Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ١٣
٣٨١
سُؤَلا هُود
له في البلاغة مُختلَقاتٍ من عند أنفسكم إنْ صحَّ أني اختلقتُه من عند نفسي، فإنكم
عربٌ فُصَحاءُ بُلَغاء، ومَبادي ذلك فيكم من ممارسةِ الخُطب والأشعار ومُزاولةٍ
أساليبِ النَّظم والنَّثْرِ وحِفْظِ الوقائع والأيام أتمّ .
والكثيرُ على أن هذا التحدِّي وقع أولاً، فلما عَجَزوا تحدَّاهم (بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ.)
كما نطقَتْ به سورةُ البقرة(١) ويونس(٢)، وهو وإن تأخّر تلاوةً متقدِّمٌ نزولاً، وأنه
لا يجوز العكس إذْ لا معنى للتحدِّي بعشرٍ لمن عَجَزَ عن التحدِّي بواحدةٍ، وأنه
ليس المرادُ تعجيزَهم عن الإتيان بعشرِ سورٍ مُماثلاتٍ لعشرٍ مُعيَّنة من القرآن.
ورُوي عن ابن عباس أن المراد ذلك، وجَعَلَ العشرَ ما تقدَّم من السور إلى
هنا، واعترضه أبو حيان(٣) بأنَّ أكثرَ ما ذُكر مدني، وهذه السورة حسبما علمتَ
مكيةٌ، فكيف تَصِحُّ الحوالة بمكةَ على ما لم ينزلْ بعد؟!، ثم قال: ولعلَّ هذا
لا یصُّ عن ابن عباس
وذهب ابنُ عطية(٤) إلى أن هذا التحدِّي إنما وقع بعد التحدِّي بسورة. ورُوي
هذا عن المبرّد(٥)، وأنكر تقدُّمَ نزولِ هذه السورة على نزول تينك السورتين، وقال:
بل نزلَتْ سورة يونس أولاً ، ثم نزلَتْ سورةُ هود.
وقد أخرجَ ذلك ابن الضُّريس في ((فضائل القرآن))، عن ابن عباس ﴿بًا، ووجّه
ذلك بأنَّ ما وقع أولاً هو التحدِّي بسورةٍ مِثْلِه في البلاغة والاشتمالِ على ما اشتمل
عليه من الإخبار عن المغيبات والأحكام وأخواتها، فلما عَجَزوا عن ذلك أمرهم
بأن يأتوا بعشرِ سور مثلهِ في النَّظم، وإن لم تشتملْ على ما اشتملَ عليه. وضعَّفه في
((الكشف))، وقال: إنه لا يطرد في كلِّ سورة من سور القرآن، وهَبْ أن السورة
متقدِّمة النزول، إلا أنها لما نزلَتْ على التدريج جاز أن تتأخّر تلك الآية عن هذه،
ولا يُنافي تقدم السورة على السورة. انتهى.
(١) الآية (٢٣) منها .
(٢) الآية (٣٨) وهي: ((أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ... )).
(٣) في البحر ٢٠٨/٥.
(٤) في المحرر الوجيز ١٥٥/٣ .
(٥) ذكره عنه البغوي في تفسيره ٣٧٦/٢.

سودةُهُود!
٣٨٢
الآية : ١٣
وتعقّبه الشهابُ(١) بأنَّ قوله: لا يطَّرد، مما لا وجهَ له؛ لأنَّ مرادَ المبرّد اشتماله
على شيء من الأنواع التسعة(٢) ولا يخلو شيء من القرآن عنها، وادّعاء تأخّر نزولٍ
تلك الآية خلافُ الظاهر، ومثلُه لا يقال بالرأي. وادّعى أن الحقَّ ما قاله المبرّد مِن
أنه عليه الصلاة والسلام تحدَّاهم أولاً بسورة مثلهِ في النَّظم والمعنى، ثم تنزل
فتحذَّاهم بعشر سور مثله في النظم من غير حَجْرٍ في المعنى، ويشهد له توصيفها
بمفتريات.
وأيَّد بعضُهم نظر المبرد بأنَّ التكليفَ في آية البقرة كان بسبب الرَّيب، ولا يُزيل
الرَّيب إلا العلمُ بأنهم لا يقدرون على المُماثلة التامَّة، وهو في هذه الآيةِ لیس
إلا بسبب قولهم: ((افتراه)) فكلِّفوا نحو ما قالوا.
وفيه أن الأمر في سورة يونس كالأمر هنا مسبوقٌ بحكاية زَعْمهم الافتراء
قاتلهم الله تعالى مع أنهم لم يُكلَّفوا إلا بنحو ما كُلِّفوا به في آية البقرة، على أنَّ في
قوله: ولا يُزيل الريب ... إلخ، منعاً ظاهراً، وللعلامة الطيبي هاهنا كلام زعم أنه
الذي يقتضيه المقام، وهو على قِلَّة جدواه لا وجهَ لما أسَّسه عليه كما بيَّن ذلك
صاحب ((الکشف)).
هذا، ونقل الإمام(٣) أنه استدلَّ بهذه الآية على أن إعجازَ القرآن بفصاحته
لا باشتماله على المغيبات وكثرةٍ العلوم، إذ لو كان كذلك لم يكن لقوله سبحانه:
(مُفْتَرَيَتٍ) معنى، أما إذا كان وجهُ الإعجاز الفصاحةَ صحَّ ذلك؛ لأن فصاحةَ الكلام
تَظْهَرُ إنْ صدقاً وإنْ كذباً .
واعترض عليه الفاضل الجلبي بما هو مبنيٌّ على الغفلة عن معنى الافتراء
والاختلاق، نعم ما ذكر إنما يدلُّ على صحةٍ كون وجه الإعجاز ذلك، ولا يمنع
احتمالَ كونه الأسلوبَ الغريب وعدمَ اشتماله على التناقض کما قیل به.
(١) حاشية الشهاب ٥/ ٨٠.
(٢) في الأصل و(م): السبعة، والمثبت من حاشية الشهاب، والأنواع التسعة الموجودة في
القرآن نظمها بعضهم - كما ذكر المصنف ١٢١/٩ - بقوله:
حلال حرام محكم متشابه بشير نذير قصة عظة مثل
(٣) تفسير الرازي ١٧/ ١٩٤ .

الآية : ١٤
٣٨٣
سُوَلاَ هُودٍ
﴿وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: استعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به من آلهتكم
التي تزعُمون أنها مُمِدَّة لكم في كل ما تأتون وما تذرون، والكَهَنةِ الذين تلجؤون
إلى آرائهم في المُلِمَّات لِيُسعدوكم في ذلك.
﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ((ادعوا))، أي: مُتجاوزين الله تعالى، وفيه على ما قال
غيرُ واحد إشارةٌ إلى أنه لا يقدر على مِثْله إلا الله عز وجل.
﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣)﴾ في أني افتريته، فإنَّ ذلك يستلزم الإتيانَ بمثله، وهو
أيضاً يستلزم قُدرتَكم عليه، وجواب ((إنْ)) محذوفٌ دلَّ عليه المذكور قبلُ.
﴿فَإِلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ الخطابُ على ما رُوي عن الضحاك للمأمورين بدعاء مَن
استطاعوا، وضمير الجمع الغائب عائدٌ إلى ((مَنْ))، أي: فإنْ لم يستجبْ لكم مَن
تدعونه من دون الله تعالى إلى الإسعاد والمظاهرة على المعارضة، لِعِلْمهم بالعَجْز
عنه وأنَّ طاقتهم أقصرُ مِن أن تَبلُغه ﴿فَعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ الِّ﴾ أي: ما أُنزل
إلا مُلتبساً بعلمه تعالى لا بعلم غيره على ما تقتضيه كلمةُ ((أنما)) فإنها تُفيد الحَصْرَ
كالمكسورة على الصحيح، قيل: وهو معنى قولِ مَنْ قال: أي: ملتبساً بما لا يعلمه
إلا الله تعالى، ولا يقدر عليه سواه. وادَّعى بعضُهم أن الحصرَ إنما أفادته الإضافة،
كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا﴾(١) [الجن: ٢٦].
والمرادُ بما لا يعلمه غيره تعالى الكيفياتُ والمزايا التي بها الإعجاز والتحدِّي،
وذِكْر عدم قُدرة غيره سبحانه مما يقتضيه السِّياق، وإلا فالمذكور في النظم الكريم
العلم دون القدرة، وقيل ذلك؛ لأن نفي العلم بالشيء يستلزم نفيَ القُدرة؛ لأنه
لا يقدر أحدٌ على ما لا يعلم.
والجملة الشرطية داخلة في حيز القول، وإيرادُ كلمة الشكٌّ مع الجزم بعدم
الاستجابة من جهة مَنْ يدعونه تَهكُم بهم وتسجيلٌ عليهم بكمال سَخافة العقل.
وترتيبُ الأمر بالعلم على مجرد عدم الاستجابة من حيث إنه مسبوقٌ بالدعاء
المسبوق بتعجيزهم واضطرارهم، فكأنه قيل: فإنْ لم يستجيبوا لكم عند التجائكم
إليهم بعد ما اضطررتُم إلى ذلك وضاعَتْ عليكم الحِيل وعيَّتْ بكم العلل
(١) أي: على غيبه المخصوص بعلمه. حاشية الشهاب ٨١/٥.

سِوَلاهُود
٣٨٤
الآية : ١٤
فاعلموا ... إلخ، أو مِن حيث إن مَنْ يدعونهم إلى المُعارضة أقوى منهم في
اعتقادهم، فإذا ظهر عَجْزُهم بعدم استجابتهم وإن كان ذلك قبل ظهور عَجْزِ
أنفسهم(١) يكون عجزُهم أظهرَ وأوضحَ.
وبمجموع ما ذكرنا يظهر أنْ لا إشكالَ في الآية، ومما يقضي منه العجب قول
العز بن عبد السلام في ((أماليه)): إنَّ ترتيبَ هذا المشروط - يعني العلم - على ذلك
الشرط - يعني عدم الاستجابة - مُشكِلٌ، وكذا قوله سبحانه: (أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) مُشكِلٌ
أيضاً، إذ لا تصلحُ الباء للسببية، إذ ليس العلم سبباً في إنزاله، ولا للمصاحبة إذْ
العلم لا يَصْحبه في إنزاله، وأن الجواب أنه ليس المرادُ بالعلم إلا علمنا نحن،
وأضيف إليه عزَّ وجلَّ لأنه مخلوقٌ له تعالى، ونظيرُ ذلك ما في قوله جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ الَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] حيث أُضيفت الشهادة إلى الله سبحانه باعتبارِ
أنه تعالى شَرَعَها، والقرآن قد نزلَ بأدلة العلم بأحكام اللهِ تبارك اسمُه، فعبَّر
بالمدلول عن الدليل، والتقدير: فاعلموا أنما أُنزلَ مصحوباً بانتشار علم الأحكام،
وهي الأدلةُ، ولا شكَّ أنه يُناسب إذا عَجَزوا عن مُعارضته أن يعلموا أنَّ هذه الآياتِ
أدلةُ أحكام الله تعالی. انتهى.
وليت شعري كيف غَفَل هذا العالمُ الماهر عن ذلك التفسير الظاهر، ولعله
كما قيل: من شدة الظُّهور الخَفاء.
﴿وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ﴾ أي: واعلموا أيضاً أنه تعالى المختصُّ بالأُلوهية
وأحكامها، وأنَّ آلهتكم بمعْزِل عن رُتبة الشركة له تعالى في ذلك.
﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾﴾ أي: داخلون في الإسلام؛ إذْ لم يبقَ بعدُ شائبةٌ
شُبهةٍ في حقِّيته وفي بُطلان ما أنتم فيه من الشِّرك، فيدخلُ فيه الإذعان بكون القرآن
من عند الله تعالى دخولاً أوليّاً، أو: مُنقادون للحقِّ الذي هو كونُ القرآن من عند الله
تعالى، وتاركون ما أنتم عليه من المُكابرة والعِناد، وفي هذا الاستفهامِ إيجابٌ بليغٌ
لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام المُوجب وزوال المانع، ولهذا جيء
بالفاء.
(١) في (م): أنفسكم.

الآية : ١٤
٣٨٥
سُوَلاَ هُود
وفي التعبير بـ ((مسلمون)) دون تُسلمون تأييدٌ لما يقتضيه ترتيبُ ما ذُكر على
ما قبله بها من وجوبه بلا مُهلة. قيل: وفي ذلك أيضاً إقناطٌ لهم من أنْ يُجيرهم
آلهتُهم من بأس الله تعالى شأنُه وعزَّ سلطانه.
وجُوِّز أن يكون الضميرُ في ((لكم)) للرسول وبَّه، ويُؤيِّده أنه جاء في آية أُخرى
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ [القصص: ٥٠]، ورُوي ذلك عن مجاهد، وكان المناسبُ
للأمر بـ ((قل)) الإفراد، لكنه جمع للتعظيم، وهو لا يختصُّ بضمير المُتكلِّم كما قاله
الرَّضي، ومِن ذلك:
وإنْ شئتٍ حَرَّمتُ النساءَ سواكم (١)
والجملةُ غيرُ داخلةٍ في حيِّز القول، بل هي مِنْ قِبله تعالى للحُكم بِعَجْزهم،
كقوله سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٤] وعبَّر بالاستجابة إيماءً إلى
أنه ◌َ﴿ على كمالِ الأمن من أمره، كأنَّ أمرَه عليه الصلاة والسلام لهم بالإتيان بمثله
دعاءٌ لهم إلى أمر يُريد وقوعَه.
ويجوز أن يكون الضميرُ لهِ وَ﴿ وللمؤمنين، لأنهم أتباعٌ له وَِّ في الأمر
بالتحدِّي، وفيه تنبيهٌ لطيفٌ على أنَّ حقّهم أن لا ينفكُّوا عنه عليه الصلاةُ والسلام،
ويناصبوا معه لمعارضةِ المُعاندين كما كانوا يفعلونه في الجهاد، وإرشادٌ إلى أن
ذلك مما يُفيد الرُّسوخَ في الإيمان، ولذلك رتّب عليه ما ترتب(٢).
والمراد بالعلم المأمور به ما هو في المرتبة العليا التي كأنَّ ما عداها من مَراتبٍ
العلم ليس بعلم، لكن لا للإشعار بانحطاط تلك المَراتب، بل بارتفاع هذه المَرْتبة،
ويُعلم من ذلك سرُّ إيرادِ كلمة الشكّ مع القطع بعدم الاستجابة، فإنَّ تنزيلَ سائر
المراتب منزلةَ العَدَم مستتبعٌ لتنزيل الجزم بعدمِ الاستجابة منزلةً الشكّ.
ويجوز أن يكون المأمورُ به الاستمرارَ على ما هم عليه من العلم، ومعنى
(مسلمون)): مُخلصون في الإسلام، أو ثابتون عليه، والكلام من باب التثبيت
والترقية إلى معارج اليقين، واختار تفسيرَ الآية بذلك الجُبائي وغيره، وذكر شيخُ
(١) شطر بيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص٣٦٨، وسلف ٣٦٨/٣.
(٢) في الأصل: ولذلك رتب ما رتب عليه.

سُودُ هُودٍ
٣٨٦
الآية : ١٥
الإسلام(١) أنه أنسب بما (٢) سلف من قوله تعالى: (وَضَآَبِقٌ بِهِهِ صَدْرُكَ) ولما سيأتي
إنْ شاء الله تعالى من قوله سبحانه: ﴿فَلَ تَكُ فِىِ مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ [الآية: ١٧] وأشد
[ارتباطاً] بما يعقبه، وقد يُؤْيَّد أيضاً بما أشرنا إليه.
لكن لا يخفى أنَّ الكلامَ على التفسير الأول موافقٌ لما قبله؛ لأنَّ ضميرَ الجمع
في الآية المتقدِّمة للكفار، والضميرُ في هذه ضميرُ الجمع، فليكن لهم أيضاً، ولأنَّ
الكفارَ أقربُ المذكورين، فرجوعُ الضمير إليهم أولى، ولأنَّ في التفسير الثاني
تأويلاتٍ لا يُحتاج إليها في الأول.
ومن هنا استظهره أبو حيان(٣) واستحسنه الزمخشري(٤)، ولعلَّ مُرجِّحاته أقوى
من مُرجِّحات الأخير عند مَن تأمَّل، فلذا قدَّمناه، وإن قيل: إذا جاءك التفسير عن
مجاهد فحسبُك.
ویکتب «فالم» في المصحف - على ما قال الأجهوري - بغير نون.
وقرأ زيدُ بن علي ﴿﴾: (نَزَّل)) بفتح النون والزاي وتشديدها (٥)، وفي ((البحر)):
أن ((ما)) يَحتمِلُ أن تكونَ مصدريةً، أي: أنَّ التنزيلَ، وأن تكون موصولةً بمعنى
الذي، أي: أنَّ الذي نَزَّله، وحذفُ العائد المنصوب في مثل ما ذكر شائعٌ، وفاعل
(نَزَّل)) ضميره تعالى، وجوز بعضهم كون ((ما)) موصولةً على قراءة الجمهور أيضاً،
ويبعدُ ذلك بحسب المعروف في مثله أنها موصولة، فافهم.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ أي: بأعماله الصالحة بحسب الظاهر ﴿اٌلْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا﴾
أي: ما يُزيِّنها ويُحسِّنها من الصحة والأمن وكثرةِ الأموال والأولاد والرِّياسة وغيرِ
ذلك. وإدخال ((كان)) للدلالة على الاستمرار، أي: مَن يريدُ ذلك بحيث لا يكاد
يُريد الآخرة أصلاً ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾ أي: نُوصل إليهم أجورَ أعمالهم في
الدنيا وافيةً، فالكلامُ على حذف مضاف.
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ١٩٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) في تفسير أبي السعود: لما.
(٣) البحر المحيط ٢٠٩/٥.
(٤) الكشاف ٢/ ٢٦٢.
(٥) ذكرها أبو حيان في البحر ٢٠٩/٥.

الآية : ١٥
٣٨٧
سُورَةٌ هُود
وقيل: الأعمالُ عبارةٌ عن الأجور مجازاً، وإليه يُشير كلامُ شيخ الإسلام(١)،
والأول أولى.
و(نُوَفِّ)) متضمنٌ معنى نُوصل، ولذا عُدِّي بـ ((إلى))، وإلا فهو مما يتعدَّى بنفسه،
وقيل : إنه مجاز عن ذلك.
وقرأ طلحةُ بن ميمون(٢): ((يُوَفِّ)) بالياء وإسنادِ الفعل إلى الله تعالى. وقرأ
زيدُ بن علي ﴾: ((يُؤْفِ)) بالياء مُخففاً مضارع أوفى(٣). وقرئ: ((تُوَفَّ)) بالتاء مبنيّاً
للمفعول ورفعٍ ((أعمالهم))، والفعل في كلِّ ذلك مجزوم على أنه جواب الشرط،
كما انجزم في قوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ﴾
[الشورى: ٢٠]. وحكى الفراء(٤) أنَّ ((كان)) زائدة، ولذا جزم الجواب، وتعقَّبه
أبو حيان(٥) بأنه لو كانت زائدةً لكان فعل الشرط ((يريد)» وكان يكون مجزوماً.
وأُجيب بأنه يحتمل أنه أراد بكونها زائدةً أنها غير لازمةٍ في المعنى.
وقرأ الحسن: (نُوفي)) بالتخفيف وإثباتِ الياء(٦)، وذلك إما على لغةٍ من يجزم
المنقوص بحذف الحركة المُقدَّرة كما في قوله:
ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنمي(٧)
أو على ما سُمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضياً من عدم جزمِ الجزاء،
وإما لأنَّ الأداةَ لمَّا لم تعمل في الشرط القريب ضَعُفَتْ عن العمل في لفظ الجزاء
البعيد فعملت في محله.
(١) هو أبو السعود في تفسيره ١٩٣/٤.
(٢) كذا في البحر المحيط ٢٠٩/٥ وعنه نقل المصنف، والصواب: طلحة وميمون. وطلحة هو
ابن مصرِّف وميمون هو ابن مهران. والتصويب من المحرر الوجيز ١٥٦/٣ وقد ذكرها ابن
خالويه في القراءات الشاذة ص٥٩ عن ميمون بن مهران.
(٣) البحر ٢٠٩/٥.
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٥.
(٥) في البحر المحيط ٢٠٩/٥-٢١٠.
(٦) القراءات الشاذة ص٥٩، والبحر المحيط ٢١٠/٥.
(٧) البيت لقيس بن زهير، وعجزه: بما لاقت لبون بني زياد. وهو في الكتاب ٣١٦/٣، وشرح
المفصل ٢٤/٨، والخزانة ٣٦١/٨.

سُودَةُ هُود!
٣٨٨
الآية : ١٦
ونُقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه أصلاً لضعفها. والمشهورُ فيه عن النحاة
مذهبان: كون الجزاء في نية التقديم. وكونه على تقدير الفاء والمبتدأ، ويُمكن أن
يُرَدَّ ذلك إلى هذا، وليس هذا مخصوصاً فيما إذا كان الشرط كان - على
الصحيح - لمجيئه في غيره كثيراً، ومنه:
وإنْ أتاه خليلٌ يوم مَسْغَبةٍ
يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (١)
﴿وَهُمْ فِيَهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾﴾ أي: لا يُنقَصون، والظاهر أن الضمير المجرور
للحياة الدنيا. وقيل: الأظهرُ أن يكون للأعمال؛ لئلا يكون تكراراً بلا فائدة. ورُدَّ
بأنَّ فائدتَه إفادتُه من أول الأمر أنَّ عدمَ البخس ليس إلا في الدنيا، فلو لم يُذكر
تُؤُهُّم أنه مطلق، على أنه يجوز(٢) أن يكون للتأكيد، ولا ضَرَرَ فيه.
وإنما عبَّر عن ذلك بالبخس الذي هو نقصُ الحقّ، ولذلك قال الراغب:
هو نقصُ الشيء على سبيل الظلم (٣)، مع أنه ليس لهم شائبةُ حقٌّ فيما أُوتوه،
كما عبّر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاءُ الحقوق مع أنَّ أعمالَهم بمعْزِل من
كونها مستوجبةً لذلك - كما قال بعضُ المُحقِّقين - بناءً للأمر على ظاهر الحال،
ومحافظةً على صور الأعمال، ومبالغةً في نَفْي النقص، كأنَّ ذلك نقصّ
لحقوقهم، فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلاً، لكن ينبغي أن
يُعلم أن هذا ليس على إطلاقه، بل الأمرُ دائرٌ على المشيئة الجارية على قضية
الحِكمة كما نَطَّق به قوله سبحانه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ، فِيهَا مَا نَشَآءُ
لِمَن تُرِيدٌ﴾ [الإسراء: ١٨].
وأخرج النحاس في ((ناسخه)) عن ابن عباس ﴿هَا أنَّ هذه الآيةَ نَسَخَت الآية
التي نحن فيها (٤)، وأنت تعلم أنه لا نَسْخَ في الأخبار، ولعلَّ هذا - إنْ صحَّ - محمولٌ
على المُسامحة.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار استمرارِهم على إرادة الحياة الدنيا، أو
(١) البيت لزهير بن أبي سلمى، وسلف ٤/ ١٢١.
(٢) في (م): لا يجوز.
(٣) مفردات الراغب (بخس).
(٤) الناسخ والمنسوخ (٦٢٥).

الآية : ١٦
٣٨٩
سُؤَلُ هُوَدّ
باعتبار توفيتهم أجورَهم فيها من غير بَخْس، أو باعتبارهما معاً، وما فيه من معنى
البُعد للإيذان بِيُعد منزلتهم في سوء الحال.
﴿الَّذِينَ لَيِّسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ لأنَّ هِممهم كانت مصروفةً إلى اقتناص
الدنيا، وأعمالَهم كانت ممدودةً ومقصورةً على تحصيلها؛ وقد ظَفِروا بما يترتَّب
على ذلك، ولم يُريدوا به شيئاً آخرَ، فلا جرمَ لم يكن لهم في الآخرة إلا النارُ
وعذابُها المُخلد.
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾ أي: في الآخرة كما هو الظاهر، فالجار متعلِّق
بـ ((حبط))، و((ما)) تحتمل المصدرية والموصولية، أي: ظهر في الآخرة حبوطُ
صُنعهم، أو: الذي صنعوه من الأعمال التي كانت تُؤدِّي إلى الثواب الأُخروي لو
كانت معمولةً للآخرة. ويجوز أن يعودَ الضميرُ إلى الدنيا، فيكون الجارّ متعلقاً
بـ (صنعوا)) و((ما)) على حالها.
والمرادُ بحبوط الأعمال عدمُ مجازاتهم عليها لِفَقْد الاعتدادِ بها لعدمِ الإخلاص
الذي هو شرطُ ذلك، وقيل: لجزائهم عليها في الدنيا.
﴿وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ قال أبو حيان(١): هو تأكيدٌ لقوله سبحانه:
(وَحَبِطَ) إلخ، والظاهر أنه حمل ((ما كانوا يعملون)) على معنى ((ما صنعوا))،
والبطلانَ على عدمِ النفع، وهو راجعٌ إلى معنى الحبوط.
ولما رأى بعضُهم أن التأسيسَ أولى من التأكيد أبقى ((ما يعملون)) على ذلك
المعنى، وحمل بطلانَ ذلك على فسادِه في نفسه لعدم شرطِ الصحة، وقال: كأنَّ
كلّ من الجملتين علةٌ لما قبلها على معنى: ليس لهم في الآخرةِ إلا النار، لحبوطِ
أعمالهم وعدم ترتُّب الثواب عليها لِبطلانها وكونها ليست على ما ينبغي.
والأَولى ما صنعه المولى أبو السعود عليه الرحمةُ (٢)، حيث حملَ البُطلانَ على
الفسادِ في نَفْسه، و((ما كانوا يعملون)) على أعمالهم في أثناء تحصيل المطالبٍ
الدنيوية، ثم قال: ولأَجْل أنَّ الأولَ من شأنه استتباعُ الثواب والأجر، وأنَّ عدمَه
(١) في البحر المحيط ٢١٠/٥.
(٢) في تفسيره ٤/ ١٩٤ .

سُؤَلُ هُود!
٣٩٠
الآية : ١٦
لعدم مقارنته للإيمان والنية الصحيحة، وأن الثاني ليس له جهةٌ صالحة قطّ، علّق
بالأول الحبوط المُؤذن بسقوط أَجْره بصيغة الفعل المُنبئ عن الحدوث، وبالثاني
البطلان المُفصح عن كونه بحيث لا طائلَ تحته أصلاً بالاسمية الدالّة على كون ذلك
وصفاً لازماً ثابتاً فيه. وفي زيادة ((كان)) في الثاني دون الأول إيماءٌ إلى أنَّ صدورَ
أعمال البرِّ منهم وإنْ كان لغرض فاسدٍ ليس في الاستمرار والدوام كصدورِ الأعمال
التي هي مُقدِّمات مطالبهم الدنيئة. انتهى.
ويَحتمِلُ عندي على بُعدٍ أنْ يُراد بـ ((ما كانوا يعملون)) هو ما استمرُّوا عليه من
إرادة الحياة الدنيا، وهو غير ما صنعوه من الأعمال التي نُسب إليها الحبوط،
وإطلاقُ مثل ذلك على الإرادة مما لا بأس به، لأنها من أعمال القلب، ووجهُ
الإتيان بـ ((كان)) فيه موافقتُه لما أشار هو إليه، وفي الجملة تصريحٌ باستمرار بطلان
تلك الإرادة، وشرح حالها بعد شرح المُريد وشرح أعماله أراد بها الحياة
الدنيا وزينتها .
وأيّاً ما كان فالظاهرُ أنَّ ((باطل)) خبرٌ مقدَّم و((ما كانوا)) هو المبتدأ، وجوز في
(البحر))(١) كون ((باطلٌ)) خبراً بعد خبر، و (ما)) مرتفعة به على الفاعلية.
وقرئ: ((وبَطَلَ)) بصيغة الفعل(٢)، أي: ظهر بُطلانُه حيث علم هناك أنَّ ذاك
وما يَسْتَتْبعه من الحظوظِ الدُّنيوية مما لا طائلَ تحته، أو انقطع أثرُه الدنيوي فبطلَ
مطلقاً .
وقرأ أُبيّ وابن مسعود: ((وباطلاً)) بالنصب، ونسب ذلك إلى عاصم(٣)، وخرجه
صاحب ((اللوامح)) على أن ((ما)) سيف خطيب و((باطل)) مفعول لـ ((يعملون))، وفيه
تقديمُ معمول ((كان))، وفيه - كتقديم الخبر - خلافٌ، والأصحُّ الجوازُ لظاهرٍ قوله
تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّكُرُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، ومَن مَنَعَ تَأوَّل.
(١) ٢١٠/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص٥٩ عن يحيى بن يعمر، ونسبها أبو حيان في البحر ٥/ ٢١٠ لزيد بن
علي.
(٣) القراءات الشاذة ص٥٩، والمحتسب ٣٢٠/١، وهي غير المشهورة عن عاصم، والقراءة
المشهورة عنه كقراءة الجمهور.

الآية : ١٦
٣٩١
سُوَلاَّ هُود!
وجُوِّز أن يكون منصوباً بـ ((يعملون)) و((ما)) إبهامية صفة له، أي: باطلاً أيَّ
باطل، ونظيرُ ذلك:
حديثٌ ما على قِصَرِه(١)
و: لأمرٍ ما جَدَعَ قصيرٌ أنفَه(٢).
وأنْ يكونَ مصدراً بوزن فاعل، وهو منصوب بفعل مقدَّر، و((ما)) اسم موصول
فاعلُه، أي: بطل بطلاناً الذي كانوا يعملونه، ونظيره خارجاً في قول الفرزدق:
لبَيْنَ رِتَاج قائماً ومَقام
ألم تَرَني عاهدتُ ربِّي وإنني
ولا خارجاً من فيَّ زورُ كلام(٣)
على حَلْفٍ لا أَشْتِمُ الدهرَ مسلماً
فإنه أراد: ولا يخرج مِن فيَّ زور كلام خروجاً، وفي ذلك على ما في
(البحر))(٤) إعمالُ المصدر الذي هو بدلٌ من الفعل في غير الاستفهام والأمر.
هذا، والظاهر أنَّ الآيةَ في مطلق الكَفَرة الذين يعملون البِرَّ لا على الوجه الذي
ينبغي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرُهما عن أنس رَّهِ أنها نزلَتْ في اليهود
والنصارى(٥). ولعل المراد - كما قال ابن عطية(٦) - أنهم سببُ النزول، فيدخلون
فيها، لا أنها خاصة بهم ولا يدخل فيها غيرُهم.
وقال الجبائي: هي في الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله وَّر، جعل الله
(١) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٢٧، وصدره:
وحديث الركب يوم هنا
(٢) من أمثال العرب، قالته الزَّبَّاء لما رأت قصيراً مجدوعاً. وهو في مجمع الأمثال ٢/ ١٩٦ .
(٣) ديوان الفرزدق ٢١٢/٢، والكامل ١٥٥/١، والخزانة ٤٦٣/٤، ورواية الديوان: قائم،
بدل: قائماً، وعلى قسم، بدل: على حلفة. وذكر المبرد أن الفرزدق قال هذا الشعر آخر
عمره وهو متعلق بأستار الكعبة. والرِّتاج: الباب العظيم، أو الباب المغلق. اللسان (رتج).
(٤) ٢١٠/٥.
(٥) تفسير الطبري ١٢/ ٣٥٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٠.
(٦) في المحرر الوجيز ١٥٦/٣.

سُوَلاَ هُود!
٣٩٢
الآية : ١٦
تعالى حظّهم من ذلك سهمهم في الغنائم. وفيه أن ذلك إنما كان بعد الهجرة والآية
مكية.
وقيل: في أهل الرِّياء؛ يقال لقارئ القرآن منهم: أردتَ أن يقال: فلانٌ
قارئ، فقد قيل، اذهَبْ فليس لك عندنا شيء، وهكذا لغيره من المتصدِّقِ
والمقتولِ في الجهاد وغيرهما ممن عَمِلَ من أعمال البِرِّ لا لوجهِ الله تعالى،
وربما يُؤيِّد ذلك ما رُوي عن معاوية ظُه حين حدَّثه أبو هريرة بما تضمن ذلك
فبكى، وقال: صدقَ اللهُ ورسولُهُ بِّهِ (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا) إلى قوله
سبحانه: (وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (١) وعليه فلا بدّ من تقييدٍ قوله عزَّ وجل: (لَيْسَ
لَمْ فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ) بأن ليس لهم بسببٍ أعمالهم الريائية إلا ذلك، وهو
خلافُ الظاهر، والسياقُ يقتضي أنها في الكفرة مطلقاً وبِرِّهم كما قلنا، ومن هنا
اشتَهر أنَّ الكافرَ يُعجَّل له ثوابُ أعماله في الدنيا بتوسعة الرزقِ وصحةِ البدن
وكثرةٍ الولد ونحو ذلك، وليس له(٢) في الآخرة من نصيب، لكن ذهبَ جماعةٌ
إلى أنه يُخفّف بها عنه من عذابِ الآخرة، ويشهد له قصةُ أبي طالب(٣)، وذهب
آخرون إلى أن ما يتوقَّف على النية من الأعمال لا ينتفع الكافر به في الآخرة
أصلاً لفقدان شرطهِ، إذْ لم يكن من أهلِ النية لِكُفره وما لا ينتفع به ويخفف به
عذابه، وبذلك يجمع بين الظواهر المُقتضي بعضُها للانتفاع في الجملة وبعضها
لعدمه أصلاً، فتدبّر.
ووجهُ ارتباطِ هذه الآية بما قبلها على ما في ((مجمع البيان))(٤) أنه سبحانه
لما قال: (فَهَلْ أَنْتُم مُسْلِمُونَ) فكأنَّ قائلاً قال: إنْ أظهرنا الإسلامَ لسلامة النفسِ
والمال يكون ماذا؟ فقيل: ((مَنْ كان يريدُ الحياةَ الدنيا)) إلخ. أو يقال: إنَّ فيما قبلُ
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٨٢)، وابن حبان (٤٠٨)، وفيهما أن الذي حدث معاوية به هو شُفيٍّ
الأصحبي، وهو سمعه من أبي هريرة ﴿ه، وأخرجه مسلم (١٩٠٥) دون ذكر قصة معاوية.
(٢) في (م): لهم.
(٣) يريد حديث العباس بن عبد المطلب وظبه حيث قال للنبي ويظهر: ما أغنيت عن عمك، فإنه
كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: ((هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك
الأسفل من النار)). أخرجه أحمد (١٧٦٨)، والبخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩).
(٤) ١٢ / ١٢٧ .

الآية : ١٦
٣٩٣
ما يتضمَّن إقناطَ الكَفَرة من أنْ يُجيرهم آلهتُهم من بأس الله عزَّ سلطانه كما تقدَّم،
وذكره بعضُ المُحقِّقين، فلا يبعدُ أن يكون سماعُهم ذلك سبباً لِعَزْمهم على إظهارِ
الإسلام، أو فعلٍ بعض الأعمال الصالحة ظناً منهم أن ذلك مما يُجيرهم وينفعهم،
فشرحَ لهم حُكْمَ مِثْلِ ذلك بقوله سبحانه: (مَن كَانَ يُرِيدُ) إلخ، لكن أنت تعلم أنَّ هذا
يحتاج إلى ادِّعاء أن ذلك العزمَ من باب الاحتياط.
وفي ((البحر)(١) في بيان المناسبة: أنه سبحانه لما ذكرَ شيئاً من أحوال الكُفَّار
في القرآن ذكرَ شيئاً من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة.
وأبو السعود(٢) بَيَّن ذلك على وجه يُقوِّي به ما اذَّعاه من أنسبيةٍ كون الخطاب
فيما سلف له عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، فقال: والذي يقتضيه جزالةُ النظم
الكريم أنَّ المرادَ مطلقُ الكفرة بحيث يندرجُ فيهم القادحون في القرآن العظيم
اندراجاً أولياً فإنه عز وجل لما أمر نبيَّهِ وَّهِ والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأنَّ
القرآن منزلٌ بعلم اللهِ سبحانه، وبأن لا قُدرة لغيره سبحانه على شيء أصلاً،
وهَيَّجهم على الثَّبات على الإسلام والرُّسوخ فيه عند ظهور عَجْزِ الكَفَرة وما يَدْعون
من دون الله تعالى عن المعارضة، وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلاً، اقتضى الحال
أن يتعرَّض لبعض شؤونهم المُوهمة لكونهم على شيء في الجملة من نَيْلهم الحظوظَ
العاجلة واستوائهم على المطالب الدنيوية، وبيان أن ذلك بمعزلٍ عن الدلالة عليه،
ولقد بيّن ذلك أيَّ بیان. انتهى.
ولا يخفى أنه يمكن أن يقرّر هذا على وجه لا يحتاج فيه إلى توسيط حديث
جعل الخطاب السابق له وَل﴿ والمؤمنين، فَلْيفهم.
واستدل في الأحكام بالآية على أنَّ ما سبيلُه أن لا يُفعل إلا على وجهِ القُربة
لا يجوز أخذ الأجرة عليه؛ لأن الأجرةَ من حظوظ الدنيا، فمن أخذَ عليه الأُجرةَ
خرج من أن يكون قربةً بمقتضى الكتاب والسنَّة، وادَّعى الكِيا أنها مثل قوله بَلهى:
(إنما الأعمالُ بالنيات))(٣) وتدلُّ على أنَّ من صام في رمضانَ لا عن رمضان لا يقع
(١) ٢٠٩/٥.
(٢) في تفسيره ١٩٤/٤ .
(٣) أخرجه أحمد (١٦٨)، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر

سُوَلاَ هُود!
٣٩٤
الآية : ١٧
عن رمضان، وعلى أن مَنْ توضأ للتبرُّد أو التنظّف لا يصح وضوؤه (١). وفي ذلك
خلافٌ مبسوطٌ بمالَه وعليه في محلِّه.
﴿َفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن زَّيِّهِ﴾ تدلُّ على الحقِّ والصواب فيما يأتيه ويَذَره،
ويدخل في ذلك الإسلام دخولاً أوليّاً، واقتصر عليه بعضُهم بناءً على أنه المناسبُ
لما بَعْدُ، وأصلُ البَيِّنة كما قيل: الدلالةُ الواضحة، عقليةً كانت أو محسوسةً،
وتُطلق على الدليل مطلقاً، وهاؤها للمبالغة، أو النقل، وهي وإنْ قيل: إنها مِن
بانَ، بمعنى تَبَيَّن واتَّضح، لكنه اعتُبر فيها دلالةُ الغير والبيان له، وأَخذها بعضُهم
من صيغة المبالغة.
والتنوين فيها هنا للتعظيم، أي: بيِّنة عظيمة الشأن، والمرادُ بها القرآن،
وباعتبارٍ ذلك أو البرهان ذكّر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه: ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أي:
يتبعه ﴿شَاهِدٌ﴾ عظيمٌ يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه، وهو - كما قال
الحسين بن الفضل - الإعجازُ في نَظْمه، ومعنى كون ذلك تابعاً له أنه وصفٌ له
لا ينفكُ عنه حتى يَرِثَ اللهُ تعالى الأرض ومن عليها، فلا يستطيع أحدٌ من الخَلْق
جيلاً بعد جيل معارضَته ولو كان بعضُهم لبعض ظهيراً.
وكذا الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ وهو متعلِّق بمحذوف وقع صفةً لـ ((شاهد)»، ومعنى
کونه منه أنه غیرُ خارجٍ عنه.
وجوّز أن يكون هذا الضميرُ راجعاً إلى الربِّ سبحانه، ومعنى كونه منه تعالى
أنه واردٌ من جهته سبحانه للشهادة، وعلى هذا يجوز أن يُرادَ بالشاهد المعجزات
الظاهرة على يدِ رسول الله وَّله؛ فإنها من الشواهد التابعة للقرآن الواردةِ من قِبَلهِ عزَّ
وجل، وأمرُ التبعية فيها ظاهر.
والمرادُ بالموصول كلُّ من اتَّصف بتلك الكينونة من المؤمنين.
وعن أبي العالية أنه النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يخفى أن قولَه سبحانه
الآتي: (أُوْلَكَ) إلخ لا يُلائمه، إلا أن يُحملَ على التعظيم، وأيضاً إنَّ
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإكليل
ص١٥٠.

الآية : ١٧
٣٩٥
سُؤَلُ هُود!
السياقَ - كما ستعلم إنْ شاء الله تعالى - للفرق بين الفريقين: المؤمنين ومَنْ يُريد
الحياة الدنيا، لا بينهم وبين النبيِّ ◌َّ.
وفسَّر بعضُهم البيِّنةَ بالدليل العقلي، والشاهد بالقرآن، وضمير ((منه)) لله
تعالى، و((من)) ابتدائية، أو للقرآن، فقد تقدَّم ذكره، و((من)) حينئذ إما بيانية،
وإما تبعيضية بناءً على أن القرآنَ ليس كلُّه شاهداً، وليس من التجريد على ما توهّم
الطيبي، فيكون في الآية إشارةٌ إلى الدليلين العقلي والسمعي، ومعنى كون الثاني
تابعاً للأول - على ما قيل -: أنه موافق له لا يُخالفه أصلاً، ومن هنا قالوا: إنَّ
النقل الصحيح لا يُخالف العقلَ الصريح، ولذا أَوَّلوا الدليلَ السمعيَّ إذا خالف
ظاهرُه الدليلَ العقلي، ولعلَّ في التعبير عن الأول بالبيِّنة التي جاء إطلاقُها في
كلام الشارع على شاهدين، وعن الثاني بالشاهد الإيماءَ إلى أنَّ الدليل العقليَّ
أقوى دلالةً من الدليل السمعي؛ لأنَّ دلالةَ الأول قطعيةٌ ودلالةَ الثاني ظنيةٌ غالباً؛
للاحتمالات الشهيرة التي لا يُمكن القطعُ معها، وقد يقال: إنَّ التعبير عن الثاني
بالشاهد لمكان التُّلُو.
وعن ابن عباس ومجاهد والنخعي والضحاك وعكرمة وأبي صالح وسعيد بن
مُجُبير: أن البيِّنةَ القرآن، والشاهدَ هو جبريلُ عليه السلام، و((يتلو)) من التلاوة
لا التُّلُو، وضمير (منه)) لله تعالى.
وفي رواية عن مجاهد أنَّ الشاهدَ مَلَكٌ يحفظُ القرآنَ، أي: يصونه(١)، ولیس
المرادُ الحفظَ المُتعارفَ؛ لأنه - كما قال ابنُ حجر - خاصٌّ بجبريل عليه السلام،
وضمير (منه)) كما في سابقه إلا أن ((يتلو)) من الُّلُوّ، والضمير المنصوب للبيِّنة،
وقيل: لمن كان عليها .
وعن الفراء (٢) أن الشاهد هو الإنجيل، ((ويتلوه)) وضمير ((منه)) على طرز ما رُوي
عن مجاهد سوى أن ضمير ((يتلوه)) للقرآن.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن الحنفية أنَّ الشاهدَ لسانُهُ وَّةِ، وقد ذكر أهلُ
(١) قوله: أي: يصونه، ليس في (م).
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٦.

سُوَلاَ هُودٍ
٣٩٦
الآية : ١٧
اللغة ذلك؛ وكذا المَلَك من معانيه(١)، و((يتلو)) حينئذ من التلاوة، والإسناد مجازي
ومفعوله للبيِّنة، وضمير ((منه)) للرسول وَّه بناءً على أنه المرادُ بالموصول، و((مِن))
تبعيضیة .
وقيل: الشاهدُ صورتُه عليه الصلاة والسلام ومَخايله؛ لأنَّ كلَّ عاقل يراه يعلم
أنه عليه الصلاة والسلام رسولُ الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: ما مِنْ
رجلٍ من قريش إلا نَزَلَ فيه طائفةٌ من القرآن، فقال له رجل: ما نَزَل فيك؟ قال:
أما تقرأُ سورةَ هود: (أَفَمَن كَانَ عَ بَيِّنَةٍ) الآية، مَنْ كان على بيِّنة مِن ربِّه
رسولُ اللهِ وَّرَ، وأنا شاهدٌ منه(٢). وأخرج المِنهال عن عُبادةَ بن عبد الله مثله(٣).
وأخرج ابنُ مردويه بوجه آخر عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: قال
رسولُ اللهِوَّهِ: ((أفمن كان على بيِّنة من ربِّه)) أنا ((ويتلوه شاهدٌ)) عليّ))(٤).
وأخرج الطبرسي(٥) نحوَ ذلك عن بعض أهل البيت ﴿م، وتعلَّق به بعضُ
الشيعة في أنَّ عليّاً كرَّم الله تعالى وجهه هو خليفةُ رسول الله وَّهِ؛ لأنَّ الله تعالى
سَمَّاه شاهداً كما سمَّى نبيَّه عليه الصلاة والسلام كذلك في قوله سبحانه: ﴿إِنّآ
أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] والمراد: شاهداً على الأمة،
كما يشهد له عطفُ ((مبشراً ونذيراً)) عليه، فينبغي أن يكون مقامُه كرَّم الله تعالى
وجهه بين الأُمة كمقامه عليه الصلاة والسلام بينهم، وحيث أخبر سبحانه أنه يتلوه،
أي: يعقبه ويكون بعدَه، دلَّ على أنه خليفتُه.
وأنت تعلم أن الخبرَ مما لا يكادُ يصح، وفيما سيأتي في الآية إنْ شاء الله
تعالى إباءٌ عنه، ويُكذبه ما أخرجه ابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ
(١) يعني من معاني الشاهد اللسان والمَلَك. حاشية الشهاب ٨٥/٥.
(٢) الدر المنثور ٣٢٤/٣.
(٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢١١/٥.
(٤) الدر المنثور ٣٢٤/٣، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٢٠١٥/٦. وقال ابن كثير عند تفسير
هذه الآية: هو ضعيف لا يثبت قائله.
(٥) مجمع البيان ١٣٠/١٢.

الآية : ١٧
٣٩٧
سُوَلاَ هُود
والطبراني في ((الأوسط)) عن محمد بن الحنفية وظ به قال: قلتُ لأبي كرَّم الله تعالى
وجهه: إنَّ الناسَ يزعُمون في قوله تعالى: (وَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ) أنكَ أنتَ التالي.
قال: وَدِدْتُ أني هو، ولكنه لسانُ محمد ◌ٍَّ(١). على أنَّ في تقرير الاستدلالِ
ضَعْفاً وركاكةً بلغتِ الغايةَ القُصوى كما لا يخفى على مَنْ له أدنى فِطنة.
ونقل أبو حيان(٢) أنَّ هذا الشاهدَ هو أبو بكر الصديق ظُه وفيه ما فيه.
وفي عطف ((يتلوه) احتمالان: الأول أن يكون على ما وقع صفةً لـ ((بَيِّنة))،
والثاني أن يكون على جملة ((كان)) ومرفوعها.
وقوله سبحانه: ﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى﴾ عطف على ((شاهد)» والضمير المجرور
له، وقد توسّط الجار والمجرور بينهما، والظاهر أنه متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من
الكتاب، أي: ((ويتلوه)) في التصديق ((كتابُ موسى)) مُنزلاً مِن قَبْله، وحاصِلُه:
((أفمن كان على بيِّنة من ربِّه)) ويشهد لِصدقه شاهدٌ منه وشاهدٌ آخرُ من قَبْله وهو
كتاب موسى. قيل: وإنما قدّم في الذكر المؤشّر في النزول لكونه وصفاً لازماً له
غيرَ مُفارق عنه، ولعراقته في وصف الثُّلُوّ، وهذا على تقدير أن يكون المرادُ
بالشاهد الإعجاز كما اختاره بعضُ المُحقِّقين. وقد يقال: إنَّ تأخيرَ بيانِ شهادة هذا
الشاهدِ عن بيان شهادةِ الشاهدِ الأولِ، لأنها ليست في الظّهور عند الأمة كشهادة
الأول، وهو جارٍ على غير ذلك التقدير أيضاً.
وتخصيصُ كتاب موسى عليه السلام بالذِّكر بناءً على عدم إرادة الإنجيل
فيما تقدَّم؛ لأن المِلَّتين مجتمعتان على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل، فإنَّ
اليهودَ مُخالفون فيه، فكان الاستشهاد بما تقوم به الحُجة على الفريقين أولى.
وأوجب بعضُهم كونَ ((ومِنْ قبله كتابُ موسى)) جملةً مبتدأةً غيرَ داخلة في حيِّز
شيء مما قبلها، وهو مبنيٌّ على كثير من الاحتمالات السابقة في الشاهد.
وقرأ محمدُ بن السائب الكلبي وغيره: ((كتابَ)) بالنصب(٣) على أنه معطوفٌ
(١) تفسير الطبري ٣٥٤/١٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٠١٤/٦، والمعجم الأوسط (٦٨٢٨).
(٢) في البحر المحيط ٢١١/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص٥٩، والكشاف ٢/ ٢٦٢.

سُوَاُ هُود
٣٩٨
الآية : ١٧
على مفعول ((يتلوه)) أو منصوبٌ بفعل مقدر، أي: ويتلو كتابَ موسى، والأولُ
أولى؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التقدير، و((يتلو)) في هذه القراءة من التلاوة، والضمير
المنصوب للقرآن والمجرور لـ ((مِن))، و((من)) تبعيضية لا تجريدية، والمعنى على
ما يقتضيه كلامُ ((الكشاف))(١): ((أفمن كان على بيِّنة)) على أنَّ القرآنَ حقٌّ لا مُفتَرى،
والمرادُ به أهلُ الكتاب ممن كان يعلم أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ على الحقّ وأنَّ كتابَه هو
الحقّ لِمَا كانوا وجدوه في التوراة، ويقرأ القرآنَ شاهدٌ من هؤلاء، ويقرأ مِن قَبْلٍ
القرآن كتابَ موسى، والمرادُ بهذا الشاهد ما أُريد به في قوله سبحانه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ
مِنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] وهو عبدُ الله بن سلام ظُبه، ففي الآية
مدُ أهل الكتاب وخصَّ من بينهم تالي الكتابَيْن وشاهدَهم بالذّكر دلالةً على مَزيد
فَضْله وتنبيهاً على أنهم مُشايعون في اتّباع الحقّ وإنْ لم يبلغوا رُتبةَ الشاهد، وفي
قوله تعالى: ((يتلوه)) استحضارٌ للحال ودلالةٌ على استمرار التلاوة، وهو - كما قيل - في
غاية التطابق للكلام.
﴿إِمَامًا﴾ أي: مؤتَمّاً به في الدين ومُقتَدى، وفي التعرُّض لهذا الوصف مع بيانِ
تلو الكتاب ما لا يخفى من تفخيم شأن المَتْلو، والتنوين فيه للتعظيم، وكذا في قوله
سبحانه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: نعمةً عظيمة على مَن أنزل إليهم ومَن بعدَهم إلى يوم
القيامة باعتبار أحكامه الباقيةِ المُؤيَّدة بالقرآن العظيم، وهما حالان من الكتاب.
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفة الحميدة، وهي الكونُ على بينة
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يُصدِّقون بالقرآن حقَّ التصديق حسبما يشهد به تلك الشواهد
الحقَّة المُعرِبة عن حَقّيته، ولا يُقِّدون أحداً من عظماءِ الدين؛ فالضميرُ للقرآن.
وقيل: إنه لكتاب موسى عليه السلام، لأنه أقربُ. ولا يُناسب ما بعدُ، وإنْ لم
يكُ خالياً عن الفائدة.
وقيل: إنه للنبي قلهو.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ولم يعتدَّ بتلك الشواهد الحَقَّةِ ولم يُصدِّق بها
﴿مِنَ الْأَخْزَابِ﴾ من أهل مكة ومَن تحَّب معهم على رسولِ اللهِ وَِّ، قاله بعضُهم.
(١) ٢/ ٢٦٢.

الآية : ١٧
٣٩٩
سُوَلاَّهُود!
وأخرج عبدُ الرزاق عن قتادة أنَّ الأحزابَ الكُفَّار مطلقاً؛ فإنهم تحزَّبوا على
الكُفر، ورَوى ذلك عن ابن جُبير(١).
وفي رواية أبي الشيخ عن قتادة أنهم اليهود والنصارى (٢).
وقال السدي: هم قریش.
وقال مقاتل: هم بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل أبي طلحة بن
عُبيد الله.
﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي: يَرِدُها لا مَحالةَ حسبما نطقَ به قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ لَمْ
فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ [هود: ١٦] وآياتٌ أُخَرُ. والموعدُ اسمُ مكان الوعد كما في
قول حسان :
أَورَدْتموها حِياضَ الموت ضاحيةً فالنارُ موعِدُها والموتُ لاقيها(٣)
وفي جَعْلِ النارِ موعداً إشعارٌ بأنَّ له فيها ما لا يُوصف من أفانين العذاب.
﴿فَلَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ أي: في شكٌّ من أمر القرآن وكونهِ من عند الله تعالى
غِبَّ (٤) ما شهدَتْ به الشواهدُ وظهرَ فضلُ مَنْ تمسّك به، أَو: لا تَكُ في شكٍّ من
كون النار موعدَهم. وادَّعى بعضُهم أنه الأظھرُ، وليس كذلك.
وأيّاً ما كان فالخطابُ إنْ كان عامّاً لمن يصلح له فالمرادُ التحريضُ على النظر
الصحيح المُزيل للشكّ، وإنْ كان للنبيِ وَّ فهو بيانٌ لأنه ليس محلّاً للشكّ،
تعريضاً بمن شكَّ فيه، ولا يلزم من نهيه عليه الصلاة والسلام عنه وقوعُه ولا توقُّعه
منه ێ .
وقرأ السُّلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السدوسي والحسن: ((مُرْية)) بضم
الميم(٥)، وهي لغة أسد وتميم، والكسر لغةُ أهل الحجاز.
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٠٣/١.
(٢) الدر المنثور ٣٢٥/٣.
(٣) ديوان حسان ص ٤٨٥، وفيه: والقتل، بدل: والموت.
(٤) قوله: غِبَّ، أي: بَعْدَ. المعجم الوسيط (غبب).
(٥) القراءات الشاذة ص٥٩.

سُؤَلُ هُودٍ
٤٠٠
الآية : ١٧
﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: الذي يُربِّيك في دينك ودنياك ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ بذلك إما لِقصور أنظارهم واختلالِ أفكارهم، وإما لاستكبارهم
وعِنادهم. و((الناس)) - على ما رُوي عن ابن عباس - أهلُ مكة، وقال صاحب
(الغنيان))(١): جميع الكفار.
هذا والهمزة في ((أفمن)) قيل: للتقرير و((من)) مبتدأ والخبر محذوف، أي: أفمن
كان كذا كمن يُريد الحياةَ الدنيا وزينتها، وحُذِفَ معادِلُ الهمزة، ومثلُه كثير، واختار
هذا أبو حيان(٢).
والذي يقتضيه كلامُ الزمخشري(٣) - ولعله الأولى - خلافه، حيث قال:
المعنى: أمَن كان يريد الحياةَ الدنيا كمن كان على بينة، أي: لا يعقبونهم
ولا يُقاربونهم في المنزلة، إلى آخر ما قال. وحاصله على ما في (الكشف)): أن
الفاء عاطفة للتعقيب، مُستدعيةٌ ما يعطفُ عليه، وهو الدالُّ عليه قولُه سبحانه: ((مَنْ
كان)) الآية، فالتقدير: أمَن كان يُريد الحياة الدنيا - على أنها موصولةٌ - فمن كان
على بيِّنة من ربِّه، والخبرُ محذوفٌ لدلالة الفاءِ، أي: يعقبونهم أو يَقْربونهم،
والاستفهام للإنكار، فيفيد أنْ لا تَقارب بين الفريقين فضلاً عن التماثل، فلذلك
صار أبلغَ من نحو قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقَا﴾ [السجدة: ١٨]
وأما أنها عطفٌ على قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا) فلا وجهَ له؛ لأنه يصيرُ
من عطف الجملة، ولا يدلُّ على إنكار التماثل، ولا معنى لتقدير الاستفهام في
الأول، فإنَّ الشرطَ والجزاءَ لا إنكارَ عليه. انتهى. وهو جارٍ على أحد مذهبين
للنحاة في مثله.
ويعلم مما تقرَّر أن الآيةَ مرتبطةٌ بقوله سبحانه: ((من كان)) إلخ، ومساقُها عند
(١) في الأصل و(م): الغينان، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وكتاب الغنيان في تفسير
القرآن لبشير بن حامد الزينبي التبريزي الشافعي شيخ الحرم، المتوفى سنة (٦٤٦ هـ). العقد
الثمين ٣٧١/٣. ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢١١/٥، وتحرف فيه إلى:
العتیان.
(٢) في البحر المحيط ٢١٠/٥.
(٣) في الكشاف ٢/ ٢٦٢.