Indexed OCR Text
Pages 361-380
الآية : ٤٧ ٣٦١ سُورَةُ التَّوَيَّة ﴿وَلَوَضَعُواْ خَِلَكُمْ﴾ الإيضاحُ: سيرُ الإبل، يقال: أَوْضَعَتِ الناقةُ تَضَع، إذا أسرعتْ، وأَوْضَعْتُها أنا: إذا حملْتها على الإسراع. والخِلالُ: جمعُ خَلَل وهو الفرجةُ، استُعمل ظرفاً بمعنى بين، ومفعولُ الإيضاع مقدَّر، أي: النمائمَ، بقرينة السّياق. وفي الكلام استعارةٌ مْنِيَّة حيث شُبِّهت النمائمُ بالركائب في جريانها وانتقالها، وأُثبت لها الإيضاحُ على سبيل التخييل، والمعنى: ولَسَعَوا بينكم بالنميمة وإفسادٍ ذاتِ البَيْن. وقال العلامة الطَّيبيُّ: فيه استعارةٌ تبعيَّةٌ، حيث شبَّه سرعةَ إفسادِهم ذاتَ البَيْن بالنمائم بسرعة سَيْر الراكب، ثم استُعير لها الإيضاعُ وهو للإبل، والأصل: ولأَوْضَعوا ركائبَ نمائمِهم خلالَكم، ثم حذف النمائم وأقيم المضافُ إليه مُقامه، فقیل: لأوضعوا رکائبھم، ثمَّ حُذفت الركائب. ومنع الأخفشُ في كتاب (المعاياة)) (١) أن يقال: أَوْضَعتِ الركائبُ ووضَع البعيرُ بمعنى أسرع، وإنَّما يستعمل ذلك بدون قيد. وجوَّز ذلك غيرُه، واستدلَّ له بقوله : فلم أرَ سعدى بعدَ يوم لقيتُها غداةَ بها أجمالها صاح توضع(٢) وقرئ: ((ولأَرْقَصوا))(٣) من رَقَصتِ الناقةُ: إذا أسرعتْ، وأَرْقَضْتُها، ومنه قولُه: والراقصات إلى منىّ فالغبغبِ یا عامٍ لو قَدَرَتْ علیك رماحُنا (٤) (١) في الأصل و(م): الغايات، والمثبت هو الصواب، ينظر خزانة الأدب ١٥١/٢ و٣٦٧، وحاشية الشهاب ٣٣١/٤. (٢) حاشية الشهاب ٣٣٢/٣، وفيه: أحمالها، بدل: أجمالها. (٣) القراءات الشاذة ص٥٣، والمحتسب ٢٩٣/١. (٤) جاء في هامش الأصل: هذا على ما في الكشف، وفي حواشي القطب أن أوله: ألا والعاديات غداة جمع، والظاهر الأول كما لا يخفى. اهـ منه. قلنا والمذكور أعلاه موافق لما في كتاب الأصنام ص٢١، ومعجم البلدان ١٨٦/٤، ونسباه لنهيكة الغزاوي، وعجزه في الكشاف ٢/ ١٩٤، والبحر ٥٠/٥، والدر المصون ٦١/٦، واللسان (غبب). وغبغب: المنحر بمنى. وعامٍ ترخيم عامر، وهو عامر بن الطفيل. سُورَةُ التَوَيَّةِ ٣٦٢ الآية : ٤٧ وقرئ ((لأوفضوا))(١)، والمراد لأسرعوا أيضاً؛ يقال: أَوْفَضَ واسْتَوْفَضَ: إذا استعجلَ وأسرع، والوَفضُ العجلة. وكُتِبَ قوله تعالى: ((ولا اوضعوا)» في الإمام بألفين، الثانيةُ منهما هي فتحةٌ الهمزة، والفتحةُ تُرسم لها ألفٌ كما ذكره الداني(٢). وفي ((الكشاف)): كانت الفتحة تُكتبُ ألفاً قبل الخطّ العربي، والخطّ العربي اختُرع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألفِ أثرٌ في الطباع، فكتبوا صورةً الهمزة ألفاً وفتحتَها ألفاً أخرى، ومثل ذلك: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ,﴾(٣) [النمل: ٢١]. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ﴾ أي: يطلبون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، وتهويلٍ أمر العدوِّ عليكم، وإلقاءِ الرُّعب في قلوبكم، وهذا هو المرويُّ عن الضحاك. وعن الحسن: أنَّ الفتنةَ بمعنى الشِّرك، أي: يريدون أن تكونوا مشركين. والجملةُ في موضع الحال من ضمير ((أَوْضَعوا))، أي: باغينَ لكم الفتنةَ. ويجوزُ أن تكون استئنافاً. ﴿وَفِيَكُرْ سَمََّعُونَ لَمُمَّ﴾ أي: نمَّامون يسمعون حديثَكم لأَجْل نَقْلِه إليهم، کما روي عن مجاهد وابن زيد. أو: فيكم أناسٌ من المسلمین ضَعَفةٌ يسمعون قولهم ویطیعونهم، کما روي عن قتادة وابن إسحاق وجماعة. واللام على التفسير الأوَّل للتعليل، وعلى الثاني للتقوية كما في قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدٌ﴾ [البروج: ١٦]. والجملة حالٌ من مفعول ((يبغونكم)) أو من فاعله؛ لاشتمالها على ضميرهما، أو مستأنفةٌ. (١) الكشاف ١٩٤/٢، والبحر ٤٩/٥. (٢) في المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ص٤٥ . (٣) الكشاف ٢/ ١٩٤، وهي في المقنع ص ٤٥. الآية : ٤٨ ٣٦٣ سُوَّةُ التَّوَنَّةِ، قال بعضُ المحققين(١): ولعلَّ هؤلاء لم يكونوا في كميَّة العددِ وكيفيَّة الفساد بحيث يُخِلُّ مكانهم فيما بين المؤمنين بأمر الجهاد إخلالاً عظيماً، ولم يكن فسادُ خروجهم معادلاً لمنفعتِهِ، ولذلك لم تقتضِ الحكمةُ عدمَ خروجهم، فخرجوا مع المؤمنين، ولكن حيث كان انضمامُ المنافقين القاعدين إليهم مستبِعاً لخللٍ كلِّيٍّ، كره الله تعالى انبعاثَهم، فلم يَتَسنَّ اجتماعهم، فاندفع فسادُهم. انتھی . والاحتياجُ إليه على التفسير الأول أظهرُ منه على التفسير الثاني؛ لأنَّ الظاهر عليه أن القومَ لم يكونوا منافقين. ووجهُ العتاب على الإذن في قعودهم - مع ما قصَّ الله تعالى فيهم - أنهم لو قعدوا بغير إذنٍ منه عليه الصلاة والسلام لظهرَ نفاقُهم فيما بين المسلمين من أوَّل الأمر، ولم يقدروا على مخاطبتهم والسعيٍ فيما بينهم بالأراجيف، ولم يتسنَّ لهم التمتُّعُ بالعيش إلى أن يظهرَ حالُهم بقوارع الآيات النازلة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِمِينَ ﴾ عِلْماً محيطاً بظواهرهم وبواطنهم، وأفعالِهم الماضيةِ والمستقبَلَةِ، فيجازيهم على ذلك. ووضع المُظْهَر موضع المضمَرِ للتسجيل عليهم بالظلم، والتشديدِ في الوعيد، والإشعارِ بترتُّبه على الظلم، ويجوزُ أن يرادَ بالظالمين الجنسُ ويدخل المذكورون فيه (٢) دخولاً أوليًّا، والمرادُ منهم إمَّا القاعدون أو هم والسمَّاعون. ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ اُلْفِتْنَةَ﴾ تشتيتَ شملك وتفرُّقَ أصحابك ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذه الغزوة، وذلك - كما روي عن الحسن - يومَ أُحُد حين انصرف عبدُ الله بنُ أبيّ بن سلول بأصحابه المنافقين، وقد تخلَّف بهم عن هذه الغزوة أيضاً، بعد أن خرج مع النبيِّ ◌َّهِ إلى قريبٍ من ثنَّة الوداع. وروي عن سعيد بن جبير وابن جريج أنَّ المرادَ بالفتنة الفتكُ برسول الله وَله (١) هو أبو السعود في تفسيره ٧١/٤. (٢) قوله: فيه، ليس في (م). ◌ُوَّةُ التَونية ٣٦٤ الآية : ٤٩ ليلةَ العقبة، وذلك أنه اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين، ووقفوا على الثنية ليفتكوا به عليه الصلاة والسلام، فردَّهم الله تعالى خاسئين(١). ﴿وَقَلَُّواْ لَكَ اْأُمُورَ﴾ أي: المكايدَ، وتقليبُها مجازٌ عن تدبيرها، أو الآراءَ وهو مجازٌ عن تفتيشِها، أي: دَبَّروا لك المكايدَ والحِيَلَ، أو دوَّروا الآراءَ في إبطال أمرك. وقرئ: ((وقلبوا)) بالتخفيف(٢). ﴿حََّ جَآءَ الْحَقُّ﴾ أي: النصرُ والطَّفَر الذي وعدَه الله تعالى ﴿وَظَهَرَ أَمْهُ اَللَّهِ﴾ أي: غلب دينُه، وعلا شرعُه سبحانه ﴿وَهُمْ كَرِهُونَ ﴾﴾ أي: في حال كراهتهم لذلك، أي: على رغمٍ منهم. والآيتان(٣) كما قالوا لتسليةِ رسول اللهِوَّهُ والمؤمنين عن تخلُّف المتخلِّفين، وبيانِ ما نبَّطهم الله تعالى لأجله، وهتكِ أستارهم وإزاحةٍ أعذارهم، تدارُكاً لِمَا عسى يفوتُ بالمبادرة إلى الإذن(٤)، وإيذاناً بأنَّ ما فات بها ليس ممَّا لا يمكن تلافيه تھویلاً(٥) للخطب. ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَثْذَن ◌ِيِ﴾ في القعود عن الجهاد ﴿وَلَا نَفْتِنٍِّ﴾ أي: لا تُؤْقِعْني في الفتنة بنساءِ الروم؛ أخرج ابن المنذر والطبرانيُّ وابن مردويه عن ابن عباس ﴿: لما أراد النبيُّ وَ ﴿ أن يخرجَ إلى غزوة تبوك، قال لجدِّ بن قيس: (يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟)) فقال: يا رسولَ الله إنِّي امرؤٌ صاحبُ نساء، ومتى أرى نساءً بني الأصفر أفتَتَنُ، فائذنْ لي ولا تفتنِّي. فنزلت(٦). (١) ذكره عن ابن جريج الزمخشري في الكشاف ١٩٤/٢، وينظر حديث حذيفة عند أحمد (٢٣٣٢١)، ومسلم (٢٧٧٩)، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢٦٠، وحديث أبي الطفيل عند أحمد (٢٣٧٩٢). (٢) القراءات الشاذة ص٥٣. (٣) في (م): والاتيان، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٧٢/٤، والكلام منه . (٤) قوله: تداركاً لما عسى ... إلخ، تعليل لما قبله، أي: أن المبادرة إلى الإذن لهم بالقعود فات بها متك أستارهم وبيانُ بطلان أعذارهم. ينظر حاشية الشهاب ٣٣٢/٤. (٥) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود: تهويناً، وهو الأنسب بالسياق. (٦) المعجم الكبير (١٢٦٥٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٠: فيه يحيى الحماني وهو الآية : ٤٩ ٣٦٥ سُورَةُ الْتَوَيَّة وروي نحوُه عن عائشةَ وجابرٍ بن عبد الله أو: لا تُؤْقِعْني في المعصية والإثم بمخالفة أمرِك في الخروج إلى الجهاد. وروي هذا عن الحسن وقتادة، واختاره الجبَّائي، وفي الكلام على هذا إشعارٌ بأنه لا محالةَ متخلِّفٌ، أَذِنَ له وَلِهِ أَوْ لَمْ يأذن. وفسَّر بعضُهم الفتنةَ بالضرر، أي: لا تُؤْقِعْني في ذلك، فإِنِّي إنْ خرجتُ معك هَلَكَ مالي وعيالي لعدم مَن يقوم بمصالحهم. وقال أبو مسلم: أي: لا تعذّبني بتكليف الخروج في شدَّة الحرِّ. وقرئ: ((ولا تُفْتِنِّي)(٢) مِن أَنْتَتَه. ﴿أَلَا فِى أَلْفِتْنَةِ﴾ أي: في نفسها وعينِها وأكملٍ أفرادها، الغني عن الوصف بالكمال، الحقيق باختصاص اسم الجنس به ﴿سَقَطُواْ﴾ لا في شيءٍ مغايرٍ لها، فضلاً عن أن يكون مَهْرَباً ومخلصاً عنها، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلُّف، والجراءة على هذا الاستئذان، والقعودِ بالإذن المبنيِّ عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة، وفي مصحف أبي: ((سَقَط)) بالإفراد(٣) مراعاةً لِلَفْظِ ((مَن)). ولا يخفى ما في تصدير الجملة بأداة التنبيه من التحقيق، وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيلٌ لها منزلةَ المَهْواةِ المُهْلِكةِ المُفْصحَةِ عن تَرَدِّيهم في دركات الرَّدى أسفل سافلين. وتقديمُ الجارِّ والمجرور لا يخفى وجهُه. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِبِطَةٌ بِأَلْكَفِرِينَ ﴾﴾ وعيدٌ لهم على ما فعلوا، وهو عطفٌ على الجملة السابقة داخلٌ تحت التنبيه، أي: جامعةٌ لهم من كلِّ جانبٍ لا محالةَ، وذلك يوم القيامة، فالمجازُ في اسم الفاعل حيث استُعمل في الاستقبال بناءً على = ضعيف. اهـ. وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر ٢٤٧/٣، وينظر السيرة النبوية لابن هشام ٥١٦/٥. (١) أخرج حديثيهما ابن مردويه كما في الدر المنثور ٢٤٧/٣ و٢٤٨. وحديث جابر أخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ١٨٠٩/٦ . (٢) الكشاف ٢/ ١٩٤، والبحر ٥١/٥. (٣) الكشاف ٢/ ١٩٤ . سُورَةُ التَّوَنَّةِ، ٣٦٦ الآية : ٥٠ أنه حقيقةٌ في الحال، ويحتملُ أن يكون المرادُ أنَّها محيطةٌ بهم الآن، بأنْ يرادَ من جهنم أسبابُها من الكفر والفتنة التي سقطوا فيها ونحو ذلك مجازاً. وقد يُجعل الكلام تمثيلاً بأن تشبَّه حالُهم في إحاطة الأسباب بحالهم عند إحاطة النار. وكونُ الأعمال التي هم فيها هي النارُ بعينها، لكنَّها ظهرت بصورةِ الأعمال في هذه النشأة، وتظهرُ بالصورة النارية في النشأة الأخرى، كما قيل نظيرُه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَقْوَلَ اُلْيَسَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] = منزعٌ صوفيٍّ. والمراد بالكافرين إمَّا المنافقون المبحوثُ عنهم، وإيثارُ وضعِ الظاهر موضعَ الضمير للتسجيل عليهم بالكفر، والإشعارِ بأنَّه معظمُ أسباب الإحاطة المذكورة. وإمَّا جميعُ الكافرين ويدخلُ هؤلاء دخولاً أوليًّا . ﴿إِن تُصِبْكَ﴾ في بعض مغازيك ﴿حَسَنَةٌ﴾ من الظَّفَر والغنيمة ﴿نَسُؤْهُمْ﴾ تلك الحسنةُ، أي: تُؤْرِثْهم مساءةً وحزناً لفَرْطِ حَسَدِهم - لعنهم الله تعالى - وعداوتهم. ﴿وَإِن تُصِبْكَ﴾ في بعضها ﴿مُصِيبَةٌ﴾ كانكسار جيش أو شدَّة(١) ﴿يَقُولُوا﴾ متبجِّحين بما صنعوا، حامدين لآرائهم ﴿قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا﴾ أي: تَلافَينا ما يهمُّنا من الأمر، يعنون به التخلفَ والقعودَ عن الحرب، والمداراةَ مع الكفرة، وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولاً وفعلاً ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل إصابة المصيبة، حيثُ ينفع التدارُكُ، يشيرون بذلك إلى أنَّ نحو ما صنعوه إنَّما يَرُوْجُ عند الكَفَرةِ بوقوعه حالَ قوة الإسلام لا بعدَ إصابة المصيبة. ﴿وَيَتَوَلَّواْ﴾ أي: وينصرفوا عن متحدَّثهم ومحلِّ اجتماعهم إلى أهليهم وخاصَّتِهم، أو: يتفرَّقوا وينصرفوا عنك يا رسول الله. ﴿وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾﴾ بما صنعوا وبما أصابك من السيئة. والجملة في موضع الحال من الضمير في ((يقولوا) و ((يتولَّوا))؛ فإنَّ الفرحَ مقارنٌ للأمرين معاً. وإيثارُ الجملة الاسمية للدَّلالة على دوام السُّرور. (١) في (م): وشدة. الآية : ٥١ ٣٦٧ سُورَةُ التَّوَتَّة وإنما لم يؤت بالشرطية الثانية على طرز الأولى، بأن يقال: وإنْ تُصِبْكَ مُصيبةٌ تَسُرُّهم، بل أُقيم ما يدلُّ على ذلك مُقامه، مبالغةً في فرطِ سرورهم، مع الإيذان بأنَّهم في معزلٍ عن إدراك سوءٍ صنيعهم؛ لاقتضاء المقام ذلك. وقيل: إنَّ إسنادَ المساءة إلى الحسنة والمسرَّة إلى أنفسهم؛ للإيذان باختلافٍ حالهم حالتَي عُروضِ المساءة والمسرَّة، بأنَّهم في الأولى مضطرُّون وفي الثانية مختارون. وقوبل هنا الحسنة بالمصيبة، ولم تقابلْ بالسيئة كما قال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿وَإِن تُصِبَّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ [الآية: ١٢٠]؛ لأنَّ الخطاب هنا للنبيِّ وَّل وهو هناك للمؤمنين، وفرقٌ بين المخاطَبَيْنِ، فإنَّ الشِّدة لا تَزِيدُه ◌َلِّ إلا ثواباً، فإنه المعصومُ في جميع أحواله عليه الصلاة والسلام. وتقييدُ الإصابة في بعض الغزوات لدلالةِ السِّياق عليه، وليس المرادُ به بعضاً معيَّناً هو هذه الغزوة التي استأذنوا في التخلّف عنها، وهو ظاهر. نعم سببُ النزول يُوهم ذلك، فقد أخرج ابن أبي حاتم(١) عن جابر بن عبد الله قال: جعلَ المنافقون الذين تخلَّفوا في المدينة يُخْبِرون عن النبيِّ وَّ﴿ أخبار السوء، يقولون: إنَّ محمَّداً وَه وأصحابَه قد جُهِدُوا في سفرهم وهَلَكوا. فبلغهم تكذيبُ حديثهم وعافيةُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فأنزل الله تعالى الآيةَ. فتأمل. تبكيتاً لهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ أبداً ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: إلا (٢) ما اختصّنا بإثباته وإيجابه من المصلحة الدنيوية أو الأخروية، كالنُّصرة أو الشهادة المؤدِّية إلى النعيم(٣) الدائم. فالكَتْبُ بمعنى التقدير، واللَّامُ للاختصاص. وجوِّز أن يكون المرادُ بالكتب الخطّ في اللوح، واللامُ للتعليل والأَجْلِ، أي: لن يصيبنا إلَّا ما خطَّ الله تعالى لأَجْلِنا في اللوح، ولا يتغيّر بموافقتكم ومخالفتكم، فتدلُّ الآيةُ على أنَّ الحوادثَ كلَّها بقضاء الله تعالى، وروي هذا عن الحسن. (١) في تفسيره ٦/ ١٨١٠. (٢) قوله: إلا، ليس في (م). (٣) في (م): للنعيم. سُورَةُ التوقية ٣٦٨ الآية : ٥١ واذَّعى بعضُهم أنَّه غيرُ مناسب للمقام، وأنَّ قوله تعالى: ﴿هُوَ مَوْلَئًا﴾ - أي: ناصِرُنا ومُتَولِّي أمورِنا - يعيِّن الأولَ؛ لأنَّه يبيِّن أنَّ معنى اللام الاختصاصُ، ويخصِّصُ الموصولَ بالنصر والشهادة، أي: لن يصيبنا إلا ذلك دونَ الخذلان والشقاوة كما هو مصيرُ حالِكم؛ لأنَّا مؤمنون، وأنَّ الله مولَى الذين آمنوا، وأنَّ الكافرين لا مولَی لهم. وقد يقال: هو تعليلٌ لما يستفاد من القول السابق من الرضا، أي: لن يصيبنا إلا ما كتب من خير أو شرِّ، فلا يضرُّنا ما أنتم عليه، ونحنُ بما فَعَل اللهُ تعالى راضون؛ لأنَّه سبحانه مالكُنا ونحن عبيدُه. وقرأ ابنُ مسعود: ((هل يُصيبنا))(١). وطلحة: ((هل يُصيِّبنا)) بتشديد الياء(٢)، من صيَّب الذي وزنُه فيْعَل، لا فعَّل بالتضعيف لأنَّ قياسَه صوَّب؛ لأنه من الواويِّ فلا وجهَ لقلبها ياءً، بخلاف ما إذا كان صَيْوَبَ على وزن فَيْعَلَ؛ لأنه إذا اجتمعتٍ الواو والياءُ والأوَّلُ منهما ساكنٌ قُلبت الواو ياءً، وهو قياسٌ مَّرد. وجوَّز الزمخشريُّ(٣) كونَه من التفعيل، على لغةٍ مَن قال: صاب يَصيبُ، ومنه قولُ الکمیت: وأَسْتَبي الكاعبَ العقيلةَ إذ أسهُمي الصائباتُ والصُّيُبُ(٤) ﴿وَعَلَى اَللَّهِ﴾ وحدَه ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ بأنْ يفوِّضوا الأمرَ إليه سبحانه، ولا ينافي ذلك التشبُّكَ بالأسباب العادية إذا لم يُعتمد (٥) عليها. وظاهرُ كلام جمع أنَّ الجملة من تمام الكلام المأمور به. وتقديمُ المعمول لإفادة التخصيص كما أشرنا إليه. وإظهارُ الاسم الجليل في مقام الإضمار لإظهار التبرُّك والاستلذاذِ به. (١) الكشاف ١٩٥/٢، والبحر ٥١/٥. (٢) المحتسب ٢٩٤/٢، والكشاف ١٩٥/٢، والبحر ٥١/٥. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٣ عن طلحة أنه قرأ: ((لن يصيبنا)) بتشديد النون. (٣) في الكشاف ١٩٥/٤ . (٤) البيت في شرح الهاشميات لأبي رياش القيسي ص١٠٨، وفيه: أستبي: أذهب بعقلها، من السبي. العقيلة: الكريمة على أهلها. وأسهمه، يعني عينيه. (٥) في الأصل: يعقد. الآية : ٥٢ ٣٦٩ سُوَّةُ التَّوَنَّة ووَضع المؤمنين مَوضِعَ ضمير المتكلم ليُؤْذِنَ بأنَّ شأن المؤمنین اختصاصُ التوگل بالله تعالى. وجيء بالفاء الجزائية لتُشعر بالترتُّب، أي: إذا كان لن يصيبنا إلا ما كتب الله-أي: اختصَّنا (١) اللهُ سبحانه به من النصر أو الشهادة، وأنَّه متولِّي أمرنا - فلْنفعل ما هو حقُّنا من اختصاصه جلَّ شأنه بالتوُّل. قال الطَّيبيُّ: وكأنه قُوبِلَ قولُ المنافقين: ((قد أخذنا أمرنا)) بهذه الفاصلة، والمعنى: دأبُ المؤمنين أن لا يتَّكلوا على حَزْمِهم وتيقُّظِ أنفسهم كما أنَّ دأبَ المنافقين ذلك، بل أنْ يتَّكلوا على الله تعالى وحده ويفوِّضوا أمورَهم إليه. ولا يَبْعُدُ تفرُّعُ الكلامِ على قوله سبحانه: (هُوَ مَوْلَئنَا) كما لا يخفَى. ويَجوزُ أن تكون هذه الجملةُ مسوقةً من قِبَله تعالى أمراً للمؤمنين بالتوكُّل إثرَ أمره ◌َّهِ بما ذُكر، وأمرُ وَضْعِ الظاهرِ مَوْضِعَ الضميرِ في الموضعين حينئذٍ ظاهرٌ، وكذا إعادةُ الأمر في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَُّونَ بِنَّ﴾ لانقطاع حكم الأمر الأوَّل بالثاني وإن كان أمراً لغائب، وأما على كلام الجماعة فالإعادةُ لإبراز كمال العناية بشأن المأمور به. والتربُّص: الانتظارُ والتمهُّل، وإحدى التاءين محذوفةٌ، والباء للتعدية، أي: ما تنتظرون بنا ﴿إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَئِنِّ﴾ أي: إحدى العاقبتين اللَّتَين كلٌّ منهما أحسنُ من جميع العواقب غير الأخرى، أو أحسنُ من جميع عواقبٍ الكفرة، أو كلِّ منهما أحسنُ مما عداه من جهة، والمرادُ بهما النُّصرةُ والشهادة. والحاصل أنَّ ما تنتظرونه لا يخلو من أحدٍ هذين الأمرين، وكلٌّ منهما عاقبتُه(٢) حُسْنَى، لا كما تزعمون من أنَّ ما يصيبُنا من القتل في الغزو سوءٌ ولذلك سُررتم به. وصحَّ من حديثٍ أبي هريرةَ عن النبيِّ وَّهِ قال: ((تَكَفَّلَ الله تعالى لمن جاهد في سبيله، لا يُخْرِجُه من بيته إلَّا الجهادُ في سبيله وتصديقُ كلمته، أنْ يُدْخِلَه الجنَّةَ، أو يَرْجِعَه إلى مَسْكَتِهِ الذي خَرَجَ منه مع ما نالَ من أجرٍ وغنيمة)»(٣). (١) في (م): خصَّنا، وقوله: كتب الله أي، ليس في الأصل. (٢) في الأصل: عاقبة. (٣) صحيح البخاري (٣١٢٣)، وصحيح مسلم (١٨٧٦). سُورَةُ التّوَّةِ ٣٧٠ الآية : ٥٣ ﴿وَحْنُ نَتَرَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السُّوأيَيْن(١) من العواقب، إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ فيهلِكَكم كما فَعَل بالأُمم الخالية قبلَكم. والظرفُ صفةٌ ((عذاب))، وكونُه من عنده تعالى كنايةٌ عن كونِه منه جلَّ شأنه بلا مباشرةِ البَشَر، ويُظْهِرُ ذلك المقابلةُ بقوله سبحانه: ﴿أَوْ بِأَيَدِينًا﴾ أي: أو بعذابٍ كائنٍ بأيدينا، كالقتل على الكفر، والعطفُ على صفةِ ((عذاب)) فهو صفةٌ أيضاً، لا أنَّ هناك عذابٌ مقدَّر. وتقييدُ القتلِ بكونه على الكفر؛ لأنَّه بدونه شهادةٌ، وفيه إشارةٌ إلى أنهم لا يُقتلون حتى يُظْهِروا الكفرَ ويُصِرُّوا عليه؛ لأنَّهم منافقون والمنافقُ لا يُقتل ابتداءً. ﴿فَتَرَصَُّوْ﴾ الفاء فصيحةٌ، أي: إذا كان الأمرُ كذلك فتربَّصوا بنا ما هو عاقبتُنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرِيِّصُونَ ﴾﴾ ما هو عاقبتُكم، فإذا لقي(٢) كلٌّ منَّا ومنكم ما يتربَّصُه، لا نشاهِدُ إلا ما یسوؤکم، ولا تشاهدون إلا ما یسرُّنا . وما ذكرناه من مفعول التربُّص هو الظاهر، ولعلَّه يرجع إليه ما روي عن الحسن، أي: فتربَّصوا مواعيدَ الشيطان إنَّا متربِّصون مواعدَ الله تعالى من إظهار دينه واستئصالِ مَن خالَفه. والمرادُ من الأمر التهديد. ﴿قُلّ أَنفِقُواْ﴾ أموالكم في مصالح الغزاةِ ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: طائعين أو كارهين، فهما مصدران وقعا موقعَ الحَال، وصيغةُ ((أنفقوا)) وإن كانت للأمر إلّا أنَّ المراد به الخبرُ، وكثيراً ما يُستعمل الأمرُ بمعنى الخبر كعكسه، ومنه قولُ كثيِّرٍ عَزَّةَ: أسيئي بنا أو أَحسني لا ملومةٌ لدينا ولا مقليَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ(٣) وهو كما قال الفرَّاء والزجَّاج في معنى الشرط (٤)، أي: إن أنفقتم على أيٍّ حال فـ ﴿أَنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾، وأخرج الكلام مخرجَ الأمر للمبالغة في تَساوي الأمرين في عدم القبول، كأنهم أمروا أن يجرِّبوا فينفقوا في الحالين، فينظروا هل يُتُقبَّلُ منهم، فيشاهدُوا عدمَ القبول. (١) بهمزة وياءين تثنية سُوأى مؤنث أسوأ، كحُسْنَى وأحسن. حاشية الشهاب ٤/ ٣٣٣. (٢) في الأصل: ألفى. (٣) ديوان كثير عزة ص ٨٠. أي: إن أسأت أو أحسنت فلست ملومةً ولا مقليةً. حاشية الشهاب ٣٣٣/٤. (٤) معاني القرآن للفراء ٤٤١/١، وللزجاج ٤٥٣/٢. الآية : ٥٤ ٣٧١ سُؤَُّالتَّوَنَّةِ وفيه - كما قال بعضُ المحققين - استعارةٌ تمثيليَّة؛ شُبِّهت حالُهم في النفقة وعدم قبولِها بوجهٍ من الوجوه بحالِ مَن يؤمر بفعلٍ ليجرِّبه فيظهرُ له عدمُ جدواه، فلا يُتَوهّم أنه إذا أمر بالإنفاق كيف لا يقبل؟. جواباً عمّا في قول والآية نزلت كما أخرج ابنُ جريرٍ عن ابن عباس الجدِّ بن قيس - حين قال له رسولُ اللهِ وَ له: ((هل لك في جلاد بني الأصفر؟)) .: إنِّي إذا رأيتُ النساء لم أصبرْ حتى أُفتن، لكن أُعينُكَ بمالي(١). ونفيُ التقبُّل يحتمل أن يكونَ بمعنى عدم الأخذ منهم، ويحتمل أن يكون بمعنى عدم الإثابة عليه، وكلٌّ من المعنيين واقعٌ في الاستعمال، فقبولُ الناس له أخذُه، وقبولُ الله تعالى ثوابُه عليه، ويجوزُ الجمع بينهما . · تعليلٌ لردِّ إنفاقهم، والمرادُ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ بالفسق: العتوُّ والتمرُّد، فلا يقال: كيف عُلِّل مع الكفرِ بالفسق الذي هو دونَه؟ وكيف صحَّ ذلك مع التصريح بتعليله بالكفر في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ.﴾؟ وقد يرادُ به ما هو الكاملُ وهو الكفر، ويكونُ هذا منه تعالى بياناً وتقريراً لذلك. والاستثناءُ من أعمِّ الأشياء، أي: ما منعهم أن تقبلَ نفقاتُهم شيءٌ من الأشياء إلا كفرُهم. ومَنَعَ يتعدّى إلى مفعولين بنفسه، وقد يتعدَّى إلى الثاني بحرفِ الجرِّ وهو ((مِن)) أو ((عن))، وإذا عدِّي بحرفٍ صَّ أن يقال: مَنَعه مِن حقٌّه ومَنعَ حقَّه منه؛ لأنه يكون بمعنى الحيلولة بينهما والحماية، ولا قَلْبَ فيه كما يُتُوهَّم. وجاز فيما نحن فيه أن يكون متعدِّياً للثاني بنفسه، وأن يقدَّر حرفٌ، وحَذْفُ حرفِ الجرِّ مع ((أنَّ) و((أنْ)) مقيسٌ مَّرد. وجوَّز أبو البقاء أنْ يكون ((أنْ تُقبَلَ)) بدلَ اشتمالٍ مِن ((هم)) في ((مَنَعهم)) (٢)، وهو خلافُ الظاهر. (١) تفسير الطبري ٤٩٩/١١، وهو من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس هـ (٢) الإملاء ١٦٢/٣ - ١٦٣. سُورَةُ النََّنَّةِ ٣٧٢ الآية : ٥٤ وفاعلُ ((مَنَع)) ما في حيِّز الاستثناء. وجوِّز أن يكون ضميرَ الله تعالى، و((أنهم كفروا)) بتقديرٍ: لأنَّهم كفروا . وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((يُقْبَلَ)) بالتحتانية(١)؛ لأنَّ تأنيثَ النفقات غيرُ حقيقيٍّ، مع كونه مفصولاً عن الفعل بالجارِّ والمجرور. وقرئ: ((نفقتُهم)) على التوحيد(٢). وقرأ السُّلمي: ((أنْ يَقْبَلَ منهم نفقاتِهم)) ببناء ((يَقْبَلَ)) للفاعل، ونَصْبٍ النفقات(٣)؛ والفاعلُ إما ضميرُ الله تعالى، أو ضميرُ الرسول عليه الصلاة والسلام بناءً على أنَّ القبول بمعنى الأَخْذِ. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَةَ﴾ المفروضةَ في حالٍ من الأحوال ﴿إِلَّا وَهُمْ كُسَالَ﴾ أي: إلا حالَ كونهم متثاقلين ﴿وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ الإنفاقَ؛ لأنَّهم لا يرجُون بهما ثواباً، ولا يخافون على تركهما عقاباً. وهاتان الجملتان داخلتان في حيِّز التعليل. واستشكل بأنَّ الكفر سببٌ مستقلٌّ لعدم القبولِ، فما وجهُ التعليل بمجموع الأمورِ الثلاثة، وعند حصولِ السبب المستقلِّ لا يبقى لغيره أثرٌ؟ وأجاب الإمام بأنَّه إنما يتوجَّه على المعتزلة القائلين بأنَّ الكفرَ لكونه كفراً يؤثّر في هذا الحكم، وأمَّا على أهل السنة فلا؛ لأنَّهم يقولون: هذه الأسبابُ معرِّفاتٌ غيرُ موجبةٍ للثواب ولا للعقابِ، واجتماعُ المعرِّفات الكثيرةِ على الشيءِ الواحد جائزٌ (٤). والقولُ بأنَّه إنما جيء بهما لمجرَّد الذَّمِّ وليستا داخلتين في حيِّز التعليل - وإن كان يندفعُ به الإشكالُ على رأي المعتزلة - خلافُ الظاهر كما لا يخفى. (١) التيسير ص١١٨، وهي قراءة خلف من العشرة كما في النشر ٢٧٩/٢. (٢) القراءات الشاذة ص٥٣ عن الأعرج. (٣) الكشاف ١٩٦/٢ . (٤) تفسير الرازي ٨٩/١٦، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٣٤/٤، وتحرفت كلمة: جائز، في مطبوع تفسير الرازي إلى: محال. وينظر غرائب القرآن النيسابوري ١٠٦/١٠. الآية : ٥٥ ٣٧٣ سُوَّةُ النََّنِّية فإن قيل: الكراهيةُ خلافُ الطواعية، وقد جُعل هؤلاءِ المنافقون فيما تقدَّم طائعين، ووُصفوا هاهنا بأنَّهم لا ينفقون إلَّا وهم كارهون، وظاهرُ ذلك المنافاة. أجيب: بأنَّ المرادَ بطوعِهم أنَّهم يبذلون من غير إلزامٍ من رسول الله وَّه لا أنَّهم يبذلون رغبةً، فلا منافاة. وقال بعضُ المحققين في ذلك: إنَّ قوله سبحانه: (أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) لا يدلُّ على أنهم ينفقون طائعين، بل غايتُه أنَّه ردَّد حالَهم بين الأمرين. وكونُ الترديد ينافي القَطْعَ محلٌّ نظرٍ، كما إذا قلت: إنْ أحسنتَ أو أسأتَ لا أَزورُك، مع أنه لا يُحْسِنُ قطعاً، ويكون الترديدُ لتوسع (١) الدائرة، وهو متَّسِعُ الدائرة. ﴿فَلَ تُمِْبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمَّ﴾ أي: لا يروقك شيءٌ من ذلك فإنه استدراجٌ لهم ووبالٌ عليهم حَسْبَما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا﴾ والخطابُ يحتمل أن يكون للنبيِّ ◌َّهِ وأن يكون لكلِّ مَن يَصْلُحُ له، على حدٍّ ما قيل في نحو قوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]. ومفعولُ الإرادة، قيل: التعذيبُ واللامُ زائدة، وقيل: محذوفٌ واللام تعليليّة، أي: يريد إعطاءهم لتعذيبهم. وتعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا لِمَا أنهم يكابدون بِجَمْعِها وحِفْظِها المتاعبَ، ويقاسون فيها الشدائدَ والمصائبَ، وليس عندهم من الاعتقاد بثواب الله تعالی ما یھون علیهم ما يجدونه. وقيل: تعذيبُهم في الدنيا بالأموال؛ لأخذ الزكاة منهم والنفقةِ في سبيل الله تعالى، مع عدم اعتقادِهم الثوابَ على ذلك، وتعذيبُهم فيها بالأولاد أنهم قد يقتلون في الغزو فيَجْزَعون لذلك أشدَّ الجزع، حيث لا يعتقدون شهادتهم وأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، وأنَّ الاجتماع بهم قريبٌ، ولا كذلك المؤمنون فيما ذكر. وقيل: تعذيبُهم بالأموال بأنْ تكونَ غنيمةً للمسلمين، وبالأولاد بأن يكونوا سبياً(٢) لهم، إذا أظهروا الكفرَ وتمگَّنوا منهم. (١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: لتوسيع. وينظر تفسير أبي السعود ٤/ ٧٤. (٢) في (م): سبباً، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. سُورَةُ التَّوَتَّةِ ٣٧٤ الآية : ٥٥ وأخرج ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادةَ أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً، أي: لا تُعْجِبْكَ أموالُهم ولا أولادُهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذِّبَهم بها في الآخرة(١). ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ أي: يموتون، وأصلُ الزهوق: الخروجُ بصعوبة ﴿وَهُمْ ، في موضع الحال، أي: حالَ كونهم كافرين، والفعلُ عطفٌ على [٥٥) كَفِرُونَ ( ما قبلَه داخلٌ معه في حيِّز الإرادة. واستُدِلَّ بتعليق الموتِ على الكفرِ بإرادته تعالى على أنَّ كُفْرَ الكافر بإرادته سبحانه، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلة. وأجاب الزمخشريُّ: بأنَّ المرادَ إنَّما هو إمهالُهم وإدامةُ النِّعم عليهم، إلى أن يموتوا على الكفر مشتغلينَ بما هم فيه عن النَّظر في العاقبة(٢). والإمهالُ والإدامةُ المذكورة ممَّا يصحُّ أن يكون مراداً له تعالى. واعترضه الطَّيبِيُّ بأنَّ ذلك لا يُجديه شيئاً؛ لأنَّ سببَ السبب سببٌ في الحقيقة. وحاصلُه: أنَّ ما يؤدي إلى القبح ويكونُ سبباً له حكمُه حكمُه في القبح، وهو في حيِّز المنع. وأجاب الجبّائيُّ بأنَّ معنى الآية: أنَّ الله تعالى أراد زهوقَ أنفسهم في حال الكفر، وهو لا يقتضي كونَه سبحانه مريداً للكفر، فإنَّ المريضَ يريد المعالجة في وقت المرض ولا يريدُ المرضَ، والسلطانُ يقول لعسكرِه: اقتلوا البغاة حالَ هجومھم ولا یریدُ هجومهم. وردَّه الإمام(٣) بأنه لا معنى لما ذَكر من المثال إلَّا إرادةُ إزالةِ المرض، وطلبُ إزالةِ هجومِ البغاة، وإذا كان المرادُ إعدامَ الشيءِ، امتنع أن يكون وجودُه مراداً، بخلاف إرادة زهوقٍ نفسٍ الكافر؛ فإنها ليست عبارةً عن إرادة إزالة الكفر، فلمَّا (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٨١٣/٦، وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٢٤٩/٣. (٢) الكشاف ١٩٦/٢. (٣) في تفسيره ١٦/ ٩٥. الآية : ٥٦ ، ٥٧ ٣٧٥ سُورَةُ التَّوَنَّةِ أراد الله تعالى زهوقَ أنفسهم حالَ كونهم كافرين، وجب أن يكون مریداً لكفرهم، وكيف لا يكونُ كذلك والزهوقُ حالَ الكفر يمتنع حصولُه إلَّا حالَ حصولِ الكفر، وإرادةُ الشيءِ تقتضي إرادةً ما هو من ضروريًّاته، فيلزمُ كونُه تعالى مريداً للكفر. وفيه أنَّ الظاهر أنَّ إرادة المعالجة شيءٌ غير إرادة إزالة المرض، وكذا إرادة القتل غير إرادة إزالة الهجوم، ولهذا يعللُ إحدى الإرادتين بالأخرى، فكيف تكونُ نفسَها؟ وأمَّا أنَّ كونَ إرادة ضرورياتِ الشيءٍ من لوازم إرادته فغير مسلَّم؛ فكم من ضروريٍّ لشيءٍ لا يخطرُ بالبال عند إرادته، فضلاً عمَّا اذَّعاه. فالاستدلالُ بالآية على ما ذكر غيرُ تام. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ أي: في الدِّين، والمرادُ أنَّهم يحلفون أنهم مؤمنون مثلكم ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُرُ﴾ في ذلك لكفرِ قلوبهم ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُنَ أي: يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، فيُظهِرون الإسلام تقيةً ويؤيِّدونه بالأيمان الفاجرة. وأصل الفَرَق: انزعاجُ النفس بتوقُّع الضرر. قيل: وهو من مفارقةِ الأمن إلى حال الخوف. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنًا﴾ أي: حصناً يلجؤون إليه، كما قال قتادة ﴿أَوْ مَغَرَاتٍ﴾ أي: غِيْرَانِ يُخفون فيها أنفسَهم، وهو جمعُ مغارةٍ بمعنى الغار، ومنهم مَن فَرَّق بينهما؛ بأنَّ الغار في الجبل والمغارة في الأرض. وقرئ: ((مُغارات)) بضمِّ الميم(١)، من أغار الرجلُ: إذا دخل الغور. وقيل: هو تعديةُ غارَ الشيءُ وأَغَرْتُه أنا، أي: أمكنةٍ يغيِّرون فيها أشخاصَهم. ويجوز أن تكونَ من أغار الثعلبُ: إذا أسرع، بمعنى مَهَارِبَ ومَفَارَّ(٢). ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ أي: نفقاً كنفق اليربوع يَنْجَحِرون فيه، وهو مُفْتَعَلٌ من الدُّخول، فأُدغم بعد قَلْبٍ تائه دالاً . (١) المحتسب ٢٩٥/٢، والكشاف ١٩٦/٢، والبحر ٥٥/٥. (٢) في (م): ومغار، والمثبت من الأصل والكشاف ١٩٦/٢، والكلام منه. سُورَةُ التَّوَّةِ ٣٧٦ الآية : ٥٧ وقرأ يعقوب وسهل: ((مَدْخلاً)) بفتح الميم، اسمُ مكانٍ مِن دَخَلَ الثلاثيٌّ، وهي قراءةُ ابن أبي إسحاق والحسن(١). وقرأ مَسلمةُ(٢) بنُ محارب: ((مُدْخلاً)) بضمِّ الميم وفتح الخاء. من أَدْخَلَ المزيد، أي: مكاناً يُدْخِلون فيه أنفسَهم، أو يدخلُهم الخوفُ فيه. وقرأ أبيُّ بنُ كعب: ((متدخّلاً)(٣) اسم مكانٍ مِن تدخّل تفعَّل من الدُّخول. وقرئ: ((مندخلاً))(٤) من انْدَخَلَ، وقد ورد في شعر الكُميت: ولا يَدي في حَمِيتِ السَّمن تَنْدَخِلُ(٥) وأنكر أبو حاتم هذه القراءةً وقال: إنَّما هي بالتاء، بناءً على إنكار هذه اللغة، وليس بذاك. ﴿لَّوَلَّوْا﴾ أي: لصرفوا وجوهَهم وأقبلوا. وقرئ: (لَوَأَلوا)) (٦) أي: لالتجؤوا ، أي: يُسْرِعون في الذهاب إليه OV ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى أحدٍ ما ذكر ﴿وَهُمْ يَجْمَعُونَ بحيث لا يردُّهم شيءٌ، كالفَرَسِ الجَموح، وهو النَّفور الذي لا يردُّه لجامٌ. وروى الأعمش عن أنس بن مالك أنه قرأ: ((يَجْمزون)) بالزاي(٧)، وهو بمعنى: (١) النشر ٢٧٩/٢ عن يعقوب، وذكرها أبو حيان في البحر ٥/ ٥٥ عن الحسن وابن أبي إسحاق ومسلمة بن محارب وابن محیصن ویعقوب وابن کثیر بخلاف عنه. (٢) في الأصل و(م): سلمة، والمثبت هو الصواب، وقراءته في المحتسب ٢٩٥/٢. (٣) القراءات الشاذة ص٥٣. (٤) المحتسب ٢٩٥/١ والمحرر الوجيز ٤٦/٣، والبحر ٥٥/٥ عن أبيّ. (٥) وصدره: لاخطوتي تتعاطى غير موضعها، وهو في ديوانه ص٢٩٥، والمعاني الكبير لابن قتيبة ١٢٥٨/٣، والمحتسب ٢٩٦/١، والمحرر الوجيز ٤٦/٣، والبحر ٥٥/٥، وحاشية الشهاب ٣٣٥/٣. ورواية الديوان والمعاني والمحتسب: السَّكن، بدل: السمن. قال ابن قتيبة: يقول: لا أخطو إلى ريبة، والحَمِيتُ: نِحْيُ السمن، والسكن: الحي، وهذا مَثَلُ، يقول: لا أخرِّقُ جلود الحيّ بالشتم. اهـ. والنحي: الزِّق، أو ما كان للسمن خاصة. القاموس (نحي). (٦) الكشاف ١٩٦/٢، والبحر ٥٥/٥. (٧) الكشاف ١٩٦/٢، والبحر ٥٥/٥ . الآية : ٥٨ ٣٧٧ سُؤَةُ التّوَنَّة يَجْمَحون ويشتدُّون، ومنه الجَمَّازة: الناقةُ الشديدةُ العَدْوِ. وأنكر بعضُهم كونَ ما ذُكر قراءةً، وزعم أنَّه تفسير، وهو مردودٌ. والجملةُ الشرطية استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما سبق من أنَّهم ليسوا من المسلمين، وأنَّ التجاءَهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقيةِ اضطراراً، وإيثارُ صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضيِّ لإفادةِ استمرارٍ عدم الوجدان حَسْبَما يقتضيه المقام، ونظيرُ ذلك: لو تُحْسِنُ إليَّ لشكرتُكَ. نعم كثيراً ما يكون المضارع المنفيُّ الواقعُ موقعَ الماضي لإفادة انتفاء استمرارِ الفعل، لكن ذلك غيرُ مرادٍ هاهنا. ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ﴾ أي: يَعِيُبكَ في شأنها. وقرأ يعقوب: ((يَلْمُزكَ)) بضم الميم(١)، وهي قراءة الحسن والأعرج. وقرأ ابنُ كثير: ((يُلامِزُك))(٢) وهو من المُلامَزَةِ بمعنى اللَّمْزِ. والمشهورُ أنَّه مُظْلَقُ العيبِ كالهَمْز، ومنهم مَن فَرَّق بينهما بأنَّ اللَّمزَ في الوجه والهمزَ في الغيب، وهو المحكيُّ عن الليثِ، وقد عُكِسَ أيضاً، وأصلُ معناه: الدَّفع. ﴿فَإِنَّ أُغْطُواْ مِنْهَا﴾ بيانٌ لفسادٍ لَمْزِهم، وأنَّه لا منشأَ له إلا حِرْصُهم على حطامِ الدنيا، أي: إن أعطيتهم من تلك الصدقات قَدْرَ ما يريدون ﴿رَضُوا﴾ بما وقع في القسمة، واستحسنوا فعلك ﴿وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا﴾ ذلك المقدارَ ﴿إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (@) أي: يفاجئون السخط، و((إذا)) نابَتْ مَنابَ فاءِ الجزاءِ، وشُرط لنيابتها عنه كونُ الجزاء جملةً اسميَّة، ووجهُ نيابتها دلالتها على التعقيب كالفاء. وغايَرَ سبحانه بين جوابي الجملتين إشارةً إلى أنَّ سخطَهم ثابتٌ لا يزول ولا يفنى بخلافٍ رضاهم. وقرأ إياد بن لقيط(٣): ((إذا هم ساخطون)). (١) النشر ٢٧٩/٢ . (٢) البحر ٥٦/٥، والمشهور عن ابن كثير: ((يَلْمِزك)) كقراءة الجماعة. (٣) السدوسي الكوفي، من علماء التابعين وثقاتهم، توفي قبل العشرين ومئة. سير أعلام النبلاء ٢٤٤/٥، وهذه القراءة أخرجها عنه أبو الشيخ كما في الدر المنثور ٢٥٠/٣. سُؤَدَّةُ التَوَيَّةِ ٣٧٨ الآية : ٥٨ والآية نزلت في ذي الخُوَيصِرة، واسمه: حُرْقُوص بن زهير التميمي، جاء ورسولُ اللهِ وَّ﴿ يقسم غنائمَ هوازن يومَ حنين، فقال: يا رسول الله، اعدلْ. فقال عليه الصلاة والسلام: ((ومَن يَعْدِلُ إذا لم أَعْدِلْ؟!)) فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ائذن لي أضرب عنقه. فقال النبيُّ وَلِّ: ((دَعْهُ فإن له أصحاباً يَحْقِرُ أحدُكم صلاته مع صلاتِهم، وصيامَه مع صيامِهم، يَمْرقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السهمُ من الرَّمِيَّةِ)) الحديث(١). وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: لمَّا قَسَم النبيُّ وَّ غنائم حنين سمعتُ رجلاً يقول: إنَّ هذه القسمةَ ما أُريد بها وجهُ الله تعالى، فأتيتُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام فذكرتُ ذلك له، فقال: ((رحمهُ الله تعالى على موسى، قد أوذي بأكثرَ من هذا فصبر)» ونزلت الآيةُ(٢). وأخرج ابنُ جرير وغيرُه عن داود بن أبي عاصم قال: أُتي النبيُّ نَّهِ بصدقةٍ فَقَسَمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت، ورآه رجلٌ من الأنصار فقال: ماهذا بالعَدْل. فنزلتْ(٣) . وعن الكلبيِّ أنها نزلتْ في أبي الجوَّاظ المنافق، قال: ألا ترونَ إلى صاحبكم إنَّما يقسُم صدقاتكم في رعاءِ الغنم ويزعمُ أنه يعدل. وتَعقَّب هذا وليُّ الدِّين العراقي بأنَّه ليس في شيء من كتب الحديث. وأنتَ تعلم أنَّ أصحَّ الروايات الأولى، إلَّا أنَّ كونَ سبب النزول قسمتَهِ وَه للصدقة على الوجهِ الذي فعله أوفقُ بالآية من كون ذلك قسمتَه للغنيمة، فتأمل. (١) أخرجه أحمد (١١٥٣٧)، والبخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤): (١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري دون ذكر أن اسم الرجل حرقوص بن زهير، وورد ذلك في رواية للحديث عند الواحدي في أسباب النزول ص٢٤٧، وذكرها الحافظ في الفتح ٢٩٢/٢ وقال: وما أدري مَن الذي قال: وهو حرقوص ... إلخ. (٢) الدر المنثور ٢٥٠/٣، وهو عند أحمد (٣٦٠٨)، والبخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢). دون ذكر الآية. (٣) تفسير الطبري ٥٠٦/١١، والدر المنثور ٣/ ٢٥٠، ووقع في الأصل و(م): ووراءه، بدل: ورآه. الآية : ٥٩ ، ٦٠ ٣٧٩ سُورَةُ التَّوَنَّةِ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أي: ما أعطاهم الرسول وَّ من الصدقات طيِّبي النفوس به وإن قلَّ، فـ((ما)) وإنْ كانت من صِيَغ العموم، إلّا أنَّ ما قبلُ وما بعدُ قرينةٌ على التخصيص، وبعضٌ أبقاها على العموم، أي: ما أعطاهم من الصدقة أو الغنيمة، قيل: لأنَّه الأنسبُ. وذِكْرُ الله عزَّ وجلَّ للتعظيم، وللتنبيه على أنَّ ما فَعَلَه الرسولُ عليه الصلاة والسلام كان بأمره سبحانه. ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ﴾ أي: كفانا فضلهُ وما قَسَمَه لنا، كما يقتضيه المعنى ﴿سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ﴾ بعد هذا حَسْبَما نرجو ونأْمَلُ ﴿إِنَّا إِلَى اَللَّهِ رَغِبُونَ ﴾﴾ في أنْ يخوِّلنا فضلَه جلَّ شأنُه؛ والآيةُ بأسرها في حيِّز الشرط، والجوابُ محذوفٌ بناءً على ظهورِهِ، أي: لكان خيراً لهم وأَعْوَد عليهم. وقيل: إنَّ جواب الشرط ((قالوا)) و((الواوُ)) زائدة. وليس بذاك. ثم إنه سبحانه لمَّا ذكر المنافقين وطَعْنَهم وسخطَهم، بَيَّن أنَّ فِعْلَه عليه الصلاة والسلام لإصلاح الدِّين وأهلِه، لا لأغراضٍ نفسانيَّة كأغراضهم، فقال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ إلخ، يعني أنَّ الذي ينبغي أن يُقْسَمَ مالُ الله تعالى عليه مَن اتَّصف بإحدى هذه الصفات دون غيره؛ إذ القصدُ الصَّلاح، والمنافقون ليس فيهم سوى الفسادِ، فلا يستحقُّونه، وفي ذلك حَسْمٌ لأطماعهم الفارغة، وردٌّ لمقالتهم الباطلة. والمرادُ من الصدقات: الزكواتُ، فيخرج غيرُها من التطوُّع. والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفةً رَُّه: مَن له أدنى شيء، وهو ما دون النِّصاب، أو قَدْرَ نصابٍ غير نامٍ، وهو مستغرَقٌ في الحاجة. والمسكين مَن لا شيءَ له، فيحتاج للمسألة لقُؤْتِه وما يواري بدنه، ويحلُّ له ذلك، بخلافِ الأول حيثُ لا تحلُّ له المسألة، فإنَّها لا تحلُّ لمن يملك قوت يومه بعد سَتْرٍ بدنه. وعند بعضِهم لا تحلُّ لمن كان کَسوباً أو يملُك خمسين درهماً، فقد أخرج أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ عن ابن مسعود قال: قال رسولُ الله ◌ِوَلِ: ((مَن سألَنَا وله ما يُغْنِيهِ جاءَ يومَ القيامةِ ومسألتُه في وجهه خُموشٌ أو خدوشٌ أو كُدوٌ)) قيل: سُورَةُ التَّوَنَّة ٣٨٠ الآية : ٦٠ يا رسول الله، وما يُغنيه؟ قال: ((خمسون درهماً أو قيمتُها من الذهب)»(١) وإلى هذا ذهب الثوريُّ وابنُ المبارك وأحمدُ وإسحاق. وقيل: مَن مَلَكَ أربعين درهماً حرُم عليه السؤالُ؛ لِمَا أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله وَله: ((مَن سأل وله قيمةُ أُوْقيَّةٍ فقد أَلْحَفَ)»(٢) وكان الأُوْفِيَّةُ في ذلك الزمان أربعين درهماً. ويجوز صرفُ الزكاة لمن لا تحلُّ له المسألة بعد كونه فقيراً، ولا يُخرجه عن الفقر مِلكُ نُصبٍ كثيرةٍ غيرِ نامية إذا كانت مستغرقةً بالحاجة(٣)، ولذا قالوا: يجوز للعالم وإن كان له كتبٌ تساوي نُصباً كثيرةً، إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه، أَخْذُ الزكاة بخلافِ العامِّيِّ، وعلى هذا جميعُ آلات المحترفين. وعلى ما نُقل عن الإمام(٤) يكون المسكينُ أسوأ حالاً من الفقير، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] - أي: ألصقَ جلدَه بالتراب في حفرةٍ اسْتَتَر بها مكانَ الإزار، وألصق بطنَه به لفرطِ الجوع - فإنه يدلُّ على غايةِ الضرر والشدَّة، ولم يوصف الفقيرُ بذلك. وبأن الأصمعيَّ وأبا عمرو بن العلاء وغيرَهما من أهل اللغة فسَّروا المسكينَ بمن لا شيءَ له، والفقيرَ بمن له بلغةٌ من العيش. وأجيب: بأنَّ تمام الاستدلالِ بالآية موقوفٌ على أنَّ الصفة كاشفةٌ، وهو خلافُ الظاهر، وأنَّ النقل عن بعض أهل اللغة معارضٌ بالنقل عن البعض الآخر. وقال الشافعيُّ عليه الرحمة: الفقيرُ مَن لا مال له ولا كسبَ يقع موقعاً من حاجته، والمسكينُ مَن له مالٌ أو كسبٌ لا يكفيه، فالفقيرُ عنده أسوأ حالاً من المسكين، واستدلَّ له بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فأثبتَ للمسكين سفينةً. (١) سنن أبي داود (١٦٢٦)، وسنن الترمذي (٦٥٠)، وسنن النسائي ٩٧/٥، وهو عند أحمد (٣٦٧٥). قال السندي كما في حاشية المسند: الخدوش بضمتين: آثار القشر، وكذا الكدوح أو الکدوش وزناً ومعنى. (٢) سنن أبي داود (١٦٢٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (١١٠٤٤)، والنسائي ٩٨/٥. (٣) في (م): للحاجة، والمثبت من الأصل وفتح القدير لابن الهمام ١٥/٢. (٤) في تفسيره ١٦/ ١٠٩ بنحوه.