Indexed OCR Text

Pages 41-60

الآية : ٩
٤١
سُالآلُونَ
الصالحات)) كالتنصيص على أنَّه ذلك الإيمانُ المقرونُ بما معه لا المطلَقُ، لكنَّه ذُكر
لأصالته وزيادةٍ شرفه، ولا يلزم على هذا استدراكُ ذكرِهِ، ولا استقلالُه بالسبية.
وفيه ردٌّ على القاضي البيضاوي حيث ادَّعى أنَّ مفهوم الترتيب وإن دلَّ على أنَّ
سبب الهدايةِ الإيمانُ والعمل الصالح، لكنَّ منطوقَ قوله سبحانه: (بِمَنِهِمٌ) دلَّ على
استقلال الإيمان(١).
ومنعَ في ((الكشف)) أيضاً كونَ المنطوق ذلك، وفرَّعه على كون الاستدلالِ(٢)
مِن جَعْلِ الإيمان والعمل الصالح واقعَين في الصِّلة ليجريا مجرَى العلَّةِ، ثم لمَّا
أُعيدَ الإيمانُ مضافاً كان إشارةً إلى الإيمان المقرون؛ لِمَا ثبَتَ أنَّ استعمالَ ذلك
إِنَّما يكونُ حيث معهودٌ، والمعهودُ السابق هو هذا والأصلُ عدمُ غيره.
ثم قال: ولو سُلِّم أنَّ المنطوق ذلك لم يضرَّ الزمخشريَّ؛ لأنَّ العمل يُعدُّ شرطاً
حينئذٍ، جَمْعاً بين المنطوق والمفهوم بقَدْرِ الإمكان، فلَم يُلغَ اقترانُ العمل ولا دلالةٌ
السببية، وهذا فائدةُ إفراده بالذكر ثانياً، مع ما فيه من الأصالة وزيادة الشرف،
ولا مخالِفَ له من الجماعة؛ لأنَّ العصاةَ غيرُ مهديِّين، وأمَّا أنَّ كلَّ مَن ليس مهتدياً
فهو خالدٌ في النار، فهو ممنوعٌ غايةَ المنع. انتهى.
وفي القلب مِن هذا المنع شيءٌ، والأَولَى التعويلُ على ما قدَّمناه في تقريرٍ كون
الآية بمعزلٍ عن الدلالة على خلافِ ما عليه الجماعةُ، والهدايةُ على هذا الوجهِ
يحتمل أنْ تُفسَّر بالدلالة الموصِلَةِ إلى البُغيةِ، وبمجرَّد الدلالة، والمختارُ الأوَّل.
واختار الثانيَ مَن قال: إنَّ المعنَى: يهديهم إلى(٣) طريق الجنة بنور إيمانهم،
وذلك إمَّا على تقدير المضافِ، أو على أنَّ إيمانهم يَظْهَرُ نوراً بين أيديهم.
وقيل: إنَّ المعنى: يُسدِّدهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيلِ
المؤدِّي إلى الثواب(٤)، والهدايةُ عليه بالمعنى الأول.
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٨/٥.
(٢) في الأصل: الاستدراك.
(٣) قوله: إلى، ليس في (م).
(٤) وهذا قول الزمخشري في الكشاف ٢٢٦/٢ كما سيرد قريباً.

سُوَلَكُونُسَ
٤٢
الآية : ١٠
وقيل: المرادُ: يهديهم إلى إدراك حقائقِ الأمور، فتنكشفُ(١) لهم بسبب
ذلك.
وأيّاً ما كان فالالتفاتُ في قوله سبحانه: (رَُّهُم) لتشریفهم بإضافة الربِّ إلیھم،
مع الإشعارِ بعلَّة الهداية.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ﴾ - أي: من تحت منازلهم، أو مِن بین
أيديهم - استئنافٌ نخويٌّ أو بيانيٌّ فلا محلَّ له من الإعراب، أو خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ»
فمحُّه الرفع.
وجُوِّز أنْ يكون في محلِّ النصب على الحال من مفعول ((يهديهم)) على تقدير
كون المُهْدَى إليه ما يُريدونه في الجنة كما قال أبو البقاء(٢)، وإنْ جُعل حالاً منْتَظَرَةً
لم يحتَجْ إلى القول بهذا التقدير، لكنَّه خلافُ الظاهر.
والزمخشريُّ لمَّا فسَّر ((يهديهم ربُّهم)) بيسدِّدُهم إلخ، جَعَل هذه الجملة بياناً له
وتفسيراً؛ لأنَّ التمسُّك بسبب السعادة كالوصول إليها(٣)، ولا يخفى أنَّ سبيل هذا
البيانِ سبيلُ البدل، وبذلك صرَّح الطيبيُّ، وحينئذٍ فمحلُّها الرفعُ؛ لأنَّه محلُّ الجملة
المبدَل منها .
وقوله سبحانه: ﴿فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾﴾ خبرٌ آخر، أو حالٌ أُخرى من مفعول
(يهديهم))، فتكونُ حالاً مترادفةً، أو من ((الأنهار)) فتكون مُتداخلةً، أو متعلِّق
بـ ((تجري)) أو بـ ((يهدي)) والمرادُ - على ما قيل - بالمُهدَى إليه إمَّا منازلُهم في الجنة،
أو ما يريدونه فيها .
﴿وَعَوَئِهُمْ﴾ أي: دعاؤهم، وهو مبتدأٌ، وقولُه تعالى شأنه: ﴿فِيهَا﴾ متعلِّقٌ به،
وقولُه سبحانه: ﴿سُبْحَنَّكَ اَللَّهُمَّ﴾ خبرُه، أي: دعاؤهم هذا الكلامُ. والدعوى وإن
اشتهرَت بمعنى الادّعاء، لكنَّها وردت بما ذكرنا أيضاً، وکونُ الخبر من جنس
الدعاء يشهدُ له قولُهُ وَّهِ: ((أكثَرُ دُعائي ودعاءِ الأنبياءِ قَبْلي بعرفات: لا إله إلا اللهُ
(١) في الأصل: فتكشف.
(٢) في الإملاء ٢١٥/٣.
(٣) الكشاف ٢٢٦/٢.

الآية : ١٠
٤٣
سُوَ لاَ كُونَ
وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ))(١). والظاهرُ أنَّ
إطلاق الدعاء على ذلك مجازٌ، وهو الذي يُفهمُه كلامُ ابنِ الأثير حيث قال:
إنَّما سمِّي التهليلُ والتحميدُ والتمجيد دعاء؛ لأنَّه بمنزلته في استيجاب ثواب الله
تعالى وجزائه(٢)، وفي الحديث: ((إذا شَغَلَ عبدي ثناؤه عَلَيَّ عن مسألتي أعطيتُه
أفضلَ ما أُعطي السائلين)»(٣).
وجاءت بمعنَى العبادة كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] وجوِّز إرادتُه هنا، والمرادُ نَفْيُ التكليف، أي: لا عبادةً لهم غير
هذا القول، وليس ذلك بعبادةٍ، وإنَّما يُلهَمُونه ويَنطقون به تلذُّذاً لا تكليفاً، ونظيرُ
ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾
[الأنفال: ٣٥]. وفيه خفاءٌ كما لا يخفى.
وقد يقال: يأتي نظيرُ هذا في الآية على احتمال أنْ يُراد بالدعوى الدعاءُ
حقيقةً، فيكون المعنى على طرز ما قُرِّر، أنَّه لا سؤالَ لهم من الله تعالى سوى
ذلك، ومن المعلوم أنَّ ذلك ليس بسؤالٍ، فيفيدُ أنَّه لا سؤالَ لهم أصلاً. والغرضُ
(١) قطعة من حديث أخرجه ابن أبي شيبة ٣٧٣/١٠-٣٧٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١١٧/٥،
وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٤٠ من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه، عن علي ظه، عن
النبي ◌َّر. قال البيهقي: تفرد به موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه عليّاً.
وأخرجه مالك ٤٢٢/١، وعبد الرزاق (٨١٢٥) من طريق طلحة بن عبيد الله بن كريز عن
النبي ◌َل﴿ مرسلاً بلفظ: ((أفضل الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وأفضلُ ما قلت أنا والنبيون من
قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له))، وينظر التمهيد ٣٩/٦-٤١ .
(٢) النهاية (دعا).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن المبارك في الزهد (٩٢٩)، وابن عبد البر في التمهيد ٤٣/٦-٤٤ عن
مالك بن الحارث قال: يقول الله تعالی: إذا شغل عبدي، وقال ابن عبد البر: قد روي
مرفوعاً إلى النبي ◌َّي، ثم ذكره من حديث عمر ظ﴾. وحديث عمر أخرجه البخاري في
خلق أفعال العباد ص ١٠٥ بلفظ: ((مَن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته))، وفي إسناده
صفوان بن أبي الصهباء، قال الذهبي في الميزان ٣١٦/٢: ضعفه ابن حبان وقال: يروي
ما لا أصل له، لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به، ثم ذكره في الثقات أيضاً.
وأخرجه الترمذي (٢٩٢٦) من طريق عطية عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ: ((من شغله القرآن
وذكري ... ))، وقال: حسن غريب. اهـ. وقال ابن حجر في الفتح ٦٦/٩: رجاله ثقات،
إلا عطية العوفي ففيه ضعف.

سُدَةُدُونِسَ
٤٤
الآية : ١٠
من ذلك الإشارةُ إلى حصول جميع مقاصدهم بالفعل، فليس بهم حاجةٌ إلى سؤال
شيء، إلا أنَّ فيه ما فيه.
ونصب ((سبحان)) على المصدرية لفعلٍ محذوفٍ وجوباً، وهو بمعنى التسبيح.
وقدِّرت الجملةُ اسميةً، أي: إنَّا نُسبِّحك تسبيحاً؛ لأنَّها أبلغُ، والجملُ التي بعدها
كذلك.
و((اللهم)) بتقدير: يا الله، حُذف حرفُ النداء وعُوِّض عنه الميم، وتمامُ الكلام
فيه وفيما قبله قد تقدَّم لك(١) فتذكر.
وكان القياسُ تقديمَ الاسم الجليل؛ لأنَّ النداء يُقدَّم على الدعاء، لكنَّه استُعمل
في التسبيح كذلك، قيل: لأنَّهَ تنزيهٌ عن جميع النقائص، وفي النداء ربَّما يتوهّم تركُ
الأدب.
﴿وَمِّئُهُمْ﴾ أي: ما يُحَيَّون به ﴿فِيهَا سَلَمْ﴾ أي: سلامة(٢) من كلِّ مكروه، وهو
خبرُ (تحيَّتُهم)) و((فيها)) متعلِّقٌ بها، والتحيةُ: التكرمةُ بالحال الجليلة، وأصلُها:
أَحياك الله تعالى حياةً طيبةً، وإضافتُها هنا إلى المفعول، والفاعلُ إمَّا الله سبحانه،
أي: تحيةُ اللهِ تعالى إياهم ذلك، ويُرشد إليه قولُه عزَّ وجل: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ
زَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] أو الملائكةُ عليهم السلام، ويُرشد إليه قوله سبحانه: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ
يَدْخُلُونَ عَلَهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَمُ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤].
وجُوِّز أنْ تكونَ الإضافةُ إلى الفاعل بتقدير مضافٍ، أي: تحيةُ بعضِهم بعضاً
آخرَ ذلك. وقد يُعتبرُ البعضُ المقدَّرُ مفعولاً، فالإضافةُ إلى المفعول والفاعلُ
محذوفٌ.
وقيل: يجوزُ أن يكونَ مما أُضيفَ فيه المصدرُ لفاعله ومفعولِه معاً، إذا كان
المعنى: يُحَيِّي بعضُهم بعضاً، ونظيرُه في الإضافة إلى الفاعل والمفعول قولُه
تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكِْهِمْ شَهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] حيث أُضيف ((حُكم)) إلى ضميرٍ
داود وسليمانَ عليهما السلام - وهما حاكمان - وغيرِهما وهم المحكومُ عليهم.
(١) ٨٩/٤ و١٠٣/٢.
(٢) في (م): سلامتهم.

الآية : ١٠
٤٥
سؤاللُونِسَ
وليس ذلك من باب الجمع بين الحقيقة والمجازِ المختلف فيه - حيث إنَّ إضافة
المصدر لفاعله حقيقةٌ ولمفعوله مجازٌ - لأنَّه لا خلافَ في جواز الجمع إذا كان
المجازُ عقليّاً، إنما الخلافُ فيه إذا كان لُغويّاً.
﴿وَءَاخِرُ دَعْوَتُهُمْ﴾ أي: خاتمةُ دعائهم ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي:
أنَّه الحمدُ لله، فـ ((أنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، والجملةُ
الاسمية خبرُها، و((أنْ)) ومعمولاها خبرُ ((آخِرُ)) وليست مفسِّرةً؛ لفَقْد شرطها،
ولا زائدةً لأنَّ الزيادةَ خلافُ الأصل ولا داعي إليها، على أنَّه قد قرأ ابنُ محيصن
ومجاهد وقتادةُ ويعقوبُ بتشديدِها ونَصْبٍ ((الحمد))(١)، وفي ذلك دليلٌ لِمَا قلنا.
والظاهرُ أنَّ تحقّق(٢) مضمونٍ هذه الجمل - لكونها اسميةً - على سبيل الدَّوام
والاستمرار، وفي الأخبار ما يؤيِّده، فلعلَّ القومَ لمَّا دخلوا الجنة حصَلَ لهم من
العلم بالله تعالى ما لم يَحْصُلْ لهم قبله، على اختلاف مراتبهم.
وقد صرَّح مولانا شهابُ الدين السهرورديُّ في بعض رسائله في الكلام بتفاؤُتِ
أهل الجنة في المعرفة، فقال: إنَّ عوامَّ المؤمنين في الجنة يكونون في العلم
كالعلماء في الدنيا، والعلماءُ فيها يكونون كالأنبياء عليهم السلام في الدنيا،
والأنبياءُ عليهم السلام يكونون فيها(٣) كنبيِّنَا وَّر، ويكونُ لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام
من العلم بربِّه سبحانه الغايةُ القصوى التي لا تكون لملَكِ مقرَّبٍ ولا لنبيِّ مرسَلٍ،
ويُمكن أن يكون ذلك المقام المحمود.
ولا يَبْعُدُ عندي أنَّهم مع تفاؤُتِهم في المعرفة لا يزالون يترقَّون (٤) فيها على
حَسَب مراتبهم، والسيرُ في الله سبحانه غيرُ مُتَناهٍ، والوقوفُ على الكُتْه غيرُ ممكنٍ،
وحينئذٍ التفاوتُ في معرفة الصفات، وهي كما قيل: إمَّا سلبيةٌ وتُسمَّى بصفات
الجلال؛ لأنَّه(٥) يقال فيها: جلَّ عن كذا جلَّ عن كذا، وإمَّا غيرُها وتُسمَّى بصفات
(١) القراءات الشاذة ص٩٦، والمحتسب ٣٠٨/١، والبحر ١٢٧/٥.
(٢) في الأصل: تحقيق.
(٣) في (م): في ذلك.
(٤) في (م): يترقبون، وهو تصحيف.
(٥) في (م): لأنها.

سُۈٌدُونَِّ،
٤٦
الآية : ١٠
الإكرام، وبذلك فُسِّر قوله تعالى: ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْمَلِ وَالْإِكْرَمْ﴾ [الرحمن: ٧٨]
فلا يزالون يَدْعُون الله تعالى بالتسبيح الذي هو إشارةٌ إلى نعتِه بنعوت الجلال،
وبالتحميد الذي هو إشارةٌ إلى وَصْفِهِ بصفات الإكرام.
والدوامُ عرفيٍّ، وهو أكثرُ من أنْ يُحصَى، وقولُه عليه الصلاة والسلام في
وصف أهل الجنة كما في صحيح مسلم: ((يُسبِّحُونَ الله تعالى بُكرةً وعشيّا))(١) يؤيِّد
بظاهره ذلك، والمراد بالبكرة والعشيّة - كما قال النوويُّ - قَدْرَهما(٢).
وظاهرُ الآية أنَّهم يُقدِّمون نعتَه تعالى بنعوتِ الجلال ويختمون دعاءهم بوَصْفِهِ
بصفات الإكرام؛ لأنَّ الأُولى متقدّمةٌ على الثانية لتقدُّم التخلية على التحلية، ويُرشد
إلى ذلك قولُه سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
والمختارُ عندي كونُ فاعل التحية هو اللهُ تعالى أو الملائكةُ عليهم السلام،
وحينئذٍ لا يَبْعُدُ أن يكونَ الترتيبُ الذِّكري حَسْبَ الترتيب الوقوعي، وذلك بأنْ يقال:
إنَّهم حين يَشرعون بالدعاء يُسبِّحون الله تعالى وينزِّهونَه، فيقابلون بالسلام، وهو
دعاءٌ بالسلامة عن كلِّ مكروه، فإنْ كان مِن الله سبحانه فهو مجازٌ لا محالةَ،
لاستحالة حقيقةِ الدعاء عليه تعالى، وإنْ كان من الملائكة عليهم السلام فلا مانعَ
من بقائه على حقيقتِهِ، لكنْ يُوجَّه الطلبُ فيه إلى الدوام؛ لأنَّ أصل السلامة حاصلٌ
لهم، وإنْ قلنا: إنَّها تقبل الزيادة، فلا بُعْدَ في أنْ يوجَّه إلى طلبها. وما ألطفَ
مقابلةَ التسبيح والتنزيه بالسلامة عن المكروه لقُرْبها من ذلك معنًى، كما لا يخفَى
على المُنْصف. ثم يختمون دعاءهم بـ ((الحمد لله رب العالمين)). وهكذا لا يزال
دأبُهم بكرةً وعشيّاً كما يُشير إليه خبرُ الصحيح، ولعلَّ عدمَ ذكر التحميد فيه اكتفاء
بما في الآية. وهذا ما عندي فيها .
وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر وأبو الشيخ عن ابنٍ جُريج قال: أُخبرتُ أنَّ أهل
الجنة إذا مرَّ بهم الطائرُ يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم، وذلك دعاؤهم به، فيأتيهم
الملَكُ بما اشْتَهَوا، فإذا جاء الملَك به يُسلِّم عليهم فيردُّون عليه، وذلك قولُه
(١) صحيح مسلم (٢٨٣٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٨١٩٨)، والبخاري (٣٢٤٥)، وهو من
حديث أبي هريرة .
(٢) شرح صحيح مسلم ١٧/ ١٧٣ .

الآية : ١٠
٤٧
سُؤَدُلُونِسَ
تعالى: (وَغَمِيِّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ) فإذا أكلوا قدْرَ حاجتهم قالوا: الحمدُ لله رب العالمين،
وذلك قولُه سبحانه: (وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ)(١).
وهو ظاهرٌ في أنَّ الترتيب الذِّكريَّ حَسْبَ الترتيب الوقوعيّ أيضاً، لكنْ يدلُّ على
أنَّ الدعوى بمعنى الدعاء، ومعنى كون ((سبحانك اللهم)» دعاءً وطلباً لِمَا يشتهون
حينئذٍ: أَنَّه علامةٌ للطلب. ونظيرُ ذلك تسبيحُ المصلِّ إذا نابه شيءٌ في صلاته.
وفي بعض الآثار: أنَّ هذه الكلمة علامةٌ بين أهل الجنة والخدم في الطعام،
فإذا قالوها أَتوهم بما يشتهون(٢).
وأخرج ابنُ مردويه عن أبيّ بنِ كعب مرفوعاً: أنَّهم إذا قالوا ذلك أتاهم
ما اشتَهوا من الجنة من ربِّهم(٣).
ولا بأس في ذلك، نعم في كون الحمد بعدَ أكْلٍ قَدْرِ حاجتهم مدلولَ قوله
سبحانه: (وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ) خفاءٌ.
وقال القاضي بيَّضَ الله تعالى غرَّةَ أحواله: لعلَّ المعنى أنَّهم إذا دخلوا الجنةَ
وعايَنوا عظمةَ الله سبحانه وكبرياءَه مجَّدوه ونعتُوه بنعوتِ الجلال، ثم حيَّاهم
الملائكةُ بالسلامة عن الآفات والفوزِ بأصناف الكرامات، أو الله تعالى، فحمدوه
وأثنوا عليه بصفات الإكرام(٤).
وهو أيضاً ظاهرٌ في كون الترتيبِ الذِّكريِّ كما قلنا، إلا أنَّه تُعقّب بأنَّ إضافة
((آخِرِ) إلى (دعواهم)) يأباه، وكأنَّ وجْهَ الإباء - على ما قيل - أنَّ ذلك على هذا آخر
الحال، وبأنَّ اعتبارَ الفوزِ بالكرامات غيرُ ظاهر، ولعلَّ الأمر في ذلك سهلٌ.
وقال شيخ الإسلام: لعلَّهم يقولون: ((سبحانك اللهم)) عندما يُعاينون من
تعاجيب آثارٍ قدرته تعالى ونتائج رحمته ورأفته ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت
(١) تفسير الطبري ١٢٦/١٢، وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٠١/٣.
(٢) ذكره البغوي ٢/ ٣٤٥ عن أهل التفسير، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية عن مقاتل بن
حيان.
(٣) الدر المنثور ٣٠١/٣.
(٤) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ١٠.

سُوَلاَلُونَ
٤٨
الآية : ١١
ولا خطر على قلب بشر، تقديساً لمقامه تعالى عن(١) شوائب العجز والنقصان،
وتنزيهاً لوعْدِه الكريم عن سمات الخُلْف، ويكون خاتمةُ دعائهم أنْ يقولوا :
((الحمد لله رب العالمين)) نعتاً له تعالى شأنُه بصفات الإكرام إثْرَ نعتِه بصفات
الجلال، والمعنى: دعاؤهم منحصرٌ فيما ذكر، إذ ليس لهم مَطلَبٌ مترقّبٌ حتى
يَنْظُمُوه في سِلك الدعاء، ولعلَّ توسيط ذكْرٍ تحيتهم عند الحكاية بين دعائهم
وخاتمته للتوسُّل إلى خَتْم الحكاية بالتحميد تبرُّكاً، مع أنَّ التحية ليست بأجنبيةٍ على
الإطلاق(٢). انتهى.
وكأنه أراد بعدم كون التحية أجنبيةً على الإطلاق كونَها دعاءً معنًى، وكلامُه
نصٍّ في أنَّ الترتيب الوقوعيَّ مخالفٌ للترتيب الذِّكريِّ، ولا يخفى أنَّ توجيه
توسيطٍ ذكرٍ التحية بما ذَكَره مما لا يكاد يرتضيه مُنْصِفٌ، على أنَّه غَفَل هو وسائرُ
مَن وَقَفْنا على كلامه من المفسِّرين عن توجيه اسميةِ الجمل فافْهم، والله تعالى
أعلم.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ هم الذين لا يرجون لقاء الله تعالى، المذكورون في
قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَّجُونَ) إلخ، والآية مُتَّصلةٌ بذلك دالَةٌ على استحقاقهم
للعذاب، وأنَّه سبحانه إنما يُمهلُهم استدراجاً، وذِكْرُ المؤمنين وَقَع في البين
تَتْمِيماً(٣) ومقابلةً، وجيءَ بـ ((الناس)) بدلَ ضميرهم تفظيعاً للأمر.
وفي ((إرشاد العقل السليم))(٤): إنما أُوردوا باسم الجنس لِمَا أنَّ تعجيلَ الخير
لهم ليس دائراً على وَصْفِهم المذكور، إذ ليس كلُّ ذلك بطريق الاستدراج،
والمرادُ: لو يعجِّل الله تعالى لهم ﴿الشَّرَّ﴾ الذي كانوا يستعجلون به تكذيباً
واستهزاءً، فإنَّهم كانوا يقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ
عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ آَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿وَيَقُولُونَ مَقَ هَذَا
الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ونحو ذلك.
(١) في الأصل: من.
(٢) تفسير أبي السعود ١٢٤/٤.
(٣) في الأصل: تعميماً.
(٤) ٤ / ١٢٥.

الآية : ١١
٤٩
سُؤال تونس
وأخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن قتادة أنَّه قال: هو دعاءُ الرجل على نفسه
ومالِهِ بما يكره أنْ يُستجاب له. وأخرجا عن مجاهد أنَّه قال: هو قولُ الإنسان
لولده وماله إذا غضب: اللهمَّ لا تبارك فيه، اللهمَّ الْعَنْه (١). وفيه حَمْلُ ((الناس)) على
العموم، والمختار الأولُ، ويُؤيِّده ما قيل: إنَّ(٢) الآية نزلت في النضْر بنِ الحارث
حين قال: (اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ) إلخ(٣).
وقوله سبحانه: ﴿أَسْتِعْجَلَهُم بِالْخَيْرِ﴾ نصبٌ على المصدرية، والأصل على
ما قاله أبو البقاء: تعجيلاً مثلَ استعجالهم، فحُذِفَ تعجيلاً وصفتُه المضافةُ وأُقِيمَ
المضافُ إليه مقامهما (٤).
وفي ((الكشاف)): وُضعَ ((استعجالهم بالخير)) موضعَ: تعجيله لهم، إشعاراً
بسرعة إجابته سبحانه لهم وإسعافه بطِلْبَتِهِم، حتى كأنَّ استعجالهم بالخير تعجيلٌ
لهم(٥).
وهو كلامٌ رصينٌ يدلُّ على دقَّة نظرٍ صاحبه كما قال ابنُ المنير(٦)، إذ لا يكاد
يُوضع مصدرٌ مؤكِّدٌ مقارِناً لغير فِعْلِه في الكتاب العزيز بدون مثل هذه الفائدة
الجليلة، والنحاةُ يقولون في ذلك: أُجرِيَ المصدرُ على فعلٍ مقدَّرٍ دلَّ عليه
المذكورُ، ولا يَزيدون عليه، وإذا راجع الفَطِنُ قريحتَه، وناجَى فكرتَه، علمَ أنَّه
إنما قُرِنَ بغير فِعْلِه لفائدةٍ، وهي في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَكُم مِّنَ الْأَرْضِ بَانَا﴾
[نوح: ١٧] التنبيهُ على نفوذِ القدرة في المقدور وسُرعةٍ إمضاء حُكْمِها، حتى كأنَّ
إنبات اللهِ تعالى لهم نفسُ نباتهم، أي: إذا وُجد الإنبات وُجد النبات حتماً، حتى
كأنَّ أحدَهما عينُ الآخَر فقُرن به.
(١) الخبران في تفسير الطبري ١٣١/١٢-١٣٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٢.
(٢) في (م): من أن.
(٣) تفسير أبي الليث ٩٠/٢، والمحرر الوجيز ١٠٨/٣، وزاد المسير ١١/٤.
(٤) الإملاء ٢١٧/٣، ووقع في الأصل و(م): مقامها، والمثبت من الإملاء. ومعنى الكلام: أنه
حذف تعجيلاً وأقيمت صفته مقامه، ثم حذفت الصفة وأقيم ما أضيفت إليه مقامها كـ ((اسأل
القرية)). حاشية الشهاب ٥/ ١٠ .
(٥) الکشاف ٢٢٧/٢، ووقع في (م): له.
(٦) في الانتصاف ٢٢٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٠/٥.

٥٠
الآية : ١١
وقال الطيبيّ: كان أصلُ الكلام: ولو يُعجِّلُ(١) اللهُ للناسِ الشرَّ تعجيله، ثم
وُضِعَ موضعَه الاستعجالُ، ثم نُسب إليهم فقيل: استعجالَهم بالخير؛ لأنَّ المرادَ أنَّ
رحمته سبقت غضبه، فأريد مزيدُ المبالغة، وذلك أنَّ استعجالَهم الخيرَ أسرعُ من
تعجيل الله تعالى لهم ذلك، فإنَّ الإنسان خُلق عجولاً، والله تعالى صبورٌ حلیمٌ
يؤخّر للمصالح الجمَّة التي لا يهتدي إليها عقلُ الإنسان، ومع ذلك يُسعفُهم بطِلْبَتِهِم
ويُسرع إجابتهم.
وَأَوْجَبَ أبو حيان كونَ التقدير: تعجيلاً مثلَ استعجالهم، أو أنَّ ثَمَّ محذوفاً
يدلُّ عليه المصدر، أي: لو يعجِّلُ الله للناسِ الشرَّ إذا استعجلوه استعجالَهم بالخير،
قال: لأنَّ مدلول ((عجَّل)) غيرُ مدلول ((استعجل))؛ لأنَّ((عجَّل) يدلُّ على الوقوع
و((استعجل)) يدلُّ على طلب التعجيل، وذلك واقعٌ من الله تعالى وهذا مضافٌ
إليهم، فلا يجوز ما قرَّره الزمخشري وأتباعه(٢).
وأجاب السفاقسيُّ بأنَّ ((استفعل)) هنا للدلالة على وقوع الفعل لا على طلبه، كـ:
استقر بمعنى أقرَّ، وقوله: وهذا مضافٌ إليهم، مبنيٌّ على أنَّ المصدر مضافٌ للفاعل،
ويحتملُ أنْ يكون مضافاً للمفعول، ولا يخفَى أنَّ كلَّ ذلك ناشٍ من قلةِ التدبُّر.
ومعنى قوله سبحانه: ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾: لأُميتوا وأُهلكوا بالمرة، يقال:
قضى إليه أَجَلَه، أي: أنهى إليه مُدَّته التي قُدِّر فيها موتُه فهَلَكَ. وفي إيثار صيغة
المبني للمفعول جَرْيٌ على سَنَن الكبرياء، مع الإيذان بتعيُّن الفاعل. وقرأ ابنُ عامر
ويعقوب: ((لقَضَى)) على البناء للفاعل(٣). وقرأ عبد الله ((لقضينا))(٤) وفيه التفاتٌ.
واختيارُ صيغة الاستقبال في الشرط وإنْ كان المعنى على المضيِّ، لإفادة أنَّ
عدم قضاءِ الأجل لاستمرار عدم التعجيل، فإنَّ المضارع المنفيَّ الواقعَ موقعَ
الماضي ليس بنصٍّ في إفادة انتفاءِ استمرارِ الفعل، بل قد يُفيد استمرارَ انتفائه أيضاً
بحسب المقام كما حُقِّق في موضعه.
(١) في (م): يجعل، وهو تصحيف.
(٢) البحر ١٢٨/٥-١٢٩.
(٣) التيسير ص١٢١، والنشر ٢٨٢/٢.
(٤) المحرر الوجيز ١٠٨/٢، والكشاف ٢٢٧/٢، والبحر ١٢٩/٥.

الآية : ١١
٥١
سُؤَلُ كُونُسَ
وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ المقدَّم هاهنا ليس نفسَ التعجيل المذكور، بل هو
إرادته المستتبعة للقضاء المذكور وجوداً وعدماً؛ لأنَّ القضاء ليس أمراً مغايراً
لتعجيل الشرِّ في نفسه، بل هو إمَّا نفسُه، أو جزئيٍّ منه كسائر جزئياته من غير مَزيَّة
له على البقية، إذ لم يُعتَبر في مفهومه ما ليس في مفهوم تعجيل الشرِّ من الشدَّة
والهول، فلا يكون في ترُّبه عليه وجوداً أو عدماً مزيدُ فائدةٍ مُصحِّحَةٍ لجَعْلِهِ تالياً
له(١)، فليس كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمِّ لَعَنْتُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ولا كقوله
سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِّفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ
النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] إذا فسِّر الجواب
بالاستئصال. وأيضاً في ترتيب التالي على إرادة المقدَّم ما ليس في ترتيبه على
المقدَّم نفسِه، من الدلالة على المبالغة وتهويل الأمر، والدلالة على أنَّ الأمور
منوطةٌ بإرادته تعالى المَبْنِيَّة على الحِكَم البالغة.
وقوله سبحانه: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقََّ نَا﴾ أي: نتركُهم إمهالاً واستدراجاً
﴿فِى مُفْيَِهِمْ﴾ الذي هو عدمُ رجاءِ اللِّقاء، وإنكارُ البعثِ والجزاء، وما يتفرَّع على
ذلك من الأعمال السيئة والمقالات الشنيعة ﴿يَعْمَهُونَ ﴾﴾ أي: يتردّدون
ويتحيَّرون = لا يصحُّ عطفُه على شرط ((لو)) ولا على جوابها لانتفائه، وهو مقصودٌ
إثباتُه، وليست ((لو)) بمعنى ((إنْ)) كما قيل، فهو إمَّا معطوفٌ على مجموع الشرطية؛
لأنَّها في معنى: لا يُعجِّل لهم، وفي قوَّته، فكأنه قيل: لا يُعجِّل بل يَذرهم، أو
معطوفٌ على مقدَّرٍ تدُلُّ عليه الشرطية، أي: ولكنْ يمهلهم، أو: ولكنْ لا يعجِّل
ولا يَقضي فیذرُهم، وبكلِّ قال بعضٌ.
وقيل : الجملةُ مستأنفةٌ، والتقدير: فنحن نذرُهم.
وقيل: إنَّ الفاء واقعةٌ في جواب شرطٍ مقدَّر، والمعنى: لو يعجِّل الله تعالى
ما استعجلوه لَأَبادَهم، ولكن يُمهلُهم ليزيدوا في طغيانهم ثم يستأصلهم، وإذا كان
(١) وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَلَ لَمُمُ الْعَذَابَّ﴾ [الكهف: ٥٨] أي: لو يريد
مؤاخذتهم، فإن تعجيل العذاب لهم نفس المؤاخذة، أو جزئيٍّ من جزيئاتها غيرُ ممتاز عن
البقية، فليس في بيان ترتُّبه عليها مزيد فائدة، وإنما الفائدة في بيان ترتُّبه على إرادتها. تفسير
أبي السعود ٤/ ١٢٥ .

سُۈلٌ دُونِسَ
٥٢
الآية : ١٢
كذلك فنحن نذرُ هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يتردّدون ثم نقطعُ
دابرهم.
وصاحب ((الكشف)) بعد ما قرَّر أنَّ اتِّصال ((ولو يعجِّل)) إلخ بقوله تعالى: (إِنَّ
الَّذِينَ لَا يَزَّجُونَ لِقَاءَنَ) إلخ، وأنَّ ذكْرَ المؤمنين إنما وقع في البَيْن تَتْميماً ومقابلةً
وليس بأجنبيٍّ، قال: إنَّه لا حاجةَ إلى جَعْلِ هذا جوابَ شرطٍ مقدَّرٍ، وفي وضع
الموصول موضعَ الضمير نوعُ بيانٍ للطغيان بما في حيِّز الصلة، وإشعارٌ بعلِّيَّته للتَّرْكِ
والاستدراج.
﴿وَإِذَا مَسَ الْإِسَنَ الشُّرُّ﴾ أي: إذا أصابه جنسُ الضرِّ(١) من مرضٍ وفقرٍ
وغيرِهما من الشدائد إصابةً يسيرةً، وقيل: مطلقاً ﴿دَعَانَا﴾ لكَشْفِه وإزالته ﴿لِجَنْبِهِ﴾
في موضع الحال، ولذا عطَفَ عليه الحالَ الصريحة، أعني قوله سبحانه: ﴿أَوْ قَاعِدًا
أَ قَايمًا﴾ أي: دعانا مضطجعاً - أو مُلْقَى - لجنبه، واللام على ظاهرها، وقيل: إنَّها
بمعنى ((على)) كما في قوله تعالى: ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ولا حاجةً إليه،
وقد يعبّر بـ ((على)) [بدله](٢) وهي تُفيدُ استعلاءه عليه، واللامُ تفيد اختصاصَ كينونته
واستقراره بالجنب، إذ لا يمكنه الاستقرارُ على غير تلك الهيئة، ففيه مبالغةٌ زائدة.
واختلف في ذي الحال؛ فقيل: إنَّه فاعلُ ((دعانا)).
وقيل: هو مفعولُ ((مسَّ)). واستُضْعِف بأمرين:
أحدُهما: تأخّرُ الحال عن محلّها من غير داعٍ.
الثاني: أنَّ المعنى على أنَّه يدعو كثيراً في كلِّ أحواله، إلا أنَّه خَصَّ
المعدودات بالذكر لعدم خُلُوِّ الإنسان عنها عادةً، لا أنَّ الضرَّ يُصيبه في كلِّ
أحواله.
وأجيب عن هذا بأنَّه لا بأس به، فإنَّه يلزمُ مَن مسَّه الضرُّ في هذه الأحوال دعاؤه
فيها أيضاً؛ لأنَّ القيد في الشرط قيدٌ في الجواب، فإذا قلت: إذا جاء زيدٌ فقيراً أَحسنًا
(١) في الأصل: الضرر.
(٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ١١/٥ .

الآية : ١٢
٥٣
سُوَلُ كُونس
إليه، فالمعنى: أحسنًّا إليه في حال فقْرِهِ. وأنت تعلم أنَّ الأظهر هو الأول.
واعتبر بعضُهم توزُّعَ هذه الأحوال على أفراد الإنسان، على معنى: أنَّ مِن
الإنسان مَن يدعو على هذه الحالة، ومنه مَن يدعو على تلك الحالة(١).
وذكر غيرُ واحدٍ أنَّه يجوز أن يكونَ المرادُ بهذه الأحوال تعميمَ أصنافٍ
المَضارِّ؛ لأنَّها إمَّا خفيفة لا تمنع الشخصَ القيامَ، أو متوسّطة تمنعه القيامَ دون
القعود، أو شديدة تمنعه منهما(٢)، وانفهامُ ذلك منها بمعونة السياق.
و((إذا)) قيل: إنَّها على أصلها، وقيل: إنَّها للمضي.
﴿فَلَا كَنَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ الذي مسَّهَ غِبَّ ما دعانا، كما يُنبئُّ عنه الفاءُ.
﴿مَرَّ﴾ أي: مضَى على ما كان عليه قبلُ، ونسي حالةَ الجهد والبلاء، أو: مرَّ
عن موقف الدعاء والابتهال وَنَأَى بجانبه، والمرورُ على الأول مجازٌ، وعلى الثاني
باقٍ على حقيقته، ويكون كنايةً عن عدم الدعاء.
وكَأَن لَّمْ يَدْعُنَا﴾ أي: كأنَّه لم يدْعُنا، فخفّف وحذف ضمير الشأن، ومثلُ
ذلك قولُه :
كأنْ ثدياه حُقَّانِ(٣)
ووَجْهٍ مشرق النحرِ
فإنَّ الأصل فيه: كأنَّه، فخفَّف ((كأنَّ) وحذف ضميرَ الشأن، لكنْ صرَّح ابنُ
هشام في شواهده أن ذلك غيرُ متعيِّنٍ، إذ يجوز كونُ الضمير للوجه، أو للصدر على
روايةٍ: وصدرٍ (٤).
وروي: كأنْ ثدييه(٥)، على إعمال ((كأنْ)) في اسم مذكور، ولا يَبْعدُ أنْ يجوز
ذلك في الرواية الأولى على بعض اللغات.
(١) قوله: الحالة، ليس في (م).
(٢) في (م): منها.
(٣) الكتاب ١٣٥/٢، والكشاف ٢٢٨/٢، قال البغدادي في الخزانة ٤٠١/١٠: هذا البيت من
أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف لها قائل.
(٤) تنظر هذه الرواية في أمالي ابن الشجري ٣٦٢/١، والخزانة ٣٩٨/١٠.
(٥) أمالي ابن الشجري ١٧٨/٢، والخزانة ٣٩٨/١٠، وشرح الألفية لابن عقيل ٣٩١/١.

سُوَالالُونس
٥٤
الآية : ١٢
والجملةُ التشبيهية في موضع الحال من فاعل ((مرَّ)، أي: مرَّ مشبَّهاً بمَن لم
يَدْعُنا ﴿إِلَى ضُرٍ﴾ أي: إلى كَشْفِه؛ لأنَّه المدعوُّ إليه، وقيل: لا حاجةَ إلى التقدير،
و ((إلى)) بمعنى ((اللام))، أي: لضرٌّ ﴿مَسَّهُ﴾.
والظاهرُ أنَّ هذا وصفٌ لجنس الإنسان مطلقاً، أو الكافرِ منه باعتبار حال بعضٍ
الأفراد ممن هو متَّصفٌ بهذه الصفات.
وذكر الشهابُ أنَّ للمفسِّرين في المراد بالإنسان هنا ثلاثةَ أقوال: فقيل:
الجنس. وقيل: الكافر. وقيل: شخصٌ معيَّنٌ(١)، وعليه لا حاجةً إلى الاعتبار.
لکنْ لا اعتبار له.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التزيينِ العجيبِ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: للموصوفين
بما ذُكر من الصفات الذميمة ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ من الإعراض عن الذكر
والدعاءِ، والانهماك في الشهوات.
والإسرافُ: مجاوزةُ الحدِّ، وسُمُّوا أولئك ((مسرفين)) لِمَا أنَّ الله تعالى
إنما أعطاهم القوَى والمشاعرَ لَيَصْرِفوها إلى مَصَارِفها، ويستعملوها فيما خُلقَت له من
العلوم والأعمال الصالحة، وهم قد صَرَفوها إلى ما لا ينبغي مع أنَّها رأسُ مالهم.
وفاعلُ التزيين: إمَّا مالِكُ الملك جلَّ شأنه، وإمَّا الشيطان عليه اللعنة، وقد مرَّ
تحقيقُ ذلك و((كذلك)) فتذكَّر(٢).
وتعلُّقُ الآية الكريمة بما قبلها قيل: من حيث إنَّ في كلِّ منهما إملاءً للكفرة
على طريقة الاستدراج بعد الإنقاذ من الشرِّ المقدَّر (٣) في الأولى، ومن الضرِّ المقرَّر
في الأخرى.
وذكر الإمام في وجه الانتظام مع الآية الأولى وجھین:
الأول: أنَّه تعالى بيَّن في الأُولى أنَّه لو أنزل العذاب على العبد في
الدنيا لهلَك، وأكَّد ذلك في هذه الآية حيث دلَّت على غاية ضعفه ونهاية عجزِه.
(١) حاشية الشهاب ٥/ ١١.
(٢) ينظر ما سلف ٨/٣ و٢١٩.
(٣) في (م): المقرر، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٢٦/٤، والكلام منه.
.

الآية : ١٣
٥٥
مُوَ لُكُونَ)
والثاني: أنَّه سبحانه أشار في الأُولى إلى أنَّ الكفرة يستعجلون نزول العذاب،
وبيَّن جلَّ شأنه في هذه أنَّهم كاذبون في ذلك الطلب، حيث أفادت أنَّه لو نزل
بالإنسان أدنى شيء يكرهه فإنَّه يتضرَّع إلى الله تعالى في إزالته عنه (١). انتهى. ولكلِّ
وِجْهة.
وفي الآية ذٌّ لمن يترك الدعاء في الرخاء ويهرعُ إليه في الشدَّة، واللائقُ بحال
الكامل أن يتضرَّع(٢) إلى مولاه في السراء والضراء، فإنَّ ذلك أرجَى للإجابة، ففي
الحديث: ((تعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْك في الشِّدَّة))(٣).
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: ادعُ الله تعالى يومَ سرَّائك يَستجِبْ لك
يومَ ضرَّائك(٤).
وفي حديثٍ للترمذيِّ(٥) عن أبي هريرة - ورواه الحاكم عن سلمان وقال:
صحيح الإسناد -: ((مَن سرَّه أنْ يَستجِيب الله تعالى له عندَ الشدائدِ والكروب،
فليُكْثِرِ الدعاءَ في الرخاء))(٦).
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَلْقُرُونَ﴾ مثل قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وهو جمعُ قَرنٍ بفتح القاف:
أهل كلِّ زمانٍ، مأخوذٌ من الاقتران، كأنَّ أهل ذلك الزمان اقترنوا في أعمالهم
وأحوالهم.
وقيل: القرن أربعون سنةً، وقيل: ثمانون، وقيل: مئة، وقيل: هو مُطلقُ الزمان.
والمراد هنا المعنى الأول، وكذا في قوله وَله: ((خيرُ القرونِ قَرْني ثمَّ الذين
يَلُونَهم»(٧)، وقولِه:
(١) تفسير الرازي ٤٩/١٧- ٥٠ .
(٢) في (م): التضرع، بدل: أن يتضرع.
ها. قال
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، والترمذي (٢٥١٦) عن ابن عباس شـ
الترمذي: حسن صحيح.
(٤) الدر المنثور ٣٠٢/٣.
(٥) في الأصل: الترمذي.
(٦) سنن الترمذي (٣٣٨٢)، والمستدرك ٥٤٤/١.
(٧) أخرجه أحمد (١٩٨٣٥)، والبخاري (٦٤٢٨)، ومسلم (٢٥٣٥) من حديث عمران بن

سُۈۈۈلُونِ)
٥٦
الآية : ١٣
إذا ذهبَ القرنُ الذي أنت فيهمُ وخُلِّفْتَ في قَرنٍ فأنت غريبُ(١)
﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: مِن قبل زمانكم، والخطابُ لأهل مكة على طريقة الالتفات
للمبالغة في تشديد التهديد بعد تأييده بالتوكيد القَسَميَّ، والجارُّ والمجرورُ مُتعلِّقٌ
بـ ((أهلكنا))، ومَنَعَ أبو البقاء كونَه حالاً من القرون(٢).
﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ أي: حين فَعلوا الظلمَ بالتكذيب والتمادي في الغيِّ والضلال،
والظرفُ متعلِّق بـ ((أهلكنا)).
وجَعْلُ (لَمَّا)) شرطيةً بتقديرٍ جوابٍ هو: أهلكناهم، بقرينةٍ ما قبله، تكلُّفٌ
لا حاجةً إليه.
وقوله سبحانه: ﴿وَجَمَتَهُمْ رُسُلُهُم) حالٌ مِن ضمير ((ظلموا)) بإضمار ((قد)).
وقولُه تعالى: ﴿يَلَيْنَتِ﴾ متعلِّقٌ بـ ((جاءتهم)) على أنَّ الباء للتعدية، أو بمحذوفٍ
وقع حالاً مِن ((رسلهم)) دالَّةً على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة، أي:
ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسُلُهم بالآيات البيّنةِ الدالّة على صدقهم، أو
مُلْتَبِينَ(٣) بها حين لا مجالَ للتكذيب.
وجوَّز أبو البقاء وغيرُه عطفَه على ((ظلموا))(٤)، فلا محلَّ له من الإعراب، أو
محلُّه الجرُّ، وذلك عند مَن يَرَى إضافة الظرف إلى المعطوف عليه. والترتيبُ
الذِّكريُّ لا يجبُ أنْ يكون حَسْبَ الترتيب الوقوعي كما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ
أَبَّوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ، سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولا حاجةَ إلى هذا الاعتذار، بناءً
= حصين بلفظ: ((إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال
عمران: فما أدري أقال النبي ◌َّه بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً.
(١) البيت لأبي محمد التيمي عبد الله بن أيوب من شعراء الدولة العباسية، كما في الأغاني
٥٤/٢٠، ونسبه البصري في الحماسة ٤٧/٢ له أو للحسن بن عمرو الإباضي، ونسبه ابن
قتيبة في عيون الأخبار ٣٢٢/٩ للحجاج بن يوسف التيمي.
(٢) الإملاء ٣/ ٢٢٠. وقال السمين في الدر المصون ٦/ ١٦٢: لأنه ظرف زمان فلا يقع حالاً
عن الجنة كما لا يقع خبراً عنها.
(٣) في (م): متلبسين، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٢٧/٤، والكلام منه.
(٤) الإملاء ٢٢٠/٣.

الآية : ١٣
٥٧
سُولَ لا بُونَ
على أنَّ الظلم ليس مُنحصراً في التكذيب، بل هو محمولٌ على سائر أنواع
الظلم.
والتكذيبُ مستفادٌ مِن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ على أبلغ وجهٍ وآَكَدِه؛
لأنَّ اللام لتأكيد النفي. وهذه الجملةُ على الأوَّل عطفٌ على ((ظلموا))، وليس من
العطف التفسيريٍّ في شيءٍ على ما قاله صاحب ((الكشف)» خلافاً للطيبي؛ لأنَّ
الأُولى إخبارٌ بإحداث التكذيب، وهذه إخبارٌ بالإصرار عليه، وعلى الثاني عَطْفٌ
على ما عُطِفَ عليه.
وقيل: اعتراضٌ للتأكيد بين الفعل وما يجري مَجرَى مصدرِه التشبيهيِّ، أعني
قولَه سبحانه: ﴿كَذَلِكَ﴾ فإنَّ الجزاء المشارَ إليه عبارةٌ عن مصدرِهِ، أي: مثلَ ذلك
الجزاءِ الفظيع، أي: الإهلاكِ الشديدِ الذي هو الاستئصالُ بالمرة ﴿فَجْزِىِ اٌلْقَوْمَ
الْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: كلَّ طائفةٍ مجرمةٍ، فيشملُ القرون، وجَعْلُ ذلك عبارةً عنهم
غيرُ مناسبٍ للسياق. وقرئ: (يَجزِي)) بياء الغيبة(١) التفاتاً من التكلُّم في ((أهلكنا))
إليها .
وحاصلُ المعنى على تقدير العطف: أنَّ السبب في إهلاكهم تكذیبُهم الرسلَ،
وأنَّهم ما صحَّ وما استقام لهم أن يؤمنوا؛ لفساد استعدادهم، وخذلان الله تعالى
إيَّاهم، ويُقتصر على الأمر الأول في بيان الحاصل على تقدير الاعتراض، وذكر
الزمخشريُّ بدلَ الأمر الثاني علمَ الله تعالى أنَّه لا فائدةَ في إمهالهم بعد أنْ أُلزموا
الحجَّةَ ببعثةِ الرسل عليهم السلام(٢)، وجُعِلَ بياناً على التقديرَين، وفيه ما يحتاج
إلی الکشف فتدبّره.
وتعليلُ عدم الإيمان بالخذلان ونحوِه ظاهرٌ، وكلام القاضي صريحٌ في
تعليله - أيضاً - بعلم الله تعالى أنَّهم يموتون على الكفر(٣).
(١) الكشاف ٢٢٨/٢، والبحر ١٣١/٥.
(٢) الكشاف ٢٢٨/٢، وفيه: المعنى أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم الرسل وعلم الله أنه
لا فائدة ...
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ١٢ .

سُولُونِسَ
٥٨
الآية : ١٣
واعتُرضَ بأنَّه منافٍ لقولهم: إنَّ العلم تابعٌ للمعلوم(١)، وتكلَّفَ بعضُ الفضلاء
في تصحيحه ما تكلَّفَ(٢)، ولم يأتِ بشيءٍ.
وقال بعض المحققين: معنى كونِ العلم تابعاً للمعلوم أنَّ عِلْمَه تعالى في الأزل
بالمعلومِ المعيَّنِ الحادثِ تابعٌ لماهِيتِهِ، بمعنى أنَّ خصوصيَّةَ العلم وامتيازَه عن سائر
العلوم إنَّما هو باعتبارِ أنَّه عِلْمٌ بهذه الماهية، وأمَّا وجودُ الماهية وفعليتها فيما لا يزال
فتابعٌ لعِلْمِه الأزليِّ التابع لماهيته، بمعنى: أنَّه تعالى لمَّا عَلمِها في الأزل على هذه
الخصوصية، لَزِمَ أنْ تتحقَّق فيما لا يزالُ على هذه الخصوصية، فنفسُ موتهم على
الكفر وعدمُ إيمانهم متبوعٌ لعلْمِه تعالى الأزليِّ، ووقوعُه تابعٌ له، وهذا مما لا شُبهة
فيه، وهو مذهبُ أهل السنَّة رحمهم الله تعالى، وبه ينحلُّ إشكالاتٌ كثيرةٌ فليُحفَظ.
وذكر مولانا الشيخ إبراهيم الكورانيُّ أنَّ معنى كون العلم تابعاً للمعلوم أنَّه
متعلِّقٌ به كاشفٌ له على ما هو عليه. وبُني على ذلك كونُ الماهيات ثابتةً غيرَ
مجعولةٍ في ثبوتها. والقولُ بالتبعية المذكورة مما ذَهَبَ إليه الشيخُ الأكبر قُدِّس
سرُّهُ(٣)، ونازَعَ في ذلك عبدُ الكريم الجيليُّ.
وقال الشيخ محمد عمر البغدادي(٤) عليه الرحمة: إنَّ كونَ العلم تابعاً للمعلوم
بالنظر إلى حضرةِ الأعيان القديمة التي أعطَت الحقَّ العلمَ التفصيليَّ بها، وأمَّا
بالنظر إلى العلم الإجماليِّ الكلِّيِّ فالمعلومُ تابعٌ للعلم؛ لأنَّ الحقَّ تعالى لمَّا تَجلَّى
من ذاته لذاته بالفيض الأقدس حصلَت الأعيان واستعداداتها، فلم تحصل عن
جهل، تعالَى اللهُ عن ذلك علوّاً كبيراً، وحينئذٍ فلا مخالفةَ بين الشيخ الأكبر قُدِّس
(١) أي أن علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم؛ لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس. حاشية
الشهاب ٥/ ١٢ .
(٢) ينظر كلامه في حاشية الشهاب ١٢/٥، وكذا كلام بعض المحققين الذي سيرد بعده.
(٣) ينظر الفتوحات، الباب أحد عشر وأربع مئة.
(٤) عمر بن عبد الجليل بن محمد بن جميل بن درويش البغدادي الحنفي الصوفي القادري نزيل
دمشق، فقيه مفسِّر نحوي، له: شرح القدوري بالفقه، وحاشية على المغني في النحو،
وحاشية على رسالة وحدة الوجود وشرح الصلوات المحمدية لابن عربي، والحواشي
الفتوحية على شرح القصيدة النونية في العقائد، وغيرها، توفي سنة (١١٩٤هـ). سلك الدرر
١٧٩/٣، وهدية العارفين ٧٩٩/١، وإيضاح المكنون ٤٢٣/١ ٣٨٢/٢.

الآية : ١٤
٥٩
سُؤَ لُ بُونس
سرُّه والجيليِّ، على أنَّه إنْ بقيت (١) هناك مخالفةٌ فالحقُّ مع الشيخ؛ لأنَّ الجيليَّ
بالنسبة إليه نَحلةٌ تُدندِنُ حول الحمى، والدليلُ أيضاً مع الشيخ كنارٍ على عَلَم، لكنَّه
قد أَبْعَدَ رَُّبه الشوط بقوله: العلمُ تابعٌ للمعلوم، والمعلوم أنت، وأنت هو،
والبحث وَعِرُ المسلك صعبُ المرتقى، وتمام الكلام فيه يُطلب من محلِّه.
واستفادةُ معنى العلم هنا - على ما قيل - من التأكيد الذي أفادته اللام. وفي
الآية وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيدٌ لأهل مكة؛ لأنَّهم وأولئك المهلَكين مشتركون
فيما يقتضي الإهلاك.
ويُعلم ممَّا تقرَّر أنَّ ضمير ((كانوا)) للقرون، وهو ظاهرٌ. وجوَّز مقاتلٌ أنْ يكون
الضميرُ لأهل مكة، وهو خلافُ الظاهر.
وكذا جوِّز كونُ المراد بـ ((القوم المجرمين)) أهل مكة، على طريقة وضْعِ الظاهر
موضعَ ضمير الخطاب إيذاناً بأنَّهم أعلامٌ في الإجرام، وذِكْرُ («القوم)) إشارةٌ إلى
أنَّ العذاب عذابُ استئصال، والتشبيهُ على هذا ظاهرٌ، إذ المعنى: يجزيكم مثلَ
جزاءٍ مَن قبلكم، وأمَّا على الأول، فهو على مِنوالٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾
[البقرة: ١٤٣] وأضرابِهِ. وفيه بُعدٌ أيضاً، بل قال بعضُ المحققين: يأباه كلَّ الإباء.
قولُه سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فإنَّه صريحٌ في أنَّه ابتداءُ
تعرُّضٍ لأمورهم، وأنَّ ما بُيِّنَ فيه مبادئُ أحوالِهم لاختبار كيفيةِ أعمالهم على وجهٍ
يُشعر باستمالتهم نحو الإيمان والطاعة، فمحالٌ أنْ يكونَ ذلك إِثْرَ بيانٍ منتهَی
أمرهم، وخطابهم بِبَتِّ القول بإهلاكهم لكمال إجرامهم.
والعطفُ على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا﴾ لا على ما قبله، والمعنى: ثم
استخلفناكم في الأرض بعد إهلاك أولئك القرون التي تسمعون أخبارها وتشاهدون
آثارها ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: لنعلم أيَّ عملٍ تعملون، فـ ((كيف)) مفعولٌ
مطلقٌ لـ ((تعملون))، وقد صرَّح في ((المغني)) بأنَّ ((كيف)) تأتي كذلك، وأنَّ منه:
﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١](٢) وليست معمولة ((لننظر)) لأنَّ الاستفهام له الصدارةُ،
فيُمْنَعُ ما قبلَه من العمل فيه، ولذا لَزِمَ تقديمُه على عامله هنا.
(١) في الأصل: ثبت.
(٢) مغني اللبيب ص٢٧١ .

سُوَلاَنُونَ
٦٠
الآية : ١٤
وقيل: محلُّها النصبُ على الحال من ضمير ((تعملون)) كما هو المشهورُ فيها إذا
كان بعدها فعلٌ، نحو: كيف ضرب زيد، أي: على أيِّ حالٍ تعملون الأفعالَ
اللائقةَ بالاستخلاف من أوصاف الحُسْن، وفيه مِن المبالغة في الزَّجْر عن الأعمال
السيئة ما فيه .
وقيل: محلُّها النصب على أنَّها مفعولٌ به لـ ((تعملون))، أي: أيَّ عملٍ تعملون
خيراً أو شرّاً، وقد صرَّحوا بمجيئها كذلك أيضاً، وجعلوا من ذلك(١): كيف ظننتَ
زيداً؟ وبما ذُكر فسَّر الزمخشريُّ الآية(٢).
وتعقَّبه القطب بما تعقّبه، ثم قال: ولعلَّه جعَلَ ((كيف)) هاهنا مجازاً بمعنى: أيّ
شيءٍ؛ لدلالة المقام عليه .
وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ التحقيق أنَّ معنى ((كيف)) السؤال عن الأحوال
والصفاتِ لا عن الذوات وغيرها، فالسؤال هنا عن أحوالهم وأعمالهم، ولا معنى
للسؤال عن العمل إلَّا عن كونه حَسَناً أو قبيحاً وخيراً أو شرّاً، فـ ((كيف)) ليسَت
مجازاً بل هي على حقيقتها .
ثم إنَّ استعمال النظر بمعنى العلم مجازٌ، حيث شُبِّه بنَظَرِ الناظرِ وعيان المُعايِنِ
في تحقُّقه، والكلامُ استعارةٌ تمثيليةٌ مرتَّبة على استعارةٍ تصريحيةٍ تَبعيَّةٍ، والمرادُ:
يعاملُكم معاملةَ مَن يطلب العلم بأعمالكم ليُجازيَّكم بحَسَبها، كقوله تعالى: ﴿ِلُوكُمْ
أَبِّكُمْ لَحْسَنُ عَبَلَا﴾ [الملك: ٢].
وقيل: يمكن أنْ يقال: المرادُ بالعلم المعلومُ، فحينئذٍ يكون هذا مجازاً مرتَّباً
على استعارة.
وأيّاً ما كان فلا يلزمُ أنْ لا يكون الله سبحانه وتعالى عالماً بأعمالهم قبل
استخلافهم.
وليس مبني تفسير النظر بالعلم على نفي الرؤية كما هو مذهبُ بعض القدرية
القائلين بأنَّه جلَّ شأنه لا يَرَى ولا يُرَى، فأنا - وللهِ تعالى الحمد - ممن يقول: إنَّه
(١) بعدها في (م): نحو.
(٢) الكشاف ٢٢٨/٢.