Indexed OCR Text

Pages 1-20

مجاني
د
في
تَفِي القُرآن بَعَ ظِيمُ والسَُّنْع المثَانِىّ
تأليف
شِهَابُ الدِّينْ أَبِيُ الشَّاء
◌ٌَ مُودِ بْن عَبْدُاللَّهُ الأَلْوُسيْ الْبُعْدَادِيْ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَة هَذَا الجزء
يَاهِرْجَبُوشٌ
مَاهُمْ في تحقيقه
عِبَاد الشّخِ زوين
عباد اللّهيُيي
المجدّدالتاِنَشرُ
مؤسسة الرسالة

-3
-

تُفُ الْمَعَانِى
وبد وا.
في
تَفِي الشرآرالعَظِيْ والِسَنْع المثَان
(١٢)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَةٌ لِلنَاشِرْ
الطَّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
ـلة
مؤسسة الرســ
للطّبَاعَة وَالنَّشْرِ وَالتَّوْزِيّع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُؤْرَلةُ هُودٍ
﴿وَلَقَدْ جَتْ رُسُلُنَآَ إِنَهِيمَ﴾ وهم الملائكة؛ رُوي عن ابن عباس أنَّهم كانوا
اثني عشر مَلَكاً. وقال السُّدِّي: أحد عشر على صورة الغِلمان في غاية الحُسن
والبهجة. وحكى صاحب ((الغنيان))(١) أنَّهم عشرةٌ منهم جبريل. وقال الضحَّاك:
تسعة. وقال محمدُ بن كعب: ثمانية. وحكى الماورديُّ أنَّهم أربعة ولم يسمِّهم (٢).
وجاء في روايةٍ عن عثمان بن محصن(٣) أنَّهم: جبريل، وإسرافيلُ، وميكائيلُ،
ورفائيلُ عليهم السلام. وفي روايةٍ عن ابن عباس وابنٍ جبير أنَّهم ثلاثةٌ الأولون
فقط. وقال مقاتل: جبريل، وميكائيل، وملكُ الموت عليهم السلام.
واختار بعضُهم الاقتصارَ على القول بأنهم ثلاثة؛ لأنَّ ذلك أقلُّ ما يدلُّ عليه
الجمع، وليس هناك ما يعوَّل عليه في الزائد.
وإنَّما أسند إليهم المجيء دونَ الإرسال؛ لأنهم لم يكونوا مرسَلين إليه عليه
السلام بل إلى قوم لوطٍ؛ لقوله تعالى: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) وإنما جاؤوه الداعية
البشرى.
(١) كما في البحر ٢٤١/٥، ووقع في الأصل و(م): الغينان، وهو تصحيف. وكتاب الغُنيان في
تفسير القرآن لبشير بن حامد الزينبي التبريزي البغدادي الشافعي، شيخ الحرم الشريف،
المتوفى سنة (٦٤٦هـ). العقد الثمين للفاسي ٣٧١/٣.
(٢) كذا ذكر، والذي قاله الماوردي في النكت والعيون ٤٢٨/٢: الرسل جبريل ومعه ملكان،
قيل: إنهما ميكائيل وإسرافيل. ثم ذكر عن ابن عباس ما سلف من أنهم كانوا اثني عشر
ملكاً. وذكر عند تفسير الآية (٢٤) من سورة الذاريات ما سيأتي من كلام عثمان بن
محصن .
(٣) في الأصل و(م): محيصن، والصواب ما أثبتناه، وعثمان بن محصن يروي عن ابن عباس،
مرسل، روى عنه نوح بن قيس الحداني. الجرح والتعديل ٦/ ١٦٧.

سُاَلُ هُود!
٦
الآية : ٦٩
قيل: ولَمَّا كان المقصودُ في السورة الكريمة ذكرَ [سوء] صنيع الأمم السالفة مع
الرسل المرسلة إليهم، ولحوقِ العذاب بهم - ولم يكن جميعُ قوم إبراهيم عليه
السلام ممَّنْ(١) لحق بهم العذابُ، بل إنَّما لحق بقوم لوط منهم خاصَّة(٢) - غيَّر
الأسلوب المطّرد فيما سبق من قوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ
صَلِحًا) ثم رجع إليه حيث قيل: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُرْ شُعَيْبَاً).
والباء في قوله تعالى: ﴿ِالبُشْرَى﴾ للمُلابَسة، أي: مُلْتبِسين بالبشرى، والمرادُ
بها؛ قيل: مطلقُ البشارة المنتظِمَةِ للبشارة(٣) بالولد من سارة؛ لقوله تعالى:
(فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ) الآية، وقوله سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] إلى
غير ذلك، وللبشارة بعدم لحوقِ الضَّرر به لقوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِنَهِيمَ الزَّوْعُ
وَجَآءَتْهُ اٌلْبُشْرَى) لظهور تفرُّع المجادلة على مجيئها. وكانت البشارةُ الأولى - على
ما قيل - من ميكائيل، والثانية من إسرافيل عليهما السلام.
وقيل: المرادُ بها البشارةُ بهلاك قوم لوط عليه السلام؛ فإنَّ هلاك الظّلمة
من أجلِّ ما يُبشّر به المؤمن. واعتُرض بأنه يأباه مجادلتُه عليه السلام في
شأنهم .
واستظهر الزمخشري(٤) أنَّها البشارةُ بالولد، وهي المرادةُ بالبشرى فيما سيأتي،
وسرُّ تفرُّع المجادلة عليها سيذكر إنْ شاء الله تعالى.
وعلَّل في ((الكشف)) استظهارَ ذلك بقوله: لأنَّه الأنسبُ بالإطلاق، ولقوله
سبحانه في ((الذاريات)): ﴿وَبَشَّرُؤُهُ بِغُلَمْ عَلِيمٍ﴾ [الآية: ٢٨] ثم قال بعده: ﴿فَا خَطِبُّكُنْ
أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات: ٣١]. ثم قال: وقوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِنْزَهِيمَ) إلخ،
وإن كان يحتمل أنَّ ثَمَّةَ بشارتين، فيُحْمَلُ في كلِّ موضعٍ على واحدة، لكنَّه خلافُ
الظاهر. انتهى.
(١) في الأصل و(م): من، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٢٤/٤، والكلام وما سلف بين
حاصرتين منه.
(٢) جاء في هامش الأصل: ستعلم ما في هذا من الكلام قريباً إن شاء الله تعالى.
(٣) في (م): بالبشارة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٤) في الكشاف ٢/ ٢٨٠.

الآية : ٦٩
٧
سُؤَلاَ هُود
ولما كان الإخبارُ بمجيء الرسل عليهم السلام مظنَّةً لسؤال السامع بأنّهم:
ما قالوا؟ أُجيب بأنهم ﴿قَالُواْ سَكَمًا﴾ أي: سلَّمنا - أو نسلِّم - عليك سلاماً، فهو
منصوبٌ بفعلٍ محذوف، والجملةُ مقولُ القول.
قال ابنُ عطية: ويصحُّ أن يكون مفعولَ ((قالوا)) على أنه حكايةٌ لمعنى ما قالوا،
لا حكايةٌ للَفْظِهم، وروي ذلك عن مجاهد والسُّدي، ولذلك عَمِل فيه القولُ، وهذا
كما تقولُ لرجل قال: لا إله إلا الله: قلتَ حقًّا وإخلاصاً (١).
وقيل: إنَّ النصب بـ ((قالوا)) لِمَا فيه من معنى الذِّكر، كأنه قيل: ذكروا سلاماً.
﴿قَالَ سَلَمْ﴾ أي: عليكم سلام(٢)، أو: سلامٌ عليكم. والابتداءُ بنكرةٍ مثلِه
سائغٌ كما قُرِّر في النحو. وقد حياهم عليه السَّلام بأحسنَ من تحيّتهم؛ لأنَّها بجملةٍ
اسمية دالَّةٍ على الدوام والثبات فهي أبلغُ، وأصلُ معنى السَّلام: السلامةُ مما يضرُّ.
وقرأ حمزة والكسائي: ((سِلْم)) في الثاني بدون ألفٍ مع كَسْرِ السين وسكونِ
اللام(٣)، وهو - على ما قيل - لغةٌ في ((سلام)) كحِرْمٍ وحرام، ومنه قولُه:
مررنا فقلنا إيه سِلْمٌ فسلَّمت كما اكتلَّ بالبَرقِ الغمامُ اللوائحُ(٤)
وقال ابنُ عطية: ويحتمل أن يُراد بالسِّلم ضدُّ الحرب(٥). ووجّه بأنَّهم لَمَّا
امتنعوا من تناول طعامِهِ وخاف منهم قاله، أي: أنا مسالمٌ لا محاربٌ؛ لأنَّهم كانوا
لا یأکلون طعامَ مَنْ بينهم وبينه حربٌ.
واعتُرض بأنه يدلُّ على أنَّ قوله هذا بعد تقديم الطعام، وقولُه سبحانه: ﴿فَمَا
لَبِثَ﴾ إلخ صريحٌ في خلافه، وذكر في ((الكشاف)) أنَّ حمزة والكسائيَّ قرأا
(١) المحرر الوجيز ١٨٧/٣.
(٢) جاء في هامش الأصل عند هذا الموضع: والخبر واجب الحذف هنا كما تقرر في العربية.
(٣) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٩٠/٢.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢١/٢، والكشاف ٢٨٠/٢، والبحر ٢٤١/٥، واللسان (طلح)
و(كلب)، وفيه: اكتل الغمام بالبرق: لمع، يقول: لَمَّا سلمنا عليهن بدت ثغورهن کبرقٍ في
جانب غمام. والبيت في الصحاح، واللسان (سلم)، وعجزه فيهما برواية: فما كان
إلا وَمْؤُها بالحواجب.
(٥) المحرر الوجيز ١٨٧/٣.

٨
الآية : ٦٩
بكسر السِّين وسكون اللَّام في الموضعين(١)، وهو مخالفٌ للمنقول في كتب
القراءات .
وقرأ ابنُ أبي عبلة: ((قال سلاماً)) بالنصب كالأول، وعنه: أنه قرأ بالرَّفع
فيهما(٢).
﴿فَمَا لَِّثَ﴾ أي: فما أبطأ إبراهيم عليه السَّلام ﴿أَنَ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيٍ
(٦٩)
أي: في مجيئِه به، أو عن مجيئِه به فـ ((ما)) نافية، وضمير ((لبث)) لإبراهيم، و((أن
جاء)) بتقديرِ حرف جرِّ متعلِّقٍ بالفعل، وحَذْفُ الجارِّ قبل ((أنَّ)) و((أنْ)) مَرد. وحكى
ابنُ العربيّ(٣) أنَّ ((أنْ)) بمعنى حتى.
وقيل: ((أنْ)) وما بعدها فاعلُ ((لبث))، أي: فما تأخّر مجيئُه، وروي ذلك عن
الفرَّاء (٤)، واختاره أبو حيَّان(٥).
وقيل: ((ما)) مصدريَّة والمصدر مبتدأ، أو هي اسم موصول بمعنى الذي كذلك،
و ((أن جاء)) على حذف مضاف، أي: قَدْر، وهو الخبر، أي: فلبْتُه - أو الذي
لَبِثَه - قَدْرُ مجيئه. وليس بشيء.
والعجل ولدُ البقرة، ويسمَّى الحسيل والخبش بلغة أهل السَّراة(٦)، والباءُ فيه
للتعدية أو الملابسة، والحنيذُ: السَّمين الذي يقطر وَدَكُه، من حنذتُ الفرس: إذا
عرَّقْتَه بالجِلال(٧)، كأنَّ ودكه كالجِلال عليه، أو كأنَّ ما يسيلُ منه عرقُ (٨) الدَّابة
المجلَّلة للعرق.
(١) الكشاف ٢/ ٢٨٠، وليس فيه نسبة القراءة لأحدٍ من القراء، وذكرها ابن خالويه في القراءات
الشاذة ص ٦٠ عن يحيى بن وثاب والأعمش.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٢٤/٤.
(٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٠٥٠.
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٢١.
(٥) في البحر ٢٤١/٥ .
(٦) الكشاف ٢/ ٢٨٠.
(٧) بكسر الجيم: جمع جُلِّ بضمها وتفتح، وهو ما تدثَر به الخيل وتصان. والوَدَك: الدسم.
حاشية الشهاب ٥/ ١١٤.
(٨) فى الأصل: كعرق. وينظر حاشية الشهاب ٥/ ١١٤.

الآية : ٧٠
٩
سُورَةُ هُودٍ
واقتصر السُّدِّيُّ على السَّمين في تفسيره لقوله تعالى: (بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)(١).
وقيل: هو المشويُّ بالرَّضْف(٢) في أخدود. وجاء ذلك في روايةٍ عن ابن عباس
ومجاهد وقتادة.
وفي رواية عن مجاهد تفسيرُه بالمطبوخ.
وإنما جاء عليه السلام بالعجل؛ لأنَّ مالَه كان البقرَ، وهو أطيبُ ما فيها،
وكان من دأبه عليه السلام إكرامُ الضَّيف، ولذا عجَّل القِرى، وذلك من أدب
الضيافة لِمَا فيه من الاعتناء بشأن الضَّيف، وفي مجيئه بالعجل كلِّه مع أنَّهم
بحسب الظاهر يكفيهم بعضُه دليلٌ على أنَّه من الأدب أن يُحْضَرَ للضيف أكثرُ
مما يأكل.
واختلف في هذا العِجْل: هل كان مهيَّاً قبل مجيئهم، أو أنه هُيِّئ بعد أن
جاؤوا؟ قولان اختار أبو حيَّان(٣) أوَّلَهما؛ لدلالة السُّرعة بالإتيان به على ذلك،
ويختارُ الفقيرُ ثانيهما؛ لأنه أَزْيَدُ في العناية وأبلغُ في الإكرام، وليست السرعةُ نصًّا
في الأوَّل كما لا يخفى.
﴿فَلَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ كناية عن أنَّهم لا يمدُّون إليه أيديهم، ويلزمه أنَّهم
لا يأكلون.
وقيل: لا كنايةً، بناءً على ما روي أنهم كانوا ينكتون اللحمَ بقداحٍ في أيديهم.
وليس بشيء، وفي القلب من صحَّة هذه الرواية شيءٌ؛ إذ هذا النكتُ أشبهُ شيءٍ
بالعبث، والملائكةُ عليهم السلام يُجلُّون عن مثلِه.
و((رأى)) قيل: عِلْمية، فجملة ((لا تصل)) مفعولٌ ثانٍ. والظاهر أنَّها بصريَّةٌ،
والجملةُ في موضع الحال، ففيه دليلٌ على أنَّ من أدب الضيافةِ النظرُ إلى الضيف
هل يأكل أوْ لا؟ لكن ذكروا أنَّه ينبغي أن يكون بتلقّتٍ ومسارَقٍ لا بتحديدِ النظر؛
لأنَّ ذلك مما يجعل الضيفُ مقصِّراً في الأكل.
(١) في الأصل و(م): بعجل سمين.
(٢) حجارة تحمى ويلقى عليها اللحم ليُشوى. حاشية الشهاب ١١٤/٥ ..
(٣) في البحر ١٣٩/٨.

سُؤَدَةُ هُود
١٠
الآية : ٧٠
أي: لَمَّا شاهد منهم ذلك ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي: نفرهم ﴿وَأَوْجَسَ﴾ أي: استشعرَ
وأدرك. وقيل: أَضْمَرَ ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من جهتهم ﴿خِيفَةٌ﴾ أي: خوفاً، وأصلُها:
الحالةُ التي عليها الإنسان من الخوف، ولعلَّ اختيارها بالذِّكر للمبالغة، حيثُ تفرَّس
لذلك مع جهالته لهم من قبلُ وعدمٍ معرفته من أيِّ الناس يكونون، كما ينبئُ عنه
ما في ((الذاريات)) من قوله سبحانهَ حكايةً عنه: ﴿قَالَ سَلَمٌ قَوٌْ مُكَرُونَ﴾ [الذاريات:
٢٥] أنَّهم ملائكة، وظنَّ أنهم أُرسلوا لعذاب قومِه، أو لأمرٍ أنكره الله تعالى عليه.
﴿قَالُوا﴾ حين رأَوا أثرَ ذلك عليه عليه السَّلام، أو أعلمهم اللهُ تعالى به، أو بعد
أنْ قال لهم ما في ((الحجر)): ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَِلُونَ﴾ [الآية: ٥٢] فإنَّ الظاهر منه أنَّ هناك
قولاً بالفعل لا بالقوّة(١) كما هو احتمالٌ فيه على ما ستراه إن شاء الله تعالى.
وجوِّز أن يكون ذلك لعلمهم أنَّ عِلْمَه عليه السلام أنَّهم ملائكة يوجب الخوف؛
لأنَّهم لا ينزلون إلا بعذاب.
وقيل: إنَّ الله تعالى جعل للملائكة مطلقاً ما لم يجعلْ لغيرهم من الاطّلاع،
كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] وفي الصحيح: ((قالت الملائكةُ:
ربِّ عبدُك هذا يريد أن يعملَ سيِّئة)) الحديثَ(٢). وهو قولٌ بأنَّ الملائكة يعلمون
الأمورَ القلبية، وفي الأخبار الصحيحة ما هو صريحٌ بخلافه(٣)، والآيةُ والخبرُ
المذكوران لا يصلحان دليلاً لهذا المطلب.
وإسنادُ القول إليهم ظاهرٌ في أنَّ الجميع قالوا: ﴿لَا تَّخَفْ﴾، ويحتمل أنَّ القائل
بعضُهم، وكثيراً ما يُسند فعلُ البعض إلى الكلِّ في أمثال ذلك.
وظاهر قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ أنَّه استئنافٌ في معنى التعليل للنهي
المذكور، كما أنَّ قوله سبحانه: ﴿إِنَّا تُبَشِّرُكَ﴾ [الحجر: ٥٣] استئنافٌ كذلك، فإنَّ
(١) القوة: هي التهيؤ الموجود في الشيء، وضده الفعل، وهو بروز ذلك الشيء. معجم متن
اللغة (قوي).
(٢) صحيح مسلم (١٢٩) من حديث أبي هريرة ﴿له، وهو عند أحمد (٨٢١٩).
(٣) ينظر حديث أنس عند البزار (٣٤٣٥ كشف)، والطبراني في الأوسط (٢٦٢٤) و(٦١٢٩)،
وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٨٩/١: رواه البزار والطبراني بإسنادين، رواة
أحدهما رواة الصحيح.

الآية : ٧٠
١١
سُوَلاَ هُود
إرسالَهم إلى قوم آخرين يوجبُ أمْنَه من الخوف، أي: أُرسلنا بالعذاب ﴿إِلَى قَوْمِ
لُوطٍ (®﴾ خاصَّةً.
ويُعلم مما ذكرنا أنَّه عليه السلام أحسَّ بأنَّهم ملائكة، وإليه ذهب ابنُ
عباس ﴿ًا، وقد يُستدلُّ له بقولهم: ((لا تخف إنا أرسلنا)) فإنَّه كما لا يخفى على
مَن له أدنى ذوقٍ إنما يقال لمن عرفهم ولم يعرفْ فيمَ أُرسلوا فخاف، وأنَّ الإنكارَ
المدلول عليه بـ ((نكرهم)) غيرُ المدلول عليه بما في ((الذاريات))، فلا إشكالَ في كون
الإنكار هناك قبلَ إحضار الطّعام وهنا بعده.
وأصلُ الإنكار ضدُّ العرفان، ونَكِرْتُ وأنكرتُ واستنكرتُ بمعنى. وقيل: إنَّ
أنكر فيما لا يُرى من المعاني، ونَكِرَ فيما يُرى بالبصر، ومن ذلك قولُ الشاعر:
من الحوادثِ إلا الشَّيبَ والصَّلَعا(١)
وأنكرتْني وما كان الذي نَکِرتْ
فإنَّه أراد في الأوَّل على ما قيل: أنكرتْ موذَّتي. وقال الراغب: إنَّ أصلَ ذلك
أن يَرِدَ على القلب ما لا يتصوَّرُه، وذلك ضربٌ من الجهل(٢). وبه فسِّر ما في
الآية.
وفرَّق بعضُهم بين ما هنا وبين ما وقع في ((الذاريات) بأنَّ الأوَّل راجعٌ إلى
حالهم حين قدَّم إليهم العجلَ، والثاني متعلِّقٌ بأنفسهم ولا تعلَّقَ له برؤية عدم
أکلهم، بل وقع عند رؤیتِه عليه السلام لهم؛ لعدم كونهم من جنس ما يعهده من
الناس، ويحتاج هذا إلى اعتبار حذفِ المضاف أو ملاحظةِ الحيثية. واعترض
ما قدمناه بأنَّ فيه ارتكابَ مجاز، ولعلَّ الأمرَ فيه سهل.
وذهب بعضُهم إلى أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة حتى قالوا له:
((لا تخفْ إنا أرسلنا)) وكأنَّ سبب خوفِه منهم أنهم لم يتحرَّموا بطعامه، فظنَّ أنهم
يريدون به سوءاً، إذ كانت العادةُ إذ ذاك كذلك، وكان عليه السلام نازلاً في طرفٍ
(١) البيت في ديوان الأعشى ص ١٠٥ ضمن قصيدة طويلة في مدح هوذة بن علي الحنفي. وذكر
أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٩٣/١ عن أبي عمرو قوله: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر
الأعشى إلى آخره فذهب، فأتوب إلى الله منه. اهـ. وفي العقد الفريد ٣٠٧/٥ أن الذي زاده
في شعر الأعشى هو حماد الراوية.
(٢) مفردات الراغب (نكر).

سُؤَدَلاَ هُودٍ
١٢
الآية : ٧٠
من الأرض منفرداً عن قومه، وهي روايةٌ عن ابن عباس أخرجها إسحاق بن بشر
وابنُ عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عنه (١).
وقيل: كان سببُ خوفه أنَّهم دخلوا بغيرِ إذنٍ وبغيرٍ وقت.
وقال العلامة الطّيبي: الحقُّ أنَّ الخوف إنما صدر عن مجموع کونھم منگرین
وكونهم ممتنعين من الطعام كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة، ولأنه لو
عرفهم بأنَّهم ملائكة لم يُحضر بين أيديهم الطعامَ ولم يحرِّضهم على الأكل(٢)،
وإنَّما عدلوا إلى قولهم: ((إنا أرسلنا إلى قوم لوط)) ليكون جامعاً للمعاني بحيث
يُفهم منه المقصودُ أيضاً. انتهى.
وفيه إشارةٌ إلى الردِّ على الزمخشريِّ، وقد اختلف كلامُه في تعليل الخوف،
فعلَّله تارةً بعرفانه أنَّهم ملائكة(٣)، وأخرى بأنهم لم يتحرَّموا طعامه (٤). ولعلَّه أرادَ
بذلك العرفانِ العرفانَ بعد إحضار الطعام، وما ذكره الطَّيبي من أنَّه لو عرفهم بأنَّهم
ملائكة لم يُحضر ... إلخ غيرُ قادح؛ إذ يجوز أن يخافهم بعد الإحضار أوَّلاً لعدم
التحرُّم، ثم بعد تفرُّس أنَّهم ملائكة خافَهم؛ لأنَّهم ملائكة أُرسلوا للعذاب،
والزمخشريُّ حكى أحدَ الخوفين في موضع والآخرَ في آخر.
قال بعض المحقّقين: والتعليل بأنهم ملائكةٌ هو الوجهُ؛ لينتظم قولُه سبحانه:
وَلَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلٍَ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] مع ما قبله، إذ لو كان الوجلُ لكونهم
على غير زيِّ مَن عرف ونحوه، لم يحسُن التعليلُ بقوله تعالى: (إِنَّا نُبَشِرُكَ) فإنه
إنما هو تعليلٌ للنهي عن الوَجَل من أنَّهم ملائكةٌ أُرسلوا للعذاب، كأنهم قالوا:
((لا تَوْجَلْ إِنَّا نبشِّرك بغلام عليم)) و((إِنَّا أرسلنا إلى قوم لوط)) فجاء على اختصاراتٍ
القرآن بذكرٍ أحد التعليلين في أحدِ الموضعين والآخر في الآخر، ولا شكَّ أنَّ في
((الحجر)) اختصاراً لطيٍّ حديث الرَّواغ، والتعجيل بالعِجْل الحنيذ وعدم تحرُّمهم
بطعامه، لما أنَّ المقصودَ من سَوق القصّة هنالك الترغيبُ والترهيبُ؛ للاعتبار بحال
(١) الدر المنثور ٣٣٩/٣، وهو في تاريخ ابن عساكر ٣١٠/٥٠.
(٢) في (م): الأول.
(٣) الكشاف ٢٨١/٢.
(٤) الكشاف ١٨/٤.

الآية : ٧٠
١٣
سُؤَلُ هُود!
إبراهيمَ عليه السَّلام وما لقي من البُشرى والكرامة، وحالٍ قوم لوط عليه السلام
وما مُنُوا به من السُّوأى والملامة، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿فَيِّئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا
اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إلى قوله جلَّ وعلا: ﴿وَنَبِئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٤٩-٥١]
فاقتصر على ما يفيدُ ذلك الغرضَ؟ وأمَّا في هذه السُّورة فجيء بها للإرشاد الذي بنى
عليه السُّورة الكريمة، مع إدماج التَّسلية وردِّ ما رمَوه به عليه الصلاة والسلام من
الافتراء، وفي كلِّ من أجزاء القصّة ما يسدُّ(١) من هذه الأغراض، فسُرد على
وجهها، وفي سورة الذاريات للأخيرين فقط فجيء بما يفيد ذلك، فلا عليك إنْ
رأيت اختصاراً أن تنقلَ إليه من المبسوط ما يتمُّ به الكلام بعد أن تعرف نكتةً
الاختصار، وهذا من خواصٌ كتاب الله تعالى الكريم. انتهى.
ولا يخلو عن حُسن، وفيه ذهابٌ إلى كون جملة ((إنا أُرسلنا إلى قوم لوط))
استئنافاً في موضع التعليل كما هو الظاهر. وقال شيخ الإسلام عليه الرحمة:
الظاهرُ ما ذُكر؛ إلا أنه ليس كذلك؛ فإنَّ قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
قَالُواْ إِنَّا أُرْسِنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٧-٥٨، والذاريات: ٣١-٣٢] صريحٌ
في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله عليه السلام، وقد أوجز الكلام اكتفاءً بذلك.
(٢)
انتھی(٢).
وتعقِّب بأنَّه قد يقال: إنَّ ذلك لا يقدح في الحمل على الظاهر؛ لجواز أن
يكونُوا قالوا ذلك على معنى الثَّعليل للنَّهي عن الخوف، ولكنَّه وإن أريد منه
الإرسالُ بالعذاب لقوم لوط عليه السلام مجملٌ لم يُؤْتَ به على وجهٍ يظهرُ منه
ما نوع هذا العذابٍ؛ هل هو استئصالٌ أم لا؟ فسأل عليه السَّلام لتحقيق ذلك،
فكأنَّه قال: أيُّها المرسلون إلى قوم لوطٍ، ما هذا الأمرُ العظيم الذي أُرسلتم به؟
فأجابوه بما يتضمَّن بيانَ ذلك مع الإشارة إلى علَّة نزول ذلك الأمرِ بهم وهو قولُهم:
وَإِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ * إِلََّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الآية [الحجر:
٥٨-٥٩] فإنَّ انفهامَ عذاب الاستئصالِ لقوم لوط عليه السلام من ذلك ظاهرٌ، وكذا
الإشارة إلى العِلَّة.
(١) في الأصل: يشد.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٢٥/٤ .

سُؤَدَّةُ هُودٍ
١٤
الآية : ٧١
والحاصلُ أنَّ السؤال في تلك الآية عن الخطب، وهو في الأصل: الأمرُ
العظيم الذي يكثرُ فيه التخاطب، ويُراد من السؤال عنه تحقيقُ أمر لم يعلمْه عليه
السلام من كلامهم قبلُ: إمَّا لأنَّه لم يعلم ذلك منه، أو لأنَّه كان مشغولاً عن كمال
التوجُّه لیعلمَ علیه السلام منه ذلك.
وفي خطابه عليه السَّلام لهم عليهم السَّلام بعنوانِ الرسالة ما يؤيِّد تقدُّم قولهم:
(إنَّا أُرسلنا)) على هذا السؤال، لكنَّه أُسقط هناك تعويلاً على ما هنا، ولا بدعَ في
الإسقاط من المتأخِّر تعويلاً على المتقدِّم، وتأخّر ((الحجر)) و((الذاريات)) عن ((هود)
تلاوةً مِمَّا لا كلامَ فيه، وتأخّرهما نزولاً مما رواه ابن ضُريس في ((فضائل القرآن))
عن محمد بن عبد الله بنِ أبي جعفر الرازيِّ، عن عمرَ بن هارون، عن عثمان بن
عطاء الخراسانيّ، عن أبيه، عن ابن عباس، وذكر أنَّها كلَّها نزلت بمكّة، وأنَّ بين
هودٍ والحِجْر سورةٌ واحدة، وبين الحِجْر والذاريات ثلاثَ عَشْرةَ سورةً(١) فليتأمَّل
في هذا المقام.
ويُفهم من كلام بعضِهم أنَّه عليه السلام لم يتحقّق كونَهم ملائكةً إلا بعد أنْ
مسح جبريلُ عليه السلام العجلَ بجناحِهِ، فقام يدرجُ حتى لحق بأمِّه، فحينئذ عرفهم
وأَمِنَ منهم.
ولم يتحقَّق صحَّةُ الخبر عندي، والذي أميلُ إليه أنَّه عليه السلام عرفهم قبلَ ذلك،
وأنَّ خوفَه منهم لكونهم ملائكةً لم يَدْرِ لأيِّ شيءٍ نزلوا، ويَبْعدُ عند مَن عَرَف حالَ
إبراهيم عليه السلام القولُ بأنَّه خاف بشراً وبلغ منه الخوفُ حتى قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ
وَحِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] لاسيما إذا قلنا: إنَّ مَن خافهم كانوا ثلاثةً، وإنَّه عليه السلام لم
يكنْ في طَرَفٍ من الأرض بل كان بين أصحابه، أو كان هناك لكنْ بين خَدَمِه وغلمانه.
﴿وَأَمْرَتُهُ﴾ سارة بنتُ هاران بن ناحور، وهي بنتُ عمِّه ﴿قَآَيِمَةٌ﴾ في الخدمة،
كما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن مجاهد(٢). وكانت نساؤُهم لا تحتجبُ
لاسيما العجائز منهنَّ، وكانت ◌ُِّها عجوزاً.
(١) فضائل القرآن لابن الضريس ص٣٤، وفيه: اثنتي عشرة، بدل: ثلاث عشرة.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٥٥.

الآية : ٧١
١٥
سُورَةٌ هُود
وقال وهب: كانت قائمةً وراءَ السِّتْر تسمعُ محاورتَهم، وأخذ منه بعضُهم أن
تستُّر النساء كان لازماً، والظاهرُ أنه لم يكن كذلك لتأخّر آية الحجاب، ويجوز أن
يقال: إنَّ القيام وراءَ السِّتر كان اتفاقيًّا.
وعن ابن إسحاق أنها كانت قائمةً تصلِّي.
وقال المبرِّد: كانت قائمةً عن الولد. وهو خلافُ المشهور في الاستعمال.
وأخرج ابنُ المنذر عن المغيرة قال: في مصحف ابن مسعود: ((وامرأتُه قائمةٌ
وهو جالس))(١) وفي ((الكشاف)) بَدَلَ ((وهو جالس)): ((وهو قاعد))(٢).
وعن ابن عطية بدل ((وامرأتُه قائمة)): ((وهي قائمة))(٣). ففيه الإضمارُ من غير
تقدُّم ذكرٍ، وكأنَّ ذلك - إنْ صحَّ - للتعويل على انفهام المرجع من سياق الكلام.
والجملةُ إمَّا في موضع الحال من ضمير ((قالوا)»، وإمَّا مستأنفةٌ للإخبار.
﴿فَضَحِكَتْ﴾ من الضَّحك المعروف، والمرادُ به حقيقتُه عند الكثير، وكان ذلك
عند بعضهم سروراً بزوال الخوف عن إبراهيمَ عليه السَّلام، والنساءُ لا يملكنَ
أنفسهنَّ كالرجال إذا غلب عليهنَّ الفرح.
وقيل: كان سروراً بهلاك أهل الفساد. وقيل: بمجموع الأمرين.
وقال ابن الأنباري: إنَّ ضحكها كان سروراً بصدق ظنِّها؛ كانت تقول
لإبراهيم: اضمُمْ إليك لوطاً؛ فإني أرى العذابَ سينزل بقومه، وكان لوطُ ابنَ
أخيه. وقيل: ابنَ خالته. وقيل: كان أخا سارة. وقد مرَّ آنفاً أنَّها بنت عمِّ إبراهيم
عليه السَّلام.
وعن ابن عباس أنَّها ضحكت من شدَّة خوفِ إبراهيمَ وهو في أهله وغلمانه،
والذين جاؤوه ثلاثةٌ وهي تعهده يغلبُ الأربعين. وقيل: المئة.
وقال قتادة: كان ذلك من غفلةِ قوم لوط وقربِ العذاب منهم.
(١) الدر المنثور ٣/ ٣٤٠، وذكرها الطبري ٤٧٣/١٢ .
(٢) الكشاف ٢/ ٢٨١.
(٣) المحرر الوجيز ١٨٨/٣.

سُؤَدَلُ هُود
١٦
الآية : ٧١
وقال السدِّيُّ: ضحكتْ من إمساكِ الأضياف عن الأكل، وقالت: عجباً
لأضيافنا نخدمُهم بأنفسنا وهم لا يأكلون طعامَنا .
وقال وهب بن منبه، وروي أيضاً عن ابن عباس: إنَّها ضحكتْ من البشارة
بإسحاق، وفي الكلام على ذلك تقديمٌ وتأخير.
وقيل: ضحكت من المعجزِ الذي تقدَّم نقلُه عن جبريل عليه السلام(١).
ولعلَّ الأظهرَ ما ذكرناه أوَّلاً عن البعض.
وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ المرادَ بالضَّحك التبسُّمُ، ويستعمل في السرور المجرَّد
نحو ﴿مُسْفِرَةٌ * ◌َاسِكَةٌ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩]، ومنه قولهم: روضةٌ تضحك.
وأخرج عبدُ بنُ حميد وأبو الشيخ وغيرُهما عن ابن عبّاس: أنَّ ((ضحكت))
بمعنى حاضت(٢). وروي ذلك عن ابن عمر ﴿ها ومجاهد وعكرمة، وقولُهم:
ضحكت الأرنبُ، بهذا المعنى أيضاً. وأنكر أبو عبيدة وأبو عبيد والفرَّاء مجيء
ضَحِكَ بمعنى حاضَ(٣) وأثبت ذلك جمهورُ اللغويين، وأنشدوا له قوله:
وضِحْكُ الأرانب فوقَ الصَّفا كمثلٍ دم الجَوْف يوم اللِّقًا(٤)
وقوله :
ولم يَعْدُ حُقًّا ثديها أنْ تحلَّما(٥)
وعهدي بسلمى ضاحكاً في لبابة
وقوله :
(١) جميع هذه الأقوال نقلها المصنف عن البحر ٢٤٢/٥-٢٤٣.
(٢) الدر المنثور ٣/ ٣٤٠، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢٠٥٥/٦.
(٣) ذكره عنهم السمين في الدر ٦/ ٣٥٤، وقول الفراء في معاني القرآن ٢٢/٢.
(٤) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧٧، والمحرر الوجيز ١٨٩/٣.
(٥) ذكره البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٥/ ١١٥. قال الشهاب: معناه أنه قريب العهد
بها طفلة، يصف صغر سنها، فعهدي مبتدأ وخبره محذوف، أي: قريب، وقوله: ضاحكاً
لم يؤنِّثه لاختصاصه بالنساء كحائض وطامث. ولبابة بباءين موحَّدتين، ولم يضبطوه، لكنْ
منهم مَن فسَّره بثوب يغطى به، ومنهم مَن فسَّره بجماعة النساء، وقيل: إنها اسم موضع.
ولمٍ يَعْدُ، أي: لم يجاوز. وحُقًّا تثنية حُقِّ، وبه يشبَّه الثدي في الصغر. وتحلَّما أصله:
تتحلّما، أي: تظهر حلمته وتكبر، وفي نسخة: تحلَّا بالباء، كأن معناه خروج لبنهما .

الآية : ٧١
١٧
سُورَةُ هُود
إني لآتي العِرْسَ عند ظُهورها وأهجرُها يوماً إذا تكُ ضاحكا(١)
والمثبِتُ مقدَّمٌ على النافي، ومَن حَفِظَ حَجَّةٌ على مَنْ لم يحفظ، نعم قال ابن
المنيِّر: إنه يُبْعِدُ الحملَ على ذلك هنا قولُها: ((أَأَلِدُ وأنا عجوز)) إلخ، فإنه لو كان
الحيضُ قبل البشارة لَما تعجّبت؛ إذ لا عجبَ في حَمْلِ مَنْ تحيضُ، والحيض في
العادة معيارٌ على إمكان الحمل(٢).
ودُفع بأنَّ الحيض في غير أوانه مؤكِّدٌ للتعجّب أيضاً، ولأنَّه يجوز أن تظنَّ أنَّ
دمَها ليس بحيضٍ بل استحاضة فلذا(٣) تعجّت.
وقرأ محمد بن زياد الأعرابيُّ من قرَّاء مَّةَ: ((فضَحَكتْ)) بفتح الحاء(٤). وزعم
المهدويُّ أنَّه غير معروف، وأن ((ضَحِكَ)) بالكسر هو المعروف، ومصدرُه ضَحْكاً
وضِحْكاً بسكون الحاء وفَتْح الضاد وكَسْرِها، وضَحِكاً وضِحِكاً بكسر الحاء مع فتح
الضاد وكسرها .
والظاهرُ أنَّ هذه مصادرُ ((ضحك)) بأيٌّ معنّى كان، ويفهم من ((مجمع البيان»(٥)
أنَّ مصدر ((ضحك)) بمعنى حاضت إنما هو ضَحْكاً بفتح الضَّاد وسكون الحاء، ولم
نرَ هذا التخصيصَ في غيره.
وعن بعضهم أنَّ فتح الحاء في الماضي مخصوصٌ بضحك بمعنى حاض،
وعليه فالقراءةُ المذكورة تؤيِّد تفسير ((ضحكت)) على قراءة الجمهور بحاضت.
﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ قيل: أي عقَّبنا سرورَها بسرورٍ أتمَّ منه على ألسنةٍ رسلنا
﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴾﴾ بالنَّصب، وهي قراءةُ ابنِ عامر وحمزة وحفص،
وزيد بن عليٍّ ◌ُهَا(٦)، على أنَّه منصوبٌ بتقدير فعلٍ يفسِّره ما يدلُّ عليه الكلام،
(١) أورده أبو الشيخ كما في الدر المنثور ٣٤٠/٣.
(٢) الانتصاف ٢٨١/٢.
(٣) في الأصل: فلهذا.
(٤) المحتسب ٣٢٣/١، والبحر ٢٤٣/٥، وهي في القراءات الشاذة ص ٦٠ دون نسبة.
(٥) ١٨٩/١٢.
(٦) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢/ ٢٩٠ عن حفص وحمزة وابن عامر، والكلام من البحر ٢٤٤/٥.

سُورَةُ هُود
١٨
الآية : ٧١
أي: ووهبنا لها من وراءِ إسحاق يعقوبَ. ورجَّح ذلك أبو علي(١).
واعترضه البعضُ بأنه حينئذٍ لا يكون ما ذكر داخلاً تحت البشارة. ودُفع بأنَّ
ذكر هذه الهبة قبلَ وجود الموهوب بشارةٌ معنّی.
وقيل: هو معطوفٌ على محلِّ ((بإسحاق)) لأنه في محلٌّ نصب. واعتُرض أنه
إنما يتأتي العطفُ على المحلِّ إذا جاز ظهورُ المحلِّ في فصيح الكلام كقوله:
ولسنا بالجبال ولا الحديدا (٢)
وبَشَّرَ لا تسقطُ باؤه من المبشَر به في الفصيح.
وزعم بعضُهم أنَّ العطف على ((بإسحاق)) على توهُّم نصبِه؛ لأنَّه في معنى:
وهبنا لها إسحاق، فيكون كقوله:
مشائيمُ ليسوا مُصلحِين عشيرةً ولا ناعِبٍ إلا بِبَيْنٍ غُرابُها (٣)
إلا أنَّه تَوهَّم في هذا وجودَ الباء في المعطوف عليه على عكس ما في الآية
الكريمة، ويقال لمثل هذا: عطف التوهُّم، ولا يخفى ما في هذه التسميةِ هنا من
(١) في الحجة ٤/ ٣٦٤.
(٢) وصدره: مُعاويَ إننا بشرٌ فَأَسْجِحْ، والبيت لعُقَيْبةَ بن هبيرة، كما في الكتاب ٦٧/١
و٢٩٢/٢ و٣٤٤ و٤٨٨، وسمط اللآلي ١٤٨/١، والإنصاف ٣٣٢/١. وهو في
الشعر والشعراء ٩٩/١، وأمالي القالي ٣٦/١، وشرح المفصل ١٠٩/٢ و٩/٤،
والخزانة ٢٦٠/٢ برواية: ولا الحديدِ، بجر القافية.
وقد ردَّ ابن قتيبة في الشعر والشعراء، والمبرد والعسكري كما في الخزانة ٢/ ٢٦٠ على
سيبويه روايته لهذا البيت بالنصب، وقال العسكري: وقد غلط على الشاعر؛ لأن هذه
القصيدة مشهورة، وهي مخفوضة كلها، وهذا البيت أولها.
وقيل: إن هذا البيت روي مع أبيات منصوبة ومع أبيات مجرورة. ينظر الخزانة ٢/ ٢٦٢.
(٣) نسبه سيبويه في الكتاب ٢٩/٣ للفرزدق، ونسبه أيضاً ٣٠٦/١ للأخوص الرياحي، وهو
زيد بن عمرو اليربوعي، ونسب للأخوص أيضاً في البيان والتبيين ٢٦١/٢، والإنصاف
١٩٣/١، وشرح المفصل ٥٢/٢، والخزانة ١٥٩/٤-١٦٠. قال البغدادي: عطف ناعب
بالجر على مصلحين المنصوب على كونه خبر ليس؛ لتوهُّم الباء، فإنها تجوز زيادتها في
خبر لیس.
وأنشده سيبويه ١٦٥/١ برواية: ولا ناعباً بالنصب عطفاً على مصلحين.

الآية : ٧١
١٩
سُورَةٌ هُوَّدٍ
البشاعة، على أنَّ هذا العطفَ شاذِّ لا ينبغي التخريجُ عليه مع وجود غيره، وبهذا
اعتَرَضَ على الزمخشريِّ مَن حَمَلَ كلامه - حيث قال: وقرئ بالنصب، كأنه قيل:
وهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: مشائيم،
البيت(١) - عليه؛ لما أنه الظاهر منه.
وقال في ((الكشف)) أراد أنه عطفٌ معنويٌّ، ومثلُه شائعٌ مستفيضٌ في العطف
والإضمارِ على شريطة التَّفسير وغيرهما، وإنما شبَّهه بقوله: ولا ناعبٍ، تنبيهاً على
أنَّ ذلك مع بُعْدِه لَمَّا كان واقعاً فهذا أجدر، والغرضُ من التشبيه أنَّ غير الموجود
في اللفظ جُعل بمنزلته وأعمل. ولا يخفى أنَّه خلافُ المتبادر من عبارته.
وقيل: إنَّه معطوفٌ على لفظِ ((إسحاق)) وفتحتُه للجرِّ؛ لأنَّه غيرُ مصروف للعَلَميَّة
والعُجمة، وعلى هذا دخولُه في البشارة ظاهرٌ، إلا أنَّه قيل عليه: إنَّه يلزمه الفصلُ
بين نائب الجارِّ ومجروره، وهو أبعدُ منه بين الجارِّ ومجروره(٢) .
وفي ((البحر)) أنَّ مَن ذهب إلى أنَّه معطوف على ما ذكر فقولُه ضعيف؛ لأنَّه لا يجوز
الفصلُ بالظرف أو المجرور بين حرف العطف ومعطوفِه المجرور، فلا يجوز: مررتُ
يزيد اليومَ وأمس عمرٍو، فإنْ جاء ففي شعر، فإن كان المعطوفُ منصوباً أو مرفوعاً
ففي جواز ذلك خلافٌ، نحو: قام زيدٌ واليومَ عمرو. وضربتُ زيداً واليومَ عَمْراً(٣).
وقرأ الحِرْميَّان والنحويان وأبو بكر ويعقوب بالرفع على الابتداء(٤)، و((من
وراء)) الخبر، كأنه قيل: ومِن وراء إسحاق يعقوبُ كائنٌ، أو موجودٌ، أو مولودٌ.
قال النخَّاس: والجملةُ حالٌ داخلةٌ في البشارة، أي: فبشرناها بإسحاق متَّصلاً به
يعقوب(٥) .
(١) الكشاف ٢/ ٢٨١.
(٢) أي: أن العاطف ناب مناب العامل وهو حرف الجر هنا، فكما لا يجوز الفصل بينه وبين
مجروره لا يجوز الفصل بين المجرور وما قام مقام الجارِّ، فلا بد من تقديم المجرور أو
إعادة الجارّ. حاشية الشهاب ١١٥/٥.
(٣) البحر ٢٤٤/٥ .
(٤) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢/ ٢٩٠، وهي قراءة أبي جعفر وخلف.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٣/٢.

سُوَدَُّ هُود!
٢٠
الآية : ٧١
وأجاز أبو عليٍّ (١) أن يرتفع بالجارِّ والمجرور كما أجازه الأخفش(٢). وقيل:
إنَّه جائزٌ على مذهب الجمهور أيضاً؛ لاعتماده على ذي الحال. وتُعقِّب بأنَّه وهم؛
لأنَّ الجارَّ والمجرور إذا كان حالاً لا يجوز اقترانُه بالواو، فليتدبّر.
وجوَّز النحاس(٣) أيضاً أن يكون فاعلاً بإضمار فعلٍ تقديرُه: ويحدثُ من وراء
إسحاق يعقوب.
قال ابنُ عطيّة: وعلى هذا لا يدخل في البشارة(٤). وقد مرَّ ما يعلم منه
الجواب.
و((وراء)» هنا بمعنى خَلْف، وبذلك فسَّرها الراغب(٥) وغيرُه هنا. وهو روايةٌ عن
ابن عباس. وفي روايةٍ أخرى عنه تفسيرُها بولد الولد، وهو أحدُ معانيها كما في
((الصحاح)) و((القاموس))(٦)، وبذلك قال الشعبيُّ، واختاره أبو عبيدة.
واستشكل بأنَّ ((يعقوب)) ولدُ إسحاق عليه السَّلام لصُلبه لا ولدُ ولده، ولدَفْع
ذلك قال الزمخشريُّ فيما نُقِلَ عنه: إنَّ وجه هذا التفسير أن يرادَ بيعقوب أولادُه،
كما يقال: هاشم، ويرادُ أولادُه، فكأنه قيل: من ولدٍ ولدِ إسحاق أولادُ يعقوب،
ويتضمَّن ذلك البشارةَ بيعقوب من طريق الأَوْلَى(٧).
وقيل: وجهُ ذلك أنَّه سمِّي ولدُ إسحاق ((وراء)) بالنسبة إليها، أي: وراؤها(٨)
من إسحاق، كأنَّهم بشَروها بأنْ تعيشَ حتَّى ترى ولدَ ولدِها، أو بأن يولدَ لولدِها
ولدٌ. قيل: وهذا أقربُ، والمنقول عن الزمخشريِّ أظهر، والمعوَّلُ عليه تفسيرُه
بمعنى خَلْف؛ إذ في كلا الوجهين تكلُّفٌ لا يخفى.
(١) في الحجة ٤/ ٣٦٤.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٥٧٩.
(٣) في إعراب القرآن ٢٩٣/٢.
(٤) المحرر الوجيز ١٨٩/٣.
(٥) في مفرداته (وری).
(٦) مادة (ورى).
(٧) لم يزد الزمخشري في الكشاف ٢٨١/٢ على قوله: وقيل: الوراء ولد الولد، وعن الشعبي
أنه قيل له: أهذا ابنك؟ فقال: نعم من الوراء. وكان ولدَ ولدِه.
(٨) في الأصل: ورائها .