Indexed OCR Text

Pages 481-500

الآية : ١٠٠
٤٨١
سُورَةُ الثَّوَّة
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ﴾ بيانٌ لفضائل أشرافِ المسلمين إثرَ بيانِ طائفةٍ
منهم، والمرادُ بهم كما روي عن سعيدٍ وقتادةً وابن سيرين وجماعةٍ: الذين صلَّوا
إلى القبلتين.
وقال عطاء بنُ رباح: هم أهلُ بدرٍ .
وقال الشعبي: هم أهلُ بيعة الرضوان وكانت بالحديبية.
وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرةِ.
﴿وَالْأَنْصَارِ﴾ أهلِ بيعة العقبة الأولى، وكانت في سنة إحدى عشرة من البعثة،
وكانوا __ ـ على ما في بعض الروايات - سبعةَ نفرٍ، وأهلِ بيعة العقبة الثانية،
وكانت في سنةِ اثنتي عشرة، وكانوا سبعين رجلاً وامرأتين، والذين أسلموا حين
جاءهم من قِبَلِ رسول الله وَّه أبو زرارةَ مصعب بنُ عمير بنِ هاشم بن عبد مناف،
وكان قد أَرسلَه عليه الصلاة والسلام مع أهل العقبة الثانية يُقرئهم القرآن ويُفقِّهُهُم
في الدين.
﴿وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾ أي: متلبِّسين به، والمرادُ كلُّ خَصلةٍ حسنةٍ، وهم
اللاحقون بـ ((السابقين)) من الفريقين على أنَّ (مِن)) تبعيضية، أو الذين اتّبعوهم
بالإيمان والطاعة الى يوم القيامة، فالمرادُ بـ ((السابقين)) جميعُ المهاجرين
والأنصار ﴿ه، ومعنَى كونهم سابقين: أنَّهم أوَّلُون بالنسبة إلى سائر المسلمين،
وكثيرٌ من الناس مَن(١) ذهب إلى هذا؛ روي عن حميد بن زياد أنَّه قال: قلتُ يوماً
لمحمد بنِ كعب القُرَظِيِّ: ألا تخبرُني عن أصحاب رسول الله ◌ِصَّ ر فيما كان بينهم
من الفتن؟ فقال لي: إنَّ الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوْجَبَ لهم الجنة في كتابه
مُحسنِهِم ومسيئهم. فقلتُ له: في أيِّ موضعٍ أوْجَبَ لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله!
ألا تقرأ قوله تعالى: (وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ) الآية فتَعْلَمَ أنَّه تعالى أوْجَبَ لجميع
أصحاب النبيِّ وَّهِ الجنةَ والرضوان، وشَرَط على التابعين شرطاً. قلت: وما ذلك
الشرط؟ قال: شرط عليهم أنْ يَتَّبعوهم بإحسان، وهو أنْ يقتدوا بهم في أعمالهم
الحسنةِ ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: هو أنْ يَتَّبعوهم بإحسانٍ في القول،
(١) قوله: من، ليس في(م).

سُورَةُ التَّوَّة
٤٨٢
الآية : ١٠٠
وأنْ لا يقولوا فيهم سوءاً، وأنْ لا يوجِّهوا الطعنَ فيما أقدموا عليه. قال حميد بن
زياد: فكأنِّ ما قرأتُ هذه الآية قط. وعلى هذا تكونُ الآية مُتضِّمنةً من فضل
ـه ما لم تَتَضمَّنه على التقدير الأول.
الصحابة
واعترض القطب على التفاسير السابقة للسابقينَ من المهاجرينَ، بأنَّ الصلاة
إلى القبلتين، وشهودَ بدرٍ وبيعة الرضوان مشتركةٌ بين المهاجرين والأنصار.
وأجيبَ بأنَّ مرادَ مَن فسَّر تعيينُ سَبْقِهم لصحبته(١) ومهاجرتهم له بَّ على مَن
عَدَاهم من ذلك القبيل.
واختار الإمام أنَّ المرادَ بالسابقين من المهاجرين: السابقون في الهجرة، ومن
السابقين من الأنصار: السابقون في النصرة، وادَّعَى أنَّ ذلك هو الصحيحُ عنده،
واستدلَّ عليه بأنَّه سبحانه ذكر كونَهم سابقين ولم يُبيِّن أنَّهم سابقون فيماذا، فبقي
اللفظُ مُجملاً، إلّا أنَّه تعالى لمَّا وَصَفَهم بكونهم مهاجرينَ وأنصاراً عُلم أنَّ المرادَ
من السَّبْقِ السَّبْقُ في الهجرة والنصرة، إزالةً للإجمال عن اللفظ.
وأيضاً كلُّ واحدةٍ من الهجرة والنصرة - لكونه فعلاً شاقًّا على النفس - طاعةٌ
عظيمة، فَمَن أقدمَ عليه أوَّلاً صار قدوةً لغيره في هذه الطاعة، وكان ذلك مقوِّياً
لقلب الرسول ويله، وسبياً لزوال الوحشة عن خاطره الشريف عليه الصلاة والسلام،
فلذلك أثنَى الله تعالى على كلِّ مَن كان سابقاً إليهما، وأَثْبَتَ لهم ما أثبت، وكيف
لا وَهُمْ آمنوا وفي عدد المسلمين في مكةَ والمدينةِ قِلَّةٌ وضَعْفٌ، فَقَوِيَ الإسلامُ
بسببهم وكثُر عددُ المسلمين بإسلامهم، وقوي قلبُهُ وَّه بسبب دخولهم في الإسلام
واقتداءٍ غيرهم بهم، فكان حالُهم في ذلك كحال مَنْ سنَّ سنَّةً حسنةً(٢)، وفي
الخبر: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً فله أَجْرُها وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة))(٣).
ولا يخفى أنَّه حَسَنٌّ.
(١) في الأصل و(م): لصحبتهم، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٥٨/٤، والكلام منه.
(٢) بنحوه في تفسير الرازي ١٦٩/١٦.
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٩٦٥٦)، ومسلم (١٠١٧) عن جرير بن عبد الله
البجلي

الآية : ١٠٠
٤٨٣
سُورَةُ التَّيَّةِ
ويجوزُ عندي(١) أنْ يُراد بالسابقين: الذين سَبَقوا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر
واتِّخاذٍ ما يُنفقون قرباتٍ، والقرينةُ على ذلك ظاهرةٌ.
وأيًّا ما كان فالسابقون مبتدأُ خبرُه قوله تعالى: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: بقبول
طاعتهم وارتضاءِ أعمالهم ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما نالوه من النعم الجليلةِ الشأن.
وجوَّز أبو البقاء أنْ يكون الخبر ((الأوَّلون))، أو (مِن المهاجرين))، وأنْ يكون
((السابقون)) معطوفاً على ((مَن يُؤمن))، أي: ومنهم السابقون(٢)، وما ذكرناه أظهرُ
الوجوه.
وعن عمرَ ◌َُهُ أَنَّه قرأ: ((والأنصارُ)) بالرفع(٣) على أنَّه معطوفٌ على
((السابقون)).
وأخرج أبو عبيد(٤) وابنُ جرير وابنُ المنذر وغيرُهم عن عمرو بنِ عامر
الأنصاريِّ أنَّ عمر ◌َظُبه كان يقرأ بإسقاط الواو من ((والذين اتَّبعوهم)) فيكون
الموصول صفَة ((الأنصار)) حتى قال له زيد: إنَّه بالواو فقال: ائتوني بأُبيّ بنِ كعب،
فأتاه فسأله عن ذلك فقال: هي بالواو. فتابعه(٥).
وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التيميِّ قالا: مرَّ عمرُ بن
الخطاب برجل يقرأ: ((والذين)) بالواو فقال: مَن أقرأك هذه؟ فقال: أبيٍّ، فأخذ به
إليه فقال: يا أبا المنذر أخبَرني هذا أنَّك أقرأتَه هكذا. فقال أبيٍّ: صدَقَ، وقد
تلقَّنتُها كذلك مِن في رسول الله وَّه، فقال عمر: أنت تلقَّنْتَها كذلك(٦) من
رسولِ الله وَر؟ فقال: نعم، فأعاد عليه، فقال في الثالثة وهو غضبان: نعم، واللهِ
لقد أنزلها اللهُ على جبريل عليه السلام، وأنزلها جبريلُ على قلب محمدٍ بَّه، ولم
(١) قوله: عندي، ليس في الأصل.
(٢) الإملاء ١٨٦/٣ - ١٨٧.
(٣) القراءات الشاذة ص ٥٤، والمحتسب ٣٠٠/١.
(٤) في (م): أبو عبيدة، وهو خطأ.
(٥) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٧٣، وتفسير الطبري ٦٤١/١١-٦٤٢، وعزاه لابن
المنذرالسيوطي في الدر٢٦٩/٣.
(٦) قوله: كذلك، ليس في الأصل.

ـَرَّةُ التَّوَيَّة
سُـ
٤٨٤
الآية : ١٠٠
يستأمر فيها الخطّاب ولا ابنه، فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول: الله أكبر الله
أكبر(١).
وفي روايةٍ أخرجها أبو الشيخ(٢) أيضاً عن محمد بن كعب، أنَّ أَبيًّا ظُبه قال
لعمرَ ظُه: تصديق هذه الآية في أول ((الجمعة)): ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ [الآية: ٣]، وفي
أوسط ((الحشر)): ﴿وَلَِّينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الآية: ١٠]، وفي آخر ((الأنفال)):
﴿وَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ﴾ [الآية: ٧٥] إلخ. ومرادُهُ رَُّهُ أنَّ هذه الآيات تدلُّ على أنَّ
التابعين غيرُ الأنصار.
وفيها أنَّ عمر ظَه قال: لقد كنتُ أرى أنَّا رُفعنا رِفعةً لا يبلُغُها أحدٌ بعدنا.
وأراد اختصاصَ السَّبْقِ بالمهاجرين.
وظاهرُ تقديم المهاجرين على الأنصار مشعرٌ بأنَّهم أفضلُ منهم، وهو الذي يدلُّ
عليه قصةُ السقيفةَ(٣).
وقد جاء في فضل الأنصار مالا يُحصىَ من الأخبار. ومن ذلك ما أخرجه
الشيخان وغيرُهما عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((آيةُ الإيمان حبُّ الأنصار،
وآيةُ النفاقِ بُغضُ الأنصارِ))(٤).
وأخرج الطبرانّي عن السائب بن يزيد أنَّ رسول الله وَّرِ قَسَم الفَيْءَ الذي أفاء الله
تعالى بحُنَين في أهل مكة من قريش وغيرِهم، فغضب الأنصارُ فأتاهم فقال:
((يا معشرَ الأنصار، قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي أثَّرْتُ بها أناساً
أتألَّفهُم على الإسلام، لعلَّهم أنْ يشهدوا بعد اليوم وقد أدخَلَ الله تعالى قلوبَهم
الإسلام)) ثم قال: ((يا معشرَ الأنصار(٥) أَلَم يمنَّ الله تعالى عليكم بالإيمان وخصَّكم
بالكرامةِ، وسمَّاكم بأحسن الأسماءِ أنصارَ الله تعالى وأنصارَ رسولهِ عليه الصلاة
والسلام، ولولا الهجرةُ لكنتُ امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناسُ وادياً وسلكتُم
(١) الدر المنثور٢٦٩/٣، وفيه: تلقيتها، بدل: تلقنتها.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٦٩/٣، وأخرجها أيضاً الطبري ١١/ ٦٤٠- ٦٤١.
(٣) أخرج الخبر أحمد (٣٩١)، والبخاري (٦٨٣٠) مطولاً من حديث ابن عباس ش
.
(٤) صحيح البخاري (١٧)، وصحيح مسلم (٧٤)، وهو عند أحمد (١٢٣١٦).
(٥) في الأصل و(م): الإسلام، والمثبت من المصادر على ما يأتي.

الآية : ١٠٠
٤٨٥
سُورَةُ التَّوَتَّ
وادياً لسلكتُ واديَكم، أفلا ترضَون أنْ يذهب الناس بهذه الغنائم البعيرِ والشاء
وتذهبون برسول الله؟)) فقالوا: رضينا، فقال رسول الله وَله: ((أَجيبوني فيما قُلْتُ)).
قالوا: يا رسولَ الله، وجدْتَنا في ظلمةٍ فأخرجَنَا اللهُ بك إلى النور، ووجدْتَنا على
شفا حُفْرةٍ من النار فأنقَذَنَا الله بك، ووجدْتَنا ضُلَّالاً فهدانا الله تعالى بك، فرضينا
بالله تعالى ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد وَله نبيّاً. فقال عليه الصلاة والسلام: ((لو
أُجَبْتُموني بغير هذا القول لقلتُ: صدقتُم، لو قلتُم: ألَم تَأْتِنا طريداً فآويناك،
ومكذَّباً فصدَّقناك، ومخذولاً فنصرناك؟ وقَبِلْنا ما ردَّ الناسُ عليك، لصَدَقْتُم)) قالوا:
بل لِلّهِ تعالى ولرسوله المُّ والفضلُ علينا وعلى غيرنا(١).
فانظر كيف قال لهم رسول الله (ێے، وكيف أجابوه
﴿وَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَّحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: هيَّأ لهم ذلك في الآخرة،
وقرأ ابنُ كثير: ((مِن تحتها))(٢) وأكثرُ ما جاء في القرآن موافقٌ لهذه القراءة.
﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ من غير انتهاء ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ الذي(٣) لا فوزَ وراءه.
وما في ((ذلك)) من معنى البعد، قيل: لبيان بُعْدِ منزلتهم في الفضل وعِظَم
الدرجة من مؤمني الأعراب، ولا يخفَى أنَّ هذا لا يكاد يصحُّ إلا بتكلُّفِ ما(٤) إذا
أُريدَ من ((الذين اَبعوهم)) صنفٌ آخَرُ غيرُ الصحابة؛ لأنَّ الظاهر أنَّ مؤمني الأعراب
صحابةٌ، ولا يَفْضُل غيرُ صحابيٍّ صحابيًّا كما يدلُّ عليه قوله ◌َّةِ: ((لا تسبُّوا
أصحابي فلو أنَّ أحَدَكم أَنفقَ مثلَ أُحدٍ ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفَه))(٥).
(١) المعجم الكبير (٦٦٦٥)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١/١٠ وقال: رواه الطبراني وفيه
رشدين بن سعد، وحديثه في الرقاق ونحوها حسن، وبقية رجاله ثقات. اهـ. وله شاهد من
حديث أبي سعيد الخدري أخرجه ابن هشام في السيرة ٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠، وأحمد
(١١٧٣٠). وأخرج نحوه أحمد (١٣٩٧٦)، والبخاري (٣١٤٧)، ومسلم (١٠٥٩) من
حديث أنس را.
(٢) التيسير ص ١١٩، والنشر ٢/ ٢٨٠.
(٣) قبلها في (م): أي.
(٤) قوله: ما، ليس في الأصل.
(٥) أخرجه أحمد (١١٠٧٩)، والبخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد
الخدري ټپ .

سُورَةُ التَّوَنَّةِ،
٤٨٦
الآية : ١٠١
وقولُهُ وَّهِ: ((أُمَّتي كالمطر لايُدرَى أَوَّلُه خيرٌ أم آخرُه))(١) من باب المبالغة.
﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُم ◌ِنَ الْأَعْرَابِ﴾ شروعٌ في بيانِ منافقي أهلِ المدينة ومَن حولها
من الأعراب بعدَ بيانِ حال أهل البادية منهم، أي: وممن حولَ بلدكم ﴿مُنَفِقُونٌ﴾
والمرادُ بالموصول كما أخرج ابنُ المنذر عن عكرمة (٢): جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأَشجَعُ
وأَسْلَمُ وغِفارُ. وكانت منازلهم حولَ المدينة، وإلى هذا ذهب جماعةٌ من المفسرين
كالبغويِّ والواحديِّ وابن الجوزيِّ(٣) وغيرهم.
واستشكل ذلك بأنَّ النبيَّ وَّهِ مدَحَ هذه القبائل ودعا لبعضها، فقد أخرج
الشيخان وغيرُهما عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: ((قريشٌ
والأنصارُ وجُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأَشجَعُ وأَسْلَمُ وغِفارُ موالي اللهِ تعالى ورسوله لا مواليَ
لهم غیرُه)»(٤) .
وجاء عنه أيضاً أنَّهِ وَِّ قال: ((أَسْلَمُ سالَمها الله تعالى، وغِفارٌ غَفَر الله لها، أمَّا
إنِّي لم أقُلْها لكنْ قالها الله تعالى))(٥) .
وأجيب بأن ذلك اعتبار الأغلب منهم(٦).
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ عطفٌ على ((ممَّن حولكم)) فيكونُ كالمعطوفِ عليه خبراً
عن ((المنافقون))، كأنَّه قيل: المنافقون مِن قومٍ حولكم ومِن أهل المدينة، وهو مِن
عَظْفِ مفردٍ على مفرد، ويكونُ قولُه سبحانه: ﴿مَرَدُواْ عَلَى اَلِفَاقِ﴾ جملةً مستأنفةً
لا محلَّ لها من الإعراب، مسوقةً لبيان غلوِّهم في النفاق إثْرَ بيان اتِّصافهم به، أو
صفةً لـ ((منافقون))، واستبعده أبو حيان بأنَّ فيه الفصلَ بين الصفة وموصوفها، وجوَّز
(١) أخرجه أحمد (١٢٣٢٧)، والترمذي (٢٨٦٩) من حديث أنس ظه. قال الترمذي: حسن
غريب.
(٢) كما في الدرالمنثور ٢٧١/٣.
(٣) تفسير البغوي ٣٢٢/٢، والوسيط للواحدي ٥٢١/٢، وزاد المسير ٤٩١/٣.
(٤) صحيح البخاري (٣٥٠٤)، وصحيح مسلم (٢٥٢٠)، وهو عند أحمد (٩٠٣٥).
(٥) أخرجه أحمد (٩٤١٤)، والبخاري (٣٥١٤)، ومسلم (٢٥١٦) وليس عند أحمد والبخاري:
((أما إني لم أقلها ... )).
(٦) قوله: منهم، ليس في الأصل.

الآية : ١٠١
٤٨٧
سُورَةُ النَّوَتِيِ
أنْ يكونَ ((مِن أهل المدينة)) خبراً مقدَّماً والمبتدأ بعده محذوفٌ قامت صفتُه مقامه،
والتقدير: ومِن أهل المدينة قومٌ مَرَدوا، وحذْفُ الموصوف وإقامةُ صفته مقامَه إذا
كان بعضَ اسمِ مجرور بـ (مِن)) أو ((في)) مقدَّم عليه مقيسٌ شائعٌ نحو: منَّا أقام ومنَّا
ظَعَن، وفي غير ذلك ضرورةٌ أو نادرٌ(١)، ومنه قولُ سحيم:
أنا ابنُ جَلَا وطلَّاعِ الثنايا متَى أَضع العمامةَ تعرفوني(٢)
على أحد التأويلات فيه.
وأصلُ المُرُودِ على ما ذكره عليّ بنُ عيسى: المَلاسَةُ، ومنه صَرْحٌ ممرَّدٌ،
والأمردُ الذي لا شعرَ على وجهه، والمَرْداءُ الرملةُ التي لا تُنبتُ شيئاً.
وقال ابن عرفة: أصلُه الظهور، ومنه قولُهم: شجرةٌ مرداء، إذا تساقطَ ورقُها
وظهرت(٣) عيدانُها .
وفي ((القاموس)): مَرَدَ كـ : نَصَرَ وكَرُمَ، مُرُوداً ومُرودَةً ومَرادَةً، فهو ماردٌ ومَريدٌ
ومُتمرِّدٌ: أَقْدَمَ، وَعَتا، أو هو أنْ يبلُغَ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك
الصنف (٤)
وفسَّروه بالاعتياد والتدرُّبِ في الأمر حتى يصيرَ ماهراً فيه، وهو قريبٌ مما ذكره
في ((القاموس)) من بلوغ الغاية، ولا يكادُ يُستعمل إلا في الشرِّ.
وهو على الوجهين الأوَّلَين شاملٌ للفريقَين حَسْبَ شمولِ النفاق، وعلى الوجه
الأخير خاصٌّ بمنافقي أهل المدينة. واستُظْهِرَ ذلك، وقيل: إنَّه الأنسبُ بذكرٍ منافقي
أهلِ البادية أوَّلاً، ثم ذِكْرٍ منافقي الأعراب المجاورينَ، ثم ذِكْرٍ منافقي أهل
المدينة. ويبقَى على هذا أنَّه لم يُبيِّن مرتبة المجاورين في النفاق بخلافه على تقدير
شموله للفريقين. ثم لا يخفى أنَّ التمرُّد على النفاق إذا اقتضَى الأشدِّيَّةَ فيه أشكَلَ
(١) البحر ٩٣/٥.
(٢) الكتاب ٢٠٧/٣، وسلف ٣٢٦/٢. قال أبو حيان في البحر ٩٣/٥: تقديره: أنا ابن رجلٍ
جلا، أي: كشف الأمور وبیّتها .
(٣) في (م): وأظهرت.
(٤) القاموس (مرد).

سُورَةُ التَّوَقِّية
٤٨٨
الآية : ١٠١
عليه تفسيرُهم المفضَّلَ في قوله سبحانه: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَانًا) بأهل
الحضر، ولعلَّ المراد تفضيلُ المجموع على المجموع، أو يُلتزمُ عدمُ الاقتضاء.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ بيانٌ لتمرُّدهم، أي: لا تعرفُهم أنت بعنوان نفاقهم،
يعني أنَّهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوُّقِ في مراعاة التقيَّة والتَّحامي عن مواقع
التُّهم إلى حيث يخفَى عليك - مع كمال فطنتِكَ وصدْقٍ فراستك - حالُهم.
وفي تعليق نفي العلم بهم مع أَّه متعلِّقٌ بحالهم مبالغةٌ في ذلك، وإيماءٌ إلى أنَّ
ما هم عليه من صفة النفاق لعراقتهم ورسوخهم فيها صارت بمنزلة ذاتيَّاتهم أو
مُشخّصاتهم، بحيث لا يعدُّ مَن لا يعرفُهم بتلك الصفة عالماً بهم. ولا حاجةً في
هذا المعنى إلى حَمْلِ العلم على المتعدي لمفعولَين وتقديرِ المفعول الثاني، أي:
لا تعلمهم منافقین.
وقيل: المراد لا تعرفُهم بأعيانهم وإنْ عرفتهم إجمالاً، وما ذكرناه لِمَا فیه من
المبالغة ما فيه أَوْلَى، وحاصلُه: لا تعرفُ نفاقهم.
﴿نَحْنُ نَعَلَمُهُمْ﴾ أي: نعرفهم بذلك العنوان، وإسنادُ العلم بمعنى المعرفة إليه
تعالى مما لا ينبغي أنْ يُتوقَّف فيه وإنْ وَهِمَ فيه مَن وَهِمَ، لا سيَّما إذا خرجَ ذلك
مخرجَ المشاكلة، وقد فَسَّر العلمَ هنا بالمعرفة ابنُ عباسٍ ﴿يَّ كما أخرجه عنه
أبو الشيخ(١).
نعم لا يمتنع حملُه على معناه المتبادرِ كما لا يمتنعُ حَمْلُه على ذلك فيما تقدَّم،
لكنَّه مُخْرِجُ إلى التقدير، وعدمُ التقدير أَوْلَى من التقدير.
والجملة تقريرٌ لما سبَقَ من مهارتهم في النفاق، أي: لا يقفُ على سرائرهم
المركوزة فيهم إلا مَن لا تخفَى عليه خافيةٌ، لما هم عليه مِن شدَّة الاهتمام
بإيطانِ (٢) الكفر وإظهارِ الإخلاص. وأمرُ تعليقِ العلم هنا كأمر تعليق نَفِْهِ فيما مرَّ.
واستُدلَّ بالآية على أنَّه لا ينبغي الإقدامُ على دعوَى الأمور الخفيّة، من أعمال
القلب ونحوِها، وقد أخرج عبد الرزاق وابنُ المنذر وغيرُهما عن قتادة أنَّه قال:
(١) كما في الدر المنثور ٢٧١/٣.
(٢) في (م): بإبطال، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٩٨/٦، والكلام منه.

الآية : ١٠١
٤٨٩
سُورَةُ التَوَنَّةِ
ما بالُ أقوام يتكلَّفون على الناس؟ يقولون: فلانٌ في الجنة وفلانٌ في النار، فإذا
سألتَ أحدَهم عن نفسه قال: لا أدري، لَعمري أنت بنفسكَ أعلم منك بأعمال
الناس، ولقد تكلَّفت شيئاً ما تكلَّفه نبيٌّ، قال نوحٌ عليه السلام: ﴿وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢]، وقال شعيبٌ عليه السلام: ﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ﴾
[هود: ٨٦]، وقال الله تعالى لمحمدٍ وَهُ: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(١).
وهذه الآياتُ ونحوُها أقوى دليلٍ في الردِّ على مَن يزعم الكشْفَ والاطلاع على
المغيَّبات بمجرَّد صفاءِ القلب وتجرُّدِ النفس عن الشواغل، وبعضُهم يتساهلون في
هذا الباب جدًّا.
﴿َسَنُعَذِبُهُمْ﴾، ولا بدَّ؛ لتحقُّق (٢) المقتضي فيهم عادةً ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أخرج ابنُ أبي حاتم
والطبرانيُّ في الأوسط وغيرُهما عن ابن عباس ﴿هَا قال: قام رسولُ اللهَ وَّهِ يومَ جُمعة
خطيباً، فقال: ((قم يا فلان فاخرُجْ فإنَّك منافق، اخرج يا فلان فإنَّك منافق»،
فأَخرَجَهم بأسمائهم ففَضَحهم، ولم يكُ عمر بنُ الخطاب شَهِدَ تلك الجمعةَ لحاجةٍ
كانت له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياءً أنَّه لم يشهدِ
الجمعة، وظنَّ أنَّ الناس قد انصرفوا، واختبؤوا هم منه وظنُّوا أنَّه قد علم بأمرهم،
فدخل المسجد فإذا الناسُ لم ينصرفوا، فقال له رجل: أبشِرْ يا عمر فقد فضح الله
تعالى المنافقينَ اليوم. فهذا العذابُ الأول. والعذابُ الثاني عذاب القبر(٣).
وفي رواية ابن مردويه عن أبي(٤) مسعود الأنصاري أنه ◌َ لّ أقام في ذلك اليوم
وهو على المنبر ستةً وثلاثينَ رجلاً(٥).
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٨٥/١، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣/ ٢٧١، وأخرجه أيضاً
الطبري ١١/ ٦٤٤.
(٢) في (م): لتحقيق.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٠، والمعجم الأوسط (٧٩٢)، وأخرجه أيضاً الطبري
١١/ ٦٤٤-٦٤٥. والقائل: فهذا العذاب الأول ... ، هو ابن عباس، كما صرح بذلك
ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
(٤) في الأصل و(م): ابن، والصواب ما أثبتناه.
(٥) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر٣/ ٢٧٢، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٢٣٤٨)، وإسناده
ضعيف لجهالة عياض الراوي عن أبي مسعود.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٤٩٠
الآية : ١٠٢
وأخرج ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن مجاهد أنَّه فسَّر العذاب مرَّتَين بالجوع
والقتل(١)، ولعلَّ المراد به خوفهُ وتوقُّعُهُ. وقيل: هو فرضي إذا أظهروا النفاق. وفي
روايةٍ أخرى عنه أنَّهم عُذِّبوا بالجوع مرَّتَين.
وعن الحسن أنَّ العذاب الأول أخْذُ الزكاة، والثاني عذابُ القبر.
وعن ابن إسحاق أنَّ الأول غيظُهم من أهل الإسلام، والثاني عذابُ القبر(٢).
ولعلَّ تكرير عذابهم لِمَا فيهم من الكفر المشفوعِ بالنفاق، أو النفاق المؤكَّد
بالتمُّد فيه.
وجُوِّز أنْ يُراد بالمرَّتَين التكثيرُ كما في قوله تعالى: ﴿أَجِعِ اٌلْصَرَ كَرََِّّ﴾
[الملك: ٤]؛ لقوله سبحانه: ﴿أَوَلَا يَرَوّنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ
مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦].
ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يومَ القيامة الكبرى ﴿إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ هو عذابُ النار،
وتغييرُ الأسلوب - على ما قيل - بإسناد عذابهم السابق إلى نُونِ العظمة حَسْبَ إسناد
ما قبلَه من العلم، وإسنادِ ردِّهم إلى العذاب اللاحقِ إلى أنفسهم = إيذانٌ
باختلافهما حالاً، وأنَّ الأول خاصٌّ بهم وقوعاً وزماناً، يتولَّاه الله سبحانه وتعالى،
والثاني شاملٌ لعامَّة الكفرة وقوعاً وزماناً، وإن اختلفَت طبقاتُ عذابهم.
ولا يخفَى أنَّه إذا فُسِّر العذاب العظيم بعذاب الدَّرْكِ الأسفل من النار لم يكن
شاملاً لعامَّة الكفرة، نعم هو شاملٌ لعامَّة المنافقين فقط.
وقد يقال: إنَّ في بناء (يُردُّون)) لِمَا لم يُسمَّ فاعله من التعظيم ما فيه، فيناسبُ
العذابَ العظيم، فلذا غيَّر السبك إليه، والله تعالى أعلم.
﴿وَءَاخَرُونَ﴾ بيانٌ لحالة طائفةٍ من المسلمين ضعيفةِ الهمم في أمر الدين، ولم
يكونوا منافقين على الصحيح. وقيل: هم طائفةٌ من المنافقين إلا أنَّهم وُفِّقوا للتوبة
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٠، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٧١/٣، وأخرجه
أيضاً الطبري ٦٤٦/١١ .
(٢) بنحوه في سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤.

الآية : ١٠٢
٤٩١
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
فتاب الله عليهم. قيل: وهو مبتدأُ خبره جملة (خَلَطُوا)، أو هي(١) حال بتقدير ((قد))
والخبرُ جملةُ (عَسَى اللَّهُ) إلخ.
والمحقِّقون على أنَّه معطوفٌ على ﴿مُتَفِقُونٌ﴾، أي: ومنهم - يعني ممن
حولكم، أو من أهل المدينة - قومٌ آخرون ﴿أَعْتَفُواْ﴾ أي: أقرُّوا عن معرفةٍ
﴿يِذُنُوِيهِمْ﴾ التي هي تخلُّفُهم عن الغزو وإيثارُ الدَّعَةِ عليه، والرضا بسوء جوارٍ
المنافقين، ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة المؤلّدة بالأيمان الفاجرة، وكانوا على
ما أخرج البيهقيُّ في ((الدلائل)) وغيرُه عن ابن عباس ﴿: عشرةٌ تخلَّفوا عن
رسول الله وَّ في غزوة تبوك، فلمَّا حضَرَ رُجوعُ رسولِ اللهِ وَّهِ أوثقَ سبعةٌ منهم
أنفسَهم بسواري المسجد، وكان ممرُّ النبيِّ عليه الصلاة والسلام إذا رجع في
المسجد عليهم، فلمَّا رآهم قال: ((مَن هؤلاء الموثقون أنفسَهم؟)) قالوا: هذا أبو لبابةَ
وأصحابٌ له تخلَّفوا عنك يا رسول الله، وقد أقسموا أَنْ لا يُظْلِقوا أنفسَهم حتى
تكون أنت الذي تُطلقُهم. فقال رسول الله وَّهِ: ((وأنا أُقسمُ بالله تعالى لا أُطلقُهم
ولا أَعْذِرُهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يُطْلِقُهم)) فأنزل الله تعالى الآيةَ، فأرسل
عليه الصلاة والسلام إليهم فأَطلقَهم وعَذَرهم(٢) .
وفي رواية أُخرى عنه أَنَّهم كانوا ثلاثةٌ(٣).
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن زيد أنَّهم كانوا ثمانيةً(٤)، وروي أنَّهم كانوا خمسةً.
والرواياتُ متَّفقةٌ على أنَّ أبا لبابة بن عبد المنذر منهم.
﴿فَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ خروجاً إلى الجهاد مع رسول الله وَّهِ ﴿وَءَاخَرَ سَيِّقًا﴾ تخلُّفاً
عنه عليه الصلاة والسلام، وروي هذا عن الحسن والسُّدي.
وعن الكلبي: أنَّ الأول التوبةُ، والثاني الإثم.
(١) في (م): وهي، وهو خطأ .
(٢) دلائل النبوة ٢٧١/٥، وأخرجه أيضاً الطبري ١١/ ٦٥١.
(٣) الكشاف ٢١٢/٢، وزاد المسير ٤٩٤/٣، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف
ص ٨٠: لم أجده.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٢، وأخرجه أيضاً الطبري ١١/ ٦٥٣.

سُورَةُ النَّوَتَّة
٤٩٢
الآية : ١٠٢
وقيل: العمل الصالح يَعُمُّ جميع البِرِّ والطاعة، والسيِّئُ ما كان ضدَّه.
والخلطُ: المزجُ، وهو يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به؛ والأول هنا هو الأول
والثاني هو الثاني عند بعض، والواو بمعنى الباء كما نُقل عن سيبويه في قولهم:
بعتُ الشاءَ شاً ودرهماً(١)، وهو من باب الاستعارة؛ لأنَّ الباء للإلصاق والواو
للجمع، وهما من وادٍ واحدٍ.
ونقل شارح ((اللباب)) عن ابنِ الحاجب: أنَّ أصلَ المثال: بعتُ الشاءَ شاةً
بدرهم، أي: مع درهم، ثم كثُر ذلك فأبدلوا من باء المصاحبة واواً، فوجب أنْ
يُعربَّ ما بعدها بإعرابٍ ما قبلها، كما في قولهم: كلُّ رجل وضيعتُه. ولا يخفَى
ما فيه من التكلُّف.
وذكر الزمخشريُّ أنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاطفين مخلوطٌ ومخلوطٌ به؛ لأنَّ
المعنى: خلَطَ كلَّ واحدٍ منهما بالآخر، كقولك: خلطتُ الماء واللبنَ؛ تريدُ:
خلطتُ كلَّ واحدٍ منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: خلطتُ الماء باللبن؛
لأنَّك جعلتَ الماء مخلوطاً واللبنَ مخلوطاً به، وإذا قلتَه بالواو جعلتَ(٢) الماء
واللبن مخلوطَين ومخلوطاً بهما، كأنَّك قلتَ: خلطتُ الماء باللبن واللبنَ بالماء (٣).
وحاصلُه أنَّ المخلوط به في كلِّ واحدٍ من الخلطَين هو المخلوطُ في الآخر؛
لأنَّ الخلطَ لمَّا اقتضَى مخلوطاً به، فهو إمَّا الآخر أو غيرُه، والثاني منتفٍ بالأصل
والقرينة؛ لدلالة سياق الكلام - إذا قيل: خلطتُ هذا وذاك - على أنَّ كلَّا
منهما مخلوطٌ ومخلوطٌ به، وهو أبلغُ من أنْ يُقال: خلطتُ أحدَهما بالآخر، إذ فيه
خلطٌ واحدٌ وفي الواو خلطان.
واعتُرض بأنَّ خلْطَ أحدِهما بالآخر يستلزمُ خلطَ الآخرِ به، ففي كلٍّ مِن الواو
والباء خلطان، فلا فرق.
وأُجيبَ بأنَّ الواو تفيدُ الخلطَين صريحاً بخلاف الباء، فالفرقُ متحقِّقٌ، وفيه
(١) الكتاب ٣٩٣/١.
(٢) في(م): وجعلت، وهو خطأ .
(٣) الكشاف ٢/ ٢١٢.

الآية : ١٠٢
٤٩٣
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
تسليمُ حديث الاستلزام، ولا يخفى أنَّ فيه خلطاً حيث لم يفرَّق فيه بينَ الخلط
والاختلاط. والحقُّ أنَّ اختلاط أحدِ الشيئين بالآخر مستلزمٌ لاختلاط الآخر به،
وأما خلطُ أحدهما بالآخر فلا يستلزمُ خَلْطَ الآخر به؛ لأنَّ خلْطَ الماء باللبن مثلاً
معناه: أنْ يُقْصَدَ الماءُ أولاً ويُجعل مخلوطاً باللبن، وظاهرٌ أنَّه لا يستلزم أنْ يُقْصَدَ
اللبنُ أولاً بل يُنافيه، فعلى هذا معنى خَلْطِ العمل الصالح بالسيِّئ: أنَّهم أَتَوا أولاً
بالصالح ثم استعقَبوه سيّئاً، ومعنى خَلْطِ السيِّئ بالصالح: أنَّهم أَتَوا أولاً بالسيِّئ ثم
أردفوه بالصالح، وإلى هذا يُشير كلام السكاكي، حيث جعلَ تقدير الآية: خلطوا
عملاً صالحاً بسيئ وآخر سيئاً بصالح، أي: تارةً أطاعوا وأحبطوا الطاعة بكبيرة،
وأُخرى عَصَوا وتداركوا المعصية بالتوبة (١). وهو ظاهرٌ في أنَّ العمل الصالحَ السِّئ
في أحد الخلطين غيرُهما في الخلط الآخر، وكلامُ الزمخشريِّ ظاهرٌ في
اتّحادهما وفيه ما فيه، ولذلك رُجِّح ما ذهب إليه السكاكي، لكنْ ما ذكره من
الإحباط ميلٌ إلى مذهب المعتزلة.
وادَّعى بعضُهم أنَّ ما في الآية نوعٌ من البديع يسمَّى الاحتباك(٢)، والأصلُ:
خلطوا عملاً صالحاً بآخرَ سيئ، وخلطوا آخرَ سيئاً بعملٍ صالح، وهو خلاف
الظاهر.
واستظهر ابن المنيِّر كونَ الخلط مضمَّناً معنى العمل، والعدولُ عن الباء لذلك،
كأنه قيل: عملوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً (٣).
وأنا أختارُ أنَّ الخلط بمعنى الجمع هنا، وإذا اعتُبرِ السياقُ وسببُ النزول يكونُ
المرادُ من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب من التخلّف عن الغزو، وما معه من
السيِّئ تلك الذنوبُ أنفسُها، ويكونُ المقصودُ بالجمع المتوجّه إليه أولاً بالضمِّ هو
الاعتراف، والتعبيرُ عن ذلك بالخلط للإشارة إلى وقوع ذلك الاعترافِ على الوجه
الكامل، حتى كأنه تخلَّل الذنوبَ وغيّر صفّتَها .
(١) مفتاح العلوم ص ٢٨١.
(٢) هو أن يحذف من الأول ما أُثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
الإتقان ٢/ ٨٣١.
(٣) الانتصاف ٢/ ٢١٢.

سُورَةُ التَّوَّة
٤٩٤
الآية : ١٠٢
وإذا لم يُعتبَر سببُ النزول يجوزُ أنْ يُراد من العمل الصالح الاعترافُ بالذنوب
مطلقاً، ومن السيِّئ الذنوبُ كذلك، وتمامُ الكلام بحاله. ويجوزُ أنْ يُراد من العمل
الصالح والسيِّئ ما صدر من الأعمال الحسنةِ والسيئةِ مطلقاً، ولعلَّ التوجُّه إليه
أولاً(١) على هذا أيضاً ليجمع العملَ الصالح إذ بضمِّه يُفتح باب الخير، ففي الخبر
(أَتْبع السيئةَ الحسنة تمحُها))(٢)، وقد حَمَل بعضُهم الحسنةَ فيه على مُظْلَّقِها.
وأخرج ابنُ سعد عن الأسود بن قيس(٣) قال: لقي الحسن بنُ عليٍّ ﴿يَا يوماً
حبيب بنَ مسلمة، فقال: يا حبيب، رُبَّ مسيرٍ لك في غير طاعة الله تعالى. فقال:
أمَّا مسيري إلى أبيك فليس من ذلك. قال: بلى، ولكنَّك أطعتَ معاويةً على
دنيا قليلةٍ زائلةٍ، فلئن قامَ بك في دنياك فلقد فَعَدَ بك في دينك، ولو كنتَ إذ فعلتَ
شرًّا فعلتَ خيراً كان ذلك كما قال الله تعالى: (خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِئًا)،
ولكنَّك كما قال الله تعالى: ﴿كَلِّ بَلِّ رَنَ عَلَى قُلُوبِهِمِ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
والتعبيرُ بالخلط حينئذٍ يمكن أنْ يكون لِمَا في ذلك من التغيير أيضاً.
وربّما يُراد بالخلط مطلقُ الجمع من غير اعتبارٍ أَوَّليةٍ في البين، والتعبيرُ بالخلط
لعلَّه لمجرَّد الإيذان بالتخلُّل، فإنَّ الجمع لا يقتضيه، ويُشعر بهذا الحمل ما أخرجه
أبو الشيخ والبيهقيُّ عن مطرِّفٍ، قال: إنِّي لأستلقي من الليل على فراشي وأَتدبَّرُ
القرآن، فأعرضُ أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالُهم شديدةٌ ﴿كَانُواْ قَلِلًا مِنَ
الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، ﴿يَبِتُونَ لِرَيْهِمْ سُجَدًا وَقِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٤] ﴿أَمَّنْ
هُوَ قَِتُ ءَانَآءَ الَّتَّلِ سَاجِدًا وَقَآَيِمَا﴾ [الزمر: ٩] فلا أراني منهم، فأَعرضُ نفسي على هذه
﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿ثُگِّبُ
٤٣
قَالُواْ لَزْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (
٤٢
الآية ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ
بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٦] فَأَرَى القومَ مكذِّبين، فلا أَراني فيهم، فأمرُّ بهذه الآية
(وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ) إلخ وأرجو أنْ أكونَ أنا وأنتم يا إخوتاه منهم (٤).
(١) في (م): ولعل المتوجه إليه أولى.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٣٥٤)، والترمذي (١٩٨٧) من حديث أبي ذره. قال الترمذي:
حديث حسن صحيح. ووقع في (م): بالحسنة، بدل: الحسنة.
(٣) كما في الدر المنثور ٢٧٥/٣، وأخرجه أيضا ابن عساكر في تاريخه ٧٨/١٢.
(٤) سنن البيهقي ٤٣٢/٥، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٢٧٣/٣ .

الآية : ١٠٣
٤٩٥
سُورَةُ التَّوَتَّة
وكذا ما أخرجاه وغيرُهما عن أبي عثمان النهدي قال: ما في القرآن آيةٌ أُرجى
عندي لهذه الأمة من قوله سبحانه: (وَءَآخَرُونَ) إلخ(١).
والظاهرُ أنَّه لم يفهم منها صدور التوبة من هؤلاء الآخرين، بل ثبَتَ لهم
الحكم المفهومُ من قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مطلقاً، وإلا فهي
وكثيرٌ من الآيات التي في هذا الباب سواءٌ. وأرجَى منها عندي قولُه تعالى: ﴿قُلْ
يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾
[الزمر : ٥٣].
والمشهورُ أنَّ الآيةَ يُفهم منها ذلك؛ لأنَّ التوبة من الله سبحانه بمعنى(٢) قبول
التوبة، وهو يقتضي صدورُها عنهم، فكأنَّه قيل: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا
عملاً صالحاً وآخَرَ سيئاً فتابوا عسى إلخ.
وجعَلَ غيرُ واحدٍ الاعترافَ دالًّا على التوبة، ولعلَّ ذلك لما بينهما من اللزوم
◌ُرفاً؛ وقال الشهاب: لأنَّه توبةٌ إذا اقترن بالنَّدمِ والعَزْمِ على عدم العَوْدِ (٣).
وفيه أنَّ هذا قولٌ بالعموم والخصوص، وقد ذكروا أنَّ العامَّ لا يدلُّ على
الخاصِّ بإحدى الدلالات الثلاث.
وكلمة ((عسى)) للإطماع، وهو من أكرم الأكرمين إيجابٌ وأيُّ إيجاب. وقولُه
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ تعليلٌ لما أفادته من وجوب القبول، وليس هو
الوجوب الذي يقوله المعتزلة كما لا يخفى، أي: إنَّه تعالى كثيرُ المغفرة والرحمة
يتجاوزُ عن التائب ويتفضَّل عليه.
◌ِخُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ﴾ أخرج غيرُ واحدٍ عن ابن عباس ﴿هَا أنَّهم لمَّا أُطلقوا
انطلقوا فجاؤوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالُنا فتصدَّق بها عنَّا
واستغفر لنا، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما أمرْتُ أنْ آخذَ مِن أموالكم شيئاً))
(١) سنن البيهقي ٥/ ٤٣٢، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٢٧٣/٣، وأخرجه أيضاً ابن
أبي شيبة ٥٤٨/١٣، والطبري ١١/ ٦٥٨.
(٢) في (م): يعني.
(٣) حاشية الشهاب ٤/ ٣٦٠.

سُورَةُالتَّوَنَّة
٤٩٦
الآية : ١٠٣
فنزلت الآية(١)، فأخذ ◌َ ليل منها الثلث كما جاء في بعض الروايات(٢). فليس المرادُ
من الصدقة الصدقةَ المفروضة - أعني الزكاة - لكونها مأموراً بها، وإنَّما هي - على
ما قيل - كفارةٌ لذنوبهم حَسْبَما يُنْبِئُ عنه قولهُ عز وجل: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي:
عما تلطّخوا به من أوضار التخلُّف.
وعن الجبائي أنَّ المراد بها الزكاةُ، وأُمرِ ◌ّهِ بأخذها هنا دفعاً لتوهُّم إلحاقهم
ببعض المنافقين، فإنَّها لم تكن تُقبل منه كما علمتَ، وأمرُ التطهير سهلٌ.
وأيًّا ما كان فضميرُ ((أموالهم)) لهؤلاء المعترفين. وقيل: إنَّه على الثاني راجعٌ
لأرباب الأموال مطلقاً. وجمعُ الأموال للإشارة إلى أنَّ الأخذ من سائر أجناسٍ
المال، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((خُذ))، ويجوز(٣) أنْ يتعلَّق بمحذوفٍ وقع حالاً
من ((صدقة)).
والتاء في ((تطهِّرهم)) للخطاب. وقرئ بالجزم(٤) على أنَّه جوابُ الأمر، والرفعُ
على أنَّ الجملة حالٌ من فاعلِ ((خذ))، أو صفةُ (صدقة)) بتقدير (بها)) لدلالة ما بعدَه
عليه، أو مستأنفةٌ كما قال أبو البقاء(٥). وجوِّز على احتمال الوصفية أنْ تكون التاءُ
للغيبة وضميرُ المؤنَّث للصدقة، فلا حاجةَ بنا إلى ((بها)). وقرئ: ((تُظْهِرُهم))(٦) من
أَظْهرَه بمعنی طَهَّرَه.
﴿وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ بإثبات الياء، وهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ حال من الضمير
في الأمر، أو في جوابه، وقيل: استئنافٌ. أي: وأنت تزكِّيهم بها، أي: تنمِّي
بتلك الصدقةِ حسناتهم وأموالهم(٧) أو تبالغ في تطهيرهم، وكونُ المرادِ ترفعُ
(١) أخرجه الطبري ٦٥٩/١١ .
(٢) أخرج هذه الرواية ابن حبان (٣٣٧١) من حديث أبي لبابة ﴿ه، وفيه أن أبا لبابة قال
للنبي وَّل :... وإني أنخلع من مالي كلِّه صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله وَله:
((جزئك من ذلك الثلث)).
(٣) في الأصل: وجوز.
(٤) الكشاف ٢/ ٢١٢.
(٥) في الإملاء ١٩١/٣.
(٦) القراءات الشاذة ص ٥٤-٥٥، والمحتسب ٣٠١/١، والبحر ٩٥/٥.
(٧) في الأصل: أو أموالهم.

الآية : ١٠٣
٤٩٧
◌ُوََّةُ الْتَوَّةِ
منازلَهم من منازل المنافقين إلى منازل الأبرار المخلصين ظاهرٌ في أنَّ القوم كانوا
منافقين، والمصحَّح خلافه، هذا على قراءة الجزم في ((تُطهرْهم)).
وأمَّا على قراءة الرفع فـ ((تزكيهم)) عطفٌ عليه، وظاهرُ ما في ((الكشاف))(١) يدلُّ
على أنَّ التاء هنا للخطاب لا غير؛ لقوله سبحانه: (بِهَا)، والحملُ على أنَّ الصدقة
تزكِّيهم بنفسها بعيدٌ عن فصاحة التنزيل.
وقرأ مسلمةُ بن محارب: ((تزكِّهم)) بدون الياء(٢).
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادعُ لهم واستَغْفِرْ، وعُدِّي الفعل بـ ((على) لما فيه من معنى
العطف؛ لأنَّه من الصَّلوين(٣)، وإرادة المعنى اللغويِّ هنا هو المتبادر، والحملُ
على صلاة الميت بعيدٌ وإنْ روي عن ابن عباس ﴿ًا، ولذا استدلَّ بالآية على
استحباب الدعاء لمن يَتصدَّق.
واستحبَّ الشافعيُّ في صفته أنْ يقول للمتصدِّق: آجرَكَ الله فيما أعطيتَ،
وجَعَله لك طُهوراً، وبارك لك فيما أَبْقَيْتَ.
وقال بعضُهم: يجب على الإمام الدعاء إذا أخذَ.
وقيل: يجب في صدقة الفرض ويُستحبُّ في صدقة التطوع.
وقيل: يجب على الإمام ويُستحبُّ للفقير. والحقُّ الاستحباب مطلقاً .
﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تعليلٌ للأمر بالصلاة، و((السكن)): السكونُ، وما تَسْكُنُ
النفسُ إليه من الأهل والوطن مثلاً. وعلى الأول جَعَلَ الصلاةَ نفسَ السَّكنِ
والاطمئنانِ مبالغةً، وعلى الثاني يكون المرادُ تشبيهَ صلاتِهِ عليه الصلاة والسلام في
(١) ٢١٢/٢.
(٢) لم نقف عليها، وقال الزجاج في معاني القرآن ٢/ ٤٦٧: ولا يجوز في القراءة إلا بإثبات
الياء في ((تزكيهم)) إتباعاً للمصحف. وقال الزمخشري في الكشاف ٢١٢/٢: ولم يقرأ
(وتزکیھم) إلا بإثبات الياء.
(٣) هما عرقان من جانبي الذنب، وعظمان ينحنيان في الركوع والسجود. تهذيب الأسماء
للنووي ١٧٩/٣.

سُورَةُ التَّوَنَّة
٤٩٨
الآية : ١٠٤
الالتجاء إليها بالسكن. والأول أَوْلَى، أَي: إنَّ دعاءك تسكنُ نفوسُهم إليه وتطمئنُّ
قلوبهم به إلى الغاية، ويثقون بأنَّه سبحانه قَبِلَهم.
وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة: ((صلواتك)) بالجمع(١) مراعاةً لتعدُّد المدعوِّ لهم.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يسمعُ الاعترافَ بالذنبِ والتوبةَ والدعاء ﴿عَلِيَةٌ ﴾﴾ بما في
الضمائر من الندم والغمِّ لِمَا فرط، وبالإخلاص في التوبة والدعاء، أو سميعٌ يُجيبُ
دعاءك لهم، عليمٌ بما تقتضيه الحكمة، والجملةُ حينئذٍ تذييلٌ للتعليل مقرِّرٌ
لمضمونه، وعلى الأَوَّل تذييلٌ لما سبق من الآيَتين محقِّقٌ لما فيهما.
﴿أَمْ يَعْلَمُواْ﴾ الضمير إمَّا للمَتُوبِ عليهم والمرادُ تمكينُ قبول توبتهم في قلوبهم
والاعتداد بصدقاتهم، وإمَّا لغيرهم والمرادُ التحضيضُ على التوبة والصدقة،
والترغيبُ فيهما .
وقرئ: ((تعلموا)) بالتاء(٢)، وهو على الأول التفاتٌ، وعلى الثاني بتقدير ((قل)).
وجوِّز أنْ يكون الضمير للتائبين وغيرِهم، على أنْ يكونَ المقصودُ التمكينَ
والتحضيضَ لا غير.
واختار بعضُهم كونَه للغير لا غير، لِمَا رُوي أنَّه لمَّا نزلت توبةُ هؤلاء التائبين
قال الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يُكلَّمون
ولا يُجالَسون، فما لهم اليوم؟ فنزلَت(٣).
ويُشعر صنيعُ الجمهور باختيار الأول، وهو الذي يقتضيه سياقُ الآية، والخبرُ
لم نقف على سندٍ له يُعوَّل عليه، أي: ألم يَعْلَمْ هؤلاء التائبون ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ
التَََّّةَ﴾ الصحيحةَ الخالصةَ ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ المخلِصين فيها.
وتعديةُ القبول بـ ((عن)) لتضمُّنه معنى التجاوزِ والعفو، أي: يقبل ذلك متجاوزاً
عن ذنوبهم التي تابوا عنها، وقيل: ((عن)) بمعنى ((من)).
(١) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وشعبة. التيسير ص ١١٩، والنشر ٢/ ٢٨١.
وقرأ بها من العشرة أبو جعفر ويعقوب.
(٢) المحرر الوجيز ٧٩/٣، والبحر ٩٦/٥ عن الحسن.
(٣) أخرجه الطبري ٦٦٤/١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٦ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

الآية : ١٠٤
٤٩٩
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
والضميرُ إمَّا للتأكيد، أوْ له مع التخصيص، بمعنى: أنَّ الله سبحانه يقبلُ التوبة
لا غيره، أي: أنَّه تعالى يفعلُ ذلك البتة (١)، لما قرِّر مِن(٢) أنَّ ضميرَ الفصل يُفيد
ذلك والخبرُ المضارعُ من مواقعه.
وجَعَل بعضُهم التخصيصَ بالنسبة إلى الرسول وَّر، أي: أنَّه جلَّ وعلا يقبلُ
التوبةَ لا رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ كثرة رجوعهم إليه مظنةٌ لتوهُّم ذلك.
والمراد بالعباد: إمَّا أولئك التائبون، ووُضِعَ الظاهرُ موضعَ الضمير للإشعار
بعلِّية ما يشير إليه للقبول(٣)، وإمَّا كافَّةُ العباد، وهم داخلون في ذلك دخولاً
أوليًّا .
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ أي: يقبلُها قبولَ مَن يأخذ شيئاً ليؤدِّي بَدَلَه، فالأخذُ هنا
استعارةٌ للقبول، وجوِّز أنْ يكون إسنادُ الأخذ إلى الله تعالى مجازاً مرسلاً.
وقيل: نسبةُ الأَخْذِ إلى الرسول في قوله سبحانه: (خُذْ) ثم نسبته إلى ذاته تعالى
إشارةٌ إلى أنَّ أخْذَ الرسول عليه الصلاة والسلام قائمٌ مقامَ أخذِ الله تعالى؛ تعظيماً
لشأن نبيِّهِ وَ ﴿، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾
[الفتح: ١٠] فهو على حقيقته، وهو معنّى حسنٌ إلَّا أنَّ في دعوى الحقيقةِ ما لا يخفى.
والمختارُ عندي أنَّ المراد بأخذِ الصدقات الاعتناءُ بأمرها، ووقوعُها عنده
سبحانه موقعاً حسناً، وفي التعبير به ما لا يخفى من الترغيب، وقد أخرج
عبد الرزاق عن أبي هريرة: إنَّ الله تعالى يقبل الصدقة إذا كانت من طيِّبٍ، ويأخذها
بيمينه، وإنَّ الرجل ليتصدَّقُ بمثل اللقمة فيربِّيها له كما يُربِّي أحدكم فصيلَه أو مهرَه،
فَتَرْبُو في كفِّ الله تعالى حتى تكونَ مثلَ أحدٍ(٤).
وأخرج الدارقطني في ((الأفراد)) عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله :
(١) جاء في هامش الأصل: لكن تفضلاً فلا تغفل.
(٢) قوله: من، ليس في (م).
(٣) في (م): القبول.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢٨٧/١. وأخرجه مرفوعاً بنحوه أحمد (١٠٠٨٨)، والبخاري (١٤١٠)،
ومسلم (١٠١٤).

سُوَرَّةُ التَّوَنَّةِ،
٥٠٠
الآية : ١٠٥
(«تصدَّقوا فإنَّ أحدكم يُعطي اللُّقمةَ أو الشيءَ فيقَعُ في يد الله عزَّ وجل قبل أنْ يقع في
يَدِ السائل)) ثم تلا هذه الآية(١).
وفي بعض الروايات ما يدلُّ على أنَّه ليس هناك أخذٌ حقيقةً فقد أخرج ابنُ
المنذر وغيرُه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((والذي نفسي بيده ما مِن
عبدٍ يَتَصدَّق بصدقةٍ طيِّةٍ من كسبٍ طيِّبٍ، ولا يقبل الله تعالى إلا طيباً، ولا يَصعدُ
إلى السماء إلا طيبٌ، فيضعُها في حَقٍّ، إلا كانت كأنَّما يضعها في يد الرحمن
فيُربِّيها له كما يربِّي أحدُكم فلُوَّه أو فَصيلَه، حتى إن اللُّقمةَ أو الثَّمْرَة لتأتي يوم
القيامة مثل الجبل العظيم، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ
يَقْبَلُ التَّوَّةَ) الآية))(٢).
و((أل)) في الصدقات يحتملُ أنْ تكونَ عوضاً عن المضاف إليه، أي:
صدقاتهم، وأن تكون للجنس، أي: جنس الصدقات المندرج فيه صدقاتهم اندراجاً
أوليًّا، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ الأخبار.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التََّّابُ الرَّحِيمُ ﴾ تأكيدٌ لما عُطِفَ عليه، وزيادةُ تقريرٍ
لما يُقرِّره، مع زيادةٍ معنّى ليس فيه، أي: ألم يعلموا أنَّه سبحانه المختصُّ المستأثِرُ
ببلوغ الغايةِ القُصْوَى من قبول التوبةِ والرحمة، وذلك شأنٌ من شؤونه، وعادةٌ من
عوائده المستمرّة. وقيل غير ذلك.
والجملتان في حيِّز النصب بـ ((يعلموا)) يسدُّ كلُّ واحدةٍ منهما مسدّ مفعوليه.
﴿وَقُلِ أَعْمَلُوا﴾ ما تشاؤون من الأعمال ﴿فَسَيَ اللَّهُ عَمَلَكُ﴾ خيراً كان أو شرًّا،
والجملةُ تعليلٌ لِمَا قبله، أو تأكيدٌ لما يُستفاد منه من الترغيب والترهيب، والسينُ
للتأكيد كما قرَّرنا، أي: يرى الله تعالى البتةً.
﴿وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطفٌ على الاسم الجليل، والتأخيرُ عن المفعول للإشعار
بما بين الرؤيتين من التفاوت.
(١) عزاه للدارقطني السيوطي في الدر ٢٧٥/٣، وهو في الفردوس للديلمي ٥٢/٢. وأخرجه
الطبراني في الكبير (١٢١٥٠) بنحوه دون ذكر الآية، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
١١٠/٣: فيه من لم أعرفهم.
(٢) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣/ ٢٧٥، وأخرجه أيضاً الحميدي في مسنده (١١٥٤).