Indexed OCR Text

Pages 441-460

الآية : ٨٠
٤٤١
سُورَةُ النَوتَّة
فإِنْ ثَبَتَ فهو بطريق الاقتضاء؛ لوقوعها بين ضدَّين لا يجوز تركُهما ولا فعلُهما،
فلا بدَّ من أحدهما، ويختلفُ الحال فتارةً يكون الإثبات كما في قوله تعالى:
﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا﴾ [البقرة: ٦] وأخرى النفي كما هنا وفي قوله
سبحانه: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾ [المنافقون: ٦].
﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَلَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ بيانٌ لعدم المغفرة وإن استغفر لهم
حَسْبَما أُرِيدَ إثرَ التخيير، أو بيانٌ لاستحالة المغفرة بعد المبالغة في الاستغفار إثرَ
بيانِ الاستواءِ بين لاستغفار وعَدَمِه.
وسببُ النزول على ما روي عن ابن عباس ظًّا أنه لمَّا نزل قولُه سبحانه:
(سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ) إلخ سأله عليه الصلاة والسلام اللَّامزون الاستغفارَ لهم، فهمَّ أن
يفعلَ، فنزلت فلم يفعل.
وقيل: نزلت بعد أن فَعَلَ. واختار الإمام(١) عدمَه وقال: إنه لا يجوز الاستغفارُ
للكافر فكيف يصدر عنه وَلا.
ورُدَّ بأنه يجوز لأحيائِهم بمعنى طلبٍ سبب الغفران. والقولُ بأنَّ الاستغفار
للمصرِّ لا ينفع، لا ينفع؛ لأنه لا قطعَ بعدم نفعِه إلَّ أن يوحَى إليه عليه الصلاة
والسلام بأنَّه لا يؤمنُ كأبي لهب.
والقولُ بأنَّ الاستغفار للمنافق إغراءٌ له على النِّفاق، لانَفَاقَ له أصلاً،
وإلا لامْتَنَعَ الاستغفارُ لعصاة المؤمنين، ولا قائلَ به.
وقال بعضهم: إنَّه على تقدير وقوع الاستغفار منه عليه الصلاة والسلام والقولِ
بتقديم النهي المفادِ بقوله تعالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لا إشكالَ فيه؛ إذ النهيُ ليس للتحريم، بل لبيانِ عدمِ
الفائدة.
وهو كلامٌ واهٍ، لأنَّ قصارى ما تدلُّ عليه الآية المنعُ من الاستغفار للكفار،
وهو لا يقتضي المنعَ من(٢) الاستغفار لمن ظاهرُ حاله الإسلام.
(١) في تفسيره ١٤٧/١٦، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٤٩/٤.
(٢) في (م): عن.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ،
٤٤٢
الآية : ٨٠
والقول بأنه حيث لم يُسْتَجَبْ يكون نقصاً في منصب النبوّة ممنوعٌ؛ لأنه عليه
الصلاة والسلام قد لا يُجاب دعاؤه لحكمةٍ، كما لم يُجَبْ دعاءُ بعضٍ إخوانِه
الأنبياء عليهم السلام، ولا يعدُّ ذلك نقصاً كما لا يخفى.
ومناسبةُ الآية لِمَا قبلها على هذه الرواية في غاية الوضوح، إلا أنَّه قيل: إنَّ
الصحيح المعوَّل عليه في ذلك أنَّ عبد الله - وكان اسمُه الحباب، وكان من
المخلصين - بنَ عبد الله بن أبيٍّ سأل رسولَ الله ◌ِّ في مرض أبيه أن يستغفرَ له،
ففعل فنزلت، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لأزيدنَّ على السبعين)) فنزلت ﴿سَوَآءُ
عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ إلخ [المنافقون: ٦](١).
وفيه ردٌّ على الإمام أيضاً في اختياره عدمَ الاستغفار، وكذا في إنكاره كونَ
مفهوم العدد حجَّةً كما نقله عنه الإسنويُّ في ((التمهيد))(٢) مخالفاً في ذلك
الشافعيَّ ◌َظُه، فإنَّه قائلٌ بحجِّيَّته كما نقله الغزاليُّ عنه في ((المنخول))(٣)، وشيخُه
إمامُ الحرمين في ((البرهان))(٤) وصرَّح بأنَّ ذلك قولُ الجمهور.
وفي ((المطلب)) لابن الرِّفعة(٥): أنَّ مفهومَ العدد هو العمدةُ عندنا في عدم
تنقيصٍ الحجارة في الاستنجاء على الثلاثة، والزيادة على ثلاثة أيام في الخيار،
وما نُقل عن النوويِّ من أنَّ مفهومَ العدد باطلٌ عند الأصوليين محمولٌ على أنَّ
المرادَ: باطلٌ عند جمع من الأصوليين، كما يدلُّ عليه كلامه في ((شرح مسلم)) في
باب الجنائز(٦). وإلا فهو عجيبٌ منه.
(١) ذكره بهذا اللفظ البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٣٤٩/٤، وتعقبه الشهاب بقوله:
أُوْرِدَ عليه أن سورة براءة آخر ما نزل، فكيف تكون هذه الآية نازلة بعدها. اهـ. وينظر
ما سيأتي من حديث ابن عمر رؤيا ص٤٥٣-٤٥٤ من هذا الجزء.
(٢) ص٢٤٦ - ٢٤٧.
(٣) ص٢٩٢.
(٤) ٣٠١/١ .
(٥) هو أحمد بن محمد بن علي بن مربع المصري الشافعي، نجم الدين ابن الرفعة، اشتهر بالفقه
مع مشاركته بالعربية والأصول، له: الكفاية في شرح التنبيه للشيرازي، والمطلب في شرح
الوسيط، وغير ذلك، توفي سنة (٧١٠هـ). البدر الطالع ١١٥/١ - ١١٧، والأعلام ٢٢٢/١.
(٦) ١٧/٧ .

الآية : ٨٠
٤٤٣
سُورَةُ التَّوَّةِ
وكلام العلّامة البيضاويِّ مضطربٌ، ففي ((المنهاج))(١): التخصيصُ بالعدد
لا يدلُّ على الزائد والناقص، أي: إنه نصٌّ في مدلوله لا يحتملُ الزيادةَ والنقصان.
وفي التفسير عند هذه الآية بعد سَوق خبر سببِ النزول: أنَّه عليه الصلاة والسلام
فَهِمَ من السَّبعين العددَ المخصوص؛ لأنَّه الأصلُ فجاز أن يكونَ ذلك حدًّا يخالفه
حُكْمُ ما وراءه، فبيّن له عليه الصلاة والسلام أنَّ المرادَ به التكثير لا التحديد(٢).
وذكر في تفسيرِ سورة البقرة عند قوله سبحانه: (فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ) أنَّه ليس في
الآية نفيُ الزائد(٣).
وإرادةُ التكثير من السبعين شائعٌ في كلامهم، وكذا إرادتُه من السبعة والسبع
مئة، وعلَّل في ((شرح المصابيح)) (٤) ذلك: بأنَّ السبعةَ مشتملةٌ على جملة أقسام
العدد، فإنه ينقسم إلى فردٍ وزوجٍ، وكلٌّ منهما إلى أوَّل ومرتَّب، فالفردُ الأوَّل ثلاثة
والمرَّب من خمسة، والزوجُ الأوَّل اثنان والمرتَّب أربعة، وينقسم أيضاً إلى منطق
كالأربعة وأصمَّ كالستة، والسبعةُ تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثمَّ إن أريد
المبالغةُ جُعلت آحادُها أعشاراً وأعشارُها مئاتٍ.
وأُرِيدَ بالفرد الأوَّل: الذي لا يكون مسبوقاً بفردٍ آخرَ عدديٌّ كالثلاثة؛ إذ
الواحدُ ليس بعددٍ بناءً على أنَّه ما ساوى نصفَ مجموع حاشيته الصحيحتين(٥).
وبالفرد المركَّب: الذي يكون مسبوقاً بفردٍ آخرَ، فإنَّ الخمسة مسبوقةٌ بثلاثة.
وأريد بالزوج الأوَّل: الغيرُ مسبوقٍ بزوجٍ آخرَ كالاثنين، وبالمرتَّب ما يكون
مسبوقاً به كالأربعة المسبوقة بالاثنين.
وقد يُقْسَمُ العددُ ابتداء إلى أوَّل ومرَّبٍ، ويُراد بالأول ما لا يعدُّه إلا الواحد
(١) مع الإبهاج للسبكي ٣٨١/١.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٤٩/٤.
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١١٧/٢.
(٤) للإمام البيضاوي، واسمه: تحفة الأبرار، شرح به مصابيح السنة للبغوي. ينظر حاشية
الشهاب ٤/ ٣٥٠، وكشف الظنون ١٦٩٨/٢ .
(٥) فالأربعة مثلاً حاشيتاها ثلاثة وخمسة، ومجموعهما ثمانية، وهكذا جميع الأعداد،
بينما الواحد ليس له سوى حاشية واحدة وهي الاثنان، وبالتالي فهو ليس بعدد. ينظر حاشية
ابن عابدين ٨٠٨/٦.

سُؤَدَّةُ التَّوَيَّةِ
٤٤٤
الآية : ٨٠
كالثلاثة والخمسة والسبعة، وبالمركّب ما يعدُّه غير الواحد كالأربعة فإنه يعدُّها
الاثنان، والتسعةِ فإنه يعدُّها الثلاثة.
وللمنطق إطلاقان، فيطلق ويُراد به ما له كسرٌ صحيحٌ من الكسور التِّسعة،
والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كأحد عشر، ويُطلق ويُراد به المجذورُ، وهو
ما يكون حاصلاً من ضربٍ عددٍ في نفسه، كالأربعة الحاصلة من ضرب الاثنين في
نفسها، والتسعةِ الحاصلة من ضرب الثلاثة في نفسها، والأصم الذي يقابله
ما لا يكون كذلك، كالاثنين والثلاثة، وهذا مرادُ شارح ((المصابيح)) حيث مثَّل
الأصمَّ بالستة مع أنَّ لها كسراً صحيحاً، بل كسران: النِّصفُ والسدسُ، لكنَّها
لیست حاصلةً من ضرب عددٍ في نفسه.
ومعنى اشتمالِ السبعة على هذه الأقسام: أنه إذا جُمع الفردُ الأول مع الزوج
المركّب، أو الفردُ المرَّب مع الزوج الأول كان سبعةً، وكذا إذا جُمع المنطق
كالأربعة مع الأصم كالثلاثة، كان الحاصلُ سبعةً، وهذه الخاصَّةُ لا توجد في العدد
قبل السَّبعة، فمَن ظنَّ أنَّ الأنسب بالاعتبار بحسب هذا الاشتمال هو الستةُ
لا السبعةُ؛ لأنها المشتملةُ على ما ذُكر، فهو لم يحصِّل معنى الاشتمال، أو لم
يَعْرِف هذه الاصطلاحات؛ لكونها من وظيفة علم الأرتماطيقي(١).
وبما(٢) ذكرنا من معنى الاشتمال يندفعُ أيضاً ما يتوهّم من أنَّ التحقيقَ أنَّ كلَّ
عددٍ مركّبٌ من الوحدات لا من الأعداد التي تحته؛ إذ ليس المرادُ من الاشتمال
التركيبَ، على أنَّ في هذا التحقيق مقالاً مذكوراً في محلِّه.
وقال ابنُ عيسى الربعيُّ: إنَّ السبعةَ أكملُ الأعداد؛ لأنَّ الستة أوَّلُ عددٍ تامّ،
وهي مع الواحد سبعة، فكانت كاملةً إذ ليس بعد التمام إلا الكمال، ولذا سمِّي
الأسد سبعاً لكمال قوَّته. وفُشِّر العدد التاُّ بما يساوي مجموع كسوره، وكونُ الستة
كذلك ظاهرٌ فإنَّ كسورَها سدسٌ، وهو واحد وثلثٌ، وهو اثنان ونصفٌ، وهو
ثلاثة، ومجموعُها ستة.
(١) علم الأرتماطيقي: علم يُبحث فيه عن خواصِّ العدد من حيث التأليفُ، وكيفيةُ تولّدٍ بعضها
من بعض. أبجد العلوم ٢/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) في (م): ومما.

الآية : ٨٠
٤٤٥
سُورَةُ التَّوَنَةِّ
لكنْ اسْتُبْعِدَ عدمُ فَهْم مَن هو أفصحُ الناس وأعرفُهم باللسانِ وَّهِ إرادةَ التكثير
من السبعين هنا، ولذا قالَ البعضُ: إنه عليه الصلاة والسلام لم يَخْفَ عليه ذلك،
لكنَّه خَيَّل بما قال إظهاراً لغاية رأفته ورحمتِه لمن بُعث إليه، كقول إبراهيم عليه
السلام: ﴿وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] يعني أنه بَّ أوقعَ في خيال
السامع أنَّه فَهِمَ العددَ المخصوص دون التكثير، فجوَّز الإجابة بالزيادة قصداً إلى
إظهار الرأفة والرحمة، كما جَعَل إبراهيمُ عليه السلام جزاءَ ((من عصاني)) - أي: لم
يمتثل أمرَ تركِ عبادة الأصنام - قوله: ((فإنك غفور رحيم)) دون: إنك شديدُ العقاب
مثلاً، فخيَّل أنه سبحانه يرحمُهم ويغفر لهم رأفةً بهم وحثًّا على الاتِّباع.
وتُعقّب بأنَّ ذِكرَه للتمويه والتخييل بعدَ ما فَهِمَ عليه الصلاة والسلام منه التكثيرَ
لا يليقُ بمقامه الرفيع، وفهمُ المعنى الحقيقيِّ من لفظِ اشْتَهَرَ مجازُه لا ينافي
الفصاحةَ والمعرفةَ باللسان؛ فإنه لا خطأ فيه ولا بُعدَ؛ إذ هو الأصلُ، ورجَّحه عنده
عليه الصلاة والسلام شَغَفُه بهدايتهم ورأفتُه بهم واستعطافُ مَن عَدَاهم. ولعلَّ هذا
أولی من القول بالتمویه بلا تمویه.
وأنكر إمامُ الحرمين(١) صحَّة ما يدلُّ على أنه عليه الصلاة والسلام فَهِم(٢) أنَّ
حكم ما زادَ على السبعين بخلافِه، وهو غريبٌ منه، فقد جاء ذلك من رواية
البخاريِّ ومسلم، وابن ماجه، والنسائيٍّ وكفى بهم (٣).
وقول الطبرسيِّ: إنَّ خبر («لأزيدنَّ)) إلخ خبرُ واحدٍ لا يعوَّل عليه(٤). لا يعوَّل
عليه، وتمسّك في ذلك بما هو كحبل الشمسٍ، وهو عند القائلين بالمفهوم كجبالٍ
القمر.
وأجاب المنكرون له بمنع فَهْم ذلك؛ لأنَّ ذِكْرَ السبعين للمبالغة، وما زاد عليه مثلُه
في الحكم وهو مبادرةُ عدم المغفرة، فكيف يُفهم منه المخالفةَ؟ ولعلَّه علم نَّهِ أنه غيرُ
(١) في البرهان ٣٠٤/٢.
(٢) بعدها في (م): على.
(٣) صحيح البخاري (٤٦٧٠)، وصحيح مسلم (٢٤٠٠)، وسنن النسائي ٦٧/٤. وسيرد
ص٤٥٣ - ٤٥٤ من هذا الجزء.
(٤) مجمع البيان ١٠٩/١٠ .

سُورَةُ التَّوَنَّة
٤٤٦
الآية : ٨٠
مراد هاهنا بخصوصه، سلَّمناه لكن لا نسلِّم فَهْمَه منه، ولعله باقٍ على أصله في
الجواز؛ إذ(١) لم يتعرَّض له بنفي ولا إثبات، والأصل جوازُ الاستغفار للرسول عليه
الصلاة والسلام، وكونُه مظنَّةَ الإجابة ففهم من حيث إنَّه الأصلُ لا من التخصيص
بالذِّكر، وحاصلُ الأول منعُ فَهْمِه منه مطلقاً بل إنَّما فُهم من الخارج، وحاصلُ الثاني
تسليم فَهْمِه منه في الجملة، لكنْ لا بطريقِ المفهوم بل من جهةٍ الأصل.
وأنت تعلم أنَّ ظاهرَ الخبر مع القائلين بالمفهوم، غايةُ الأمر أنَّ الله سبحانه
أعلمَ نبيَّه عليه الصلاة والسلام بآية المنافقين أنَّ المراد بالعددِ هنا التكثيرُ دون
التحديد؛ ليكونَ حكمُ الزائد مخالفاً لحكم المذكور، فيكونُ المراد بالآيتين عند الله
تعالى واحداً، وهو عدمُ المغفرة لهم مطلقاً، لكنْ في دعوى نزول آية المنافقين بعدَ
هذه الآية إشكالٌ، أمَّا على القول بأنَّ ((براءة)) آخرُ ما نزل فظاهر، وأما على القول
بأنَّ أكثرَها أو صدْرَها كذلك - وحينئذٍ لا مانع من تأخّر نزولِ بعض الآيات منها عن
نزولٍ بعضٍ من غيرها - فلأنَّ صدرَ ما في سورة المنافقين يقتضي أنَّها نزلت في غير
قصة هذه التي سلفت آنفاً، وظاهرُ الأخبار كما ستعلم إن شاء الله تعالى يقتضي أنَّها
نزلت في ابن أبيٍّ ولم يكن مريضاً، وما تقدّم في سبب نزول ما هنا نصٌّ في أنه نزل
وهو مريض، والقولُ بأنَّ تلكَ نزلتْ مرَّتين يحتاج إلى النقل ولا يُكتفى في مثله
بالرأي، وأنَّى به، على أنه يُشْكِلُ حينئذٍ قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لأزيدنَّ على
السبعين))(٢) مع تقدُّم نزول المبيِّن للمراد منه، والقولُ بالغفلة لا أراه إلا ناشئاً من
الغفلة عن قوله تعالى: ﴿سَتُفْرِتُكَ فَلَا تَ﴾ [الأعلى: ٦] بل الجهلِ بمقامه الرفيع عليه
الصلاة والسلام ومزيد اعتنائه بكلام ربِّه سبحانه، ولم أرَ مَن تعرَّض لدفع هذا
الإشكال، ولا سبيلَ إلى دفعه إلا بمنع نزول ما في سورة المنافقين في قصة أخرى،
ومَنْعِ دلالةِ الصَّدر على ذلك.
نعم ذكروا أنَّ الصَّدر نزل في ابن أبيٍّ ولم يكن مريضاً إذ ذاك، ولم نقف على
نصٌّ في أنَّ العَجُزَ نزل فيه كذلك، والظاهرُ نزولهُ بعد قوله سبحانه: (وَلَا تُصَلّ عَلَ
أَحَدٍ مِّنْهُم) إلخ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يؤيِّد ذلك عند تفسير الآية. فافهم.
(١) بعدها في (م): لو، وهو خطأ.
(٢) سيأتي ص ٤٥٣ - ٤٥٤ من هذا الجزء.

الآية : ٨١
٤٤٧
سُورَةُ الْتَوَيَّةِ
﴿ذَلِكَ﴾ أي: امتناعُ المغفرة لهم ولو بعد ذلك الاستغفار ﴿یَأَنَّهُمْ﴾ أي: بسبب
أنَّهم ﴿كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ﴾ يعني ليس الامتناع لعدم الاعتدادِ باستغفارك، بل
بسببٍ عدم قابليَّتِهم؛ لأنَّهم كفروا كفراً متجاوزاً للحدِّ، كَما يشير إليه وصفُهم بالفسق
في قوله سبحانه: ﴿وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ ﴾﴾ فإنَّ الفسقَ في كلِّ شيءٍ
عبارةٌ عن التمرُّد والتجاوز عن حدوده. والمرادُ بالهداية: الدلالةُ الموصلةُ،
لا الدلالة على ما يوصل؛ لأنَّها واقعةٌ لكن لم يقبلوها لسوء اختيارهم.
والجملةُ تذييلٌ مؤكِّدٌ لِمَا قبله من الحكم، فإنَّ مغفرةَ الكفار بالإقلاع عن الكفر
والإقبالِ إلى (١) الحقِّ، والمنهمكُ فيه المطبوعُ عليه بمعزلٍ من(٢) ذلك، وفيه تنبيهٌ
على عُذر النبيِّ نَّهِ في الاستغفار لهم، وهو عدمُ يأْسِه من إيمانهم حيثُ لم يعلم إذ
ذاك أنَّهم مطبوعون على الغيِّ، لا ينجعُ فيهم العلاج ولا يفيدُهم الإرشاد،
والممنوعُ هو الاستغفار بعد العلم بموتهم كفَّاراً، كما يشهدُ له قوله سبحانه: ﴿مَا
كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّ
لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] ولعلَّ نزول قوله سبحانه: (ِأَنَهُمْ) إلخ متراخٍ
عن نزول قوله سبحانه: (أُسْتَغْفِرْ لَمْ) إلخ كما قيل، وإلا لم يكن له وَّ عذرٌ في
الاستغفار بعد النزول. والقول بأنَّ هذا العذر إنَّما يصحُّ لو كان الاستغفار للحيِّ
کما مرَّ عن ابن عباس ټًا فيه نظر.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي: الذين خلَّفهم النبيُّ وَّهِ، وأَزِنَ لهم في التخلُّف، أو
خلَّفهم الله تعالى بتثبيطه إيَّاهم لحكمةٍ عَلِمها، أو خلَّفهم الشيطان بإغرائه، أو
خلَّفهم الكسلُ أو النفاق(٣).
﴿بِمَفْعَدِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ((فرح))، وهو مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القعود. وقيل: اسمُ
مكان، والمراد منه المدينة. والأكثرون على الأول، أي: فرحوا بقعودهم عن
الغزو.
﴿وِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: خَلْفَه عليه الصلاة والسلام وبعدَ خروجه، حيثُ خرج
(١) في الأصل: على.
(٢) في الأصل: عن.
(٣) في (م): والنفاق.

سُورَةُ التَّوَنَّة
٤٤٨
الآية : ٨١
ولم يخرجوا، فهو نصبٌ على الظرفية بمعنى بَعْدَ وخَلْفَ، وقد استعملتْه العربُ في
ذلك، والعاملُ فيه - كما قال أبو البقاء(١) - ((مقعد))، وجوِّز أن يكون ((فَرِحَ)).
وقيل: هو بمعنى المخالفة، فيكونُ مصدرَ خالَفَ كالقتال، وحينئذٍ يصحُّ أن
يكون حالاً بمعنى: مخالفين لرسول الله وَله، وأن يكون مفعولاً له، والعاملُ إمّا
(فرح)) أي: فرحوا لأَجْلِ مخالفتِهِ بَّهِ بالقعودِ، وإمَّا ((مقعدهم)) أي: فرحوا بقعودهم
لِأَجْلِ المخالفة، وجَعْلُ المخالفة علَّ باعتبارِ أنَّ قصدَهم ذلك لنفاقِهم، ولا حاجةَ
إلى أن يقال: قصدُهم الاستراحة، لكن(٢) لمَّا آلَ أمرُهم إلى ذلك جُعل علَّةً
كما قالوا في لام العاقبة.
وجوِّز أن يكون نصباً على المصدر بفعلٍ دلَّ عليه الكلام.
﴿وَكَرِهُوَأْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ إيثاراً للراحة والتنعُّم بالمآكل
والمشارب، مع ما في قلوبهم من الكفر والنِّفاق، وبين الفرح والكراهةِ مقابلةٌ
معنويَّة؛ لأنَّ الفرح بما يُحَبّ.
وإيثارُ ما في النظم على أن يقالَ: وكرهوا أن يخرجوا مع رسولِ الله وَلِّ، إيذانٌ
بأنَّ الجهاد في سبيل الله تعالى مع كونه من أجلِّ الرغائب التي ينبغي أن يتنافس فيها
المتنافسون قد كرهوه، كما فرحوا بأقبح القبائح وهو القعودُ خلافَ رسول الله وَله.
وفي الكلام تعريضٌ بالمؤمنين الذين آثروا ذلك وأحبُّه ابتغاءً لرضا الله تعالى ورسوله.
﴿وَقَالُواْ﴾ أي: لإخوانهم تثبيتاً لهم على القعود، وتَوَاصياً بينهم بالفساد، أو
للمؤمنين تثبيطاً لهم على الجهاد، ونهياً عن المعروف، وإظهاراً لبعض العلل
الداعية لهم إلى ما فرحوا به، والقائلُ رجالٌ من المنافقين كما روي عن جابر بن
عبد الله، وهو الذي يقتضيه الظاهر.
وأخرج ابن جرير (٣) عن محمد بن كعب القرظيّ أنَّ القائلَ رجلٌ من بني سلمة.
ووجه ضميرٍ الجمع على هذا يُعلم بما مرَّ غير مرَّة.
(١) في الإملاء ١٧٩/٣ .
(٢) في (م): ولكن.
(٣) في تفسيره ٦٠٤/١١.

الآية : ٨٢
٤٤٩
سُورَةُ التَّوَّة
لِقُلْ﴾
﴿لَا نَفِرُوا﴾ لا تخرجوا إلى الغزو ﴿فِي الْخُرِّ﴾ فإنه لا تستطاع(١) شدَّتُه
يا محمَّد ردًّا عليهم وتجهيلاً لهم ﴿نَارُ جَهَنَمَ﴾ التي هي مصيركم بما فعلتم ﴿أَشَدُّ
حَرٌّ﴾ من هذا الحرِّ الذي ترونه مانعاً من النفير، فما لكم لا تَحْذَرونها، وتعرِّضون
أنفسكم لها بإيثار القعودِ والمخالفةِ لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.
﴿لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾﴾
تذييلٌ من جهته تعالى غيرُ داخلٍ على القول المأمور به
مؤكِّدٌ لمضمونه، وجواب ((لو)) مقدَّرٌ، وكذا مفعولُ ((يفقهون))، أي: لو كانوا يعلمون
أنَّها كذلك، أو أحوالَها وأهوالها، أو أنَّ مَرْجِعَهم إليها، لما آثروا راحةً زمنٍ قليل
على عذابِ الأبد، وأجهلُ الناس مَن صان نفسَه عن أمرٍ يسير يوقعُه في ورطةٍ
عظيمةٍ، وأنشد الزمخشريُّ لابن أختِ خالته:
مساءةً يومٍ أَرْيُها شبهُ الصَّابِ
مَسَرَّةُ أحقابٍ تلقَّيتُ بعدما
وراء تَقَضِّيها مساءةٌ أحقابٍ(٢)
فكيف بأنْ تلقى مسرَّةَ ساعةٍ
وقدَّر بعضُهم الجوابَ: لتأثّروا بهذا الإلزام، وهو خلافُ الظاهر.
وجوِّز أن تكونَ ((لو)) لمجرَّدِ التمنِّي المنبئ عن امتناع تحقَّقِ مدخولها، وينزَّل
الفعل المتعدِّي منزلةَ اللازم، فلا جوابَ ولا مفعولَ، ويَؤول المعنى إلى أنَّهم
ما كانوا من أهل الفطانة والفقه، ويكون الكلامُ نظيرَ قوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِى
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَثُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. وهو
خلافُ الظاهر أيضاً.
﴿فَلْيَضْحَكُوْ قَلِلًا وَلْيَبَكُوا كَثِيرًا﴾ إخبارٌ عن عاجِلِ أمرهم وآجلِه، من الضَّحك القليل
في الدنيا والبكاءِ الكثير في الأخرى، وإخراجُه في صورة الأمر للدلالة على تحثُّم
وقوع المخبَرِ به، وذلك لأنَّ صيغة الأمر للوجوب في الأصل والأكثر، فاستُعمِلَ في
لازم معناه، أو لأنَّه لا يحتمل الصدقَ والكذب بخلاف الخبر، كذا قرَّره الشهاب،
ثمَّ قَال: فإنْ قلتَ: الوجوبُ لا يقتضي الوجود، وقد قالوا: إنَّه يعبّر عن الأمر
(١) في (م): يستطاع.
(٢) الكشاف ٢٠٥/٢. والأَرْيُ: العسل. والصاب: شجر مرٍّ، ومفرده: صابة. القاموس (أري)
و(صوب).

سُورَةُ التَّوَتِّةِ
٤٥٠
الآية : ٨٢
بالخبر للمبالغةِ؛ لاقتضائه تحقَّقَ المأمور به، فالخبرُ آكدُ وقد مرَّ مثلُه، فما بالُه
عكس؟ قلت: لا منافاةَ بينهما كما قيل؛ لأنَّ لكلِّ مقام مقالاً، والنكتُ لا تتزاحم،
فإذا عبّر عن الأمر بالخبر لإفادة أنَّ المأمور لشدَّة امتثاله كأنه وقع منه ذلك وتحقَّق
قبلَ الأمر كان أبلغَ، وإذا عبّر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه كأنَّه مأمور به
أفاد ذلك مبالغةً من جهة أخرى(١).
وقيل: الأمرُ هنا تكوينيٍّ كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. ولا يخفى ما فيه.
والفاءُ لسببيةٍ ما سبق للإخبار بما ذُكر من الضَّحك والبكاء، لا لنفسِهما؛ إذ
لا يُتُصوَّر في الأول أصلاً، وجَعْلُ ذلك سبباً لاجتماع الأمرين بعيدٌ.
ونصب ((قليلاً)) و((كثيراً)) على المصدرية أو الظرفية، أي: ضحكاً أو زماناً
قليلاً، وبكاءً أو زماناً كثيراً، والمقصودُ بإفادته في الأوَّل ــ على ما قيل - هو وصفُ
القِلَّة فقط، وفي الثاني هو وصفُ الكثرة مع الموصوف، فيُرْوَى أنَّ أهل النفاق
يبكون في النار عمرَ الدنيا لا يرقأ(٢) لهم دمعٌ ولا يكتحلون بنوم.
وجوِّز أن يكونَ الضَّحك كنايةً عن الفرح، والبكاءُ كنايةً عن الغمِّ، والأولُ في
الدنيا والثاني في الأخرى أيضاً، والقلَّةُ على ما يتبادر منها، ولا حاجةً إلى حملها
على العدم كما حُملت الكثرة على الدوام. نعم إذا اعتُبر كلٌّ من الأمرين في الآخرة
احتجنا إلی ذلك؛ إذ لا سرورَ فيها لهم أصلاً .
ويُفهم من كلام ابنٍ عطية(٣) أن البكاءَ والضحك في الدنيا، كما في حديث
الشيخين وغيرهما: ((لو تعلمون ما أعلم، لضحكتُم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) (٤) أي:
(١) حاشية الشهاب ٣٥١/٤.
(٢) لا يرقأ: لا يجف ولا يسكن. القاموس المحيط (رقأ).
(٣) في المحرر الوجيز ٦٦/٣ .
(٤) صحيح البخاري (٤٦٢١)، وصحيح مسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس ظُله، وهو عند أحمد
(١٢٨٥٩). وأخرجه البخاري (٥٢٢١)، ومسلم (٩٠١) من حديث عائشة ﴿ا، وهو عند
أحمد (٢٥٣١٢).

الآية : ٨٣
٤٥١
سُورَةُ التَوَّةِ
أنهم بلغوا في سوء الحال والخطر مع الله تعالی إلی حیثُ ينبغي أن یکون ضحگھم
قليلاً وبكاؤُهم من أجل ذلك كثيراً .
﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ أي: من فنون المعاصي، والجمع بين صيغتي
الماضي والمستقبل للدلالةِ على الاستمرار التجدُّدي، و((جزاءً)) مفعولٌ له للفعل
الثاني، ولك أن تجعلَه مفعولاً له للفعلين، أو مصدرٌ من المبنيِّ للمفعول حُذِفَ
ناصبُه، أي: يُجزَوْنَ بما (١) ذكر من البكاءِ الكثير، أو منه ومن الضَّحك القليل جزاءً
بما استمرُّوا عليه من المعاصي.
﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: من سفرك، والفاءُ لتفريع الأمر الآتي على مابيِّن من
أمرهم، و((رجع)) هنا متعدٍّ بمعنى ((ردّ) ومصدرُه الرَّجْعُ، وقد يكون لازماً ومصدرُه
الرجوع، وأُؤْثِرَ استعمالُ المتعدِّي وإن كان استعمالُ اللازم كثيراً، إشارةً إلى أنَّ
ذلك السفرَ لما فيه من الخطر يحتاج الرجوعُ منه لتأييد إلهيٍّ، ولذا أُوْثِرتْ كلمةٌ
(إن)) على ((إذا)).
أي: فإنْ رَّك الله سبحانه ﴿إِلَى طَيِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ أي: إلى المنافقين من
المتخلِّفين، بناءً على أنَّ منهم مَن لم يكن منافقاً. أو إلى مَن بقي من المنافقين
المتخلِّفين، بأنْ ذهب بعضُهم بالموت، أو بالغَيْبة عن البلد، أو بأن لم يستأذنْك
البعضُ.
وقيل: المراد بتلك الطائفة مَن بقي من المنافقين على نفاقه ولم يَتُبْ. وليس
بذاك.
أخرج ابنُ المنذر(٢) وغيرُه عن قتادةَ أنه قال في الآية: ذكر لنا أنَّهم كانوا اثني
عشر رجلاً من المنافقين، وفيهم قيلَ ما قيلَ.
﴿فَاسْتَقْذَنُوَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك إلى غزوةٍ أخرى بعد غزوتكَ هذه التي ردَّك الله منها
بتأييده ﴿فَقُل﴾ لهم إهانةً لهم على أتمٍّ وجه ﴿لَّنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا﴾ ما دمتُ ودمتُم
﴿وَلَنْ نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ من الأعداء، وهو إخبارٌ في معنى النهي للمبالغة.
(١) في الأصل: ما، وفي (م) مما. والمثبت من تفسير أبي السعود ٨٩/٤، والكلام فيه بنحوه.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٦٥/٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم في تفسيره ١٨٥٦/٦.

سُوَرَّةُ التَّوَّةِ
٤٥٢
الآية : ٨٣
وذُكِرَ القتالُ كما قال بعضُ المحقّقين لأنَّه المقصودُ من الخروج، فلو اقتصر
على أحدهما لكفى؛ إسقاطاً لهم عن مقام الصُّحبة ومقام الجهاد، أو عن ديوان
الغزاةِ وديوان المجاهدين، وإظهاراً لكراهة صحبتهم وعدمَ الحاجة إلى عدِّهم من
الجند، أو ذُكر الثاني للتأكيد لأنه أصرحُ في المراد، والأَولُ لمطابقته للسؤال،
ونظيرُ ذلك:
أقولُ له ارْحَلْ لا تقيمنَّ عندنا(١)
فإنَّ الثاني أدلُّ على الكراهة.
﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ﴾ عن الخروج معي وفَرِحْتُم بِه ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: من
الخروج، فنصبُ أفعل المضاف على المصدريَّة.
وقيل: على الظرفيَّة الزمانيّة، واستبعده أبو حيَّان(٢).
والظاهرُ أنَّ هذا الاختلافَ للاختلاف في ((مرة)»، ونُقل عن أبي البقاء(٣) أنَّها
في الأصل مصدرُ مرَّ يمرُّ، ثمّ استُعْمِلتْ ظرفاً. واختار القاضي البيضاويُّ - بيض الله
غرَّة أحواله - النَّصبَ على المصدريَّة، وأشار إلى تأنيث الموصوف حيث قال:
و((أوَّل مرَّة)) هي الخرجةُ إلى غزوة تبوك(٤).
وذكّر أفعل لأنَّ التذكيرَ هو الأكثر في مثل ذلك. وفي ((الكشاف)): أنَّ ((مرة)
نكرةٌ وُضِعَتْ موضعَ المرَّات للتفضيل، وذكّر اسم التفضيل المضاف إليها وهو دالٌّ
على واحدةٍ من المرَّات؛ لأنَّ أكثرَ اللغتين: هندٌ أكبرُ النساء، وهي أكبرُهنَّ. و:
هي كُبْرَى امرأةٍ، لا تكاد تعثر عليه، ولكن: هي أكبرُ امرأةٍ، وأوَّل مرَّة، وآخر
مرَّة(٥) .
(١) وعجزه: وإلا فكن في السرِّ والجهر مسلماً، وهو في مفتاح العلوم ص٢٦٦، والإيضاح
للقزويني ١٥٣/١، وذكر صدره ابن هشام في مغني اللبيب ص٥٥٧، والبغدادي في خزانة
الأدب ٢٠٧/٥.
(٢) في البحر ٨١/٥.
(٣) في الإملاء ٦٠١/٢.
(٤) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٥١/٤.
(٥) الكشاف ٢٠٦/٢.

الآية : ٨٤
٤٥٣
سُورَةُ التَوَّةِ
وعلَّل في ((الكشف)) عدمَ العثور على نحو: هي كبرى امرأة، بأنَّ ((أفعل)) فيه
مضافٌ إلى غير المفضَّل عليه، بل إلى العدد المتلبِّس هو به بياناً له، فكأنه قيل:
هي امرأةٌ أكبرُ من كلِّ واحدةٍ واحدةٍ من النساء، وفي مثله لا يختلف أفعل
التفضيل، فالتحقيقُ أنَّه لا يشبه ما فيه اللام، وإنما المطابقة بين موصوفِه وما أضيفَ
إليه، ولا مدخلَ لطباقه في اللفظ والمعنى، فتدبر.
والجملة في موضع التعليل لما سلف، فهي مستأنفةٌ استئنافاً بيانيًّا، أي: لأنكم
رضیتم .
﴿فَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ ﴾﴾ أي: المتخلِّفين لعدم لياقتهم، كالنساء والصبيان
والرِّجال العاجزين، وجَمْعُ المذكَّرِ للتغليب، واقتصر ابنُ عباس على الأخير.
وتفسيرُ الخالف بالمتخلِّف هو المأثورُ عن أكثر المفسّرين(١) السلف.
وقيل: إنَّه من خَلَفَ بمعنى فَسَدَ، ومنه خلوفُ فم الصائم لتغيُّر رائحته.
والظرفُ متعلِّقٌ بما عندَه، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من ضمير الجمع. والفاءُ
لتفريع الأمر بالقعود بطريق العقوبةِ على ما صَدَرَ منهم من الرِّضا بالقعود، أي:
إذ (٢) رضيتم بالقعود أوَّلَ مرَّة فاقعدوا من بعدُ.
وقرأ عكرمة: ((الخَلِفِين)) بوزن حَذِرين(٣)، ولعلَّه صفةٌ مشبَّهة مثله، وقيل: هو
مقصورٌ من الخالفين؛ إذ لم يثبت استعمالُه كذلك على أنه صفة مشبَّهة.
﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدَّ﴾ إشارةٌ إلى إهانتهم بعد الموت؛ أخرج
البخاريُّ عن ابن عمرَ ﴿ّ قال: لمَّا توفيٌّ عبدُ الله بنُ أبيِّ ابن سلول، جاء ابنُه
عبدُ الله بن عبد الله إلى رسول الله وَّل، فسأله أن يعطيَه قميصَه يكفِّنُ فيه أباه،
فأعطاه، ثمَّ سأله أن يصلِّ عليه، فقام رسول الله وَله ليصلِي، فقام عمر فأخذ بثوب
رسولِ اللهِ وَّه، فقال: يا رسول الله، تصلِّ عليه وقد نهاك ربُكَ أن تصلِّيَ عليه؟
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّما خيَّرني الله فقال: (أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن
(١) قوله: المفسرين، ليس في الأصل.
(٢) في الأصل و(م): إذا، والمثبت من تفسير أبي السعود ٨٩/٤، والكلام منه.
(٣) البحر ٨١/٥، وهي في القراءات الشاذة ص٥٤، والمحتسب ٩٨/١، عن مالك بن دينار.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٤٥٤
الآية : ٨٤
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وسأزيدُه على السبعين)) قال: إنه منافق! قال: فصلَّى عليه
رسولُ اللهِ وَ ﴿، فأنزل الله سبحانه: (وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم) الآية (١).
وفي روايةٍ أخرى له عن ابن عبّاس، عن عمرَ بن الخطاب أنه قال: لمَّا مات
عبدُ الله بنُ أبيّ ابن سلول دُعي له رسولُ اللهِ وَّل ليصلِّيَ عليه، فلمَّا قامٍ وَثَبْتُ إليه
فقلتُ: يارسول الله، أتصلِّ على ابن أبيٍّ وقد قال يومَ كذا كذا وكذا؟ أُعدِّدُ عليه
قولَه، فتبسَّم رسولُ اللهِ وَّه وقال: ((أخّرْ عِنِّي يا عمر)) فلمَّا أكثرتُ عليه قال: ((أخِّر
عنِّي، لو أَعْلَمُ أَنِّ لو زِدتُ على السبعين يُغفر له لزدتُ عليها)) قال: فصلَّى
عليه - عليه الصلاة والسلام - ثمَّ انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتَّى نزلت الآيتان
من ((براءة): (وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم) إلى قوله: (وَهُمْ فَاسِقُونَ) فعجبتُ من جُرْأتي
على رسول الله وَلِيمٍ(٢).
وظاهر هذين الخبرين أنَّه لم ينزل بين (أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ)، وقولِه
تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِّنْهُم) شيءٌ ينفع عمر رَُّه وإلا لذكر، والظاهر أنَّ مرادَه
بالنهي في الخبر الأوَّل ما فَهِمَه من الآية الأولى، لا ما يُفهم - كما قيل - من قوله
تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) لعدم مطابقة الجواب
حينئذٍ كما لا يخفى.
وأخرج أبو يعلى وغيرُه عن أنس: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ أرادَ أن يصلِّي على ابن
أبيِّ، فأخذ جبريلُ عليه السلام بثوبه فقال: (وَلَا تُصَلِّ) الآية(٣).
وأكثرُ الروايات أنَّهِ وَّهِ صلَّى عليه، وأنَّ عمر تَظَّه أحبَّ عدمَ الصلاة عليه،
وعُدَّ ذلك أحدَ مُوافقاته للوحي.
وإنَّما لم يُنْهَ وَّر عن التكفين بقميصه ونهي عن الصلاة عليه؛ لأنَّ الضنَّةَ
بالقميص كانت مظنَّةَ الإخلال بالكرم، على أنه كان مكافأة لقميصِه الذي كان(٤)
(١) صحيح البخاري (١٢٦٩) و(٤٦٧٠)، وهو عند أحمد (٤٦٨٠)، ومسلم (٢٤٠٠).
(٢) صحيح البخاري (١٣٦٦)، وهو عند أحمد (٩٥).
(٣) مسند أبي يعلى (٤١١٢) وفي إسناده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف.
(٤) قوله: كان، ليس في (م).

الآية : ٨٤
٤٥٥
سُورَةُ التَّوَتَّةِ
أَلْبَسَه العباسَ رَله حين أُسر بيدر، فإنه جيء به رَُّه ولا ثوبَ عليه، وكان طويلاً
جسيماً فلم يكن ثوبٌ بقَدْرِ قامته غيرَ ثوبٍ ابن أبيٍّ، فکساه إياه(١).
وأخرج أبو الشيخ عن قتادةَ أنَّهم ذكروا القميصَ بعد نزول الآية، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((وما يُغْني عنه قميصي، والله إنِّي لأرجو أن يُسْلِمَ به أكثرُ من ألفٍ
من بني الخزرج))(٢) وقد حقَّق الله تعالى رجاءَ نبيّه كما في بعض الآثار(٣).
والأخبارُ فيما كان منه عليه الصلاة والسلام مع ابن أبيٍّ من الصلاة عليه
وغيرِها لا تخلو عن التعارُضِ، وقد جَمَعَ بينهما حَسْبَما أَمْكَنَ علماءُ الحديث، وفي
(لباب التأويل))(٤) نبذةٌ من ذلك فلْيُراجَعْ.
والمراد من الصلاة المنهيّ عنها صلاة الميت المعروفةُ، وهي متضمِّنةٌ للدعاء
والاستغفار والاستشفاع له، قيل: والمنعُ عنها لمنعِه عليه الصلاة والسلام من
الدعاء للمنافقين، المفهوم من الآية السابقة، أو من قوله سبحانه: (مَا كَانَ
لِلنَّبِيِّ) إلخ.
وقيل: هي هنا بمعنى الدعاء. وليس بذاك.
و ((أبداً» ظرفٌ متعلِّقٌ بالنهي. وقيل: متعلِّق بـ ((مات))، والموتُ الأبديُّ كنايةٌ
عن الموت على الكفر؛ لأنَّ المسلم يُبعث ويحيا حياةً طيبة، والكافرُ وإنْ بُعث لكنَّه
للتعذيب، فكأنه لم يَحْيَ.
وزعم بعضُهم أنَّه لو تعلَّق بالنهي، لزم أنْ لا تجوزَ الصلاةُ على مَن تاب منهم
ومات على الإيمان، مع أنَّه لا حاجةً للنهي عن الصلاة عليهم إلى قيدِ التأييد.
ولا يخفى أنَّه أخطأ، ولم يشعر بأنَّ ((منهم)) حالٌ من الضمير في ((مات))، أي:
مات حالَ كونه منهم، أي: متَّصفاً بصفتهم وهي النفاقُ، كقولهم: أنتَ منِّي، يعني
(١) أخرجه البخاري (٣٠٠٨) من حديث جابر ﴿له.
(٢) عزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٣٣٦/٣. وأخرجه الطبري ٦١٤/١١ وفيه: ألف
رجل من قومه.
(٣) جاء في معاني القرآن للزجاج ٤٦٣/٢: فيروى أنه أسلم من الخزرج ألف لمَّا رأوه يطلب
الاستشفاء بثوب رسول الله مَد .
(٤) ١٣١/٣ - ١٣٢.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٤٥٦
الآية : ٨٤
على طريقتي وصفتي، كما صرَّحوا به، على أنَّه لو جُعل الجارُّ والمجرور صفةً
لـ ((أحد)) لا يكاد يُتوهّم ما ذكر أيضاً(١)، وكيف يُتوهم مع قوله تعالى الآتي: (إِنَّهُمْ
كَفَرُوا) إلخ؟ وقولُه: مع أنَّه لا حاجة إلى النهي .. إلخ لظهورٍ ما فيه لا حاجةَ إلى
ذكره.
و(مات)) ماضٍ باعتبار سببِ النزول وزمانِ النهي، ولا ينافي عمومَه وشمولَه
لمن سيموت. وقيل: إنه بمعنى المستقبل وعبَّر به لتحقُّقه، والجملة في موضع
الصفة لـ ((أحد)).
﴿وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِيّةِ﴾ أي: لا تقفْ عليه، ولا تتولَّ دفنَه، من قولهم: قام فلانٌ
بأمر فلان، إذا کفاه إيّاه وناب عنه فيه.
ويُفهم من كلام بعضهم أن ((على)) بمعنى عند، والمراد: لا تقف عند قبره
للدَّفن أو للزيارة. والقبرُ في المشهور: مدفنُ الميت، ويكون بمعنى الدَّفن وجوَّزوا
إرادتَه هنا أيضاً.
وفي ((فتاوى)) الجلال السيوطي: هل يفسَّر القيامُ هنا بزيارة القبور؟ وهل يستدلُّ
بذلك على أنَّ الحكمةَ في زيارته وَّ قبر أمِّه أنه لإحيائها لتؤمن به، بدليلٍ أنَّ تاريخ
الزيارة كان بعد النهي؟
الجواب: المراد بالقيام على القبرِ: الوقوفُ عليه حالةَ الدَّفن وبعدَه ساعة،
ويحتملُ أن يعمَّ الزيارةَ أيضاً أخذاً من الإطلاق، وتاريخُ الزيارة كان قبل النهي
لا بعدَه؛ فإن الذي صحَّ في الأحاديث أنه وَّ زارها عامَ الحديبية، والآيةُ نازلةٌ بعد
غزوة تبوك، ثم الضميرُ في ((منهم)) خاصٌّ بالمنافقين، وإن كان بقيَّةُ المشركين
يُلْحَقون بهم قياساً.
وقد صحَّ في حديثِ الزيارة أنه استأذن ربَّه في ذلك فأَذِنَ له، وهذا الإذنُ عندي
يُستدلُّ به على أنَّها من الموحِّدين لا من المشركين كما هو اختياري، ووجهُ
الاستدلال به أنَّه نهاه عن القيام على قبورِ الكفَّار وأَذِنَ له في القيام على قبر أمِّه،
فدلَّ على أنها ليستْ منهم، وإلا لَمَا كان يَأْذَنُ له فيه، واحتمالُ التخصيص خلافُ
(١) قوله: أيضاً، ليس في (م).

الآية : ٨٥
٤٥٧
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
الظاهر، ويحتاج إلى دليل صريح، ولعلَّه عليه الصلاة والسلام كان عنده وقفةٌ في
صحَّة توحيدٍ مَن كان في الجاهلية حتى أُوحي إليهِ وَّ بصَحَّة ذلك، فلا يَرِدُ أنَّ
استئذانه يدلُّ على خلاف ذلك وإلا لزارها من غير استئذانٍ(١). اهـ.
وفي كون المراد بالقيام على القبر الوقوفَ عليه حالةَ الدفنِ وبعدَه ساعة خفاءٌ،
إذ المتبادرُ من القيام على القبرِ ما هو أعمُّ من ذلك. نعم كان الوقوفُ بعد الدَّفن
قَدْرَ نحرٍ جزورٍ مندوباً، ولعلَّه لشيوعِ ذلك إذ ذاك أَخَذَ في مفهوم القيام على القبر
ما أَخَذَ.
وفي جواز زيارة قبور الكفَّار خلافٌ، وكثيرٌ من القائلين بعدم الجواز حملَ
القيام على ما يعمُّ الزيارة، ومَن أجاز استدلَّ بقوله وَّهِ: ((كنتُ نهيتُكم عن زيارة
القبور فزوروها فإنها تذكِّركم الآخرة))(٢) فإنه عليه الصلاة والسلام علَّل الزيارة
بتذكير الآخرة، ولا فرقَ في ذلك بين زيارة قبور المسلمين وقبورٍ غيرهم، وتمامُ
البحث في موضعه، والاحتياطُ عندي عدمُ زيارة قبور الكفار.
﴿إِنَهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.﴾ جملةٌ مستأنفة سيقتْ لتعليلِ النهي، على معنى أنَّ
الصلاة على الميت والاحتفالَ به إنما يكون لحرمتِهِ، وهم بمعزلٍ عن ذلك؛ لأنَّهم
استمرُّوا على الكفر بالله تعالى ورسوله وَّهِ مَّةَ حياتهم.
﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾﴾ أي: متمرِّدون في الكفر خارجون عن حدوده.
﴿وَلَا تُعِّْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ
، تأكيدٌ لِمَا تقدَّم من نظيره، والأمرُ حقيقٌ بذلك لعموم البلوى بمحبّة
ڪَفِرُونَ فِيهَـ
ما ذُكر والإعجاب به، وقال الفارسيُّ(٣): إنَّ ما تقدَّم في قومٍ وهذا في آخرين
(١) الحاوي للفتاوي ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨، وحديث أن النبي ◌ّهر استأذن ربَّه في زيارة قبر أمِّه فأذن له
أخرجه أحمد (٩٦٨٨)، ومسلم (٩٧٦) عن أبي هريرة
(٢) أخرجه أحمد (١٢٣٦) من حديث عليٍّ ◌ُه، وله شاهد من حديث بريدة عند أحمد
(٢٢٩٥٨)، ومسلم (٩٧٧)، ويشهد له أيضاً حديث أبي هريرة الذي سلف في التعليق
السابق، وفيه: ((فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)).
(٣) كما في حاشية الشهاب ٣٥٢/٤.

سُورَةُ التَّوَّةِ،
٤٥٨
الآية : ٨٦
فلا تأكيد، وجيء بالواو هنا لمناسبةِ عطفٍ نهي على نهيٍ قبله، أعني قوله سبحانه:
(وَلَا تُصَلِّ) إلخ، وبالفاء هناك لمناسبة التعقيب لقوله تعالى قبلُ: ﴿وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا
وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] فإنَّ حاصلَه: لا ينفقون إلَّا وهم كارهون للإنفاق، فهم
مُعْجَبون بكثرة الأموال والأولاد، فَنَهَى عن الإعجاب المتعقّب له.
وقيل هنا: ((وأولادهم)) دون ((لا)) لأنَّه نَهى عن الإعجاب بهما مجتمعَين،
وهناك بزيادة ((لا)) لأنَّه نَهى عن كلِّ واحدٍ واحدٍ فدلَّ مجموعُ الآيتين على النهي عن
الإعجاب بهما مجتمعين ومنفردین.
وهنا ((أن يعذِّبهم)) وهناك ((ليعذِّبَهم))؛ للإشارة إلى أنَّ إرادةَ شيءٍ لشيءٍ راجعةٌ
إلى إرادة ذلك الشيء بناءً على أنَّ متعلَّقَ الإرادة هناك الإعطاءُ واللامُ للتعليل، أي:
إنما يريد إعطائهم للتعذيب، وأما إذا قلنا: إنَّ اللام فيما تقدَّم زائدةٌ، فالتغايرُ
يحتمل أن يكون لأنَّ التأكيد هناك لتقدُّم ما يصلح سبباً للتعذيب بالأموال أوقعُ منه
هنا لعدم تقدُّم ذلك.
وجاء هناك ((في الحياة الدنيا)) وهنا ((في الدنيا)) تنبيهاً على أنَّ حياتهم كَلَا حياةٍ
فيها، ويشير ذلك هنا إلى أنَّهم بمنزلة الأموات.
وبيَّن ابن الخازن سرَّ تغايُرِ النظمين الكريمين بما لا يخفى ما فيه(١).
وتقديمُ الأموال على الأولاد مع أنَّهم أعزُّ منها؛ لعموم مساسِ الحاجة إليها
دونَ الأولاد. وقيل: لأنَّها أقدمُ في الوجود منهم.
﴿وَإِذَآ أُنْزِلَتْ سُورَةً﴾ من القرآن، والمرادُ بها - على ما قيل - سورةٌ معيَّنة، وهي
((براءة)).
وقيل: المرادُ كلُّ سورة ذُكر فيها الإيمان والجهاد، وهو أولى وأَفْيَد؛ لأنَّ
استئذانهم عند نزول آيات ((براءة)) عُلِمَ مما مرَّ.
و((إذا)) تفيد التكرار بقرينةِ المقام وإن لم تُفدْه بالوضع كما نصَّ عليه بعضُ
المحقّقين.
(١) تفسير الخازن ١٣٣/٣.

الآية : ٨٧
٤٥٩
سُورَةُ التَّوَّةِ
وجوِّز أن يراد بالسورة بعضُها مجازاً من باب إطلاق الجزء على الكلِّ، ويُؤْهِمُ
كلام ((الكشاف)) أن إطلاق السورة على بعضها بطريقِ الاشتراك، كإطلاق القرآن
على بعضه (١). وليس بذاك.
والتنوينُ للتفخيم، أي: سورةٌ جليلةُ الشأن.
﴿َنّ ◌َامِنُواْ﴾ أي: بأنْ آمنوا، فـ ((أنْ)) مصدريَّة حُذف عنها الجارُّ، وجوِّز أن
تكونَ مفسِّرةً؛ لتقدُّم الإنزال وفيه معنى القول دون حروفه.
والخطاب للمنافقين، والمرادُ: أخْلِصوا الإيمان ﴿يَاَللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِ﴾
لإعزازٍ دينه وإعلاء كلمته. وأمَّا التعميمُ أو إرادةُ المؤمنين بمعنى: دُوموا على
الإيمان بالله إلخ، كما ذهب إليه الطبرسيُّ(٢) وغيرُه، فلا يناسب المقامَ ويحتاج فيه
ارتباطُ الشرط والجزاء إلى تكلَّفٍ ما لا حاجة إليه، كاعتبارٍ ما هو من حال
المؤمنين الخُلَّص في النظم الجليل.
﴿أَسْتَخْذَنَكَ﴾ أي: طلب الإذنَ منك، وفيه التفات ﴿أُوْلُواْ اُلَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ أي:
أصحابُ الفضل والسَّعة من المنافقين، وهم مَن له قدرةٌ ماليَّةٌ، ويُعلم من ذلك
البدنيةُ بالقياس، وخُصُّوا بالذكر لأنَّهم المَلُومون.
﴿وَقَالُواْ ذَرْنَا﴾ أي: دعنا ﴿نَكُنْ مَعَ الْفَعِدِينَ ﴾﴾ أي: الذين لم يجاهدوا لهُذٍ
من الرجال والنساء، ففيه تغليبٌ. والعطفُ على ((استأذنك)) للتفسير مُغْنٍ عن ذكرٍ
ما استأذنوا فيه وهو القعود.
﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَاِفِ﴾ أي: النساء، كما روي عن ابن عبّاس وقتادةَ،
وهو جمعُ خالفة، وأُطلق على المرأة لتخلُّفها عن أعمال الرجال كالجهاد وغيره.
والمرادُ ذمُّهم وإلحاقُهم بالنساء في التخلّف عن الجهاد.
ويطلق الخالفةُ على مَن لا خيرَ فيه، والتاءُ فيه للنقل للاسمية، وحَمَل بعضُهم
الآيةَ على ذلك، فالمقصود حينئذٍ: مَنْ لا فائدةَ فيه للجهاد.
(١) الكشاف ٢/ ٢٠٧.
(٢) في مجمع البيان ١١٥/١١.

سُورَةُ التَّوَّة
٤٦٠
الآية : ٨٨، ٨٩
وجمعُه على فواعل على الأول ظاهرٌ، وأما على الثاني فلتأنيثِ لفظه؛ لأنَّ
فاعلاً لا يجمعُ على فواعل في العقلاء الذكور إلا شذوذاً.
﴿وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿لَا يَفْقَهُونَ ﴾﴾ ما ينفعُهم وما يضرُّهم
في الدارين.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، جَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِزْ﴾ استدراكٌ لما فُهم
من الكلام، والمعنى: إنْ تَخلَّفَ هؤلاء ولم يجاهدوا فلا ضيرَ؛ لأنَّه قد نهض على
أتمِّ وجهٍ مَن هو خيرٌ منهم، فهو على حدٍّ قوله تعالى: ﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا
◌ِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
وفي الآية تعريضُ بأنَّ القوم ليسوا من الإيمان بالله تعالى في شيءٍ، وإن لم
يُغْرِضوا عنه صريحاً إعراضَهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود.
﴿ وَأُوْلَئِكَ﴾ أي: المنعوتون بالنعوت الجليلة ﴿لَّمُ﴾ بواسطة ذلك ﴿الْخَيْرَثٌ﴾
أي: المنافعُ التي تَسْكُنُ النفسُ إليها وترتاح لها، وظاهرُ اللفظ عمومُها هنا لمنافع
الدارين، كالنصر والغنيمةِ في الدنيا، والجنَّةِ ونعيمِها في الأخرى.
وقيل: المراد بها الحورُ؛ لقوله تعالى: ﴿فِنَّ خَيْرَتُ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] فإنها
فيه بمعنى الحور، فتُحْمَلُ عليه هنا أيضاً.
ونصَّ المبرِّد على أنَّ الخيرات تطلقُ على الجواري الفاضلات(١).
وهي جمعُ خَيْرةٍ بسكون الياء مخفَّف خَيِّرةِ المشدَّدةِ تأنيثَ خيِّر، وهو الفاضلُ
من كلِّ شيءٍ المستحسَنُ منه.
﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ أي: الفائزون بالمطالب دونَ مَن حاز بعضاً(٢)
يَفْنَى عمَّا قليل، وكرَّر اسم الإشارة تنويهاً بشأنهم.
﴿أَعَذَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ استئنافٌ لبيان كونهم مفلحين. وقيل: يجوز أن يكون بياناً
لما لهم من المنافع الأخروية، ويُخصُّ ما قبلُ بمنافع الدنيا بقرينةِ المقابلة.
(١) ذكره عن المبرد ابن الجوزي في زاد المسير ٤٨٢/٣ .
(٢) في الأصل: بعض ما.