Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ٤٧ ١٦١ سُوَلَكُونَ على ما يفعلون. وجوِّز أنْ يُراد منها إقامتُها وأداؤها بإنطاق الجوارح، وإلا فشهادةُ الله سبحانه بمعنى كونه رقيباً وحافظاً أمرٌ دائم في الدارَين، و((ثم) لا تناسبُ ذلك(١). والظاهرُ أنَّها على هذَين الوجَهين على ظاهرها، وفي ((الكشف)) وغيرِه: هي على الأول للتراخي الرُّتْبي، وعلى الثاني على الظاهر. وظاهرُ كلام البعض استحسانُ حَمْلِها على التراخي الرُّتْبي مطلقاً. ولا أرى لارتكاب خلافِ الظاهرِ بعد ذلك الارتكاب داعياً . وأنَّ العطف بها على الجزاء لا على مجموع الشرطيةِ. وأنت تعلمُ أنَّ العطف على ذاك يَمنعُ من إرادة التعذيب منه أو إراءتِه، أو نحو ذلك مما لا يصحُّ أنْ يكون المعنى المعطوفُ بـ ((ثم)) بعده ومترتِّباً عليه، ولعل ما اعتبروه هناك ليس تفسيراً للرجوع، بل هو بيانٌ للمقصود من الكلام. وإظهارُ اسم الجلالة لإدخال الرَّوعةِ، وتربيةِ المهابة، وتأكيدِ التهدید. وقرأ ابنُ أبي عبلة: (ثَمَّ)) بالفتح(٢)، أي: هنالك. ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ﴾ يومَ القيامة ﴿رَسُولٌ﴾ تُنسَب إليه وتُدعَى به ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ﴾ الموقفَ ليشهدَ عليهم بالكفر والإيمان ﴿قُضِىَ بَيْنَهُم﴾ أي: بعد أنْ يشهد ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، وحُكم بنجاة المؤمن وعقابِ الكافر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾﴾ أصلاً. والجملةُ قيل: تذييلٌ لِمَا قبلها مؤكِّدةٌ له. وقيل: في موضع الحال، أي: مستمرّاً عدمُ ظلمهم. ونظيرُ هذه الآيةِ على هذا قولُه سبحانه: ﴿وَحِأْىّءَ بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ [الزمر: ٦٩]. بَيْنَهُم﴾ أو: لكلِّ أمةٍ من الأمم الخالية رسولٌ يُبعث إليهم بشريعةٍ اقتضَتها الحكمةُ ليدعوهم إلى الحقِّ، فإذا جاء رسولهم فبلَّغهم ودعاهم فكذَّبوه وخالفوه، قُضي بينهم - أي: بين كلِّ أمة ورسولها - بالعدل، وحُكمَ بنجاة الرسول والمؤمنين به، وهلاكِ المكذِّبين. (١) لأنها تقتضي حدوثه. حاشية الشهاب ٣٤/٥. (٢) البحر ١٦٤/٥. سُالآلُونِسَ ١٦٢ الآية : ٤٨ والأَوَّلُ مما رواه ابنُ جرير وغيرُه عن مجاهد (١)، والاستقبالُ عليه على ظاهرِهِ، ولا يحتاج إلى تقديرٍ مثل ما احتيجَ في التفسير الثاني، وقد رجِّح بقوله تعالى: ﴾ بناءً على أنَّ الظاهر أنَّ المراد بالوعد ٤٨ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِفِينَ الذي أشاروا إليه العذابُ الدنيويُّ الموعودُ كما يُرشد إليه ما بعده. واستشكل ما يقتضيه ظاهرُ الآية مِن أن الله تعالى لم يُهمل أمةً من الأمم قظُ، بل بعث إلى كلِّ واحدةٍ منهم رسولاً، بأنَّ أهل الفترة ليس فيهم رسولٌ، كما يشهد له(٢) قوله سبحانه: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمًا مَّ أُنْذِرَ ءَآبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]. وأُجيبَ بأنَّ عمومَ الآية لا يقتضي أنْ يكون الرسولُ حاضراً مع كلِّ أمةٍ منهم؛ لأنَّ تقدُّمَه على بعضٍ منهم لا يمنعُ من كونه رسولاً إلى ذلك البعض، كما لا يمنع تقدُّمُ رسولنا وَّهَ مِن كونه مبعوثاً إلينا إلى آخر الأبد، غايةُ ما في الباب أنَّ ما وقع مِن تخليط القوم في زمن الفترة يكونُ مؤدِّياً إلى ضَعْفِ أَثَرِ دعوة الأنبياء عليهم السلام. انتھی. وهو كما ترى. وقد يقال: إنَّ المراد من كلِّ أمةٍ: كلُّ جماعةٍ أراد الله تعالى تكليفَها حَسْبَما سبَقَ به عِلْمُه أو أراد سبحانه تنفيذَ كلمته فيها، أو نحو ذلك من المخصِّصات التي لا يلغو معها الحكم، لا كلُّ جماعةٍ من الناس مطلقاً، فلا إشكالَ أصلاً، فتدبر. ثم إنَّ هذا القولَ من المكذِّبين استعجالٌ لِمَا وُعِدُوا به، وغرضُهم منه - على ما قيل - استبعادُ الموعودِ، وأنَّه ممَّا لا يكون. وقد يُراد بالاستفهام الاستبعادُ ابتداءً؛ إذ المقامُ يقتضيه ولا مانعَ عنه، والقولُ بأنَّ ذلك إنَّما يكون ابتداءً بأين وأنَّى ونحوهما دون ((متى)) غيرُ مسلّم، كيف وهو معنَّی مجازيٌّ، والمجازُ لا حَجْرَ فيه. والخطاب لسيد المخاطَبين عليه الصلاة والسلام، والمؤمنين الذين يتلون عليهم الآياتِ المتضمِّنة لذلك، وجوابُ ((إنْ)) محذوفٌ اعتماداً على ما تقدَّمه، أي: إنْ كنتم صادقين في أنَّه يأتينا فليأتنا عَجَلةً. (١) تفسير الطبري ١٨٨/١٢. (٢) بعدها في الأصل: في قول. الآية : ٤٩ ١٦٣ سُوَ لا تُونس ولكونه ◌َ* هو الواسطةَ في إتيان ذلك ومنه نشأ الوعدُ دونَ المؤمنين، أُمِرِ وَلّ بالجواب بقوله سبحانه: ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا أَقدِرُ على شيءٍ منهما بوجهٍ من الوجوه، وتقديمُ الضرِّ لِمَا أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكريم لإظهار العجز عنه، وأمَّا ذكرُ النفع فللتعميم إظهاراً لكمال العجز. وقيل: إنَّه استطراديٌّ لئلا يُتوهّم اختصاصُ ذلك بالضرِّ. والأَولُ أَولَى، وما وقع في سورة الأعراف(١) من تقديم النفع فللإشعار بأهمِّيته والمقامُ مقامه، والمعنى: لا أملك شيئاً من شؤوني ردّاً وإيراداً مع أنَّ ذلك أقربُ حصولاً، فكيف أملكُ شؤونَكم حتى أَتسبَّب في إتيان عذابِكم الموعودِ حَسْبَما تُريدون؟! ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ استثناءٌ منقطعٌ عند جمعٍ، أي: ولكنْ ما شاء الله تعالى كائنٌ. وقيل: متَّصلٌ على معنى: إلا ما شاء الله تعالى أنْ أَملِكَه. وتُعقّب بأنَّه يأباه مقامُ التبرُّؤ عن أنْ يكون له وَّهَ دَخْلٌ في إتيان الوعدِ، فإنَّ ذلك يستدعي بيانَ كونِ المتنازَع فيه مما لا يشاء أنْ يملكه عليه الصلاة والسلام. والمعتزلةُ قالوا باتِّصال الاستثناء، واستدلُّوا بذلك على أنَّ العبد مستقلٌّ بأفعاله من الطاعات والمعاصي. وأنت تعلمُ أنَّ ذلك بمراحلَ عن إثبات مدَّعاهم. نعم استدلَّ بها بعضُ مَن يرى رأي السلف مِن أنَّ للعبد قُدرةً مؤثِّرة بإذن الله تعالى، لا أنَّه ليس له قدرةٌ أصلاً كما يقوله الجبرية، ولا أنَّ له قدرةً لكنَّها غيرُ مؤثِّرةٍ كما هو المشهورُ عن الأشاعرة، ولا أنَّ له قدرةً مؤثِّرة إن شاء الله تعالى وإنْ لم يشأ، كما هو رأي المعتزلة. وقال: المعنى: لا أقدر على شيءٍ من الضرِّ والنفع إلَّا ما شاء الله تعالى أنْ أَقدِرَ عليه منهما فإنِّي أقدرُ عليه بمشيئته سبحانه. وقال بعضهم: إذا كان الملك بمعنى الاستطاعةِ يكونُ الاستثناءُ متِّصلاً، وإذا أُبقي على ظاهره تعيَّن الانقطاعُ. ولا يخفى أنَّ الأصل الاتِّصالُ، ولا ينبغي العدول عنه حیث أَمْگنَ من دون تعشُّفٍ. (١) في الآية (١٨٨). سُوَل ◌ُونسى ١٦٤ الآية : ٤٩ وأيّاً ما كان فظاهرُ كلامهم أنَّ الاستثناء من المفعول، إلا أنَّه على تقدير الانقطاع ليس المعنَى على إخراج المستثنى من حكم المستثنى منه، ولذا جُعل الحكم على ذلك التقدير أنَّه كائنٌ دون أملكه مثلاً، فلا تَدافُعَ في كلام مَن حكم بالانقطاع، وقال في بيان المعنى: أي: ولكنْ ما شاء الله تعالى من ذلك كائنٌ، مشيراً بذلك إلى النفع والضرِّ، فإنَّه صريحٌ في كون المستثنى من جنس المستثنى منه المقتضي للاتِّصال؛ لأنَّ المدار عند المحقّقين في الأمرَين على الإخراج من الحُكْمِ وعَدَمِهِ . ومما يقضي منه العجب زَعْمُ أنَّ الاستثناء من فاعلِ ((لا أملك))، وجَعْلُ المعنى: لا أملك أنا ولكن الله سبحانه هو المالك لكلِّ ما يشاء يفعله بمشيئته. ﴿لِكُلِّ أُنٍَّ﴾ من الأمم الذين أَصرُّوا على تكذيب رُسُلهم ﴿أَجَلُّ﴾ لعذابهم يحلُّ بهم عند حلوله، لا يتعدَّى إلى أمةٍ أخرى. ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: أجلُ كلِّ أمةٍ، على ما هو الظاهر. ووُضِعَ الظاهرُ موضعَ الضميرِ لزيادةِ التقرير، والإضافةُ لإفادةِ كمالِ التعيين. وجوّز أن يكونَ الضمير للأمم المدلول عليها(١) بـ ((كل أمة))، ووجّهَ إظهارُ الأَجَل مضافاً لذلك بأنَّه لإفادة المعنى المقصود، الذي هو بلوغُ كلِّ أمةٍ أجلَها الخاصَّ بها. ومجيتُه إيّاها بعينها من بين الأمم بواسطةٍ اكتسابٍ الأجل بإضافته عموماً يفيدُه معنى الجمعية، كأنَّه قيل: إذا جاءتهم آجالهم، بالجمع كما قرأ به ابنُ سيرين(٢)، بأنْ يجيءَ كلَّ واحدٍ من تلك الأمم أجلُها الخاصُّ بها . ويُفسَّر الأجلُ بحدٍّ معيَّنٍ من الزمان، والمجيءُ عليه ظاهرٌ، وبما امتدَّ إليه من ذلك (٣)، فمجيئُه حينئذٍ عبارةٌ عن انقضائه، إذ هناك يتحقَّق مجيئه بتمامه، أي: إذا تمَّ وانقضی أجلُهم الخاصُّ بهم. ﴿فَلَ يَسْتَقْفِرُونَ﴾ عنه ﴿سَاعَةٌ﴾ أي: شيئاً قليلاً من الزمان ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٤٩ عليه، والاستفعالُ عند جمعٍ على أصله، ونفيُ طلب التأُّر والتقدُّم أبلغُ، وقال (١) في الأصل و(م): عليه، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٥٢/٤، والكلام منه. (٢) الكشاف ٢/ ٢٤٠، والمحرر الوجيز ١٢٣/٣، والبحر ١٦٥/٥. (٣) أي: من الزمان. تفسير أبي السعود ٤/ ١٥٢. الآية : ٤٩ ١٦٥ سُؤَةُ نُونْسَ آخرون: إنَّه بمعنى التفعُّل، أي: لا يَتأخّرون ولا يَتقدَّمون، والجملة الثانية إمَّا مستأنفةٌ أو معطوفة على القيد والمقيَّد، ومنعوا عطفَها على ((لا يستأخرون)) لئلا يَرِدّ أنَّه لا يُتصوَّر التقدُّم بعد مجيء الأجل، فلا فائدةَ في نفيه. وأجازه غيرُ واحدٍ، والفائدةُ عنده في ذلك المبالغةُ في انتفاء التأخُر؛ لأنَّه لمَّا نُظم في سلكه أَشعَرَ بأنَّه بلغ في الاستحالة إلى مرتبته، فهو مستحيلٌ مثله للتقدير الإلهيِّ، وإنْ أمكنَ في نفسه؛ قيل: وهذا هو السرُّ في إيراد صيغة الاستفعال، أي: أنَّه بلغ في الاستحالة إلى أنَّه لا يُطلَب، إذ المحال لا يُطلَب. ودَفَعَ بعضُهم ذلك بأنَّ ((جاء)» بمعنى: قارَبَ المجيءَ، نحو قولك: إذا جاء الشتاءُ فتأهّب له. وتُعقّب بأنَّه ليس في تقييد عدم الاستئخار بالقرب والدنوِّ مزيدُ فائدة. وأشار الزمخشريُّ(١) إلى جوابٍ آخر، وهو أنَّ لا يتأخّر ولا يتقدَّم كنايةٌ عن كونه له حدٍّ معين وأجل مضروب لا يتعدَّاه، بقطع النظر عن التقدُّم والتأخّر، كقول الحماسيِّ: وَقَفِ الهوى بي حيث أنتِ فليس لي مُتأخّرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمُ(٢) فإنَّه أراد كما قال المرزوقي: حبَسَني الهوى في موضع تستقرِّينَ فيه، فأَلزَمُه ولا أُفارقُه، وأنا معكِ مقيمةً وظاعنةً، لا أَعدلُ عنكِ ولا أَميلُ إلى سواك(٣). ووجهُ تقدير بيانِ انتفاء الاستئخارِ على بيان انتفاءِ الاستقدام قد تقدَّم في آية ((الأعراف)) (٤) مع بسط كلامٍ فيها . ثم لا يخفَى أنَّ هذه الآية داخلةٌ في حيِّز الجواب، ولم تُعطَف على ما قبلها (١) في الكشاف ٢/ ٢٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٥/٥. (٢) في الأصل و(م): متقدم عنه ولا متأخر، والمثبت من حاشية الشهاب، وهو الموافق لما في المصادر، والبيت في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٣٧٣/٣، والشعر والشعراء ٨٤٣/٢، وأمالي القالي ٢١٨/١، وقائله أبو الشيص محمد بن عبد الله بن رزين، وهو ابن عم الشاعر دعبل، وكان في زمن الرشيد. (٣) شرح ديوان الحماسة ١٣٧٣/٣، وحاشية الشهاب ٣٥/٥، وعنه نقل المصنف. (٤) وهي الآية (٣٤) منها، وينظر تفسيرها ١١٣/٧ . سُؤَةُ تُونَ ١٦٦ الآية : ٤٩ إيذاناً باستقلالها فيه. قال العلامة الطيبي طيِّب الله تعالى ثراه: إنَّ الجواب بقوله سبحانه: (قُل لَّ أَمْلِكُ) إلخ واردٌ على الأسلوب الحكيم؛ لأنَّهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعادَ أنَّ الموعود من الله تعالى، وأنَّه صلوات الله تعالى وسلامه عليه هو الذي يدَّعي أنَّ ذلك منه، فطلبوا منه تعيين الوقت تَهكُّماً وسُخريةً، فقيل في الجواب: هذا التهكُّم إنما يتمُّ إذا ادَّعيتُ بأنِّي أنا الجالبُ لذلك الموعود، وإذا كنتُ مقرّاً بأنِّي مثلكم في أنِّي لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً، كيف أدَّعي ما ليس لي بحقِّ؟! ثمَّ شرع في الجواب الصحيح ولم يلتفت وا﴿ إلى تهگّمهم واستبعادهم فقال: ((لكلِّ أمةٍ أجل)) إلخ. وحاصلُه على ما في ((الكشاف)): إنَّ عذابكم له أجلٌ مضروبٌ عند الله تعالى، وحدٌّ محدود من الزمان، إذا جاء ذلك الوقتُ أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا(١). ومن هنا يُعلم سرُّ إسقاط الفاء من ((إذا جاء أجلُهم)) وزيادتها في (فلا يستأخرون)) على عكس آيةِ ((الأعراف))، حيث أُتي بها أولاً ولم يُؤْتَ بها ثانياً، وذلك أنَّه لما سيقَت الآيةُ جواباً عن استعجالهم العذابَ الموعودَ - حَسْبَما علمتَ آنفاً - اعتُني بأمر الشرطية ولزومِها كمالَ الاعتناء، فأُتي بها غيرَ متفرِّعة على شيءٍ، كأنَّها من الأمور الثابتة في نفسها الغير المتفرِّعة على غيرها، وقَوِي لزومُ التالي فيها للمقدَّم بزيادةِ الفاء التي يُؤْتَى بها (٢) للربط في أمثال ذلك، ولا كذلك آية ((الأعرافِ)) كما لا يخفَى إلا على الأنعام، فاحفظه فإنَّه من الأنفال. ولا يأباه ما مرَّ في تقرير الاستفهام في صدر الكلام، كما هو ظاهرٌ لَدَى ذوي الأفهام. وكذا لا يأباه ما قيل في ربط هذه الآيةِ بما قبلها مِن أنَّها بيانٌ لما أُبهم في الاستفهام(٣)، وتقييدٌ لِمَا في القضاء السابق من الإطلاق المشعر بكون المقضيِّ به أمراً منجزاً غيرَ متوقِّفٍ على شيءٍ غيرِ مجيءٍ الرسول وتكذيب الأمة؛ لأنَّه على ما فيه ما فيه إنكار المدخلية في الجواب، ولعل (٤) الغرض يتمُّ بمجرَّد ذلك؛ لحصول التغاير بين مَساقَي الآيَتَين به أيضاً. (١) الكشاف ٢/ ٢٤٠، وقد ذكره المصنف قريباً عن الزمخشري بنحوه نقلاً عن الشهاب. (٢) في (م): بها يؤتى. (٣) في (م): الاستثناء. (٤) في الأصل: فلعل. الآية : ٤٩ ١٦٧ سَُّ لُ دُونِسَ وقد يقال: إنَّ إسقاط الفاء أولاً لتكون الجملة في موضع الصفة لـ ((أجل)) تهويلاً لأمره وتنويهاً بشأنه، حَسْبَما يقتضيه المقامُ، أي: لكلِّ أمةٍ أجلٌ موصوفٌ بأنَّه إذا جاءَ لا يستأخرون عنه ولا يستقدمون عليه البتة، والإظهارُ في موضعٍ الإضمارِ لزيادة التقرير مثل ما مرَّ آنفاً. وليس بذاك. ومما تضحكُ منه الموتَى ما قاله بعضُ العظاميين بعد أنْ كاد يُقضى عليه فكراً، من أنَّ السرَّ في اختلاف الآيتَين الإشارةُ منه تعالى إلى جواز الأمرَين عربيةً، ولم يعلم عافاه الله تعالى أنَّ القرآن الكريم(١) لم ينزل مُعلِّماً للعربية، مُبيِّناً لقواعدها، شارحاً (٢) لِمَا يجوز فيها وما لا يجوز، بل نزل مُعْجِزاً بفصاحته وبلاغته وما تضمَّنه من الأسرار أقواماً، كلٌّ منهم في ذلك الشأن الجذيلُ المحكَّكُ(٣) والعذيقُ المرجَّب(٤). وذكر بعضُ مَن أحيا مَيِّتَ الفضلِ علمُه، وصفا عن تخليط أبناءِ العصر فهمُه، صفاءُ الدين عيسى البندنيجيّ(٥) أنَّ مَساقَ هذه الآيةِ لتثبيت النبيِّ وَّهِ، وشَرْح صدرِه عليه الصلاة والسلام عمَّا عسى يَضيقُ به بحسب البشريةِ من قولهم: ((متَى هذا الوعْدُ إنْ كنتُم صادقين))، ولتلقينه وَلي ردَّ قولهم ذلك كما يُشعر به السباق، فناسب قطعَ كلٌّ من الجملتَين عن الأُخرى، ليستقلَّ كلٌّ منهما في إفادة التثبيت والردِّ للتأكيد والمبالغة فيها، ولذا لم يُؤْتَ بالفاء في صدر الشَّرطية، وجيء بها في الجواب زيادةً في ذلك لإفادة تحقّق ما بعدَها عقيب ما يقتضيه بلا مهلة. وآيةُ ((الأعراف)) سيقت وعيداً لأهل مكة، ومن البيِّن أنَّ محظَّ الفائدة في (٦) إشعارِ أنَّه وعيدٌ، وأنَّ ما هو (١) في الأصل: العظيم. (٢) في (م): وشارحاً. (٣) الجُذَيْل تصغير جذْل، وهو العود الذي ينصب للإبل الجَرْبَى لتحتك به، أي: يستشفى برأيه كما تستشفي الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود. النهاية (جذل). (٤) العذيق تصغير عذق، وهو النخلة. والمرجَّب: الذي يدعم النخلة إذا كثر حملها . (٥) هو عيسى بن موسى، فاضل من أهل بغداد، نسبته إلى بندنيجين من ملحقات بغداد في حدود إيران، وتسمى اليوم: مندلي، من مصنفاته: الأجوبة البندنيجية على الأسئلة الهندية، توفي سنة (١٢٨٣هـ). الأعلام ١١٠/٥. (٦) قوله: في، مكرر في (م). سُولُلُونسَ ١٦٨ الآية : ٥٠ أدخلُ في التخويف الجملةُ الشرطية؛ لأنَّها النصُّ في نزول العذاب عند حلول الأجل، وأنَّه لا محيصَ لهم عن ذلك عنده، دون ((لكلِّ أمةٍ أجل)) فقط، فكان المقام مقامَ ربطٍ ووصلٍ، فجيء بالفاء لتدلَّ على ذلك، وتُؤْذِنَ باتَّحاد الجملتين في كونهما وعيداً، ولمسامحته سبحانه في الوعيد لم يؤتَ بالفاء في الجواب. انتهى. ولعل ما قدَّمناه ليس بالبعيد عنه من وجهٍ وإنْ خالفه من وجهٍ آخر، ولكلِّ وجْههٌ، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ﴿قُلْ﴾ لهم بعدَما بيَّنْتَ لهم (١) كيفيةَ حالك وجريانَ سنَّة الله تعالى فيما بين الأمم على الإطلاق، ونَبَّهتَهم على أنَّ عذابهم أمرٌ مقرَّرٌ محتومٌ لا يتوقف إلا على مجيء أجلِهِ المعلوم، إيذاناً بكمال دُنوِّه، وتنزيلاً له منزلة إتيانه حقيقةً: ﴿أََّيْتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ﴾ الذي تستعجلون به، ولعلَّ استعمال ((إنْ)) من باب المجاراة ﴿بَيَنَا﴾ أي: وقت بياتٍ ﴿أَوْ نَهَارًا﴾ أي: عند اشتغالكم بمشاغلكم، وإنَّما لم يَقُل: ليلاً أو نهاراً (٢) ليَظْهِرَ التقابلُ؛ لأنَّ المراد الإشعارُ بالنوم والغفلة، والبياتُ متكفِّلٌ بذلك؛ لأنَّه الوقتُ الذي يَبيتُ فيه العدوُّ ويُوقَع فيه، ويُغتَنم فُرصةُ غفلته، وليس في مفهوم الليل هذا المعنى، ولم يَشْتَهِرْ شهرةَ النهار بالاشتغالِ بالمصالح والمعاش، حتى يَحسُن الاكتفاءُ بدلالة الالتزام كما في النهار. وقد يقال: النهار كلُّه محلُّ الغفلة؛ لأنَّه إمَّا زمان اشتغالٍ بمعاشٍ، أو زمانٌ قيلولةٍ، بخلاف الليل فإنَّ محلّ الغفلة فيه ما قارَبَ وسطّه، وهو وقتُ البيات، فلذا خُصَّ بالذكر، والبياتُ جاء بمعنى البيتُوتة، وبمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم، والمعنى المراد هنا مبنيٌّ على هذا. ﴿مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ @﴾ أي: أيّ شيءٍ يستعجلون من العذاب، ولیس شيءٌ منه يُوجب الاستعجال، لِمَا أنَّ كلَّه مكروهٌ مرُّ المذاق موجبٌ للنفار، فـ((مِن)) للتبعيض والضميرُ للعذاب والتنكيرُ في شيء للفردية. وجوِّز أنْ يكون المعنى على التعُّب، وهو مستفادٌ من المقام، كأنَّه قيل: أيَّ هولٍ (١) قوله: لهم، ليس في الأصل. (٢) في (م): ونهاراً. الآية : ٥٠ ١٦٩ سوّلالُونس شديدٍ يستعجلون منه! فـ ((من)) بيانيةٌ وتجريديةٌ بناءً على عدِّ الزمخشريِّ لها منها(١). وقيل: الضميرُ لله تعالى، وعليه فالمعنى على الثاني، ولكنْ تزول فائدةُ الإبهام والتفسير وما فيه من التفخيم. وما قيل: إنَّه أبلغُ على معنى: هل تعرفون ما العذابُ المعذِّبُ به(٢) اللهُ سبحانه، فهو مشترٌ على التقديرَين، ألا ترى إلى قوله تعالى: (عَذَابُهُ)؟ . و ((ماذا)) بمعنى: أيّ شيءٍ منصوبُ المحلِّ مفعولاً مقدَّماً، وهو أَولَى مِن جَعْلِه مبتدأ، ومَن فَعَلَ قدَّر العائد. ومَن قال: إنَّ ضمير ((منه)) هو الرابطُ مع تفسيره بالعذاب، جَنَح إلى أنَّ المستعجل من العذاب، فهو شاملٌ للمبتدأ، فيقوم مقامَ رابطه؛ لأنَّ عموم الخبر في الاسم الظاهر يكون رابطاً على المشهور، ففي الضمير أَولَى. وزعم أبو البقاء أنَّ الضمير عائدٌ إلى المبتدأ، وهو الرابطُ، وجعَلَ ذلك نظيرَ قولك: زيدٌ أخذتُ منه درهماً (٣). وليس بشيءٍ كما لا يخفَى. والمرادُ من ((المجرمون)) المخاطَّبون، وعَدَل عن الضمير إليه للدلالة على أنَّهم لجرمهم ينبغي أنْ يفزَعوا من إتيان العذاب، فضلاً عن أنْ يستعجلوه. وقيل: النكتةُ في ذلك إظهارُ(٤) تحقيرهم وذمِّهم بهذه الصفة الفظيعة. والجملةُ متعلِّقةٌ بـ ((أَرأَيتُم)) على أنَّها استئنافٌ بيانيٌّ، أو في محلٌّ نصبٍ على المفعولية، وعلّق عنها الفعل للاستفهام، وهو في الأصل استفهامٌ عن الرؤية البصرية أو العِلْمِية، ثم استعمل بمعنى: أخبروني، لِمَا بين الرؤية والإخبار من السببية والمسَبَّبية في الجملة، فهو مجازٌ فيما ذكر، وإليه ذهب الكثير. وذهب أبو حيان إلى أنَّ ذلك بطريقِ التضمين(٥)، ولم يُستعمل إلَّا في الأمر العجيب. (١) الكشاف ٢٤٠/٣، وفيه: ويجب أن تكون ((من)) للبيان في هذا الوجه. (٢) بعدها في (م): هو. (٣) الإملاء ٢٣٤/٣-٢٣٦. (٤) في (م): إظهاره. (٥) البحر ١٦٦/٥ . ٠٠ سُڕۆُدُونِسَ ١٧٠ الآية : ٥٠ وجواب الشرط محذوفٌ، أي: إن أتاكم عذابُه في أحدٍ ذَينك الوقتَين تندموا، أو: تعرفوا منه(١) الخطأ، أو: فأخبروني ماذا يستعجلُ منه المجرمون. وزعم أبو حيان تعيُّنَ الأخير؛ لأنَّ الجواب إنما يُقدَّرُ مما تقدَّمه لفظاً أو تقديراً (٢)، ولم يَدْرِ أنَّ تقديرَه من غير جنس المذكور إذا قامت قرينةٌ علیه لیس بعزيز. ولئن سلِّم صحةُ الحصر الذي ادَّعاه، فما ذُكر غيرُ خارجٍ عنه بناءً على أن المقصود من: أرأيتُم ماذا يستعجل منه .. إلخ، تنديمُهم أو تجهيلُهم كما نصَّ عليه بعض المحققين. وفي ((الكشف)) تقريراً لأحدٍ الأوجهِ المذكورة في ((الكشاف))(٣): أنَّ ((ماذا)) إلخ مُتعلِّق الاستخبار، والشرطُ مع جوابه المحذوف مقرِّرٌ لمضمون الاستخبار، ولهذا وسِّط بينهما، ولمَّا كان في هذا(٤) الاستفهام تجهيلٌ وتنديمٌ قُدِّر الجواب: تندموا أو تعرفوا الخطأ، ولا مانعَ من تقديرهما معاً، أو ما يفيد المعنيين، ولهذا حذف الجواب ووسط تأكيداً على تأکید. انتهى. وجوّز كونُ ((ماذا يستعجل)) جواباً للشرط، كقولك: إن أتيتُك ماذا تُطعمني، والمجموع بتمامه متعلِّق بـ ((أَرَأيْتُم))(٥). ورُدَّ بأنَّ جواب الشرط إذا كان استفهاماً فلابدَّ فيه من الفاء، تقول: إنْ زارَنا فلانٌ فأيُّ رجلٍ هو، ولا تُحذَف إلا ضرورةً، وقد صرَّح في ((المفصَّل)) بأنَّ الجملة إذا كانت إنشائيةً لابدَّ من الفاء معها، والاستفهامُ وإنْ لم يُرَدْ به حقيقتُهُ لم يخرج عن الإنشائية، والمثالُ مصنوعٌ فلا يعوَّل عليه. وأُجيبَ بأنَّ الرضيّ صرَّح بأنَّ وقوع الجملة الاستفهامية جواباً بدون الفاء ثابتٌ في كثيرٍ من الكلام الفصيح، ولو سلِّم ما ذكر فيقدَّر القول، وحذفُه كثيرٌ مَردٌ بلا خلاف. (١) قوله: منه، ليس في (م). وجاء في الكشاف ٣/ ٢٤٠: أو تعرفوا الخطأ فيه. وفي تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٧/٥، وتفسير أبي السعود ١٥٣/٤: أو تعرفوا خطأه. (٢) البحر ١٦٦/٥-١٦٧. (٣) وهو ما سلف من تقدير: تندموا على الاستعجال، أو: تعرفوا الخطأ فيه. الكشاف ٢٤٠/٣. (٤) قوله: هذا، ليس في (م). (٥) وهذا الوجه أجازه الزمخشري أيضاً في الكشاف ٣/ ٢٤٠، وما سيأتي ذكره من ردِّه هو لأبي حيان في البحر ١٦٧/٥، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٧/٥. الآية : ٥١ ١٧١ مُؤَدُكُونِسَ وأُورد أيضاً على هذا الوجه أنَّ استعجال العذاب قبل إتيانه، فكيف يكونُ مرَّباً عليه وجزاءً له؟ وأُجيبَ بأنَّه حكايةٌ عن حالٍ ماضية، أي: ماذا كنتُم تستعجلون؟ ويشهد لهذا التصريحُ بـ ((كنتُّم)) فيما بعد، والقرآنُ يفسِّر بعضه بعضاً. وأنت تعلم أنَّ مجرَّد ذلك لا يُجوِّز كونَه جواباً؛ لأنَّ الاستعجال الماضيَ لا يترتَّب على إتيان العذاب، فلابدَّ من تقديرِ نحوٍ: تَعْلَموا، أي: تعلموا ماذا إلخ. وقيل: ((إنْ أتاكم)) بمعنى: إنْ قارَبَ إتيانُه إياكم، أو المراد: إنْ أتاكم أماراتُ عذابِهِ. وقيل: حيث إنَّ المرادُ إنكارُ الاستعجال بمعنَى نفيه رأساً صحَّ كونُه جواباً. واعتُرض على جَعْلِ مجموع الشرطية متعلِّقاً بـ ((أَرَأَيتم)) بأنَّه لا يصحُّ أنْ يكون مفعولاً به له، بناءً على أنَّه بمعنى: أخبروني، وهو مُتعدٍّ بـ ((عن)) ولا تدخلُ [على](١) الجملة، إلا أنَّها إذا اقترنَت بالاستفهام وقلنا بجوازٍ تعليقها(٢) - وفيه كلامٌ في العربية - جاز. ودُفع بأنَّ مراد القائل بالتعلُّق التعلُّقُ المعنويُّ(٣)؛ لأنَّ المعنى: أخبروني عن صنيعكم إن أتاكم ... إلخ. والمراد بقوله سبحانه: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنُمْ بِّهِ﴾ زيادةُ التنديم والتجهيل، والمعنى: أإذا وقَعَ العذابُ وحلَّ بكم حقيقةً آمنتُم به وعاد استهزاؤكم وتكذيبُكم تصديقاً وإذعاناً، وجيء بـ (ثم)) دلالةً على زيادة الاستبعاد. وفيه أنَّ هذا الثاني أَبْعدُ من الأول وأَدْخَلُ في الإنكار. وَجوِّز أنْ يكون هذا جوابَ الشرط، والاستفهامية الأولى اعتراضٌ، والمعنى: أخبروني إنْ أتاكم عذابه آمنتُم به بعد وقوعه حين لا ينفعُكم الإيمان. وأصلُ الكلام على ما قيل: إنْ أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ووقع وتحقَّق آمنتم، ثم جيء بحرف التراخي بدل الواو دلالةً على الاستبعاد، ثم زِيْدَ أداةُ الشرط دلالةً على استقلاله (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٣٧/٥، والكلام منه. (٢) في الأصل: تعلقها، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب. (٣) في الأصل و(م): اللغوي، والمثبت من حاشية الشهاب. سُؤَدُلُونِسَ ١٧٢ الآية : ٥١ بالاستبعاد وعلى أنَّ الأول كالتمهيد له، وجيء بـ ((إذا)) مؤكّداً بـ ((ما)) ترشيحاً لمعنى الوقوع والتحقيق، وزيادةً للتجهيل، وأنَّهم لم يؤمنوا إلا بعد أنْ لم ينفعهم البتة، وهذا الوجه مما جوَّزه الزمخشري(١). وتُعقِّب بأنَّه في غاية البعد؛ لأنَّ ((ثم)) حرفُ عطفٍ لم يُسمع تصديرُ الجواب به، والجملةُ المصدَّرةُ بالاستفهام لا تقع جواباً بدون الفاء، وأُجيب عن هذا بما مرَّ. وأمَّا الجوابُ عنه بأنَّه أَجرى ((ثم)) مجرَى الفاء، فكما أنَّ الفاء في الأصل للعطف والترتيب وقد ربطّت الجزاء فكذلك هذه، فمخالفٌ لإجماع النحاة. وقياسُه على الفاء غيرُ جليٍّ. ولهذه الدغدغة قيل: مرادُ الزمخشريِّ أنَّه يدلُّ على الجواب، والتقدير: إنْ أتاكم عذابُه آمنتم به بعد وقوعه، وما في النظم الكريم(٢) معطوفٌ عليه !َ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣-٤]. ٣ للتأكيد نحو: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وتعقّب بأنَّه لا يخفَى تكلُّفُه، فإنَّ عطف التأكيد بـ ((ثم)) مع حَذْفِ المؤَّد ممَّا لا ينبغي ارتكابُه. ولو قيل: المراد أنَّ (آمنتم)) هو الجواب و ((أَثُمَّ إذا ما وَقع)) معترضٌ، فالاعتراضُ بالواو والفاء، وأمَّا بـ ((ثم)) فلم يذهب إليه أحدٌ. وبالجملة قد كثُر الجَرْحُ والتعديل لهذا الوجه، ولا يُصْلِحُ العطَّارُ ما أَفْسَدَ الدهر. وقرئ: (ثَمَّ)) بفتح الثاء(٣)، بمعنى: هنالك. وقوله سبحانه: ﴿وَالْكَنَ﴾ على تقدير القول، وهو الأظهرُ والأقوى معنًى، أي: قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به، فـ((الآن)) في محلّ نصبٍ على أنَّه ظرفٌ لـ ((آمنتم)) مقدَّراً، ومُنع أنْ يكون ظرفاً للمذكور؛ لأنَّ الاستفهام له صدرُ الكلام. وقرئ بدون همزة الاستفهام(٤)، والظاهرُ عندي على هذا تعلُّقُه بمقدَّرٍ أيضاً؛ لأنَّ الكلام على الاستفهام. وبعضٌ جوَّز تعلَّقه بالمذكور، وليس بذاك. (١) في الكشاف ٣/ ٢٤٠. (٢) يعني قوله: ((أثم إذا)) حاشية الشهاب ٣٧/٥، والكلام منه. (٣) المحرر الوجيز ١٢٤/٣، والبحر ١٦٧/٥ عن طلحة بن مصرف. (٤) البحر ٥/ ١٦٧ عن طلحة بن مصرف وعيسى البصري. الآية : ٥٢ ١٧٣ سُوللاُونِيّن وعن نافع أنَّه قرأ: ((آلان)» بحذفِ الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام(١). وقوله سبحانه: ﴿وَقَّدْ كُم بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ ﴾﴾ في موضع الحال من فاعل (آمنتم)) المقدَّر. والكلامُ على ما قيل مسوقٌ من جهته تعالى، غيرُ داخلٍ تحتِ القول الملقَّن؛ لتقريرِ مضمون ما سبَقَ من إنكارِ التأخير والتوبيخ عليه، وفائدةٌ الحال تشديدُ التوبيخِ والتقريع، وزيادةُ التنديم والتحسير. قال العلّامة الطيبي: إنَّ (آلآن آمنتم به)) يقتضي أن يقال بعدَه: وقد كنتم به تُكذِّبون، لا (تستعجلون)) إلا أنَّه وُضِعَ مَوْضِعَه لأنَّ المراد به الاستعجالُ السابق، وهو ما حكاه سبحانه عنهم بقوله تعالى: (مَتَ هَذَا الْوَعْدُ) وكان ذلك تهُّماً منهم وتكذيباً واستبعاداً، وفي العدول استحضارٌ لتلك المقالةِ الشنيعة، فيكون أبلغَ من (تُكذِّبون». وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفعل لمراعاة الفواصل. وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ إلخ عطفٌ على ((قيل)) المقدَّرِ قبل ((آلآن)) لتوكيد (٢) التوبيخ، ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: وَضَعوا ما نُهوا عنه من الكفر والتكذيب موضعَ ما أُمِروا به من الإيمان والتصديق، أو ظلموا أنفسَهم بتعريضها للهلاك والعذاب. ووُضِعَ الموصولُ موضعَ الضمير لذمُّهم بما في حيِّز الصلة، والإشعارِ بعلِّيته لإصابة ما أصابهم. ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي: المؤلم على الدوام ﴿هَلْ تُجْزَوّنَ﴾ أي: ما تجزون ﴾﴾ أي: إلا ما استمررتُم على كَسْبِهِ في الدنيا من اليوم ﴿إِلَّ بِمَا كُثُمْ تَكْسِبُونَ أصناف الكفرِ التي من جُملتها ما مرَّ من الاستعجال. وزاد غيرُ واحدٍ في البيان سائرَ أنواع المعاصي، بناءً على أنَّ الكفار مكلّفون بالفروع فيُعذّبون على ذلك، لكنْ هل العذاب عليه مستَمِرٌّ تبعاً للكفر، أو منتهٍ كعذابٍ غيرهم من العصاة؟ قيل: الظاهرُ الثاني، وبه جُمِعَ بين النصوصِ الدالَّةِ على (١) التيسير ص ١٢٢، والنشر ١/ ٣٥٧. (٢) في الأصل و(م): توكيد، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٨/٥، والكلام منه. الآية : ٥٣ ١٧٤ تخفيف عذاب الكفار وما يعارِضُها، فقالوا: إنَّ المخفَّف عذابُ المعاصي، والذي لا يُخفَّف عذابُ الكفر. ﴿وَيَسْتَنْيُونَكَ﴾ أي: يَسْتَخْبِرونك ﴿أَحَقُّ مُوٌّ﴾ أي: العذابُ الموعود، كما هو الأنسبُ بالسياق دون ادِّعاء النبوَّةِ الذي جوَّزه بعضُهم، ورجّح عليه أيضاً بأنَّه لا يتأتَّى إثباتُ النبوّة لمنكريها بالقَسَم. وأُجيبَ بأنَّه ليس المرادُ منه إثباتَها، بل كونَ تلك الدعوى جدّاً لا هَزْلاً، أو أنَّه بالنسبة لمن يَقْنعُ بالإثبات بمثله. وقد يقال: ما ذكر مُشتَركُ الإلزام؛ لأنَّ العذاب الموعود لا يثبتُ عند الزاعمين أنَّه افتراءٌ قبل وقوعه بمجرَّد القَسَم أيضاً، فلا يصلُح ما ذكر مرجِّحاً. والحقُّ أنَّ القسم لم يُذكر للإلزام، بل توكيداً لِمَا أنكروه. والاستفهامُ للإنكار، والاستنباءُ على سبيل التهكّم والاستهزاء كما هو المعلومُ من حالهم، فلا يقتضي بقاءه على أصله. وربما يقال: إن الاستنباء بمعنى طلبٍ النبأ حقيقةً، لكنْ لا عن الحَقِّية ومقابلها بالمعنى المتبادِر، لأنَّهم جازمون بالثاني، بل المراد من ذلك الجِدُّ والهزْلُ، كأنَّهم قالوا: إنَّا جازمون بأنَّ ما تقوله كذبٌ لكنّا شاُون في أنَّه جِدٌّ منكِ أم هزلٌ فأخبرنا عن حقيقة ذلك. ونظيرُ هذا قولُهم: ﴿أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمَ بِهِ، جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]. على ما قرَّره الجماعة، إلَّا أنَّ ذلك خلافُ الظاهر. و((حقٌّ) خبرٌ قُدِّم على المبتدأ الذي هو ((هو)) ليَليَ الهمزةَ المسؤولُ عنه. وجوِّز أنْ يكون مبتدأً، و((هو)) مرتفعٌ به سادٍّ مسدَّ الخبر؛ لأنَّه بمعنى ثابت، فهو حينئذٍ صفة وقعَت بعد الاستفهام فتعمل، ويُكتفَى بمرفوعها عن الخبر إذا كان اسماً ظاهراً، أو في حُكْمِه كالضمير المنفصل هنا. والمشهورُ أنَّ استنبأ تتعدّى إلى اثنين، أحدُهما بدون واسطة، والآخَرُ بواسطة ((عن))، فالمفعولُ الأولُ على هذا لـ ((يستنبؤون)) الكافُ، والثاني قامت مقامَه هذه الجملةُ، على معنى: يسألونك عن جواب هذا السؤال، إذ الاستفهام لا يُسأل عنه، وإنما يُسأل عن جوابه. الآية : ٥٣ ١٧٥ سُۈلُونِسَ والزمخشريُّ لمَّا رأى أنَّ الجملة هنا لا تصلُح أنْ تكون مفعولاً ثانياً معنّى لِمَا عَرَفْتَ، ولفظاً لأنَّه لا يصحُّ دخولُ ((عن)) عليها، جعَل الفعل مضمَّناً معنى القول، أي: يقولون لك هذا، والجملةُ في محلِّ نصبٍ مفعول القول(١). وقرأ الأعمشُ: (الحقُّ هو)) بالتعريف مع الاستفهام(٢)، وهي تؤيِّد كونَ الاستفهام للإنكار، لِمَا فيها من التعريض لبطلانه المقتضي لإنكاره، لإفادة الكلام عليها القصرَ، وهو من قَصْرِ المُسْنَدِ على المسنَدِ إليه على المشهور، والمعنى: أنَّ الحقَّ ما تقول أم خلافه. وجَعَله الزمخشريُّ من قَصْرِ المسنَدِ إليه على المسند، حيث قال: كأنَّه قيل: أهو الحقُّ لا الباطل، أو: أهو الذي سمَّيتمُوه الحقَّ (٣). وأشارَ بالترديد إلى أنَّ الغرض مِن هذا الوجه لا يختلف جعل الحَصْر حقيقيّاً تهكُّماً أو ادِّعائياً. واعتُرِضَ ذلك بأنَّه مخالفٌ لِمَا عليه علماء المعاني في مثل هذا التركيب. وفي ((الكشف)): إنَّه يتخايَلُ أنَّ الحصر على معنى: أهو الحقُّ لا غيرُه، لا معنى: أهو الحقُّ لا الباطل. على ما قرَّروه في قولهم: زيدٌ المنطلق، والمنطلقُ زيدٌ. فعلى هذا لا يسد ما ذكره الزمخشريُّ، ولكنَّه يضمَحلُّ بما حققناه في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. وأنَّ انحصار أحدهما في الآخر يلاحَظُ بحسب المقام، وحينئذٍ لا يبالَى قدّمَ أو أخّر، وهاهنا المعنى على حَصْرٍ العذاب في الحقِّية، لا على حَصْرِ الحقِّية في العذاب. وقد قال هناك (٤): إنَّ التحقيق أنَّ نحو: زيدٌ المنطلق، وعَكْسَه، إنَّما يُحكم فيه بقَصْرِ الثاني - أعني الانطلاقَ - على الأول؛ لأنَّ المناسب قَصْرُ العامِّ على الخاصِّ، وكذلك نحو: الناسُ هم العلماء، والعلماءُ هم الناس، وإنْ كان بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجْهٍ؛ لأنَّ المقصودَ بيِّنٌّ. وأمَّا في نحو قولنا: (١) ينظر الكشاف ٢/ ٢٤١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٩/٥. (٢) المحتسب ٣١٢/١، والمحرر الوجيز ١٢٥/٣، والكشاف ٢٤١/٢، والبحر ١٦٨/٥. (٣) الكشاف ٢٤١/٣. (٤) يعني صاحب الكشف عن آية البقرة. ١٧٦ الآية : ٥٣ الخاشعون هم العلماءُ والعلماء هم الخاشعون، فالحكم مختلِفٌ تقديماً وتأخيراً، وأحدُ القصرَين غيرُ الآخر، فينبغي أنْ يُنظَر إلى مقتضَى المقام، إنْ تعيَّن أحدُهما لذلك حُكم به قدِّم أو أخِّر، وإلا رُوعي التقديم والتأخير، وقد يكون القصرُ مُتعاكساً نحو: زيدٌ المنطلق، إذا أُريدَ المعهود وهذا ذاك، وكذلك الجنسان إذا اتَّحدا مَورداً، كقولك: الضاحكُ الكاتب، إلى آخر ما قال. وكون المعنى هنا على حصر العذاب في الحقِّية دون العكس هو المناسب. ومخالفةُ علماء المعاني ليست بدعاً من صاحب ((الكشاف» وأمثاله، والحُّ ليس محصوراً بما هم عليه كما لا يخفى، فتدبّر. ﴿قُلْ إِى وَرَبَِّ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ أي: قل لهم غيرَ مكترثٍ باستهزائهم، مُغضياً عمَّا قصدوا، بانياً للأمر على أساس الحكمة: نعم إنَّ ذلك العذابَ الموعودَ ثابتٌ البتة، فضمير ((إنَّه)) للعذاب أيضاً. و ((إي)) حرفُ جوابٍ وتصديقٍ بمعنى: نعم، قيل: ولا تُستعمل كذلك إلا مع القسم خاصَّةً، كما أنَّ ((هل)) بمعنى ((قد)) في الاستفهام خاصَّةً، ولذلك سُمع من كلامهم وصلُها بواو القسم إذا لم يُذكر المقسَم به، فيقولون: ((إيو))(١)، ويُوصلون به هاء السكت أيضاً فيقولون: ((إيوه)). وهذه اللفظةُ شائعةٌ اليوم في لسان المصريين وأهلٍ ذلك الصقع. وادّعى أبو حيان أنَّه يجوز استعمالُها مع القسم وبدونه، إلا أنَّ الأول هو الأكثر(٢). قال: وما ذُكِرَ من السماع ليس بحجّة؛ لأنَّ اللغة فسدَت بمخالطة غيرِ العرب، (١) الكشاف ٢٤١/٢، وفيه قول الزمخشري: سمعتهم يقولون: إيو، ولا يخفى أن عصره بعد عصر السماع، ولذلك تعقبه أبو حيان كما سیرد. (٢) نقل المصنف كلام أبي حيان بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٩/٥، وكلام أبي حيان في البحر، وكذلك في النهر على هامش البحر ١٦٨/٥ صريح في أنها لا تستعمل إلا مع القسم، وما ذكره المصنف والشهاب عنه قد نقل نحوه في البحر ١٦٩/٥ عن ابن عطية، فقال: قال ابن عطية: هي لفظة تتقدم القسم وهي بمعنى نعم، ويجيء بعدها حرف القسم وقد لا يجيء؛ تقول: إي رمِّي، إي ورِي. انتهى. الآية : ٥٤ ١٧٧ سُؤَلا تُونس فلم يَبْقَ وثوقٌ بالسماع، وحَذْفُ المجرور بواو القسم والاكتفاءُ بها لم يُسمَع مِن موثوقٍ به، وهو مخالفٌ للقياس(١). وأكَّد الجواب بأتمِّ وجوه التأكيد حَسْبَ شدّة إنكارهم وقوَّته، وقد زِيْدَ تقريراً وتحقيقاً بقوله جلَّ شأنُه: ﴿وَمَّ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾﴾ أي: بفائتين العذابَ، على أنَّه من فاته الأمرُ: إذا ذهب عنه. ويصحُّ جَعْلُه من ((أَعجَزَه)) بمعنى: وَجَده عاجزاً، أي: ما أنتم بواجدي العذابٍ أو مَن يُؤْقعُه بكم عاجزاً عن إدراككم وإيقاعِه بكم، وأيّاً ما كان فالجملةُ إمَّا معطوفةٌ على جواب القسم، أو مستأنفةٌ سيقت لبيان عجزِهم عن الخلاص، مع ما فيه من التقرير المذكور. ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَمَتْ﴾ أي: بالكفر، أو بالتعدِّي على الغير، أو غيرِ ذلك من أصناف الظلم، كذا قيل. وربما يُقتصر على الأول لأنَّه الفردُ الكاملُ مع أنَّ الكلام في حقِّ الكفار. و((لو)) قيل: بمعنى ((إنْ))، وقيل: على ظاهرها، واستُبعد، ولا أَراه بعيداً. ﴿مَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: ما في الدنيا من خزائنها وأموالها ومنافِعها قاطبةً ﴿لَآَفْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لجعلَته فديةً لها من العذاب، من افتداه بمعنى فَدَاه، فالمفعولُ محذوفٌ، أي: لافتدَت نفسها به. وجوِّز أنْ يكون افتدى لازماً على أنَّه مُطاوِعُ («فدَى)) المتعدِّي، يقال: فداه فافتدى. وتعقّب بأنه غيرُ مناسبٍ للسياق؛ إذ المتبادرُ منه أنَّ غيرَه فَدَاه؛ لأنَّ معناه: قَبِلَتِ الفدية، والقابلُ غيرُ الفاعلِ. ونُظر فيه بأنَّه قد يتَّحد القابلُ والفاعلُ إذا فدى نفسه، نعم المتبادِرُ الأول. ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ أي: النفوسُ المدلولُ عليها بـ ((كلّ نفسٍ))، والعدولُ إلى صيغة الجمع لإفادة تهويل الخطب بكون الإسرار بطريق المعيَّة والاجتماع. وإنَّما لم يُراعَ ذلك (١) حاشية الشهاب ٣٩/٥، والكلام في البحر ١٦٨/٥-١٦٩ دون قوله: وحذف المجرور بواو القسم ... سُولُ لُونِسَ ١٧٨ الآية : ٥٤ فيما سبق لتحقيق ما يُتُوَخَّى من فرض كون جميع(١) ما في الأرض لكلِّ واحدةٍ من النفوس. وإيثارُ صيغةٍ جمع المذكَّر لحمل لفظِ النفس على الشخص، أو لتغليب ذکورٍ مدلوله علی إنائه. والإسرارُ: الإخفاء، أي: أَخْفَوا ﴿النَّدَامَةَ﴾ أي: الغمَّ والأسفَ على ما فعلوا من الظلم، والمرادُ إخفاءُ آثارِها كالبكاء وعضِّ اليد، وإلَّ فهي من الأمور الباطنة التي لا تكون إلَّا سرّاً، وذلك لشدَّة حيرتهم وبَهتهم. ﴿لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابِّ﴾ أي: عند معاينتهم من فظاعة الحال وشدَّة الأهوال ما لم يمرَّ لهم ببال، فَأَشْبَه حالُهم حالَ المقدَّم للصَّلْبِ يُثخنه ما دَهَمَه من الخَطْب، ويُغلَب حتى لا يستطيع التفوُّه بِنْتِ شَفَة، ويبقَى جامداً مَبْهوتاً . وقيل: المرادُ بالإسرار: الإخلاصُ، أي: أَخْلَصوا الندامةَ، وذلك إمّا لأنَّ إخفاءها إخلاصُها، وإما من قولهم: سرُّ الشيءٍ، لخالصِهِ الذي من شأنه أنْ يخفَى ويُصانَ ويُضَنَّ به. وفيه تھگُّمُ بهم. وقال أبو عبيدة والجبائي: إنَّ الإسرار هنا بمعنى الإظهار(٢). وفي ((الصحاح)): أسررتُ الشيءَ: كتمتُه، وأعلنتُه أيضاً، وهو من الأضداد، والوجهان جميعاً يُفسَّران في قوله تعالى: (وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ) وكذلك في قول امرئ القيس: لو يُسِرُّونَ مقتلي(٣). انتهى. وفي ((القاموس)) أيضاً: أَسرَّه: كَتَمَه وأَظهرَه، ضدّ (٤). وفيه اختلافُ اللغويين، فإنَّ الأزهريَّ منهم ادَّعى أنَّ استعمال ((أَسرَّ» بمعنى (١) في الأصل و(م): جمع، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٥٤/٤، والكلام منه. (٢) مجمع البيان ٦١/١١، وقول أبي عبيدة ذكره أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة ٢٨٥/٢. (٣) الصحاح (سرر)، والبيت في ديوان امرئ القيس ص١٣ برواية: يُشِرُّون. قال النحاس في شرح المعلقات ١٧/١: مَن روى يسرُّون فيجوز أن يكون معناه عنده: يكتمون، ويجوز معناه: يُظهرون. أما يشرون فمعناه يظهرون لا غير. ورواية البيت في الديوان: تجاوَزْتُ أحراساً وأهوالَ معشرٍ عليَّ حِراصٍ لو يُشرُّون مقتلي وروايته في شرح المعلقات للنحاس ١٧/١، وللتبريزي ص٣٧ : تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراً عليَّ حراصاً لو يُشِرُّون مقتلي (٤) القاموس (سرر). الآية : ٥٤ ١٧٩ ((أَظهرَ)) غلطٌ، وأنَّ المستعمل بذلك المعنى هو ((أَشرَّ)) بالشين المعجمة لا غير(١). ولعلَّه قد غَلِطَ في التغليط، وعليه فالإظهارُ أيضاً باعتبار الآثار على ما لا يخفَى. وجوَّز بعضُهم أنْ يكونَ المراد بالإسرار الإخفاءَ إلَّا أنَّ المراد من ضمير الجمع الرؤساء، أي: أخفَى رؤساؤهم الندامةَ من سَفِلَتهم الذين أضلَّوهم حياءً منهم وخوفاً من توبيخهم. وفيه أنَّ ضميرَ ((أسرُّوا)) عامّ لا قرينةَ على تخصيصه، على أنَّ هول الموقف أشدُّ من أن يتفكّر معه في أمثال ذلك. وجملة ((أسرُّوا)) مستأنفةٌ على الظاهر، وقيل: حالٌ بتقدير ((قد))، و((لمَّا)) على. سائر الأوجه بمعنى ((حين)) منصوبٌ بـ ((أسرُّوا))، وجوِّز أن تكون للشرط، والجوابُ محذوفٌ على الصحيح لدلالةِ ما تقدَّم عليه، أي: لمَّا رأوا العذابَ أسرُّوا الندامة. ﴿وَقُضِىَ﴾ أي: حُكم وفُصِلَ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين النفوس الظالمة ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾﴾ أصلاً لأنَّه لا يُفعل بهم إلا ما يقتضيه استعدادُهم. وقيل: ضميرُ (بينهم)) للظالمين السابقين في قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ) والمظلومين الذين ظلموهم وإنْ لم يَجْرِ لهم ذكرٌ، لكنَّ الظلم يدلُّ بمفهومه عليهم، وتخصيص الظلم بالتعدِّي، والمعنى: وقعَت الحكومة بين الظالمين والمظلومين، وتُومل كلٌّ منهما بما يليق به. وأنت تعلم أنَّ المقام لا يساعد على ذلك؛ لأنَّه(٢) إنْ لم يَقْتَضِ حَمْلَ الظلم على أعظم أفراده وهو الشرك، فلا أقلّ من أنَّه يَقْتَضي حمله على ما يُدخل ذلك فيه دخولاً أوَّلِيّاً. والظاهرُ أنَّ جملة ((قُضي)) مستأنفةٌ. وجوِّز أنْ تكون معطوفةً على جملة ((رأوا))، فتكون داخلةً في حيِّز ((لمَّا). (١) ذكره عن الأزهري الطبرسي في مجمع البيان ٦٦/١١، ولم نقف عليه في تهذيب اللغة، وفيه تعقيباً على قول أبي عبيدة بأن معنى ((أسروا الندامة)) أظهروها: ولم أسمع ذلك لغيره. تهذيب اللغة ٢٨٥/١٢. (٢) يعني المقام. تفسير أبي السعود ٤/ ١٥٤ - ١٥٥، والكلام فيه بنحوه. سُوَلُكُونس ١٨٠ الآية : ٥٥ ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: إنَّ له سبحانه لا لغيره تعالى ما وُجد في هذه الأجرامِ العظيمة، داخلاً في حقيقتها، أو خارجاً عنها متمكِّناً فيها، وكلمةُ (ما)) لتغليب غيرِ العقلاء على العقلاء، وهو تذييلٌ لِمَا سبق، وتأكيدٌ واستدلالٌ عليه بأنَّ مَن يملك جميع الكائنات وله التصرُّف فيها، قادرٌ على ما ذكر. وقيل: إنَّه متَّصلٌ بقوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِ الْأَرْضِ لَآَقْتَدَتْ ◌ِهِ) كأنَّه بيانٌ لفقدهم(١) ما يفتدون به، وعَدَم ملكهم شيئاً، حيث أفادَ أنَّ جميع ما في السماوات والأرض ملكُه، لا ملكَ لأحَدٍ فيه سواه جلَّ وعلا. وليس بشيءٍ وإنْ ذكره بعضُ الأجلَّة واقتصر عليه. ﴿أَّ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ﴾ أي: جميعَ ما وَعَدَ به كائناً ما كان، فيندرجُ فيه العذابُ الذي استعجلوه وما ذُكر في أثناء بيانٍ حاله اندراجاً أوليّاً. فالمصدرُ بمعنى اسم المفعول، ويجوز أن يكونَ باقياً على معناه المصدريِّ، أي: وَعْده سبحانه بجميع ما ذكر ﴿حَقٌّ﴾ أي: ثابتٌ واقعٌ لا محالة، أو مطابقٌ للواقع. والظاهرُ أنَّ حَمْل الوعدِ على العموم بحيث يندرج فيه العذابُ المذکورُ والعقابُ للعصاة، أو الوعدُ بهما، يستدعي اعتبارَ التغليب في الكلام. وبعضُهم حَمَلَ الوعدَ على ما وُعِدَ بِهِ وَّه من نَصرِه وعقابٍ مَن لم يتَّبعه، وقال: إنَّ اعتبار التغليب توقُّمٌ وليس بالمتعیِّن. وإظهارُ الاسم الجليل لتفخيم شأن الوعد والإشعارِ بعلَّة الحكم. وتصدیرُ الجملتَين بحرفي التنبيه والتحقيق للتسجيل على تحقَّق مضمونها المقرِّرِ لمضمون ما سلف من الآيات الكريمة، والتنبيهِ على وجوب استحضارِه والمحافظةِ عليه. وذَكَر الإمامُ في توجيه ذكر أداةِ التنبيه في الجملة الأولى أنَّ أهل هذا العالَم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة، فيضيفون الأشياء إلى ملاكها الظاهرةَ المجازية، ويقولون مثلاً: الدارُ لزيد، والغلامُ لعمرو، والسَّلْطَنةُ للخليفة، والتصرُّف للوزير. فكانوا مستغرقين في نوم الجهل والغفلة، حيث يظنُّون صحةَ تلك (١) في (م): لعقدهم، وهو تصحيف.