Indexed OCR Text
Pages 261-280
الآية : ٨٩ ٢٦١ ابنُ جرير عن ابن جُرَيج مثلَه(١). وأخرج الترمذيُّ(٢) عن مجاهد أنَّ الدعوةَ أُجيبت بعد أربعينَ سنةً، ولم يذكر الزعم. ﴿وَلَا نَّعَآَنِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ بعادات الله تعالى في تعليق الأمور بالحكم والمصالح، أو سبيل الجهلةِ في عدم الوُثُوق بوعد الله سبحانه، والنهيُّ لا يقتضي صحَّةَ وقوع المنهيِّ عنه، فقد كثُر نھيُ الشخص عما يستحيلُ وقوعُه منه، ولعل الغرضَ منه هنا مجرَّدُ تأكيدِ أمرِ الوعد، وإفادة أنَّ في تأخير إنجازه حِكَماً إلهيةً. وعن ابن عامر أنَّه قرأ: ((ولا تَتَّبعانٍ)) بالنُّون الخفيفةِ المكسورة(٣) لالتقاء الساكنَين. ووَجَّه ذلك ابنُ الحاجب بأنَّ ((لا)) نافيةٌ والنونُ علامةُ الرفع، والجملةُ إمّا في موضع الحال من الضمير المرفوع في ((استقيما)»، كأنَّه قيل: استقيما غيرَ متَّبِعَينٍ، والجملةُ المضارعيَّة المنفيةُ بـ ((لا)) الواقعةُ حالاً يجوزُ اقترانُها بالواو وعدمُه، خلافاً لن زَعَم وجوبَ عدمِ الاقتران بالواو إلا أنْ يُقدَّر مبتدأ. وإمَّا معطوفةٌ على الجملة الطلبيَّة التي قبلها، وهي وإنْ كانت خبريةً لفظاً إلا أنَّها طلبيةٌ معنىً؛ لأنَّ المراد منها النهيُ كما في قوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُنَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] وهـ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] والنهيُّ المُخرَجُ بصورة الخبرِ أبلغُ من النهي المُخْرَجِ بصورته. ويجوزُ أنْ تعتبرَ الجملة مستأنفةً للإخبار بأنَّهما لا يتَبعانِ سبيلَ الجاهلين. ومن الناس مَن جَعَل ((لا)) في قراءة العامة نافيةً أيضاً وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ النفْيَ لا يُؤَّد على الصحيح. وقيل: ((لا)) ناهيةٌ، والنُّون نونُ التوكيد الخفيفةِ كُسِرَت لالتقاء الساكنين، وهو تخريجٌ لَيِّن، فإنَّ(٤) الكِسائيَّ وسيبويه لا يُجيزانه(٥)، لأنَّهما يمنعان وقوعَ الخفيفةِ بعد الألف سواء كانت ألف التثنية أو الألف الفاصلة بين نون الإناث ونون التوكيد، (١) تفسير الطبري ٢٧٣/٢. (٢) الحكيم، كما في الدر المنثور ٣١٥/٣، وعنه نقل المصنف. (٣) وهي رواية ابن ذكوان عن نافع. التيسير ص١٢٣، والنشر ٢٨٦/٢. (٤) في الأصل: لأن، والمثبت من (م) وهامش الأصل. (٥) الكتاب ٥١٩/٣، وذكره عنهما أبو حيان في البحر ١٨٨/٥، والشهاب في الحاشية ٥٦/٥، والكلام منه. سُوءَةُلُونَ ٢٦٢ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) نحو: هل تَضْرِبْنَانِ يا نسوة، وأيضاً النونُ الخفيفة إذا لقيها ساكنٌ لَزْمَ حذفُها عند الجمهور ولا يجوز تحریگھا، لکن یُونس والفرَّاء أجازا ذلك، وفيه عنهما روايتان: إبقاؤها ساكنةً لأنَّ الألفَ لخفَّتها بمنزلة الفتحة، وكَسرُها على أصل التقاء الساكنين، وعلى هذا يتمُّ ذاك التخريج. وقيل: إنَّ هذه النونَ هي نونُ التوكيد الثقيلة إلا أنَّها خُفِّفَت. وهو كما ترى. وعنه أيضاً: ((ولا تَتْبعانِ)) بتخفيف التاء الثانية وسكونها وبالنون المشدَّدة(١)، من تَبعَ الثلاثي . وأيضاً: ((ولا تتبعانْ)) وهي كالأُولَى إلا أنَّ النونَ ساكنةٌ(٢) على إحدى الروايتين عمَّن تقدَّم في تسكين النون الخفيفة بعد الألف على الأصل، واغتفارِ التقاء الساكنين إذا كان الأولُ ألفاً كما في ((محياي)). ثم اعلم أنَّه اشتهر في تعليل كَسرِ النون في قراءة العامة بأنَّه لالتقاء الساكنَين، وظاهرُه أنَّه بذلك زال التقاء الساكنَين، وليس كذلك؛ إذ الساكنان هما الألف والنونُ الأُولَى ولا شيءَ منهما بمتحرِّك، وإنَّما المتحرّك النونُ الثانية، ومِن هنا قال بعضُ محقِّقي النحاة: إنَّ أَصْلَ التحريك لِيتأتَّى الإدغامُ، وكونُه بالكسر تشبيهاً بنون التثنية، والتقاءُ الساكنَين - أعني: الألف والنون الأولى - غيرُ مضرٍّ لِمَا قالوا من جوازه إذا كان الأولُ حرفَ مدٍّ والثاني مُدغَماً في مثله، كما في: دابة، لارتفاع اللسان بهما معاً حينئذٍ، وقد حُقِّق ذلك في موضعه فليُراجَع هذا، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكُ أَفَأَنْتَ تُتْمِعُ الضُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أشار سبحانه إلى أنَّهم يستمعون لكنَّ حُكمهم حُكم الصمِّ(٣) في عدم (١) وهي رواية عن ابن ذكوان كما في السبعة ص ٣٢٩، والنشر ٢٨٦/٢. وفي البدور الزاهرة ص ١٥٠: ولكن هذا الوجه قال فيه الداني: إنه غلطٌ ممن رواه عن ابن ذكوان، فلا يقرأ به. اهـ. وقال الداني أيضاً في التيسير ص١٢٣: ولا خلاف في تشديد التاء. (٢) البحر ٧/ ١٨٧. (٣) في (م): الأصم. التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) ٢٦٣ سُوَلاَلُونِسَ الانتفاع، وذلك لعدم استعدادهم حقيقةً، أو حُكماً بأنْ كان ولكن حَجبَ نورَه رسوخُ الهيئات المظلمة؛ وكذا يُقال فيما بعدُ. ثم إنه تعالى دفع(١) ما يُتُوهَّم من أنَّ كونَهم في تلك الحالة ظلمٌ منه سبحانه لهم بقوله جلَّ شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ بسَلْبٍ حواسِّهم وعقولهم مثلاً ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ حيثُ طلب استعدادُهم الغير المجعول ذلك. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَن لَّْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النََّارِ﴾ لذهولهم بتكاثُّف ◌ُلماتِ المعاصي على قلوبهم ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيَِّهُمْ﴾ بحكم سابقَةِ الصحبة وداعيةِ الهوى اللازمةِ للجنسية الأصلية، وهذا التعارفُ قد يبقَى إذا اتّحدوا في الوجهة واتَّفقوا في المقصد، وقد لا يَبقى وذلك إذا اختلفَت الأهواءُ وتبايَنَت الآراءُ، فحينئذٍ تَتَفاوتُ الهيئاتُ المستفادَةُ من لواحقِ النشأة، فيقَعُ التناكرُ وعوارضُ العادة. ﴿قَدْ خَِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَدِّ اَللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ لِمَا يَنتفعون به. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ من جنسهم ليتَمَكَّنُوا من الاستفاضة منه ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ بإنجاء مَن اهتدى به وإثابته، وإهلاكِ مَن أَعرضَ عنه وتعذيبه لظهور أسبابٍ ذلك بوجوده ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فيُعامَلوا بخلافٍ ما يَستحقُّون. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ إنكارٌ للقيامة لاحتجابهم بما هم فيه من الكثافة ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ سلبٌ لاستقلاله بالتأثير (٢)، وبيانٌ لأنَّه لا يملكُ إلا ما أَذِنَ الله تعالى فيه، وهذا نوعٌ من توحيد الأفعال، وفيه إرشادٌ لهم بأنَّه لا يَملِكُ استعجالَ ما وعَدَهم به. ﴿يَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتَّكُمْ قَوْعِظَةٌ مِن ◌َّيَّكُمْ﴾ أي: تزكيةٌ لنفوسكم بالوعد والوعيد، والزَّجْرِ عن الذنوب المتسبِّةِ للعقاب، والتحريضِ على الطاعة الموجبةِ بفَضْلِ الله تعالى للثواب. ﴿وَشِفَآءُ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ﴾ أي: دواءٌ للقلوب من أمراضها التي هي أشدُّ من (١) في (م): رفع. (٢) في (م): في التأثير. '۔۔۔۔۔ سُوَالَلُونِسَ ٢٦٤ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) أمراضِ الأبدان، كالشكِّ والنِّفاق والحسد والحقد وأمثال ذلك، بتعليم الحقائقِ والحِكّمِ الموجبةِ لليقين والتصفية والتهبيء لتجلِيات الصفات الحقَّة. ﴿وَهُدَى﴾ لأرواحكم إلى الشهود الذاتي ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بإفاضةِ الكمالات اللائقة بكلِّ مقامٍ من المقامات الثلاثة بعدَ حصول الاستعداد في مقام النفس بالموعظة، ومقامٍ القلبٍ بالتَّصفية، ومقام الروح بالهداية للمؤمنين، بالتصديق أولاً ثم باليقينِ ثانياً ثمَ بالعيان ثالثاً . وذكر بعضُهم: الموعظةُ للمريدين، والشفاءُ للمحبِّين، والهدى للعارفين، والرحمةُ للمستأنسين، والكلُّ مؤمنون إلا أنَّ مراتبَ الإيمان متفاوتةٌ، والخطابُ في الآية لهم، وفيها إقامةُ الظاهر مقامَ المضمر. ويقال: إنَّه سبحانه بدأ بالموعظة لمريضٍ حُبِّه؛ لأنَّها معجونٌ لإسهال شهواتِهِ، فإذا تطهّرَ عن ذلك يَسقيه شرابَ ألطافه، فيكون ذلك شفاءً له مما به، فإذا شُفيَ يُغْذِّيه بهدايته إلى نفسه، فإذا كَمُل بصحبته يُطهِّرُه بمياه رحمته من وَسَخ المرض ودَرَنِ الامتحان. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَلَّهِ﴾ بتوفيقه للقبول في المقامات ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ بالمواهب الخَلْقِيَّة والعملية والكَشْفية فيها ﴿فَذَلِكَ فَلَيَفْرَحُواْ﴾ لا بالأمور الفانيةِ القليلةِ المقدارِ الدنيَّةِ القدرِ ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ من الخسائس والمحقَّرات. وفسَّر بعضُهم الفضلَ بانكشاف صباحِ الأزل لعيون أرواحِ المريدين، وزيادةٍ وُضوحه في لحظة حتى تَطلُعَ شموسُ الصَفَات وأقمارُ الذات، فيطيرون في أنوار ذلك بأجنحة الجذبات إلى حيث شاء الله تعالى، والرحمةَ بتَتَابٌع مواجيدِ الغيوب للقلوب بنعت التفريد بلا انقطاع، ومن هنا قال ضِرغامُ أَجَمةِ التصوُّف أبو بكر الشبلي قُدِّس سرُّه: وقتي سرمدٌ وبحري بلا شاطئ. وقيل: فضلُه الوصال، ورحمتُه الوقاية عن الانفصال. وقيل: فضلُه إلقاءُ نيرانِ المحبةِ في قلوب المريدين، ورحمتُه جَذْبُه أرواحَ المشتاقين. وقيل: فضلُه سبحانه على العارفين كشفُ الذات، وعلى المحبِّين كشفُ ٢٦٥ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) الصفات، وعلى المريدين كشفُ أنوار الآيات، ورحمتُه جلَّ شأنه على العارفين العنايةُ، وعلى المحبِّين الكفايةُ، وعلى المريدين الرعايةُ. وقال الجنيد: فَضْلُ الله تعالى في الابتداء ورحمتُه في الانتهاء. وهو مناسبٌ لما قلنا . وقال الكثَّاني(١): فضلُ الله تعالى النعمُ الظاهرةُ، ورحمتُه النعمُ الباطنةُ. وقيل غيرُ ذلك. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمِ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: أخبروني ما أنزل الله سبحانه من رزقٍ معنويٌّ كالمعارف الحقَّانيَّة وكالآداب الشرعية ﴿فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا﴾ كالقِسْم الأوَّل، حيث أَنكرتُموه على أهله ورميتموهم بالزندقة ﴿وَحَلًا﴾ كالقِسْم الثاني، حيث قبلتُموه ﴿قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في الحُكْم بالتحليل والتحريم ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَّفْتَرُونَ﴾ في ذلك. ثم إنَّه سبحانه أَوعَدَ المفترين بقوله عزَّ من قائلٍ: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ إلخ، ففي الآية إشارةٌ إلى سوء حالِ المنكرين على مَن تَحلَّى بالمعارف الإلهية، ولعلَّ منشأ ذلك زعمُهم انحصارَ العلم فيما عندهم، ولم يعلموا أنَّ وراء علومهم علوماً لا تُحصَى يمنُّ الله تعالى بها على مَن يشاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمَا﴾ [طه: ١١٤] إشارة إلى ذلك، فما أَوْلاهم بأن يقال لهم: ﴿وَمَا أُوْتِلْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ومِن العجيب أنَّهم إذا سمعوا شيئاً من أهل الله تعالى مخالفاً لما عليه مجتهدوهم ردُّوه وقالوا: زيغٌ وضلالٌ، واعتمدوا في ذلك على مجرَّد تلك المخالفة ظّاً منهم أنَّ الحقَّ منحصرٌ فيما جاء به أحدُ أولئك المجتهدين، مع أنَّ الاختلاف بينهم لم يزل قائماً (٢) على ساق. على أنَّه قد يقال لهم: ما يُدريكم أنَّ هذا القائلَ الذي سمعتُم منه ما سمعتم وأنكرتُموه أنَّه مجتهدٌ أيضاً كسائر مجتهدیكم؟ فإنْ قالوا: إنَّ للمجتهد شروطاً معلومةً، وهي غيرُ موجودةٍ فيه. (١) أبو بكر محمد بن علي بن جعفر البغدادي الكتاني، صحب الجنيد وغيره، وأقام بمكة مجاوراً بها، توفي سنة (٣٢٠هـ). سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٣٣، وشذرات الذهب ٤/ ١١٧ . (٢) في (م): مع أن الاختلاف لم يزل قائماً بينهم. سُوَلاثُونسى ٢٦٦ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) قلنا: هذه الشروطُ التي وُضعَت للمجتهد في دين الله تعالى، هل هي منقولةٌ عن رسول الله وَ﴾ صريحاً، أو وَضَعْتُموها (١) أنتم من تلقاء أنفسكم، أو وَضَعها (٢) المجتهدُ؟ فإنْ كانت منقولةً عن الرسول عليه الصلاة والسلام فأتوا بها واتلوها وصحِّحوا نقلها إنْ كنتُم صادقين، وهيهات ذلك، وإنْ كان الواضع لها أنتُم، وأنتُم أجهلُ مِن ابن يوم، فهي ردٌّ عليكم ولا حبّاً ولا كرامةً، على أنَّ في اعتبارها أخذاً بكلام مَن ليس مجتهداً، وأنتُم لا تجوِّزونه، وإنْ كان الواضع لها المجتهد فإثباتُ كونه مجتهداً متوقّفٌ على اعتبار تلك الشروط، واعتبار تلك الشروط متوقِّفٌ على إثبات كونه مجتهداً، وهل هذا إلا دورٌ؟ وهو محالٌ لو تعقلونه. وأيضاً لِمَ لا يجوز أنْ تكون تلك الشروط شروطاً للمجتهد النقلي، وهناك مجتهدٌ آخَرُ شرطه تصفيةُ النفس وتزكيتُها، وتخلُّقها بالخُلُق الربَّانيِّ، وتَهِيُّؤْها واستعدادُها لقبول العلم من الله تعالى؟ وأيُّ مانع من أنْ يخلُقَ الله تعالى العلمَ فيمَن صَفَتْ نفسُه وتهيَّأت بالفقر واللَّجَأ إلى الله تعالَى، وصَدَقَ عزمُه في الأخذ، ولم يتَّكل على حوله وقوته، كما يخلقه فيمَن استوفى شروط الاجتهاد عندكم فاجتهد وصَرَف فكره ونظره؟ والقولُ بأنَّه سبحانه إنَّما يخلُق العلم في هذا دونَ ذاك حَجْرٌ على الله تعالی وخروج عن الإنصاف کما لا يخفى. فلا ينبغي للمنصف العارف بأنَّ الفضلَ بيد الله يُؤتيه من يشاء من عباده إلا أنْ يُسلِّم لمن ظَهَرَت فيه آثارُ التصفية والتهييء وسطَعَت عليه أنوارُ التخلُّق بالخُلُق الربَّاني ما أتى به، ولو لم يأتِ به مجتهدٌ، ما لم يُخالف ما عُلِمَ مجيتُه من الدين بالضرورة، ويأبَى الله تعالى أنْ يأتي ذلك بمثل ما ذكر. لكنْ ذكر مولانا الإمامُ الربّانيُّ مجدِّد الألف الثاني قُدِّسَ سرُّه(٣) في بعض مكتوباته الفارسية: أنَّه لا يجوز تقليد أهلِ الكشف في كشفهم؛ لأنَّ الكشف لا يكونُ حجَّةً على الغير وملزماً له. (١) في (م): صنعتموها. (٢) في (م): صنعها. (٣) هو الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي، الفاروقي نسباً، وكلامه في كتابه المكتوبات ٤٣/١. التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) ٢٦٧ سُورَةُدُونِسَ وقد يقال: ليس في هذا أكثرُ من منع تقليد أهل الكشف، ومحلُّ النزاع الإنكارُ عليهم ورَمْيُهُم والعياذُ بالله تعالى بالزندقة، وليس في الكلام أَدنَى رائحةٍ منه كما لا يخفى. ﴿إِنَ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بصنفي العِلْمَين وإفاضتهما بعدَ تَهيئَةِ الاستعداد لقبولهما ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ ذلك ولا يعرفون قَدْرَه فيُمنَعون عن الزيادة. ﴿وَمَا تَكُنُ فِي شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيةٍ﴾ إخبارٌ منه تعالى بعظيم اطّلاعه سبحانه على الخواطر، وما يجري في الضمائر، فلا يخفَى عليه جلَّ شأنه خاطرٌ ولا ضميرٌ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. ثم أَخِبَرَ جلَّ وعلا عن سلطان إحاطتِهِ على كلِّ ذَرَّةٍ مِن العرش إلى ما تحت الثرى بقوله تبارك اسمه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىِ السَّمَاءِ﴾ أي: إنَّ علمه سبحانه محيطٌ بما في العالم السُّفليِّ والعُلْوِيِّ، فكلُّ ذرَّةٍ من ذراته داخلةٌ في حيطة عِلمه، كيف لا وكلُّها قائمةٌ به جلَّ شأنه، يَنظُرُ إلى كلٍّ في كلِّ آنٍ نَظَرَ الحفظِ والرعاية، ولولا ذلك لهلَكت الذرَّات واضمحلَّت سائرُ الموجودات. ﴿أَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اَللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ إذا لم يبقَ منهم بقيَّةٌ يخاف بسببها من حرمانٍ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لامتناع فواتِ شيءٍ من الكمالات واللَّذات منهم، ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الإيمان الحقيقيَّ ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ بقاياهم وظهورَ تُّوناتهم. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ بوجود الاستقامة والأخلاق المبشِّرَة بجنة النفوس ﴿وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ بظهور أنوارِ الصفاتِ والحقائق عليهم المبشِّرة بجنة القلوب. والظاهرُ أنَّ الموصول بيانٌ للأولياء، فالوليُّ هو المؤمنُ المتَّقي على الكمال، ولهم في تعريفه عباراتٌ شتَّى تقدَّم بعضُها . وفي ((الفتوحات)): هو الذي تولَّاه الله تعالى بنصرته في مقام مجاهدته الأعداءَ الأربعةَ: الهوى والنفسَ والشيطانَ والدنيا. وفيها تقسيمُ الأولياء إلى عدَّة أقسام منها: الأقطابُ، والأوتادُ، والأبدال، والنقباء، والنجباء، وقد ورَدَ ذلك مرفوعاً وموقوفاً من حديث عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس وحذيفة بن اليمان سُوٌ لٌ لُونَ ٢٦٨ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) وعبادة بن الصامت وابن عباس وعبد الله بن عمر وابن مسعود وعوف بن مالك ومعاذ بن جبل وواثلة بن الأسقع وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي الدرداء وأم سلمة ﴿، ومن مرسل الحسن وعطاء وبكر بن خنيس، ومن الآثار عن التابعين ومَن بعدهم ما لا يُحصَى. وقد ذكر ذلك الجلالُ السيوطيُّ في رسالةٍ مستقلةٍ له وشيَّد أركانه(١)، وأنكره - كما قدَّمنا - بعضُهم، والحقُّ مع المثبتين، وأنا - والحمد لله - منهم وإنْ كنتُ لم أُشيِّد قبلُ أركانَ ذلك. والأئمةُ(٢) والحواريُّون والرجبيُّون والختم والملامية والفقراء وسقيط الرفرف ابن ساقط العرش والأمناء والمحدَّثون(٣) إلى غير ذلك. (١) واسمها: الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال، وهي في كتاب الحاوي ٤١٧/٢، وقد خرَّج فيها السيوطي جميع ما ذكر. ولكن قال ابن القيم في المنار المنيف ص١٣٦ : أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة على رسول الله وَ طاهر، وأقرب ما فيها: ((لا تسبُّوا أهل الشام فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر»، ذكره أحمد، ولا يصح أيضاً فإنه منقطع. قلنا: وهو عند أحمد (٨٩٦) من حديث علي ◌ُّبه دون قوله: لا تسبوا أهل الشام. فإنه فيه من قول علي بنحوه. وأخرجه بنحوه أيضاً الطبراني في الكبير ١٨/ ٦٥ عن عوف بن مالك، وإسناده منقطع، وفيه أيضاً ضعيف ومتروك. وقال السيوطي في الرسالة نفسها في الحاوي ٤٣٥/٢: أخرج الشيخ نصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة بسنده عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: هل الله في الأرض أبدال؟ قال: نعم. قيل: من هم؟ قال: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال، فما أعرف لله أبدالاً . (٢) قوله: والأئمة ... إلخ، معطوف على قوله: الأقطاب ... إلخ. (٣) الحواريون: هم واحد في كل زمان، وكان في زمن رسول الله وَط و الزبير بن العوام معجم مصطلحات الصوفية لعبد المنعم الحفني ص٨٣. والرجبيُّون: هم أربعون، ولا يكون لهم هذا المقام إلا في شهر رجب، ويقع لهم فيه من الكشوف والتجليات والاطلاع على المغيبات. معجم مصطلحات الصوفية ص١١١ . والختم: هو الذي يجمع كل الصفات المتفرقة في النوع الذي يختمه، فهو الحد الذي لا يتخطَّ كماله أمرٌ من الأمور التي يختمها. المعجم الصوفي لسعاد الحكيم ص٣٧٣. والملامية وهي الملامتية: هم قوم طابت نفوسهم مع الله فلم يودُّوا أن يطلع على أعمالهم غيره، فإن رأى أحد منهم أن أحداً اعتقد فيه، خرَّب، أي: فعل ما يذمُّ به ظاهره. الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص٣١٧ . التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) ٢٦٩ سُ ل ◌ُونَ وعَدَّ الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه منهم الرسلَ والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والبيانُ الذي في الآية صادقٌ عليهم عليهم السلام على أتمِّ وجهٍ. ونُسِب إليه ◌َبه القولُ بتفضيل الوليِّ على النبيِّ والرسول، وخاض فيه كثيرٌ من المنكِرين حتى كفَّروه - وحاشاه - بسبب ذلك، وقد صرَّح في غير موضعٍ من (فتوحاته)) - وكذا من سائر تأليفاته - بما يُنافي هذا القولَ حسبما فهمَه المنكِرون. وقد ذَكر في كتاب ((القربة)) أنَّه ينبغي لمن سمع لفظةً من عارفٍ متحقِّقٍ مبهمةً، كأن يقول: الولايةُ هي النبوَّةُ الكبرى، أو الوليُّ العارف مرتبتُه فوق مرتبة الرسول، أنَّ يتحقَّق المرادَ منها، ولا يُبادرَ بالطعن. ثم ذَكَرَ في بيان ما ذكر ما نصُّه: اعلم أنَّه لا اعتبار للشخص من حيث ما هو إنسانٌ، فلا فضْلَ ولا شرَف في الجنس بالحكم الذاتي، وإنَّما يقعُ التفاضُلُ بالمراتب، فالأنبياء صلواتُ الله تعالى عليهم ما فَضُلوا الخلقَ إلا بها، فالنبيُّ ◌َّ له مرتبةُ الولاية والمعرفة والرسالة، ومرتبة الولاية والمعرفةِ دائمةُ الوجود، ومرتبةُ الرسالة منقطعةٌ، فإنَّها تنقطعُ بالتبليغ، والفضلُ للدائمِ الباقي، والوليُّ العارفُ مقيمٌ عنده سبحانه والرسولُ خارجٌ، وحالة الإقامة أعلى من حالة الخروج، فهو يَّر من حيثية كونه وليّاً وعارفاً أعلى وأشرفُ من حيثية كونه رسولاً، وهو ◌َّ الشخصُ بعينه واختلفَت مراتبه، لا أنَّ الوليَّ منَّا أرفعُ من الرسول نعوذ بالله تعالى من الخِذلان، فعلى هذا الحدِّ يقول تلك الكلمة أصحابُ الكشف والوجود، إذ لا اعتبارَ عندنا إلا للمقامات، ولا نتكلّم إلا فيها لا في الأشخاص، فإنَّ الكلام في = والفقراء: الفقير نعتُه السكون عند العدم، والبذل والإيثار عند الوجود، وسمي الصوفية فقراء لتخليهم عن الأملاك، وحقيقته أن لا يستغني العبد إلا بالله. معجم مصطلحات الصوفية ص٢٠٧ . وسقيط الرفرف ابن ساقط العرش: حاله لا يتعدَّاه، شُغلُه بنفسه وبربِّه، كبير الشأن عظيم الحال، رؤيته مؤثّرةٌ في حالٍ مَن يراه، فيه انكسار. الفتوحات المكية ١٤/٢ . والأمناء: هم الملامتية. معجم مصطلحات الصوفية ص٢٥ . والمحدثون: وهم صنفان: صنف يحدثه الحقُّ من خلف حجاب، وصنف تحدثهم الأرواح الملكية في قلوبهم، وأحياناً في آذانهم، ومنهم عمر بن الخطاب ظُه. الفتوحات المكية ٢١/٢. سُۈلُ دُونِسَ ٢٧٠ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) الأشخاص قد يكونُ بعضَ الأوقات غيبةً، والكلامُ على المقامات والأحوال من صفات الرجال، ولنا في كلِّ حظٌ شِرْبٌ معلومٌ ورزقٌ مقسومٌ. انتهى. وهو صريحٌ في أنَّه قُدِّس سرُّه لا يقول هو ولا غيرُه من الطائفة بأنَّ الوليَّ أفضلُ من النبيِّ حسبما يُنْسَب إليه، وقد نَقَل الشعرانيُّ عنه أنَّه قال: فُتح لي قَدْرُ خرم إبرةٍ من مقام النبوَّةِ تجلِّاً لا دخولاً فكِدْتُ أَحترقُ. فينبغي تأويلُ جميعِ ما يُوهُمُ القولَ بذلك، كإخباره في كتابه ((التجلِّيات)» وغيرِه باجتماعه ببعض الأنبياءِ عليهم السلام، وإفادتِه لهم مِن العلم ما ليس عندهم. وكقول الشيخ عبد القادر الجيلي قُدِّس سرُّه - وقد تقدم -: يا معاشر الأنبياء أُوتيتم الألقاب وأُوتينا ما لم تُؤْتَوْه(١). إلى غير ذلك، فإنَّ اعتقاد أفضليةٍ وليٍّ من الأولياء على نبيٍّ من الأنبياء كفرٌ عظيمٌ وضلالٌ بعيدٌ. ولو ساغَ تفضيل وليٍّ على نبيِّ لفُضِّل الصديقُ الأكبرُ ظُه على أحدٍ من الأنبياء؛ لأنَّه أرفعُ الأولياء قَدْراً كما ذهب إليه أهلُ السنَّة، ونصَّ عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في كتاب ((القُربة)) أيضاً، مع أنَّه لم يُفضَّل كذلك بل فُضِّل على مَن عداهم كما نَطَق به: ((ما طلَعَت الشمسُ ولا غَرَبَت على أحدٍ بعد النبيين أفضلَ مِن أبي بكرٍ الصديق)»(٢) فمتى لم يفضَّل الصدِّيقُ، وهو الذي وَقَر في صدره ما وَقَر، ونال من الكمال ما لا يُحصَر، فكيف يُفضَّل غيرُه؟ . وفضَّل كثيرٌ من الشيعة عليّاً كرم الله تعالى وجهه، وكذا أولادَه الأئمةَ (١) سلف ٣/ ٤٣٣. (٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٣٥) و(١٣٧)، وأبو نعيم في الحلية ٣٢٥/٣، والخطيب في تاريخ بغداد ٤٣٨/١٢ من طرق عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، عن النبي ◌َّه. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٣٠٦)، وابن الجوزي في العلل (٢٩٨) من طريق إسماعيل بن يحيى التميمي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ◌َّه. قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: إسماعيل ضعيف، وغيره يرويه عن عطاء عن أبي الدرداء، والحديث غير ثابت. وينظر العلل لابن أبي حاتم ٣٨٤/٢. وأخرج البخاري (٣٦٧١) عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أيُّ الناس خير بعد رسول الله وَلَوَ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم مَن؟ قال: عمر. ٢٧١ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) الطاهرين ﴿ أجمعين على كثيرٍ من الأنبياء والمرسلين من أولي العزم وغيرهم، ولا مستندَ لهم في ذلك إلا أخبارٌ كاذبةٌ وأفكارٌ غيرُ صائبة. وبالجملة متى رأينا الشخصَ مؤمناً مثَّقياً حكمنا عليه بالولاية نظراً لظاهر الحال، ووجَبَ علينا معاملتُه بما هو أهله من التوقير والاحترام غيرَ غالين فيه بتفضيله على رسولٍ أو نبيٍّ أو نحو ذلك مما عليه العوامُّ اليوم في معاملة مَن يعتقدونه وليّاً، التي هي أشبه شيء بمعاملة المشركين مَن يعتقدونه إلهاً، نسألُ الله تعالى العفْوَ والعافية. ولا يُشتَرَط فيه صدورُ كرامةٍ على يده كما يُشتَرَطُ في الرسول صدورُ معجزةٍ، ويَكفيه الاستقامةُ كرامةً، كما يدُلُّ عليه ما اشتهر عن أبي يزيد قُدِّس سرُّه، بل الوليُّ الكامل لا التفاتَ له إليها، ولا يَوَدُّ صدورَها على يده إلا إذا تضمَّنَت مصلحةً للمسلمين خاصّةً أو عامةً. وفي ((الجواهر والدُّرر)) للشعراني: سمعتُ شيخنا يقولُ: إذا زَلَّ الوليُّ ولم يرجع لوقته عُوقب بالحجاب، وهو أنْ يُحَبَّبَ إليه إظهارُ خَرْقِ العوائد المسمّاة على (١) لسان العامة كرامات، فيظهر بها ويقول: لو كنتُ مُؤاخَذاً بهذه الزلَّة لَقُبِضَ عنّي التصريفُ. وغابَ عنه أنَّ ذلك استدراجٌ، بل ولو سَلِمَ من الزلة فالواجبُ خوفُه من المكر والاستدراج. وقال بعضُهم: الكرامةُ حيضُ الرجال، ومَن اغترَّ بالكرامات بالکری مات. وأضرُّ الكرامات للولي ما أَوجَبَ الشهرةَ، فإنَّ الشهرةَ آفةٌ، وقد نُقِل عن الخوَّاصِ: أنَّها تُنْقِصُ مرتبة الكمال، وأيَّد ذلك بالأثر المشهور: خُصَّ بالبلاء مَن عرفه الناس. نعم ذكر في ((أسرار القرآن))(٢) أنَّ الولايةَ لا تتمُّ إلا بأربع مقامات: الأول: مقامُ المحبَّة، والثاني: مقامُ الشَّوق، والثالثُ: مقامُ العشق، والرابعُ: مقامُ (١) في (م): في. (٢) لعله كتاب: عجيب البيان في أسرار القرآن للشيخ عبد الباسط بن رستم القنوجي المتوفى سنة (١٢٢٣هـ). أبجد العلوم ٣/ ١٦١. مُ لٌ لُونِسَ ٢٧٢ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) المعرفة، ولا تكون المحبَّةُ إلا بكَشْف الجمال، ولا يكونُ الشوقُ إلا باستنشاق نَسيم الوصال، ولا يكونُ العشقُ إلا بدنوِ الأنوار، ولا تكونُ المعرفةُ إلا بالصحبة، وتَتَحقَّق الصحبةُ بكشف الألوهية مع ظهور أنوارِ الصفات. ولِحصُول ذلك آثارٌ وعلاماتٌ مذكورةٌ فیه فليُراجعْه مَن أرادها . والكلامُ في هذا المقام كثيرٌ، وكُتُب القوم ملأى منه، وفي (١) ما ذكرناه كفايةٌ لغرضنا. وأحسنُ ما يُعتَمَد عليه في معرفة الوليِّ اتِّباعُ الشريعة الغرَّاء، وسلوكُ المحجَّة البيضاء، فمن خَرَج عنها قيدَ شبرٍ بَعُدَ عن الولاية بمراحلَ، فلا ينبغي أنْ يُطلَق عليه اسمُ الوليِّ ولو أتى بألفِ ألفِ خارقٍ، فالوليُّ الشرعيُّ اليومَ أعزُّ من الكبريت الأحمر، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله : أمّا الخيامُ فإنَّها كخيامهم وأَرَى نساءَ الحيِّ غيرَ نسائها(٢) ﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ أي: لِمَا سبق لهم في الأزل من حُسن العنايةِ، أو لا تبديلَ لحقائقه سبحانه الواردةِ عليهم، وأسمائه تعالى المنكَشِفَةِ لهم، وأحكامِ تجلِّاته جلَّ وعلا النازلةِ بهم، أو لا تبديلَ لِفِطَرِهم التي فَطَرَهم عليها، ويقال لكلِّ محدَّثٍ: كلمة؛ لأنَّه أَثَرُ الكلمة. ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي: لا تتأثَّر به ﴿إِنَّ الْمِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً﴾ لا يملك أحدٌ سواه منها شيئاً، فسَيَكفِيكَهم الله تعالى ويَقهرُهم و﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿اٌلْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي أنْ يفعلَ بهم. ﴿َلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِّ﴾ أي: إنَّ كلَّ مَن في ذلك تحت مُلكه سبحانه وتصرُّفه وقَهْرِه، لا يقدرون على شيءٍ مِن غير إذنه، فهو كالتأكيد لِمَا أفادته الآيةُ السابقةُ، أو أنَّ مَن فيها من الملائكة والثقلَين الذين هم أشرفُ الممكنات عبيدٌ له سبحانه، لا يصلُح أحدٌ منهم للربوبية، فما لا يَعْقِلُ أحقُّ بأنْ لا يصلُح لذلك، فهو كالدليل على قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ شُرَكَآءً إن يَتَِّعُونَ﴾ إلا ما يتوهّمونه ويتخيَّلونه شريكاً ولا شركةً له في الحقيقة. (١) قوله: في، ليس في (م). (٢) البيت لعلي بن أحمد الفالي، كما في معجم الأدباء ٢٢٧/١٢، وسلف ٢٣٢/١. سُوَلُ كُونَ} ٢٧٣ التفسير الإشاري (٤٢-٨٩) ﴿هُوَ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ إشارةٌ إلى سكون العشّاق والمشتاقين في الليل إذا مدَّ أطنابه ونَشَر جلبابه، ومَيلِهم إلى مناجاة محبوبهم، وانجذابهم إلى مشاهدة مطلوبهم، وتلذَّذِهم بما يَرِدُ عليهم من الواردات الإلهية، واستغراقهم بأنواع التجلِّيات الربّانية، ومن هنا قال بعضُهم: لولا الليل لما أحببتُ البقاء في الدنيا، وهذه حالةُ عُشَّاقِ الحضرة، وهم العشّاقُ الحقيقيُّون نفعنا الله تعالى بهم، وأنشدَ بعضُ المجازيين: ويَجمعني بالليل والهمَّ جامعُ أُقضِّي نهاري بالحديث وبالمُنَی ليَ الليلُ هزَّتْني إليك المضاجعُ(١) نهاري نهارُ الناس حتى إذا بَدَا ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: أَلْبَسَهُ سِرْبالَ أَنوار القُدرةِ لتقضوا فيه (٢) حاجاتِكم الضرورية. وقيل: الإشارةُ بذلك إلى ليلِ الجسم ونهارِ الروح، أي: جعَلَ لكم ليلَ الجسم لتسكنوا فيه، ونهار الروح لتبصروا به حقائق الأشياء وما تهتدون به. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْرٍ يَسْمَعُونَ﴾ كلامَ الله تعالى، فيُقيمون بَواطِنَه وحُدُودَه، ويطلعون به على صفاته وأسمائه سبحانه. ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدْأ﴾ أي: معلولاً يُجانسه ﴿سُبْحَنَةٌ﴾ أي: أُنزِّهُه جلَّ وعلا من ذلك ﴿هُوَ الْغَنُِّّ﴾ الذي وجودُه بذاته، وبه وجودُ كلِّ شيءٍ، وذلك يُنافي الغنَى، وأَّد غناه جلَّ شأنه بقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ﴾ إلخ. وقولُه سبحانه: ﴿وَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوجِ﴾ إلخ أَمْرٌ لَه ◌َّ بَأنْ يَتْلَو عليهم نبأ نوحِ عليه السلام في صحّة توكّله على الله تعالى، ونظرِه إلى قومه وشركائهم بعين الغِنَى، وعدم المبالاة بهم وبمكايدهم، ليعتبروا به حاله عليه الصلاة والسلام، فإنَّ الأنبياء عليهم السلام في ملَّة التوحيد والقيام بِالله تعالى وعدم الالتفات إلى الخلق سواءٌ. أو أمرٌ له وَله بأنْ يتلوَ نبأ نوحٍ مع قومه ليتَّعظَ قومُه ويَنزَجُرُوا عمَّا هم عليه مما يُقضي إلى إهلاكهم. (١) البيتان لمجنون ليلى، وهما في ديوانه ص ١٨٥. (٢) في (م): فيها . سُؤَ لا تونس ٢٧٤ الآية : ٩٠ ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوّمَ إِن كُمْ ءَامَنُمْ بِلَّهِ﴾ أي: إيماناً حقيقياً ﴿فَعَلَّهِ تَوَّلُواْ إِن كُ مُسْلِمِينَ﴾ أي: مُنقادِين، أي: إنْ صحَّ إيمانُكم يقيناً فعليه توَّلُوا بشرطِ أنْ لا يكونَ لكم فعلٌ، ولا تَرَوا لأنفسكم ولا لغيركم قوةً ولا تأثيراً، بل تكونون(١) منقادين كالميت بين يدي مُغَسِّله، فإنَّ شَرْط صحَّة التوكُّل فناءُ بقايا الأفعال والقوى. ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتِ ذَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمًا﴾ أي: على ما أنتما عليه من الدعوة شكراً لتلك الإجابة، وقيل: أي: استقيما على معرفَتِكُمَا مقامَ السؤال، وهو مقامُ الرضوان والبسط، ليُستجابَ لكما بعدُ إذا دعوتُما، فإنَّ مَن لم يعرف مقامَ السؤال قد يُوقعُه في غير مقامه، فيُسيءُ الأدبَ فلا يُستجاب له. وقيل: إنَّ هذا عتابٌ لهما عليهما السلام أي: قد أُجيبَت دعوتُكما لضعفِكُما عن تحمُّل واردِ امتحاني، فاستقيما بعد ذلك على تحمُّل بلائي والصبر فيه، فإنَّه اللائقُ بشأنكما. وقد قيل: المعرفةُ تقتضي الرضا بالقضاء والسكونَ في البلاء. وقيل: أي: استقيما في دعائكما، والاستقامةُ في الدعاء على ما قال ذو النون المصريُّ: أنْ لا يَغْضَبَ الداعي لتأخير الإجابة، ولا يَسألَ سؤالَ خصوصٍ. نسألُ الله تعالى أنْ يُوفِّقَنا لما يُحبُّ ویَرضی. ﴿وَجَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ الْبَحْرَ﴾ مِن جَاوَزَ المكان: إذا قَطَعه وتَخَطَّاه، وهو متعدٍّ إلى المفعول الأول الذي كان فاعلاً في الأصل بالباء، وإلى الثاني بنفسه، والمعنَى: جعلناهم مُجاوزين البحرَ، بأنْ جعلناه يَبَساً، وحفظناهم حتى بلغوا الشَّطّ. وقرأ الحسنُ: ((وجَوَّزْنا)) بالتضعيف(٢)، وفعَّل بمعنى فَاعَل، فهو من التجويز المرادف للمجاوزة بالمعنى السابق، وليس بمعنى نفذ(٣)؛ لأنَّه لا يحتاج إلى التعدية بالباء، ويتعدَّى إلى المفعول الثاني بفي، كما في قوله: (١) في (م): تكونوا. (٢) القراءات الشاذة ص٥٨، والبحر ١٨٨/٥. (٣) كذا في الأصل و(م): ولعل الصواب: أنفذ، كما في حاشية الشهاب ٥٧/٥، ومعجم متن اللغة (جوز). الآية : ٩٠ ٢٧٥ سُوَ لا تُونِسَ ولا بدَّ مِن جارٍ يُجيزُ سَبيلَها كما جَوَّزِ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ(١) فكان الواجب هنا من حيث اللغةُ أنْ يقال: وجوَّزنا بني إسرائيل [في](٢) البحر، أي: نفذناهم وأدخلناهم فيه. وفي الآية إشارةٌ إلى انفصالهم عن البحر، وإلى مقارنة العناية الإلهية لهم عند الجَوَاز، كما هو المشهور في الفَرْق بين أَذهَبَه وذَهَبَ به. ﴿فَأَنْبَعَهُمْ﴾ قال الراغبُ: يقال: تَبِعَه وأَتْبَعَه، إذا قَفَا أَثَرَه إمَّا بالجسم أو بالارْتِسام والائتمار، وظاهره أنَّ الفعلَين بمعنّى(٣). وقال بعضُ المحققين: يقال: تَبِعْتُه حتى أَتْبَعْتُه، إذا كان سَبَقَك فَلَحِقْتَه، فالمعنى هنا: أَدْرَكَهُم ولَحِقهم ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ حتى تراءت الفئتان وکاد یجتمعُ الجمعان ﴿بَغْيًا وَعَدْوًّا﴾ أي: ظلماً واعتداءً، وهما مصدران منصوبان على الحال بتأويلِ اسمِ الفاعل، أي: باغينَ وعادينَ، أو على المفعولية لأَجْلِه، أي: للبغي والعدوان. وقرأ الحسنُ: ((وعُدُوّا)) بضم العين والدال وتشديد الواو(٤). وذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى لمَّا أَخبَرَ موسى وهارونَ عليهما السلام بإجابة دعوتهما أَمَرَ موسى عليه السلام بإخراج بني إسرائيل من مصر ليلاً، وكانوا كما ذكره غيرُ واحدٍ ستَّ مئة ألفٍ، فخرج بهم على حين غفلةٍ من فرعون وملئه، فلما أحسَّ بذلك خرج هو وجنوده على أثرهم مُسرعين، فالتفت القومُ فإذا الطامَّةُ الكبرى وراءهم، فقالوا: يا موسى، هذا فرعونُ وجنودُه وراءنا وهذا البحر أمامنا، فكيف الخلاصُ؟! فأوحَى الله تعالى إلى موسى أنِ اضْرب بعصاك البحر، فضَرَبَه فانفلَق اثني عشر فِرْقاً، كلُّ فِرْقٍ كالطّود العظيم، وصار لكلِّ سبطٍ طريقٌ، فسلكوا، ووَصَل (١) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٢٠. السكي: المسمار. والفيتق: النجار. اللسان (سكك) و(فتق). (٢) ما بين حاصرتين من الكشاف ٢/ ٢٥١، وتفسير أبي السعود ١٧٢/٤، والكلام فيهما بنحوه. (٣) ينظر مفردات الراغب (تبع)، وقد زاد النحاس إليهما اتّبع، فقال في إعراب القرآن ٢/ ٤٧٠ : والحقُّ أن تبع وأتبع واتَّبع لغات بمعنى واحد، وهي بمعنى السير. (٤) القراءات الشاذة ص٥٨، والبحر ١٨٨/٥. سُؤَلُ كُونَ ٢٧٦ الآية : ٩٠ فرعونُ ومَن معه إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر، ومسلَكُهم باقٍ على حاله، فسلَكَه بمَن معه أجمعين، فلمَّا دخل آخرُهم وَهَمَّ أوَّلُهم بالخروجِ غَشِيَهم من اليمِّ ما غَشِیھم. ﴿حَقَّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أي: لحِقَه، والمرادُ بلحوقه إياه وقوعُه فيه وتلبُّسُه باوائله. وقيل: معنى أَدرَكَه: قارَبَ إدراكه، كـ: جاء الشتاء فتأهَّب؛ لأنَّ حقيقةً اللُّحوق تَمنَعُه من القول الذي قصَّه سبحانه بقوله جلَّ شأنه: ﴿قَالَ ءَامَنتُ﴾ إلخ. ومن الناس مَن أَبقَى الإدراك على ظاهره، وحَمَل القولَ على النفسي، وزَعَم أنَّ الآيةَ دليلٌ على ثبوت الكلامِ النفسيِّ. ونُظِرَ فيه بأنَّ قيامَ الاحتمال يُبطل صحّة الاستدلال. وأيّاً ما كان فليس المرادُ الإخبارَ بإيمانٍ سابقٍ كما قيل، بل إنشاء إيمان. ﴿أَنَّهُ، لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ﴾ أي بأنَّه، وقُدِّر الجارُّ لأنَّ الإيمان وكذا الكُفر متعدٍّ بالباء، ومحلُّ مدخوله بعد حذفه الجرُّ أو النصبُ، فيه خلافٌ شهير، وجَعْلُه متعدِّياً بنفسه فلا تقدير لأنَّه في أصل وَضْعِه كذلك مخالفةٌ للاستعمال المشهور فيه. وقرأ حمزة والكِسائي: ((إنَّه)) بالكسر (١) على إضمار القول، أي: وقال إنَّه، أو على الاستئناف لبيان إيمانه، أو الإبدال من جملة «آمنتُ))، والجملةُ الاسميةُ يجوزُ إيدالُها من الفعلية، والاستئنافُ على البدلية باعتبار المحكيّ لا الحكاية؛ لأنَّ الكلامَ في الأول، والجملةُ الأولى في كلامه مستأنَفةٌ والمبدَل من المستأنَف مستأنفٌ. والضمير للشأن، وعبَّر عنه تعالى بالموصول وجَعَل صلَتَه إيمانَ بني إسرائيل به تعالى، ولم يقل كما قال السحرة: ﴿وَمَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ -١٢٢] للإشعار برجوعه عن الاستعصاء، واتِّباعِه لمن كان يَستَتبعهم، طمعاً في القبول والانتظامِ معهم في سلك النجاة. (١) التيسير ص١٢٣، والنشر ٢٨٧/٢، وهي قراءة خلف أيضاً. الآية : ٩١ ٢٧٧ سُوَُّ كُونُسَ أي: الذين أسلموا نفوسَهم لله تعالى، أي: جعلوها ﴿وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٩٠ خالصةً سالمةً له سبحانه، وأرادَ بهم إمَّا بني إسرائيلَ خاصَّةً، وإما الجنس، وهم إذ ذاك داخلون فيه (١) دخولاً أوليّاً، والظاهرُ أنَّ الجملة على التقديرَين معطوفةٌ على جملة ((آمنتُ))، وإيثارُ الاسمية لادِّعاء الدوام والاستمرار. وقيل: إنَّها على الأول معطوفةٌ، وعلى الثاني تحتملُ الحاليةَ أيضاً من ضمير المتكلّم، أي: آمنتُ مُخْلِصاً لله تعالى مُنتظِماً في سلك الراسخين في ذلك. ولقد كرَّر المعنى الواحدَ بثلاث عباراتٍ، وبالغَ ما بالغ حرصاً على القبول المقتضي للنجاة، وليتَ بعضَ ذلك قد كان حين يَنفَعُه الإيمان، وذلك قبل اليأس، فإنَّ إيمانَ اليأس غيرُ مقبولٍ كما عليه الأئمة الفحول. ﴿وَالْكَ﴾ الاستفهامُ للإنكار والتوبيخ، والظرفُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ يقدَّر مؤخّراً، أي: آلآنَ تؤمنُ حين يَئِسْتَ من الحياة وأيقنتَ بالممات، وقُدِّرَ مؤخّراً ليتوجَّه الإنكارُ والتوبيخُ إلى تأخير الإيمان إلى حدٍّ يمتنعُ قبوله فيه، والكلامُ على تقدير القول، أي: فقيل له ذلك، وهو معطوفٌ على ((قال)). وهذا إلى (ءَايَةٌ)(٢) حكايةٌ لِمَا جَرَى منه سبحانه من الغضب على المخذول، ومُقابلةِ ما أَظهرَه بالردِّ الشنيع، وتقريعِهِ بالعصيان والإفسادِ، إلى غير ذلك. وفي حذف الفعل المذكور وإبرازِ الخبر المحكيِّ في صورة الإنشاء من الدلالة على عِظَمِ السخطِ وشدَّةِ الغضب ما لا يخفَى. والقائلُ له ذلك قيل: هو الله تعالى، وقيل: هو جبريلُ عليه السلام، وقيل: إنَّه ميكائيل عليه السلام، فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي أمامةً قال: قال رسولُ الله ◌َّت: ((قال لي جبريلُ عليه السلام: ما أَبغضْتُ شيئاً مِن خَلْق الله تعالى ما أَبغضْتُ إبليسَ يومَ أُمِرَ بالسجود فأَبَى أنْ يَسْجُدَ، وما أبغضْتُ شيئاً أشدَّ بغضاً من فرعون، فلمَّا كان يومَ الغَرَقِ خِفْتُ أنْ يَعتَصِمَ بكلمةِ الإخلاصِ فينجُوَ، فأخذْتُ قَبِضَةً من حماةٍ (١) قوله: فيه، ليس في (م). (٢) يعني قوله تعالى: ﴿لِتَّكُنَ لِمَنْ خَلْفَكَ ◌َايَةٌ﴾. سُؤَةُ تُونِسَ ٢٧٨ الآية : ٩١ فضربتُ بها في فيه، فوجدْتُ الله تعالى عليه أشدَّ غضباً مِنِّي، فَأَمر ميكائيلَ فأَتاه فقال: آلآن))(١) إلخ. وما تَضمَّنه هذا الخبرُ من فِعْلِ جبريل عليه السلام جاءَ في غيرِ ما خبرٍ؛ ومن ذلك ما أَخْرَجَه الطيالسيُّ وابنُ حِبَّان وابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ مردويه والبيهقيُّ في ((الشعب)) والترمذيُّ والحاكمُ وصحّحاه عن ابن عباس ◌ِ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّ(«قال لي جبريل: لو رأيْتَني وأنا آخُذُ من حالِ البحر فَأَدسُّهُ في في فرعونَ مخافةَ أنْ تُدرِكَه الرحمةُ»(٢). واستشكل هذا التعليل، وفي ((الكشاف)): أنَّ ذلك من زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته عليهم السلام، وفيه جهالتان: إحداهما: أنَّ الإیمان یصُّ بالقلب کإيمان الأخرس، فحالُ البحر لا يَمنَعُه. والأَخرى: أنَّ مَن كره إيمانَ الكافرِ وأحبَّ بقاءَه على الكفر فهو كافرٌ؛ لأنَّ الرضا بالكفر كفرٌ (٣). وارتضاه ابنُ المنير قائلاً: لقد أَنكرَ منكراً وغَضِبَ لله تعالى وملائكته عليهم السلام كما يجبُ لهم(٤). والجمهورُ على خلافه لصحَّة الحديثِ عند الأئمة الثقات كالترمذيِّ - المقدَّم على المحدِّثين بعد مسلم - وغيره، وقد خاضوا في بيان المرادِ منه بحيث لا يبقَى فيه إشكال. ففي ((إرشاد العقل السليم)): أنَّ المرادَ بالرحمة الرحمةُ الدنيوية، أي: النجاة التي هي طلبةُ المخذول، وليس من ضرورة إدراكها صحةُ الإيمان، (١) الدر المنثور ٣١٦/٣. (٢) مسند الطيالسي (٢٦١٨)، وصحيح ابن حبان (٦٢١٥)، وتفسير الطبري ١٢/ ٢٧٧، وشعب الإيمان للبيهقي (٩٣٩٣)، وسنن الترمذي (٣١٠٧) و(٣١٠٨)، والمستدرك ٣٤٠/٢، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر ٣١٦/٣، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٤٤) و(٢٨٢٠). وينظر تخريج أحاديث الكشاف ص٨٥. وحال البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه. تهذيب اللغة ٢٤٥/٥، والصحاح (حول). (٣) الكشاف ٢/ ٢٥١. (٤) الانتصاف ٢٥١/٢. الآية : ٩١ ٢٧٩ سُوَ لّ ◌ُونسَ كما في إيمان قوم يُونس عليه السلام، حتى يلزمَ من كراهته ما لا يُتصوَّر في شأن جبريل عليه السلام من الرضا بالكفر؛ إذ لا استحالةَ في ترتُّب هذه الرحمةِ على مجرَّد التفوُّه بكلمة الإيمان، وإنْ كان ذلك في حالة البأس واليأس، فيُحمَل دِسُّه عليه السلام على سدِّ باب الاحتمال البعيد لكمال الغيظ وشدَّةِ الحَرَد(١). انتھی. ولا يخفى أنَّ حمْلَ الرحمةِ على الرحمة الدنيوية بعيدٌ. ويكادُ يأْبَى عنه ما أخرجه ابنُ جرير والبيهقيُّ عن أبي هريرةَ ◌َُبه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((قالَ لي جبريلُ عليه السلام: لو رأيتني يا محمد وأنا أَغظُ فرعون بإحدی یديَّ وأدسُّ من الحال في فيه، مخافةَ أنْ تُدرِكَهُ رحمةُ الله تعالى فيغفرَ له))(٢) فإنَّه رَب فيه المغفرة على إدراك الرحمة، وهو ظاهرٌ في أنَّه ليس المرادُ بها الرحمةَ الدنيويةَ؛ لأنَّ المغفرةَ لا تَتَرتَّب عليها وإنما يترتَّبُ عليها النجاة. وقال بعضُ المحقّقين: إنما فعَلَ جبريلُ عليه السلام مافَعَلَ غَضَباً عليه لِمَا صدَرَ منه، وخوفاً أنَّه إذا كَرَّر ذلك ربَّما قُبِل منه على سبيل خَرْق العادة لسعةِ بحر الرحمة الذي يستغرقُ كلَّ شيءٍ، وأمَّا الرضا بالكفر فالحقُّ أنه ليس بكفرٍ مطلقاً، بل إذا اسُتْحِسنَ، وإنما الكفرُ رضاه بكفرِ نفسه، كما في ((التأويلات)) لَعَلَم الهدى(٣). انتھی . وقد تقدَّم آنفاً ما يتعلَّق بهذه المسألة(٤)، فتذكَّرْه فما في العهد مِن قِدَمِ، نعم قيل: إنَّ الرضا بكفرِ نفسِه إنما يكونُ وهو كافرٌ، فلا معنى لعَدِّه كفراً والكفرُ حاصلٌ قبله، وهو على ما له وما عليه بحثٌ آخرٌ لا يضرُّ فيما نحن فيه. والطيبي بعد أنْ أجابَ بما أجابَ أردفَ ذلك بقوله: على أنَّه ليس للعقل مجالٌ في مثل هذا النقلِ الصحيح إلا التسليمُ، ونسبةُ القصور إلى النفس. (١) تفسير أبي السعود ٤/ ١٧٣ . (٢) تفسير الطبري ٢٧٦/١٢، وشعب الإيمان (٩٣٩٠)، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٧٨٩/٢. وفيه كثير بن زاذان، وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب. (٣) هو أبو منصور الماتريدي، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٥٨/٥. (٤) ص٢٥٨- ٢٥٩ من هذا الجزء. مُكَلُونِسَ ٢٨٠ الآية : ٩٢ وقد يقال: إنَّ الخبر متى خالفَ صريحَ العقل، أو تضمَّن نسبةَ ما لا يُتصوَّر شرعاً في حقِّ شخصٍ إليه، ولم يُمكن تأويلُه على وجهٍ يُوافق حكمَ العقل ويندفعُ به نسبةُ النقص، لا يكون صحيحاً، واتِّهامُ الراوي بما يُوهِنُ أمرَ روايته أهونُ من اتّهام العقل الصريح، ونسبةُ النقص إليه دون نسبةِ النقص إلى مَن شَهِدَ الله تعالى ورسولُه صلى الله تعالى عليه بعصمتِهِ وكماله، فتأمَّل والله تعالى الموفّق. وقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في موضع الحال من فاعل الفعلِ العامل في الظرف، جيء به لتشديد التوبيخ والتقريع على تأخير الإيمان إلى هذا الآن، ببيانِ أنَّه لم يكن تأخيرُه لِمَا عسى يُعَدُّ عُذراً، بل كان ذلك على طريقة الردِّ والاستعصاء والإفساد، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ®﴾ عطفٌ على ((عَصَيْتَ)) داخلٌ في حيِّز الحالِ، والتحقيق أي: وقد كنتَ من المفسدين الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان، فهذا عبارةٌ عن فساده الراجع إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدِّي وصدِّ بني إسرائيلَ عن السبيل، والأول عن عصيانه الخاصِّ به. وقوله جلَّ شأنه: ﴿قَالْيَوْمَ ثُنَِّّكَ بِبَدَنِكَ﴾ تهكُّمٌ به وتخييب له وحسمٌ لأطماعه بالمرَّة، والمرادُ: فاليوم نُخرجُك مما وقع فيه قومُك من قَعْر البحرِ، ونجعلُك طافياً مُلابساً ببدنك عارياً عن الروح، إلا أنَّه عبَّر عن ذلك بالتَّجِيَة مجازاً، وجَعَل الجارَّ والمجرورَ في موضع الحالِ من ضمير المخاطَب لذلك، مع ما فيه من التلويح بأنَّ مُراده بالإيمان هو النجاةُ. وقيل: معنى الحال: عارياً عن اللباس، أو تامَّ الأعضاء كاملَها. وجعَلَ بعضُ الأفاضل الكلامَ على التجريد، وجَوَّز أنْ تكونَ الباءُ زائدةً و((بَدَنك)) بدلَ بعضٍ من ضمير المخاطب، كأنَّه قيل: نُنَجِّي بَدَنك. وجَعْلُ الباء للآلة ليكونَ على وزان قولك: أَخذتَه بيدِكَ، ونظرتَه بعينِكَ، إيذاناً بحصول هذا المطلوبِ البعيدِ التناولِ، وَجْهٌ لكنَّه غيرُ وجيهٍ كما لا يخفَى. وقيل: التنجيةُ الإلقاءُ على النجوة، وهي المكان المرتفع، قيل: وسُمِّي به لنجاته عن السيل، وإلى هذا ذهب يونس بن حبيب النحوي، فقد أخرج ابنُ