Indexed OCR Text

Pages 521-540

التفسير الإشاري (٧٥ - ١١٠)
٥٢١
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
عاريةٌ عنده، يكونُ ما ينفق غُنماً عنده.
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: الذين سبقوا إلى الوحدة مِن أهل الصفِّ(١) الأوَّل
﴿مِنَ الْمُهَجِينَ﴾ وهم الذين هَجَروا مَواطِنَ النفس ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾ وهم الذين نَصَرُوا
القلبَ بالعلوم الحقيقية على النفس ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم﴾ في الاتَّصاف بصفات الحقِّ
﴿يإِحْسَنٍ﴾ أي: بمشاهدةٍ من مشاهداتِ الجمال والجلال.
﴿َرَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بما أعطاهم مِن عنايته وتوفيقِه ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بقبول ما أَمرَ به
سبحانه، وبذلِ أموالهم ونفوسهم (٢) في سبيله عزَّ شأنه ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ﴾ من
جنات الأفعال والصفات ﴿تَجْرِى تَحَتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ وهي أنهارُ علوم التوُّلِ والرضا
ونحوِهما، ووراءَ هذه الجناتِ المشتركة بين المتعاطفات جنَّةُ الذاتَ، وهي مختصَّةٌ
بالسابقين.
﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَفُواْ بِذُنُوِيِهِمْ﴾ وهم الذين لم تَرْسَخْ فيهم ملكةُ الذَّنْب، وبقيَ
فيهم(٣) نورُ الاستعداد، ولهذا لانَتْ شكيمتُهم، واعترفوا بذنوبهم، ورأَوا قُبحَها،
وأمَّا مَن رسخَتْ فيه ملكةُ الذنب، واستولَت عليه الظّلْمةُ، فلا يرَى ما يفعل مِن
القبائح إلَّا حَسَناً.
﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيْئًا﴾ حيث كانوا في رُتبة النفس اللَّامة التي لم يَصِرِ
اتّصالُها بالقلب وتنوُّرُها بنوره ملكةً لها، ولهذا تَنقاد له تارةً وتعملُ أعمالاً صالحةً،
وذلك إذا استولَى القلبُ عليها، وتنفرُ عنه أُخرى وتفعلُ أفعالاً سيئةً إذا احتجبَت
عنه بظُلمتها، وهي دائماً بين هذا وذاك حتى يقوَى اتّصالُها بالقلب ويصيرَ ذلك ملكةً
لها، وحينئذٍ يصلُح أمرُها وتنجو من المخالفات، ولعلَّ قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَتُوبَ عَلَّهِمْ﴾ إشارةٌ إلى ذلك.
وقد تتراكم عليها الهيئاتُ المظلمةُ فترجعُ القهقَرى، ويزولُ استعدادُها،
وتحتجبُ (٤) عن أنوار القلب، وتهوي إلى سِجِّينِ الطبيعة فتهلَكُ مع الهالكين.
(١) في (م): الصنف.
(٢) في (م): ومهجهم.
(٣) في(م): وبقي منهم فيهم.
(٤) في(م): وتحجب.

سُورَةُ التَّنَّةِ
٥٢٢
التفسير الإشاري (٧٥ - ١١٠)
وترجُحُ أحدِ الجانبين على الآخر يكونُ بالصحبة، فإنْ أدركها التوفيقُ صحِبَتِ
الصالحين فتحلَّتْ بأخلاقهم وعمِلَت أعمالَهم فكانت منهم، وإنْ لحقَها الخذلانُ
صحِبَت المفسدين واختلطَت بهم، فتدنَّست بخِلالهم، وفعلَت أفاعيلَهم، فصارت
من الخاسرين، أعاذنا الله تعالى من ذلك، ولله درُّ مَن قال:
مُضافاً لأرباب الصدور تَصَدَّرا
عليك بأرباب الصدور فَمَنْ غدا
فتنحظً قدراً عن عُلاك وتُحقَرا
وإياك أنْ ترضَى صحابةَ ناقصٍ
يُبيِّنُ قولي مُغْرِياً ومُحذِّرا(١)
فرَفْعُ ((أبو مَن)) ثم خَفْضُ ((مزمَّلٍ))
وقد يكون ترجّحُ جانب الاتِّصال بأسبابٍ أُخَرَ، كما يُشير إليه قولُه سبحانه
وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَِّهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ لأنَّ المال مادةُ الشهوات، فَأُمِرَ
النبيُّ ◌َّهِ بالأخذ مِن ذلك ليكون أولُ حالهم التجرَّدَ، لتنكسر قوَى النفس وتضعُفَ
أهواؤُها وصفاتها، فَتَتَزَلَّى مِن الهيئات المظلمة، وتَتَطَهَّر من خَبَثِ الذنوب وِجْسٍ
دواعي الشيطان.
﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ بإمداد الهمَّة وإفاضةِ أنوار الصحبة ﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَّنٌ لَُّمْ﴾ أي:
سببٌ لنزول السكينة فيهم، وفسَّروا السكينة بنورٍ يستقرُّ في القلب، وبه يثبتُ على
التوجُّه إلى الحقِّ، ويتخلَّص عن الطيش.
﴿لَمَسْجِدُّ أُمِسَ﴾ بنيانهُ ﴿عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُوَ فِيذٍ﴾ لأنَّ النفس
تتأثَّرُ فيه بصفاء الوقت وطِيبِ الحال وذَوقِ الوجدان، بخلافِ ما إذا كان مبنيًّا على
ضدِّ ذلك، فإنَّها تتأثَّر فيه بالكدورة والتفرقة والقبض.
وأصلُ ذلك أنَّ عالَمَ الملكِ تحتَ قهرِ عالم الملكوت وتسخيره، فيلزمُ أنْ يكونَ
لنَّات النفوس وهيئاتها تأثيرٌ فيما تُباشِرُه من الأعمال، ألا ترى الكعبةَ كيف شرفت
(١) الأبيات في مغني اللبيب ص ٦٦٩، وعزاها البغدادي في شرح أبيات المغني ٧/ ١١١ لأمين
الدين المحلي. وذكر في الخزانة ٥/ ١٠٤ أن ابن هشام أوردها في الأمور التي يكتسبها
الاسم بالإضافة، ومنها وجوب التصدُّر، فإذا أضيف اسم إلى أسماء الاستفهام مثلاً وجب
تصدُّره، وحينئذ لا يعمل فيه ما قبله، ولهذا وجب الرفع في قولك: علمت أبو مَن زيد.
کبير أناسٍ في بجادٍ
وقوله ((مزمل)) إشارة إلى الجر بالمجاورة في بيت امرئ القيس :..
مزمَّلٍ .

التفسير الإشاري (٧٥ - ١١٠)
٥٢٣
سُورَةُ التَّوَّةِ
وعظمَت وجُعلَت محلًّا للتبرُّك، لِمَا أنَّها كانت مبنيةٌ بِيَدِ خليل الله تعالى عليه الصلاة
والسلام بنية صادقةٍ ونفسٍ شريفةٍ؟
ونحنُ نجدُ أيضاً أثر الصفاءِ والجمعية في بعض المواضع والبقاع، وضدَّ ذلك
في بعضها، ولستُ أعني إلا وجودَ ذوي النفوس الحسّاسة الصافية لذلك،
وإلا فالنفوسُ الخبيثةُ تجدُ الأمر على عكس ما تجده أربابُ تلك النفوس،
والصفراويُّ يجدُ السُّكَّر مرًّا، والجُعَلُ يستخبثُ رائحةَ الورد، ومِن هنا كان المنافقُ
في المسجد كالسمكة (١) في اليَيَس، والمخْلِصُ فيه كالسمكة في الماء.
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ أي: أهلُ إرادةٍ وسعيٍ في التطهُّر عن
الذنوب، وهو إشارةٌ إلى أنَّ صحبة الصالحين لها أثرٌ عظيم.
ويتحصَّل مِن هذا وما قبله الإشارةُ إلى أنه ينبغي رعايةُ المكان والإخوان في
حصول الجمعية، وجاء عن القوم أنَّه يجبُ مراعاةُ ذلك مع مراعاة الزمان في
حصول ما ذكر.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُظَهِّرِينَ﴾ ولولا(٢) محبتُه إياهم لما أحبُّوا ذلك.
وعن سهل: الطهارةُ على ثلاثة أوجهٍ: طهارةُ العلم من الجهل، وطهارةُ الذِّكر
من النسيان، وطهارةُ الطاعة من المعصية.
وقال بعضُهم: الطهارةُ على أقسام كثيرة: فطهارةُ الأسرار من الخَطَرات،
وطهارةُ الأرواح من الغفلات، وطهارةُ القلوب من الشَّهوات، وطهارةُ العقول من
الجَهَالات، وطهارةُ النفوس من الكفريات، وطهارةُ الأبدان من الزلَّات.
وقال آخر: الطهارةُ الكاملة طهارةُ الأسرار من(٣) دَنَسِ الأغيار.
والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.
(١) في (م): كالسمك.
(٢) في(م) : ولو.
(٣) في الأصل: عن.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٥٢٤
الآية : ١١١
﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ إلخ ترغيبٌ
للمؤمنين في الجهاد ببيان فَضْلِهِ إِثْرَ بيانٍ(١) حالِ المتخلِّفين عنه.
ولا تَرى - كما نقل الشهابُ - ترغيباً في الجهاد أحسنَ ولا أبلغ مما في هذه
الآية؛ لأنَّه أُبرِزَ في صورةِ عقدٍ عاقدُه ربُّ العزَّة جلَّ جلاله، وثمنُه ما لا عينٌ
رأتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خَطَر على قلبٍ بشر، ولم يَجْعَلِ المعقودَ عليه كونَهم
مقتولين فقط، بل كونهم قاتلين أيضاً لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه،
وجعَلَه مسجَّلاً في الكتب السماوية، وناهيك به مِن صكِّ، وجَعَلَ وعدَه حقًّا،
ولا أحدَ أَوْفَى مِن واعدِهِ، فنسيئتُه أقوى من نقدٍ غيره، وأشارَ إلى ما فيه من
الربح والفوزِ العظيم، وهو استعارةٌ تمثيلية، صوَّر جهاد المؤمنين، وبَذْلَ أموالهِم
وأنفسِهم فيه، وإثابةَ اللهِ تعالى لهم على ذلك الجنةَ، بالبيع والشراء، وأتى بقوله
سبحانه: (يُقَائِلُونَ) إلخ بياناً لمكان التسليم، وهو المعركةُ، وإليه الإشارةُ
بقوله ﴿ ﴿: ((الجنةُ تحت ظلال السيوف)) ثم أمضاه جلَّ شأنه بقوله: (وَذَاِكَ هُوَ
اُلْفَوْزُ اُلْعَظِيمُ)(٢).
ومن هنا أَعظَمَ الصحابةُ رِ﴿ه أمرَ هذه الآية، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم وابنُ
مردويه عن جابر بن عبد الله قال: نزلَت هذه الآيةُ على رسول الله وٍَّ وهو في
المسجد (إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَ) إلخ، فكثُرَ الناس في المسجد، فأقبل رجلٌ مِن الأنصار
ثانياً طرَفَي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله، أَنَزلتْ هذه الآية؟ قال: ((نعم)
فقال الأنصاريُّ: بيعٌ ربيحٌ لا تُقيل ولا نستقيل(٣).
ومن الناس مَن قرَّر وَجْهَ المبالغة بأنَّه سبحانه عبَّر عن قَبوله من المؤمنين
أنفسَهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابتِهِ إياهم بمقابلتها الجنةَ بالشراء
(١) قوله: فضله إثر بيان، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٠٥/٤،
وفيه: فضيلته، بدل: فضله.
(٢) حاشية الشهاب ٣٦٧/٤، والحديث أخرجه أحمد (١٩١٤)، والبخاري (٢٨١٨)، ومسلم
(١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﴾﴾.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٨٠/٣. وإسناده
منقطع؛ لأنه من طريق عطاء الخراساني عن جابر، وعطاء لم يسمع من جابر. ينظر
المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٣٠ .

الآية : ١١١
٥٢٥
سُورَةُ التَّوَةِ
على طريقة الاستعارة التبعية، ثم جَعَل المبيعَ الذي هو العُمدةُ والمَقْصِدُ في العقد
أَنفُسَ المؤمنين وأموالَهم، والثمنَ الذي هو الوسيلةُ في الصفقة الجنةَ، ولم يعكس
بأنْ يقال: إنَّ الله باعَ الجنةَ مِن المؤمنين بأنفسِهم وأموالهم، ليدلَّ على أنَّ المقصد
بالعقد هو الجنةُ، وما بذلَه المؤمنون في مقابلتها وسيلةٌ إليها بكمال العناية(١) بهم
وبأموالهم.
ثم إنَّه تعالى لم يقُل: بالجنة، بل قال عزَّ شأنُه: (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ) مبالغةً في
تقرير وصولِ الثَّمنِ إليهم واختصاصِه بهم، كأنَّه قيل: بالجنة الثابتةِ لهم المختصَّةِ
بهم.
ومِن هنا يُعلم أنَّ هذه القراءة أبلغُ من قراءة الأعمش، ونُسبت أيضاً إلى
عبد الله رَُّه: ((بالجنة))(٢)، على أنَّها أوفقُ بسبب النزول؛ فقد أخرج ابنُ جرير عن
محمد بنِ كعب القُرظي وغيرِه أنَّهم قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله وَّه:
اشْتَرِظْ لربِّك ولنفسِكَ ما شئتَ. قال: ((أشَتَرِطُ لربِّي أنْ تعبدُوه ولا تُشركوا به شيئاً،
وأَشترطُ لنفسي أنْ تمنعُوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم)) قالوا: فما لنا؟ قال:
((الجنة)) قالوا: رَبِحَ البيعُ، لا نُقيل ولا نَستقيلُ. فنزلَت (إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى) الآية(٣).
وقيل: عبَّر بذلك مدحاً للمؤمنين بأنَّهم بذلُوا أنفسَهم وأموالهم بمجرَّد الوعد،
لكمالِ ثقتهم بوعدِهِ تعالى، مع أنَّ تمامَ الاستعارة موقوفٌ على ذلك، إذ لو قيل:
(بالجنة))، لاحتمل كون الشراء على حقيقته؛ لأنَّها صالحة للعوضية بخلاف الوعد
بها .
واعتُرضَ بأنَّ مناطَ دلالة ما عليه النظم الجليل على الوعد ليس كونَه جملةً
ظرفيةً مصدَّرَة بـ ((إنَّ) فإنَّ ذلك بمعزلٍ من الدلالة على الاستقبال، بل هو الجنةُ التي
(١) في تفسير أبي السعود ١٠٥/٤ (والكلام منه): وسيلة إليها إيذاناً بتعلُّق كمال العناية.
(٢) تفسير الرازي ١٩٩/١٦، والبحر ١٠٢/٥ عن الأعمش، وأخرجها عن ابن مسعود أبو الشيخ
كما في الدر المنثور ٢٨١/٣ .
(٣) تفسير الطبري ٦/١٢-٧، وفي إسناده أبو معشر، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب.
وذكر ابن العربي في أحكام القرآن ١٠٠٧/٢ نحوه عن الشعبي وقال: وهذا وإن كان
مقطوعاً فإن معناه ثابت من طرق.

سُوَّةُ التَّوَنَّةِ،
٥٢٦
الآية : ١١١
يستحيلُ وجودُها في عالم الدنيا، ولو سلِّم ذلك يكون(١) العوضُ الجنةَ الموعودَ بها
لا نفسَ الوعدِ بها .
على أنَّ حديثَ احتمالٍ كون الشراءِ حقيقةً لو قيل: ((بالجنة))، لا يخلو عن نظر
كما (٢) قيل؛ لأنَّ حقيقةَ الشراء مما لا يصحُّ منه تعالى؛ لأنَّه جلَّ شأنه مالكُ الكلِّ،
والشراء إنَّما يكونُ ممن لا يملك، ولهذا قال الفقهاء: طلبُ الشراء يُبطلُ دعَوى
الملكية. نعم قد لا يبطلُ في بعضٍ الصور، كما إذا اشترى الأبُ داراً لطفلِهِ مِن
نفسهِ، فكبُر الطفلُ ولم يعلم، ثم باعها الأبُ وسلَّمها للمشتري، ثم طلب الابنُ
شراءَها منه ثم علم بما صنَعَ أبوه فادَّعى الدار، فإنَّه تُقبل دعواه ولا يُبطِلُها ذلك
الطلبُ، كما يقتضيه كلام الأُسْروشَنِيِّ(٣)، لكنَّ هذا لا يضرُّنا فيما نحن فيه.
ومِن المحقّقين مَن وجَّه دلالةَ ما في النظم الكريم على الوعد بأنَّه يقتضي
بصريحه عدمَ التسليم، وهو عينُ الوعد، لأنَّك إذا قلت: اشتريتُ منك كذا بكذا،
احتمل النقد، بخلاف ما إذا قلتَ: بأنَّ لك كذا، فإنَّه في معنى: لك عليَّ كذا،
وفي ذمَّتي، واللامُ هنا ليست للملك، إذ لا يُناسب شراء ملكه بملكه، كالممهورة
إحدى خَدَمتَيها(٤) فهي للاستحقاق، وفيه إشعارٌ بعدم القبض. وأمَّا كونُ تمام
الاستعارةِ موقوفاً على ذلك فله وجهٌ أيضاً حيث كان المرادُ بالاستعارة الاستعارةً
التمثيليةَ، إذ لولاه لصحَّ جَعْلُ الشراء مجازاً عن الاستبدال مثلاً، وهو مما لا ينبغي
الالتفاتُ إليه مع تأتِّي التمثيلِ المشتمِلِ من البلاغة واللطائف على ما لا يَخْفَى،
لكن أنت خبيرٌ بأنَّ الكلامَ بعدُ لا يخلو عن بحثٍ.
ومما أشرنا إليه من فضيلة التمثيل يُعلم انحطاط القولِ باعتبار الاستعارة أو
المجاز المرسل في ((اشترى» وحدَه كما ذهب إليه البعض.
(١) في (م): بكون، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٠٥/٤، والكلام منه.
(٢) في الأصل: فيما.
(٣) بضم الألف، وسكون السين المهملة، وضم الراء، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة.
اللباب في تهذيب الأنساب ٥٤/١. ووقع في (م): الأستروشني، وهو تصحيف.
(٤) الخدَمَة: الخلخال، وفي المثل: أحمق من الممهورة إحدى خَدَمَتَيْها، وأصله أن رجلاً
كانت له امرأة حمقاء، فطلبت مهرها منه، فنزع خلخالها ودفعه إليها، فرضيت به. مجمع
الأمثال ٢١٩/١.

الآية : ١١١
٥٢٧
ـرُّ النَّوَيَّةِ
وقوله تعالى: ﴿يُقَطِلُونَ فِ سَكِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: بيانٌ لمكان التسليم كما أُشير إليه
فيما تقدَّم، وذلك لأنَّ البيع سَلَمٌ كما قال الطيبيُّ وغيره.
وقيل: بيانٌ لِمَا لَأَجْلِهِ الشراءُ، كأنَّه لمّا قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى) إلخ،
قيل: لماذا فعَلَ ذلك؟ فقيل: ليقاتلوا في سبيلِهِ تعالى.
وقيل: بيانٌ للبيع الذي يَستدعيه الاشتراء المذكور، كأنَّه قيل: كيف يبيعون
أنفسَهم وأموالهم بالجنة؟ فقيل: يُقاتلون في سبيله عزَّ شأنه، وذلك بذلٌ منهم
لأنفسهم وأموالهم إلى جهته تعالى، وتعريضٌ لهما للهلاك.
وقيل : بيانٌ لنفس الاشتراء.
وقيل: ذكرٌ لبعض ما شمله الكلام السابق اهتماماً به، على أنَّ معنى ذلك أنَّه
تعالى اشترى من المؤمنين أنفسَهم بصَرْفِها في العمل الصالح، وأموالَهم ببَذْلِها
فيما يُرضیه.
وهو في جميع ذلك خبرٌ لفظاً ومعنّى، ولا محلَّ له من الإعراب.
وقيل: إنَّه في معنى الأمر، كقوله سبحانه: ﴿وَتَُّّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَنْزَلِكُ
وَأَنْفُسِكُمْ﴾(١) [الصف: ١١] ووجّه ذلك بأنَّه تعالى أتَى بالمضارع بعد الماضي لإفادة
الاستمرار، كأنَّه قيل: اشتريتُ منكم أنفسَكم في الأزل وأَعطيتُ ثمنها الجنة،
فسلِّموا المبيعَ واستمرُّوا على القتال.
ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من النظر. وانظر هل ثَمَّ مانعٌ من جعْلٍ
الجملةِ في موضع الحال؟ كأنَّه قيل: اشترى منهم ذلك حال كونهم مقاتلين في
سبيله، فإِنِّي لم أَقف على مَن صرَّح بذلك مع أنَّه أوفقُ الأوجُهِ بالاستعارة التمثيلية.
تأمَّل.
وقولُه سبحانه: ﴿فَقْنُلُونَ وَيُقْنَلُونٌ﴾ بيانٌ لكون القتال في سبيل الله تعالى بذلاً
للنفس، وأنَّ المقاتِل في سبيله تعالى باذلٌ لها وإنْ كانت سالمةً غانمةً، فإنَّ الإسناد
في الفعلين ليس بطريق اشتراطِ الجمع بينهما، ولا اشتراطِ الاتِّصاف بأحدِهما البتة،
(١) في الأصل و(م): تجاهدون بأموالكم وأنفسكم.

سُورَةُ التَّوَّة
٥٢٨
الآية : ١١١
بل بطريق وصفِ الكلِّ بحالِ البعض، فإنَّه يتحقَّق القتال من الكلِّ سواءٌ وُجِد
الفعلان أو أحدُهما منهم أو مِن بعضهم، يل يتحقَّق ذلك وإنْ لم يَصدُر منهم
أحدُهما أيضاً، كما إذا وُجد المضاربةُ ولم يُوجد القتلُ من أحدِ الجانبين.
ويُفْهِمُ كلامُ بعضهم أنَّه يتحقَّقُ الجهاد بمجرَّد العزيمة والنفير وتكثيرِ السواد،
وإنْ لم تُوجد مضاربةٌ، وليس بالبعيد؛ لِمَا أنَّ في ذلك تعريضُ النفس للهلاك أيضاً.
والظاهرُ أنَّ أُجور المجاهدين مختلفةٌ قِلَّةً وكَثرةً، وإنْ كان هناك قَدْرٌ مشتركٌ
بينهم، ففي صحيح مسلم، قال رسول الله وَّ: ((ما مِن غازِيَةٍ تغزُو في سبيل الله
فَيُصِيْبُون الغنيمةَ إلا تعجَّلوا ثُلْثي أَجْرِهم من الآخرة، ويبقَى لهم الثلثُ، وإنْ لم
يُصيبوا غنيمةً تَمَّ لهم أجرُهم))(١) .
وفي روايةٍ أخرى ((ما مِن غازِيَةٍ أو سَريَّةٍ تغزو فَتْغنَمُ وتَسْلَمُ إلَّا كانوا قد تعجّلوا
تُلْثَي أُجورِهم، وما مِن غازيةٍ أو سريّة تُخْفِقُ وتصابُ إلَّا أتَّ أجورهم))(٢).
وزَعَم بعضُهم أنَّهم في الأجر سواء، ولا ينقصُ أجرُهم بالغنيمة، واستدلُّوا عليه
بما في الصحيحين من أنَّ المجاهد يَرجع بما نال مِن أجرٍ وغنيمة(٣)، وبأنَّ أهل بدٍ
غنموا وَهُمْ هُمْ.
ويَرِدُ عليه أنَّ خبرَ الصحيحَين مطلقٌ، وخبر مسلم مقيّدٌ، فيجبُ حَمْلُه عليه،
وبأَنَّه لم يَجِئُ نصٌّ في أهل بدرٍ أنَّهم لو لم يَغنموا لكان أجرُهم على قَدْرِ أجرهم
وقد غنموا فقط، وكونهم هم هم لا يلزمُ منه أنْ لا يكونَ وراءَ مرتبتهم مرتبةٌ أخرى
أفضلُ منها .
والقولُ بأنَّ في السند أبا هانئ(٤) وهو مجهولٌ فلا يُعوَّل على خبره، غلطٌ
(١) صحيح مسلم (١٩٠٦): (١٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو ﴿ها، وأخرجه أحمد (٦٥٧٧).
(٢) صحيح مسلم (١٩٠٦): (١٥٤)، ووقع في الأصل و(م): تحنق، والمثبت من صحيح
مسلم. وقال النووي في شرحه ٥٢/١٣: الإخفاق أن يغزوا فلا يغنموا شيئاً.
(٣) صحيح البخاري (٣٦)، وصحيح مسلم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة مظ لته، وهو عند
أحمد (٧١٥٧).
(٤) هو حميد بن هانئ أحد رجال الإسناد في حديث عبد الله بن عمرو رؤيتنا، والكلام من شرح
صحيح مسلم للنووي ١٣/ ٥٢.

الآية : ١١١
٥٢٩
سُورَةُ التَّوَّةِ
فاحشٌ فإنَّه ثقةٌ مشهور رَوَى عنه الليث بن سعد وحيوةُ وابنُ وهبٍ، وخلائقُ من
الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاجُ مسلم به في صحيحه.
ومثلُ هذا ما حكاه القاضي عن بعضهم من أنَّ تعجّلَ ثلثي الأجر إنَّما هو في
غنيمةٍ أُخذَت على غير وجهها، إذ لو كانت كذلك لم يكن ثلثُ الأجر، وكذا
ما قيل: مِن أنَّ الحديث محمولٌ على مَن خرج بنيَّة الغزو والغنيمة معاً، فإنَّ ذلك
ينقصُ ثوابهُ لا محالة(١).
فالصوابُ أنَّ أجر مَن لم يَغنم أكثرُ مِن أجر مَن غَنِم، لصريح ما ذكرناه الموافقِ
لصرائح الأحاديثِ الصحيحة المشهورة عن الصحابة ﴿ه، ويُعلم من ذلك أنَّ أجرَ
مَن قُتِل أكثرُ مِن أجر مَن قَتَل، لِكون الأولِ من الشهداء دون الثاني.
وظاهرُ ما أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة: ((مَن قُتل في سبيلِ الله تعالى فهو
شهيدٌ، ومَن مات في سبيل الله تعالى فهو شهيدٌ))(٢) أنَّ القتل في سبيل الله تعالى
والموتَ فيها سواءٌ في الأجر، وهو الموافقُ لمعنَى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ،
مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ اٌلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
واستدلَّ له أيضاً بعضُ العلماء بغير ذلك مما لا دلالةَ فيه عليه كما نصَّ عليه
النوويُّ رحمه الله تعالى(٣).
٠,٠
وتقديمُ حالةِ القاتلية في الآية على حالة المقتولية للإيذان بعدم الفرقِ بينهما في
كونهما مِصْداقاً لكون القتال بذلاً للنفس.
وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبنيّ للمفعول(٤)، رعايةً لكون الشهادة عريقةً في
هذا الباب، إيذاناً بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله تعالى، بل بكونه أحبَّ إليهم
من السلامة، كما قال كعبُ بن زهير في حقِّهم:
(١) إكمال المعلم للقاضي عياض ٣٣٠/٦-٣٣١، ونقله المصنف بواسطة النووي في شرح
صحيح مسلم ١٣/ ٥٣.
(٢) صحيح مسلم (١٩١٥).
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم ٥٢/١٣-٥٣.
(٤) التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٦/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.

سُورَّةُ التَوَّةِ
٥٣٠
الآية : ١١١
قوماً وليسوا مَجازيعاً إذا نِيلُوا
لا يفرحون إذا نالَتْ رماحُهم
وما لهم عن حياضِ الموت تهليلُ(١)
لا يقع الطعنُ إلا في نحورِهِمُ
وفيه على ما قيل دلالةٌ على جراءتهم، حيث لم ينكسروا لِأَنْ قُتِلَ بعضُهم.
ومن الناس مَن دفع السؤال بعدم مراعاةِ الترتيب في هذه القراءة بأنَّ الواو
لا تقتضيه .
وتُعقِّب بأنَّ ذلك لا يُجدي؛ لأنَّ تقديمَ ما حقُّه التأخيرُ في أبلغ الكلام لا يكونُ
بسلامة الأمير، كما لا يخفَى.
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمون الجملة؛ لأنَّ معنى الشراء بأنَّ لهم الجنة
وعدٌ لهم بها على الجهاد في سبيله سبحانه، وقولُه تعالى: ﴿حَقًّ﴾ نعتٌ له،
و((عليه)) في موضع الحال من ((حقًّا)» لتقدُّمه عليه.
وقولُهُ سبحانه: ﴿فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ وَاَلْقُرْءَانِ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ نعتاً
لـ ((وعداً) أيضاً، أي: وعداً مُثبَتاً في التوراة والإنجيل كما هو مُثبَتٌ في القرآن،
فالمرادُ إلحاقُ مالا يُعرَف بما يُعرَف، إذ مِن المعلوم ثبوتُ هذا الحكم في القرآن،
ثمّ إنَّ ما في الكِتابَين إمَّا أنْ يكونَ أنَّ أمّة محمدٍ نَّهِ اشترَى اللهُ تعالى منهم أنفسَهم
وأموالَهم بذلك، أو أنَّ مَن جاهد بنفسه ومالِه له ذلك، وفي كِلَا الأمرَين ثبوتٌ
موافقٌ لما في القرآن. وجُوِّز تعلُّقُ الجارِّ بـ ((اشتَرَى)) و((وعداً)) و((حقًّا)).
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اَللَّهِ﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلَه من حقِّيَّة
الوعد، والمقصودُ من مثل هذا التركيب عُرفاً نفيُ المساواة، أي: لا أحدَ مثله
تعالى في الوفاء بعهده، وهذا كما يقال: ليس في المدينة أفقَهُ مِن فلان، فإنَّه يُفيد
عُرفاً أنَّه أفقَهُ أهلها، ولا يخفَى ما في جَعْل الوعدِ عهداً وميثاقاً من الاعتناء بشأنه.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ التفاتٌ إلى خطابهم لزيادةِ التشريف، والاستبشارُ: إظهارُ
السرور (٢). وليست السينُ فيه للطلب، والفاءُ لترتيبه أو ترتيبِ الأمرِ به على ما قبلَه،
(١) ديوان كعب ص٩١.
(٢) في الأصل و(م): إظهاراً لسرورهم، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٠٦/٤، والكلام منه.

الآية : ١١١
٥٣١
سُورَةُ التَّوَّةِ
أي: فإذا كان كذلك فأظهِرُوا السرور بما فُزتُم به من الجنة، وإنَّما قال سبحانه:
وَبَِيْعِكُمُ﴾ مع أنَّ الابتهاجَ به باعتبارِ أدائه إلى الجنة؛ لأنَّ المراد ترغيبُهم في
الجهاد الذي عبّر عنه بالبيع، ولم يذكر العقد بعنوان الشراء؛ لأنَّ ذلك من قِبَله(١)
سبحانه لا مِن قِبَلِهم، والترغيبُ على ما قيل إنَّما يتمُّ فيما هو من قِبَلهم.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِىِ بَيَعْتُم بِّ﴾ لزيادة تقريرٍ بيعهم، وللإشعار بتميُّزه على
غيره، فإنه بيعُ الفاني بالباقي، ولأنَّ كلا البدلَين له سبحانه وتعالى، ومن هنا كان
الحسن إذا قرأ الآية يقول: أنفسٌ هو خلَقَها، وأموالٌ هو رَزَقها .
﴿وَذَلِكَ﴾ أي: البيع الذي أُمرتُم بِه ﴿هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ الذي لا فوزَ
أعظم منه، وما في ((ذلك)) من البعد إشارةٌ إلى بُعدِ منزلة المشار إليه، وسُمُوِّ رُتبته
في الكمال، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون الأمر السابق.
ويجوزُ أنْ يكونَ تذييلاً للآية الكريمة، والإشارةُ إلى الجنة التي جُعلت ثمناً
بمقابلةِ ما بذلوا من أنفسهم وأموالهم، وفي ذلك إعظامٌ للثمن، ومنه يُعلم حالٌ
المثمَّن، ونُقل عن الأصمعيّ أنَّه أنشد للصادق ﴿﴿به:
فليسَ لها في الخَلْقِ كلِّهِمُ ثَمَنْ
أُثامِنُ بالنفسِ النفيسةِ ربَّها
بشيءٍ سواها إنَّ ذلكم غَبَنْ
بها أَشتري الجنَّاتِ إنْ أَنا بعثُها
فقد ذهبَتْ منِّي وقد ذهبَ الثمنْ(٢)
إذا ذهبتْ نفسي بدنيا أَصَبْتُها
والمشهورُ عنه تَظُهُ أنَّه قال: ليس الأبدانكم ثمنٌ إلا الجنة، فلا تبيعوها إلَّا
بها. وهو ظاهرٌ في أنَّ المبيعَ هو الأبدان، وبذلك صرَّح بعضُ الفضلاء في حواشيه
على تفسير البيضاويِّ حيث قال: إنَّ الله تعالى اشترى مِن المؤمن الذي هو عبارةٌ
عن الجوهر الباقي بدنَه الذي هو مركَبُهُ وآلتُه.
والظاهرُ أنَّه أرادَ بالجوهر الباقي: الجوهرَ المجرَّدَ المخصوصَ وهو النفسُ
الناطقة، ولا يخفَى أنَّ جُمهورَ المتكلِّمين على نفي المجرَّدات وإنكارِ النفس
الناطقةِ، وأنَّ الإنسان هو هذا الهيكلُ المحسوس، وبذلك أبطلَ بعضُ أجلَّة
(١) في (م): من قبل، والمثبت من الأصل، وفي تفسير أبي السعود: من قبل الله.
(٢) مجمع البيان ١٤٧/١١، وتفسير القرطبي ٣٩١/١٠.

سُوَرَةُ التَوَّةِ
٥٣٢
الآية : ١١٢
المتأخِّرين مِن أفاضل المعاصرين القولَ بخَلْقِ الأفعال؛ لما يلزمُ عليه من كون
الفاعل والقابل واحداً، وقد قالوا بامتناع انتِّحادهما.
والإنصافُ إثباتُ شيءٍ مغايرٍ للبدن والهيكلِ المحسوسِ في الإنسان، والمبيع
إمَّا ذاك، ومعنى بيعِهِ تعريضُه للمهالك، والخروجُ عن التعلَّق الخاصِّ بالبدن، وإمَّا
البدن، ومعنى بيعِه ظاهرٌ، إلا أنَّه ربّما يُدَّعَى أنَّ المتبادر من النفس غيرُ ذلك،
كما لا يخفى على ذوي النفوس الزكية.
﴿الَِّبُونَ﴾ نعتٌ للمؤمنين، وقُطع لأَجْلِ المدح، أي: هم التائبون، ويدلُّ على
ذلك قراءةُ عبد الله وأُبيِّ: ((التائبين)) بالياء(١) على أنَّه منصوبٌ على المدح، أو
مجرورٌ على أنَّه صفةٌ لـ ((المؤمنين)).
وجوِّز أنْ يكون ((التائبون)) مبتدأً والخبرُ محذوفٌ، أي: من أهل الجنة أيضاً
وإنْ لم يُجاهدوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ﴾ [النساء: ٩٥] فإنَّ ((كلَّا)) فيه
عامٌّ، و((الحسنى)) بمعنى الجنة.
وقيل: الخبرُ قولُه تعالى: ﴿الْعَيِدُونَ﴾ وما بعده خبرٌ بعد خبرٍ .
وقيل: خبرُه ((الآمرون بالمعروف)).
وقيل: إنَّه بدلٌ من ضمير ((يقاتلون)).
والأول أظهرُ، إلا أنَّه يكونُ الموعود بالجنة عليه هو المجاهد المتَّصف بهذه
الصفات لا كلُّ مجاهدٍ، وبذلك يُشعر ما أخرجه ابنُ أبي شيبة وابنُ المنذر عن ابن
عباس ◌ًِّا أنَّه قال: الشهيدُ مَن كان فيه الخصالُ التِّسع. وتلا هذه الآيةَ(٢).
وأورِدَ عليه أنَّه يُنافي ذلك ما صحَّ مِن حديث مسلم مِن أنَّ مَن قُتل في سبيل الله
تعالى وهو صابرٌ محتَسِبٌ مقبلٌ غيرُ مدبرٍ، كُفِّرت خطاياه إلا الدَّين(٣). فإنَّه ظاهرٌ
(١) القراءات الشاذة ص ٥٥، والمحتسب ٣٠٤/١، والبحر ١٠٤/٥.
(٢) كذا ذكر المصنف، والمذكور أعلاه هو لفظ خبر ابن عباس عند ابن المنذر وأبي الشيخ كما في
الدر المنثور٢٨١/٣، وذكر السيوطي قبله خبر ابن عباس عند ابن أبي شيبة وابن المنذر،
ولفظه: من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله: ﴿ التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ إلى آخر الآية.
(٣) صحيح مسلم (١٨٨٥) من حديث أبي قتادة ظله، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٢٥٤٢).

الآية : ١١٢
٥٣٣
سُؤَدَّةُ التَّّةِ
في أنَّ المجاهد قد لا يكون متَّصفاً بجميع ما في الآية من الصفات، وإلا لا يَبقى
لتكفير الخطايا وجهٌ، وكأنَّه مِن هنا اختار الزجَّاج(١) كونَه مبتدأ والخبرُ محذوفٌ
كما سمعتَ، إذ في الآية عليه تبشيرُ مطلقِ المجاهدين بما ذكر، وهو المفهومُ من
ظواهر الأخبار.
نعم دلَّ كثيرٌ منها على أنَّ الفضل الواردَ في المجاهدين مختصّ بمن قاتل
لتكونَ كلمةُ الله تعالى هي العليا، وأنَّ مَن قاتل للدنيا والسمعةِ استَحقَّ النار، وفي
صحيح مسلم ما يقتضي ذلك(٢)، فليُفْهَم.
والمرادُ من ((التائبين)) على ما أخرجه ابنُ جَرِيرٍ وابنُ المنذر وغيرُهما عن
الحسن وقتادةً: الذين تابوا عن الشرك ولم ينافقوا (٣).
وأخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك: أنَّهم الذين تابوا عن الشرك
والذنوب (٤).
وأُيِّد ذلك بأنَّ التائبين في تقدير: الذين تابوا، وهو من ألفاظ العموم يتناولُ كلَّ
تائبٍ، فتخصیصُه بالتائب عن بعض المعاصي تحگُّم.
وأجيبَ بأنَّ ذِكرهم بعد ذكرِ المنافقين ظاهرٌ في حمْل التوبة على التوبة عن الكفر
والنفاق، وأيضاً لو حُمِلَت التوبةُ على التوبة عن المعاصي يكونُ ما ذكر بعدُ مِن
الصفات غيرَ تامِّ الفائدة، مع أنَّ مَن اتَّصف بهذه الصفات الظاهرُ اجتنابُه للمعاصي.
والمراد من ((العابدين)): الذين أَتَوا بالعبادة على وجهها. وقال الحسن: هم
الذين عَبَدوا الله تعالى في أحايينهم كلُّها، أمَا واللهِ ما هو بشهرٍ ولا شهَرين، ولا سنةٍ
(١) في معاني القرآن ٢/ ٤٧١ .
(٢) صحيح مسلم (١٩٠٥) من حديث أبي هريرة به، وفيه: ((إنَّ أوَّلَ الناس يُقضى يوم القيامة
عليه رجلٌ استُشْهِد، فأُتي به فعرَّفه نعمَه فعَرَفَها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك
حتى استُشْهِدتُ. قال: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال جريءٌ، فقد قيل. ثم أُمِرَ به فسُحب
على وجهه حتى أُلقي في النار)).
(٣) تفسير الطبري ٨/١٢-٩، والدر المنثور ٢٨١/٣. وخبر الحسن أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة
٥٣٠/١٣.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٨٨/٦، والدر المنثور ٢٨١/٣.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٥٣٤
الآية : ١١٢
ولا سنتين، ولكن كما قال العبدُ الصالح: ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّا﴾
[مريم: ٣١].
وقال قتادة: هم قومٌ أَخَذوا مِن أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
﴿اَلْحَيِدُونَ﴾ أي: الذين يَحمَدُون الله تعالى على كلِّ حال، كما رُوي عن غيرِ
واحدٍ من السلف. فالحمدُ بمعنَى الوصفِ بالجميل مطلقاً .
وقيل: هو بمعنى الشكر، فيكونُ في مُقابلةِ النعمة، أي: الحامدون لنَعْمائه تعالى.
وأنت تعلمُ أنَّ الحمدَ في كلِّ حالٍ أَولَى، وفيه تأسٌّ برسول الله ◌َِِّ، فقد أخرج ابنُ
مردويه وأبو الشيخ والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن ابن عباس ﴿ه قال: قال رسول الله وَلّه :
(أَوَّلُ مَن يُدعَى إلى الجنَّة الحمَّادون الذين يَحمَدُونَ على السَّرَّاء والضرَّاء))(١).
وجاء عن عائشة ◌َّا قالت: كان النبيُّ وَّهِ إذا أتاه الأمرُ يَسُرُّه قال: ((الحمدُ لله
الذي بنعمَتِهِ تَتمُّ الصالحات))، وإذا أتاهُ الأمرُ يكرهُه قال: ((الحمدُ لله على كُلِّ
حالٍ))(٢).
﴿السَِّحُونَ﴾ أي: الصائمون، فقد أخرج ابنُ مروديه عن ابن مسعود
وأبي هريرة ﴿هَا، أنَّ النبيَّ وَّرَ سُئل عن ذلك فأجاب بما ذكر(٣).
وإليه ذهب جلَّةٌ من الصحابة والتابعين؛ وجاء عن عائشة: سياحةُ هذه الأمةِ
و(٤)
.
الصيام
(١) شعب الإيمان (٤٣٧٣)، وعزاه لابن مردويه وأبي الشيخ السيوطي في الدر ٢٨١/٣،
وأخرجه أيضاً البزار (٣١١٤-كشف)، والطبراني في الكبير (١٢٣٤٥)، وفي الأوسط
(٣٠٥٧)، وفي الصغير (٢٨٨)، والبغوي في شرح السنة (١٢٧٠). قال المنذري في
الترغيب والترهيب ٤٢٢/٢: رواه البزار والطبراني في الثلاثة بأسانيد أحدها حسن.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣)، والحاكم ٤٩٩/١، وصححه، وقال البوصيري في مصباح
الزجاجة ٣ / ١٣١ : صحيح الإسناد.
(٣) عزا الحديثين لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٨١/٣. وحديث أبي هريرة أخرجه
الطبري ١١/١٢، والعقيلي في الضعفاء ٣١٧/١، وابن عدي٦٣٨/٢، وأخرجه الطبري
أيضاً ١١/١٢ عن أبي هريرة ◌َه موقوفاً، وصوَّب وقفه ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ١٥ .

الآية : ١١٢
٥٣٥
سُؤَّةُ التَّوَنَّةِ)
وهو من باب الاستعارة؛ لأنَّ الصوم يعوقُ عن الشهوات، كما أنَّ السياحة
تمنعُ عنها (١) في الأكثر. أو لأنَّه رياضةٌ روحانيةٌ ينكشفُ بها كثيرٌ من أحوال الملك
والملكوت، فشبَّه الاطلاع عليها بالاطلاع على البلدان والأماكن النائية، إذ لا يزال
المرتاضُ يتوصَّلُ مِن مقامٍ إلى مقامٍ، ويدخلُ مِن مَدائنِ المعارف إلى مدينة بعدَ
أخرى على مطايا الفكر.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن زيد: أنَّ السائحين هم المهاجرون، وليس في
أمة محمدٍ ◌َ﴿ سياحةٌ إلا الهجرة(٢).
وأخرج هو وأبو الشيخ عن عكرمة أنَّهم طلبةُ العلم؛ لأنَّهم يَسيحون في الأرض
لطلبه(٣) .
وقيل: هم المجاهدون؛ لِمَا أخرج الحاكم وصحّحَهُ والطبرانيُّ وغيرُهما عن
أبي أُمامة أنَّ رجلاً استأذَنَ رسول الله وَّه في السياحة فقال: ((إنَّ سياحةَ أمتي
الجهاد في سبيل الله تعالى)»(٤).
والمختارُ ما تقدَّم كما أشرنا إليه، وإنَّما لم تُحمل السياحةُ على المعنى
المشهور؛ لأنَّها نوعٌ من الرهبانية، وقد نُهي عنها، وكانت كما أخرج ابنُ جرير عن
وهب بن منبه في بني إسرائيل(٥).
﴿الَرَّكِعُونَ السَّجِدُونَ﴾ أي: في الصلوات المفروضات، كما رُوي عن الحسن،
فالركوع والسجودُ بمعناهما (٦) الحقيقي، وجعَلَهما بعضُهم عبارةً عن الصلاة؛
لأنَّهما أعظمُ أركانها فكأنَّه قيل: المصلُّون.
﴿ اَلَّمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: الإيمان ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ أي: الشرك
(١) في (م): منها.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠ .
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦ / ١٨٩٠، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣/ ٢٨٢.
(٤) المستدرك ٢/ ٧٣، والمعجم الكبير (٧٧٠٨) و(٧٧٦٠)، وأخرجه أبو داود (٢٤٨٦).
(٥) تفسير الطبري ١٥/١٢ - ١٦.
(٦) في (م): على معناهما.

سُورَةُ التَّوَتِية
٥٣٦
الآية : ١١٢
◌ُّ في الأمرَين، ولو أُبقي لفظُ النظم الجليل على عمومه
کما رُوي عن ابن عباس
لكان له وجْهٌ، بل قيل: إنَّه الأولى.
والعطف هنا على ما في ((المغني)) إنَّما كان من جهة أنَّ الأمرَ والنهي من حيث
هما أمرٌ ونهيٌ متقابلان، بخلاف بقَّيةِ الصفات؛ لأنَّ الآمر بالمعروف ناهٍ عن
المنكر، وهو تركُ المعروف، والناهي عن المنكر آمرٌ بالمعروف، فأشير إلى
الاعتداد بكلِّ من الوصفَين، وأنَّه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر(١).
وحاصلُه - على ما قيل - أنَّ العطف لِمَا بينهما مِن التقابُلِ، أو لدَفْع الإيهام.
ووجَّهَ بعضُ المحققين ذلك بأنَّ بينهما تلازماً في الذهن والخارج؛ لأنَّ الأوامر
تَتَضمَّن النواهي، ومنافاةً بحسب الظاهر؛ لأنَّ أحدَهما طلبُ فعلٍ والآخر طلبُ
تركٍ، فكانا بين كمالِ الاتّصال والانقطاع المقتضي للعطف، بخلاف ما قبلهما .
وقيل: إنَّ العطف للدلالة على أنَّهما في حكم خَصلةٍ واحدةٍ؛ كأنَّه قيل:
الجامعون بين الوصفَين.
ويَردُ على ظاهره أنَّ ((الراكعون الساجدون)) في حكم خصلةٍ واحدةٍ أيضاً، فكان
ينبغي فيهما العطفُ على ما ذكر، إذ معناه: الجامعون بين الركوع والسجود، ويُدفع
بأدنى التفاتٍ.
وأمَّا العطفُ في قوله سبحانه: ﴿وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ﴾ أي: فيما بيَّنه وعيَّنه مِن
الحقائق والشرائع، فقيل: للإيذان بأنَّ العدد قد تمَّ بالسابع، من حيث إنَّ السبعة هو
العدد التامُّ، والثامنُ ابتداءُ تعدادٍ آخر معطوفٍ عليه، ولذلك يُسمَّى: واو الثمانية،
وإليه مال أبو البقاء وغيرُه ممن أثبتَ واوَ الثمانية (٢)، وهو قولٌ ضعيفٌ لم يرضَهُ
النحاةٌ كما فصَّله ابنُ هشام، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُه(٣).
وقيل: إنَّه للتنبيه على أنَّ ما قبله مُفضَّل الفضائل وهذا مُجمَلُها، يعني: أنَّه مِن
(١) مغني اللبيب ص ٤٧٦ .
(٢) الإملاء ٢٠٤/٣، وعزاه القرطبي ٣٩٧/١٠ لابن خالويه.
(٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثَيَِّتٍ وَأَبْكَرًا﴾ [التحريم: ٥]. وكلام ابن هشام في المغني
ص ٤٧٦ .

الآية : ١١٣
٥٣٧
سُورَةُ التَّوَتَّة
ذِكْرِ أمرٍ عامٍّ شاملٍ لِمَا قبله وغيرِه، ومثلُه يؤتى به معطوفاً نحو: زيدٌ وعمرٌو وسائرُ
قبيلته كرماء، فلِمُغايرته بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوصِ عُطف عليه(١).
وقيل: هو عطفٌ على ما قبله مِن الأمر والنهي؛ لأنَّ مَن لم يُصدِّق فعلُه قولَه
لا يُجدي أمرُه نَفْعاً، ولا يُفيدُ نهيُه منعاً.
وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ المراد بحِفْظِ الحدود ظاهرُه، وهي إقامةُ الحدٌ
كالقصاص على مَن استحقّه، والصفاتُ الأُوَلُ إلى قوله سبحانه: (الْأَمِرُونَ) صفاتٌ
محمودٌ للشخص في نفسه، وهذه له باعتبارٍ غيرِهِ، فلذا تغايَرَ تعبيرُ الصنفَينِ، فتُرِك
العاطفُ في القسم الأول وعُطِفَ في الثاني، ولمَّا كان لا بُدَّ من اجتماع الأُوَل في
شيءٍ واحدٍ تُرك فيها العطفُ لشدَّةِ الاتِّصال بخلافٍ هذه، فإنَّه يجوزُ اختلافُ فاعلها
ومَن تعلَّقت به، وهذا هو الدَّاعي لإعراب ((التائبون)) مبتدأ موصوفاً بما بعده
و(الآمرون)) خبرَه، فكأنَّه قيل: الكاملون في أنفسهم المُكَمِّلون لغيرهم، وقدِّم الأولُ
لأنَّ المكمِّل لا يكون مُكمِّلاً حتى يكونَ كاملاً في نفسه، وبهذا يَتَّقُ النظمُ أحسنَ
اِّساقٍ من غير تكلٍُّ.
وهو وجهٌ وجيهٌ للعطف في البعض وَتركِ العطفِ في الآخَر، خلا أنَّ المأثورَ
عن السلَف كابن عباسٍ ﴿ّ وغيرِهِ تفسيرُ الحافظين لحدود الله بالقائمين على طاعته
سبحانه، وهو مخالفٌ لمِا في هذا التوجيهِ، ولعلَّ الأمرَ فيه سهلٌ، والله تعالى أعلمُ
بمراده.
﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجليلة، ووضع
((المؤمنين)) موضعَ ضميرهم للتنبيه على أنَّ مَلَاكَ الأمرِ هو الإيمان، وأنَّ المؤمنَ الكاملَ
مَن كان كذلك، وحذف المبشَّر به إشارةً إلى أنَّه أمرٌ جليلٌ لا يحيط به نطاقُ البيان.
﴿مَا كَانَ﴾ أي: ما صحَّ في حكم الله عزَّ وجل وحكمته وما استقام ﴿لِلنَّبِّ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله تعالى على الوجه المأمور به ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ به سبحانه
﴿وَلَوْ كَانُّواْ﴾ أي: المشركون ﴿أُوْلِ قُبِى﴾ أي: ذوي قرابةٍ لهم.
(١) بعدها في (م): وقيل هو عطف عليه، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٦٩/٤،
والكلام منه.

سُورَةُ التَّوَّةِ
٥٣٨
الآية : ١١٣
وجواب ((لو)) محذوفٌ لدلالة ما قبلَه عليه، والجملةُ معطوفةٌ على جملةٍ أُخرى
قبلها محذوفةٍ حذفاً مُطَّرداً، أي: لو لم يكونوا أُولي قُربى ولو كانوا كذلك.
﴿مِنْ بَعْدٍ مَا تَبَّنَ لَهُمْ﴾ أي: للنبيِّ وَّهِ والمؤمنين ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: المشركين
﴿أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (١) بأنْ ماتوا على الكفر، أو نَزَل الوحيُّ بأنَّهم مطبوعٌ على
قلوبهم لا يؤمنون أصلاً .
وفيه دليلٌ على صحَّة الاستغفار لأحيائهم الذين لا قَطْعَ بالطبع على قلوبهم،
والمرادُ منه في حقِّهم طلبُ توفيقِهم للإيمان. وقيل: إنَّه يستلزمُ ذلك بطريق
الاقتضاء، فلا يقال: إنَّه لا فائدةَ في طلب المغفرةِ للكافر.
والآيةُ على الصحيح نزلَت في أبي طالب فقد أخرج أحمد وابنُ أبي شيبة
والبخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ وابنُ جرير وابنُ المنذر والبيهقيُّ في ((الدلائل)) وآخرون
عن المسيب بنِ حزن قال: لمَّا حضرَت أبا طالبٍ الوفاةُ دخل عليه النبيُّ وَّهِ وعنده
أبو جهل وعبدُ الله بنُ أبي أميَّة، فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((أيْ عمّ، قل:
لا إله إلا الله أُحاجُّ لك بها عند الله)) فقال أبو جهل وعبد الله بنُ أبي أميةً:
يا أبا طالب، أترغبُ عن ملَّة عبد المطلب؟ فجعلَ رسولُ الله ◌َّهِ يعرضُها عليه،
وأبو جهل وعبد الله يُعاودانه بتلك المقالة، فقال أبو طالب آخِرَ ما كلَّمهم: هو على
مَّة عبد المطلب. وأَبَى أنْ يقول: لا إله إلا الله، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لأَسْتَغْفِرنَّ لكَ
ما لَم أُنْهَ عْنكَ)) فنزلَت (مَا كَانَ لِلنَِّيِّ) الآية(١).
واستبعدَ ذلك الحسين بنُ الفضل(٢) بأنَّ موتَ أبي طالب قبلَ الهجرة بنحو
ثلاثٍ سنين، وهذه السورةُ من أواخرٍ ما نزل بالمدينة.
قال الواحديُّ (٣): وهذا الاستبعادُ مُستبعَدٌ، فأيُّ بأسٍ أنْ يقال: كان عليه
(١) مسند أحمد (٢٣٦٧٤)، وصحيح البخاري (١٣٦٠)، وصحيح مسلم (٢٤)، والمجتبى
٩٠/٤-٩١، وتفسير الطبري ٢٠/١٢، ودلائل النبوة ٣٤٢/٢-٣٤٣، والكلام من الدر
المنثور ٣ / ٢٨٢.
(٢) الكوفي ثم النيسابوري، أبو علي، المفسِّر اللغوي المحدث، عالم عصره، توفي سنة (٢٨٢هـ).
السير ٤١٦/١٣. وكلامه في تفسير الرازي ٢٠٨/١٦.
(٣) كما في تفسير الرازي ٢٠٨/١٦.

الآية : ١١٣
٥٣٩
سُورَةُ التَّوَّةِ
الصلاة والسلام يستغفرُ لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية، فإنَّ
التشديدَ مع الكفار إنَّما ظَهَر في هذه السورة. وذكر نحواً مِن هذا صاحبُ
((التقریب)).
وعليه لا يُراد بقوله: فنزلت، في الخبر أنَّ النزول كان عقيب القول، بل يُراد
أنَّ ذلك سببَ النزول، فالفاءُ فيه للسببية لا للتعقيب.
واعتمد على هذا التوجيه كثيرٌ مِن جلَّة العلماء، وهو توجيهٌ وجيةٌ، خلا أنَّه
يعكِّر عليه ما أخرجه ابنُ سعد وابنُ عساكر عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال:
أَخبرتُ رسولَ اللهِ وَّهِ بموت أبي طالب، فبكى فقال: ((اذهب فغسِّله وكفِّنْه
ووارِهِ غفَرَ الله له وَرَحِمَه)) ففعلتُ، وجعَلَ رسول اللهِ نَّه يستغفرُ له أياماً
ولا يخرجُ من بيته، حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية (مَا
كَانَ لِلنَِّّ) إلخ(١)، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ النزول قبل الهجرة؛ لأنَّ عدم الخروج
من البيت فيه مُغيَّى به. اللهمَّ إلا أنْ يقال بضَعْفِ الحديث، ولكنْ لم نرَ مَن
تعرَّض له(٢).
والأَوْلَى في الجواب عن أصل الاستبعاد أنْ يقال: إنَّ كونَ هذه السورةِ من
أواخرِ ما نزل باعتبار الغالبِ كما تقدَّم، فلا يُنافي نزولَ شيءٍ منها في المدينة.
والآيةُ على هذا دليلٌ على أنَّ أبا طالب مات كافراً، وهو المعروفُ من مذهب
أهل السنة والجماعة. وروى ابنُ إسحاق في سيرته عن العباس بن عبد الله بن
معبد عن بعض أهله عن ابن عباس ﴿يا من خبرٍ طويلٍ أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لأبي طالبٍ
في مرض موته وقد طمع فيه: ((أيْ عمّ، فأنتَ فقُلْها - يعني لا اله إلا الله - أستحِلُّ
بها لك الشفاعة يومَ القيامة)) وحرَّض عليه - عليه الصلاة والسلام - بذلك، فقال:
واللهِ يا ابنَ أخي لولا مخافة السُّبَّةِ عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأنَّ تَظُنَّ
قريشٌ أنّ إنَّما قلتُها جزءاً من الموت لقلتُها، ولا أقولُها إلا لأَسُرَّك بها، فلمّا
تقارَب من أبي طالب الموتُ نظَرَ العباس إليه يحرِّك شفتيه، فأصغَى إليه بأذُنُه
(١) طبقات ابن سعد ١٢٣/١، وتاريخ دمشق ٣٣٦/٦٦، وينظر التعليق الذي بعده.
(٢) بل هو ضعيف، ففي إسناده محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك كما في التقريب.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٥٤٠
الآية : ١١٣
فقال: يا ابنَ أخي، لقد قال أخي الكلمةَ التي أمرْتَهَ أنْ يقولَها، فقال له ◌َّ: ((لم
أسمع))(١).
واحتجَّ بهذا ونحوِه، من أبياته المتضمِّنَة للإقرار بحقيَّه ما جاء به وَِّ، وشدَّةِ
حنوِّه عليه ونصرتِهِ له بََّ، الشيعةُ الذاهبون إلى موته مؤمناً، وقالوا: إنَّه المرويُّ عن
أهل البيت، وأهل البيت أدرَى.
وأنت تعلم قوَّةً دليل الجماعة، فالاعتمادُ على ما روي عن العباس دونَه
مما تضحكُ منه الثَّكلَى، والأبياتُ على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطقُ
بالشهادتَين، وهو مدارُ فلك الإيمان، وشدَّةُ الحنوُّ والنصرةِ مما لا يُنكره أحدٌ،
إلا أنَّها بمعزلٍ عما نحن فيه، وأخبارُ الشيعة عن أهل البيت أوْهَنُ من بيت
العنكبوت، وإنَّه لأوهنُ البيوت.
نعم لا ينبغي للمؤمن الخوضُ فيه كالخوضِ في سائر كفار قريش من أبي جهل
وأضرابهِ، فإنَّ له مزيةً عليهم بما كان يَصْنعُه مع رسول الله ◌َّهِ من محاسنِ الأفعال،
وقد رُوي نَفْعُ ذلك له في الآخرة، أفلا يَنفعُه في الدنيا في الكفِّ عنه، وعدمِ
معاملته معاملةَ غيرِه من الكفار، فعن أبي سعيد الخدري أنَّه سمع رسول الله وَ لّه قال
وقد ذُكر عنده عمُّه: ((لعلَّه تَنفعُه شَفاعتي يومَ القيامة فيُجعَلُ في ضَحضاحٍ من
نارٍ))(٢).
وجاء في روايةٍ أَنَّه قيل لرسول الله وَّله: إنَّ عمَّك أبا طالب كان يَحوظُك
وينصرُك، فهل ينفعُه ذلك؟ فقال: ((نعم، وجدْتُه في غَمراتِ النَّار، فأخرجتُه إلى
ضَحْضَاحٍ من نار))(٣).
وسبُّه عندي مذمومٌ جدًّا، لاسيّما إذا كان فيه إيذاءٌ لبعض العلويِّين، إذ قد وَرَد
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٤١٨ وفي متن هذا الحديث نكارة، وقد ضعف إسناده ابن حجر في
الإصابة ٢٢١/١١.
(٢) أخرجه أحمد (١١٠٥٨)، والبخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٧٦٣)، والبخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩) من حديث العباس وظلبه وهو
السائل، والمرفوع فيه بلفظ: ((هو في ضحضاحٍ من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل
من النار))