Indexed OCR Text
Pages 241-260
الآية : ١٢ ٢٤٥ سُوَرَّةُ التَّوَنَّةِ، التضييقَ، وكذا درايةً، فقد ذكر هو في ((المفصَّل)) وسائرُ الأئمة في كتبهم أنَّه إذا اجتمعتْ همزتان في كلمةٍ، فالوجهُ قلبُ الثانية حرفَ لِينٍ، كما في آدم وأئمة (١). فما اعتُذر به عنه غيرُ مقبول. والحاصل أنَّ القراءات هنا: تحقيقُ الهمزتين، وجعلُ الثانية بينَ بين، بلا إدخال ألفٍ، وبه، والخامسةُ بياءٍ صريحةٍ، وكلُّها صحيحةٌ لا وجهَ لإنكارها . ووزنُ أئمّة: أَفعِلة، كحمار وأَحْمِرة، وأصلُه: أَأُمِمة، فنُقلت حركةُ الميم إلى الهمزة وأدغمت، ولمَّا تَقُلَ اجتماعُ الهمزتين فرُّوا منه ففعلوا ما فعلوا. ﴿إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ﴾ أي: على الحقيقة، حيث لا يراعونَها ولا يفُون بها، ولا يَرَوْن نقضَها نقضاً وإنْ أجروها على ألسنتهِم، وإنَّما عُلِّق النفيُ بها كالنكث فيما سلف لا بالعهد المؤَّد بها؛ لأنها العمدةُ في المواثيق. والجملة في موضع التعليل إمَّا لمضمون الشرط، كأنه قيل: وإنْ نكثوا وطعنُوا كما هو المتوقَّعُ منهم؛ إذ لا أيمان لهم حقيقةً حتى ينكثوها، فقاتلوا. أو لاستمرارٍ القتال المأمور به المستفادِ من السِّياق، فكأنه قيل: فقاتلوهم إلى أنْ يؤمنوا إنَّهم لا أيمانَ لهم حتَّى يُعقدَ معهم عقدٌ آخر. وجعلُها تعليلاً للأمر بالقتال لا يساعدُه تعليقُه بالنكث والطعن، لأنَّ حالَهم في أنَّ لا أيمانَ لهم حقيقةٌ بعد ذلك كحالهم قبلَه. والحملُ على معنى عدمٍ بقاءِ أيمانهم بعد النَّكث والطعن، مع أنه لا حاجةً إلى بيانه، خلافُ الظاهر. وقيل: هو تعليلٌ لما يُستفاد من الكلام من الحُكم عليهم بأنَّهم أئمةُ الكفر، أي: إنهم رؤساءُ الكفرةِ وأعظمُهم شرًّا حيثُ ضمُّوا إلى كفرهم عدمَ مراعاة الأیمان. وهو كما ترى. والنفيُ في الآية عند الإمام أبي حنيفةَ عليه الرحمةُ على ما هو المتبادرُ، فيمينُ الكافر ليستْ يميناً عنده معتدًّا بها شرعاً. وعن الشافعيِّ عليه الرحمةُ هي يمينٌ؛ لأنَّ الله تعالى وصفَها بالنَّكث في صدر الآية، وهو لا يكونُ حيث لا يمينَ ولا أيمانَ لهم بما علمت. (١) ينظر شرح المفصل لابن يعيش ١١٦/٩. سُورَةُ التَّوَّةِ ٢٤٦ الآية : ١٢ وأجيب بأنَّ ذلك باعتبار اعتقادِهم أنَّه يمين. ويُبْعِدُه أنَّ الإخبارَ من الله تعالى والخطابَ للمؤمنين. وقال آخرون: إنَّ الاستدلالَ بالنكث على اليمين إشارةٌ أو اقتضاءٌ و((لا أيمان لهم)) عبارةٌ فترجَّح. والقولُ بأنَّها تؤوَّل جمعاً بين الأدلَّة فيه نظر؛ لأنَّه إذا كان لا بدَّ من التأويل في أحد الجانبين فتأويلُ غيرِ الصريح أولى، ولعلَّه لا يُعتبر في ذلك التقدُّم والتأخّر. وثمرةُ الخلاف أنَّه لو أسلم الكافرُ بعد يمينٍ انعقدتْ في كفره ثم حنث، هل تلزمُه الكفارةُ؟ فعند أبي حنيفةَ عليه الرحمةُ: لا، وعند الشافعي رحمه الله تعالى: نعم. وقرأ ابنُ عامر: ((إيمان)) بكسر الهمزة(١) على أنَّه مصدرُ آمنه إيماناً، بمعنى: أعطاه الأمان، ويستعمل بمعنى الحاصل بالمصدر وهو الأمان، والمراد أنَّه لا سبيلَ إلى أن تعطوهم أماناً بعد ذلك أبداً. قيل: وهذا النفيُ بناءً على أنَّ الآيةَ في مشركي العرب، وليس لهم إلَّا الإسلامُ أو السيفُ. ومن الناس مَن زعم أنَّ المرادَ: لا سبيلَ إلى أن يعطوكم الأمانَ بعدُ. وفيه: أنَّه مُشْعِرٌ بأنَّ معاهدتهم معنا على طريقة أن يكون إعطاءُ الأمان من قِبَلِهم، وهو بيِّنُ البطلان . أو على أنَّ الإيمان بمعنى الإسلام، والجملةُ على هذا تعليلٌ لمضمون الشرط لا غير، على ما بيَّنه شيخُ الإسلام، كأنَّه قيل: إن نكثوا وطعنوا كما هو الظاهرُ من حالهم؛ لأنه [لا] إسلامَ لهم حتَّى يرتدعوا عن نقض جنسٍ أيمانهم وعن الطعن في دینکم(٢). وتشبث بهذه الآيةِ على هذه القراءة مَن قال: إنَّ المرتدَّ لا تُقبل توبتُه، بناءً على أنَّ الناكثَ هو المرتدُّ وقد نفي الإيمانُ عنه. ونفيُه - مع أنه قد يقع منه - نفيٌ لصحّته والاعتدادِ به، ولا يخفى ضَعْفُه لما علمتَ من معنى الآية. وقد قالوا: الاحتمالُ يُسقط الاستدلال. (١) التيسير ص١١٧، والنشر ٢٧٨/٢. (٢) تفسير أبي السعود ٤٨/٤، وما سلف بين حاصرتين منه. الآية : ١٣ ٢٤٧ سُورَةُ التَّوَيَّةِ وقال القاضي - بيَّض الله تعالى غرَّة أحواله - في بيان ضَعْفِه: إنَّه يجوز أن يكونَ المراد نفيَ الإيمان عن قوم معيَّنين، والإخبارَ عنهم بأنَّه طبع على قلوبهم، فلا يصدر منهم إيمانٌ أصلاً. أو يكونُ المرادُ أنَّ المشركين لا إيمان لهم حتى يُراقَبوا ويُمهلوا لأجله(١). ويُفهم من هذا أنَّه لم يجعل الجملةَ تعليلاً لمضمون الشرط كما ذكرنا، والظاهر أنه جعلها تعليلاً لقوله سبحانه: (فَقَدِلُواْ) يعني أنَّ المانعَ من قَتْلِهم أحدُ أمرين؛ إمَّا العهدُ وقد نقضوه، أو الإيمان وقد حُرِموه، وربَّما يَؤُولُ ذلك إلى جَعْلِها علةً لما يفهم من الكلام، كأنه قيل: إنْ نكثوا وطعنُوا فقاتلوهم ولا تتوقَّفوا؛ لأنَّه لا مانعَ أصلاً بعد ذلك؛ لأنَّهم لا إيمان لهم ليكون مانعاً. ولا يخفى ما فيه، وإن قيل: إنه سقط به ما قيل: إنَّ وصفَ أئمة الكفر بأنَّهم لا إسلامَ لهم تكرارٌ مستغنّى عنه. وجَعْلُ الجملة تعليلاً لما يُستفاد من الكلام من الحكم عليهم بأنَّهم أئمةُ الكفر - أي: رؤساؤُه - على احتمالِ أنْ يُرادَ الإخبارُ عن قومٍ مخصوصين بالطّبْع، أظهرُ مِن جَعْلِها تعليلاً لها على القراءة السابقة. نعم يأبى حديثَ الإخبار بالطبع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (19)﴾ إذ مع الطَّبع لا يُتُصوَّر الانتهاءُ، وهو متعلِّقٌ بقوله سبحانه: (فَقَدِلُوا) أي: قاتلوهم إرادةَ أنْ ينتهوا، أي: ليكنْ غرضكم من القتال انتهاءَهم(٢) عمَّا هم عليه من الكفر وسائرٍ العظائم، لا مجرَّد إيصالِ الأذيَّة بهم كما هو شِنْشِنةُ المؤْذِينَ، وممَّا قُرِّر يُعلَم أنَّ الترجّي من المخاطبين لا من الله عزَّ شأنه. ﴿أَلَا نُقَئِلُونَ﴾ تحريضٌ على القتال لأنَّ الاستفهامَ فيه للإنكار، والاستفهامُ الإنكاريُّ في معنى النفي، وقد دخل النفيُ، ونفيُ النفي إثبات، وحيث كان التركُ مستقبحاً منكراً أفاد بطريقٍ برهانيٌّ أنَّ إيجادَه أمرٌ مطلوبٌ مرغوبٌ فيه، فيفيد الحثَّ والتحريض عليه . (١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٠٧/٤، دون قوله: والإخبار عنهم بأنه طبع على قلوبهم فلا يصدر منهم إيمان أصلاً، فهو من كلام الشهاب. (٢) في الأصل و(م): انتهاؤهم، والمثبت من تفسير أبي السعود ٤٨/٤، والكلام منه. سُورَةُ التَّوَّةِ ٢٤٨ الآية : ١٣ وقد يقال: وجهُ التحريض على القتال أنَّهم حُمِلوا على الإقرار بانتفائه كأنَّه أمرٌ لا يُمكن أن يعترف به طائعاً لكمال شناعته، فيلجؤون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به، فيختارون القتالَ فيقاتلون. ﴿قَوْمًّا نَّكَنُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ التي حَلَفوها عند المعاهدة لكم على أن لا يُعاونوا عليكم، فعاوَنُوا حلفاءَهم بني بكر على حلفاءِ رسول الله وَّهِ خزاعةَ، والمرادُ بهم قریشٌ. ﴿وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ من مَّة مسقط رأسِه عليه الصلاة والسلام، حين تشاوروا بدار النَّدوة حَسْبَما ذُكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. [الأنفال: ٣٠]. وقال الجبائيُّ: هم اليهودُ الذين نقضوا العهدَ، وخرجوا مع الأحزاب، وهمُّوا بإخراج الرسول وَله من المدينة. ولا يخفى أنه يأباه السِّياقُ وعدمُ القرينة عليه. والأوَّل هو المرويُّ عن مجاهدٍ والسُّديِّ وغيرِهما، واعتُرض بأنَّ ما وقع في دار النَّدوة هو الهمُّ بالإخراج أو الحبسِ أو القتلٍ، لا الإخراج فقط (١)، والذي استقرَّ رأيُهم عليه هو القتلُ لا الإخراج، فما وجهُ التخصيص؟ وأجيبَ بأنَّ التخصيصَ لأنَّه [هو](٢) الذي وقع في الخارج ما يضاهيه مما ترتّب على همِّهم، وإن لم يكن بفعلٍ منهم بل من الله تعالى لحكمةٍ، وما عداه لغوٌ، فخُصَّ بالذكر لأنَّه المقتضي للتحريض لا غيرُه ممَّا لم يظهر له أثر. وقيل: إنَّه سبحانه اقتصر على الأدنى ليُعْلَمَ غيرُه بطريقٍ أَوْلَى. ولا يَرِدُ عليه أنه ليس بأدنى من الحبس كما تُوهّم؛ لأنَّ بقاءه عليه الصلاة والسلام في يد عدوّه المقتضي للتبريح بالتهديد ونحوِه أشدُّ منه بلا شبهة. ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ بالمقاتلة ﴿أَوَّلَـ مَرَّةً﴾، وذلك يومَ بدرٍ، وقد قالوا بعد أنْ بَلَغَهم سلامةُ العير: لا ننصرفُ حتى نستأصلَ محمداً أَّهِ ومَن معه. (١) قوله: لا الإخراج فقط، ليس في (م)، وجاء بدلاً منه في حاشية الشهاب ٣٠٧/٤ (والكلام منه): فليس الهمَّ فيها بالإخراج فقط. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٤/ ٣٠٧. الآية : ١١ ٢٤١ ـُودَةُ التَّوَيَّةِ وهذه الآيةُ أَجْلَبُ لقلوبهم من تلك الآية؛ إذ فرقٌ ظاهرٌ بين تخليةٍ سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدِّينَيَّة لهم، وبها استُدلَّ على تحريم دماءِ أهل القبلة، وروي ذلك عن ابن عباس ﴾. وجاء في رواية ابن جرير وأبي الشيخ عنه: أنَّها حرَّمت قتالَ أو دماءَ أهل الصلاة(١). والمآلُ واحد. واستدلَّ بها بعضُهم على كفر تارِك الصلاة؛ إذ مفهومُها نفيُ الأخوَّة الدِّينية عنه، وما بعد الحقِّ إلا الضلال، ويلزمهُ القولُ بكفرٍ مانع الزكاة أيضاً بعين ما ذكره. وبعضُ من لا يقول بإكفارِهما التزم تفسيرَ إقامة الصلاة وإيتاءِ الزكاة بالتزامِهما والعزمِ على إقامتِهما، ولا شكَّ في كفر مَن لم يلتزمْها بالاتفاق. وذكر بعضُ جلَّة الأفاضل أنَّه تعالى علَّق حصولَ الأخوة في الدين على مجموعٍ الأمور الثلاثة: التوبةٍ، وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والمعلَّق على الشيء بكلمة ((إنْ)) ينعدمُ عند عدم ذلك الشيء، فيلزم أنَّه متى لم توجد هذه الثلاثةُ لا تحصل الأخوّةُ في الدین. وهو مُشْكِلٌ؛ لأنَّ المكلّف المسلمَ لو كان فقيراً، أو كان غنيًّا لكن لم ينقضٍ عليه الحولُ، لا يلزمُه إيتاء الزكاة، فإذا لم يُؤْتِها فقد انعدم عنه ما توقَّف عليه حصولُ أخوَّةِ الدِّين، فيلزم أنْ لا يكون مؤمناً . إلّا أن يقال: التعليقُ بكلمة ((إنْ)) إنَّما يدلُّ على مجرَّد كون المعلَّق عليه مُسْتَلْزِماً ما عُلِّق عليه، ولا يدلُّ على انعدام المعلَّق عليه بانعدامه، بل يُستفاد ذلك من دليلٍ خارجيٍّ؛ لجواز أن يكون المعلَّق لازماً أعمَّ فيتحقَّق بدون تحقّق ما جُعل ملزوماً له، ولو سُلِّمَ أنَّ نفسَ التعليق يدلُّ على انعدام المعلَّق عند انعدام المعلَّق عليه، لكن لا نسلِّم أنه يلزمُ من ذلك أن لا يكونَ المسلمُ الفقير مؤمناً بعدم إيتاء الزكاة، وإنَّما يلزم ذلك أنْ لو كان المعلَّق عليه إيتاؤها على جميع التقادير، وليس كذلك، بل المعلَّق عليه هو الإيتاءُ عند تحقُّق شرائطَ مخصوصةٍ مبيَّنةٍ بدلائلَ شرعية. انتهى. (١) لم نقف على هذه الرواية في تفسير الطبري، والرواية فيه ٣٦٢/١١ عن ابن عباس توافق الرواية التي ذكرها المصنف عنه أولاً، وهي: أهل القبلة. سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٢٤٢ الآية : ١٢ وأنت تعلم ما في القول بمفهوم الشرط من الخلاف، والحنفيةُ لا(١) يقولون به . والظاهرُ أنَّ هذا البحثَ كما يجري في إيتاء الزكاة يجري في إقامة الصلاة. واستدلَّ ابنُ زِيد باقترانهما على أنَّه لا تقبلُ الصلاة إلا بالزكاة. وعن ابن مسعود ﴿ه: أُمِرْتم بالصَّلاة والزكاة فَمَنْ لم يُزَدِّ فلا صلاةَ له. ﴿وَنُفَصِّلُ الَْيَتِ﴾ أي: نبيِّنُها، والمرادُ بها إمَّا ما مرَّ من الآيات المتعلّقة بأحوال المشركين - من الناكثين وغيرهم - وأحكامِهم حالتي الكفر والإيمان، وإمَّا جميعُ الآيات، فيندرجُ فيها تلكَ الآياتُ اندراجاً أوليًّا . ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ ما فصَّلنا، أو: مِن ذوي العِلم، على أنَّ الفِعلَ متعدٍّ ومفعولهُ مقدَّر، أو منزَّلٌ منزلةَ اللازم. والعلم - كما قيل - كنايةٌ عن التأمُّل والتفكُّر، أو مجازٌ مرسلٌ عن ذلك بعلاقة السَّببية. والجملةُ معترضةٌ للحثِّ على التأمُّل في الآيات وتدبُّرها . وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَكَثُواْ﴾ عطفٌ على قوله سبحانه: ((فإن تابوا)) أي: وإنْ لم يفعلوا ذلك بل نقضوا ﴿أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الموثَقِ بها، وأظهروا ما في ضمائرهم من الشرِّ، وأخرجوه من القوَّة إلى الفِعْل(٢). وجُوِّز أن يكون المرادُ: وإنْ ثَبَتوا واستمرُّوا على ما هم عليه من النكث. وفسَّر بعضُهم النَّكثَ بالارتداد بقرينة ذكرِه في مقابلةِ ((فإن تابوا)). والأوَّل أولى بالمقام. ﴿وَطَعَنُواْ فِىِ دِينِكُمْ﴾ قَدَحوا فيه بأنْ أعابوه وقبَّحوا أحكامَه علانية. وجَعَلَ ابنُ المنير (٣) طعنَ الذميِّ في ديننا بين أهل دينه - إذا بَلَغَنا - كذلك، وعدَّ هذا كثيرٌ - ومنهم الفاضل المذكور - نقضاً للعهد، فالعَظْفُ من عَظْفِ الخاصِّ على (١) قوله: لا، ساقط من (م). وينظر البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ٣٤٠/٣. (٢) القوة: التهيُّؤْ الموجود في الشيء، وضده الفعل، وهو بروز ذلك الشيء. معجم متن اللغة (قوي). (٣) في تفسيره كما في حاشية الشهاب ٣٠٥/٤. الآية : ١٢ ٢٤٣ سُورَةُ التَّوَيَّةِ العام، وبه يَنْحَلُّ ما يقال: كان الظاهرُ: أو طعنوا، لأنَّ كلَّا من الطعن وما قبلَه كافٍ في استحقاقِ القتل والقتال. وكونُ الواو بمعنى ((أو)» بعيد. وقيل: العطف للتفسير، كما في قولك: استخفَّ فلانٌ بي وفعلَ معي كذا، على معنى: وإن نكثوا أيمانهم بطعنِهم في دينكم. والأوَّل أَولى. ولا فرق بين توجیه الطّعن إلى الدِّین نفسِه إجمالاً وبین توجيهه إلى بعض تفاصيلِه كالصلاة والحجِّ مثلاً، ومِن ذلك الطعنُ بالقرآن، وذِكْرُ النبيِّ ◌َّهِ - وحاشاه - بسوء، فيُقتل الذميُّ به عند جمع مستدلِّين بالآية سواءٌ شُرِط انتقاضُ العهدِ به أم لا. وممَّن قال بقتلِه إذا أظهر الشَّتمَ - والعياذ بالله - مالك والشافعيُّ، وهو قولُ الليثِ، وأفتى به ابن الهُمام(١) . والقولُ بأنَّ أهلَ الذمة يُقَرُّون على كفرهم الأصليِّ بالجزية، وذا ليس بأعظمَ منه فيقَرُّون عليه بذلك أيضاً، وليس هو من الطعنِ المذكور في شيءٍ = ليس من الإنصاف في شيءٍ، ويلزمُ عليه أنْ لا يعزَّروا أيضاً، كما لا يعزَّرون بعد الجزية على الكفر الأصليِّ، وفيه لعمري ما يُشْبِهُ(٢) بيعَ يتيمةِ الوجود ◌َّر بثمنٍ بخسٍ، والدنيا بحذافيرها بل والآخرةُ بأسرها في جنبٍ جَنَابِهِ الرفيعِ جناحُ بعوضةٍ أو أدنى. وقال بعضهم: إنَّ الآية لا تدلُّ على ما ادَّعاه الجمعُ بفردٍ من الدَّلالات، وإنها صريحةٌ في أنَّ اجتماع النكثِ والطّعن يترتَّب عليه ما يترتَّبُ، فكيف تدلُّ على القتل بمجرّدِ الطعن. وفيه ما فيه. ولا يخفى حُسن موقع الطّعن مع القتال المدلولِ عليه بقوله تعالى: ﴿فَقَدِلُواْ أَبْغَةَ الْكُفْرِ﴾ أي: فقاتلَوهم، ووُضع فيه الظاهرُ موضعَ الضمير، وسُمُّوا أئمةً لأنهم صاروا بذلك رؤساءَ متقدِّمين على غيرهم بزعمهم، فهم أحقّاءُ بالقتال والقتلِ. وروي ذلك عن الحسن. وقيل: المرادُ بأئمَّتِهم رؤساؤُهم وصناديدُهم مثل أبي سفيان والحارث بن هشام، وتخصيصُهم بالذِّكر لأنَّ قتلَهم أهمُّ، لا لأنه لا يُقتل غيرُهم. وقيل: للمنع (١) في فتح القدير ٣٨١/٤. (٢) قوله: ما يشبه. ليس في (م). سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٢٤٤ الآية : ١٢ من مراقبتهم لكونهم مَظِنَّةً لها، أو للدّلالة على استئصالهم؛ فإنَّ قتلَهم غالباً يكون بعد قَتْل مَن دونَهم. وعن مجاهدٍ: أنَّهم فارس والروم. وفيه بُعْدٌ. وأخرج ابنُ أبي شيبةً وغيرُه عن حذيفةَ ظُهُ أنَّه قال: ما قوتلَ أهلُ هذه الآية بعدُ(١). وما أدري ما مرادُه، والله تعالى أعلمُ بمراده. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ((أئمَّةُ)) بهمزتين ثانيتُهما بينَ بينَ - أي: بين مخرج الهمزة والياء - ولا ألف بينهما(٢)، والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيقِهما من غير إدخال ألف، وهشام كذلك إلَّا أنه أدخلَ بينهما الألفَ. هذا هو المشهور عن القراء السبعة. ونقل أبو حيَّان عن نافع المدَّ بين الهمزة والياء(٣). وضعَّف ـ كما قال بعضُ المحقِّقين - قراءةَ التحقيق وبينَ بينَ جماعةٌ من النحويين كالفارسيِّ، ومنهم مَن أنكر التسهيلَ بينَ بين وقرأ بياء خفيفةِ الكسرة. وأمَّا القراءة بالياء فارتضاها أبو علي (٤) وجماعة، والزمخشري جعلها لحناً (٥)، وخطأه أبو حيَّان في ذلك؛ لأنَّها قراءةُ رأسِ القُرَّاء والنُّحاةِ أبي عمرو، وقراءةُ ابنٍ كثير ونافع(٦). وهي صحيحةٌ روايةً، وعدمُ ثبوتها من طريق ((التيسير)) لا(٧) يوجبُ (١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٢/١٥، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٣٦٥/١١، وابن أبي حاتم ٦ /١٧٦١. (٢) في الأصل و(م): والألف بينهما، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب ٣٠٦/٤، والكلام منه، وقراءتهم في التيسير ص١١٧، والنشر ٣٧٨/١، ومثلهم قرأ رويس عن يعقوب، وقراءة التسهيل مع إدخال الألف لأبي جعفر. (٣) في الأصل و(م): بين الهمزتين والياء، والصواب ما أثبتناه، ينظر البحر ١٥/٥، وحاشية الشهاب ٣٠٦/٤، وعنه نقل المصنف. (٤) في الحجة ٤/ ١٧٠ - ١٧٦. (٥) الكشاف ٢/ ١٧٧ . (٦) البحر المحيط ١٥/٥، وينظر النشر ٣٧٩/١، والدر المصون ٢٣/٦. (٧) قوله: لا، ساقط من (م)، وضرب عليه في الأصل، ولكن لا يتم الكلام بدونه، وينظر حاشية الشهاب ٣٠٦/٤. الآية : ١٤ ٢٤٩ سُورَةُ التَّوَّةِ وقال الزجَّاج: بدؤوا بقتال خزاعةَ حلفاءِ النبيِّ وَلٍّ(١). وإليه ذهب الأكثرون، واختار جمعٌ الأوَّلَ لسلامته من التكرار. وقد ذكر سبحانه ثلاثةَ أمور كلٌّ منها يوجبُ مقاتلتَهم لو انفرد، فكيف بها حالَ الاجتماع؟ ففي ذلك من الحثّ على القتال ما فيه. ثمَّ زاد ذلك بقوله سبحانه: ﴿أَخْشَوْنَهُمْ﴾ وقد أقيم فيه السببُ والعلَّةُ مقام المسبّب والمعلولِ، والمراد: أتتركون قتالَهم خشيةَ أنْ ينالَكم مكروهٌ منهم ﴿فَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ بمخالفةِ أمره وتركِ قتالٍ عدوِّه. والاسمُ الجليل مبتدأ و((أحقُّ)) خبرُه و((أن تخشَوه)) بدلٌ من الجلالة بدلَ اشتمالٍ، أو بتقديرٍ حرفٍ جرِّ، أي: بأن تخشَوه، فمحلُّه النصبُ أو الجرُّ بعدَ الحذف على الخلاف. وقيل: إنَّ((أنْ تَخْشَوْهُ)) مبتدأُ خبرُه ((أحقُّ)، والجملةُ خبرُ الاسم الجليل، أي: خشيةُ الله تعالى أحقُّ، أو: اللهُ أحقُّ من غيره بالخشية، أو: اللهُ خشيتُه أحقُّ، وخيرُ الأمور عندي أوسطُها . فإنَّ مقتضَى إيمانِ المؤمنين الذي يتحقَّق أنَّه لا ضارَّ ﴿إِن كُ تُؤْمِنِينَ ﴾﴾ ولا نافعَ إلا الله تعالى، ولا يقدرُ أحدٌ على مضرَّةٍ ونفع إلا بمشيئتِهِ، أنْ لا يخافَ إلَّا من الله تعالى، ومَن خاف اللهَ تعالى، خاف منه كلُّ شيءٍ، وفي هذا من التشديد ما لا يخفى. ﴿قَتِلُهُمْ﴾ تجريدٌ للأمر بالقتال بعد بيان مُؤْجِبِهِ على أتمَّ وجهٍ، والتوبيخِ على تَّرْكِه، ووعدٌ بنصرِهم وبتعذيب أعدائِهم وإخزائهم، وتشجيعٌ لهم. ﴿يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ بِأَبْدِيكُمْ﴾ بالقتل ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ ويذلَّهم بالأسر، وقد يقال: يعذِّبْهم قتلاً وأسراً ويذلَّهم بذلك. ﴿وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يجعلكم جميعاً غالبين عليهم أجمعين، ولذلك أُخِّر - كما قال بعضُ المحقّقين - عن التعذيب والإخزاء. (١) معاني القرآن للزجاج ٤٣٦/٢. سُؤَدَّةُ التَّوَيَّةِ ٢٥٠ الآية : ١٥ ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ ﴾﴾ قد تألَّموا من جهتهم، والمرادُ بهم أناسٌ من خزاعةً حلفائِهِ عليه الصلاة والسلام كما قال عكرمةُ وغيرُه. وعن ابن عباس رضيًّا: أنَّهم بطونٌ من اليمن وسبأ، قدموا مكَّة وأسلموا، فلقوا من أهلها أذّى كثيراً، فبعثوا إلى رسول الله وَلَهَ يَشْكُون إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَبْشِروا فإنَّ الفرجَ قريبٌ))(١). وروي عنه ◌َّهُ أنَّ قولَه سبحانه: (أَلَا نُقَئِلُونَ) إلخ ترغيبٌ في فتح مَّةً. وأُورد عليه أنَّ هذه السورةَ نزلت بعد الفتح فكيف يتأتّى ما ذكر؟! وأجيب: بأنَّ أولَها نزل بعد الفتح وهذا قبلَه، وفائدةُ عَرْضِ البراءةِ من عَهْدِهم - مع أنه معلومٌ من قتال الفتح وما وقع فيه (٢)- الدلالةُ على عمومه لكلِّ المشركين، ومنعهم من البيت. فتذكَّر ولا تغفل. قيل: ولا يَبْعدُ حملُ المؤمنين على العموم؛ لأنَّ كلَّ مؤمنٍ يُسَرُّ بقتلِ الكفّار وهوانهم. ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِزْ﴾ بما نالهم منهم من الأذى ولم يكونوا قادرين على دفعه. وقيل: المرادُ: يُذهب غيطَهم لانتهاك محارِم الله تعالى، والكفرِ به عزَّ وجلَّ، وتكذيبٍ رسوله عليه الصلاة والسلام. وظاهرُ العطف أنَّ إذهابَ الغيظ غيرُ شفاءِ الصدور. ووجّه بأنَّ الشفاءَ بقتل الأعداء وخِزْيِهم، وإذهابُ الغيظ بالنُّصرة عليهم أجمعين. ولكون النصرةِ مدارَ القصد كان أثرُها إذهابَ الغيظ من القلب الذي هو أخصُّ من الصدر. وقيل: إذهاب الغيظ كالتأكيد لشفاء الصدور (٣)، وفائدتهُ المبالغةُ في جَعْلِهم مسرورين بما يمنُّ الله تعالى عليهم من تعذيبه أعداءَهم وإخزائهم ونصرتِه سبحانه لهم علیھم. ولعلَّ إذهابَ الغيظ من القلب أبلغُ ممَّا عُطِفَ عليه، فيكون ذكرُه من باب الترِّي، ولا يخلو عن حسن. (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ١٧٨/٢. (٢) بعدها في (م): من، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٠٨/٤، والكلام منه. (٣) في (م): الصدر. الآية : ١٥ ٢٥١ سُورَةُ التَّوَّةِ وقيل: إنَّ شفاء الصدور بمجرَّد الوعد بالفتح، وإذهابَ الغيظ بوقوعِ الفتح نفسِه. وليس بشيء. وقد أنجز الله تعالى جميعَ ما وعدَهم به على أجملِ ما يكون، فالآيةُ من المعجزات لما فيها من الإخبار بالغيب ووقوعِ ما أخبر عنه. واستُدلَّ بها على أنَّ أفعالَ العباد مخلوقةٌ لله تعالى. وقيل: إنَّ إسنادِ التعذيب إليه سبحانه مجازٌ باعتبارٍ أنه جلَّ وعلا مكّنهم منه وأَقْدَرَهم عليه. وفي ((الحواشي الشهابية)): قيل: إنَّ قولَه سبحانه: (بِأَيْدِيكُمْ) كالصريح بأنَّ مثل هذه الأفعال التي تصلُح للباري فعلٌ له تعالى، وإنما للعبد الكسبُ بصرفٍ القوى والآلات، وليس الحملُ على الإسناد المجازيِّ بمرضيٍّ عند العارف بأسالیب الكلام، ولا الإلزامُ بالاتِّفاق على امتناعِ کَتْبِ الله تعالى بأيديكم وامتناعٍ كذب الله تعالى شأنه بألسنة الكفار بوارد؛ لأنَّ مجرَّد خَلْقِ الفعل لا يُصحِّح إسنادَه إلى الخالق ما لم يَصْلُحْ محلًّا له. وامتناعُ ما ذُكر للاحترازِ عن شناعةِ العبارة؛ إذ لا يقال: يا خالقَ القاذورات، ولا المقدِّر للزنا والممكِّن منه. ثَّ قال: ولا يخفى ما فيه؛ فإنَّه تعالى لا يصلحُ محلًا للقتل ولا للضرب ونحوِه مما قُصد بالإذلال، وإنَّما هو خالقٌ له، والفعلُ لا يُسند حقيقةً إلى خالِقه وإن كان هو الفاعلُ الحقيقي؛ للفرق بينَه وبين الفاعل اللغويِّ؛ إذ لا يقال: كتب الله تعالى بيدٍ زيد، على أنَّه حقيقةٌ بلا شبهةٍ مع أنَّه لا شناعةً فيه؛ لقوله سبحانه: (كَتَبَ اللَّهُ) فما ذكره غيرُ مسلَّم(١). اهـ. وأنا أقول: إنَّ مسألةَ خَلْقِ الأفعال قد قَضَى العلماءُ المحقِّقون الوَطَرَ منها، فلا حاجة إلى بسطٍ الكلام فيها، وقد تكلَّموا في الآية بما تكلَّموا، لكنْ بقي فيها شيءٌ وهو السِّرُّ في نسبة التعذيب إليه تعالى وذكرِ الأيدي، ولم يذكروه، ولعل ذلك في النسبة إرادة المبالغة فإنه تعذيبُ الله تعالى القويِّ العزيزِ وإن كان بأيدي العباد، وفي ذكر الأيدي إمَّا التنصيصُ على أنَّ ذلك في الدنيا لا في الآخرة، وإمَّا لتكون البشارةُ بالتعذيب على الوجه الأتمِّ الذي يترتَّب عليه شفاءُ الصُّدور ونحوه على (١) حاشية الشهاب ٣٠٨/٤. سُورَّةُ التَّوَنَّةِ ٢٥٢ الآية : ١٥ الوجه الأكملِ؛ إذ فرقٌ بين تعذيب العدوِّ بيدٍ عدوِّه وتعذيبِهِ لا بيده. ولعمري إنَّ الأوَّل أحلى وأوقعُ في النفس. فافهم. ولا يخفى ما في الآية من الانسجام حيثُ يخرج منها بيت كامل من الشعرِ. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءٌ﴾ ابتداءُ إخبارٍ بأنَّ بعضَ هؤلاء الذين أُمروا بمقاتلتهم يتوبُّ من كفره فيتوبُ الله تعالى عليه، وقد كان كذلك حيثُ أسلم منهم أناسٌ وحسن إسلامُھم. وقرأ الأعرج وابنُ أبي إسحاق وعيسى الثقفيُّ وعمرو بن عبيد: ((ويتوبَ)) بالنصب(١)، ورويت عن أبي عمرو ويعقوبَ أيضاً(٢). واستشكلها الزجَّاجُ بأنَّ توبة الله تعالى على مَن يشاء واقعةٌ قاتلوا أو لم يقاتِلوا، والمنصوبُ في جواب الأمر مسبَّبٌ عنه، فلا وجهَ لإدخال التوبةِ في جوابه(٣). وقال ابنُ جني(٤): إنَّ ذلك كقولك: إنْ تَزُرْني أُحْسِنْ إليك وأُعطِ زيداً (٥) كذا. على أنَّ المسبّب عن الزيارة جميعُ الأمرين لا أنَّ كلَّ واحد مسبَّبٌ بالاستقلال، وقد قالوا بنظير ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١-٢] إلخ. وفيه تعسُّف. وقال بعضُهم: إنه تعالى لمَّا أمرهم بالمقاتلة شقَّ ذلك على البعض، فإذا قاتلوا جرى قتالُهم مَجرى التوبة من تلك الكراهية، فيصيرُ المعنى: إنْ تقاتلوهم يعذِّبْهم الله ويَتُبْ عليكم من كراهةٍ قتالهم. ولا يَخْفَى أنَّ الظاهر أنَّ التوبة للكفار. وذكر بعضُ المدقِّقين أنَّ دخولَ التوبة في جملة ما أجيب به الأمرُ من طريق المعنى؛ لأنَّه يكون منصوباً بالفاء، فهو على عكس ﴿فَأَصَّذَّفَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] (١) المحتسب ٢٨٤/١ - ٢٨٥. (٢) النشر ٢٧٨/٢، ولم يذكرها صاحب التيسير. (٣) نقله المصنف عن الزجاج بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٠٨/٤، وهو معنى ما قاله الزجاج في معاني القرآن ٤٣٧/٢، حيث قال: ((ويتوب الله)) ليس بجواب لقوله: ((قاتلوهم)) ولكنه مستأنف؛ لأن ((يتوب)) ليس من جنس ما يجاب عنه (قاتلوهم)). (٤) في المحتسب ١/ ٢٨٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٠٩/٤. (٥) في المحتسب: وأعطيَ زيداً. الآية : ١٦ ٢٥٣ سُورَةُ التَّوَنَّةِ وهو المسمَّى بعطف التوهُم، ووجهه: أنَّ القتالَ سببٌ لفَلِّ شوكتِهم وإزالةِ نخوتهم، فيتسبَّب لذلك لتأمُّلهم ورجوعِهم عن الكفر، كما كان من أبي سفيان وعكرمة وغيرهما . والتقييد بالمشيئة للإشارة إلى أنَّها السببُ الأصيل(١)، وأنَّ الأوَّلَ سببٌ عاديٌّ، وللتنبيه إلى أنَّ إفضاءَ القتال إلى التوبة ليس كإفضائه إلى البواقي. وزعم بعضُ الأجلَّة أنَّ قراءةَ الرفع على مراعاة المعنى، حيثُ ذُكر مضارعٌ مرفوعٌ بعد مجزومٍ هو جوابُ الأمر، ففُهم منه أنَّ المعنى: ويتوبُ الله على مَن يشاء على تقديرِ المقاتَلَةِ؛ لِمَا يرون من ثباتكم وضعفٍ حالهم. وأما على قراءة النصب فمراعاةُ اللفظ؛ إذ عُطف على المجزوم منصوبٌ بتقدير نصبه. وليس بشيء، والحقُّ أنَّه على الرفع مستأنفٌ كما قدَّمنا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفَى عليه خافيةٌ ﴿حَكِيمُ ﴾﴾ لا يفعلُ ولا يأمرُ إلا بما فيه حكمةٌ ومصلحةٌ، فامتثلوا أمرَه عزَّ وجلَّ. وإيثارُ إظهارِ الاسم الجليل على الإضمار؛ لتربيةِ المهابة وإدخالِهِ الروعةَ. ﴿أَمَ حَسِبْتُمْ﴾ خطابٌ لمن شقَّ عليه القتال من المؤمنين أو المنافقين. و((أم)) منقطعةٌ جيءَ بها للانتقالِ عن أمرِهم بالقتال إلى توبيخِهم، أو من التوبيخ السابق إلى توبيخٍ آخرَ، والهمزةُ المقدَّرة مع بل للتوبيخ على الحسبان المذكورِ، أي: بل أحسبتُم وظنتُم. ﴿أَنْ تُتْرَّكُواْ﴾ على ما أنتم عليه، ولا تؤمروا بالجهاد، ولا تُبْتَلَوا بما يمحِّصُكم. ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ﴾ ((الواو)) حاليةٌ، و((لمَّا)) للنفي مع التوقُّع، ونُفِيَ العلمُ، والمرادُ نفيُ المعلوم - وهو الجهادُ ـ على أبلغِ وجهٍ إذ هو بطريقٍ البرهان؛ إذ لو وقع جهادُهم عَلِمَه الله تعالى لا محالةَ، فإنَّ وَقَوعَ ما لا يعلمه عزَّ وجلَّ محالٌ، كَما أنَّ عدمَ وقوع ما يعلمُه كذلك، وإلَّا لم يُطابِقْ علمُه سبحانَه الواقعَ، فيكون جهلاً، وهو من أعظم المحالات، فالكلامُ من باب الكناية. (١) في (م): الأصلي. سُورَةُالتَّوَتِّةِ ٢٥٤ الآية : ١٦ وقيل: إنَّ العلم مجازٌ عن التبيين مجازاً مرسلاً باستعماله في لازمٍ معناه. وفي ((الكشاف)) ما يُشْعِرُ أولاً بأنَّ العلم مجازٌ عما ذُكر، وثانياً ما يُشْعِرُ بأنَّه من باب الكناية(١). وأجيب عنه بأنه أشار بذلك إلى أنَّه استعمل لنفي الوجود مبالغةً في نفي التبيين، وما ذكره أوَّلاً من قوله: إنَّكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتَّى يتبيَّن الخُلَّص منكم وهم الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى لوجهه جلَّ شأنُه، حاصلٌ المعنى؛ وذلك لأنَّه خطابٌ للمؤمنين إلهاباً لهم وحثًّا على ما حضَّهم عليه بقوله سبحانه: (قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) فإذا وُبِّخوا على حسبانِ أنْ يُتركوا ولم يُؤْجَدْ فيما بينهم مجاهدٌ مخلصٌ، دلَّ على أنَّهم إن لم يقاتلوا لم يكونوا مخلصين، وأنَّ الإخلاصَ إذا لم يظهر أثرُه بالجهاد في سبيل الله تعالى ومضادّة الكفار كَلَا إخلاصٍ، ولو فسّر العلم بالتبيين لم يُفِدْ هذه المبالغةَ. فتدبّر. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطفٌ على ((جاهَدوا)) وداخِلٌ في حيِّز الصِّلة، أو حالٌ من فاعلِه، أي: جاهدوا حالَ كونهم غيرَ متخذين ﴿مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا اٌلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَةٌ﴾ أي: بطانةً وصاحبَ سرِّ كما قال ابنُ عباس. وهي من الولوج: وهو الدخولُ، وكلُّ شيءٍ أَدْخَلتَه في شيءٍ وليس منه فهو وليجةٌ، ويكون للمفرَدِ وغيرِه بلفظٍ واحدٍ، وقد يُجمع على ولائج. و ((من دون)) متعلِّقٌ بالاتّخاذ إنْ أُبقي على حاله، أو مفعولُه الثاني(٢) إنْ جُعِلَ بمعنى التصيير . ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: بجميع أعمالِكم فيجازيكم عليها، إنْ خيراً فخير، وإن شرًّا فشرّ. وقرئ على الغيبة(٣). (١) الكشاف ١٧٨/٢، ويعني بأولاً قول الزمخشري: والمعنى أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين الخلَّص منكم ... ، فالعلم هنا مجاز عن التمييز والتبيين، وهو مجاز مرسل، وبثانياً قوله: المراد بنفي العلم نفي المعلوم، كقول القائل: ما علم الله مني ما قيل فيَّ، يريد: ما أوجد ذلك مني. فالعلم على هذا كناية عن نفي المعلوم. ينظر حاشية الشهاب ٣٠٩/٤. (٢) في (م): أو مفعول ثان له. (٣) البحر ١٨/٥ . الآية : ١٧ ٢٥٥ سُورَّةُالتَّوَنَّةِ وفي هذا إزاحةٌ لِما يُتوهّمُ من ظاهرٍ قوله سبحانه: ((ولمَّا يعلم)) إلخ، من أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، كما ذهب إليه هشامٌ(١) مستدلا بذلك. ووجهُ الإزاحةِ أنَّ ((تعملون)) مستقبلٌ، فيدلُّ على خلافٍ ما ذكره. ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا ينبغي لهم ولا يليقُ وإِنْ وقع ﴿أَن يَعْمُرُوا مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ الظاهرُ أنَّ المراد: شيئاً من المساجد؛ لأنَّه جمعٌ مضافٌ فيعمُّ، ويدخل فيه المسجدُ الحرامُ دخولاً أوَّلِيًّا، وتعميرُه مناطُ افتخارِهم، ونفيُ الجمع يدلُّ على النفي عن كلِّ فردٍ، فيلزم نفيُه عن الفرد المعيّن بطريقِ الكناية . وعن عكرمةً وغيرِه أنَّ المرادَ به المسجدُ الحرام. واختاره بعض المحققين. وعبّر عنه بالجمع؛ لأنَّه قبلةُ المساجد وإمامُها المتوجِّههُ إليه محاريبُها، فعامرُه كعامرها، أو لأنَّ كلَّ(٢) ناحيةٍ من نواحيه المختلفةِ مسجدٌ على حياله، بخلافٍ سائرِ المساجد، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ أبي عمرو ويعقوبَ وابن كثير وكثير (٣): (مَسْجِدَ)) بالتوحيد (٤). وحَمَلَ بعضُهم ((ما كان)) على نفي الوجودِ والتحقُّق، وقدَّر: بأنْ يعمروا بحقِّ؛ لأنهم عَمَروها بدونه، ولا حاجةً إلى ذلك على ما ذكرنا . ﴿شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِّ﴾ بإظهارهم ما يدلُّ عليه وإن لم يقولوا: نحن کفَّار. وقيل: بقولهم: لبيك لا شريكَ لك إلا شريكاً هو لك تملكهُ وما ملك. وقيل: بقولهم: كفرنا بما جاء به محمد اله. وهو حالٌ من الضمير في ((يعمروا))، قيل: أي: ما استقام لهم أنْ يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةِ البيت، والكفرِ برِّه سبحانه. (١) ابن الحكم الكوفي المتكلم المشبّه، رئيس الطائفة الهشامية، وكان مجسِّماً ذكر عنه ابن حزم أنه يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، مات في حدود سنة (٢٣٠هـ). سير أعلام النبلاء ٥٤٣/١٠، والوافي بالوفيات ٣٤٦/٢٧. (٢) بعدها في (م): مسجد. (٣) جاء في هامش الأصل و(م): كابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير. (٤) التيسير ص ١١٨، والنشر ٢٧٨/٢. سُورَةُالتَّوَنِّية ٢٥٦ الآية : ١٧ وقال بعضُهم: إنَّ المراد: محالٌ أنْ يكون ما سمّوه عمارةَ بيتِ الله تعالى، مع مُلابستهم لِمَا يُنافيها ويُحْبِطُها من عبادةٍ غيره سبحانه، فإنها ليست من العمارة في شيء. واعتُرِض على قولهم: إنَّ المعنى: ما استقام لهم أنْ يجمعوا بين متنافيين. بأنه ليس بمعرِبٍ عن كُنْهِ المرام، فإنَّ عدمَ استقامة الجمع بين المتنافيين إنَّما يستدعي انتفاءَ أحدِهما لا بعينه، لا انتفاءَ العمارة الذي هو المقصود، وظاهرهُ أنَّ النفيَ في الكلام راجعٌ إلى المقيَّد، وحينئذٍ لا مانعَ من أن يكونَ المرادُ من ((ما كان)) نفيَ اللياقة على ما ذكرنا. والغرضُ إبطالُ افتخارِ المشركين بذلك لاقترانه بما ينافيه وهو الشِّرك. وجوِّز أن يوجَّه النفي إلى القيد كما هو الشائعُ، وتكلِّف له بما لا يخلو عن نظر. ولعلَّ مَن قال في بيان المعنى: ما استقام لهم أنْ يجمعوا .. إلخ، جَعَل محظّ النَّظر المقارنةَ التي أشعر بها الحالُ، ومع هذا لا يأبى أنْ يكونَ المقصودُ نظراً للمقام نفيَ صحَّة الافتخار بالعمارة والسِّقاية، فتدبّر جدًّا. وممَّا يدلُّ على أنَّ المقامَ لنفي الافتخار ما أخرجه أبو الشيخ وابنُ جرير عن الضخَّاك أنَّه لما أُسر العباسُ عيَّره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم، وأغلظ عليه عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهَه في القول، فقال: تذكرون مَسَاوِيْنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنَعْمُرُ المسجدَ الحرام، ونحجبُ الكعبةَ، ونقري الحجيجَ، ونفكُّ العاني. فنزلت(١). وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس ◌ًَّا نحوَه(٢). ﴿ أُوْلَكَ﴾ أي: المشركون المذكورون ﴿حَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر، فصارت كَلا شيءٍ. (١) تفسير الطبري ٣٨١/١١، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر المنثور ٢١٩/٣. (٢) تفسير الطبري ٣٧٨/١١، وتفسير ابن أبي حاتم ١٧٦٨/٦، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢١٨/٣. الآية : ١٨ ٢٥٧ سُورَةُ التَوَّة، ﴿وَفِىِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴾ لعِظَم ما ارتكبوه، وإيرادُ الجملة اسميَّةً للمبالغة في الخلود، والظرفُ متعلِّقٌ بالخبر، قدِّمَ عليه للاهتمام به ومراعاةً للفاصلة. وهذه الجملة قيل: عطف على الجملة ((حبطت)) على أنَّها خبرٌ آخَرُ لـ ((أولئك)). وقيل: هي مستأنفةٌ كجملة ((أولئك حبطت)) وفائدتهما: تقريرُ النفي السابق؛ الأولى من جهةٍ نفي استتباع الثواب، والثانية من جهة نفي استدفاع العذاب. ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَِدَ اللَّهِ﴾ اختُلفِ في المراد بالمساجد هنا كما اختُلف في المراد بها هناك، خلا أنَّ مَن قال هناك بأنَّ المراد المسجدُ الحرامُ لا غير، جوَّز هنا إرادةَ جميع المساجد قائلاً: إنها غيرُ مُخالِفةٍ لمقتضى الحال؛ فإنَّ الإيجابَ ليس كالسَّلب، وادَّعى أنَّ المقصودَ قَصْرُ تحقَّقِ العمارة على المؤمنين، لا قصرُ لياقتها وجوازِها. وأنا أرى قَصْرَ اللياقة لائقاً بلا قصور. وقرئ بالتوحيد(١). أي: إنَّما يليقُ أنْ يَعْمُرَها ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ على الوجه الذي نطق به الوحيُّ ﴿وَأَقَامَ الضَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ﴾ التي أتى بهما الرسول بَّهِ فِيندرج في ذلك الإيمانُ به عليه الصلاة والسلام حتماً؛ إذ لا يُتلقَّى ذلك إلَّا منه وَلِهِ. وجوِّز أن يكونَ ذكرُ الإيمان به عليه الصلاة والسلام قد طوي تحت ذكر الإيمان بالله تعالى دلالةً على أنهما كشيءٍ واحدٍ إذا ذُكر أحدُهما فُهِمَ الآخر، على أنَّهُ أُشير بذكر المبدأ والمعاد إلى ما يجبُ الإيمان به أجمع، ومن جملته رسالته ◌َلحوم وقيل: إنما لم يُذكر عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ المرادَ بـ ((مَن)) هوقوَّ وأصحابُه، أي: المستحقُّ لعمارة المساجدِ مَن هذه صفتُه كائناً من كان، ولیس الكلامُ في إثبات نبؤَّته عليه الصلاة والسلام والإيمان به، بل فيه نَفْسِه، وعمارتِه المسجدَ واستحقاقِه لها، فالآيةُ على حدٍّ قوله سبحانه: ﴿إِنِّ رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَقَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِثُ بِلَّهِ وَكَلِمَتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] والوجهُ الثاني أولى. والمرادُ بالعمارة ما يعمُّ مَرَمَّةً ما اسْتَرَمَّ منها، وقَمَّها وتنظيفَها، وتزيينها بالفرش (١) وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير ويعقوب، كما في التيسير ص١١٨، والنشر ٢٧٨/٢. سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٢٥٨ الآية : ١٨ لا على وجهٍ يَشغلُ قلبَ المصلِّ عن الحضور. ولعلَّ ما هو من جنسٍ ما يخرج من الأرض كالقُطن والحُصرِ السامانيَّة أولى من نحو الصُّوف؛ إذ قيل بكراهة الصلاة عليه . وتنويرَها بالسُّرُج ولولم يكن هناك مَن يستضيءُ بها، على مانصَّ عليه جمعٌ. وإدامةَ العبادة والذِّكر ودراسةِ العلوم الشرعيّة فيها ونحو ذلك. وصيانتها مما لم تُّبْنَ له في نظر الشارع، كحديثِ الدنيا، ومن ذلك الغناءُ على مآذِنِها كما هو معتادُ الناس اليوم، لا سيما بالأبياتِ التي غالبُها هجرٌ من القول. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام: ((الحديثُ في المسجد يأكل الحسناتِ كما تأكلُ البهيمةُ الحشيشَ))(١) وهذا الحديثُ في الحديث المباح، فما ظنُّك بالمحرَّم مطلقاً، أو المرفوعِ فوقَ المآذن؟! وأخرج الطبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ عن سلمانَ رَُّه عن النبيِّ وَ ◌ّه قال: ((مَن توضَّأ في بيته ثمَّ أتى المسجدَ فهو زائرُ الله تعالى، وحقٌّ على المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ الزائرَ))(٢). وأخرج سليم الرازيُّ(٣) في ((الترغيب)) عن أنسٍ رَظ ◌ُه قال: قال رسول الله وَلّى: (مَنْ أَسْرَجَ في مسجدٍ سراجاً لم تَزَلِ الملائكةُ وحملةُ العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوءه))(٤). وأخرج أبو بكر الشافعيُّ وغيرُه عن أبي قرصافةً قال: سمعتُ رسول الله وِّ يقول: ((إخراجُ القمامةِ من المسجد مهورُ الحُورِ العين)). وسمعتُه عليه الصلاة والسلام يقول: ((مَن بنى لله تعالى مسجداً بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة)) فقالوا: (١) ذكره الغزالي في الإحياء ١/ ١٥٢. وقال الحافظ العراقي: لم أقف له على أصل. (٢) المعجم الكبير (٦١٣٩) و(٦١٤٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١/٢: رواه الطبراني في الكبير، وأحد إسناديه رجاله رجال الصحيح. (٣) أبو الفتح سُليم بن أيوب بن سُليم الرازي الشافعي المفسِّر، له تفسير كبير سماه: ضياء القلوب، وكتاب البسملة، وكتاب غسل الرجلين، توفي سنة (٤٤٧هـ). السير ١٧ / ٦٤٥. (٤) أخرجه الحارث في مسنده (١٢٧ - زوائد)، ومن طريق الحارث أخرجه سليم الرازي كما ذكر الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص٧٣. وهو حديث موضوع كما ذكر الذهبي في الميزان ٥٨٠/١. وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص٢٦. الآية : ١٨ ٢٥٩ سُورَةُ التَّوَنَّة يا رسول الله وهذهِ المساجدُ التي تُبنَى في الطرق؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (وهذه المساجدُ التي تُبْنَى في الطُرق))(١) . وأخرج الطبرانيُّ عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّهِ: ((الغُدُوُّ والرّواحُ إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله تعالى))(٢). وأخرج أحمد، والترمذيُّ وحسَّنه، وابنُ ماجه، والحاكم وصحَّحه، وجماعةٌ، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ المسجدَ، فاشهدوا له بالإيمان)) وتلا وَله: (إِنَّمَا يَعْمُرُ) الآية(٣). واستشكل ذكرُ إيتاء الزكاة في الآية بأنَّه لا تَظْهَرُ مدخليتُه في العمارة. وتُكُلِّفَ لذلك بأنَّ الفقراء يحضرون المساجدَ للزكاة فتَعْمُرُ بهم، وأنَّ مَن لا يبذلُ المالَ للزكاة الواجبة لا يبذلُه لعمارتها. وهو كما ترى. والحقُّ أنَّ المقصودَ بيانُ أنَّ مَن يعمرُ المساجد هو المؤمن الظاهرُ إيمانُه، وهو إنَّما يظهر بإقامة واجباته، فعَطَفَ الإقامةَ والإيتاءَ على الإيمان للإشارة إلى ذلك. ﴿وَلَمْ يَخْشَ﴾ أحداً ﴿إِلَّ اللَّهَ﴾ فعمل بموجبٍ أمره ونهيه، غيرَ آخذٍ له في الله تعالى لومة لائم، ولا مانعٍ له خوفُ ظالمٍ، فيندرجُ فيه عدمُ الخشية عندَ القتال الموبَّخِ عليها في قوله سبحانه: (أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَّخْشَوْهُ). وأمَّا الخوف الجِبِلِّيَّ من الأمور المخوفةِ فليس من هذا الباب، ولا هو ممَّا يدخلُ تحت (١) أخرجه أبو بكر الشافعي في رباعياته كما في الدر المنثور ٢١٧/٣ - ٢١٨ وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (٢٥٢١)، والقزويني في التدوين ٧٨٧٧/٤. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢: رواه الطبراني وفي إسناده مجاهيل. ولقوله: ((من بنى الله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)) شاهد من حديث عثمان رَُّه عند البخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣). (٢) المعجم الكبير (٧٧٣٩)، وهو عند أحمد (٢٢٣٠٤). (٣) مسند أحمد (١١٦٥١)، وسنن الترمذي (٢٦١٧) و(٣٠٩٣)، وسنن ابن ماجه (٨٠٢)، والمستدرك ٢١٢/١-٢١٣، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٩٨١/٣. وهو من طريق دراج بن سمعان عن أبي الهيثم (وهو سليمان بن عمرو العتواري) عن أبي سعيد به. ودراج قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. سُورَةُ التَّوَّة ٢٦٠ الآية : ١٩ التكليف، والخطابُ والنهيُّ في قوله تعالى: ﴿خُذْهَا وَلَا تَّخَفْ﴾ [طه: ٢١] ليس على حقيقته . وقيل: كانوا يَخْشَوْنَ الأصنامَ ويَرْجُونَها، فأُرِيدَ نفيُ تلك الخشية عنهم. ﴿فَسَىٌّ أُوْلَكَ﴾ المنعوتون بأكمل النعوت ﴿أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: إلى الجنَّة وما أعدَّ الله تعالى فيها لعباده كما روي عن ابن عباس والحسن. وإبرازُ اهتدائهم لذلك - مع ما بهم من تلكَ الصِّفات الجليلة - في مَعْرضٍٍ التوقُّع؛ لحسم أطماع الكافرين عن الوصول إلى مواقفِ الاهتداء؛ لأنَّ هؤلاء المؤمنين، وهُمْ هُمْ، إذا كان أمرُهم دائراً بين ((لعلَّ) و((عسى)) فما بالُ الكفرةِ بيتٍ المخازي والقبائح. وفيه قطعُ اتِّكال المؤمنين على أعمالهم وما هم عليه، وإرشادُهم إلى ترجيح جانبٍ الخوف على جانبٍ الرجاء. وهذا هو المناسب للمقام - لا الإطماعُ وسلوكُ سَنَنِ الملوك - مع كون القصد إلى الوجوب. وكونُ الكفرةِ يزعمون أنَّهم محقُّون وأنَّ غيرَهم على الباطل فلا يتأتَّی حسمُ أطماعهم، لا يُلْتَفَتُ إليه بعد ظهورِ الحقِّ، وهذا لا ريب فيه. وقيل: إنَّ الأوصافَ المذكورةَ، وإن أوجبت الاهتداءَ، ولكنَّ الثَّباتَ عليها ممَّا لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد يطرأ ما يوجبُ ضدَّ ذلك والعبرةُ للعاقبة، فكلمةُ التوقُّح يجوز أن تكونَ لهذا. ولا يخفى ما فيه، فإنَّ النظر إلى العاقبة هنا لا يناسبُ المقام الذي يقتضي تفضيلَ المؤمنين عليهم في الحال. ﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الْحَجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَِّ كَمَنْ ءَامَنَ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَجَهَدَ فِى سَيِلِ ج اللّهِ﴾ السقايةُ والعمارةُ مصدرا ((سقى)) و((عمر) بالتخفيفِ إذ عمَّر المشدَّد يقال في عمر الإنسان لا في العمارة كما يتوهّمه العوامُّ، وصحَّت الياءُ في ((سقاية))؛ لأنَّ بعدَها هاءَ التأنيث. وظاهرُ الآية تشبيهُ الفعلِ بالفاعل والصِّفةِ بالذات وإنه لا يحسنُ هنا، فلا بدَّ من التقدير، إمَّا في جانب الصفة، أي: أجعلتم أهلَ السِّقاية والعمارة كمَن آمَنَ، ويؤيِّده قراءةُ محمد بن عليٍّ الباقرِ تَظُلّهِ، وابنِ الزبير، وأبي جعفر، وأبي وَجْزةً السعديِّ وهو من القرَّاء وإن اشتهر بالشعر: ((أجعلتُم سُقاةَ الحاجّ)) بضم السين جمع