Indexed OCR Text

Pages 1-20

لمعان
مُوَُ الأرز
في
تَفِي القرآن العظيم والسُّنْ لمثَانِى
تأليف
شِهَابُ الدِيَنْ أَبُِّ الثَّاء
◌َجٌمُودَيْنِ عَبْدُاللَّهُ الالوسيْ الْبُعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَةَ هَذَا الجزء
مَاهِرْجَ بُوش
سَاهُمْ في تحقيقه
ولِيْد الحمَلبُوسى
ياسِرُ العزّودي
الحَمَدّد الحَادِي عَشْرْ
مؤسسة الرسالة

一

◌ُوعُ المَعَانِى
ف
تَفِيالقُرآن العَظِيم والسُّنْ المَان
(١١)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْر وَالتَّوَزِيّع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُوَاُ لُونَ
مكِّيّةٌ على المشهور، واستثنَى منها بعضُهم ثلاثَ آيَات: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ) (أَفَمَن كَانَ
عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ،) (وَأَقِ اٌلْضَلَوَةَ ◌َرَفِي النََّارِ) قال: إنَّهَا نَزَلَت في المدينة (١).
وحَكَى ابنُ الفرس والسَّخَاويُّ أن مِن أوَّلها إلى رأس أربعين آيةً مكيٍّ، والباقي
مدني(٢).
وعن ابن عباس ﴿ها روايتان؛ فأخرج ابنُ مردويه من طريق العوفيّ عنه، ومِن
طريق ابنِ جريج عن عطاء عنه أنَّها مكيةٌ، وأخرجَ من طريق عثمانَ بن عطاء عن أبيه
عنه أنَّها مدنية(٣). والمعوَّلُ عليه عند الجمهور الرواية الأولى.
وآياتها مئةٌ وتسعٌ عند الجميع غيرَ الشاميِّ فإنَّها عنده مئة وعشرُ آيات.
ووجّهُ مناسَبتها لسورة براءة أنَّ الأولى خُتِمَت بذكر الرسولِ وَ لّ وهذه ابتُدئت
به. وأيضاً أنَّ في الأولى بياناً لِمَا يقولُه المنافقون عند نزول سورةٍ من القرآن، وفي
هذه بيانٌ لِمَا يقوله الكفارُ في القرآن، حيث قال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] الآية، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَآَيَانُنَا بَيِّنَتِّ
قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥].
(١) كذا ذكر المصنف هذه الآيات الثلاث من سورة هود في هذا الموضع، وهو وهم منه
رحمه الله، وينظر الإتقان للسيوطي ٤٥/١. وقد استثني من هذه السورة ثلاث آيات أيضاً،
وهي قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍّ﴾ إلى آخرهن، ينظر النكت والعيون ٤٢٠/٢، وتفسير
القرطبي ٤٤٥/١٠، والبحر ٢٢١/٥. وقال السيوطي في الإتقان ١/ ٤٤: استثني منها:
﴿فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍ﴾ الآيتين [٩٤-٩٥] وقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ لَّا يُؤْمِرُ بِذٍ﴾ الآية [٤٠].
(٢) جمال القراء للسخاوي ١٢٢/١، ونقله المصنف عنه وعن ابن الفرس بواسطة السيوطي في
الإتقان ١/ ٤٥.
(٣) الإتقان ٣٥/١-٣٦.

سُولُلُونَِّ
٦
الآية : ١
وأيضاً في الأولى ذُّ المنافقين بعدم التوبة والتذكُّرِ إذا أصابهم البلاءُ في قوله
سبحانه: ﴿أَوَلَا يَرَوّنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مََّةً أَوْ مَزَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ
وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] على أحد الأقوال، وفي هذه ذٌّ لمن يُصيبه البلاء
فَيَرْعَوي ثَمَّ يعودُ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَ آلْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَنَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا
أَوْ قَآَيِمًا فَلَمَا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَزَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍ مَّسَّةُ﴾ وفي قوله سبحانه:
﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج ◌َّيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا ◌َءَتَهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ
الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمَّ دَعَوُاْ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢] إلى أنْ
قال سبحانه: ﴿فَلَغَّآ أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ آلْحَيّ﴾ [يونس: ٢٣].
وأيضاً في الأولى براءةُ الرسولِ وَ﴿ من المشركين مع الأمرِ بقتالهم على أتمِّ
وجهٍ، وفي هذه براءتُهُ وَّهِ من عملهم، لكنْ من دون أمرٍ بقتال، بل أُمِرَ فيها عليه
الصلاة والسلام أنْ يُظهر البراءة فيها على وجهٍ يُشعر بالإعراض وتَخْليةِ السبيل
كما قيل، على ضدِّ ما في الأولى، وهذا نوعٌ من المناسبة أيضاً، وذلك في قوله
تعالى: ﴿وَإِن كَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِيِّئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]. إلى غير ذلك.
والعجبُ من الجلال السيوطي عليه الرحمة كيف لَم يَلُحْ له في ((تناسق الدرر))
وجْهُ المناسبة بين السورتَين وذكر وجْهَ المناسبة بين هذه السورة وسورةٍ
((الأعراف))(١)، وقد يُوجد في الأَسقاط ما لا يوجد في الأسفاط.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الرَّ﴾ بتفخيم الراء المفتوحةِ وهو الأصلُ، وأمال أبو عمرو وبعضُ القرَّاء(٢)
إجراءً لألف الراء مجرَى الألف المنقلبة عن الياء، فإنَّهم يُميلونها تنبيهاً على
أصلها، وفي الإمالةِ هنا دفعُ توقُّم أنَّ ((ر))(٣) حرف كـ: ما ولا، فقد صرَّحوا أنَّ
(١) تناسق الدرر ص٥٩.
(٢) وهم ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي وخلف. التيسير ص ١٢٠، والنشر ٦٦/٢.
(٣) في الأصل: را.

الآية : ١
٧
سُ ل ◌ُونِّن
الحروف يمتنعُ فيها الإمالة. وقرأ ورش بَيْنَ بَيْن(١).
والمراد من ((الرا على ما رَوى جماعةٌ عن ابنِ عباس ﴾: أنا الله أرى (٢).
وفي روايةٍ أُخرى: أنَّها بعضُ ((الرحمن))، وتمامُّه: (حمّ) (٢)(٣).
وعن قتادة أنَّها بعضُ الراحم، وهو من أسماء القرآن.
وقيل: هي أسماءٌ للأحرف المعلومة من حروف التهجِّي، أُتي بها مسرودةً على
نمط التَّعْدِيد بطريق التحدِّي، وعليه فلا محلَّ لها من الإعراب، والكلامُ فيها وفي
نظائرها شھیرٌ.
والأكثرون على أنَّها اسمٌ للسورة، فمحلُّها الرفعُ على أنَّها خبرٌ لمبتدأ
محذوفٍ، أي: هذه السورةُ مسماةٌ بكذا، وهو أظهرُ من الرفع على الابتداء؛ لعدمِ
سَبْقِ العلم بالتسمية بعد، فحقُّها الإخبارُ بها لا جعلُها عنوانَ الموضوع لتوقُّفِهِ علىَ
عِلْمِ المخاطَبِ بالانتساب، والإشارةُ إليها قبل جريان ذِكْرِها لصَيْرورَتِها في حُكْمٍ
الحاضر لاعتبارٍ كونها على جناح الذكر، كما يقال في الصكوك: هذا ما اشترى
فلانٌ، وجوِّز النصبُ بتقدير فعلٍ لائقٍ بالمقام كـ : اذكر، واقراً.
وكلمةُ ﴿یِلْكَ﴾ إشارةٌ إليها :
أمَّا على تقديرٍ كون ((الر» مسروداً على نَمَط التعديد، فقد نُزِّل حضورُ مادتها
منزلةَ ذكرها، فأُشير إليها، كأنَّه قيل: هذه الكلماتُ المؤلفةُ من جنس هذه الحروفِ
المبسوطة .. إلخ.
وأمّا على تقدير كونها اسماً للسورة، فقد نَوَّهَتْ بالإشارة إليها بعد تَنْويهها
بتعيين اسمها، أو الأمرِ بذِكْرِها أو بقراءتها. وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعْدِ
للتنبيه على بُعْدِ منزلتها في الفخامة، ومحلُّه الرفع على أنَّه مبتدأ خبره قولُه عزَّ وجل:
﴿مَايَتُ الْكِتَبِ﴾ وعلى تقدير كون (الر)) مبتدأً فهو إمَّا مبتدأٌ ثانٍ، أو بدلٌ من الأول.
(١) التيسير ص ١٢٠، والنشر ٦٧/٢ .
(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ١٠٣.
(٣) أخرج هذه الرواية عن ابن عباس الطبري ١٠٣/١٢-١٠٤، والنحاس في إعراب القرآن
٢٤٣/٢.

سُدَلُلُونَ
٨
الآية : ١
والمعنى: هي آياتٌ مخصوصةٌ منه مُترجَمةٌ باسم مُستقلٍّ، والمقصودُ ببيان بعضيَّتها
منه وصفيتُها بما أُشير إلى اتِّصافه(١) به من النعوتُ الفاضلة والصفاتِ الكاملة.
والمرادُ بالكتاب إمَّا جميعُ القرآن العظيم وإنْ لم يُنزَّل بعدُ: إمَّا باعتبارٍ تَعِيُّنِهِ
وتحقُّقِهِ في العِلْم أو في اللوح، أو باعتبارِ نُزوله جملةً إلى بيت العزّة من السماء
الدنيا. وإمَّا جميعُ القرآن النازل وقتئذٍ، المتفاهَم بين الناس إذ ذاك، فإنَّه كما يُطلق
على المجموع الشخصيِّ يُطلق على مجموع ما نزل في كلِّ، كذا قال شيخُ
الإسلام(٢).
وأنت تعلم أنَّ المشهورَ عن السلف تفويضُ معنى ((الر)) وأمثالِه إلى الله تعالى،
وحيث لم يظهر المرادُ منها لا معنى للتعرُّض لإعرابها. وقد ذكروا أنَّه يجوز في
الإشارة أنْ تكون لآياتٍ هذه السورة، وأن تكونَ لآيات القرآن، ويجوز في
((الكتاب)) أنْ يُراد به السورة وأنْ يُراد به (٣) القرآن، فتكون الصُّورُ أربعاً:
إحداها: الإشارةُ إلى آيات القرآن، و((الكتاب)) بمعنى السورة، ولا يصحُّ
إلا بتخصيص ((آیات)) أو تأويلٍ بعيد.
وثانيها: عکسُه، ولا محذورَ فيه.
وثالثها: الإشارةُ إلى آيات السورة، و((الكتاب)) بمعنى السورة.
ورابعها: الإشارةُ إلى آيات القرآن، و((الكتاب)) بمعنى القرآن. ومَرْجِعُ إفادة
الكلام عليهما (٤) باعتبارٍ صفة الكتاب الآتية.
وجوِّز الإشارةُ إلى الآيات لكونها في حكم الحاضر وإنْ لم تُذكر، كما في
المثال المذكور آنفاً(٥). وفي ((أمالي)) ابنِ الحاجب: أنَّ المشارَ إليه لا يُشترط أنْ
(١) في الأصل: وصفيتها بما أشير اتصافه، وفي تفسير أبي السعود ٤/ ١١٥ (والكلام منه):
وصفها بما اشتهر اتصافه.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ١١٥/٤.
(٣) قوله: به، ليس في (م).
(٤) يعني الثالث والرابع. ينظر حاشية الشهاب ٢/٥.
(٥) وهو قولهم في الصكوك: هذا ما اشترى فلان. حاشية الشهاب ٢/٥.

٩
الآية : ٢
يكونَ موجوداً حاضراً، بل يكفي أنْ يكون موجوداً ذهناً. وفي ((الكشاف)) في تفسير
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِىِ وَيَنْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] ما يُؤيِّده(١). وأُوثِرَ لفظُ
(تلك)) لِمَا أشار إليه الشيخ(٢)، ولكونه في حكم الغائب من وجْهٍ، ولا يخلو
ما ذکروه عن دغدغة.
وأمَّا حَمْلُ ((الكتاب)) على الكتب التي خلَت قبل القرآن من التوراة والإنجيل
وغيرهما - كما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن قتادة(٣) - فهو في غاية البُعْدِ، فتأمَّل.
وقولُه تعالى: ﴿اَلْحَكِيمِ ﴾﴾ صفةٌ لـ ((الكتاب))، ووُصِفَ بذلك لاشتماله على
الحِكَم، فيُراد بـ ((الحكيم)): ذو الحكمة، على أنَّه للنسبة كـ : لابنٍ وتامرٍ. وقد يُعتَبر
تشبيه ((الكتاب)) بإنسان ناطقٍ بالحكمة على طريق الاستعارة بالكناية، وإثباتُ
الحكمة قرينةٌ لها .
وجُوِّز أنْ يكون وَصْفُه بذلك لأنَّه كلامُ حكيمٍ، فالمعنى: حكيمٌ قائلُه، فالتجوُّز
في الإسناد کـ : لیلُه قائمٌ ونهارُه صائمٌ.
وقيل: لأنَّ آياته محكمةٌ لم يُنسخ منها شيءٌ، أي: بكتابٍ آخر، فَفَعِيل بمعنى
مُفْعَل، وقد تقدَّم ما لَه وما عليه.
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الهمزةُ لإنكار تعجُّبهم، ولتعجيبِ السامعين منه لوقوعه في
غير محلِّه، والمرادُ بالناس كفَّارُ العرب، والتعبيرُ عنهم باسم الجنس من غير تعرُّضٍ
لكفرهم الذي هو المدارُ لتعجُّبهم - کما تعرَّض له فيما بعد (٤) - لتحقيق ما فيه من
الشركةٍ بين رسول الله وَل﴿ وبينهم، وتعيينٍ مدارِ التعجيب(٥) في زَعْمهم، ثم تَبيينِ
خطئهم، وإظهارِ بُطلانِ زَعْمِهم بإيراد الإنكار.
(١) الكشاف ٢/ ٤٩٥.
(٢) يعني للتنبيه على بُعد منزلتها في الفخامة، والشيخ هو أبو السعود.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٢.
(٤) وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَجِرٌ مُبِينٌ﴾ تفسير أبي السعود ١١٦/٤، والكلام
منه .
(٥) في تفسير أبي السعود: التعجب.

سُؤَالالُونِسَ
١٠
الآية : ٢
واللامُ متعلِّقَةٌ بمحذوفٍ وَقَع حالاً من ((عجباً)) كما هو القاعدةُ في نعتِ النكرة
إذا تقدَّم عليها. وقيل: متعلّقةٌ بـ ((عجباً)) بناءً على التوسُّع المشهور في الظروف.
وبعضُهم جعَلَها متعلِّقةً به، لا على طريق المفعولية كما في قوله:
عَجِبْتُ لسَعْي الدَّهرِ بيني وبينها(١)
بل على طريق التبيين كما في ﴿هَيْتَ لَكْ﴾ [يوسف: ٢٣] وسقياً لك، ومثلُ ذلك
يجوزُ تقديمه على المصدر. وأنت تعلم أنَّ هذا قولٌ بالتعلَّق بمقدَّرٍ في التحقيق.
وقيل: إنَّها متعلّقةٌ به؛ لأنَّه بمعنى المعجب، والمصدرُ إذا كان بمعنى مفعولٍ أو
فاعلٍ یجوزُ تقدیمُ معموله عليه.
وجوِّز أيضاً تعلُّقه بـ ((كان)) وإنْ كانت ناقصةً بناءً على جوازه.
و (عجباً)) خبرُ ((كان)) قُدِّم على اسمها وهو قوله سبحانه: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ لكونه
مَصَبَّ الإنكارِ والتعجيب، وتشويقاً إلى المؤخّر؛ ولأنَّ في الاسم ضربَ تفصيلٍ
ففي تقديمه رعايةً للأصل نوعُ إخلال بتجاوُبِ أطرافِ النّظم الكريم.
وقرأ ابنُ مسعود: ((عَجَبٌ)) بالرفع(٢) على أنَّه اسم كان، وهو نكرةٌ، والخبر ((أنْ
أوحينا)) وهو معرفةٌ؛ لأنَّ ((أنْ)) مع الفعل في تأويلِ المصدرِ المضافِ إلى المعرفة،
فھو کقول حسان:
يكُونُ مزاجَها عَسَلٌ وماءُ(٣)
كأنَّ سَبيئةً من بيت رأسٍ
وحَمَله بعضُهم على القَلْب، وفي قبوله مطلقاً أو إذا تضمَّن لطيفةً خلافٌ،
والمعزَّلُ عليه اشتراطُ التضمُّن وهو غيرُ ظاهرٍ هنا.
(١) وعجزه: فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر، والبيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص١٣٠.
(٢) الكشاف ٢٢٤/٢، والمحرر الوجيز ١٠٢/٣، والبحر ١٢٢/٥.
(٣) ديوان حسان ص٥٩، والكتاب ٤٩/١، والمحتسب ٢٧٩/١، والمغني ص٩١١. والسبيئة:
الخمر، ورواية الأعلم في شرح الشواهد ص٧٨: كأن سلافة، والسلافة الخمر أيضاً، وقال
الأعلم: بيت رأسٍ اسمُ موضعٍ بعينه، وقيل: رأسٌ رئيسُ الخمَّارين، ويقال: هو اسم خمَّارٍ
معروف، قال ابن هشام: والأولى رفع المزاج ونصب العسل، وقد روي كذلك
أيضاً، فارتفاع ماء بتقدير: وخالطها ماء، ويروى برفعهن على إضمار الشأن.

الآية : ٢
١١
سُوَُّلُونس
وحكي عن ابنٍ جنِّي أنَّه قال(١): إنَّما جاز ذلك في البيت من حيث كان ((عسل
وماء)) جنسَين، فكأنَّه قال: يكونُ مزاجَها العسلُ والماء، ونكرةُ الجنس تُفيد مفادَ
معرفته، ألا ترى أنَّك تقول: خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب، أي: فإذا الأسدُ بالباب،
لا فرقَ بينهما؛ لأنَّك في الموضعين لا تُريد أسداً معيَّناً، ولهذا لم يَجُز هذا في
قولك: كان قائمٌ أخاك، وكان جالسٌ أباك؛ لأنَّه ليس في جالس وقائم معنَى
الجنسيةِ التي تتلاقَى معنى نكرتها ومعرفتها(٢).
ومعنى الآيةِ على هذا: كان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل وهو التعجُّب،
ولا يخفى أنَّ المصدر المتحصِّلَ هو المصدرُ المضافُ إلى المعرفة كما سمعتَ،
فاعتبارُه محلَّى بأل الجنسية خلافُ الظاهر.
وأجاز بعضُهم الإخبارَ عن النكرة بالمعرفة (٣) في باب النواسخ خاصَّة، سواءٌ
كان هناك نفيّ أو ما في حُكْمِهِ، أم لا . وابنُ جنِّي يُجوِّز ذلك إذا كان نفيٌّ أو ما في
حُكمِه ولا يُجوِّز إذا لم يكن(٤)، وفي الآية قد تقدَّم الاستفهامُ الإنكاريُّ على
الناسخ، وهو في حكم النفي.
واختار غيرُ واحدٍ كونَ ((كان)» تامَّةً، و(«عجبٌ)) فاعلٌ لها و((أنْ أوحينا)) بتقدير
حرفٍ جرِّ متعلِّقٍ بـ((عجبٌ)) أي: لأَنْ أوحينا، أو: مِن أَنْ أوحينا، أو هو بدلٌ منه بدلَ
كلٍّ من كلِّ، أو بدلَ اشتمالٍ، والإنكارُ متوجّه إلى كونه عجباً لا إلى حدوثه، وكونُ
الإبدال في حكم تنحيةِ المبدَلِ منه ليس معناه إهدارُه بالمرَّة كما تقرَّر في موضعه.
واقتصر في ((اللوامح))(٥) على أنَّ (للناس)) خبرُ ((كان))، وتعقِّب بأنَّه ركيكٌ
معنّى، لأنَّه يُفيدُ إنكار صدوره من الناس لا مطلقاً، وفيه ركاكةٌ ظاهرةٌ فافهم.
وإنَّما قيل: للناس، لا: عند الناس؛ للدلالة على أنَّهم اتخذوه أعجوبةً لهم،
وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما لا يخفى.
(١) في المحتسب ٢٧٩/١.
(٢) في الأصل: ومعنى معرفتها، وفي المحتسب: التي تلاقى مَعْنيًا نكرتها ومعرفتها.
(٣) في (م): عن المعرفة بالنكرة.
(٤) المحتسب ٢٧٩/١.
(٥) كما في حاشية الشهاب ٣/٥، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٢
١٢
سُؤَةُ تُونِسَ
﴿﴿إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: إلى بشرٍ من جِئْسِهِم، كقوله تعالى حكايةً: ﴿أَبَعَثَ اَللَّهُ
بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]. وقولِه سبحانه: ﴿لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَكَةٌ﴾ [فصلت:
١٤]، أو إلى رجلٍ من أَقْناء رجالهم من حيث المالُ لا من حيث النسب، لأنَّه ◌َِهـ
كان من مشاهيرهم فيه، وكان منه بمكان لا يُدْفَعُ، فهو كقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا
الْقُرْءَانُ عَ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. وفي بعض الآثار أنَّهم كانوا
يقولون: العَجَبُ أنَّ الله تعالى لم يجد رسولاً يُرسلُه إلَّا يتيمَ أبي طالب(١).
والعجبُ مِن فَرْط جَهْلِهم :
أمَّا في قولهم الأولِ: فحيث لم يعلموا أنَّ بعْثَ الملَكِ إنما يكون عند كون
المبعوثِ إليهم ملائكةً، كما قال تعالى: ﴿لَّوْ كَانَ فِىِ الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ
مُطَيِنِينَ لَغَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكًا زَّسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥]. وأمَّا عامَّةُ البشر
فبمعزلٍ عن استحقاقٍ مُفاوَضةِ الملائكة؛ لأنَّها مَنُوطةٌ بالتناسُب، فبعْثُ الملَك إليهم
مُزاحِمٌ للحكمة التي عليها يدورُ فلكُ التكوين والتشريع، وإنَّما الذي تقتضيه الحكمة
بعْثُ الملَك من بينهم إلى الخواصِّ المختصِّين بالنفوس الزكية، المؤيَّدين بالقوة
القدسية، المتعلِّقين بكِلًا العالمين الروحانيِّ والجسمانيّ، ليتأَتَّى لهم الاستفاضةُ
والإفاضةُ، وهذا تابعٌ للاستعداد الأزلي كما لا يخفى.
وأمَّا في قولهم الثاني: فلِأنّ مناطَ الاصطفاء للإيحاء إلى شخصٍ هو التقدُّمُ
في الاتِّصافِ بما عَلِمْتَ، والسبقُ في إحرازِ الفضائل وحِيازةِ المَلَّكاتِ السَّنية
جِلَّةً واكتساباً، ولا ريبَ لأحدٍ في أنَّ للنبيِّ وََّ القدحَ المعلَى من ذلك، بل له
عليه الصلاة والسلام فيه غايةُ الغايات القاصيةِ، ونهايةُ النهاياتِ النائية، يقول
رائيه :
ومثلك قطٌ لم تَلِدِ النساءُ
وأحسنُ منكَ لم تَرَ قظُ عيني
كأنَّكَ قد خُلِقْتَ كما تَشاءُ(٢)
خُلِقْتَ مُبرَّأَ مِن كلِّ عيبٍ
وكذا يقول:
(١) ذكره الزجاج في معاني القرآن ٥/٣، والزمخشري في الكشاف ٢٢٤/٢.
(٢) البيتان لحسان، وهما في ديوانه ص٦٦، وفيه: وأجمل منك، بدل: وأحسن منك.

الآية : ٢
١٣
سُورَةُ تُونسَ)
ولو صوَّرْتَ نفسَك لم تَزِدْها على ما فيك مِن كَرمِ الطّباعِ(١)
وأمَّا التقدُّمُ في الرياسة الدنيوية، والسبقُ في نيل الحظوظِ الدَّنيَّةِ فلا دَخْل له في
ذلك قطعاً، بل له إخلالٌ به غالباً، وما أحسنَ قولَ الشافعيِّ ◌ُبه من أبيات:
ضِدَّان مفترقان أيَّ تفرُّقٍ
لكنَّ مَنْ رُزِق الحِجَا حُرِمِ الغِنَى
وما ذكروه مِن اليُثْم إنْ رَجع إلى ما في الآية على التوجيه الثاني فبُظْلانُه
بطلانُه، وإن أرادوا أنَّ أَصل اليُتْم مانعٌ من الإيحاء إليهِ وَّهِ فهو أظهرُ بطلاناً
وأوضح هَذَياناً، وما ألطفَ ما قيل: إنَّ أَنفْسَ الدُّرِّ يَتِيمُه.
وقيل للحَسَن: لِمَ جَعَل الله تعالى النبيَّ وَ﴿ يتيماً؟ فقال: لئلا يكون لمخلوقٍ
عليه مِنَّةٌ، فإنَّ الله سبحانه هو الذي آواه وأدَّبَه وربَّاء وَّه .
هذا والوجه الثاني من الوجهين السابقين في قوله سبحانه: ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾
على الوجه الذي ذكرناه، هو الذي أراده صاحب ((الكشاف))(٢)، ولم يَرَتَضِهِ الجلال
السيوطي، وزَعَم أنَّ التَّحاميَ عنه أَوْلَى، ثم قال: والذي عندي في تفسير ذلك أنَّ
المراد: إلى مشهورٍ بينَهم يَعرِفُون نَسَبَه وجلالَته وأمانتَه وعِفَّته، كما قال سبحانه في
آخر السورة التي قبلُ: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. فإنّ
هذا هو محلُّ إنكارِ العَجَب، ويكونُ هذا وجهُ مناسبةٍ وَضْع هذه السورةِ بعْدَ تلك،
واعتلاقٍ أوَّلِ هذه بآخِر تلك، ونظيرُه: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ [النحل:
١١٣] ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. إلى آخر ما قال.
وتُعقِّب بأنَّه غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّه وإنْ كان أعظمَ مما ذُكر لكنَّ السياق يَقتضي بيانَ
كفرهم وتَذْليلِهم وتحقيرِهم (٣) من أعزَّه الله تعالى وعظّمه.
والذي يقتضيه سببُ النزول تعيُّنُ الوجْهِ الأول هنا، فقد أخرج ابنُ جرير وغيرُه
ا قال: لمَّا بعَثَ الله تعالى محمداً ﴿ رسولاً أَنكرَت العربُ
عن ابن عباس
ذلك، أو مَن أَنكر منهم، فقالوا: اللهُ تعالى أعظَمُ مِن أنْ يكون رسولُه بشراً مثلَ
(١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٢/ ٣٤٠.
(٢) ٢٢٤/٢.
(٣) في (م): وتحقير، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣/٥، والكلام منه.

سُدَلُ بُونَ
١٤
الآية : ٢
محمدٍ (عليه الصلاة والسلام) فأنزل سبحانه: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلِ
مِنْهُمْ) الآية، وقولَه تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية [يوسف: ١٠٩].
فلما كرَّر سبحانه عليهم الحُجَجَ قالوا: وإذا كان بشراً فغيرُ محمد نَّهِ كان أحقّ
بالرسالة، فلولا نُزِّل هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتين عظيم، فأنزل الله تعالى ردّاً
عليهم: ﴿أَهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكٌ﴾ الآية [الزخرف: ٣٢](١). ومنه يُعلم أنَّ ما حُكي في
الوجه الثاني سببٌ لنزول آيةٍ أخرى.
﴿أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ أي: أَخبرْهم بما فيه تخويفٌ لهم مما يترتَّبُ على فعلٍ
ما لا ينبغي، والمرادُ به جميعُ الناس الذين يُمكنه عليه الصلاة والسلام تبليغُهم
ذلك، لا ما أُريد بالناس أولاً، وهو النكتةُ في إيثار الإظهار على الإضمار، وكونُ
الثاني عينَ الأول عند إعادةِ المعرفة ليس على الإطلاق.
و((أنْ)) هي المفسِّرةُ لمفعولِ الإيحاء المقدَّر، وقد تقدَّم عليها ما فيه معنى القولِ
دون حُروفِهِ، وهو الإيحاء، أو هي المخفَّفة من الثقيلة(٢)، على أنَّ اسمها ضميرُ
الشأن والجملةُ الأمريَّةُ خبرُها، وفي وقوعها خبرَ ضميرِ الشأنِ دونَ تأويلٍ وتقدیرِ
قولٍ اختلافٌ، فذهب صاحب ((الكشف)) إلى أنَّه لا يُحتَاجُ إلى ذلك؛ لأنَّ المقصود
منها التفسير، وخالفه غير واحدٍ في ذلك، وذهبوا إلى أنَّه لا فرقَ بین خبرِه وخبرٍ
غيره.
وقال بعضُهم: هي المصدريَّةُ الخفيفةُ في الوضع بناءً على أنَّها تُوصَلُ بالأمر
والنهي. والكثيرُ على المنع، وذكر أبو حيان(٣) هذا الاحتمال هنا، مع أنَّه نَقَل عنه
في ((المغني)) (٤) أنَّ مذهبه المنعُ لِمَا أَّ يفوتُ معنى الأمرِ إذا سُبكَ بالمصدر.
واعتُرض بأنَّه يفوتُ معنَى المضيِّ والحاليةِ والاستقبالِ المقصودِ أيضاً، مع
الاتِّفاق على جواز وَصْلها بما يدلُّ على ذلك.
(١) تفسير الطبري ١٠٧/١٢ و٥٨٣/٢٠-٥٨٤، وتفسير ابن أبي حاتم ١٩٢٢/٦، ونقله
المصنف عن الدر المنثور ٢٩٩/٣ - ٣٠٠.
(٢) في (م): المثقلة.
(٣) في البحر ١٢٢/٥ .
(٤) ص٤٤، ونقله المصنف مع ما قبله وما سيأتي من حاشية الشهاب ٤/٥.

الآية : ٢
١٥
سُ لُّ دُونَ)
وأجيبَ بأنَّه قد يقال: بأنَّ بينهما فرقاً، فإنَّ المصدر يدلُّ على الزمان التزاماً،
فقد تُنصَبُ عليه قرينةٌ فلا يفوتُ معناه بالكلِّية، بخلافِ الأمر والنهي، فإنَّه لا دلالةً
للمصدر عليهما أصلاً.
وقال بعضُ المدفِّقين: إنَّ المصدر كما يجوز أخذُه من جوهر الكلمة، يجوزُ
أخذه من الهيئة وما يتبعُها، فيقدَّر في هذا ونحوه: أوحينا إليه الأمرَ بالإنذار،
كما قُدِّر في : أنْ لا تزنيَ خيرٌ: عدمُ الزنا خيرٌ.
ولا يخفى أنَّ هذا البحث يجري في ((أن)) المخفَّفةِ من الثقيلة،؛ لأنَّها مصدريةٌ
أيضاً، وأنَّ أقلّ الاحتمالات مؤنةً احتمالُ التفسير.
﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بما أوحيناه إليك وصدَّقوه ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ أي: بأنَّ لهم ﴿قَدَمَ
صِدْقٍ﴾ أي: سابقَةً ومنزلةً رفيعةً ﴿عِندَ رَيْهِمْ﴾ وأصلُ القَدَمِ: العضوُ المخصوصُ،
وأُطلقت على السَّبْق مجازاً مرسلاً لكونها سَبَبَه وآلتَه، وأُريدَ من السَّبْق: الفضلُ
والشرفُ، والتقدُّم المعنويُّ إلى المنازل الرفيعةِ مجازاً أيضاً، فالمجازُ هنا بمرتَبَتَين.
وقيل: المراد تقدُّمُهم على غيرهم في دخول الجنة؛ لقوله وَّ: ((نحنُ الآخِرُون
السَّابقون يومَ القيامةِ))(١) وقولِهِ وَّهِ: ((إنَّ الجنَّة محرَّمةٌ على الأنبياء حتى أَدخُلَها أنا،
وعلى الأُمَمِ حتى تَدخُلَها أمتي))(٢).
وقيل: تقدُّمهم في البعث.
وأصلُ الصدق ما يكونُ في الأقوال، ويُستعمل كما قال الراغبُ(٣) في
الأفعال، فيقال: صَدَقَ في القتال، إذا وفَّاه حقَّه، وكذا في ضدِّه يقال: كَذَب فيه،
فَيُعَبَّر به عن كلِّ فعلٍ فاضلٍ ظاهراً وباطناً، ويُضافُ إليه كـ : مَقْعد صِدْقٍ، ومُدْخلٍ
صِدقٍ، ومُخْرَج صِدْق، إلى غير ذلك.
(١) أخرجه أحمد (٧٣١٠)، والبخاري (٢٣٨)، ومسلم (٨٥٥) من حديث أبي هريرة ـ
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٤٢) من حديث عمر ظه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٦٩/١١: فيه صدقة بن عبد الله السمين وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه جماعة، فإسناده
حسن. اهـ. وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥١٠-٥١١ من طريق مكحول عن عمر عن النبي تَّر
مطولاً. قال أبو زرعة كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص١٦٦: مكحول عن عمر مرسل.
(٣) في مفرداته (صدق).

سُوَلُ لُونَ
١٦
الآية : ٢
وصرَّحوا هنا بأنَّ الإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، والأصلُ: قَدَمٌ
صِدْقٌ، أي: محقّقةٌ مقرَّرةٌ، وفيه مبالغةٌ لجعلها عينَ الصدق، ثم جُعل الصدقُ كأنَّه
صاحبها .
ويحتملُ أنْ تكون الإضافة من إضافة المسبّب إلى السبب، وفي ذلك تنبيهٌ على
أنَّ ما نالوه من المنازل الرفيعة كان بسبب صِدْق القول والنية.
وقال بعضُهم: إنَّ هذا التنبيه (١) قد يَحصُلُ على الاعتبار الأول؛ لأنَّ الصدق قد
تُجوِّزَ به عن تَوْفِيَة الأمورِ الفاضلة حقَّها؛ للزوم الصّدق لها، حتى كأنَّها لا توجَدُ
بدونه، ويكفي مثلُه في ذلك التنبيه، وهذا كما قالوا: إنْ أبا لهب يُشير إلى أنَّه
جهنميٌّ، وفيه خفاءٌ كما لا يخفَى.
وجُوِّز أنْ(٢) يُراد بالقَدمِ المقامُ بإطلاق الحال وإرادةِ المحلِّ.
وعن الأزهريِّ أنَّ القَدَم: الشيءُ الذي تُقدِّمه قدَّامَكَ ليكون عُدَّةً لك حين تُقدِمُ
عليه(٣). ويُشعرُ بأنَّه اسمُ مفعول، وبه صرَّح بعضُهم وقال: إنَّه كالنقض.
وقيل: إنَّه اسمٌ للحُسنَى من العبد كما أنَّ اليد اسمٌ للحُسنى من السيِّد، وفعلوا ذلك
للفرق بين العبد والسيد، وهو من الغرابة بمكان، ولا يكاد يصحُّ في قول ذي الرُّمة:
لكم قَدَمٌ لا يُنكرُ الناسُ أنَّها مع الحَسَب العاديِّ طَمَّت على البحر(٤)
وقوله :
وأنتَ امرؤٌ من أهل بيتٍ ذُؤابةٍ لهم قَدَمٌ معروفةٌ في المفاخر(٥)
والسبقُ هو الأسبق إلى الذهن في ذلك، وكذا قول حسان:
لأوَّلنا في طاعة الله تابعٌ(٦)
لنا القدمُ العُليا إليكَ وخَلْفنا
(١) في الأصل: التفسير.
(٢) في (م): ويجوز إلى.
(٣) ينظر تهذيب اللغة ٤٦/٩، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص٣٤٤.
(٤) الديوان ٢/ ٩٧٢ برواية :... طمست على الفخر.
(٥) الديوان ٢/ ١٠٤٤ برواية :... معروفة ومفاخر.
(٦) ديوان حسان ص ٣١٠ برواية: لنا القدم الأولى ...

الآية : ٢
١٧
سُ لُكُونس
وقولُ الآخَر:
صلِّ لذي العرش وانَّخِذ قَدَماً تُنجيك يومَ العِثَارِ والزلَلِّ (١)
محتملٌ لسائر المعاني.
وهل يُطلق على سابقة السوء أوْ لا؟ الظاهرُ الأوَّل، وقد نصَّ على ذلك أبو عبيدةَ
والكِسائيُّ(٢). وقال صاحب ((الانتصاف)): لم يُسمُّوا سابقةَ السوء قَدَماً، إمّا لكون
المجاز لا يَطَّردُ، وإمَّا لأنَّ غَلَبَ في العرف على سابقة الخير(٣)، وفيه نظر.
وتفسيرُ ابن عباس ﴿ّ له بالأجر، وابنٍ مسعود بالعمل، لا يخرجُ عمَّا ذكرنا
من معانيه. وكذا تفسيرُ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وأبي سعيد الخدري والحسن
وزيد بنِ أسلم له برأس الموجودات محمدٍ بَّهِ يَرْجِعُ إلى تفسيره بالخير والسعادة
كما قاله جمعٌ. وكونهُ بِّ هِ خيراً وسعادةً للمؤمنين مما لا يَمتري فيه مؤمنٌ، أو
يقال: إنَّ المراد شفاعتُه وََّ، والأمرُ في ذلك حينئذٍ في غاية الظهور.
وخُصَّ التبشير بالمؤمنين، لأنَّه لا يتعلَّق بالكفار، وتبشيرُهم إنْ آمنوا راجعٌ إلى
تبشير المؤمنين، وهذا بخلاف الإنذار فإنَّه يتعلَّق بالمؤمن والكافر، ولذلك ذكره
سبحانه ولم يذكر جلَّ وعلا المنذَرَ به للتعميم والتهويل، وذكر المبشّر به على الوجه
الذي ذكره لتقوَى رغبةُ المؤمنين فيما يُؤدِّيهم إليه .
وقَدَّم الإنذار على التبشير؛ لأنَّ التخلية مقدَّمةٌ على التحلية، وإزالةُ ما لا ينبغي
مقدَّمةٌ في الرتبة على فِعْلِ ما ينبغي.
﴿قَالَ الْكَّفِرُونَ﴾ هم المتعجِّبون، وإيرادُهم بهذا العنوان على بابه، وتُرِكَ
العاطفُ لجريانه مَجرَى البيان للجملة التي دخل عليها همزةُ الإنكار، أو لكونه
استئنافاً مبنيّاً على السؤال، كأنَّه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجّب؟ هل بقُوا على
التردُّد والاستبعاد، أو قَطَعوا فيه بشيءٍ؟ فقيل: قال الكافرون على طريقة التأكيد
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: ما أُوحِيَ إليه ◌َّه من الكتاب المُنْطوي على الإنذار والتبشير.
(١) البيت لوضاح اليمن، وهو في ديوانه ص٧١.
(٢) ذكره عنهما القرطبي ١٠/ ٤٥٠، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٧٣/١.
(٣) الانتصاف مع الكشاف ٢٢٤/٢.

سُوَلُ كُونسى
١٨
الآية : ٣
وزعم الخازِنُ(١) أنَّ في الكلام حذفاً، أي: أكان للناس عجباً أنْ أوحينا إلى
رجلٍ منهم أنْ أنذر وبشِّر، فلمَّا جاءهم بالوحي وأَنذَرَهم قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا
لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾(٢) أي: ظاهرٌ.
وقرأ ابنُ كثير والكوفيون: ((لساحرٌ)) (٣) على أنَّ الإشارة إلى رجل، وعَنَوا به
رسول الله وَّ، وفي قراءة أبي: ((ما هذا إلا سحرٌ مبين))(٤) وأرادوا بالسحر
الحاصل بالمصدر، وفي هذا اعترافٌ بأنَّ ما عاينوه خارجٌ عن طوق البشر، نازلٌ
من حضرة خلََّّقِ القُوَى والقُدَر، ولكنَّهم يُسمُّونه بما قالوا تمادياً في العناد كما هو
شِئْشِنُ المكابر اللَّجوج ونِشْنِشَةُ المفحَم المحجُوج.
﴿إِنَّ رَبَّكٌُ﴾ استئنافٌ سيقَ لإظهار بُطلان تعجّبِهم المذكورِ وما تَبِعَه من تلك
المقالةِ الباطلةِ غِبَّ الإشارة إليه بالإنكار والتعجيب، وحقَّق فيه حَقِّيَّةَ ما تعجّبوا منه
وصِحَّةَ ما أنكروه بالتنبيه الإجماليِّ على بعضٍ ما يدلُّ عليها من شؤون الخَلْقِ
والتقديرِ، وأحوالِ التكوينِ والتدبير، ويُرشدُهم إلى معرفتها بأدنى تذكيرٍ؛ لاعترافهم
به من غير نكيرٍ، كما يُعرِبُ عنه غيرُ ما آيةٍ في الكتاب الكريم(٥).
والتأكيدُ لمزيد الاعتناء بمضمون الجملةِ على ما هو الظاهر، أي: إنَّ ربَّكم
ومالِكَ أمرِكم الذي تَعْجَبون من أنْ يُرسِلَ إليكم رجلاً منكم بالإنذار والتبشير،
وتَعدُّون ما أَوحَى إليه من الكتاب سحراً، هو ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةٍ
أَيَّامٍ﴾ أي: أوقاتٍ، فالمرادُ من اليوم معناه اللغويُّ، وهو مطلقُ الوقت.
وعن ابن عباس ﴿: أنَّ تلك الأيام من أيام الآخرة، التي يومٌ منها كألف سنةٍ
مما تَعُدُّون.
وقيل: هي مقدارُ ستةِ أيَّامِ من أيام الدنيا، وهو الأنسبُ بالمقام لِمَا فيه من
(١) في تفسيره ١٧٣/٣ -١٧٤ .
(٢) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. التيسير ص ١٢٠، والنشر ٢٥٦/٢.
(٣) التيسير ص ١٢٠، والنشر ٢٥٦/٢.
(٤) الكشاف ٢٢٥/٢، والمحرر الوجيز ١٠٣/٣.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا
٨٦
(٥) منها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
نََّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٦-٨٧]. تفسير أبي السعود ١١٨/٤، والكلام منه.

الآية : ٣
١٩
سُؤَدُ كُونُسَ
الدلالة على القدرة الباهرة بخَلْق هذه الأجرامِ العظيمة في مثل تلك المدَّة اليسيرة،
ولأنَّه تعريفٌ لنا بما نعرفُه.
ولا يُمكن أنْ يُراد باليوم اليومُ المعروف(١)؛ لأنَّه - كما قيل - عبارةٌ عن كون
الشمس فوق الأرض، وهو ممَّا لا يتصوَّر تحقُّقُه حين لا أرضَ ولا سماء، واليومُ
بهذا المعنَى يُسمَّى بالنهار المفرد، ويُطلَق اليوم أيضاً على مجموع ذلك النهارِ
وليلته، ومقدارُ ذلك حينئذٍ ممكنُ الإرادة هنا أيضاً.
وقد صرَّح بعضُ الأكابر بأنَّ المراد بالسماوات ماعدا المحدَّد، وأنَّ اليوم هنا
عبارةٌ عن مدَّةِ دورةٍ تامَّةٍ له. ولا يخفى أنَّ اليوم اللغويَّ يتناولُ هذا أيضاً، إلا أنَّ
إرادته كإرادة مقدارٍ مجموع النهار وليلته يحتاجُ إلى نقلٍ، وليس ذلك أمراً معروفاً
عند المخاطَبين ليُستغنَى عن النقل، على أنَّ القول به يدور على كون المحدَّد
متحرِّكاً بالحركة الوضعية، ويحتاجُ ذلك إلى النقل أيضاً، وكذا يدورُ على كون
المحدَّد خارجاً عن السماوات المخلوقة في الأيام الستِّ، لكنَّ ذلك لا يضرُّ إذ
الآياتُ والأخبارُ شاهدةٌ بالخروج(٢) كما لا يخفى.
وفي خَلْقها مُدَرَّجاً مع القدرة التامَّة على إبداعها في طَرْفة عينِ اعتبارٌ للنُّظَّار،
وحثٌّ لهم على التأنِّي في الأحوال والأطوار، وفيه أيضاً - على ما صرَّح به بعضُ
المحقّقين - دليلٌ على الاختيار.
وأمَّا تخصيصُ ذلك بالعدد المعيَّن، فقد قيل: إنَّه أمرٌ قد استأثَرَ بعِلْم ما يستدعيه
علَّام الغيوب جلَّت قدرتُه ودَقَّت حكمتُه.
وقيل: إنَّه سبحانه جَعَلَ لكلٍّ مِن خَلْق موادِّ السماوات وصُورِها وَرَبْطِ بَعْضِها
ببعضٍ، وَخَلْقِ مادَّةِ الأرض وصُورتها ورَبْطِ إحداهما بالأخرى وقتاً، فلذا صارت
الأوقاتُ ستّاً، وفيه تأمُّل، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى في ((الدخان))(٣) تحقيقُ هذا
المطلب على وجهٍ ينكشف به الغبارُ عن بصائر الناظرين.
(١) في الأصل: المعروف اليوم.
(٢) في الأصل: على الخروج.
(٣) لم نقف عليه في الدخان، وسلف في الأعراف ٩/ ١٣٤.

سُؤَلةُ تونس
٢٠
الآية : ٣
وإيثارُ جمع السماواتِ لِمَا هو المشهورُ، من الإيذان بأنَّها أجرامٌ مختلفةُ الطباع
مُتباينةُ الآثار والأحكام، وتقديمُها على الأرض: إمَّا لأنَّها أعظمُ منها خلقاً، أو
لأنَّها جاريةٌ مَجرى الفاعل والأرض جاريةٌ مجرَى القابِل، على ما بُيِّن في
موضعه(١)، وتقديمُ الأرض عليها في آية ((طه)) لكونها أقربَ إلى الحسِّ وأظهرَ
عنده، وسيأتي أيضاً تحقيقُه هناك إن شاء الله تعالى.
﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ على المعنى الذي أراده سبحانه، وكفُّ الكيف
مشلولةٌ .
وقيل: الاستواءُ على العرش مجازٌ عن الملك والسلطان، متفرٌِّ عن الكتابة
فيمَن يجوزُ عليه القعود على السرير، يقال: استوى فلانٌ على سرير الملك، ويُراد
منه: مَلَكَ، وإنْ لم يقعد على السرير أصلاً .
وقيل: إنَّ الاستواء بمعنى الاستيلاء، وأَرجعوه إلى صفة القُدرة.
وأنت تعلم أنَّ هذا وأمثالَه من المتشابِه، وللناس فيه مذاهبُ، وما أَشرنا إليه
هو الذي عليه أكثرُ سَلَفِ الأمة
وقد صرَّح بعضُ أنَّ الاستواء صفةٌ غيرُ الثمانية، لا يَعلمُ ما هي إلَّا مَن هي له،
والعجزُ عن دركِ الإدراك إدراكٌ.
واختارَ كثيرٌ من الخلف أنَّ المراد بذلك الملكُ والسلطان، وذكره لبيان جلالةٍ
مُلكه وسلطانِهِ سبحانه بعد بيانِ عظمةٍ شأنه وسعةٍ قُدرته بما مرَّ مِن خَلْق هاتيك
الأجرام العظيمة .
وقولُه تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرِّ﴾ استئنافٌ لبيانِ حكمةِ استوائه جلَّ وعلا على
العرش، وتقديرِ عظمته. والتدبيرُ في اللغة: النظرُ في أدبارِ الأمورِ وعَوَاقِها لتقعَ
على الوجه المحمود، والمرادُ به هنا: التقديرُ الجاري على وفقِ الحكمة والوجهِ
الأتمِّ الأكمل، وأخرج أبو الشيخ وغيرُه عن مجاهد أنَّ المعنى: يقضي الأمر(٢).
(١) ينظر ما سلف ١٥/٨- ١٦.
(٢) عزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٠، وأخرجه أيضاً الطبري ١٢/ ١١٤،
وابن أبي حاتم ١٩٢٦/٦ .