Indexed OCR Text

Pages 501-520

التفسير الإشاري (١٢-٤٩)
٥٠١
سُوَلاَ هُود
﴿وَمَا نَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلُنَا بَادِىَ الرَّأَيِ﴾ وصفوهم بذلك لفقرِهم،
حيثُ كانوا لا يعلمون إلَّا ظاهراً من الحياةِ الدنيا، ولم يعلموا أنَّ الشَّرف بالكَمال
لا بالمال.
﴿وَمَا نَرَىْ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ وتقدُّم يؤهّلُكُم لِمَا تَدَّعونه ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِينَ﴾
فلا نبوّة لك، ولا علمَ لهم.
﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَكِ مِن رَِّ﴾ يجبُ عليكم الإذعانُ بها ﴿وَءَانَنِى رَحْمَةٌ﴾
هدايةً خاصَّة كشفيَّة متعاليةً عن درجةِ البرهان ﴿مِنْ عِندِهِ،﴾ فوقَ طورٍ عقولكم؛ من
العُلوم اللدنِيَّة ومقام النبوة ﴿فَعُنِيَتْ عَلَيْكُ﴾ لاحتجابكم بالظّاهر عن الباطن، وبالخليقةِ
عن الحقيقةِ ﴿أَنْزِمَّكُمُوهَا﴾، ونجبرُكم عليها ﴿وَأَنْتُمْ لَمَا كَرِهُونَ﴾ لا تلتفتون إليها .
كأنَّه عليه السلام أرادَ أنه لا يكون إلزامُ ذلك مع الكراهة، لكنْ إن شئتم تلقِّيه
فزكُوا أنفسكم، واتركوا إنكارَكم حتَّى يظهر عليكم أثرُ نورِ الإرادة فتقْبَلوا ذلك،
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المنكِرَ لا يمكنُ له الاستفاضةُ من أهل الله تعالى، ولا يكادُ ينتفعُ
بهم ما دامَ منكراً، ومَن لم يعتقد لم ينتفع .
﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ أي: ليس لي مطمحٌ في شيءٍ من أموالكم التي
ظننتم أنَّ الشرفَ بها ﴿إِنْ أَجْرِىَ إلَّا عَلَى الَّهِ﴾ فهو يثيبُني بما هو خيرٌ وأبقى ﴿وَمَا أَنَّأَ
يَطَارِهِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم ◌ُلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ أي: إنهم أهلُ الزُّلفى عندَه تعالى، وهم حمائمُ
أبراجِ الملكوت، وبُزاةٌ معارجِ الجبروت ﴿وَلَكَِّ أَرَئِكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ تسفِّهون
علیهم وتؤذونهم.
﴿وَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اَللَّهِ إِن ◌َُّهُمَّ﴾ كما تريدون وهم بتلك المثابة ﴿أَفَلاَ
نَذَكَّرُونَ﴾ لتعرفُوا أنَّ(١) التماسَ طردِهم ضلالٌ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الإعراض عن
فقراء المؤمنين مؤدٌّ إلى سخطِ ربِّ العالمين.
قال أبو عثمان في الآية: ((ما أنا)) بمُعرِضٍ عمَّن أقبل على الله تعالى، فإنَّ مَن
أقبل على الله تعالى بالحقيقة أقبل الله تعالى عليه، ومَن أعرضَ عمَّن أقبل اللهُ تعالى
عليه فقد أعرضَ عن الله سبحانه.
(١) قوله: أن، ليس في (م).

سُؤَلُ هُود!
٥٠٢
التفسير الإشاري (١٢-٤٩)
﴿وَلَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَائِنُ اَللَّهِ﴾ إلخ، أي: أنا لا أدَّعي الفضلَ بكثرةِ المال،
بالاطلاع على الغيب، ولا بالملكيَّة، حتَّى تنكروا فضلي بفقدان ذلك، وبمنافاةٍ
البشريّة لِمَا أنا عليه.
﴿وَلَآَ أَقُولُ لِلَّذِينَ﴾ تنظرون إليهم بعين الحقارة ﴿لَن يُؤْثِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ كما تقولون
أنتم؛ إذ الخيرُ عندي ما عندَ الله تعالى لا المال ﴿أَعْلَمُ بِمَا فِىَ أَنفُسِهِمْ﴾ من الخير
مِنِّي ومنكم، وهو أعلمُ بقَدْرِهم وخطرِهم ﴿إِنِ إِذَا﴾ أي: إذ نفيت ﴿لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾
مثلکم.
﴿وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قيل: فيه إشارةٌ إلى عين الجمع المشارِ إليه بخبر ((لا زالَ
عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل)) الحديث(١).
وقيل: أي: كنْ في أعين رعايتنا وحفظِنا، ولا تكنْ في رؤية عملِكَ والاعتمادِ
عليه، فإنه(٢) مَن نظر إلى غيري احتجبَ به عنِّي.
وقال بعضُهم: أي أَسْقِطْ عن نفسك تدبيرَك واصنعْ ما أنتَ صانعٌ من أفعالِكَ
على مشاهدتنا دونَ مشاهدةِ نفسك أو أحدٍ من خلقي. وقيل: أي اصنع الفلكَ
ولا تعتمدْ عليه فإنك بأعيننا رعايةً وكلاءةً، فإن اعتمدتَ على الفُلْك وُكلت إليه
وسقطت من أعيننا .
﴿وَلاَ تُخَطِبْنِى فِ الَّذِينَ ظَلَمُوَّأْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ﴾ فيه إشارةٌ إلى رقَّة قلبه عليه السَّلام
بعد احتمالِ جَفْوتهم وأذِيَّتهم، وهكذا شأنُ الصِّدِّيقين.
والكلامُ في باقي الآية ظاهرٌ، ولا يخفى أنَّه يجب الإيمانُ بظاهرِها والتصديقُ
بوقوع الطُّوفان حسبما قصَّ الله سبحانه، وإنكارُ ذلك كفرٌ صريح.
لكن ذكر بعضُ السَّادة أنَه بعد الإيمان بذلك يمكن احتمالُ التأويل على أنه حظّ
الصوفيّ من الآية، وذلك بأنْ يؤوَّل الفُلكُ بشريعةٍ نوح عليه السلام التي نجا بها هو
ومَنْ آمن معه، والطوفانُ باستيلاءِ بحرِ الهيولى وإهلاكِ مَن لم يتجرَّدْ عنها بمتابعةٍ
نبيَّ وتزكيةٍ نفسٍ كما جاء في مخاطبات إدريس عليه السَّلام لنفسه ما معناه: إنَّ هذه
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضيالله، وسلف ١٣٢/١.
(٢) في (م): فإن.

سُوَلُ هُود
٥٠٣
التفسير الإشاري (١٢-٤٩)
الدنيا بحرٌ مملوءٌ ماءً فإن اتَّخذت سفينةً تركبُها عند خرابِ البدنِ نجوتَ منها إلى
عالَمِكَ، وإلَّا غرقْتَ فيها وهلكْتَ. وعلى هذا يقال: معنى ﴿وَصْنَعُ الْقُلْكَ﴾:
يَتَّخذ شريعةً من ألواح الأعمال الصالحةِ ودُسُرِ العلوم تنتظم بها الأعمال وتحكم.
﴿وَكُلَّمَا مَزَّ عَلَيْهِ مَلَأْ مِنِ قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ﴾ كما هو المشاهَدُ في أربابِ
الخلاعَة الممتطين غاربَ (١) الهوى يسخرون من المتشرِّعين المتقيِّدين بقيود الطاعة.
﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾ بجهلكم ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنَكُمْ﴾ عند ظهور وخامةٍ عاقبتِكم
﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ .
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند ذلك ﴿مَن يَأْنِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيدِ﴾ في الدنيا، من حلولِ
ما لا يلائِم غرضَه وشهوته ﴿وَيَجِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة من استيلاءِ نيران
الحِرمان وظهورٍ هيئاتِ الرَّذائل المظلمة.
﴿حَتََّ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ بإهلاك أمَّته ﴿وَفَارَ النَّنُورُ﴾ باستيلاءِ الأخلاط الفاسدةِ
والرُّطوبات الفضلية على الحرارةِ الغريزيَّة، وقوَّةٍ طبيعةِ ماء الهيولى على نارِ الرُّوح
الحيوانية، أو («أمرنا)) بإهلاكهم المعنوي ((وفار التنُّور)) باستيلاء ماءِ هوى الطبيعةِ
على القلب، وإغراقِهِ في بحر الهيولى الجسماني ﴿قُلْنَا أَحِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ﴾
أي: من كلِّ صنفين من نوعِ اثنين هما صورتاهما النوعيّة والصنفيَّة الباقيتان عند فناء
الأشخاص.
ومعنى حملِهما فيها علمُه ببقائهما مع بقاءِ الأرواح الإنسيَّة، فإنَّ علمَه جزءٌ من
السفينة المتركِّبة من العِلم والعمل، فمعلوميتُهما محموليتُهما، وعالميّتُه بهما حامِليَّتُه
إياهما فيها .
﴿وَأَهْلَكَ﴾ ومَن يتَّصل بك في سيرِكَ من أقاربك ﴿إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ﴾
أي: الحكمُ بإهلاكه في الأزل لكُفرِهِ ﴿وَمَنْ ءَامَنُّ﴾ من أمَّتِك.
﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ الَّهِ بَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَا﴾ أي: باسم الله تعالى الأعظم الذي
هو وجودُ كلِّ عارفٍ كاملٍ من أفراد نوع الإنسان إجراءُ أحكامِها، وترويجُها في
(١) غاربُ كل شيء: أعلاه. اللسان (غرب).

سوداُهُود
٥٠٤
التفسير الإشاري (١٢-٤٩)
بحر العالم الجسماني، وإثباتُها وإحكامُها كما ترى من إجراءِ كلِّ شريعة وإحكامها
بوجود الكامل مِمَّن ينسب إليها .
﴿إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ﴾ لهيئات نفوسكم البدنيَّةِ المظلمة، وذنوبٍ ملابس الطبيعة
المهلكة إياكم المغرقةِ في بحرها، وذلك بمتابعةِ الشريعة
بإفاضة المواهب
العلميَّة والكشفيَّة والهيئات النورانية التي ينجيكم بها .
﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِىِ مَوْعِ﴾ من بحرِ الطبيعة الجسمانية ﴿كَالْجِبَالِ﴾ الحاجبةِ للنَّظر
المانعةِ من السَّير، وهم لا يبالون بذلك، محفوظون من أنْ يصيبَهم شيءٌ من ذلك
الموج، وهذا الجريانُ يَعْرِضُ للسَّالك في ابتداء أمره، ولولا أنَّه محفوظ في لزوم
سفينةِ الشَّرع لهلك. ولعل في الآية على هذا تغليباً.
﴿وَنَادَى نُوعُّ أَبْنَهُ﴾ المحجوبَ بالعقل المشوب بالوهم ﴿وَكَانَ فِ مَعْزِلٍ﴾
لذلك الحجاب عن الدِّين والشريعة ﴿يَبُنَّ أَرْكَب مَعَنَا﴾ أي: ادخلْ في ديننا ﴿وَلَا
تَكُنْ فَعَ الْكَفِينَ﴾ المحجوبين الهالكين بأمواجٍ هوى النفس، المُغرَقين في بحر
الطبع.
﴿قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْضِمُنِى مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: سألتجئ إلى الدِّماغ وأَستعصم
بالعقل المُشرِقِ هناك ليحفظني من استيلاء بحرِ الهيولى فلا أغرق فيه ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ
الْيَوْمَ مِنْ أَمَرِ اللَّهِ إلَّا مَن رَّحِرٌّ﴾ وهو الله الذي رحم أهلَ التوحيد، وأفاضَ عليهم من
شآبيب(١) لطفِهِ ما عرفوا به دينهم(٢) الحقَّ.
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْجُ﴾ أي: موجُ هوى النفسِ واستيلاء ماء بحرِ الطبيعة، وحُجِبَ
عن الحقِّ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ﴾ في بحر الهيولى الجسمانية.
﴿وَقِيلَ﴾ من جهةِ الحقِّ على لسان الشَّرع الأرض الطبيعة: ﴿يَتَأَرّضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ﴾
وقِفي على حدِّ الاعتدال، ولسماء العقلِ المحجوبة بالعادة والحسِّ، المشوبة
بالوهم، المغيمةِ بغيم الهوى ﴿وَيَسَمَّهُ أَقْلِ﴾ عن إمداد الأرض ﴿وَغِيضَ الْمَآءُ﴾
أي: ماءُ قوَّة الطبيعة الجسمانية، ومددُ الرطوبة الحاجبة لنورِ الحقِّ المانعة للحياة
(١) الشآبيب: جمع شؤبوب، وهو الدُّفعة من المطر وغيره. اللسان (شأب).
(٢) في (م): دينه .

سُؤَلةُ هُود!
٥٠٥
التفسير الإشاري (١٢-٤٩)
الحقيقية ﴿وَقُضِىَ اُلْأَمْرُ﴾ بإنجاء مَن نجا وإهلاكِ من هلك ﴿وَأَسْتَوَتْ﴾ أي: سفينةُ
شريعته ﴿عَلَى الْجُودِّ﴾ وهو جبل وجود نوح ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين
عبدُوا الهوى دونَ الحقِّ، ووضعوا الطبيعةَ مكانَ الشريعة.
﴿وَنَادَىْ نُعُ رَّبَّهُ﴾ إلخ، الكلامُ على هذا الطرزِ فيه ظاهر.
﴿قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِظٍ﴾ من محلِّ الجمع وذروةٍ مقام الولاية والاستغراق في التوحيد
إلى مقامِ التفصيل وتشريعِ النبوّة بالرجوع إلى الخَّلْق، ومشاهدةُ الكثرةِ في عين
الوحدةِ غيرُ معظّلٍ للمراتب ﴿بِسَلَمٍ مِّنَا﴾ أي: سلامةٍ عن الاحتجاب بالكثرة
﴿وَبَّكَتٍ﴾ من تقنينِ قوانين الشَّرع ﴿عَلَّكَ وَعَلَى أُمَمٍ﴾ ناشئة ﴿مِّمَّن ◌َّعَكَ﴾ على
دينك إلى آخرِ الزمان ﴿وَأُمَّمٌ﴾ أي: وينشأ مِمَّن معك أممٌ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدنيا
يَمَشُّهُم مِّنَا﴾ في العُقبى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بإحراقهم بنارِ الآثار وتعذيبِهم بالهيئاتِ
المظلمة.
هذا ثمَّ ذُكر أنه إذا شئتَ التطبيق على ما في الأنفس أوَّلت نوحاً بروحك،
والفُلْكَ بكمالك العلميِّ والعمليِّ الذي به نجاتُك عند طوفان بحرِ الهيولى، والتُّورَ
بتنور البدن، وفورانُه استيلاءُ الرطوبة الغريبة والأخلاط الفاسدة، وما أشار إليه (من
كلِّ زوجين اثنين)) بجيوش القوى الحيوانيَّة والطبيعيَّة وطيورِ القوى الروحانية.
وأوَّلت ما جاء في القصة من البنين الثلاثة والزوجة، بحامِ القلب، وسامٍ العقل
النظريٌّ، ويافث العقل العملي، وزوجةٍ النفس المطمئنَّة، والابن الآخر الوهم،
والزوجة الأخرى الطبيعة الجسمانية التي يتولَّد منها الوهم، والجبلَ بالدِّماغ،
واستواءها على الجودي وهبوطه بمثل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان.
انتھی.
ومَن نظر بعين الإنصاف لم يعوِّل إلا على ظاهرِ القصَّة، وكان له به غنّى عن
هذا التأويل، واكتفى بما أشار إليه من أنَّ النسب إذا لم يُحَطْ بالصَّلاح كان غريقاً
في بحر العدم:
فما ينفع الأصلُ من هاشم
إذا كانتِ النفسُ من باهلهْ (١)
(١) ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان ٤/ ٩٠، والبغدادي في خزانة الأدب ٨٢/٩ دون نسبة.

◌ُّلُ هُود
٥٠٦
الآية : ٥٠
ومن أنه ينبغي للإنسان التحرِّي بالدُّعاء، وأنْ لا تشغلَه الشفقةُ عن ذلكَ إلى غيرِ
ما ذكر.
والآيةُ نصٍّ في كفرٍ قوم نوح عليه السلام الذين أغرقَهم الله تعالى، وفي
((فصوصِ الحِكم)) للشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه ما هو نصٌّ في إيمانهم ونجاتهم من
العذاب يومَ القيامة، وذلك أمرٌ لا نفهمه من كتابٍ ولا سنَّة، وفوقَ كلِّ ذي علم
عليمٌ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ معطوفٍ على قوله سبحانه: ((أرسلنا)) في قصَّة نوحٍ،
وهو الناصبُ لقوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: وأرسلنا إلى عادٍ أخاهم، أي: واحداً
منهم في النسب، كقولهم: يا أخا العرب، وقدِّم المجرورُ ليعودَ الضمير عليه.
وقيل: إنَّ ((إلى عاد أخاهم)) عطف على قوله تعالى: ((نوحاً إلى قومه))،
المنصوبُ على المنصوب، والجارُّ والمجرور على الجارِّ والمجرور، وهو من
العطفِ على معمولي عاملٍ واحد، وليس من المسألة المختلَف فيها، نعم الأوَّل
أقربُ - كما في ((البحر))(١) - لطول الفصلِ بالجُمل الكثيرة بين المفردات المتعاطفة.
وقوله سبحانه: ﴿هُودًا﴾ عطفُ بيان لـ ((أخاهم))، وجوِّز أن يكون بدلاً منه،
وكان عليه السلام ابنَ عمِّ أبي عادٍ، وأُرسل إليهم مَن هو منهم ليكونَ ذلك أدعى
إلی اتباعه.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ حيث كان إرسالُه عليه السلام مظنَّةً للسؤال عمَّا قال لهم
ودعاهم، كأنه قيل: فما قال لهم حين أرسل إليهم؟ فقيل: قال: ﴿يَقَوْمِ﴾ ناداهم
بذلك استعطافاً لهم.
وقرأ ابنُ محيصن: (يا قومُ)) بالضمِّ(٢). وهي لغةٌ في المنادى المضاف إلى الياء
حكاها سيبويه(٣) وغيره.
(١) ٢٣٢/٥.
(٢) البحر المحيط ٥/ ٢٣٢.
(٣) في الكتاب ٢٠٩/٢.

الآية : ٥١
٥٠٧
سُوَلاَ هُود!
﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ أي: وحدَه، وكانوا مشركين يعبدون الأصنام، ويدلُّ على أنَّ
المراد ذلك قوله تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فإنه استئنافٌ يجري مجرى
البيان للعبادة المأمورِ بها، والتعليلِ للأمر بها، كأنه قيل: أَفرِدُوه بالعبادة ولا تُشركوا
به شيئاً إذ ليس لكم إلهٌ غيرُه سبحانه، على أنَّه لا اعتدادَ بالعبادة مع الإشراك،
فالأمر بها يستلزمُ الأمرَ بإفراده سبحانَه بها، و((غيرُه)) بالرفع صفةٌ لـ ((إله)) باعتبار
محلِّه لأنَّه فاعلٌ للظرف لاعتماده على النفي. وقرأ الكسائيُّ بالجرِّ(١) على أنَّه صفةٌ
له جارٍ على لفظه.
﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم بجَعْلِكم الألوهيةَ لغيرهِ تعالى كما قال الحسن، أو بقولكم:
إنَّ الله تعالى أمَرَنا بعبادة الأصنام ﴿إِلَّا مُفْتَرُونَ @) عليه، تعالى عن ذلك علوّاً
كبيراً .
﴿يَقَوْمِ لَّ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّاً إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَّبِّ﴾ خاطب به كلُّ
رسولٍ قومَه إزاحةً لِمَا عسى أن يتوهّموه، وتمحيضاً للنصيحة؛ فإنها ما دامت مشوبةً
بالمطامع بمعزل عن التأثير. وإيرادُ الموصول للتفخيم، وجَعَلَ الصِّلةَ فِعْلَ الفَظْر
الذي هو الإيجادُ والإبداعُ لكونه أبعدَ من أنَّ يُتوقَّم نسبتُه إلى شركائهم ﴿وَلَين
سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] مع كونه أقدمَ النِّعم الفاضلة
من جنابِ الله تعالى المستوجبةِ للشُّكر الذي لا يتأتَّى إلَّا بالجريان على موجبِ أمرِه
سبحانه الغالبٍ، مُعْرِضاً عن المطالب الدنيويَّة التي من جُملتها الأجرُ. ولعلَّ فيه
إشارةً إلى أنَّه عليه السلام غنيٌّ عن أجرهم الذي إنما يرغبُ فيه للاستعانة به على
تدبير الحالِ وقوام العيش بالله تعالى الذي أوجدَه بعد أن لم يكنْ، وتكفَّل له بالرِّزق
كما تكفَّل لسائر مَن أوجدَه من الحيوانات.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: أتغفلون عن ذلك فلا تعقلون نصيحةً مَن لا يطلبُ
عليها أجراً إلا من الله تعالى، ولا شيءَ أنفى للُّهمة من ذلك، فتنقادون لِمَا يدعوكم
إليه، أو: أتجهلون كلَّ شيءٍ فلا تعقلون شيئاً أصلاً، فإنَّ الأمر مِمَّا لا ينبغي أن
يَخْفَى على أحدٍ من العقلاء.
(١) التيسير ص ١١٠.

سُؤَدَلُ هُودٍ
٥٠٨
الآية : ٥٢
﴿وَيَقَوْمِ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ من الشِّرك ﴿ثُمَّ نُوبُوَاْ إِلَيْهِ﴾ أي: ارجعوا إليه تعالى
بالطاعة، أو: توبوا إليه سبحانه وأخلصوا التوبةَ واستقيموا عليها .
وقيل: الاستغفارُ كنايةٌ عن الإيمان لأنَّه من روادفه، وحيثُ إنَّ الإيمان بالله
سبحانه لا يستدعي الكفرَ بغيره لغةً قيل: ((ثم توبوا))، فكأنه قيل: آمنوا به ثمَّ توبوا
إليه تعالى من عبادة غيره.
وتُعقّب بأنَّ قوله سبحانه: ((اعبدوا الله)) دلَّ على اختصاصه تعالى بالعبادة، فلو
حُمل ((استغفروا)) على ما ذُكر لم يُفدْ فائدةً زائدةً سوى ما علِّق عليه، وقد كان
يمكن تعليقُه بالأوَّل، والحملُ على غير الظاهر مع قلَّة الفائدةِ مما يجب الاحترازُ
عنه في كلام الله تعالى المعجِزِ.
وقيل: المرادُ بالاستغفار التوبةُ عن الشِّرْك، وبالتوبةِ التوبةُ عمَّا صدر منهم غير
الشّرك. وأُوْرِدَ عليه أيضاً أنَّ الإيمان يجُبُّ ما قبله.
وقيل: المراد بالأوَّل طلبُ المغفرة بالإيمان، وبالثاني التوسُّل إليه سبحانه
بالتوبة عن الشِّرْك. وأورد عليه أنَّ التوسُّلَ المذكورَ لا ينفكُّ عن طلب المغفرة
بالإيمان؛ لأنَّه من لوازمه، فلا يكون بعده كما تؤذن به ((ثم)) .
وقيل وقيل، وقد تقدَّم بعضُ الكلام في ذلك أوَّلَ السورة.
﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ﴾ أي: المطرَ كما في قوله:
إذا نزل السماءُ بأرضٍ قومٍ رعيناه وإن كانوا غضابا(١)
﴿عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ كثيرَ الدرِّ متتابِعَه من غير إضرارٍ، فمِفْعال للمبالغة كمِعطار
ومِقدام.
﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةٌ إِلَى قُوَتِكُمْ﴾ أي: عِزّاً مضموماً إلى عِزْكم، أو مع عِزِّكم، ويرجع
هذا إلى قوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدَكُمُ بِأَنَوَلٍ وَبِنَ﴾ [نوح: ١٢] لأنَّ العِزَّ الدنيويَّ بذلك.
وعن الضحاك تفسيرُ القوَّة بالخصب. وعن عكرمةَ تفسيرُها بولدِ الولدِ. وقيل:
(١) البيت لمعود الحكماء معاوية بن مالك، وهو في شرح الحماسة للمرزوقي ١٤٣٢/٣،
وخزانة الأدب ٤ /١٥٦ .

الآية : ٥٣
٥٠٩
سُوَلاَ هُود!
المراد بها قوَّةُ الجسم، ورغَّبهم عليه السلام بكثرة المطرِ وزيادةِ القوَّة لأنَّهم كانوا
أصحابَ زروع وبساتين وعمارات.
وقيل: حبس الله تعالى عنهم القطرَ وأعقم أرحامَ نسائهم ثلاثَ سنين،
فوعدهم هودٌ عليه السلام على الاستغفار والتوبة كثرةَ الأمطار وتضاعُفَ القوَّة
بالتناسل.
وقيل: القوَّة الأولى في الإيمان، والثانية في الأبدان، أي: يزدكم قوَّةً في
إيمانكم إلى قوَّةٍ أبدانكم.
﴿وَلَا ننَولُوا﴾ أي: لا تُغْرضوا عمّا دعوتُكم إليه ﴿مُجْرِمِنَ
ما كنتم(١) عليه من الإجرام.
مصرِّين على
نه
وقيل: مجرمين بالتولِّي. وهو تكلُّف.
﴿قَالُواْ بَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَتْ﴾ أي: بحُجَّةٍ واضحةٍ تدلُّ على صحَّة دعواك،
وإنَّما قالوه لفرطِ عنادِهم أو لشدَّة عماهم عن الحقِّ، وعدم نظرهم في الآيات،
فاعتقدوا أنَّ ما هو آيةٌ ليس بآيةٍ، وإلا فهو وغيرُه من الأنبياء عليهم السلام جاؤوا
بالبيِّنات الظاهرة والمعجزاتِ الباهرةِ وإن لم يعيَّن لنا بعضها، ففي الخبر: ((ما من
نبيٍّ إلا وقد أوتي من الآيات ما مثلُه آمنَ عليه البَشر))(٢).
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِّ ءَالِهَيْنَا﴾ أي: بتاركي عبادتها ﴿عَن قَوْلِكَ﴾ أي: بسبب قولك
المجرَّد عن البيِّنة، فـ ((عن)) للتعليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ
وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وإلى هذا يشير كلامُ ابنِ عطية(٣) وغيرِهِ، فالجارُّ
والمجرورُ متعلّق بـ ((تاركي)).
وذهب بعضُ المحقّقين إلى أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير المستتر
فيه، أي: صادرين، وهو من الصدر مقابل الورد بمعنى الرجوع عن الماء، وقد
شاع في كلامهم استعمالُ الصدر والورد كنايةً عن العمل والتصرُّف، ومنه قوله:
(١) في (م): أنتم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢١٧/٤، والكلام منه.
(٢) أخرجه أحمد (٨٤٩١)، والبخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢) من حديث أبي هريرة
(٣) في المحرر الوجيز ١٨١/٣ .

سُوٌَّلُ هُودٍ
٥١٠
الآية : ٥٤
ما أمسَّ الزمانَ حاجاً إلى مَن يتولَّى الإيرادَ والإصدار!(١)
أي: يتصرَّفُ في الأمور بصائبٍ رأيه، وقد يُكتفَى بالصَّدرِ في ذلك لاستلزامه
للورد، فيقولون: لا يُصْدَرُ إلا عن رأيه، والمعنى هنا حينئذٍ: ما نحن بتاركي آلهتنا
عاملين بقولك، والنفي فيه راجعٌ إلى القيدِ والمقيَّدِ جميعاً؛ لأنَّهم لا يتركون آلهتَهم
ولا يعملون بقولِه عليه السلام.
وقيل: إنَّ صادرين بمعنى مُعْرِضين، وهو قيدٌ للنفي، والمعنى: انتفى تركُنا
عبادةَ آلهتنا مُعْرِضين عن قولك، ويكون هذا جواباً لقوله: ((لا تتولّوا)) وجَعَلَ
بعضُهم إرادةَ ذلك من باب التضمين، لا من بابٍ تقدير المتعلَّق بقرينةِ ((عن)) وجَعْلِه
كناية كما علمتَ، وكلامُ الزمخشريّ ظاهرٌ في هذا(٢) كما يكشف عنه کلامُ
«الکشف» .
﴾﴾ أي: بمصدِّقين فيما جئتَ به، أو: في كلِّ ما تأتي
﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
وتذر، ويندرج فيه ذلك.
وقد بالغوا في الإباء عن الإجابة، فأنكروا الدَّليل على نبوَّته عليه السلام، ثمَّ
قالوا مؤكِّدين لذلك: (وما نحن بتاركي)) إلخ، ثم كرَّروا ما دلّ عليه الكلامُ السابق
من عدم إيمانهم بالجملةِ الاسميَّة، مع زيادة الباء وتقديمِ المسند إليه المفيدِ للتقوِّي
دلالةً على أنهم لا يُرجى منهم ذلك بوجهٍ من الوجوه، وفي ذلك من الدَّلالة على
الإقناط ما فيه.
﴿إِن تَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنَكَ﴾ أي: أصابك، من عَرَاه يعروه، وأصلُه من اعتراه بمعنى:
قَصَدَ عَرَاه، أي: محلَّه وناحيتَه ﴿بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٌ﴾ أرادوا به - قاتَلَهم الله
تعالى - الجنونَ، والباءُ للتعدية، والتنكيرُ فيه قيل: للتقليل، كأنَّهم لم يبالغوا في
العتوِّ كما ينبئُ عنه نسبةُ ذلك إلى بعضٍ آلهتهم دونَ كلِّها(٣).
(١) حاشية الشهاب ١٠٦/٥.
(٢) ينظر الكشاف ٢٧٥/٢، وفيه: ((عن قولك)) حال من الضمير في ((تاركي آلهتنا))، كأنه قيل:
وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك.
(٣) جاء في هامش الأصل: جميعها، وكتب فوقها: صح.

الآية : ٥٤
٥١١
سُؤَلاَ هُودٍ
وقيل: للتكثير، إشارةً إلى أنَّ ما قاله لا يصدرُ إلا عمَّن أُصيب بكثيرٍ سوءٍ،
مبالغةً في خروجه عن قانون العقل، وذُكِرَ البعضُ تعظيماً لأمر آلهتهم، وأنَّ البعضَ
منها له من التأثير ما له.
والجملةُ مقولُ القول و((إلَّا)) لغوٌ؛ لأنَّ الاستثناء مفرٌَّ، وأصلُه: إنْ نقول قولاً
إلَّا قولَنا هذا، فحذف المستثنى منه وحُذِفَ القول المستثنى وأقيم مقولُه مقامَه. أو
((اعتراك)) هو المستثنى لأنه أريد به لفظُه، فلا حاجةَ إلى تقديرٍ قولٍ بعد ((إلا)) ولیس
ه مما استثني فيه الجملة، ومعنى هذا: إنَّه أفسد عقلك بعضُ آلهتنا لسبِّك(١) إياها
وصلِّك عن عبادتها وحطّك لها عن رتبة الألوهية بما مرَّ من قولك: ((ما لكم من إلهٍ
غيرُه إنْ أنتم إلا مفترون))، وغرضُهم من هذا على ما قيل: بيانُ سبب ما صدر عن
هودٍ عليه السلام بعدَ ما ذكروا من عدم التفاتِهم لقولِه عليه السلام.
وقيل: هو مقرِّرٌ لِمَا مرَّ من قولهم: ((وما نحن بتاركي)) إلخ، ((وما نحن لك)) إلخ؛
فإنَّ اعتقادهم بكونه عليه السلام كما قالوا - وحاشاه عن ذلك - يوجبُ عدمَ الاعتداد
بقوله، وعدَّه من قبيل الخرافات، فضلاً عن التصديق والعمل بمقتضاه، يعنون: إنَّا
لا نعتقدُ كلامَك إلَّا ما لا يحتمل الصِّدق من الهذيانات الصادرة عن المجانین،
فكيف نؤمِنُ به ونعملُ بموجبه؟! ولقد سلكوا طريقَ المخالفة والعنادِ إلى سبيل الترقِّي
من السيِّئ إلى الأسوأ، حيثُ أخبروا أوَّلاً عن عدم مجيئه بالبيِّنة مع احتمال كون
ما جاء به حجَّةً في نفسه وإن لم تكن واضحةَ الدلالة على المراد، وثانياً عن ترك
الامتثال لقوله عليه السلام بقولهم: ((وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك)) مع إمكان
تحقّق ذلك بتصديقهم له في كلامه، ثم نفَوا (٢) تصديقَهم له عليه السلام بقولهم:
((وما نحن لك بمؤمنين)) مع كونِ كلامه عليه السلام مما يقبلُ التصديقَ، ثم نفَوا عنه
تلك المرتبةَ أيضاً حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون. انتهى.
وللبحث فيه مجال، ولعلَّ الإتيان بهذه الجملةِ غيرَ مقترنةٍ بالعاطف كالجملتين
الأوليين يؤيِّد كونَها ليست مسوقةً للتأكيد مثلهما، نعم تضمُّنُها لتقريرِ ما تقدَّم
مما لا يكادُ يُنكر، فتدبّر.
(١) في الأصل: بسبك، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢١٧/٤.
(٢) بعدها في (م): عنه، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.

الأُهُوَدّ
٥١٢
الآية : ٥٥
مِن دُونٍِّ﴾ أي: مِمَّا أنتم
﴿قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّأْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ
تجعلونه شريكاً وهو سبحانه لم يجعله شريكاً ولم يُنزِّل به سلطاناً، فـ ((ما)) موصولة،
و(من دونه)) متعلِّقٌ بـ ((تشركون))، لا حالٌ من فاعله أي: تشركون مجاوزين الله
تعالى في هذا الحكم، إذ لا فائدةَ في التقييد به. وجوِّز أن تكون مصدريةً أيضاً،
أي: من إشراككم.
وقد جوَّز ◌ِلَا الاحتمالين الزمخشريُّ، فقال: أي: من إشراككم آلهةً من دونه،
أو مما تشركونه آلهةً من دونه(١) وأمرُ تعلُّق الجارِّ فيهما واحدٌ، وتقديرُ ((آلهة)).
لإيضاح المعنى، والإشارة إلى أنَّ المفعولَ مرادٌ لسَوق الكلام، ولا يصلحُ أن يكون
الظّرف صفةً له على الوجهين؛ لأنَّ بيانَه حاصلَهما بنحوِ ما ذكرناه في بیان حاصل
الأوَّل إنَّما يستقيم إذا تعلَّق المذكور، وليس المعنى على: آلهة غير الله، على ذلك
التفسير، وللطّيبي ما يخالف ذلك، وليس بذاك.
و((أنِّي بريء)) متنازَعٌ فيه للفعلين قبلَه، وقد يتنازع المختلفان في التعدِّي الاسمَ
الذي يكون صالحاً لأنْ يعملا فيه، تقول: أعطيتُ ووهبتُ لعمرو درهماً. كما يتنازع
اللازمُ والمتعدِّي نحو: قام وضربتُ زيداً.
وقد أجاب عليه السَّلام بهذا عن مقالتهم الشنعاء المبنيَّةِ على اعتقادِ كونِ آلهتهم
تضرُّ وتنفع، ولَمَّا كان ما وقع أوَّلاً منه عليه السَّلام في حقِّها من كونها بمعزلٍ عن
الألوهية إنَّما وقع في ضمن الأمر بعبادة الله تعالى واختصاصِه بها، وقد شقَّ ذلك
عليهم وعَدُّوه مما يُؤْرِثُ شيئاً حتى زعموا ما زعموا، صرَّح عليه السلام بالحقِّ
وصدعَ بهِ حيث أخبر ببراءته القديمةِ عنها بالجملة الاسمية المصدَّرة بـ ((إنَّ)، وأكَّد
ذلك بـ ((أُشْهِدُ الله)) فإنَّه كالقسم في إفادة التأكيد، وأمرهم بأنْ يسمعوا ذلك ويشهدوا
به، والمقصودُ منه الاستهانةُ والاستهزاءُ، كما يقول الرجل لخصمِه إذا لم يُبالِ به :
إِشْهَدْ على أنّ قائلٌ لك كذا، وكأنَّه غايرَ بين الشهادتين لذلك، وعطفُ الإنشاءِ
على الإخبار جائزٌ عند بعض، ومَن لم يجوِّزه قدَّر قولاً، أي: وأقول: اشهدوا.
ويحتمل أن يكون إشهادُ الله تعالى إنشاءً أيضاً وإن كان في صورة الخبر، وحينئذٍ
لا قيل ولا قال.
(١) الكشاف ٢٧٦/٢ .

الآية : ٥٦
٥١٣
سُوَلاَ هُود
وجوِّز أن يكون إشهادُه عليه السلام لهم حقيقةً؛ إقامةً للحَجَّة عليهم، وعُدِل
عن الخبر فيه تمييزاً بين الخطابين، فهو خبرٌ في المعنى كما هو المشهورُ في
الأوَّل، لكنَّ الأَوْلَى الحملُ على المجاز.
ثم أَمَرهم بالاجتماع والاحتشادِ مع آلهتهم جميعاً دونَ بعضٍ منها حسبما يُشعر
به قولهم: ((بعضُ آلهتنا)»، والتعاونِ في إيصال الكيد إليه عليه السَّلام، ونهاهم عن
الإنظار والإمهال في ذلك، فقال: ﴿فَكِدُونِيِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُظِرُونِ ﴾﴾ أي: إنْ صحَّ
ما لوَّحتمْ به من كون آلهتكم مِمَّا يقدرون على إضرارٍ مَنْ ينالُ منها ويصدُّ عن
عبادتها ولو بطريقٍ ضمنيٌّ فإنِّي بريءٌ منها، فكونوا أنتم معها جميعاً وباشِرُوا كيدي
ثم لا تمهلوني ولا تسامحوني في ذلك، فالفاءُ لتفريع الأمر على زعْمِهم من قدرة
آلهتهم على ما قالوا وعلى البراءة كليهما، والخطابُ للقوم وآلهتهم، ويُفهم من
كلام بعضٍ أَنَّه للقومِ فقط، وفيه نفيُّ قدرةِ آلهتهم على ضرِّه بطريقٍ برهانيٌّ، فإنَّ
الأقوياءَ الأشداءَ إذا لم يقدروا مع اجتماعهم واحتشادِهم على الضرِّ، كان عدمُ
قدرة الجمادات عليه معلوماً من باب أولى.
وأيّاً ما كان فذاك من أعظم المعجزات بناءً على ما قيل: إنَّه كان عليه السلام
مفرداً بین جمع عتاةٍ جبابرةٍ عطاشٍ إلى إراقة دمه یرمونه عن قوسٍ واحدة، وقد
خاطبهم بما خاطبهم وحقّرهم وآلهتَهم وهيَّجهم على ما هيَّجهم فلم يقدرُوا على
مباشرةٍ شيءٍ مما كلّفوه، وظهر عجزُهم عن ذلك ظهوراً بيِّناً وفي ذلك دلالةٌ على
مزيدٍ ثقتِه بالله سبحانه وكمالٍ عنايته به وعصمتِه له، وقد قرَّر ذلك بإظهار التوُّل
على مَن كفاه ضُرَّهم في قوله:
﴿إِنِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ وَرَيِّكُمْ﴾ وفيه تعليلٌ لنفي ضُرِّهم بطريق برهانيٍّ، يعني
إِنَّكم وإنْ لم تُبقُوا في القوس منزعاً وبذلتُم في مضارَّتي(١) مجهودكم لا تقدرون
على شيءٍ مما تريدون بي، فإِنِّي متوكِّلٌ على الله تعالى واثقٌ بكلاءَته، وهو مالكي
ومالكُكم لا يصدرُ عنكم شيءٌ ولا يصيبني أمرٌ إلا بإرادته، وجيء بلفظِ الماضي
لأنَّه أدلُّ على الإنشاء المناسبِ للمقام.
(١) في (م): مضادتي.

سِۈآهُود!
٥١٤
الآية : ٥٦
ثم إنه عليه السلام برْهنَ على عدم قدرتهم على ضرِّه مع توكُّله عليه سبحانه
بقوله: ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إلَّا هُوَ ءَخِذٌ بِنَاصِيَنْهَا﴾ أي: إلَّا هو مالكٌ لها قادرٌ عليها يصرِّفُها
كيف يشاء، غير مستعصيةٍ عليه سبحانه. والناصيةُ مقدَّمُ الرأس، وتُطلق على الشَّعَر
النابتِ عليها، واستعمالُ الأخذ بالناصية في القُدرة والتسلُّط مجازٌ أو كناية، وفي
((البحر)) أنه صار عُرْفاً في القدرة على الحيوان، وكانت العربُ تجزُّ الأسيرَ الممنونَ
عليه علامةً على أنه قد قُدِر عليه وقُبض على ناصيته(١).
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّ عَلَى صِرٍَّ مُسْتَقِيٍ ﴾﴾ مندرجٌ في البرهان، وهو تمثيلٌ
واستعارةٌ؛ لأنه تعالى مطّلعٌ على أمور العباد، مُجازٍ لهم بالثواب والعقاب، كافٍ
لمن اعتصم به، كمن وقف على الجادَّة فحفظها ودفعَ ضرر السابلةِ بها، وهو كقوله
سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
وقيل: معناه: إنَّ مصيرَكم إليه تعالى للجزاء وفَصْلِ القضاء. ولعلَّ الأوَّل
أولی.
وفي ((الكشف)): إنَّ في قوله: ((إني توَّلت)) الآيةَ من اللطائفِ ما يُبهرك تأمُّلُه
من حُسْنِ التعليل، وما يعطيه أنَّ مَن توثَّل عليه لم يبالِ بِهَولِ ما ناله، ثمَّ التدرُّج
إلى تعكيس التخويف بقوله: ((ربِّي وربِّكم))، فكيف يُصاب مَن لزم سدَّةَ(٢) العبوديّة،
وينجو مَن تولَّى؟ مع ما يعطيه مِن وجوبٍ التوكُّل عليه سبحانه إذا كان كذلك،
وترشيحه بقوله: ((ما من دابَّةٍ) إلى تمام التمثيلِ، فإنَّه في الاقتدار على المُعْرِض
أظهرُ منه في الرَّأفة على المُقْبِل، خلاف الصفة الأولى، وما فيه من تصوير ربوبيَّته
واقتداره تعالى وتصويرِ ذلِّ المعبودين بين يدي قهره أيّاً ما كان، والختم بما يفيد
الغرضين على القَطْع: كفايةَ مَن إِيَّاه تولَّى، وخزايةَ مَن أعرض عن ذكرِهِ وتولَّى، بناءً
على أنَّ معناه أنه سبحانه على الحقِّ والعدلِ لا يضيعُ عنده معتصمٌ ولا يفوته ظالمٌ.
وفي قوله: ((ربِّي)) من غيرِ إعادةِ ((وربّكم)) كما في الأوَّل نكتةٌ سريَّةٌ بعد اختصار
المعنى عن الحشوِ فيه ما يدلُّ على زيادةِ اختصاصه به، وأنَّه ربُّ الكلِّ استحقاقاً،
وربُّه دونَهم تشريفاً وإرفاقاً .
(١) البحر ٢٣٤/٥.
(٢) في الأصل: شدة.

٥١٥
الآية : ٥٧
﴿فَإِن تَوَلًّا﴾ أي: تتولَّوا، فهو مضارعٌ حُذف منه إحدى التاءين، وحُمل على
ذلك لاقتضاء ((أبلغتُكم)) له. وجوَّز ابنُ عطيَّةُ (١) كونَه ماضياً، وفي الكلام التفاتٌ.
ولا يظهرُ حسنُه، ولذا قدَّر غيرُه مِمَّن جَعَله كذلك: فقل أبلغتكم، لكنه لا حاجةً
إليه. ويؤيِّد ذلك قراءةُ الأعرج وعيسى الثقفي: ((تُولُّوا)) بضمِّ التاء واللام مضارع
ولَّى(٢). والمراد: فإن تستمرُّوا على ما كنتم عليه من التولِي والإعراضِ، لوقوع ذلك
منهم فلا يصلحُ للشرط. وجوِّز أن يبقى على ظاهرِه بحمله على التولِي الواقع
بعدما حجّهم.
والظاهرُ أنَّ الضمير لقوم هودٍ والخطاب معهم، وهم من تمام الجُمَل المقولة
قبلُ. وقال التبريزي(٣): إنَّ الضميرَ لكفَّار قريش، وهو من تلوين الخطاب، وقد
انتقل من الكلامِ الأوَّل إلى الإخبارِ عَمَّن بحضرةِ الرسولِ بَّهِ، وكأنه قيل: أخبرهم
عن قصَّة قومِ هودٍ وادْعُهم إلى الإيمان بالله تعالى لئلا يصيبَهم كما أصاب قومَ هودٍ
عليه السلام، فإن تولّوا فقل لهم: قد أبلغتكم إلخ. وهو من البُعد بمكانٍ
كما لا يخفى.
وقوله سبحانه: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتَكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُمْ﴾ دليلُ جواب الشرط، أي: إن
تتولّوا لم أعاتَبْ على تفريطٍ في الإبلاغ، فإنَّ ما أرسلتُ به إليكم قد بلغكم، فأبيتُم
إلَّا تكذيبَ الرسالة وعداوةَ الرسول.
وقيل: التقديرُ: إن تتولَّوا فما عليَّ كبيرُ همِّ منكم؛ فإنَّه قد برئتْ ساحتي
بالتبليغ، وأنتم أصحابُ الذَّنب في الإعراض عن الإيمانِ.
وقيل: إنه الجزاءُ باعتبار لازم معناه المستقبل باعتبارِ ظهورِه، أي: فلا تفريط
مِنِّي ولا عُذْرَ لكم.
وقيلَ: إِنَّه جزاءٌ باعتبار الإخبار؛ لأنَّه كما يُقصدُ ترتُّبُ المعنى يُقصدُ ترتُّبُ
الإخبار، كما في ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] على ما مرَّ.
(١) في المحرر الوجيز ١٨٢/٣.
(٢) القراءات الشاذة ص٥٩، والبحر ٢٣٤/٥.
(٣) كما في البحر ٢٣٤/٥.

سَُّلاَ هُود
٥١٦
الآية : ٥٧
وكلُّ ذلك لِمَا أنَّ الإبلاغ واقعٌ قبلَ تولِّيهم، والجزاءُ يكون مستقبلاً بالنَّظر إلى
زمانِ الشَّرط.
وزعم أبو حيَّان أنَّ صحَّةَ وقوعه جواباً؛ لأنَّ في إبلاغه إليهم رسالتَه تضمُّنَ
ما يحلُّ بهم من العذاب المستأصِلِ، فكأنَّه قيل: فإنْ تتولَّوا استُؤْصلتم بالعذاب،
ويدلُّ على ذلك الجملةُ الخبريَّة، وهي قولُه سبحانه: ﴿وَيَسْتَغْلِفُ رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾(١).
وفيه منعٌ ظاهر، وهذا كما قال غيرُ واحد: استئنافٌ بالوعيد لهم بأنَّ الله تعالى
يهلكهم ويستخلفُ قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم، وهو استئنافٌ نحويٌّ عند
بعض بناءً على جوازٍ تصديره بالواو.
وقال الطَّبي: المراد به أنَّ الجملة ليست بداخلةٍ في الجملة الشرطية جزاءً، بل
تكون جملةً برأسها معطوفةً على الجملة الشرطية، وهو خلافُ الظاهر من العبارة،
وعليه تكون مرتَّةً على قوله سبحانه: (إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيٍ) والمعنى: إِنَّه على
العدل ینتقمُ منکم ویھلگكم.
وقال الجلبي: لا مانعَ عندي من حَمْلِه على الاستئناف البيانيّ جواباً عمَّا يترتَّب
على التولِّي، وهو الظاهر، كأنه قيل: ما يُفعلُ بهم إذا تولَّوا؟ فقيل: ((يستخلف)) إلخ.
وتعقّبه بعضُهم بأنَّ الاستئناف البيانيّ لا يقترن بالواو.
وجوِّز أن يكون عطفاً على الجواب، لكنْ على ما بعد الفاء؛ لأنه الجواب في
الحقيقة والفاءُ رابطةٌ له، ودخول(٢) الفاء على المضارع هنا لأنَّه تابعٌ يُتسامح فيه،
وقيل: تقديرُه: فقل يستخلفُ ... إلخ.
وقرأ حفصٌ برواية هبيرةَ: ((يستخلف)) بالجزم(٣)، وهو عطفٌ على موضع
الجملة الجزائيَّة مع الفاء، كأنَّ قيل: فإنْ تولَّوا يَعْذُرْنِي ويُهْلِكْكُم ويستخلفْ مكانكم
آخرين. وجوَّز أبو البقاء كونَ ذلك تسكيناً لتوالي الحركات(٤).
(١) البحر ٢٣٤/٥.
(٢) في الأصل: وعدم دخول، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٠٨/٥، والكلام منه.
(٣) المحرر الوجيز ٣/ ١٨٢، والبحر ٢٣٤/٥.
(٤) الإملاء ٢٨٧/٣-٢٨٨.

الآية : ٥٨
٥١٧
سُؤَلُ هُود!
وقرأ عبدُ الله كذلك، وبجزم قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْاْ﴾(١). وقيل: إنَّ
مَنْ جَزَمَ الأوَّلَ جَزَمَ هذا؛ لِعَظْفِه عليه، وهو الظاهر.
والمعنى: لا تضرُّونه بهلاكِكم شيئاً، أي: لا ينتقصُ ملكُه ولا يختلُّ أمره،
ويؤيِّد هذا المعنى(٢) ما رُوي عن ابن مسعود ◌َظُهُ أنَّه قرأ: ((ولا تنقصونه شيئاً)(٣).
ونصب ((شيئاً)) على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ لتضرُّون، أي: شيئاً من الضرر؛ لأنَّه
لا يتعدَّى لاثنين، وجَعَله بعضُهم مفعولاً ثانياً مفسِّراً له بما يتعدَّى لهما لمكان
الرواية.
وجوَّز ابنُ عطية(٤) أن يكون المعنى: إنَّكم لا تقدرون إذا أهلككم على إضرارِه
بشيءٍ، ولا على الانتصار منه، ولا تقابلون فعلَه بشيء يضرُّه، تعالى عن ذلك علوّاً
كبيراً. والأوَّل أظهر.
وقدَّر بعضُهم التولِّي بدل الإهلاك، أي: ولا تضرُّونه بتولِّيكم شيئاً من الضرر؛
لاستحالة ذلك علیه سبحانه.
﴿إِنَّ رَبِّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ﴾﴾ أي: رقيبٌ محيطً بالأشياء عِلْماً فلا يخفى
عليه أعمالُكم ولا يغفل عن مؤاخَذَتِكم. فالحفظُ كنايةٌ عن المجازاة.
ويجوز أن يكون الحفيظُ بمعنى الحافظ بمعنى الحاكم المستولي، أي: إنه
سبحانه حافظ(٥) مستولٍ على كلِّ شيءٍ، ومَنْ شأنُه ذلك كيف يضرُّه شيء.
﴿وَلَّا جَ أَمْنَا﴾ أي: نزل عذابُنا، على أنَّ الأمر واحدُ الأمور، قيل: أو
المأمور به، وفي التعبير عنه بذلك مضافاً إلى ضميره جلَّ جلالُه، وعن نزوله
بالمجيء، ما لا يخفى من التَّفخيم والتَّھویل.
وجوِّز أن يكون واحدَ الأوامر، أي: ورد أمرُنا بالعذاب، والكلامُ على الحقيقة
(١) البحر ٢٣٤/٥، والثانية في القراءات الشاذة ص ٦٠.
(٢) قوله: المعنى، ليس في (م).
(٣) المحرر الوجيز ١٨٢/٣، والبحر ٢٣٥/٥.
(٤) في المحرر الوجيز ١٨٢/٣.
(٥) في الأصل: حاكم.

٥١٨
الآية : ٥٨
إن أريد أمرُ الملائكة عليهم السلام، ويجوزُ أن يكون ذلك مجازاً عن الوقوع على
سبيل التمثيل.
﴿فَيَّنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ قيل: كانوا أربعةَ آلاف. وقيل: ثلاثةَ آلاف.
ولعلَّ الانتصار للأنبياء عليهم السلام يكون مأذوناً به للمؤمنين إذ ذاك، فلا ينافي
ما تقدَّم نقلُه من أنَّه عليه السلام كان وحدَه، ولذا عُدَّ مواجهتُه للجمِّ الغفير معجزةً
له وَل*، لكنْ لا بدَّ لهذا من دليل كدعوى انفرادِه عنهم حين المقاولة، وفي
(الحواشي الشهابية)) أنَّه لا مانع من ذلك باعتبار حالَين وزمانين، فتأمَّل(١).
والظاهر أنَّ ما كان من المقاولة إنَّما هو في ابتداء الدعوة، ومجيءُ الأمر كان
بعدُ بكثيرٍ، وإيمانُ مَن آمن كان في البَيْن، فترتفع المنافاة.
﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عظيمةٍ كائنةٍ ﴿مِّنَا﴾ وهي الإيمانُ الذي أنعمنا به عليهم، وروي هذا
عن ابن عباس والحسن، وذكره الزمخشريُّ(٢)، ولشمٌّ بعضهم(٣) منه رائحةَ الاعتزال
لم يلتفت إليه.
ولا بأس بأنْ تُحملَ الرحمةُ على (٤) الفضل، فيفيدُ أنَّ ذلك بمحض فضل الله
تعالى؛ إذ له سبحانه تعذيبُ المطيع كما أنَّ له جلَّ وعلا إثابةَ العاصي.
والجارُّ(٥) الأوَّل متعلِّقٌ بـ ((نجَّينا))، وهو الظاهرُ الذي عليه كثير من
المفسرين.
وجوَّز أبو حيَّان كونَه متعلّقاً بـ ((آمنوا))، أي: إنَّ إيمانَهم بالله تعالى ورسوله عليه
السلام برحمةٍ من الله تعالى إذ وفَّقهم إليه(٦).
ولعلَّ ترتيبَ الإنجاء على النزول باعتبارِ ما تضمَّنه من تعذيبِ الكفّار، فيكون
(١) حاشية الشهاب ١٠٩/٥.
(٢) في الكشاف ٢/ ٢٧٧ .
(٣) هو البيضاوي. ينظر حاشية الشهاب مع تفسير البيضاوي ١٠٨/٥-١٠٩.
(٤) في (م): عن، وهو تصحيف.
(٥) في (م): والجار والمجرور.
(٦) البحر ٢٣٥/٥.

الآية : ٥٩
٥١٩
قد صرَّح بالإنجاء اهتماماً، ورتَّب باعتبارِ الآخرِ إشارةً إلى أنَّه مقصودٌ منه. ويجوز
أن تكون ((لَمَّا)) لمجرد الحين.
﴿وََّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِظِ ﴾﴾ تكريرٌ لأَجْلٍ بيانِ ما نَجَّاهم عنه، وهي الريح التي
كانت تحملُ الظعينة، وتهدمُ المساكنَ، وتدخلُ في أنوف أعداءِ الله تعالى وتخرُج
من أدبارهم فتقطّعهم إرباً إرباً. أو المراد بهذا الإنجاءُ من عذاب الآخرة وبالأوَّل
الإنجاء من عذاب الدنيا .
ورجّح الأوَّل بأنه أوفقُ لمقتضى المقام، وحاصلُه أنَّ الأوَّل إخبارٌ بأنَّ الإيمان
الذي وُفِّقوا له صار سببَ إنجائهم، والثاني بأنَّ ذلك الإنجاءَ كان من عذابٍ أيِّ
عذابٍ دلالةً على كمالِ الامتنان وتحريضاً على الإيمان، وليس من أسلوبٍ:
أعجبني زيدٌ وكرمُه، في شيءٍ كما ظنّه العلّامةُ الطَّيِئُّ.
وقد أُورِدَ على الثاني أنَّ إنجاءهم من عذاب الآخرة ليس في وقتٍ نزول
العذاب في الدنيا ولا مسبَّباً عنه، إلَّا أنْ يجابَ بأنه عطفٌ على القيد والمقيّد،
كما قيل في قوله سبحانه: ﴿لَّا تَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: ٣٠]. قيل:
ولا يخفى ما فيه من التكلُّف من غير داع؛ لأنَّ الموافقَ للتعبير بالماضي المفيدِ
لتحقُّقه حتَّى كأنَّه وقع أن يُجعل باعتبارٍ ذلك واقعاً في وقت النزول تجوُّزاً، أو
المعنى: حكمنا بذلك وتبيَّن ما يكون لهم لأنَّ الدنيا أنموذجُ الآخرة.
وأيّاً ما كان فالمرادُ بغلظِ العذاب تضاعفُه، وقد يقال على الاحتمال الأوَّل:
في وصف العذاب - الذي كان بالريح - بالغلظ الذي هو ضدُّ الرِّقة التي هي صفةٌ
الريح: ما لا يخفى من اللَّطف، وفيه أيضاً مناسَبةٌ لحالهم؛ فإنهم كانوا غلاظاً
شداداً .
﴿وَتَلْكَ عَاءٌّ﴾ أنْت اسمُ الإشارة باعتبار القبيلة على ما قيل، فالإشارةُ إلى ما في
الذِّهن، وصيغةُ البعيد لتحقيرِهم، أو لتنزيلهم منزلةَ البعيد لعدمِهم، أو الإشارةُ إلى
قبورهم ومصارعهم، وحينئذٍ الإشارةُ للبعيد المحسوس والإسنادُ مجازيٌّ، أو هو
من مجاز الحذف، أي: تلك قبورُ عاد، وجوِّز أن يكون بتقدير: أصحاب تلك
عاد. والجملةُ مبتدأ وخبرٌ، وكأنَّ المقصود الحثُّ على الاعتبار بهم والانِّعاظِ
بأحوالهم.

سُوالمُود
٥٢٠
الآية : ٥٩
وقولُه سبحانه: ﴿جَحَدُواْ بِئَايَتِ رَيْهِمْ﴾ إلخ استئنافٌ لحكايةِ بعضٍ قبائحهم، أي:
كفروا بآيات ربِّهم التي أَيَّد بها رسولَه الداعي إليه، ودلَّ بها على صدقِه، وأنكروها
فقالوا: يا هودُ ما جئتنا ببيِّنة، أو أنكروا آياته سبحانه في الآفاق والأنفس الدَّالَّة
عليه تعالى حسبما قال لهم هودٌ عليه السلام.
وجوِّز أن يراد بها الآياتُ التي أتى بها هودٌ وغيرُه من الرسل عليهم الصلاة
والسلام، ويلائمُه جمعُ الرُّسل الآتي على قول.
وعدِّي (جحد)) بالباء حملاً له على (كَفَر)) لأنَّه المراد، أو بتضمينه معناه كما أن
(كَفَر)) يجري مجرى ((جَحَد)) فيعدَّى بنفسه، نحو قوله سبحانه: (أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ
رَهُمُّ)، وقيل: كَفَر كشَكَر يتعدَّى بنفسه وبالباء، وظاهرُ كلام ((القاموس)) أنَّ ((جحد»
كذلك(١).
﴿وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ قيل: المراد بالرُّسل هودٌ عليه السلام والرسلُ الذين كانوا معه
من قبله. وهو خلافُ الظاهر.
وقيل: المرادُ بهم هودٌ عليه السلام وسائرُ الرسل من قِبَلِه تعالى للأمم مِن قَبْلِه
ومِن بَعْدِه عليه السلام، بناءً على أنَّ عصيانَه عليه السلام وكذا عصيان كلِّ رسول
بمنزلةٍ عصيانِ الرسل جميعِهم؛ لأنَّ الجميعَ متَّفقون على التوحيد، فعصيانُ واحدٍ
عصيانٌ للجميع فيه، أو على أنَّ القومَ أَمَرهم كلُّ رسول من قبلُ بطاعةِ الرسل
والإيمان بهم إن أدركوهم، فلم يمتثلوا ذلكَ الأمرَ.
﴿وَأَتَّبَعُواْ أَنْيَ كُلِّ جَبَّارٍ﴾ متعالٍ عن قبولِ الحقِّ. وقال الكلبيُّ: هو الذي يقتلُ
على الغضبٍ ويعاقبُ على المعصية. وقال الزجَّاج: هو الذي يجبرُ الناسَ على
ما يريد(٢). وذكر ابنُ الأنباري(٣) أنَّه العظيمُ في نفسه المتكبِّرُ على العباد.
﴿عَنِيدِ ﴾﴾ أي: طاغٍ، من ((عَندَ)) بتثليث النون ((عَنْداً)) بالإسكان ((وعَنَداً))
بالتحريك ((وعُنوداً)) بضم العين: إذا طغا وجاوَزَ الحدَّ في العصيان. وفسَّره الراغبُ
(١) القاموس (جحد).
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٦٣/٢.
(٣) كما في البحر ٢٣٥/٥، وما قبله منه.