاء(٥): إنَّ مَن قرأ ((أطهر))
بالنَّصب، فقد تربَّع في لحنه؛ وذلك لأنَّ انتصابَه على أنْ يُجعل حالاً عمل فيها
ما في ((هؤلاء)) من الإشارة أو التنبيه، أو ينصب ((هؤلاء)» بفعلٍ مضمر كأنَّه قيل:
خذوا هؤلاء، و((بناتي)) بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال، و((هن)) في
الصورتين فصلٌ، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الفصلَ إنما يكون بين المسندِ والمسندِ
إليه، ولا يكون بين الحال وذِيها، كذا قيل. وهذا المنعُ هو المرويُّ عن
سيبويه(٦). وخالف في ذلك الأخفش(٧) فأجاز توسُّط الفصل بين الحالِ
وصاحبها، فيقول: جاء زيدٌ هو ضاحكاً، وجَعَل من ذلك هذه الآيةَ على هذه
القراءة.
(١) القراءات الشاذة ص١١٩.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٣٦٨/٣.
(٣) في الإملاء ٢٩٧/٣.
(٤) القراءات الشاذة ص٦٠، والمحتسب ٣٢٥/١، والبحر ٢٤٧/٥.
(٥) في (م): عمر بن العلاء. والمثبت من الأصل، وهو أبو عمرو بن العلاء وكلامه في الكتاب
٣٩٦/٢-٣٩٧، والكشاف ٢٨٣/٣، والبحر ٢٤٧/٥.
(٦) الكتاب ٣٩٥/٢، والبحر ٢٤٧/٥.
(٧) في معاني القرآن ١/ ٥٨١.

الآية : ٧٨
٣٩
سُوَلاَ مُود
وقيل: بوقوعه شذوذاً كما في قولهم: أكثرُ أكلي التفاحةَ هي نضيجةً، ومَن منع
ذلك خرَّج هذا على إضمارٍ كان، والآيةَ الكريمة على أنَّ ((هنَّ)) مبتدأ و((لكم))
الخبر، و((أطهرَ)) حال من الضمير في الخبر. واعتُرض بأنَّ فيه تقديمَ الحالِ على
عاملها الظرفي، والأكثرون على منعِه.
أو على أن يكون ((هؤلاء)) مبتدأ، و((بناتي هنَّ)) جملة في موضع خبر المبتدأ،
كقولك: هذا أخي هو، ويكون ((أطهر)) حالاً، وروي هذا عن المبرِّد وابنٍ
جنِّي(١).
أو على أن يكون ((هؤلاء)) مبتدأ و((بناتي)) بدلاً منه، أو عطفَ بيان، و((هن))
خبر، و((أطهرَ)) على حاله.
وتُعقّب بأنَّه ليس فيه معنى طائلٌ. ودُفع بأنَّ المقصودَ بالإفادة الحالُ، كما في
قولك: هذا أبوك عطوفاً .
وادَّعى في ((الكشف)) أنَّ الأَوْجَه أن يقدِّروا: خذوا هؤلاء أطهرَ لكم، وقوله:
(ناتي هنَّ) جملةٌ معترضةٌ تعليلاً للأمر وكونهنَّ أَوْلَى قُدِّمت للاهتمام، كأنَّه قيل:
خذوا هؤلاء العفائفَ أطهرَ لكم إنَّ بناتي هنَّ، وأنتم تعلمون طهارتي وطهارةَ بناتي.
ويجوز أن يقال: ((هنَّ) تأكيدٌ للمستكنِّ في ((بناتي)) لأنَّه وصفٌ مشتقٌّ لاسيما على
المذهب الکوفيّ، فافهم ولا تغفل.
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ بتركِ الفواحش، أو بإيثارهنَّ عليهم ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىٌ﴾ أي:
لا تفضحوني في شأنهم، فإنَّ إخزاءَ ضيفِ الرجل إخزاءٌ له، أو: لا تُخجلوني
فيهم، والمصدر على الأوَّل الخزي، وعلى الثاني الخزاية.
وأصلُ معنى خَزِيَ: لَحِقَه انكسارٌ إمَّا من نفسه وهو الحياءُ المُفْرِط، وإمَّا من
غيره وهو الاستخفافُ والتفضيحُ.
والضيف في الأصل مصدر، ولذا إذا وُصف به المثَّى أو المجموع لم يطابق
على المشهور، وسُمع فيه: ضيوف، وأضياف، وضيفان.
(١) في المحتسب ٣٢٦/١.

سِوَلُ هُود
٤٠
الآية : ٧٩
و((لا)) ناهية، والفعلُ مجزومٌ بحذفِ النون، والموجودةُ نونُ الوقاية، والياءُ
محذوفة اكتفاءً بالكسرة. وقرئ بإثباتها على الأصل(١).
﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾﴾ يهتدي إلى الحقِّ الصريح، ويرعوي عن الباطل
القبيح. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عبَّاس أنه قال: يأمرُ بمعروفٍ أو ينهى عن
منكر(٢). وهو إما بمعنى ذو رشدٍ، أو بمعنى مُرْشِدٍ، كالحكيم بمعنى المحكم.
والاستفهامُ للتعُّب، وحملُه على الحقيقة لا يناسبُ المقام.
﴿قَالُوا﴾ مُعْرِضين عمَّا نصحهم به من الأمر بالتَّقوى والنهي عن الإخزاء،
مجيبين(٣) عن أوَّل كلامه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ﴾ أي: حَقٌّ، وهو واحدُ
الحقوق، وعنَوا به قضاءَ الشهوة، أي ما لنا حاجةٌ في بناتك.
وقد يفسّر بما يخالف الباطل، أي: ما لنا في بناتك نكاحٌ حقٌّ، لأنَّك لا ترى
جواز نكاحِنا للمسلمات، وما هو إلا عَرْضٌ سابريٌّ(٤)، كذا قيل، وهو ظاهرٌ في
أنه كان من شريعتِهِ عليه السَّلام عدمُ حلِّ نكاح الكافر المسلمةَ.
وقيل: إنَّما نفَوا أن يكون لهم حقٌّ في بناته؛ لأنَّهم كانوا قد خطبوهنَّ فردَّهم،
وكان من سنَّتهم أنَّ مَن رُدَّ في خطبة امرأة لم تحلَّ له أبداً .
وقيل: إنَّهم لَمَّا اتخذوا إتيانَ الذكور مذهباً، كان عندهم هو الحقَّ، وأنَّ نكاح
الإناث من الباطل، فقالوا ما قالوا.
وقيل: قالوا ذلك لأنَّ عادتَهم كانت أن لا يتزوَّج الرجلُ منهم إلا واحدةً،
وکانوا کلّهم متزوجین.
﴿وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُريدُ ﴿3﴾ أي: من إتيان الذكور، والظاهرُ أنَّ ((ما)) مفعولٌ
(١) أثبتها أبو عمرو وأبو جعفر وصلاً، ويعقوب في الحالين. التيسير ص ١٢٧، والنشر ٢/ ٢٩٢.
(٢) الدر المنثور ٣٤٣/٣.
(٣) قوله: مجيبين، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٢٨/٤، والكلام
منه.
(٤) أي: رقيق ليس بمُحَقَّقٍ، وفي المثل: عَرْضٌ سابِرِيٌّ، يقوله مَن يُعْرَضُ عليه الشيء عرضاً
لا يبالَغ فيه؛ لأن السابريَّ من أجود الثياب يُرغَبُ فيه بأدنى عَرْض. اللسان (سبر).