Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ٢٤
١٠١
سُوَلُ كُونِسَ
وجَعْلُ ذلك من قبيل: ولا أرضَ أَبْقَلَ إبقالَها (١)، كما ترَى، فينبغي أنْ يَرجع للنبات
أو للزرع مثلاً. ومآلُ المعنى: كأنْ لم يكن نابتاً ﴿بِالْأَمْسَ﴾ أي: فیما قبلَ إتيانِ
أمرنا بزمانٍ قريبٍ، فإنَّ الأمس مَثَلٌ في ذلك.
والجملةُ التشبيهية جُوِّز أن تكون في محلِّ النصب على أنَّها حالٌ، وأنْ تكونَ
مستأنفةً لا محلَّ لها من الإعراب جواباً لسؤالٍ مقدَّر.
والممثَّلُ به في الآية ما يُفهم من الكلام - وهو زوالُ خُضرةِ النبات فجأةً وذهابُه
حطاماً لم يَبْقَ له أثرٌ بعد ما كان غضًّا طريّاً قد التفَّ بعضُه ببعضٍ وازَّينت الأرضُ
بألوانه حتى طمع الناس وظنُّوا أنَّه قد سَلِمَ من الجَوَائح - لا الماءُ وإِنْ دخلته كافُ
التشبيه؛ فإنَّه من التشبيه المركَّب، مع اشتمال الكلامِ نفسِه على أمورٍ حقيقيةٍ وأمور
مجازيةٍ فيها من اللَّطافة ما لا يخفى.
وعن أبيِّ أنَّه قرأ: ((كأن لم تَغْنَ بالأمسِ وما أَهلَكناها إلا بذنوبٍ أهلها))(٢).
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْلَ ذلك التفضيلِ البديع ﴿نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي: القرآنية، التي
من جملتها هذه الآيةُ الجليلةُ الشأنِ المنبِّهةُ على أحوال الحياةِ الدنيا، أي:
نوضحها ونبينُها ﴿لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾ في معانيها، ويقفون على حقائقها،
وتخصيصُهم بالذِّكر لأنَّهم المنتفعون.
وجُوِّز أنْ يُراد بالآيات ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات والفاسدات،
وبتفصيلها تصريفُها على الترتيب المحكيّ إيجاداً وإعداماً، فإنّها آياتٌ وعلاماتٌ
يَستدلُّ بها المتفكِّر فيها على أحوال الحياة الدنيا حالاً ومآلاً. والأولُ هو الظاهر.
وعن أبي مجلز أنَّه قال: كان مكتوباً إلى جَنْبٍ هذه الآيةِ فمُحي: ((ولو أنَّ لابنِ
آدَمَ واديَيَن مِن مالٍ لتمنَّى وادياً ثالثاً، ولا يُشبع نفسَ ابنِ آدمَ إلا التراب، ويتوبُ الله
على مَن تاب))(٣).
(١) وصدره: فلا مزنة وَدَقَتْ وذقّها، وهو في الكتاب ٤٦/١، والخزانة ٤٥/١، وسلف ٢٣٩/٢.
(٢) تفسير الطبري ١٥٢/١٢، والمحرر الوجيز ١١٥/٢، والبحر ١٤٤/٥.
(٣) جاء في هامش الأصل: أخرجه أبو الشيخ. اهـ. وقد عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٠٤/٣
لابن المنذر وأبي الشيخ. وقوله: ((لو أن لابن آدم واديين ... )) أخرجه البخاري
=

سُؤَدَُّ دُونِسَّ
١٠٢
الآية : ٢٥
﴿وَاللَّهُ يَدْعُوَاْ إِلَى دَارِ السَّلَيِ﴾ ترغيبٌ للناس في الحياة الأخروية الباقية إِثْرَ
ترغيبهم عن الحياة الدنيوية الفانية، أي: يدعو الناسَ جميعاً إلى الجنة حيث يأمرُهم
بما يُفضي إليها، وسُمِّيت الجنة بذلك لسلامةِ أهلها عن كلِّ ألم وآفةٍ، أو لأنَّ الله
تعالى يُسلِّم عليهم، أو لأنَّ خَزَنَتَها يقولون لهم: سلامٌ عليكم طبتم، أو لأنَّ بعضَهم
يُسلِّم فيها على بعض ـ فـ ((السلام)) إمَّا بمعنى السلامة أو بمعنى التسليم - أو لأنَّ
السلام من أسمائه تعالى، ومعناه: هو الذي منه وبه السلامةُ، أو ذو السلامة عن
جميع النقائص، فأُضيفَت إليه سبحانه للتشريف، كما في بيت الله تعالى للكعبة؛
ولأنَّه لا مُلكَ لغيره جلَّ شأنه فيها ظاهراً وباطناً، وللتنبيه على أنَّ مَن فيها سالمٌ عمَّا
مرَّ للنظر إلى معنَى السلامة في أصله، ويدلُّ على قَصْدِه تخصيصُه بالإضافة إليه دونَ
غيره من أسمائه تعالی.
مُؤْصِلٍ إلى تلك الدار، وهو
﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ هدايتَه ﴿إِلَى صِرَطٍ نُسْتَقِى
الدِّينُ الحقُّ.
وفي الآية دلالةٌ على أنَّ الهداية غيرُ الدعوة إلى ذلك، وعلى أنَّ الأمر(١) مغايرٌ
للإرادة، حيث عمَّم سبحانه الدعوةَ إذ حَذَف مفعولها، وخصَّ الهداية بالمشيئة
المساوية للإرادة على المشهور إذ قيَّدها بها، وهو الذي ذَهَب إليه الجماعة.
وقال المعتزلة: إنَّ المراد بالهداية التوفيقُ والألطاف، ومغايرةُ الدعوة والأمرِ
لذلك ظاهرةٌ، فإنَّ الكافر مأمورٌ وليس بموفَّق، وإنَّ ((من يشاء)» هو مَن عَلَمَ سبحانه
أنَّ اللطفَ يَنفعُ فيه؛ لأنَّ مشيئتَه تعالى شأنُه تابعةٌ للحكمة، فمَن عَلمَ أنَّه لا ينفع فيه
اللطفُ لم يُوفِّقه ولم يَلطُف به؛ إذ التوفيق لمن عَلم الله تعالى أنَّه لا ينفعُه عَبثٌ،
والحكمةُ منافيةٌ للعبث، فهو جلَّ وعلا يهدي مَن ينفعُه اللطف، وإن أراد اهتداءً
الکلِّ.
= (٦٤٣٦)، ومسلم (١٠٤٩) من حديث ابن عباس ◌ًا. وأخرج نحوه البخاري أيضاً
(٦٤٣٨) من حديث ابن الزبير
ثم أخرج
◌ُه .
ـّ، و(٦٤٣٩) من حديث أنس
البخاري (٦٤٤٠) من طريق أنس عن أبيٍّ قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت:
﴿أَلَمَنْكُمُ التَّكَثِرُ﴾ .
(١) قوله: الأمر، مأخوذ من قوله: ((يدعو))؛ لأن الدعاء يكون بالأمر. حاشية الشهاب ٢١/٥.

الآية : ٢٦
١٠٣
سُ الأُ كُونس
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: العملَ، بأنْ فَعَلوا المأمورَ به واجتنبوا المنهيَّ عنه، وفسَّر
رسولُ اللهِ وَ﴿ الإحسانَ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنْ تعبدَ الله تعالى كأنَّك تراه،
فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك))(١).
﴿الْمُسْنَى﴾ أي: المنزلةُ الحسنَى وهي الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ وهي النظرُ إلی وجه ربُّهم
الكريم جلَّ جلاله، وهو التفسيرُ المأثور عن أبي بكر وعليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابنِ
عباسٍ وحذيفةَ وابن مسعود وأبي موسى الأشعريِّ وخَلْقٍ آخرين، وروي مرفوعاً إلى
رسول اللهِ وَل﴿ من طُرقِ شتَّى، وقد أخرج الطيالسيُّ وأحمدُ ومسلم والترمذيُّ وابن
ماجه وابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ،
والدار قطنيُّ في ((الرؤية))، وابنُ مردويه، والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات))، عن
صهيب: أَنَّ رسول الله وَّه تلا هذه الآية: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) إلخ فقال: ((إذا دخَل أهلُ
الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ نادَى منادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله تعالى موعداً
يُريد أنْ يُنجِزَكموه. فيقولون: وما هو؟ أَلَم يُثَقِّلْ مَوازينَنا ويُبيِّضْ وجوهَنا ويُدخلنا
الجنة ويُزَحْزْنا عن النار؟ قال: فيكشفُ لهم الحجابَ فَيَنظُرُونَ إليه سبحانه، فوالله
ما أَعطاهم الله تعالى شيئاً أحبَّ إليهم من النَّظر إليه، ولا أقرَّ لأعيُنُهم))(٢).
فحكايةُ هذا التفسير بِقِيلَ - كما فَعَل البيضاويُّ عفا الله تعالى عنه(٣) - مما لا ينبغي.
وقولُ الزمخشريِّ عامَلَه الله تعالى بعَدْلِهِ: إنَّ الحديث مرقوع (٤) - بالقاف - أي:
مفترَى؛ لا يَصْدُر إلا عن رَقيع، فإنَّه متَّفقٌ على صحته، وقد أخرجه حُفَّاظٌ ليس
فيهم ما يقال.
(١) قطعة من حديث جبريل الطويل، أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨). وسلف ٢٩٥/٢.
(٢) مسند الطيالسي (١٣١٥)، ومسند أحمد (١٨٩٣٥)، وصحيح مسلم (١٨١): (٢٩٨)، وسنن
الترمذي (٢٥٥٢)، وسنن ابن ماجه (١٨٧) واللفظ له، وتفسير الطبري ١٦٠/١٢، وتفسير
ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٥، والتوحيد لابن خزيمة ص١٨٠، وصحيح ابن حبان (٧٤٤١)،
والرؤية (١٥٥)، والأسماء والصفات (٦٦٥)، وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه
السيوطي في الدر ٣٠٥/٣، وعنه نقل المصنف.
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٢/٥.
(٤) الكشاف ٢٣٤/٢، وحاشية الشهاب ٢٢/٥، وعنه نقل المصنف، وجاء في مطبوع
الكشاف: مرفوع.

١٠٤
الآية : ٢٦
نعم جاء في تفسير ذلك غيرُ ما ذُكر، لكنْ ليس في هذه الدرجة من الصحة،
ولا رُفعَ فيه صريحاً، فقد أخرج ابن جرير (١) عن مجاهد قال: الزيادةُ المغفرةُ
والرضوان.
وأخرَجَ عن الحسن: أنَّها تضعيفُ الحسنةِ بعشر أمثالها إلى سبعٍ مئةِ ضِعْفٍ.
وأخرج عن ابن زيد: أنَّها أنْ لا يُحاسبَهم على ما أعطاهم في الدنيا.
وأخرج عن الحكم بنِ عتيبة عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّها غرفةٌ مِن لؤلؤةٍ
واحدةٍ لها أربعةُ أبوابٍ. وتعقّبه ابن الجوزي بأنَّه لا يصحُّ(٢).
وقيل: الزيادةُ أنْ تمرَّ السحابةُ بهم فتقول: ما تريدون أن(٣) أمطركم؟
فلا يريدون شيئاً إلَّا أَمطرتهم.
وجمع بعضُهم بينَ الروايات بأنَّه لا مانعَ من أنْ يَمُنَّ الله تعالى عليهم بكلٌ
ما ذُكر، ويَصدُق عليه أنَّه زيادةٌ على ما منَّ به عليهم من الجنة، وأُيِّد ذلك
بما أَخرجه سعيد بن منصور وابنُ المنذر والبيهقيُّ عن سفيان أنَّه قال: ليس في
تفسير القرآن اختلافٌ إنما هو كلامٌ جامعٌ يُراد به هذا وهذا(٤).
والذي حَمَل الزمخشريَّ على عدم الاعتماد على الروايات الناطقةِ بِحَمْلِ الزيادة
على رؤية الله تعالى زَعْمُه الفاسدُ كأصحابه أنَّ الله تعالى لا يُرى، وقد علمتَ منشأ
ذلك الزعمِ، وقد ردَّه أهلُ السنَّة بوجوه.
﴿وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ◌ِلَّهُ﴾ أي: لا يغشاها غَبَرَةٌ مّا فيها سوادٌ، ولا أثرُ
هوانٍ مّا وكسوف بال، والمعنى: لا يَعْرِضُ لهم ما يَعْرِضُ لأهل النار، أو:
لا يَعْرِضُ لهم ما يوجب ذلك من الحُزن وسوءِ الحال، والكلامُ على الأول حقيقةٌ
(١) في تفسيره ١٢/ ١٦٢-١٦٤.
(٢) زاد المسير ٢٤/٤.
(٣) في الأصل و(م): أنا، والمثبت من تفسير الثعلبي ٥/ ١٣٠، والكشاف ٢٣٤/٢، وتفسير
الرازي ٧٨/١٧، وتفسير القرطبي ٤٨٤/١٠.
(٤) سنن سعيد بن منصور (١٠٦١- تفسير)، وعزاه لابن المنذر والبيهقي في الرؤية السيوطي في
الدر ٣٠٦/٣.

الآية : ٢٧
١٠٥
سُوءادُونَ}
وعلى الثاني كنايةٌ؛ لأنَّ عدم غشيان ذلك لازمٌ لعدم غشيان ما يوجبهما، فذَكّر
اللازمَ لينتقل منه إلى الملزوم، ورُجِّح هذا بأنَّه أَمدحُ، والمقصودُ بيانُ خُلوصٍ
نعيمهم من شوائب المكاره إثْرَ بيان ما منَّ سبحانه به عليهم من النعيم.
وقيل: إنَّ ذِكْر ذلك لتذكيرهم بما يُنقذهم منه، فإنَّهم إذا ذكروا ذلك زادَ
ابتهاجُهم ومسرَّتُهم، كما أنَّ أهل النار إذا ذكروا ما فاتهم من النعيم ازداد غمُّهم
وحسرتُهم.
وقيل: الغرضُ إدخالُ السرور عليهم بتذكير حالِ أعدائهم أهلِ النار، فإنَّ
الإنسان متى علم أنَّ عدوَّه في الهوان وسوءِ الحال ازداد سروراً، وقد شاهدنا مَن
يَكتفي بمضرَّةٍ عدوّه عن حصول المنفعة له، بل مَن يَسرُّه ضررُ عدوِّه وإنْ تضرَّر
هو .
وتقديمُ المفعول على الفاعل للاهتمام ببيان أنَّ المَصُونَ من الرَّهَقِ أشرفُ
أعضائهم، وللتشويق إلى المؤشّر؛ ولأنَّ في الفاعل ضربُ تفصيل.
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المذكورون باعتبارِ اتِّصافهم بما تقدَّم ﴿أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا
﴾ دائمون بلا زوالٍ، ويلزمُ ذلك عدمُ زوالِ نعيمها.
خَلِدُونَ
﴿وَلَّذِينَ كَسَبُواْ السَِّئَاتِ﴾ أي: الشركَ والمعاصيَ، وهو مبتدأُ بتقدير المضاف
خبرُه قولُه سبحانه: ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ والباءُ متعلِّقةٌ بـ ((جزاء))، وهو مصدرُ المبنيِّ
للمفعول، لا اسمٌ للعِوَضِ كما في بعض الأوجُهِ الآتية على ما قيل، أي: جزاء
الذين كسبوا السيئات أنْ تُجازَى سيئةٌ واحدةٌ بسيئةٍ مثلِها، على معنى عدمِ الزيادة
بمقتضى العدل، وإلا فلا مانعَ عن العفو بمقتضى الكرم، لكنَّ ذلك في غير الشركِ.
ويجوزُ أنْ يكون («جزاءُ سيئةٍ بمثلها)» جملةً من مبتدأ وخبر، هي خبرُ المبتدأ،
وحينئذٍ لا حاجةً إلى تقدير المضاف، لكنَّ العائد محذوفٌ، أي: جزاءُ سيئة منهم
بِمِثْلِها، على حدٍّ: السَّمَنُ مَنَوانٍ(١) بدرهمٍ.
وأجاز أبو الفتح أنْ يكون ((جزاء)) مبتدأً محذوفَ الخبر(٢)، أي: لهم جزاءُ سيئةٍ
(١) مثنّى مَنَا، وهو الكيل، أو الميزان الذي يوزن به. اللسان (منا).
(٢) سر صناعة الإعراب ١٤٠/١.

سُمُّدُونَِّ
١٠٦
الآية : ٢٧
بِمِثْلِها، وحُذف ((لهم)) لقرينة ((للذين أحسنوا))، والجملةُ خبرُ ((الذين كسبوا))،
وحينئذٍ لا حاجةَ إلى تقدير عائدٍ، كما لا حاجةً إلى تقدير مضافٍ.
وجَوَّز غيرُ واحدٍ أنْ يكون (للذين)) عطفاً على ((الذين)) المجرورِ الذي هو مع
جاره خبرٌ، و((جزاء سيئة)) معطوفٌ على ((الحسنى)) الذي هو المبتدأ، وفي ذلك
العطفُ على معمولي عاملَين مختلفَين، وفيه مذاهب: المنعُ مطلقاً وهو مذهبُ
سيبويه، والجوازُ مطلقاً وهو مذهبُ الفرَّاء، والتفصيلُ بين أنْ يتقدَّم المجرورُ نحو:
في الدار زيدٌ والحجرةِ عمرٌو، فيجوزُ، أوْ لا فيمتنعُ، والمانعون يحملون نحوَ هذا
المثالِ على إضمار الجارِّ، ويجعلونه مطرداً كقوله:
أكلَّ امرئٍ تَحسبينَ امْرَأَ ونارٍ تَوقَّدُ بالليل ناراً(١)
وقيل: هو مبتدأٌ والخبرُ جملةُ ((ما لهم من الله من عاصم)) أو ((كأنما أُغشيت))
أو ((أولئك أصحابُ النار)) وما في البَيْنِ اعتراضٌ. وفي تعدُّدِ الاعتراض خلافٌ بين
النخويين، و((جزاءُ سيئة)) حينئذٍ مبتدأٌ، و((بمثلها)) متعلِّقٌ به، والخبر محذوفٌ، أي:
واقعٌ، أو ((بمثلها)) هو الخبر على أنَّ الباء زائدةٌ، أو الجارُّ والمجرورُ في موضع
الخبر على أنَّ الباء غيرُ زائدةٍ، والأَوْلَى تقديرُ المتعلَّق خاصّاً كـ : مقدَّرٌ، ويصحُّ
تقديره عامّاً، والقولُ بأنَّه لا معنى له حاصل وهم ظاهر.
وأيّاً ما كان لا دلالة في الآية على أنَّ الزيادة هي الفَضْلُ دون الرؤية، وقد
علمتَ أنَّ تفسيرها بذلك هو المأثورُ عن النبيِ وَّهِ وجملةٍ من السَّلَف الصالح،
فلا ينبغي العدولُ عنه لِمَا يتراءى منه خلافُه، لاسيما وقد أتَى الإمام(٢) وغيرُه
بدلائلَ جَمَّةٍ على أنَّ المراد بها ذلك.
ولم يؤتَ بالآيتَين على أسلوبٍ واحدٍ لمراعاة ما بين الفريقين من كمال التنائي
والتباين، وإيرادُ الكَسْبِ للإيذان بأنَّ ذلك إنَّما هو بسوء صنيعهم وجنايتهم على
أنفسهم.
﴿وَزْهَقُهُمْ زِلٌَّ﴾ أي: هوانٌ عظيم، فالتنوين هنا للتفخيم، على عكس التنوين
(١) البيت لأبي دؤاد الإيادي، كما في الكتاب ٦٦/١، والأصمعيات ص١٩١.
(٢) في تفسيره ١٧ / ٧٧ .

الآية : ٢٧
١٠٧
سُورَةُ نُونسَ
فيما قبلُ كما أشرنا إليه، وفي إسنادِ الرَّهقِ إلى أنفسهم دون وجوههم إيذانٌ بأنَّها
محيطٌ بهم غاشیةٌ لهم.
وقرئ: ((يرهقهم)) بالياء التحتانية (١) لكون الفاعل ظاهراً وتأنيثه غير حقيقيّ.
وقيل: التذكير باعتبار أنَّ المراد من الذلة سَبَبُها مجازاً. ولا يُحتاجُ إليه
كما لا يخفَى؛ لأنَّ التذكير في مَجازيِّ التأنيث - لاسيما المفصول - كثيرٌ جدّاً.
والواو على ما قال غيرُ واحدٍ للعطف، وما بعده معطوفٌ على ((كسبوا)).
وضعَّفه أبو البقاء بأنَّ المستَقْبَلَ لا يُعطف على الماضي(٢). وأُجيبَ بالمنع. وفي
العطفِ هاهنا ما لا يخفَى من المبالغة، حيث أخرجَ نسبة الرَّهق إليهم يومَ القيامة
مخرجَ المعلوم، حيث جعلَ ذلك بواسطة العطف صلةً الموصول.
وقيل: إنَّه عطفٌ على ما قبله بحسب المعنى، كأنَّه قيل: والذين كسبوا السيئات
تُجازَى سيئتُهم بمثلها وتَرهقُهم ذلَّةٌ، ولعله أولَى من الأول.
وأمَّا جَعْلُ الواو حاليةً، والجملةُ في موضع الحال من ضمير (كسبوا))،
فلا یخفَی حالُه.
﴿مَّا لَهُم مِّنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ﴾ أي: ما لهم أحدٌ يعصمُهم ويمنَعُهم من سخط الله
تعالى وعذابه، فـ ((مِن)) الأولى متعلِّقةٌ بـ ((عاصم))، والكلام على حذف مضافٍ،
و(مِن)) الثانيةُ زائدةٌ لتعميم النفي.
أو: ما لهم مِن جهته وعنده تعالى مَن يعصمُهم كما يكون للمؤمنين، فـ ((مِن))
الأولى متعلّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ((عاصم)).
وقيل: متعلّقةٌ بالاستقرار المفهوم من الظرف، وليس في الكلام مضافٌ
محذوف. و((مِن)) الثانية على حالها .
والجملةُ مستأنفةٌ أو حالٌ من ضمير ((تَرهَقُهم)). وفي نفي العاصم من المبالغة
في نفي العصمة ما لا يخفى.
(١) القراءات الشاذة ص٥٧، والبحر ١٤٨/٥.
(٢) الإملاء ٢٢٧/٣.

١٠٨
الآية : ٢٧
﴿كَأَنََّا أُغْشِيَتْ رُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَلِ﴾ أي: كأَنما أُلبِستْ ذلك؛ لِفَرْطِ سوادِها
وظلمتها، والجارُّ والمجرورُ صفةُ ((قِطَعاً))، وقولُه سبحانه: ﴿مُظلِمًا﴾ حالٌ من
(الليل))، والعاملُ فيه متعلَّق الجارِّ والمجرورِ فعلاً كان أو اسماً.
وجوَّز أبو البقاء(١) كونَه حالاً من ((قطعاً)) أو صفةً له، وكان الواجبُ الجمعُ
لأنَّ ((قطعاً)) جَمْعُ قطعةً، إلَّا أنَّه أُفردَتْ حالُه أو صفتُه لتأويل ذلك بكثير. ولا يخفَى
أنّه تكلُّفٌ مستغنّی عنه.
والظاهرُ أنَّ (مِن)) للتبعيض، وقال بعضُ المحققين: لللَّيل(٢) معنَيان: زمانٌ
تخفَى فيه الشمسُ قليلاً أو كثيراً، كما يُقال: دخَلَ الليل، والآن ليلٌ، وما بين
غروب الشمس إلى طلوعها أو قربها من الطلوع، فـ ((مِن)) إمَّا تبعيضيةٌ على الأول،
أو بيانية (٣) على الثاني.
وجوَّز الزمخشريُّ أنْ يكون العاملُ في الحال ((أغشيت)) مِن قِبَلِ أنَّ ((من الليل))
صفةٌ لـ ((قطعاً)) فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة(٤).
قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظر؛ لأنَّ ((من الليل)) ليس صلةَ ((أُغْشِيَتْ)) حتى
يكون عاملاً في المجرور، بل التقديرُ أنَّه صفة، فيكون العاملُ فيه الاستقرار،
وأيضاً الصفة ((من الليل)) وذو الحال هو (الليل))، فلا يكونُ ((أُغشيَتْ)) عاملاً في ذي
الحال، مع أنَّه المقصود. وقد يقال: إنَّ (مِن)) للتبيين، والتقدير: كائنةً من الليل،
فـ (أُغشيت)) عاملٌ في الصفة، وهي كائنة، فكأنَّه عاملٌ في ((الليل))، وهو مبنيٌّ على
أنَّ العاملَ في العامل في الشيء عاملٌ فيه، وهو فاسد. فالوجه أنْ يقال: إنَّ ((مِن))
للتبعيض، أي: بعضَ الليل، ويكون بدلاً مِن ((قطعاً))، ويجعل ((مظلماً)) حالاً مِن
البعض لا من ((الليل))، فيكون العاملُ في ذي الحال ((أُغشيتْ)).
ولا يخفى أنَّه وجْهُ أَغشَى قطعاً من ليلِ التكلُّف والتعسُّف مظلماً.
(١) في الإملاء ٢٢٨/٣.
(٢) في (م): لليل.
(٣) في الأصل و(م): وبيانية، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٤/٥.
(٤) الكشاف ٢٣٤/٢-٢٣٥.

الآية : ٢٧
١٠٩
سُؤَدُدُونِسَ
وأجاب الإمام أمينُ الدين(١) بأنَّ نسبةَ (أُغشيت)) إلى ((قطعاً)) إنما هي باعتبارٍ
ذاتها المبهمةِ المفسَّرة بالليل، لا باعتبار مفهوم القطع في نفسها، وإنَّما ذُكرَتْ لبيان
مقدار ما أُغشيَتْ به وجوهُهم، وهو الليلُ مظلماً، فإفضاء الفعل إلى ((قِطَعاً)) باعتبارٍ
ما لا يتم معناها المرادُ إلَّا به كإفضاء الفعل إليه، كما إذا قيل: اشتريتُ أرطالاً من
الزيت صافياً، فإنَّ المشتَرَى فيه الزيتُ، والأرطالُ مُبيّنةٌ لمقدار ما اشتُرِيَ صافياً،
فالعاملُ في الحال إنَّما هو العامل اللَّفظيُّ، ولا يُلاحَظ معنى الفعل في الجارِّ
والمجرور مِن جهة العمل لغلبة العامل اللفظيّ عليه بالظهور. ولا يخفى ما فيه.
وقال في ((الكشف)): إنَّ الزمخشريَّ ذهب إلى أنَّ ((أُغشيَت)) له اتِّصالٌ بقوله
تعالى: (ِنَ الَّيْلِ) مِن قِبَلِ أنَّ الصفة والموصوفَ متَّحدان، لاسيما والقِطَعُ بعضُ
الليل، فجاز أنْ يكون عاملاً في الصفة بذلك الاعتبار، وكأنَّه قيل: أُغشيت الليلَ
مظلماً، وهذا كما جوِّز في نحو: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنَا﴾ [الحجر: ٤٧]
أنْ يكون حالاً من الضمير باعتبارِ اتِّحاده بالمضاف، وكأنه قيل: ونزعنا ما فيهم(٢)
من غلِّ إخواناً، وكما جوِّز في ﴿مِلَّةَ إَِهِمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] لأنَّ الملة كالجزء
كأنه قيل: اتِّعوا إبراهيم حنيفاً، وهذا الذي ذهب إليه الزمخشريُّ، وهو سرُّ هذا
الموضع، لا ما طوَّله كثيرون، لاسيما حمل ((مِن)) على التجريد، فإنَّه مع أنَّ المعنى
على التبعيض لا البيان - وليس كلُّ بيانٍ تجريداً - لا يتمُّ مقصودُه. انتهى.
وقد عرَّض في ذلك بشيخه العلامة الطيبي، فإنَّه عليه الرحمة قد تكلّف
ما تكلَّف، والإنصافُ أنَّ ما جوَّزَه الزمخشريُّ هنا مما لا ينبغي، والسعيُّ في
إصلاحه مع وجود الوجه الواضح الذي لا تَرْهَقُه قَتَرَةٌ يقربُ مِن أنْ يكون عبثاً .
وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب وسهل: ((قِطْعاً) بسكون الطاء(٣)، وهو اسمٌ
(١) محمد بن الحسين البخاري الشهير بأمير شاه، نزيل مكة، صنف التعليقة على تفسير البيضاوي
وهي إلى سورة الملك، وتوفي قبل تكميلها سنة (٨٧٢هـ). طبقات المفسرين للأدرنه وي
ص٣٣٨-٣٣٩، مع الإشارة إلى أنه وقع في غلاف طبقات المفسرين: الأدنه وي، دون الراء،
مع أنه ذُكر في صور مخطوط الكتاب أنه من بلدة: أدرنة. فليحقَّق!
(٢) في الأصل و(م): ما في صدورهم، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٣/٥.
(٣) التيسير ص١٢١، والنشر ٢٨٣/٢، عن ابن كثير والكسائي ويعقوب، ومجمع البيان ٣٧/١١
عن سهل.

سُولُونِسَ
١١٠
الآية : ٢٨
مفردٌ معناه: طائفة من الليل، أو ظلمة آخره، أو اسمُ جنسٍ لقطعة، وأنشدوا:
افتحي البابَ وانظري في النجوم كم علينا من قِطْعِ ليلٍ بهيم (١)
وعلى هذا يجوز أنْ يكون ((مظلماً)) صفةً له، أو حالاً منه بلا تكلُّفٍ تأويل.
وقرئ: ((كأنَّما يَغْشَى وجوهَهم قِطْعٌ من الليل مظلمٌ))(٢) والكلامُ فيه ظاهرٌ،
والجملةُ كالتي قبلها مستأنفةٌ أو حالٌ من ضمير ((تَرَهَقُهم)).
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة ﴿أَمْعَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا
خَالِدُونَ ﴾﴾ لا يخرجون منها أبداً.
واحتجَّت الوعيدية(٣) بهذه الآية على قولهم الفاسد بخلود أهل الكبائر.
وأُجيبَ بأنَّ السيئات شاملةٌ للكفر وسائرِ المعاصي، وقد قامت الأدلَّة على أنَّه
لا خلودَ لأصحاب المعاصي، فخُصِّصَت (٤) الآيةُ بمَن عَدَاهم.
وأيضاً قد يُقال: إنَّهم داخلون في ((الذين أحسنوا))، بناءً على ما أخرج ابن
جرير وابنُ المنذر وغيرُهما عن ابن عباس، وأبو الشيخ عن قتادةَ، أنَّهم الذين
شهدوا أنْ لا إله إلا الله (٥)، أي: المؤمنون مطلقاً، فلا يدخلون في القسم الآخر
لتنافي الحُكْمَین.
وقيل: إنَّ (أل)) في ((السيئات)) للاستغراق، فالمراد: مَن عَمِلَ جميع ذلك،
والقولُ بخلوده في النار مجمَعٌ عليه. وليس بذاك.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ مَسوقٌ لبيان بعضٍ آخرَ مِن أحوالهم الفظيعة.
(١) الكشاف ٣٩٤/٢، والدر المصون ١٨٧/٦، واللسان (قطع).
(٢) القراءات الشاذة ص٥٧، وتفسير الطبري ١٦٩/١٢، والبحر ١٥٠/٥ عن أبيٍّ ﴿ه. قال
أبو حيان: وقرأ ابن أبي عبلة كذلك إلا أنه فتح الطاء.
(٣) نسبة إلى الوعيد؛ لتمسكهم بظاهر آيات الوعيد والأحاديث الواردة فيه على خلود الفسَّاق في
النار، وهي تشمل المعتزلة والخوارج. ينظر حاشية الشهاب ٢٥٨/١.
(٤) في الأصل: فخصت، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٤/٥، والكلام منه.
(٥) تفسير الطبري ١٦٤/١٢، وعزاه لابن المنذر، وكذا خبر قتادة لأبي الشيخ، السيوطي في
الدر ٣٠٦/٣.

الآية : ٢٨
١١١
سُوَلُ كُونس
وتأخيرُه في الذكر مع تقدُّمه في الوجود على بعضٍ أحوالهم المحكية سابقاً - كما قال
بعضُ المحقّقين - للإيذان باستقلال كلٍّ مِن السابق واللاحق بالاعتبار، ولو رُوعي
الترتيب الخارجيُّ لعُدَّ الكلُّ شيئاً واحداً، ولذلك فُصِلَ عما قبله.
وزعم الطبرسيُّ أنَّه تعالى لمَّا قدَّم ذِكْرَ الجزاء بيَّن بهذا وقتَ ذلك(١)، وعليه
فالآيةُ متَّصلةٌ بما ذُكر آنفاً، لكنْ لا يخفَى أنَّ ذلك لم يخرج مخرجَ البيان، وأَولَى
منه أنْ يقال: وجْهُ اتِّصاله بما قبله أنَّ فيه تأكيداً لقوله سبحانه: ﴿مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ
عَاصِيرٍ﴾ مِن حيث دلالته على عدم نفْع الشركاء لهم.
و((يوم)) منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، كـ: ذَكِّرهم وخَوِّفهم، وضمير ((نحشرهم)) لكِلا
الفريقَين من الذين أحسنواً(٢) والذين كسبوا السيئات؛ لأنَّه المتبادر من قوله تعالى:
﴿َمِيعًا﴾، ومن إفراد الفريقِ الثاني بالذكر في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ﴾
أي: للمشركين من بينهم، ولأنَّ توبيخَهم وتهديدَهم على رؤوس الأشهاد أفظعُ،
والإخبارُ بحشر الكلِّ في تهويل اليوم أَدْخَلُ، وإلى هذا ذهب القاضي البيضاوي
(٣)
وغيرُه، وكون المراد(٤) بالفريقَين فريقَي الكفار والمشركين خلافُ الظاهر جداً.
وقيل: الضمير للفريق الثاني خاصَّةً، فيكونُ ((الذين أشركوا)) مِن وضع
الموصول موضع الضمير، والنكتةُ في تخصيص وصْفٍ إشراكهم في حيِّز الصلة من
بين سائرِ ما اكتسبوه من السيئاتِ ابتناءُ التوبيخ والتقريع عليه، مع ما فيه من الإيذان
بكونه معظمَ جناياتهم وعُمدةَ سيئاتهم، وهو السرُّ في الإظهار في مقام الإضمار
على القول الأخير.
﴿مَكَانَكُمْ﴾ ظرفٌ متعلِّقٌ بفعلٍ حُذف فسَدَّ هو مَسَدَّه، وهو مضافٌ إلى الكاف،
والميمُ علامة الجمع، أي: الزموا مكانكم. والمرادُ انتظروا حتى تَنظروا ما يُفعلُ
بكم. وعن أبي علي الفارسيِّ أن ((مكان)) اسمُ فعلٍ، وحركتُه حركةُ بناءٍ. وهل هو
(١) مجمع البيان ١١/ ٤١ .
(٢) وقع بعدها في الأصل و(م): الحسنى، وهو سهو، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٣٩/٤،
والكلام منه.
(٣) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢٤/٥.
(٤) في (م): مراده.

سُۈلاُلُونِ
١١٢
الآية : ٢٨
اسمُ فعلٍ لِلْزَمْ أو لاثْبُتْ؟ ظاهرُ كلام بعضِهم الأول، والمنقولُ عن ((شرح
التسهيل)) الثاني؛ لأنَّه على الأول يلزم أَنْ يكون متعدِّياً كـ : الزم، مع أنَّه لازمٌ.
وأُجيب بمنع اللزوم، وقال السفاقسيُّ: في كلام الجوهريّ(١) ما يدلُّ على أنَّ ((الزم))
يكون لازماً ومتعدِّياً (٢)، فلعلَّ ما هو اسمٌ له اللازمُ.
وذكر الكوفيون أنَّه يكون متعدِّياً، وسمعوا من العرب: مكانك زيداً، أي:
انتظره.
واختار الدماميني في ((شرح التسهيل)) عَدَم كونه اسمَ فعلٍ، فقال: لا أدري
ما الداعي إلى جَعْلِ هذا الظّرفِ اسمَ فعلٍ، إمَّا لازماً وإمَّا متعدياً، وهلّا جعلوه
ظرفاً على بابه ولم يُخرجوه عن أصله، أي: اثبت مكانك، أو: انتظر مكانك.
وإنَّما يَحسُن دعوَى اسمِ الفعل حيث لا يُمكن الجمعُ بين ذلك الاسم وذلك الفعل،
نحو: صه وعليك وإليك، وأمَّا إذا أمكن فلا، كـ : وراءك وأمامكَ(٣). وفيه منعٌ
ظاهر.
وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيدٌ للضمير المنتقل إلى الظرف من عامله على القول
الأوَّل، وللضمير المستتر في اسم الفعل على القول الثاني، وقوله سبحانه:
﴿وَشُرکاؤكم﴾ عطفٌ على ذلك.
وقيل: إنَّ ((أنتم)) مبتدأُ خبرُه محذوفٌ، أي: مُهانون أو مَجزيُّون، وهو خلافُ
الظاهر مع ما فيه من تفكيك النظم؛ قيل: ولأنَّه يأباه قراءةُ: ((وشركاءًكم))
بالنصب(٤)، إذ يصيرُ حينئذٍ مثل: كلُّ رجلٍ وضيعته(٥)، ومثلُه لا يصحُّ فيه ذلك
العُدْمٍ ما يكون عاملاً فيه، والعاملُ على التوجيه الأول ظاهرٌ لمكان ((مكانكم)).
(١) في الصحاح (لزم).
(٢) في (م): معتدياً، وهو تصحيف.
(٣) حاشية الشهاب ٢٤/٥.
(٤) الكشاف ٢٣٥/٢، والبحر ١٥٢/٥.
(٥) قال أبو حيان في البحر ١٥٢/٥: وضيعته بالرفع، ولا يجوز فيه النصب. اهـ. وهو - كما في
شرح الألفية لابن عقيل ٢٥٣/١ - معطوف على ((كل))، والخبر محذوف تقديره: مقترنان،
وقيل: هذا كلام تام لا يحتاج إلى خبر؛ لأن المعنى: كلُّ رجل مع ضيعتِه.

الآية : ٢٨
١١٣
سُوَلاَلُونِسَ
﴿فَرَئِّنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: ففرَّقنا، وهو مِن زِلْتُ الشيءَ عن مكانه أَزيلُه، أي: أَزَلتُه،
والتضعيفُ للتكثير لا للتعدية، وهو يائيٍّ ووزنُه فعَّل بدليل زايَلَ، وقد قرئ به(١)،
وهو بمعناه نحو: كلَّمتُه وكالمتُه، و: صَعَّر خدَّه وصاعَرَ خذَّه.
وقال أبو البقاء: إنَّه واويٌّ؛ لأنَّه مِن زال يَزول، وإنَّما قُلبت الواو ياءً لأنَّه
فَيْعَلَ(٢).
والأول أصحُّ لِمَا علمتَ، ولأنَّ مصدره التَّزييل لا الزيولة، مع أنَّ فعَّل أكثرُ من
فَيْعَلَ.
ونصب ((بين)) على الظرفية لا على أنَّه مفعولٌ به كما تُؤُهِّم، والمراد بالتفريق:
قطْعُ الأقران والوُصَلِ التي كانت بينهم وبين شركائهم(٣) في الدنيا.
وقيل: التفريقُ الجسمانيُّ، وظاهرُ النظم الجليل لا يُساعده.
والعطفُ على ((نقول))، وإيثارُ صيغة الماضي للدلالة على التحقُّق؛ لزيادة
التوبيخ والتحسير، والفاء للدلالة(٤) على وقوع التزييل ومَباديهِ عقيبَ الخطاب من
غير مُهْلَةٍ(٥)، إيذاناً بكمالِ رَخَاوةٍ ما بين الفريقَين من العلاقة والوُصْلةِ.
وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم﴾ عطفٌ على ما قبله، وجوِّز أنْ يكون في موضع
الحال بتقدير ((قد)) أو بدونها على الخلاف، والإضافةُ باعتبارِ أنَّ الكفار هم الذين
اتّخذوهم شرکاء لله سبحانه وتعالى.
وقيل: لأنَّهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم، فصيّروهم شركاء لأنفسهم في ذلك.
والمراد بهؤلاء الشركاء؛ قيل: الأصنام؛ فإنَّ أهل مكة إنَّما كانوا يعبدونها،
وهم المعنيُّون بأكثر هذه الآيات، ونسبةُ القول لها غيرُ بعيد من قُدرته سبحانه،
فيُنطقُها الله الذي أنطق كلَّ شيءٍ في ذلك الموقف، فتقول لهم: ﴿مَّا كُنُ إِنَّانَا
(١) أي: ((فزايلنا))، وهي في معاني القرآن للفراء ٤٦٢/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/٢.
(٢) الإملاء ٢٢٨/٣.
(٣) في (م): الشركاء.
(٤) في (م): الدلالة، وهو تصحيف. والكلام من تفسير أبي السعود ١٣٩/٤.
(٥) في (م): مهملة، وهو تصحيف.

سُاَلُ كُونُسَ
١١٤
الآية : ٢٨
والمراد من ذلك تَبرِّيهم من عبادتهم وأنَّهم إنَّما عَبدوا في الحقيقة
تَعْبُدُونَ
أهواءَهم الداعيةَ لهم، وما أعظمَ هذا مكانَ الشفاعةِ التي كانوا يتوقَّعونها منهم!
وقيل: المراد بهم الملائكةُ والمسيحُ عليهم السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]. وقوله سبحانه: ﴿َأَنتَ
قُلْتَ لِلنَّاسِ أَمَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيةَ، والمرادُ من ذلك القولِ ما أُرِيدَ
منه أولاً أيضاً؛ لأنَّ نَفْيَ العبادة لا يصحُّ لثبوتها في الواقع، والكذبُ لا يقعُ يومَ
القيامة(١) ممن كان.
وقيل: إنَّ قول الشركاءِ مُجرّى على حقيقته، بناءً على أنَّ ذلك الموقف موقفُ
الدهشة والحيرة، فذلك الكذب يكونُ جارياً مجرَى كذب الصبيان والمجانين
المدهوشین.
ويمكن أن يقال أيضاً: إنَّهم ما أقاموا لأعمال الكفار وَزْناً، وجعلوها لبطلانها
كالعدم، فلذا نفَوا عبادتهم إياهم.
أو يقال: إنْ المشركين لمَّا تخيَّلوا فيما عبدوه أوصافاً كثيرةً غيرَ موجودةٍ فيه في
نفس الأمر، كانوا في الحقيقة إنَّما عبدوا ذواتٍ موصوفةً بتلك الصفاتِ، ولمَّا
كانت ذواتُ الشركاء خاليةً عن تلك الصفاتِ صَدَق أنْ يقال: إنَّ المشركين ما عبدوا
الشركاء، وهذا أَولَى من الأوَّلَين، بل لا يكاد يُلتَفَتُّ إليهما.
وكأنَّ حاصل المعنى عليه: إنَّكم عبدتُم مَن زَعمتُم أنه يقدرُ على الشفاعة لكم
وتخليصِكم من العذاب، وأنه موصوفٌ بكَيتَ وكيتَ، فاطلبوه فإنّا لسنا كذلك.
والمراد من ذلك قَطْعُ عُرَى أَطماعهم، وإيقاعُهم في اليأس الكُلِّي من حصول
ما كانوا يرجونه ويعتقدونه فيهم، ولعل اليأسَ كان حاصلاً لهم من حين الموتِ
والابتلاء بالعذاب، ولكنْ يحصل بما ذُكرَ مرتبةٌ فوق تلك المرتبة.
وقيل: المراد بهم الشياطينُ، وقَطْعُ الوُصَل عليه من الجانبَين لا من جانب
العَبَدةِ فقط كما يقتضيه ما قبلُ، والمرادُ من قولهم ذلك على طرز ما تقدَّم.
(١) في (م): في القيامة.

الآية : ٢٩
١١٥
سُكَل ◌ُونِّ
وأُورِدَ على القول بأنَّ المراد الملائكةُ والمسيحُ عليهم السلام بأنَّه لا يناسب
قوله سبحانه: (مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَاؤُلُّؤْ) حيث إنَّ المرادَ منه الوعيدُ والتهديدُ، وظاهرُ
العطف انصرافُ ذلك إلى الشركاء أيضاً، وتهديدُ أولئك الكرام عليهم الصلاة
والسلام مما لا يكادُ يُقدَم على القول به.
واعتُرضَ بأنَّ هذا مشتركُ الإلزام، فإنَّه يَرِدُ على القول الأول أيضاً، إذ لا معنَى
للوعيد والتهديد في حقِّ الأصنام مع عدم صدور شيءٍ منها يوجب ذلك،
ولا مخلِّص إلا بالتزام أنَّ التهديد والوعيدَ للمخاطبين فقط، أو للمجموع
باعتبارهم.
وأُجيبَ بجواز كونِ تهديدِ الأصنامِ نظيرَ إدخالها النارَ مع عَبَدِها كما يدلُّ عليه
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وكذا قوله سبحانه: ﴿فَتَّقُواْ النَّارَ الَِّ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] على
ما عليه جمعٌ من المفسرين، ودعوى الفرق بينَ التهديد والإدخال في النار تحتاجُ
إلی دلیل.
نعم قالوا: يجبُ على القول بأنَّ المراد الملائكةُ عليهم السلام أنْ تُحملَ الغفلةُ
في قوله سبحانه: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ
٢٩
على عدم الارتضاءِ لا على عدم الشعور؛ لأنَّ عدم شعورِ الملائكة بعبادتهم غيرُ
ظاهرٍ، بل لو قيل بوجوب هذا الحمل على القول بأنَّ المراد المسيحُ عليه السلام
أيضاً لم يَبعُد؛ لأنَّ عدم شعوره بعبادتهم مع أنَّه سينزل ويكسرُ الصليب كذلك،
ولا يكاد يصُّ الحمل على الظاهر إلا إذا كان المراد الأصنام، فإنَّ عدم شعورهم
بذلك ظاهر.
وتُعقّب بأنَّه لا دليلَ على شعور الملائكة عليهم السلام بعبادتهم ليُصْرَفَ له
اللفظ عن حقيقته، وليس هؤلاء المعبودون هم الحفظةُ أو الكتبةُ بل ملائكةٌ آخرون،
ولعلهم مُشغَلون بأداء ما أُمروا به عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، ونحن
لا ندَّعي في الملائكة عليهم السلام ما يدَّعيه الفلاسفة، فإنَّهم الذين قالوا يومَ
استُنبئوا عن الأسماء: ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وهذا جبريل

سُوءُلُونِّ
١١٦
الآية : ٢٩
عليه السلام من أجلُّهم قَدْراً كان كثيراً ما يسألُه رسول الله وَّله عن أشياءَ فيقول:
لا أعلم وسوف أسالُ ربي(١).
وكذا لا دليل على شعور المسيح عليه السلام بعبادة هؤلاء المخاطَبين عند
إيقاعها، وكونُه سينزلُ ويَكسرُ الصليبَ لا يستدعي الشعورَ بها كذلك
كما لا يخفى، وقد يُستأنَس لعدم شعورِه بما حكى الله تعالى عنه في الجواب
عن سؤاله له عليه السلام من قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمْتَنِ بِة أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ
رَبِى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَقَيْتَنِى كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
واعتُرض على القول الأخير بأنَّه لا يصحُّ مع هذا القولِ مطلقاً؛ لأنَّ الشياطين
هم الذين زَيَّنوا لهم هذه الشنيعة الشنعاء وأغروهم عليها، فكيف يتأتّى القولُ بأنَّهم
غافلون حقيقةً عنها، أو أنَّهم غيرُ مُرتَضين لها؟!
ولعل مَن ذهب إلى ذلك يلتزم الكذب ويقول بجواز وقوعه يوم القيامة.
وقيل: إنَّ القول الأول لا يصحُّ مع هذا القول أيضاً مطلقاً؛ لأنَّ الأوثان
لا تَتَّصفُ بالغفلة حقيقةً؛ لأنَّها كما يفهم من ((القاموس)) اسمٌ لتَرْكِ الشيءِ وذهابٍ
القَلْبِ عنه إلى غيره(٢)، وهذا شأنُ ذوي القلوب، والأوثانُ ليسَت من ذلك. وكذا
لا تتَّصف بها مجازاً عن عدم الارتضاء؛ إذ الظاهرُ أنَّ مرادهم من عَدَمِ الارْتِضاءِ
السخطُ والكراهةُ، وظاهرٌ أنَّ الأوثان لا تَتَّصف بسخطٍ ولا ارتضاء، إذ هما تابعان
للإدراك ولا إدراك لها، ومَن أَثبتَه للجمادات حسب عالمها فالأمرُ عنده سهلٌ، ومَن
لا يثبته يقول: إنَّها مجازٌ عن عدم الشعور.
وقد يقال: إنَّ المراد بغفلتهم عن عبادة المشركين عدمُ طلبهم الاستعداديِّ لها،
ويرجع ذلك بالآخرة إلى نفْي استحقاقِ العبادة عن أنفسهم، وإثباتِ الظلم
العابديهم. وحينئذٍ فالأظهرُ أنْ يُراد بالشركاء جميعُ ما عُبد مِن دون الله تعالى مِن
ذَوي العقول وغيرهم، والكلُّ صادقٌ في قوله ذلك.
(١) ينظر حديث جبير بن مطعم عند أحمد (١٦٧٤٤).
(٢) ينظر القاموس (غفل) و(سهو).

الآية : ٣٠
١١٧
سُوَ لُّ لُونَ)
وقد يُراد من عدم الطلب ما يشملُ عَدَمَ الطلب الحاليِّ والقالي، إذا اعتُبر كونُ
القائل ممن يصحُّ نسبةُ ذلك له، كالملائكة عليهم السلام، وهذا الوجهُ لا يتوقَّف
على شعور الشركاء بعبادتهم ولا على عدمه، فيجوز أنْ يكون لهم شعورٌ بذلك،
ویجوزُ أنْ لا یکون لهم شعورٌ.
والظاهرُ أنَّ تفسير الغَفْلةِ بعدم الارْتِضاءِ المرادِ منهم (١) - على ما قيل - السخط
والكراهة يستدعي الشعور، إذ كراهةُ شيءٍ(٢) مع عدم الشعور به مما لا يكادُ يعقل،
وإثباتُه لجميع الشركاء ولو إجمالاً في وقتٍ من الأوقات الدنيوية غيرُ مسلَّم. ولعل
التعبير بالغفلة أكثرُ تهجيناً للمخاطَبين ولعبادتهم من التعبير بعدم الطلب مثلاً،
فتأمل.
والباء في ((بالله)) صلةٌ و((شهيداً) تمييزٌ، و((إنْ)) مخفَّفةٌ من ((إنَّ) واللامُ هي
الفارقةُ بين المخفَّفة والنافية، والظرفُ متعلِّقٌ بـ ((غافلين))، والتقديمُ لرعاية الفاصلة،
أي: كَفَى اللهُ شهيداً فإنَّه العليمُ الخبير المطَّلع على كنهِ الحال، إنَّا كَّا غافلينَ عن
عبادتكم. والظاهرُ من كلام بعض المحققين أنَّ ((فكفَى)) إلخ استشهادٌ على النفي
السابق، لا على الإثبات اللاحق.
﴿هُنَاِكَ﴾ أي: في ذلك المقام الذَّحضِ(٣) والمكانِ الدَّهشِ، وهو مقامُ
الحشر، فـ ((هنالك)) باقٍ على أصله وهو الظرفيةُ المكانية. وقيل: إنَّه استُعمل ظرفَ
زمانٍ مجازاً، أي: في ذلك الوقت.
﴿تَبْلُواْ﴾ أي: تختبر ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مؤمنةً كانت أو كافرةً ﴿ََّ أَسْلَفَتْ﴾ من العمل،
فتُعاين نَفْعَه وضُرَّه أَنمَّ معاينةٍ.
وقرأ حمزة والكسائي: ((تتلو)) (٤) من التلاوة بمعنى القراءة، والمراد قراءةُ
صحفٍ ما أسلفَت. وقيل: إنَّ ذلك كنايةٌ عن ظهور الأعمال.
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: منه.
(٢) في (م): الشيء.
(٣) أي: الزَّلِقِ. القاموس (دحض).
(٤) التيسير ص١٢١، والنشر ٢٨٧/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.

١١٨
الآية : ٣٠
وجُوِّز أنْ يكون من التلوُّ على معنى أنَّ العمل يتجسَّم ويظهر، فيتبعه صاحبُه
حتى يَرِدَ به الجنة أو النار، أو هو تمثيلٌ.
وقرأ عاصم في روايةٍ عنه: ((نبلو)) بالباء الموحّدة والنون ونَصْبٍ ((كلَّ)(١) على
أنَّ فاعل ((نبلو)) ضميرُه تعالى، و((كلَّ) مفعوله و((ما)) بدلٌ منه بدلَ اشتمالٍ، والكلامُ
استعارةٌ تمثيلية، أي: هنالك نُعامل كلَّ نفسٍ معاملةَ مَن يبلوها ويتعرَّفُ أحوالها من
السعادة والشقاوة، باختبارِ ما أَسلفَت من العمل.
ويجوز أنْ يُراد: نُصيب بالبلاء - أي: العذاب - كلَّ نفسٍ عاصيةٍ بسبب
ما أسلَفَت من الشرِّ، فتكون ((ما)) منصوبةً بنَزْعِ الخافض وهو الباءُ السببية.
﴿وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾ عطفٌ على ((زيَّلنا))، والضميرُ لـ ((الذين أشركوا))، وما في البين
اعتراضٌ في أثناء الحكاية مقرِّرٌ لمضمونها، والمعنى: رُدُّوا إلى جزائه وعقابه، أو
إلى موضع ذلك، فالردُّ إِمَّا معنويٌّ أو حسيٍّ.
وقال الإمام: المعنى: جُعِلُوا مُلْجَئينَ إلى الإقرار بألوهيته سبحانه وتعالى(٢).
﴿مَوْلَئُهُمُ﴾ أي: ربِّهم ﴿آلْحَقِّ﴾ أي: المتحقِّقِ الصادقِ في(٣) ربوبيته
لا ما اتّخذوه ربّاً باطلاً.
وقرئ: ((الحقَّ» بالنصب(٤) على المدح، والمرادُ به اللهُ تعالى وهو من أسمائه
سبحانه، أو على المصدر المؤكِّد، والمرادُ به ما يُقابِل الباطل.
ولا منافاةَ بين هذه الآية وقولِه سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِنَ
لَا مَوْلَى لَمُمْ﴾ [محمد: ١١] لاختلافِ معنَى المولى فيهما.
وأخرج أبو الشيخ(٥) عن السدِّي أنَّ الأُولَى منسوخةٌ بالثانية، ولا يخفَى
ما فيه.
(١) الكشاف ٢٣٥/٢، والبحر ١٥٣/٥. وهو خلاف المشهور عن عاصم.
(٢) تفسير الرازي ١٧ / ٨٥.
(٣) قوله: في، ليس في الأصل.
(٤) الكشاف ٢٣٥/٢، والبحر ١٥٣/٥.
(٥) كما في الدر المنثور ٣٠٧/٣.

الآية : ٣١
١١٩
سُؤَلُّلُونَ
من أنَّ آلهتهم تشفَعُ
﴿وَضَلَّ﴾ أي: ضاع وذهب ﴿عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
لهم، أو ما كانوا يدَّعون أنَّها شركاءُ لله عزَّ وجلَّ. و((ما)) يحتملُ أنْ تكون موصولةً
وأنْ تكون مصدريةً. والجملةُ معطوفةٌ على قوله سبحانه: (وَرُدُّوَأ).
ومن الناس مَن جَعَلَها عَظْفاً على ((زيَّلنا))، وجملةُ ((ردُّوا)) معطوفةٌ على جملة
((تبلو)) إلخ داخلةٌ في الاعتراض، وضميرُ الجمع للنفوس المدلول عليها بـ ((كل
نفس»، والعدولُ إلى الماضي للدلالة على التحقُّق والتقرُّر، وإيثارُ صيغةِ الجمع
للإيذان بأنَّ ردَّهم إليه سبحانه يكونُ على طريق الاجتماع.
وما ذكرناه أَولَى لفظاً ومعنّى.
وتعقَّبَ شيخُ الإسلامِ جعْلَ الضمير للنفوس وعَظْفَ ((رُدُّوا)) على ((تبلو)) إلخ،
بأنَّه لا يلائمه التعرُّض لوصفِ الحقِّيَّة في قوله سبحانه: (مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ)؛ فإنَّه
للتعریض بالمردودین.
ثم قال: ولئن اكتُّفي فيه بالتعريض ببعضهم، أو حَمْلِ ((الحق)) على معنَى العَدْلِ
في الثواب والعقاب، أي: مع تفسير المولى بمتولِّي الأمور، فقوله سبحانه:
(وَضَلَّ) إلخ مما لا مجالَ فيه للتدارُكِ قطعاً، فإنَّ ما فيه من الضمائر الثلاثة
للمشركين، فيلزمُ التفكيكُ حتماً، وتخصيصُ ((كلَّ نفسٍ)) بالنفوس المشركة مع عموم
البلوى للكلِّ يأباه مقامُ تهويل المقامِ (١). انتهى.
والظاهرُ أنَّه اعتَبر عظْفَ ((وضلَّ عنهم)) إلخ على ((ردُّوا) مع رجوعٍ ضميرِه
للنفوس، وهو غيرُ ما ذكرناه فلا تغفل.
﴿قُلْ﴾ أي: لأولئك المشركين الذين حُكَيَتْ أحوالهم، وبُيِّن ما يؤدِّي إليه
أفعالُهم التي هي أفعى لهم، احتجاجاً على حقِّيَّة التوحيد وبطلانِ ما هم عليه من
الإشراك :
﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: منهما جميعاً؛ فإنَّ الأرزاق تحصُلُ بأسباب
سماوية - كالمطر وحرارةٍ الشمس المُنْضِجَةِ وغيرِ ذلك - وموادَّ أرضيةٍ، والأُولَى بمنزلة
(١) تفسير أبي السعود ١٤١/٤ .

سُۈلُونِسَ
١٢٠
الآية : ٣١
الفاعل، والثانيةُ بمنزلةِ القابل. أو مِن كلَّ واحدٍ منهما بالاستقلال - كالأمطار والمنِّ
والأغذيةِ الأرضية - تَوْسعةً عليكم(١). فـ((مِن)) على هذا لابتداء الغاية.
وقيل: هي لبيان ((مَن)) على تقدير المضاف، وقيل: تبعيضية على ذلك التقدير،
أي: مِن أهل السماء والأرض.
﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾ ((أم)) منقطعة بمعنى: بل، والإضرابُ انتقاليٍّ
لا إيطاليٍّ وفيه تنبيهٌ على كفاية هذا الاستفهام فيما هو المقصود، أي: مَن يستطيع
خلْقَهما وتسويَتَهما على هذه الفطرة العجيبة، ومَن وقَفَ على تشريحهما وَقَف على
ما يبهر العقول، أو مَن يحفظُهما من الآفات مع كثرتها وسرعةٍ انفعالهما عن أدنَى
شيءٍ يُصيبهما، أو مَن يتصرَّف بهما إذهاباً وإبقاءً. والملك على كلِّ مجاز.
قيل: والمعنى الأولُ أَوفقُ لنظم الخالقيَّةِ مع الرازقية، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ
خَلِقٍ غَيْرُ اللَهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾ [فاطر: ٣].
﴿وَمَن يُِّرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَّيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِ﴾ أي: ومَن يُنشئُ الحيوان من
النطفة مثلاً، والنطفةَ من الحيوان. أو: مَن يُحيي أو يُميتُ، بأنْ يكونَ المرادُ
بالإخراج التحصيلَ، من قولهم: الخارجُ كذا، أي: الحاصلُ، أي: مَن يُحصِّل
الحيَّ مِن الميت بأنْ يُفيض عليه الحياةَ، ويُحصِّلُ الميتَ من الحي بأنْ يُفيضَ عليه
الموت ويسلبَ(٢) عنه الحياة، والمآلُ ما علمتَ.
ومِن الناس مَن فسَّر الحيَّ والميتَ هنا بالمؤمن والكافر. والأول أَولَى.
﴿وَمَن يُدَبِرُ آلْأَمْ﴾ أي: ومَن يَلي تدبيرَ أمرٍ العالَم جميعاً، وهو تعميمٌ بعد
تخصيصٍ ما اندرج تحته مِن الأمور الظاهرة بالذكر، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الكلَّ منه
سبحانه وإليه، وأنَّه لا يُمكنكم عِلْمُ تفاصيله.
﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ بلا تَلَعْثُم ولا تأخيرِ ﴿الَّهُ﴾ إذ لا مجالَ للمكابرة والعناد في شيءٍ
من ذلك؛ لغايةٍ وضوحِهِ، والاسمُ الجليلُ مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ، أي: الله يفعلُ
ما ذُكر من الأفاعيل لا غيرُه.
(١) قوله: توسعة عليكم، تعليل للمعنى الثاني، ينظر حاشية الشهاب ٢٥/٥.
(٢) في الأصل: أو يسلب.