Indexed OCR Text

Pages 201-220

سُورَةُ التَّوَّةِ
مدنيَّة كما روي عن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وقتادة، وخلقٍ كثير،
وحكى بعضُهم الاتفاق عليه.
وقال ابن الفرس: هي كذلك إلَّا آيتين: (لَقَدْ جَمَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ)
إلخ. وهو مُشْكِلٌ بناء على ما في ((المستدرك)) عن أبيّ بن كعب (١)، وأخرجه
أبو الشيخ في ((تفسيره)) عن عليٍّ بن زيد، عن يوسفَ المكي، عن ابن عباس
أمّا،
من أنَّ آخرَ آية نزلت: ((لقد جاءكم)) إلخ(٢). ولا يتأتَّى هنا ما قالوه في وجه الجمع
بين الأقوال المختلفة في آخر ما نزل.
واستثنى آخرون: (مَا كَانَ لِلنَّبِيّ) الآية بناء على ما ورد أنَّها نزلت في قوله وَله
لأبي طالب: ((لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك))(٣). وقد نزلت كما قال ابن كيسان
على تسعٍ من الهجرة.
(١) المستدرك ٣٣٨/٢، وهو من طريق شعبة، عن علي بن زيد ويونس بن عبيد، عن يوسف بن
مهران، عن ابن عباس، عن أبيٍّ، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢١١١٣)،
والشاشي (١٤١٦)، والطبراني في الكبير (٥٣٣) من طريق شعبة، عن علي بن زيد، عن
يوسف، عن ابن عباس عن أبيٍّ، ووقع في رواية المسند: يوسف المكي، وهو خطأ - كما نبه
على ذلك محققوه - والصواب أنه يوسف بن مهران كما جاء في باقي الروايات، وهو
البصري. ورواية يونس بن عبيد عن يوسف بن مهران عند الحاكم فيها نظر؛ فقد قال أحمد
وأبو داود وأبو حاتم: لا نعلم روى عنه غير علي بن زيد بن جدعان. اهـ. وعلي بن زيد
ضعيف، ولكن قد جاء الخبر من طريق آخر رجاله ثقات لكنه منقطع، فيتحسن به، أخرجه
أحمد بن منيع في مسنده - كما في إتحاف الخيرة (٧٧٠٢) - من طريق الحسن عن أبيٍّ ـ
والحسن لم يسمع من أُبيّ. وينظر التعليق الذي بعده.
(٢) عزاه إلى أبي الشيخ السيوطي في الإتقان ٨٨/١، وهو نفس الحديث الذي قبله، إلا أنه لم يذكر
أبيّ ◌َظُه في إسناده. وقوله: يوسف المكي، خطأ، الصواب: يوسف بن مهران كما أسلفنا.
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٦٧٤)، والبخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤) من حدیث المسیب بن حزن

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٢٠٢
ولها عدَّةُ أسماءٍ :
التوبة؛ لقوله تعالى فيها: (لَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ) إلى قوله
سبحانه: (وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا).
والفاضحة: أخرج أبو عبيد وابنُ المنذر وغيرهما عن ابن جبير قال: قلتُ لابن
عباس رضيها: سورة التوبة؟ قال: التوبة؟ بل هي الفاضحةُ، ما زالت تنزل: ومنهم،
ومنهم، حتى ظنًّا أنَّه لا يبقى أحدٌ منَّا إلا ذُكر فيها(١).
وسورة العذاب: أخرج الحاكم في ((مستدركه)) عن حذيفةً قال: التي يسمون
سورةً التوبة، هي سورةُ العذاب(٢). وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير قال: كان
عمرُ بن الخطاب ◌َُّه إذا ذُكر له سورةُ براءة وقيل: سورة التوبة، قال: هي إلى
العذاب أقربُ، ما أَقْلَعتْ عن الناسِ حتَّى ما كادتْ تَدَعُ منهم أحداً .
والمقشقِشة: أخرج ابن مردويه وغيره عن زيد بن أسلم، أنَّ رجلاً قال لعبد الله:
سورة التوبة؟ فقال ابن عمر: وأيتهنَّ سورة التوبة؟ فقال: براءة. فقال له: وهل
فعل بالناس الأفاعيلَ إلا هي، ما كنّا ندعوها إلا المقشقِشة. أي: المبرئة، ولعله
أراد عن النِّفاق.
والمنقِّرة: أخرج أبو الشيخ، عن عبيد بن عُمير قال: كانت براءةُ تسمَّى
المنقِّرة، نقَّرت عمَّا في قلوب المشركين(٣).
والبحوث - بفتح الباء - صيغةُ مبالغة، من البحث بمعنى اسم الفاعل، كما رَوَىَ
ذلك الحاكم عن المقداد (٤).
والمبعثِرة: أخرج ابنُ المنذر عن محمد بن إسحاق قال: كانت براءة تسمَّى في
(١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٣٠، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٠٨/٣،
وأخرجه أيضاً البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١).
(٢) المستدرك ٣٣٠/٢-٣٣١. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٣) ذكر هذه الآثار السيوطي في الإتقان ١/ ١٧٢ .
(٤) المستدرك ٣٣٣/٢، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

٢٠٣
سُورَةُ الثَّوَيَّةِ
زمان النبيِّي وَّهِ وبعده المبعثرة، لِمَا كشفتْ من سرائر الناس(١). وظَقُّ أنه تصحيفُ
المنقِّرة من بُعد الظنِّ.
وذكر ابنُ الفرس أنَّها تسمَّى الحافرة أيضاً؛ لأنها حفرت عن قلوب المنافقين،
وروي ذلك عن الحسن.
والمثيرة كما روي عن قتادة؛ لأنها أثارت المخازي والقبائح.
والمدمدِمة كما روي عن سفيان بن عينية.
والمخزية والمنكّلة والمشرِّدة كما ذكر ذلك السخاويُّ(٢) وغيره.
وسورة براءة، فقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقيُّ في ((الشعب)) وغيرهما عن
أبي عطيَّةَ الهمداني قال: كتب عمرُ بن الخطاب ◌َله: تعلَّموا سورةَ براءة وعلِّموا
نساءًكم سورة النور(٣).
وهي مئةٌ وتسعٌ وعشرون عن الكوفيين، ومئةٌ وثلاثون عند الباقين.
ووَجْهُ مناسبتها للأنفال: أنَّ في الأولى قسمةَ الغنائم، وجَعْلَ خُمسها لخمسةٍ
أصنافٍ على ما علمت، وفي هذه قسمة (٤) الصدقات، وجَعْلُها لثمانية أصناف، على
ما ستعلم إن شاء الله تعالى.
وفي الأولى أيضاً ذكرُ العهودِ، وهنا نبذُها .
وأنه(٥) تعالى أمر في الأولى بالإعداد فقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ونَعَى هنا على المنافقين عدمَ الإعدادِ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْ
أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لَأَعَذُوا لَهُ, عُدَّةٌ﴾ [الآية: ٤٦].
وأنَّه سبحانه ختم الأولى بإيجابٍ أنْ يوالي المؤمنون(٦) بعضهم بعضاً، وأن
(١) الدر المنثور ٢٠٨/٣.
(٢) في جمال القراء ١٩٨/١.
(٣) سنن سعيد بن منصور (١٠٠٣ - تفسير)، وشعب الإيمان (٢٤٣٧).
(٤) في (م): قيمة .
(٥) في الأصل: والله.
(٦) في (م): المؤمنين.

سُورَةُ التَّوَّةِ
٢٠٤
يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلِّية، وصرَّح جلَّ شأنُه في هذه بهذا المعنى بقوله
تبارك وتعالى: (بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ=) إلخ. إلى غير ذلك من وجوه المناسبة.
وعن قتادة وغيره أنَّها مع ((الأنفال)) سورةٌ واحدةٌ، ولهذا لم تُكتبْ
بينهما البسملة.
وقيل في وجهِ عدم كتابتها: إنَّ الصحابة ﴿ُه اختلفوا في كونها سورةً أو بعضَ
سورة، ففصلوا بينها وبين ((الأنفال)) رعايةً لمن يقول: هما سورتان، ولم يكتبوا
البسملة رعايةً لمن يقول: هما سورةٌ واحدة.
والحقُّ أنهما سورتان، إلَّا أنهم لم يكتبوا البسملةَ بينهما؛ لما رواه أبو الشيخ
وابن مردويه عن ابن عباس ◌ًِّا، عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه من أنَّ البسملةَ
أمانٌ، و((براءةُ)» نزلتْ بالسيف(١). ومثلُه عن محمد ابن الحنفية وسفيان بن عينية.
ومرجعُ ذلك إلى أنَّها لم تنزل في هذه السورة كأخواتها لِمَا ذكر. ويؤيِّد القولَ
بالاستقلال تسميتُها بما مرَّ.
واختار الشيخُ الأكبر قُدِّس سرُّه في ((فتوحاته)) أنهما سورةٌ واحدةٌ وأنَّ التَّركَ
لذلك، قال في الباب الحادي والثلاث مئة بعد كلام: وأمَّا سورة ((التوبة))
فاختلف الناسُ فيها هل هي سورةٌ مستقلّةٌ كسائر السُّور، أو هل هي وسورةٌ
الأنفال سورةٌ واحدة؟ فإنه لا يُعرف كمالُ السورة إلا بالفَصْل بالبسملة ولم تَجِئ
هنا، فدلَّ على أنها من سورة الأنفال، وهو الأَوْجَهُ، وإن كان لتركها وجهٌ،
وهو عدمُ المناسبة بين الرحمة والتبرِّي، ولكنْ ما لَه تلك القوةُ، بل هو وجهٌ
ضعيف .
وسببُ ضعفه أنَّه في الاسم ((الله)) من البسملة ما يطلبه، والبراءةُ إنَّما هي من
الشريك لا من المُشرك، فإنَّ الخالق كيف يتبرأ من المخلوق؟! ولو تبرَّأ منه، مَن
كان يحفظ وجودَه عليه؟ والشريكُ معدومٌ فتصحُّ البراءةُ منه، فهي صفةٌ تنزيهٍ
وتبرئةٍ لله تعالى من الشريك، وللرسولِ وَ﴿ من اعتقادِ الجهل.
ووجهٌ آخرُ من ضعفٍ هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أنَّ البسملة موجودٌ في أوَّل
(١) الدر المنثور ٢٠٩/٣، وأخرجه أيضاً الحاكم ٣٣٠/٢.

٢٠٥
سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ
سورة (وَيْلٌ لِكُلِ هُمَزَقٍ) و(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) وأين الرحمة من الويل؟(١) انتهى.
وقد يقال: كونُ البراءة من الشريك غيرُ ظاهرٍ من آيتها أصلاً، وستعلم إن
شاء الله تعالى المرادَ منها .
وما ذكره قُدِّس سرُّه في الوجه الآخَرِ من الضعف قد يُجاب عنه بأنَّ هذه السورةَ
لا تُشبهها سورةٌ، فإنَّها ما تركت أحداً كما قال حذيفةُ إلا نالتْ منه وهضمتْه وبالغتْ
في شأنه، أما المنافقون والكافرون فظاهر، وأما المؤمنون ففي قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَكُمْ﴾ إلى ﴿اَلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٣-٢٤] وهو من أشدِّ
ما يخاطبُ به المخالفُ، فكيف بالموافق، وليس في سورة ﴿وَيْلٌ﴾ ولا في سورة
﴿تَبَّتْ﴾ ولا ، ولا. ولو سلِّم اشتمالُ سورةٍ على نوع ما اشتملت عليه لكن الامتياز
بالكميَّة والكيفيَّة مما لا سبيلَ لإنكاره(٢)، ولذلك تُركَت فيها البسملةُ على ما أقول،
والاسمُ الجليل وإن تضمَّن القهرَ الذي يناسب ما تضمنته السورةُ، لكنَّه متضمِّنٌّ غيرَ
ذلك أيضاً مع اقترانه صريحاً بما لم يتضمَّنا سوى الرحمة، وليس المقصودُ هنا
إلا إظهارُ صفةِ القهر، ولا يتأَتَّى ذلك مع الافتتاح بالبسملة ولو سلِّم خلوصُ الاسم
الجلیل له.
نعم إنه سبحانه لم يترك عادته في افتتاح السور هنا بالكلِّية حيث افتتح هذه
السورةَ بالباء كما افتتح غيرَهما بها في ضمن البسملة، وإن كانت باءُ البسملة كلمةً،
وباءُ هذه السورة جزءَ كلمةٍ وذلك لسرِّ دقيق يعرفهُ أهله.
هذا ونُقل عن السخاوي أنه قال في ((جمال القُرَّاء))(٣): اشتهر ترك التسمية في
أول ((براءة)) وروي عن عاصم التسميةُ [في] أوَّلها، وهو القياس؛ لأنَّ إسقاطها إمَّا
لأنها نزلت بالسيف، أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورةٌ مستقلةٌ بل من ((الأنفال)).
ولا يتم الأول لأنه مخصوصٌ بمَن نزلتْ فيه، ونحن إنَّما نسمِّي للتبرُّك، ألا ترى أنه
يجوز بالاتفاق: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]
ونحوها. وإن كان التركُ لأنها ليست مستقلةً، فالتسميةُ في أول الأجزاء جائزة،
(١) الفتوحات المكية ٩/٣-١٠.
(٢) في الأصل: إلى إنكاره.
(٣) نقله عنه الشهاب في الحاشية ٢٩٦/٤، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه.

سُورَةُ التُونِية
٢٠٦
الآية : ١
وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود ظُله، وذهب ابنُ مناذر(١) إلى قراءتها، وفي
(الإقناع))(٢) جوازُها.
والحقُّ استحبابُ تَرْكِها حيث إنها لم تُكتب في الإمام، ولا يقتدَی بغيره.
وأما القولُ بحرمتها ووجوبٍ تركها كما قاله بعضُ المشايخ الشافعية، فالظاهر
خلافُه. ولا أرى في الإتيان بها بأساً لمن شَرَعَ في القراءة من أثناءِ السورة، والله
تعالى أعلم.
﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسُولِ﴾ أي: هذه براءةٌ، والتنوين للتفخيم، و((مِن)) ابتدائية
كما يُؤْذِنُ به مقابَلتُها بـ ((إلى)) متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً للخبر؛ لفساد تعلُّقِه به،
أي: واصلةٌ من الله، وقدَّروه بذلك دونَ «حاصِلَة)» لتقليل التقدير؛ لأنَّه يتعلَّقُ به
(إلى)) الآتي أيضاً.
وجوِّز أن تكون مبتدأً لتخصيصها بصفتها، والخبرُ قوله تعالى: ﴿إِلَى الَّذِينَ
عَهَدُثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾.
وقرأ عيسى بن عمر: ((براءةً)) بالنصب(٣) وهي منصوبةٌ بـ ((اسمعوا)) أو ((الزموا))
على الإغراء.
وقرأ أهلُ نجران: ((من الله)) بكسر النون(٤) على أنَّ الأصلَ في تحريك الساكن
الكسرُ، لكن الوجه الفتحُ مع لام التعريف هرباً مِن تَوَالي الكسرتين.
(١) بفتح الميم ممنوع من الصرف، ويُضم فيصرف، فَمن فتح ولم يصرف قال: إنه جمع منذر؛
لأنه محمد بن منذر بن منذر بن منذر، وهو شاعر بصري، وقد روى عن شعبة، قال يحيى:
لا يروي عنه مَن فيه خير. الميزان ٤٧/٤، وتاج العروس (نذر).
(٢) الإقناع في القراءات الشاذة لأبي علي حسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي المتوفى سنة
(٤٤٦ هـ) قال الذهبي عن مؤلفه: كان رأساً في القراءات، صاحب حديث ورحلة وإكثار،
وليس بالمتقن له ولا المجوِّد، بل هو حاطب ليل، وقال ابن عساكر: كان من أكذب الناس
فيما يدعي من الروايات في القراءات. سير أعلام النبلاء ١٣/١٨، وكشف الظنون ١/ ١٤٠.
(٣) القراءات الشاذة ص٥١، والبحر ٤/٥. ووقع في الأصل و(م): عيسى بن عمرو، والصواب
ما أثبتناه.
(٤) القراءات الشاذة ص ٥١، والمحتسب ٢٨٣/١.

الآية : ١
٢٠٧
سُورَةُ التَّوَنِّة
وإنَّما لم يذكر ما تعلَّق به البراءة حَسْبَما ذكر في قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ
الْمُشْرِكِينٌ) اكتفاءً بما في حيِّز الصِّلة فإنه منبيٌ عنه إنباءً ظاهراً، واحترازاً عن تكرار
لفظ ((من)).
والعهد: العقدُ الموثَّق باليمين. والخطابُ في ((عاهدتم)) للمسلمين، وقد كانوا
عاهدوا مشركي العرب من أهل مكةً وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاقٍ الرسول وَّر،
فنكثوا إلا بني ضمرةَ وبني كنانةَ، وأُمر المسلمون بنبذِ العهد إلى الناكثين، وأُمهلوا
أربعةً أشهر ليسيروا حيث شاؤوا .
وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله و ◌َل﴾ مع شمولها للمسلمين في
اشتراكهم في حكمها، ووجوبِ العمل بموجبها، وعلّقت المعاهدةُ بالمسلمين
خاصَّة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاقِ الرسول عليه الصلاة والسلام؛ للإنباء عن
تَنجُّزها وتَحَثُمِها مِن غيرِ توقُّفٍ على رأي المخاطبين؛ لأنَّها عبارةٌ عن إنهاء حكم
الأمان، ورفع الحظر(١) المترتّب على العهد السابق عن التعرُّض للكفرة، وذلك
منوظٌ بجانبَ(٢) الله تعالى من غير توقُّف على شيءٍ أصلاً، واشتراكُ المسلمين
إنَّما هو على طريقة الامتثال لا غير. وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود
الشرعية، لا تتحصَّل ولا تترتَّب عليها الأحكام إلا بمباشرةِ المتعاقدين على وجهٍ
لا يتصوَّر صدورُه منه تعالى، وإنَّما الصادرُ عنه سبحانه الإذنُ في ذلك،
وإنَّما المباشر له المسلمون، ولا يخفى أنَّ البراءة إنَّما تتعلَّق بالعهد لا بالإذن فيه،
فُنُسبت كلُّ واحدة منهما إلى مَن هو أصلٌ فيها .
على أنَّ في ذلك تفخيماً لشأن البراءة، وتهويلاً لأمرها، وتسجيلاً على الكفرة
بغاية الذُّلِّ والهوان، ونهايةِ الخِزْي والخذلان، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عمَّا يُوهم
شائبةَ النقص والبداء، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيراً.
وإدراجُه ◌َ﴿ في النِّسبة الأولى وإخراجُه عن الثانية؛ لتنويه شأنِهِ الرفيعِّ في
كلا المقامين. كذا حرَّره بعض المحقّقين، وهو توجيهٌ وجيه.
(١) في (م): الخطر، ومثله في مطبوع تفسير أبي السعود ٤٠/٤، والكلام منه.
(٢) في تفسير أبي السعود: بجناب.

سُورَةُالنَّونية
٢٠٨
الآية : ١
وزعم بعضُهم أنَّ المعاهدةَ لما لم تكن واجبةً بل مباحةً مأذونةً، نُسبت إليه،
بخلاف البراءة فإنها واجبةٌ بإيجابه تعالى، فلذا نُسبت للشارع. وهو كما ترى.
وذكر ابنُ المنير (١) في سرِّ ذلك أنَّ نسبة العهدِ إلى الله تعالى ورسولهِ بَّ في
مقامٍ نُسب فيه النبذُ من المشركين لا يَحَسُنُ أدباً، ألا ترى إلى وصيّة رسول الله وَيه
الأمرَاء السَّرايا حيثُ يقول لهم: ((إذا نزلتُم بحصنٍ فطلبوا النزول على حكم الله
تعالى فأنزِلوهم على حُكْمِكم؛ فإنَّكم لا تدرون أصادفتُم حُكْمَ اللهِ تعالى فيهم أمْ
لا ، وإن طلبوا ذمَّةَ الله تعالى فأنزلوهم على ذمَّتِكم، فَلَأَنْ تُخْفَرَ ذمَّتُكم خيرٌ من أن
تُخْفَرَ ذمَّةُ الله تعالى)(٢) فانظر إلى أمره وَلَه بتوقير ذمَّة الله تعالى مخافةً أن تُخْفَرَ،
وإن كان لم يحصلْ بعد ذلك الأمر المتوقَّع، فتوقير عهد الله تعالى - وقد تحقَّق من
المشركين النكثُ، وقد تبرأ منه الله تعالى ورسولهُ عليه الصلاة والسلام - بأنْ
لا ينسب العهدُ المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدرُ، فلذلك نسب العهدُ للمسلمين
دون البراءة منه .
ولا يخلو عن حُسن، إلَّا أنه غيرُ وافٍ وفاءً ما قد سبق.
وقيل: إنَّ ذكر الله تعالى للتمهيد، كقوله سبحانه: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
وَرَسُولِ﴾ [الحجرات: ١] تعظيماً لشأنه وَّله، ولولا قَصْدُ التمهيد لأعيدت ((مِن)) كما في
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧]
وإنَّما نسبت البراءةُ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدةُ إليهم؛ لشركتهم في
الثانية دون الأولى.
وتعقّب بأنه لا يخفى ما فيه؛ فإنَّ مَن بَرِئَ الرسولُ عليه الصلاة والسلام منه تبرَّأ
منه المؤمنون، وما ذُكر من إعادة الجارِّ ليس بلازم، وما ذكره من التمهيد لا يناسب
المقامَ؛ لضعف التهويل حينئذٍ.
وقيل: ولك أن تقول: إنَّه إنَّما أضاف العهدَ إلى المسلمين؛ لأنَّ الله تعالى علم
أنْ لا عهدَ لهم، وأَعْلَمَ به رسولَه عليه الصلاة والسلام، فلذا لم يُضِفِ العهدَ إليه
(١) في الانتصاف ٢/ ١٧٢ .
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣١) عن بريدة ـ

الآية : ٢
٢٠٩
سُوَّةُ التَّوَّةِ
لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل، وهذه نكتُ الإتيان بالجملة اسميةً خبريةٌ، وإن
قيل: إنها إنشائيةٌ للبراءة منهم، ولذا دلَّت على التجدُّد.
وفيه أنَّ حديثَ الأزل لا يتأتّى في حقِّ الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً،
وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً؛ ونكتةُ الإتيان بالجملة الاسمية وهي
الدلالةُ على الدوام والاستمرارِ لا تتوقف على ذلك الحديثِ، فقد ذكرها مع ضمِّ
نكتةِ التوسلِ إلى التهويل بالتنكير التفخيميِّ مَن لم يَذْكُره.
﴿فَسِيحُواْ فِ اْأَرْضِ﴾ أي: سيروا فيها حيثُ شئتم، وأصلُ السياحة: جريانُ
الماء وانبساطُه، ثم استعملت في السَّير على مقتضى المشيئةٍ، ومنه قولهُ:
حتى ترى خيلاً أمامي تَسِيحُ(١)
لو خفتُ هذا منكَ ما نِلْتَني
ففي هذا الأمر من الدلالة على كمال التوسعةِ والترفيهِ ما ليس في ((سيروا))
ونظائرِهِ، وزيادةُ ((في الأرض)) زيادةٌ في التعميم، والكلامُ بتقدير القول، أي:
فقولوا لهم سيحوا، أو بدونه وهو الالتفاتُ من الغيبة إلى الخطاب.
والمقصودُ: الإباحةُ والإعلامُ بحصول الأمان من القتل والقتال في المدَّة
المضروبة، وذلك ليتفكّروا ويحتاطوا ويستعدُّوا بما شاؤوا، ويعلموا أنْ ليس لهم
بعدُ إلا الإسلام أو السيف، ولعل ذلك يحملُهم على الإسلام، ولأنَّ المسلمين لو
قاتلوهم عقيبَ إظهار النقضِ، فربما نُسبوا إلى الخيانة، فأُمهلوا سدًّا لباب الظنِّ،
وإظهاراً لقوَّة شوكتِهم وعدم اكتراثهم بهم وباستعدادهم، وللمبالغة في ذلك اختيرت
صيغةُ الأمر دونَ: فلكم أنَ تسيحوا، والفاءُ لترتيب الأَمر بالسِّياحة وما يعقبه على
ما تُؤْذِنُ به البراءة المذكورة من الحرب، على أنَّ الأوَّل مترتِّب على نفسه، والثاني
بكِلا متعلِّقَيه على عنوانِ كونه من الله العزيز جلَّ شأنُه، كأنَّه قيل: هذه براءةٌ موجبةٌ
لقتالکم، فاسعوا في تحصيل ما يُنْجِیگُم وإعدادٍ ما يُجْدِیکم.
﴿أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ﴾ وهي شوالُ وذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم عند الزهري؛ لأنَّ
الآية نزلت في الشهرِ الأوَّل.
وقيل: إنها وإن نزلت فيه إلا أنَّ قراءتها على الكفار وتبليغَها إليهم كانَ يوم
(١) نسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/٣ لطرفة، ولم نقف عليه في ديوانه.

سُورَةُ التَّوَنَّة
٢١٠
الآية : ٢
الحج الأكبر، فابتداءُ المدَّة عاشر ذي الحجة إلى انقضاء عشرٍ شهرٍ ربيعِ الآخِرِ،
وروي ذلك عن أبي عبد الله رضيته ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي.
وقيل: ابتداءُ تلك المدَّة يوم النَّحر لعشرٍ من ذي القعدة إلى انقضاء عشرٍ من
شهرٍ ربيع الأول؛ لأنَّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي
كان فيهم، ثمَّ صار في السنة الثانية في ذي الحجّة وهي حجَّةُ الوداع التي قال
فيها وَّةِ: ((أَلَا إِنَّ الزَّمان قد استدار كهيئة يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرض))(١) وإلى
ذلك ذهب الجبائيُّ.
واستَصْوَبَ بعضُ الأفاضل الثاني، وادَّعى أنَّ الأكثرَ عليه.
روي من عدة أخبار متداخلةٍ بعضُها في الصَّحيحين أنَّ رسول الله وَِّ عاهد
قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحربَ عشر سنين يأمنُ فيها الناسُ، ودخلت
خزاعةٌ في عهد النبيِّ وَِّ، فدخل بنو بكر عهد قريش(٢).
ثم عَدَتْ بنو بكرٍ على خزاعةَ، فنالت منها، وأعانتهم قريش بالسِّلاح،
فلما تظاهرَ بنو بكر وقريشٌ على خزاعةَ ونقضوا عهدَهم خرج عمرو الخزاعيُّ حتَّى
وقف على رسول الله وَلّ فأنشد(٣):
لاهمَّ إني ناشدٌ محمدا
حِلْفَ أبينا وأبيه الأتْلدا(٤)
قد كنتمُ وُلْداً وكنَّا والدا(٥)
(١) أخرجه أحمد (٢٠٣٨٦)، والبخاري (٣١٩٧)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة
(٢) ينظر حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند أحمد (١٨٩١٠)، والبخاري
(٢٧٣١). وحديث البراء عند أحمد (١٨٥٦٧)، والبخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣)، ولم
يرد ذكر المدة في الصحيحين. وينظر الدراية لابن حجر ١١٧/٢ .
(٣) تنظر هذه الأبيات في السيرة النبوية ٢٩٤/٢، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٨٢، والمنمق
لابن حبيب ص٩٢-٩٣، وأخبار مكة للفاكهي (٢٩١٤)، والمعجم الكبير ٢٣/(١٠٥٢)،
ودلائل النبوة للبيهقي ٦/٥، والاستيعاب على هامش الإصابة ٣٠٤/٨.
(٤) أي: القديم. الإملاء المختصر في شرح المغازي والسير ٧٥/٣.
(٥) يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية.
الروض الأنف ٤ / ٩٧.

الآية : ٢
٢١١
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
ثُمَّتَ أسلمنا ولم نَنْزِعْ يدا
فانصرْ هداكَ اللهُ نصراً أعْتَدَا(١)
وادعُ عبادَ الله يأتوا مَدَدا
فيهم رسولُ الله قد تجرَّدا
إن سِيْم خسفاً وجهُهُ تربَّدا
في فيلق كالبحر يجري مُزيدا
إنَّ قريشاً أخلفوك الموعدا
ونقضُوا ميثاقكَ المؤكَّدا
وجعلوا لي من كداءٍ(٢) رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذلُّ وأقلُّ عددا
هم بيَّتُونا بالحطيم مُجَّدا(٣)
وقتَّلونا رُكَّعاً وسجَّدا
فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا نُصرتُ إنْ لم أَنصرْك))(٤) ثمَّ تجهّز إلى مكةَ
ففتحها سنة ثمانٍ من الهجرة.
فلما كانت سنةُ تسع أراد رسولُ الله ◌ِوَلِّ أن يحجَّ، فقال: ((إنه يحضرُ المشركون
(١) أي: حاضراً. الإملاء المختصر ٧٥/٣.
(٢) جبل بمكة. اللسان (كدا).
(٣) في (م): جهدا، والمثبت من الأصل والمصادر.
(٤) ذكره بهذا اللفظ ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢٥٠، وهو في سيرة
ابن هشام عن ابن اسحاق بلفظ: ((نصرتَ يا عمرو بن سالم)»، وكذا أخرجه البيهقي في
الدلائل ٧/٥ من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، وأخرجه الطبراني في الكبير
٢٣/ (١٠٥٢) من حديث ميمونة بلفظ: ((نصرت)) ثلاثاً، أو: ((لبيك لبيك)) ثلاثاً.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٢١٢
الآية : ٢
فيطوفون عُراة(١)) فبعث عليه الصلاة والسلام تلكَ السنةَ أبا بكرٍ رَظُّه أميراً على
الناس ليقيمَ لهم الحجَّ، وكتب له سُنَنَه، ثم بعثَ بعدَه عليًّا كرم الله تعالى وجهه
على ناقتِهِ العضباء ليقرأ على أهلِ الموسم صدرَ ((براءة)) فلما دنا عليٌّ كرم الله تعالى
وجهه، سمع أبو بكر الرغاءَ، فوقف وقال: هذا رغاءُ ناقةِ رسول الله وَلَّ! فلمَّا
لحقَه قال: أميرٌ أو مأمور؟ قال: مأمور. فلما كان قبل الترويةِ خطب أبو بكر
وحدَّثهم عن مناسِكِهم، وقام عليٍّ كرم الله تعالى وجهه يومَ النحرِ عند جمرة العقبة
فقال: أيُّها الناس، إنِّي رسولُ رسولِ الله تعالى إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم
ثلاثين أو أربعين آيةً من السورة، ثم قال: أُمرتُ بأربع، أن لا يقربَ البيتَ بعد هذا
العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخلَ الجنَّةَ إلَّا كلُّ نفسٍ مؤمنةٍ، وأن
يتمَّ إلى كلِّ ذي عهدٍ عهده(٢).
واختلفت الروايات في أنَّ أبا بكر ◌َه هل كان مأموراً أوَّلاً بالقراءة أم لا؟
والأكثرُ على أنَّه كان مأموراً، وأنَّ عليًّا كرم الله تعالى وجهه لمَّا لَحِقَه ◌َبه أخذ منه
ما أُمر بقراءته.
وجاء في رواية ابن حبَّان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدريِّ: أنَّ أبا بكر تَظُله
حين أُخذ منه ذلك أتى النبيَّ ◌َّ وقد دخَله من ذلك مخافةُ أنْ يكون قد أُنزل فيه
شيء، فلما أتاه قال: مالي يا رسول الله؟ قال: ((خيرٌ، أنت أخي وصاحبي في
الغار، وأنت معي على الحوض، غيرَ أنه لا يبلِّغ عني غيري أو رجلٌ مِنِّي))(٣).
(١) أخرجه الطبري ٣٠٩/١١ -٣١٠ من طريق مجاهد عن النبي ◌ُّليو مرسلاً.
(٢) ينظر حديث ابن عباس عند الترمذي (٣٠٩١)، والطبري ٣١٥/١١، وحديث جابر عند
النسائي ٢٤٧/٥-٢٤٨، وابن حبان (٦٦٤٥)، وحديث أبي هريرة عند أحمد (٧٩٧٧)،
والنسائي ٢٣٤/٥، وحديث علي عند أحمد (٥٩٤)، والترمذي (٣٠٩٢). وينظر ما ورد من
أخبار في هذا أيضاً في تفسير الطبري ٣٠٩/١١-٣٢٢.
وخبر بعث عليٍّ إثر أبي بكر ببراءة أخرجه مختصراً البخاري (٤٦٥٥) من حديث
عنه .
أبي هريرة رضي
(٣) صحيح ابن حبان (٦٦٤٤)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٠٩/٣-٢١٠. وفي
إسناده أبو ربيعة زيد بن عوف القطعي، ضعَّفه غير واحد، وذكره ابن حبان في المجروحين
٣١١/١ فقال: كان ممن اختلط بأخرة فما حدث قبل اختلاطه فمستقيم، وما حدث بعد
التخليط ففيه مناكير، يجب التنكب عما انفرد به من الأخبار، وكان يحيى بن معين سيئ
=

الآية : ٢
٢١٣
سُورَةُ التَوَيَّةِ،
وجاء من رواية أحمد، والترمذي وحسَّنه، وأبي(١) الشيخ، وغيرهم عن أنس
قال: بعث النبيُّ وَله ببراءةَ مع أبي بكر ◌َُّه، ثم دعاه فقال: ((لا ينبغي لأحدٍ أن
يبلِّغ هذا إلَّا رجلٌ من أهلي)) فدعا عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه فأعطاه إيَّاه(٢). وهذا
ظاهرٌ في أنَّ عليًّا لم يأخذ ذلك من أبي بكر في الطريق، وأكثرُ الروايات على
خلافِهِ، وجاء في بعضِها ما هو ظاهرٌ في عدمِ عَزْلِ أبي بكر ◌َُّه عن الأمر، بل
ضُمَّ إليه عليٍّ كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج الترمذيُّ وحسَّنه، والبيهقيُّ في
((الدلائل))، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه عن ابن عباس، أن رسول الله وَّل
بعث أبا بكر وأمره أن يناديَ بهؤلاء الكلماتِ، ثم أتبعه عليًّا وأمره أن ينادي بهؤلاء
الكلمات، فحجًّا، فقام عليٍّ ◌َّه في أيام التشريق فنادى: إنَّ الله بريء من
المشركين ورسولُه، فسيحوا في الأرض أربعةً أشهر، ولا يحَّنَّ بعد العام مشركٌ،
ولا يطوفنَّ بالبيت عريانٌ، ولا يدخلُ الجنةَ إلا مؤمنٌ. فكان عليّ كرَّم الله تعالى
وجهه ينادي، فإذا أعيا قام أبو بكر تظ له فنادى بها(٣).
وأياً ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدلُّ على أنَّ عليًّا ظَه هو الخليفةُ
بعد رسول الله وَ ج دون أبي بكر ﴿ه، وقوله وَ له: ((لا يُبلِّغُ عنِّي غيري أو رجلٌ
مني)) سواءٌ كان بوحي أم لا، جارٍ على عادة العرب أن لا يتولى تقريرَ العهدٍ ونقضَه
إلَّا رجلٌ من الأقاربّ؛ لتنقطع الحجَّة بالكلية، فالتبليغُ المنفيُّ ليس عامًّا كما يُرشد
إلى ذلك حديثُ أحمد والترمذي. وكيف يمكن إرادةُ العموم وقد بلَّغ عنه وَلّ كثيراً
من الأحكام الشرعية في حياته وبعدَ وفاتِه كثيرٌ ممن لم يكن من أقاربه بَّ كعليّ
الرأي فيه. اهـ. وقد استنكر هذا الحديث ابن تيمية في منهاج السنة ٦٣/٥، والجوزقاني في
=
الأباطيل ١٣١/١، واستنكره أيضاً الخطابي، ونقل عنه ابن تيمية قوله: وعامة مَن بلّغ
عنه ( ٣ غيرُ أهل بيته، فقد بعث أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام،
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك، وبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن،
وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة، فأين قولُ مّن زعم أنه لا يبلِّغ عنه إلا رجل من أهل بيته؟!
(١) في الأصل و(م): وأبو، والصواب ما أثبتناه.
(٢) مسند أحمد (١٣٢١٤)، وسنن الترمذي (٣٠٩٠)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى
(٨٤٠٦). وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٣) سنن الترمذي (٣٠٩١)، وتفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٥/٦، والمستدرك ٥٢/٣-٥٣، ودلائل
النبوة للبيهقي ٢٩٦/٥-٢٩٧.

سُورَةُ التَّوَّةِ
٢١٤
الآية : ٢
كرم الله تعالى وجهه، ومنهم أبو بكر ◌َُّه فإنه في تلك السنة حجَّ بالناس،
وعلَّمهم - بأمر رسول الله وَ له- سُننَ الحجّ وما يلزمُ فيه، وهو أحدُ الأمور الخمسةِ
التي بني الإسلامُ عليها .
على أنَّ مَن أنصفَ مِن نَفْسِه عَلِمَ أنَّ في نَصْبٍ أبي بكر ◌َؤُه لإقامة مثل هذا
الرُّكنِ العظيم من الدِّين على ما يُشْعِرُ به قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾
الآية [آل عمران: ٩٧] إشارةٌ إلى أنه الخليفةُ بعدَ رسول الله وَّ في إقامة شعائر دينه،
لا سيما وقد أُيِّد ذلك بإقامته مقامه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس في آخِرٍ
أَمْرِهِ عليه الصلاة والسلام، وهي العمادُ الأعظم والركنُ الأقومُ لدينه عليه الصلاة
والسلام(١). والقولُ بأنهُ رَبُ عُزل في المسألتين كما يزعمه بعضُ الشيعة لا أصل
له، وعلى المدَّعي البيانُ ودونه الشُّمُّ الراسيات.
وبالجملة دلالة ((لا ينبغي)) إلخ على الخلافة مما لا ينبغي القولُ بها، وقصارى
ما في الخبر الدلالةُ على فَضْلِ الأمير كرَّم الله تعالى وجهَه، وقربِهِ من رسول الله وَّه
والمؤمنُ لا ينكِرُ ذلك، لكنَّه بمعزلٍ عن اقتضائه التقدُّمَ بالخلافة على الصديق
ـه .
وقد ذكر بعض أهل السنة نكتةً في نَصْبٍ أبي بكر أميراً للناس في حجِّهم
ونصبٍ الأمير كرَّم الله تعالى وجهه مبلِّغاً نَقْضَ العهد في ذلك المحفل، وهي: أنَّ
الصديق رضيبه لما كان لصفة الرحمة والجمال كما يُرشد إليه ما تقدَّم في حديث
الأُسَراءِ(٢)، وما جاء من قوله وَّر: ((أرحمُ أمَّتي بأمَّتي أبو بكر))(٣) أحال إليه عليه
الصلاة والسلام أَمْرَ المسلمين الذين هم مَوْرِدُ الرحمة، ولما كان عليٌّ كرم الله
تعالى وجهه الذي هو أسدُ الله مظهرَ جلاله فوَّض إليه نقضَ عهد الكافرين الذي هو
من آثارِ الجلال وصفاتِ القهر، فكانا كعينين فوَّارتين يفورُ من إحداهما صفةٌ
الجمال ومن الأخرى صفةُ الجلال في ذلك المَجْمَعِ العظيم الذي كان أنموذجاً
(١) بعدها في (م): في الصلاة بالناس.
(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَّى يُشْخِنَ فِ اَلْأَرْضِّ﴾
[الأنفال: ٦٧].
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٣٩٩٠)، والترمذي (٣٧٩٠)، والنسائي في الكبرى
(٨١٨٥)، وابن ماجه (١٥٤) من حديث أنس ربه. قال الترمذي: حديث حسن غريب.

الآية : ٣
٢١٥
سُوَّةُ التَّوَيَّةِ
للحشر، ومورداً للمسلم والكافر. انتهى. ولا يخفى حسنهُ لو لم يكن في البين
تعليلُ النبيِّ ◌َه ـ
وجَعْلُ المدَّةِ أربعة أشهر؛ قيل: لأنها ثلثُ السنةِ، والثلثُ كثير. ونُصِبَ العددُ
على الظرفية لـ ((سيحوا))، أي: فسيحوا في أقطار الأرض في أربعة أشهرٍ ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّكُمْ﴾ لسياحتكم تلك ﴿غيّرُ مُعْجِى اللَّهِ﴾ لا تفوتونه سبحانه بالهرب والتحصُّن ﴿وَأَنَّ
اُللَّهَ مُخْزِى الْكَفِينَ ﴾﴾ في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب المهين.
وأظهر الاسمَ الجليلَ لتربية المهابةِ وتهويلِ أمر الإخزاءِ، وهو الإذلالُ بما فيه
فضيحةٌ وعار.
والمراد من الكافرين؛ إمَّا المشركون المخاطبون فيما تقدَّم، والعدولُ عن:
مخزيكم، إلى ذلك لذمِّهم بالكفر بعد وصفِهم بالإشراك، وللإشعار بانَّ علَّة الإخزاء
هي كفرُهم. وإما الجنسُ الشاملُ لهم ولغيرهم، ويدخلُ فيه المخاطَبون دخولاً
أوَّلِيًّا .
﴿وَأَذَنْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ﴾ أي: إعلامٌ، وهو فَعَالٌ بمعنى الإفْعال - أي:
إيذانٌ - كالأمان والعطاء. ونقل الطبرسيُّ(١) أنَّ أصله من النداء الذي يُسمع بالأذن
بمعنى أَذَنْتُه: أوصلتُه إلى أذنه.
ورَفْعُه كرفع ((براءة))، والجملةُ معطوفةٌ على مثلها، وزعم الزجَّاج(٢) أنَّه عطف
على ((براءة)). وتُعقِّبَ بأنه لا وَجْهَ لذلك، فإنه لا يقال: إنَّ عمراً معطوفٌ على زيد
في قولك: زيدٌ قائمٌ وعمرٌو قاعد.
وذكر العلّامة الطَّيبِيُّ أنَّ لقائلٍ أنْ يقول: لم لا يجوزُ أن يُعْطَفَ على ((براءة))
على أن يكونَ من عطفِ الخبر على الخبر، كأنه قيل: هذه السورةُ براءةٌ من الله
ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصَّةً، وأذانٌ من الله ورسوله ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ عامةً. نَعَم
الأوْجَهُ أن يكون من عَظْفِ الجمل؛ لئلا يتخلَّل بين الخبرين جملٌ أجنبية، ولئلا
تَفُوتَ المطابقةُ بين المبتدأ والخبر تذكيراً وتأنيئاً .
(١) في مجمع البيان ١٠/ ١٢ .
(٢) في معاني القرآن ٤٢٩/٢.

سُورَةُ التَّوَّة
٢١٦
الآية : ٣
ونَظَرَ فيه بعضهم أيضاً بأنَّهم جوَّزوا: في الدار زيدٌ والحجرةِ عمرو، وعدُّوا
ذلك من العطف على معمولي عاملين، وصرَّحوا بأنَّ نحو: زيدٌ قائم وعمرو.
يحتمل الأمرین.
وأجيب: بأنَّه أُرِيدَ عطفُ ((أذان)) وحده على ((براءة))، من غير تعرُّضٍ لعَظْفٍ
الخبر على الخبر كما في نحو: أريد أن يضرب زيدٌ عمراً ويهينَ بكر خالداً. فليس
العطف إلا في الفعلين دون معموليهما، هذا الذي مَنَعَه مَن مَنَعَ.
وإرادةُ العموم من ((الناس)) هو الذي ذهب إليه أكثرُ الناس؛ لأنَّ هذا الأذانَ
ليس كالبراءة المختصَّة بالناكثين، بل هو شاملٌ للكفرة وسائرِ المؤمنين أيضاً، وقال
قوم: المراد بهم أهلُ العهد.
وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ منصوبٌ بما تعلَّق به ((إلى الناس))
لا بـ ((أذان))؛ لأنَّ المصدر الموصوف لا يعمل على المشهور، والمرادُ به يوم
العيد؛ لأن فيه تمامَ الحجِّ ومعظمَ أفعاله، ولأنَّ الإعلام كان فيه، ولِمَا أخرج
البخاريُّ تعليقاً وأبو داود وابن ماجه وجماعةٌ عن ابن عمر ◌ًِّا، أنَّ رسول الله وَله
وقفَ يوم النَّحر بين الجمرات في الحجَّة التي حجَّ، فقال: ((أيُّ يوم هذا»؟ قالوا:
يومُ النحر. قال: ((هذا يومُ الحجِّ الأكبر))(١) .
وروي ذلك عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابنِ عباس وابنٍ جبير وابنِ زيدٍ
ومجاهدٍ وغيرهم.
وقيل: يوم عرفة؛ لقوله وَّر: ((الحجُّ عرفة))(٢)، ونُسب إلى ابن عباس
أيضاً، وأخرجه ابنُ أبي حاتم عن المِسْوَر عن رسول الله وَّةَ(٣). وأخرج ابنُ جرير
(١) صحيح البخاري إثر الحديث (١٧٤٢)، وسنن أبي داود (١٩٤٥)، وسنن ابن ماجه
(٣٠٥٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٧٧٤)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي ٢٥٦/٥، وابن ماجه (٣٠١٥).
(٣) كما في الدر المنثور ٢١٢/٣، والإتقان ١٢٥١/٢، وهو في مطبوع تفسير ابن أبي حاتم
١٧٤٨/٦ من طريق ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله ◌َ قال يوم
عرفة وخطبهم: ((هذا يوم الحج الأكبر))، وكذا أخرجه أبو داود في المراسيل (١٥١)،
وعبد الرزاق في التفسير ٢٦٧/٢، والطبري ٣٢٣/١١، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه

الآية : ٣
٢١٧
عن أبي الصهباء أنه سأل عليًّا كرَّم الله تعالى وجهَه عن هذا اليوم، فقال: هو يوم
عرفة(١).
وعن مجاهد وسفيان أنَّه جميعُ أيام الحجِّ كما يقال: يومُ الجمل ويومُ صفين.
ويُرادُ باليوم الحينُ والزمانُ. والأوَّل أقوى روايةً ودرايةً.
ووصفُ الحجّ(٢) بالأكبر، لأنَّ العمرةَ تسمَّى الحجَّ الأصغرَ، أو لأنَّ المرادَ
بالحجِّ ما وقع في ذلك اليوم من أعماله؛ فإنهُ أكبر من باقي الأعمال، فالتفضيلُ
نسبيٌّ وغيرُ مخصوص بحجّ تلك السنة.
وعن الحسن أنَّه وُصف بذلك لأنَّه اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق
عيدُه أعيادَ أهل الكتاب. وقيل: لأنه ظهر فيه عزُّ المسلمين وذلُّ المشركين.
فالتفضيلُ مخصوصٌ بتلك السنة.
وأما تسميةُ الحجِّ الموافق يومُ عرفةَ فيه ليوم الجمعة بالأكبر فلم يذكروها، وإن
كان ثوابُ ذلك الحجِّ زيادةً على غيره كما نقله الجلال السيوطيُّ في بعض رسائله.
﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: من عهودِهم. وقرأ الحسن والأعرج: ((إن))
بالكسر (٣)؛ لِمَا أنَّ الأذانَ فيه معنى القول، وقيل: يقدَّر القول. وعلى قراءةِ الفتح
يكون بتقدير حرفٍ جرِّ، وهو مطّردٌ في ((أنَّ) و((أنْ)) والجارُّ والمجرورُ جوِّز أن يكون
خبراً عن ((أذان))، وأن يكون متعلّقاً به، وأن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع صفةً له.
وقوله سبحانه: ﴿وَرَسُولٌ﴾ عطفٌ على المستكنّ في ((بريء))، وجوِّز أن يكون
مبتدأ خبرُه محذوفٌ، وأن يكون عطفاً على محلِّ اسم ((إنَّ) لكنْ على قراءة الكسر؛
لأنَّ المكسورةَ لمَّا لم تغيِّر المعنى جاز أن تقدر كالعدم، فَيُعْطَفُ على محلٌ
= الآية ثم قال: وروي من وجه آخر عن ابن جريح، عن محمد بن قيس، عن المسور بن
مخرمة، عن رسول الله و ﴿ فذكره بنحو الذي قبله. ومحمد بن قيس بن مخرمة هو ابن
المطلب بن عبد مناف، روى عن النبي ◌َّر مرسلاً، ويقال: له رؤية. التهذيب ٦٨٠/٣.
(١) تفسير الطبري ٣٢١/١١.
(٢) في (م): بالحج.
(٣) المحرر الوجيز ٧/٣، والبحر المحيط ٦/٥.

سُورَةُ الَّتِيْ
٢١٨
الآية : ٣
ما عَمِلَتْ فيه، أي: على محلٍ كان له قبل دخولها، فإنه كان إذ ذاك مبتدأ، ووقع
في كلامهم: محلّ ((إنَّ) مع اسمها، والأمرُ فیه هیٌِّ.
ولم يجيزوا ذلك - على المشهور - مع المفتوحة؛ لأنَّ لها موضعاً غير
الابتداء.
وأجاز ابنُ الحاجب هاهنا العطفَ على المحلِّ في قراءة الجماعة أيضاً؛ بناءً
على ما ذكر من أنَّ المفتوحة على قسمين: ما يجوزُ فيه العطفُ على المحلِّ،
وما لا يجوز. فإنْ كان بمعنى إنَّ المكسورةِ كالتي بعد أفعال القلوب، نحو: علمتُ
أنَّ زيداً قائم وعمرٌو، جاز العطف لأنَّها لاختصاصها بالدُّخول على الجُمل يكون
المعنى معها: إنَّ زيداً قائمٌ وعمرو في علمي، ولذا وجبَ الكسرُ في: علمتُ إنَّ
زيداً لقائمٌ. وإن لم تكن كذلك لا يجوزُ، نحو: أعجبني أنَّ زيداً كريمٌ وعمرو،
ويتعيَّن النصبُ فيه؛ لأنها حينئذٍ ليست مكسورةً ولا في حكمِها. ووجهُ الجواز بناء
على هذا أنَّ الإذن بمعنى العلم، فيدخلُ على الجُمَل أيضاً كعَلِمَ.
وقرأ يعقوبُ بروايةِ روحٍ وزيدٌ: ((ورسولَه)) بالنصب، وهي قراءةُ الحسن وابن
أبي إسحاق وعيسى بن عمرٌ (١). وعليها فالعطفُ على اسم ((أنَّ)، وهو الظاهر،
وجوِّز أن تكون الواوُ بمعنى مع، ونُصب ((رسولَه)) على أنه مفعول معه، أي: بريءٌ
معه منهم.
وعن الحسن أنه قرأ بالجرِّ (٢) على أنَّ الواوَ للقسم، وهو كالقسم بعمره وَّل
في قوله سبحانه: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجرات: ٧٢]. وقيل: يجوزُ كونُ الجرِّ على الجوار.
وليس بشيء. وهذهِ القراءةُ لَعمري موهمةٌ جدًّا، وهي في غاية الشذوذ، والظاهرُ
أنَّها لم تصحَّ. يحكى أنَّ أعرابيًّا سمع رجلاً يقرؤها، فقال: إنْ كان الله تعالى
بريئاً من رسولهِ فأنا منه بريءٌ! فلبَّبه(٣) الرجلُ إلى عمر ◌َته، فحكى الأعرابيُّ
قراءتَه، فعندها أمر عمرُ بتعليم العربية. ونُقل أنَّ أبا الأسود الدؤلي سمعَ ذلك،
(١) القراءات الشاذة ص٥١، ومشكل إعراب القرآن ٣٢٥/١، والمحرر الوجيز ٦/٢، وتفسير
القرطبي ١٠٦/١٠، والبحر المحيط ٦/٥. والمشهور عن يعقوب الرفع كقراءة الجماعة.
(٢) الكشاف ١٧٣/٢، والإملاء ١٣٩/٣، والبحر ٦/٥.
(٣) لَبَّب الرجل: جعل ثيابه في عنقه وصدره في الخصومة، ثم قبضه وجرَّه. اللسان (لبب).

الآية : ٣
٢١٩
سُورَةُ التَّوَّةِ
فرفعَ الأمرَ إلى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، فكان ذلك سببَ وضع النحو(١)، والله
تعالى أعلم.
وفرَّق الزمخشريُّ(٢) بين معنى الجملة الأولى وهذه الجملة، بأنَّ تلك إخبارٌ
بثبوتِ البراءةِ، وهذه إخبارٌ بوجوب الإعلام بما ثبت.
وفي ((الكشف)) أنَّ هذا على تقديرٍ رَفْعِهما بالخبرية ظاهرٌ، إلا أنَّ في قوله:
إخبارٌ بوجوب الإعلام، تجوُّزاً، وأراد أن يبيِّن أنَّ المقصودَ ليس الإخبارَ بالإعلام،
بل أَعْلَمَ سبحانه أنَّه بريءٌ ليُعلِموا الناس به. وعلى التقدير الثاني وَجْهُهُ: أنَّ المعنى
في الجملة الأولى: البراءةُ الكائنة من الله تعالى حاصلةٌ منتهيةٌ إلى المعاهدين من
المشركين، فهو إخبارٌ بثبوت البراءة، كما تقول في ((زيدٌ موجودٌ)) مثلاً: إنَّه إخبارٌ
بثبوت زيد. وفي الثانيةِ: إعلامُ المخاطبين الكائنُ من الله تعالى بتلك البراءة ثابتٌ
واصلٌ إلى الناس، فهو إخبارٌ بثبوت الإعلام الخاصِّ صريحاً، ووجوبٍ أن يُعلِمَ
المخاطَبون الناسَ ضمناً، ولما كان المقصود هو المعنى المضمَّن (٣) ذكر أنَّها إخبارٌ
بوجوب الإعلام.
وزعم بعضهم لدفع التَّكرار أنَّ البراءةَ الأولى لنقضِ العهد، والبراءةَ الثانية
لقطعٍ المولاة والإحسان، وليس بذلك.
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الكفر والغدر بنقضِ العهد ﴿فَهُوَ﴾ أي: التوب ﴿خَيٌِّ لَّكُمْ﴾
في الدَّارين، والالتفاتُ من الغيبة إلى الخطاب لزيادةِ التهديد والتشديد. والفاء
الأولى لترتيب مقدَّم الشرطية على الأذان المذيَّلِ بالوعيد الشديدِ المُؤذِنِ بلين
عريكتهم وانكسارٍ شدّةٍ شکیمتهم.
﴿وَإِن تَوَلَيْتُمْ﴾ عن التوبة، أو ثبتُّم على التولِّي عن الإسلام والوفاء ﴿فَأَعْلَمُوا
أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الَّهِ﴾ غيرُ سابِقِيه سبحانه ولا فائتيه ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ
(١) جاء في هامش الأصل: وهذا هو المشهور في سبب وضع النحو، ووراءه أقوال كثيرة
ذكرت في محلها .
(٢) في الكشاف ٢/ ١٧٣ .
(٣) في الأصل: الضمني.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٢٢٠
الآية : ٤
أَلِيمٍ ﴾﴾ أي: في الآخرة على ما هو الظاهر، ومن هنا قيَّد بعضُهم ((غير
معجزي الله)) بقوله: في الدنيا .
والتعبيرُ بالبشارةِ للتهكّم. وصَرْفُ الخطاب عنهم إلى رسولِ اللهِ وَّه قيل: لأنَّ
البشارةَ إنما تليق بمن يقف على الأسرار الإلهية. وقد يقال: لا يَبْعُدُ كونُ الخطابِ
لكلِّ من له حظّ فيه. وفيه من المبالغة ما لا يَخْفَى.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ استثناءٌ - على ما في ((الكشاف))(١) - من
المقدَّر في قوله: ((فسيحوا في الأرض)» إلخ، لأنَّ الكلام خطابٌ مع المسلمين على
أنَّ المعنى: براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فقولوا لهم:
سيحُوا، إلا الذين عاهدتم منهم ثمَّ لم ينقصوكم، فأتمُّوا إليهم عهدَهم، وهو بمعنى
الاستدراك، كأنه قيل: فلا تُمهلوا الناكثين غيرَ أربعة أشهر ولكن الذين لم ينكثوا
فأتمُّوا إليهم عهدَهم ولا تُجْرُوهم مجرى الناكثين.
واعترض بأنَّه كيف يصحُّ الاستثناء وقد تخلَّل بين المستثنى والمستثنى منه جملةٌ
أجنبيةٌ - أعني قوله سبحانه: (وَأَذَانُ بِّنَ اللَّهِ) - فإنه كما قُرِّر عطفٌ على ((براءة)).
وأجيب بأنَّ تلك الجملةَ ليست أجنبيةً من كلِّ وجهٍ؛ لأنها في معنى الأمر
بالإعلام، كأنه قيل: فقولوا لهم سيحُوا واعلموا أنَّ الله تعالى بريءٌ منهم لكن الذين
عاهدتُم .. إلخ.
وجَعَله بعضُهم استدراكاً من النَّذِ السابق الذي أُخِّر فيه القتال أربعة
أشهر ، والمآل واحد.
وقيل: هو استثناءٌ من ((المشركين)) الأول، وإليه ذهب الفراء (٢). ورُدُّ بأنَّ بقاء
التعميم في قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ بَرِئٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينٌّ) ينافيه.
وقيل: هو استثناءٌ من ((المشركين)) الثاني. ورُدَّ بأنَّ بقاء التعميم في الأوَّل
ینافيه .
(١) ٢/ ١٧٤ .
(٢) في معاني القرآن ١/ ٤٢١ .