Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ٤٤
١٤١
سُورَةُ الأَنَفَِّك
وقال أيضاً: مَن رَآهَ وَّهِ مناماً، لم يُرِدْ رؤيتَه حقيقةً لشخصه(١) المودَعِ روضةً
المدينةِ، بل رؤيةً مثاله، وهو مثالُ روحِه المقدَّسة عليه الصلاة والسلام.
قيل: ومن هنا يُعلم جوابٌ آخر للإشكال وهو: أنَّ مرادَهم أنَّ ما يُرى في
المنام ليسَ له حقيقةٌ ثابتةٌ في نفس الأمر كما أنَّ المرئي في اليقظة كذلك، بل هو
مثالٌ متخيَّل يُظهره الله تعالى للنفس في المنام، كما يُظهر لها الأمورَ الغيبيةَ بعد
الموت، والنومُ والموتُ أخوان، ووَصْفُ ما ذُكر بالباطل لعلَّه من قبيل وصفٍ
العالم به في قول لبيد:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل(٢)
وأنت تعلم أنَّ ما ذكره حجَّةُ الإسلام ليس مما اتفق عليه علماؤُه، فقد ذهب
جمعٌ إلى أنَّ رؤيته وَّهَ بصفتِه المعلومة إدراكٌ على الحقيقة، وبغيرِها إدراكٌ للمثال.
على أنَّ كلام المتكلِّمين ظاهرُ المخالفة للكتاب والسنَّة، ولا يكادُ يَسْلَم تأويلُه عن
شيء، فتأمَّل. ولعلَّ النوبةَ تفضي إلى ذكرِ زيادةٍ كلامٍ في هذا المقام.
وبالجملة إنكارُ الرؤيا على الإطلاق ليس في محلِّه، کیف وقد جاء في مدحها
ما جاء؟ ففي صحيح مسلم: ((أيها الناس، لم يبق من مبشِّرات النبوة إلَّا
الرؤيا الصالحةُ، يَراها مسلمٌ أو تُرَى له)»(٣). وجاء في أكثر الروايات أنَّها جزءٌ من
ستّ وأربعين(٤). ووجَّه ذلك بأنَّه عليه الصلاة والسلام عمل بها ستةَ أشهر في مبدأ
الوحي، وقد استقام ينزل عليه الوحي ثلاثاً وعشرين سنة، ولا يتأتَّى هذا على رواية
(١) في (م): بشخصه.
(٢) وعجزه: وكلُّ نعيم لا محالة زائل، وهو في ديوان لبيد ص ٢٥٦ .
(٣) صحيح مسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس ◌ًا، وهو عند أحمد (١٩٠٠).
(٤) أخرجه أحمد (١٢٠٣٧)، والبخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٤) من حديث أنس ظـ
وأخرجه أحمد (١٢٩٣٠)، والبخاري (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤) من حديث عبادة بن
الصامت ضـ
وأخرجه أحمد (٧١٨٣)، والبخاري (٦٩٨٨)، ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة
وأخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري

سُورَةُ الأَنْفَّاِ
١٤٢
الآية : ٤٥
خمسٍ وأربعين(١)، وكذا على روايةٍ سبعين جزءاً(٢)، ورواية (٣) ستّ وسبعين - وهي
ضعيفة(٤) - ورواية ستٍّ وعشرين وقد ذكرها ابنُ عبد البر(٥)، وروايةُ النوويِّ: من
أربعة وعشرين، والله تعالى أعلم(٦).
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ﴾ أي: حاربتم جماعةً من الكفرة، ولم
يَصِفْها سبحانه؛ لظهور أنَّ المؤمنين لا يحاربون إلا الكفارَ، وقيل: ليشملَ بإطلاقه
البغاةً، ولا ینافيه خصوصُ سببٍ النزول.
ومنهم مَن زعم أنَّ الانقطاع معتبرٌ في معنى الفئة؛ لأنها من ((فَأَوْتُ)) أي:
قَطَعْتُ، والمنقطِعُ عن المؤمنين إمَّا كفَّارٌ أو بغاة، وبنى على ذلك أنَّه لا ينبغي أن
يقال: لم توصف لظهور .. إلخ. وليس بشيءٍ كما لا يخفى.
واللقاء قد غَلَبَ في القتال كالنِّزال. وتصديرُ الخطاب بحر في النداء والتنبيه؛
إظهاراً لكمال الاعتناء بمضمون ما بعده.
﴿فَتْبُتُوا﴾ للقائهم ولا تولَّوهم الأدبار، والظاهر أنَّ المراد ((إلا)) و((أو)) على
ما مرَّ(٧) ﴿وَأَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: في تضاعيف القتال، وفسَّر بعضهم هذا
الذكرَ بالتكبير، وبعضُهم بالدعاء، وروَوا أدعيةً كثيرة في القتال منها: ((اللهم أنت
رُّنا وربّهم، نواصينا ونواصيهم بيدك، فاقتلهم واهزمهم))(٨) .
وقيل: المراد بذكره سبحانه إخطارُه بالقلب وتوقُّعُ نصره.
وقيل: المراد: اذكروا ما وَعَدكم الله تعالى؛ من النصر على الأعداء في الدنيا،
والثوابٍ في الآخرة، ليدعوَكم ذلك إلى الثبات في القتال.
(١) أخرجها مسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة ضـ
به.
(٢) أخرجها أحمد (٤٦٧٨)، ومسلم (٢٢٦٥) من حديث ابن عمر
(٣) في (م): أو رواية.
(٤) ضعفها ابن حجر في الفتح ١٢/ ٣٦٢، وهي عند الطبراني في الكبير (١٠٥٤٠).
(٥) في التمهيد ١/ ٢٨٢ من حديث أنس ◌َه، وقال: وهو حسن الإسناد.
(٦) جاء في هامش الأصل: والمراد من كلِّ التكثير، كذا قيل. اهـ منه.
(٧) يعني في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفَا ◌ِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيًِّا إِلَى فِتَقِ﴾ [الأنفال: ١٦].
(٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٢١) من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن النبي وَّر،
وهو مرسل رجاله ثقات كما ذكر الحافظ في الفتح ٦/ ٣٣.

الآية : ٤٦
١٤٣
سُورَةُ الأَفَِّ
®﴾ أي: تفوزون بمرامكم من النصر والمثوبة، والأَولى حملُ
﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (
الذِّكر على ما يعمُّ التكبيرَ والدعاءَ وغير ذلك من أنواع الذكر، وفي الآية تنبيهٌ على أنَّ
العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر مولاه سبحانه، وذكرُه جلَّ شأنهُ في مثل ذلك
الموطن من أقوى أدلّة محبته عزَّ شأنه، ألا ترى من أحبَّ مخلوقاً مثله کیف یقول:
منِّي وبيضُ الهندِ تشربُ من دمي
ولقد ذكرتُك والرِّماحُ نواهلٌ
بَرَقَتْ كَبَارِقٍ ثغرِكِ المتبسِّم (١)
فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنَّها
﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في كلِّ ما تأتون وما تَذَرون، ويندرجُ في ذلك ما أُمروا
به هنا .
تَنَزَعُواْ﴾ باختلاف الآراءِ كما فعلتم ببدرٍ وأُحد. وقرئ: ((ولا تّنازعوا))
بتشديد التاء (٢).
﴿فَفْشَلُواْ﴾ أي: فتجبُنوا عن عدوِّكم، وتضعُفوا عن قتالهم. والفعل منصوب
بأنْ مقدّرة في جواب النهي، ويحتمل أن يكونَ مجزوماً عطفاً عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ بالنصب معطوفٌ على ((تفشلوا)) على الاحتمال
الأوَّل. وقرأ عيسى بن عمر: ((ويَذْهَبْ)) بياء الغيبة والجزم(٣)، وهو عطفٌ عليه
أيضاً على الاحتمال الثاني.
والريح - كما قال الأخفشُ - مستعارةٌ للدولة؛ لشَبَهِها بها في نفوذ أمرها
وتَمشِّيه. ومن كلامهم: هبَّت رياحُ فلان، إذا دالَتْ له الدولةُ وجَرَى أمرُه على
ما يريد، و: ركدت رياحُه، إذا ولَّت عنه وأدبر أمرُه، وقال:
فإنَّ لكلِّ خافقةٍ سكونُ
إذا هبَّتْ رياحُك فاغتنمْها
فما تدري السكونُ متى يكون (٤)
ولا تَغْفَلْ عن الإحسان فيها
(١) البيتان من معلقة عنترة، وقد وردا في إحدى نسخ جمهرة أشعار العرب كما ذكر محققه في
الحاشية ٤٨٨/١، وهما في خلاصة الأثر ٣١٨/٢.
(٢) هي رواية البزِّي عن ابن كثير، كما في التيسير ص ٨٣.
(٣) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٥٠٣.
(٤) البيتان لابن هندو، وهما في التمثيل والمحاضرة ص ٢٣١، وغرر الخصائص ص ٢٤٠.

سُورَةُ الأَنفَِّك
١٤٤
الآية : ٤٧
وعن قتادة وابن زيد أنَّ المرادَ بها ريحُ النصر، وقالا: لم يكن نصرٌ قطّ إلا بريحِ
يبعثُها الله تعالى تضربُ وجوه العدوِّ.
وعن النعمان بن مقرِّن قال: شهدتُ مع رسول اللهِ وَله، فكان إذا لم يقاتلْ أوَّلَ
النهار، انتظر حتى تميل الشمسُ وتهبَّ الرياح(١).
وعلى هذا تكونُ الريح على حقيقتها. وجوِّز أن تكون كنايةً عن النصر، وبذلك
فسّرها مجاهد.
﴿وَأَصْبِرُواْ﴾ على شدائدِ الحرب ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ﴾﴾ بالإعانة والإمداد،
وما يُفهم من كلمة ((مع)) من أصالتهم بناءً على المشهور من حيثُ إنهم المباشرون
للصبرِ، فهم متبوعون من تلك الحيثية.
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم﴾ بعد أن أُمروا بما أُمروا من أحاسن
الأعمالِ ونُھوا عمَّا يُقابلها، والمرادُ بهم أهلُ مگّة؛ أبو جهل وأصحابُه حین
خرجوا لحماية العِير ﴿بَطَرًّا﴾ أي: فخراً وأشراً ﴿وَرِثَّةَ النَّاسِ﴾ ليثنوا عليهم
بالشجاعة والسماحة.
روي عن ابن عباس ﴿يًّا: لمَّا رأى أبو سفيان أنَّه أَخْرَز عيرَه أرسل إلى قريشٍ
أن ارجعُوا فقد سَلِمَتِ العيرُ، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتَّى نَرِدَ بدراً، ونشربَ
الخمور، وتعزفَ علينا القَيْناتُ، ونُطعمَ بها مَن حَضَرَنا من العرب(٢). فوافَوْها
ولكن سُقوا كأسَ المنايا بدل الخمور، وناحت عليهم النوائحُ بدل القينات، وكانت
أموالُهم غنائِمَ بدلاً عن بذلها .
ونَصْبُ المصدرين على التعليل، ويجوز أن يكونا في موضع الحال، أي:
بَطِرِين مُرائين، وعلى التقديرين المقصودُ نهيُّ المؤمنين أن يكونوا أمثالَهم في البطر
والرِّياء، وأمرُهم بأن يكونوا أهلَ تقوى وإخلاص إذا قلنا: إنَّ النهي عن الشيء أمرٌ
بضدِّه.
(١) أخرجه أحمد (٢٣٧٤٤)، وأبو داود (٢٦٥٥)، والترمذي (١٦١٣). وأخرجه البخاري
(٣١٦٠) بنحوه.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ٦١٨/١ - ٦١٩ دون ذكر ابن عباس

الآية : ٤٨
١٤٥
سُورَةُ الأَفَِّ
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطفٌ على ((بطراً))، وهو ظاهرٌ على تقدير أنَّه حالٌ
بتأويل اسم الفاعل؛ لأنَّ الجملةَ تقعُ حالاً من غير تكلُّف، وأمَّا على تقدير كونِه
مفعولاً له، فيحتاجُ إلى تكلُّف؛ لأنَّ الجملةَ لا تقع مفعولاً له، ومن هنا قيل:
الأصلُ: أنْ يصدُّوا، فلما حُذفت ((أنْ)) المصدرية، ارتفع الفعلُ مع القصد إلى معنى
المصدرَّة بدون سابكٍ، کقوله:
أَلَا أيُّهذا الزاجري أَحْضُرُ الوَغَى(١)
أي: عن أن أحضرَ، وهو شاذ. واختير جعلُه على هذا استئنافاً.
ونكتة التعبير بالاسم أولاً والفعل أخيراً: أنَّ البطر والرياءَ دأبُهم، بخلاف
الصدِّ فإنَّه تجدَّدَ لهم في زمن النبوَّة.
﴿وَاَللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾﴾ فيجازيهم عليه.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ مَقدَّرٌ بمضمر(٢) خوطب به النبيُّ ◌َِّ بطريقٍ
التلوين على ما قيل، ويجوز أن يكونَ المضمرُ مخاطباً به المؤمنون، والعطف
على ((لا تكونوا))، أي: واذكروا إذ زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم في معاداة المؤمنين
وغيرها بأنه وسوس إليهم ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّى جَارٌ
لَكُمْ﴾ أي: ألقى في روعهم وخيَّل لهم أنهم لا يُغلبون لكثرةِ عَدَدِهم وعُدَدِهم،
وأوهمهم أنَّ اتِّباعَهم إِيَّه فيما يظنون أنَّها قرباتٌ مجيرٌ لهم، وحافظ عن السوء،
حتى قالوا: اللَّهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين. فالقولُ مجازٌ عن
الوسوسة.
والإسناد في ((إِنِّي جارٌ)) من قبيل الإسناد إلى السبب الداعي، و(لكم)) خبر ((لا))،
أو صفةُ («غالب)) والخبرُ محذوف، أي: لا غالبَ كائناً لكم موجودٌ، و((اليوم))
معمولُ الخبر، ولا يجوز تعلُّق الجارِّ بـ ((غالب)) وإلا لانتصب؛ لشَبَهِهِ بالمضاف
حينئذٍ، وأجاز البغداديُّون الفتحَ، وعليه يصحُّ تعلُّقه به.
(١) البيت لطرفة من معلقته، وهو في ديوانه ص٣٢، وسلف ٢٧٧/٢.
(٢) أي أن ((إذا منصوب بمضمر، والتقدير: واذكر وقت تزيين الشيطان ... ، تفسير أبي السعود
٢٦/٤، وحاشية الشهاب ٢٨١/٤.

سُورَةُ الأَنْفَاِ
١٤٦
الآية : ٤٨
و((من الناس)) حالٌ من ضمير الخبر، لا من المستتر في ((غالب)) لما ذكرنا،
وجملة ((إني جارٌ)) تحتمل العطف والحاليّة.
﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ اَلْفِئَتَانِ﴾ أي: تلاقى الفريقان، وكثيراً ما يُكْنَى بالتَّرائي عن
التَّلاقي، وإنَّما أوّل بذلك لمكان قوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: رجع
القهقرى، فإن النكوصَ كان عند التلاقي لاعند الترائي، والتزامُ كونِه عنده فيه
خفاء .
والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال الموِّدةِ أو المؤسِّسة إن فُسِّر النكوصُ
بمطلق الرجوع، وأيًّا ما كان ففي الكلام استعارةٌ تمثيلية، شبَّه بطلانَ کیده بعد تزيينه
بمن رجع القهقرى عمَّا يخافه، كأنه قيل: لما تلاقتا بطل كيدُه، وعاد ما خُيِّل إليهم
أنه مجیرُهم سببَ هلاکھم.
﴿وَقَالَ إِ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهُ﴾ تبرَّأ منهم؛ إمَّا
بتركِهم، أو بتركٍ الوسوسة لهم التي كان يفعلها أولاً، وخاف عليهم، وأَيِس من
حالهم، لمَّا رأى إمدادَ الله تعالى المسلمين بالملائكة عليهم السلام، وإنما لم نقل:
خاف على نفسه؛ لأنَّ الوسوسة بخوفه عليهم أقربُ إلى القبول، بل يَبْعُدُ وسوستُه
إليهم بخوفه على نفسه. وقيل: إنه لا يخاف على نفسه؛ لأنَّه من المنظَرِين، وليس
بشيء.
وقد يقال: المقصود من هذا الكلام أنه عّم عليهم الأمر، وأخذ يخوِّفهم بعد
أن كان يحرِّضُهم ويشجِّعهم، كأنه قال: يا قومٍ، الأمرُ عظيمٌ والخَطْبُ جسيمٌ، وإني
تاركُكُم لذلك وخائفٌ على نفسي الوقوعَ في مهاوي المهالك، مع أنِّي أَقْدَرُ منكم
على الفرار وطيٍّ(١) مراحل هذه القفار، وحينئذٍ لا يبعد أن يراد من الخوف الخوفُ
على نفسه، حيث لم يكن هناك قولٌ حقيقةً.
وقال غيرُ واحد من المفسرين: إنه لما اجتمعت قريشٌ على المسير ذكرت
ما بينها وبين كنانةَ من الإحْنة(٢) والحرب، فكاد ذلك يثبِّطُهم، فتمثَّل لهم إبليسُ
(١) في (م): وعلى، بدل: وطي.
(٢) أي: الحقد. اللسان (أحن).

الآية : ٤٨
١٤٧
سُورَةُ الأَنْفَّاِ
بصورةٍ سراقةً بن مالك الكنانيّ، وكان من أشراف كنانةَ، فقال لهم: لا غالبَ لكم
اليومَ، وإِنِّي جارٌ لكم من بني كنانةَ، وحافظُكم، ومانعٌ عنكم، فلا يصل إليكم
مكروهٌ منهم. فلما رأى الملائكةَ تنزلُ من السماء، نكص وكانت يدُه في يد
الحارث بن هشام، فقال له: إلى أين، أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال له: إني أرى
ما لا ترون. فقال له: والله ما نرى إلا جعاسيس(١) يثرب! فدفع في صدر الحارث
وانطلق، وانهزم الناسُ، فلما قدموا مكةً قالوا: هزم الناسَ سراقةُ. فبلغهُ الخبرُ
فقال: والله ما شعرت بمسيرٍكم حتى بلغتني هزيمتُكم. فلما أسلموا علموا أنَّه
الشيطان. وروي هذا عن ابن عباس والكلبيِّ والسِّديِّ وغيرهم. وعليه يحتمل أن
يكونَ معنى قوله: ((إني أخاف الله)): إني أخاف أن يصيبَني بمكروهٍ من الملائكة أو
يهلكَني، ويكونُ الوقتُ هو الوقتُ الموعود؛ إذ رأى فيه مالم يرَ قبله؟
وفي ((الموطأ))(٢): ((ما رؤي الشيطان يوماً هو أصغر فيه ولا أدحرُ ولا أحقرُ
ولا أغيظُ، منه في يوم عرفةً؛ لما رأى(٣) من تنزّل الرحمة، وتجاوز الله تعالى عن
الذنوب العِظام، إلا ما رأى (٤) يومَ بدر، فإنه قد رأى جبريل عليه السلامَ يَزَعُ
الملائكةَ عليهم السلام)». وما في كتاب «التيجان))(٥) من أنَّ إبليس قُتل ذلك اليوم
مخرَّجُ على هذا(٦)، وإلا فهو تاجُ سلطان الكذب. وروي الأول عن الحسن،
واختاره البلخيُّ والجاحظ.
وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
يحتمل أن يكون من كلام اللَّعين
٤٨
وأن يكون مستأنفاً من جهته سبحانه وتعالى، وادَّعى بعضُهم أن الأولَ هو الظاهرُ؛
إذ على احتمال كونه مستأنفاً يكونُ تقريراً لمعذرته، ولا يقتضيه المقامُ، فيكون
فضلةً من الكلام. وتُعقّب بأنه بيان لسبب خوفِه حيثُ إنه يعلم ذلك، فافهم.
(١) الجعاسيس: اللئام في الخَلْق والخُلُق. اللسان (جعس)
(٢) ٤٢٢/١، من طريق طلحة بن عبيد الله بن كريز عن النبي وَلهو مرسلاً.
(٣) في (م): يرى، والمثبت من الأصل والموطأ.
(٤) في (م): رؤي، وفي الموطأ: أري.
(٥) لعله كتاب التيجان لابن هشام صاحب السيرة. ينظر كشف الظنون ١/ ٥١٨.
(٦) جاء في هامش الأصل: أو نحوه مما يظهر بالتأمل، فتأمل. اهـ منه.

سُورَةُ الأَفَِّ
١٤٨
الآية : ٤٩
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ﴾ ظرفٌ لـ ((زيَّن))، أو ((نكص))، أو ((شديد العقاب))، وجوَّز
أبو البقاء(١) أيضاً أن يقدّر: اذكروا.
﴿وَلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ أي: الذين لم تطمئنَّ قلوبُهم بالإيمان بعدُ، وبقي
فيها شبهة. قيل: وهم فتية (٢) من قريش أسلموا بمكة، وحبسهم آباؤهم حتَّى خرجوا
معهم إلى بدر، منهم قيس بنُ الوليد بن المغيرة، والعاصُ بنُ منبه بنِ الحجّاج،
والحارثُ بنُ زمعة، وأبو القيس بنُ الفاكه. فالمرضُ على هذا مجازٌ عن الشبهة.
وقيل: المرادُ بهم المنافقون، سواءٌ جُعل العطفُ تفسيريًّا، أو فُسِّر مرضُ
القلوب بالإحَن والعداواتِ والشكِّ، مما هو غيرُ النفاق، والمعنى: إذ يقول
الجامعون بين النِّفاق ومرضٍ القلوب.
وقيل: يجوز أن يكون الموصولُ صفةً المنافقين، وتوسَّطت الواوُ لتأكيد لصوق
الصفة بالموصوف، لأنَّ هذه صفةٌ للمنافقين لا تنفكُّ عنهم. أو تكون الواو داخلةً
بين المفسَّر والمفسِّر، نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه. وزعم بعضُهم أنَّ ذلك وهمٌ، وهو
من التحامل بمكان؛ إذ لا مانعَ من ذلك صناعةً ولا معنى، والقول بأنَّ وجهَ الوهم
فیه أنَّ المنافقين جارٍ على موصوفٍ مقدَّر - أي: القوم المنافقون ۔ فلا یوصفُ، لیس
بوجيه؛ إذ للقائل أن يقول: إنَّه أُجري ((المنافقون)) هنا مجرى الأسماء، مع أنَّ
الصفةَ لا مانع من أن توصفَ، وقيامُ العَرَضِ بالعَرَضِ دونَ إثبات امتناعه خَرْطُ
القتاد.
ومن فسَّر ((الذين في قلوبهم مرضٌ)) بأولئك الفئةِ الذين أسلموا بمكة، قال:
إنهم لما رأوا قلَّةَ المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يعنون المؤمنينَ الذين مع
رسول اللهِ وَ﴿ ﴿دِينُهُمْ﴾ حتَّى تعرَّضوا لمن لا يَدَيْ لهم به(٣)، فخرجوا وهم ثلاثُ
مئةٍ وبضعة عشر إلى زهاءِ الألف.
(١) في الإملاء ١٢١/٣.
(٢) في الأصل: فئة.
(٣) يدي مثنى يد بمعنى القدرة، أي: لا طاقة لهم به، وهذا التركيب سمع من العرب بهذا
المعنى، وحذفت نون التثنية منه كما أثبتت الألف في ((لا أبا لك)) لتقدير الإضافة فيه.
حاشية الشهاب ٤/ ٢٨٢.

الآية : ٥٠
١٤٩
سُورَةُ الأَنْفََِّ
وعلى احتمال جَعْلِه صفةً للمنافقين، يُشعر كلامُ البعض أنَّ القول لم يكن عند
التلاقي، فقد روي عن الحسن أنَّ هؤلاء المنافقين لم يشهدوا القتالَ يومَ بدر.
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ّ أنه قال: هم يومئذ في المسلمين(١).
وفي القلب من هذا شيء، فإنَّ الذي تشهد له الآثارُ أن أهل بدر كانوا خلاصةً
المؤمنین.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ جوابٌ لهم وردٌّ لمقالتهم ﴿فَإِنَ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ
لا يَذِلُّ من توَّل عليه، ولا يُخْذَلُ من استجار به وإن قلَّ ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ يفعلُ
بحكمته البالغة ما تستبعده العقولُ، وتحارُ في فهمه ألبابُ الفحول.
وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة المذكور عليه، أو أنه قائمٌ مقامَه.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ خطابٌ للنبيِّ ◌َِّهِ، أو لكلِّ أحدٍ ممَّن له حظّ من الخطاب،
والمضارع هنا بمعنى الماضي؛ لأنَّ(لو)) الامتناعية تردُّ المضارعَ ماضياً، كما أنَّ
(إنْ)) تردُّ الماضيَ مضارعاً، أي: ولو رأيت ﴿إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ﴾ إلخ
لرأيتَ أمراً فظيعاً، ولابدَّ عند العلامةِ من حَمْلِ معنى المضيِّ هنا على الفَرَض
والتقدير(٢)، وليس المعنى على حقيقةِ المضيِّ، قيل: والقصدُ إلى استمرار امتناع
الرؤية وتجدُّدهِ، وفيه بحث.
و ((إذا ظرفٌ لـ ((ترى)) والمفعولُ محذوف، أي ولو ترى الكفرةَ أو حالهم حينئذٍ،
و((الملائكة)) فاعلُ ((يتوفى))، وتقديمُ المفعول للاهتمام به، ولم يؤنث الفعل لأنَّ
الفاعل غيرُ حقيقيّ التأنيث، وحسَّن ذلك الفصلُ يبنهما، ويؤيد هذا الوجه قراءةُ ابنِ
عامر: ((تتوفَّى)) بالتاء(٣).
وجوَّز أبو البقاء أن يكون الفاعلُ ضميرَ الله تعالى، و((الملائكةُ)) على هذا مبتدأٌ
وخبرُه جملةٌ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ (٤)، والجملةُ الاسمية مستأنفةٌ، وعند أبي البقاء في
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٧١٦/٥ .
(٢) كأنه قيل: قد مضى هذا المعنى ولم تره ولو رأيته لرأيت أمراً فظيعاً. حاشية الشهاب ٤/ ٢٨٢.
(٣) التيسير ص١٦، والنشر ٢٧٧/٢ .
(٤) الإملاء ١٢٤/٣.

سُورَةُ الأَفَّارِ
١٥٠
الآية : ٥٠
موضع الحال، ولم تَحْتَج إلى الواو لأجل الضمير (١)، ومَن يرى أنَّه لابدَّ فيها من
الواو وتَرْكُها ضعيفٌ يلتزمُ الأول.
وعلى الأول يحتمل أن تكون جملة ((يضربون)) مستأنفةً، وأن تكون حالاً من
الفاعل أو المفعولِ أو منهما؛ لاشتمالها على ضميريهما، وهي مُضارِعِيةٌ يُكتَفَى فيها
بالضمیر کما لا يخفى.
والمراد من ((وجوههم)) ما أَقْبَلَ منهم، ومن قوله سبحانه: ﴿وَأَدْبَرَهُمْ﴾ ما أدبر،
وهو كلُّ الظّهر. وعن مجاهد أنَّ المرادَ منه أستاهُهم، ولكن الله تعالی کریم يَكْني.
والأولُ أَوْلَى. وذِكْرُهما يحتمل أن يكون للتخصيص بهما؛ لأنَّ الخزيَ والنكالَ في
ضَرْبهما أشدُّ، ويحتمل أن يرادَ التعميمُ، على حدٍّ قوله تعالى: ﴿ِالْغُدُوِّ وَاْلْأَصَالِ﴾
[الأعراف: ٢٠٥] لأنَّه أقوى ألماً.
والمراد من ((الذين كفروا)): قتلى بدرٍ، كما روي عن ابن عباس ﴿ّ وغيرهٍ.
وروي عن الحسن أنَّ رجلاً قال لرسول الله وَّهَ: إِنِّي رأيتُ بظهر أبي جهل مثَل
الشراك. فقال عليه الصلاة والسلام: ((ذلك ضربُ الملائكة(٢)).
وفي روايةٍ عن ابن عباس ما يُشعِرُ بالعموم، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم عنه أنَّه
قال: آيتان يبشَرُ بهما الكافرُ عند موته، وقرأ: (وَلَوَّ تَرَى) إلخ(٣). ولعل الرواية
عنه ﴾﴾ لم تصحّ.
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
عطف على ((يضربون)) بإضمار القول، أي:
٥٠
ويقولون ذوقوا، أو حالٌ من ضميره كذلك، أي: ضاربين وجوهَهم وقائلين:
ذوقوا، وهو على الوجهين من قول الملائكة، والمراد بعذاب الحريق عذاب النار
في الآخرة، فهو بشارةٌ لهم من الملائكة بما هو أدهى وأمرُّ ممَّا هم فيه.
وقيل: كان مع الملائكة يومَ بدرٍ مقامعُ من حديد، كلما ضربوا المشركين بها
التهبت النارُ في جراحاتهم(٤). وعليه فالقول للتوبيخ.
(١) المصدر السابق.
(٢) أخرجه الطبري ٢٣٠/١١.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٧ .
(٤) تفسير البغوي ٢٥٦/٢.

الآية : ٥١
١٥١
سُورَةُ الأَفَاِ
والتعبيرُ بـ ((ذوقوا)) قيل: للتهكّم؛ لأنَّ الذوقَ يكون في المطعومات المستلذَّة
غالباً.
وفيه نكتةٌ أخرى، وهو أنه قليل من كثير، وأنه مقدِّمةٌ كأنموذج الذائق. وبهذا
الاعتبار يكون فيه المبالغةُ، وإِنْ أَشْعَرَ الذوقُ بقلَّتِهِ.
وذكر بعضُهم - وهو خلاف الظاهر - أنه يحتمل أن يكون هذا القولُ من كلام الله
تعالى كما في ((آل عمران)): ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وجواب (لو)) محذوفٌ لتفظيع الأمر وتهويله، وتقديرُه ما أشرنا إليه سابقاً،
وقدَّره الطيبي: لرأيتَ قوةً أوليائه، ونصرَهم على أعدائه.
﴿ذَلِكَ﴾ أي الضربُ والعذابُ اللذان هما هما، وهو مبتدأُ خبرهُ قوله تعالى:
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ والباء للسببية، وتقديمُ الأيدي مجازٌ عن الكسب والفعل،
أي: ذلك واقعٌ بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي.
وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ﴾﴾ قيل: خبرُ مبتدأ محذوفٍ،
والجملةُ اعتراض تذييلي مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، أي: والأمر أنه تعالى ليس
بمعذِّبٍ لعبيده من غير ذنبٍ من قِبَلهم. والتعبيرُ عن ذلك بنفي الظلم - مع أنَّ
تعذيبهم بغير ذنبٍ ليس بظلم قطعاً على ما تقرّر من قاعدة أهل السنة، فضلاً عن
كونه ظلماً بالغاً - لبيان كمال نزاهته تعالى بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه
تعالى من الظلم.
وقال البيضاويُّ بيَّض الله غرَّة أحواله: هو عطف على ((ما)) للدلالة على أن
سببيَّتَه مقيّدةٌ بانضمامه إليه، إذ لولاه لأَمْكَنَ أن يعذِّبَهم بغير ذنوبهم، لا أنْ
لا يعذّبهم بذنوبهم، فإنَّ تركَ التعذيب من مستحقٌّه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى
ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب(١).
وأراد بذلك الرَّد على الزمخشريِّ عامَلَهُ الله تعالى بعدْلِهِ، حيثُ جَعَلَ كلَّ من
الأمرين سبباً، بناءً على مذهبه في وجوب الأصلح (٢). فقوله: لا أن لا يعذِّبَهم.
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٨٣/٤-٢٨٤.
(٢) الكشاف ١٦٣/٢-١٦٤، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٨٣/٤.

سُورَةُ الأَنَفَاك
١٥٢
الآية : ٥١
عطفٌ على: أن يعذِّبهم، والمعنى: أنَّ سبب هذا القيد دفعُ احتمال أن يعذِّبهم بغير
ذنوبهم، لا احتمالُ أنْ لا يعذبهم بذنوبهم، فإنه أمرٌ حسن.
وقوله: للدلالة .. إلخ، على معنى: أنَّ تعيُّنه للسببية إنما يحصل بهذا القيد؛ إذ
بإمكان تعذيبهم بغيرِ ذنبٍ، يحتمل أن يكون سببُ التعذيب إرادةَ العذاب بلا ذنب،
فحاصل معنى الآية: إنَّ عذابَكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم لامن شيءٍ آخرَ. فلا يَرِدُ
عليه ما قيل: كون تعذيب الله تعالى للعباد بغير ذنبٍ ظلماً لا يوافقُ مذهب الجماعة.
وما قيل: إنَّ هذا يخالفُ ما في ((آل عمران)) من أنَّ سَبَبيَّتَه للعذاب من حيث إنَّ
نفيَ الظلم يستلزمُ العدلَ المقتضي إثابةَ المحسن ومعاقبةَ المسيء = مدفوعٌ بأنَّ لنفي
الظلم معنيين: أحدُهما ما ذكر من إثابة المحسن إلخ، والآخر عدمُ التعذيب بلا ذنبٍ،
وكلٌّ منهما يَؤُولُ إلى معنى العدل، فلا تدافُعَ بين كلاميه. وأما جَعلُه هناك سبباً وهُنا
قيداً للسبب، فلا يوجبُ التدافعَ أيضاً؛ فإن المرادَ - كما ذكرنا فيما قبلُ - بالسبب
الوسيلةُ المحضةُ، وهو وسيلةٌ سواءٌ اعتُبر سبباً مستقلًا أو قيداً للسبب.
ولمولانا شيخ الإسلام في هذا المقام کلامٌ لا یخفی علیك ردُّه بعد الوقوف
على ما ذكرنا. وقد تقدَّم لك بَسْطُ الكلام فيه(١).
ومن الناس من بَيَّن قولَ القاضي: للدلالة .. إلخ. بقوله: يريد أنَّ سبيَّةَ الذنوب
للعذاب تتوقّفُ على انتفاء الظلم منه تعالى، فإنه لو جاز صدورُه عنه سبحانه،
لأمكن أن يعذِّب عبيدَه بغير ذنوبهم، فلا يصلحُ أن يكونَ الذنبُ سبباً للعذاب لا في
هذه الصورة ولا في غيرها .
ثم قال: فإنْ قلتَ: لا يلزم من هذا إلا نفيُ انحصار السبب للعذاب في
الذنوب، لا نفيُ سببيتها له، والكلام فيه؛ إذ يجوز أن يقعَ العذابُ في الصورة
المفروضة بسببٍ غير الذنوب(٢)، ولا ينافي هذا كونها سبباً له في غير هذه الصورة
كما في أهل بدر، فلا يتم التقريب(٣).
(١) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٨٢) من سورة آل عمران.
(٢) في الأصل: الذنب، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٨٣/٤، والكلام منه.
(٣) في حاشية الشهاب: الترتيب.

الآية : ٥١
١٥٣
سُورَةُ الأَنْفَِّكَ
قلت: السببُ المفروضُ في الصورة المذكورة إن أوجب استحقاقَ العذاب
يكون ذنباً لا محالة، والمفروضُ خلافهُ، وإن لم يوجب فلا يُتَصَوَّر أن يكونَ سبباً؛
إذ لا معنى لكون شيءٍ سبباً إلَّا كونه مقتضياً لاستحقاقه له، فإذا انتفى هذا ينتفي
ذلك، وبالجملة فمآ کون التعذیب من غیرِ ذنبٍ إلى كونه بدون السبب، لانحصار
السبب فیه. انتھی.
ورُدَّ بأن قوله: وإنْ لم يُؤْجِبْ فلا يُتصوَّر أن يكون سبباً ... ممنوع؛ فإنَّ
السبب الموجِبَ ما يكون مؤثّراً في حصول شيءٍ، سواء كان عن استحقاق أو لم
يكن، ألا يرى أن الضربَ بظلم والقتلَ كذلك سببان للإيلام والموت، مع أنهما ليسا
عن استحقاق، فاعتراضُ السائل واقعٌ موقعَه، ولا يمكن التفضِّي عنه إلا بما قرِّر
سابقاً من معنى الآية (١)، فإن المقام مقامُ تعيين السببية وتخصيصِها للذنوب، وذلك
لا یحصلُ إلا بنفي صدور العذاب بلا ذنبٍ منه سبحانه وتعالى.
ومن هنا عُلم أنَّ قوله: وبالجملة .. إلخ، ليس بسديدٍ؛ فإنَّ مبناه كونُ
الاستحقاق شرطاً للسببية وقد مرَّ ما فيه، مع ما فيه من المخالفة لكلام الأجلَّةِ من
كون نفي الظلم سبباً آخر للتعذيب، لأنَّ سببيةَ نفي الظلم موقوفةٌ على إمكان إرادة
التعذيب بلا ذنب، وكونها سبباً للعذاب، فكيف يكونُ مآلُ كون التعذيب بلا ذنبٍ
إلى كونه بدون السبب؟ فتأمَّلْ، فالمقامُ معترك الأفهام.
ثم إنَّ المرادَ في الآية نفيُ نفسِ الظّلم وإنما كُثِّر توزيعاً على الآحاد، كأنه قيل:
ليس بظالم لفلانٍ، ولا بظالمٍ لفلان، وهكذا، فلما جُمع هؤلاء عَدَلَ إلى ((ظلَّام))
لذلك.
وجوِّز أن يكون إشارةً إلى عِظَم العذاب على سبيل الكناية؛ وذلك لأنَّ الفعل
يدلُّ بظاهره على غاية الظلم إذا لَم يتعلَّق بمستحقٌّه، فإذا صدر ممن هو أعدل
العادلين، دلَّ أنه استحقَّ أشدَّ العذاب؛ لأنه أشدُّ المسيئين. قال في «الكشف)»:
وهذا أوفقُ للطائف كلام الله تعالى المجيد. وفيه وجوهٌ أُخَرُ مرَّ لك بعضُها.
(١) وهو أن معناها: ذلك العذاب بكسب أيديكم لا لشيءٍ آخر من إرادة التعذيب بلا ذنب، فإنه
تعالى ليس بظلام. حاشية الشهاب ٤/ ٢٨٤.

سُورَةُ الأَنْفَّاِ
١٥٤
الآية : ٥٢
وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: دأبُ هؤلاء
كائنٌ كدأب .. إلخ، والجملة استئنافٌ مسوقٌ لبيان أنَّ ما حلَّ بهم من العذاب بسبب
كفرهم لا بشيءٍ آخرَ، حيث شبَّه حالَهم بحال المعروفين بالإهلاك لذلك، لزيادة
تقبيحٍ حالهم، وللتنبيه على أنَّ ذلك سنَّةٌ مطَّردةٌ فيما بين الأمم المُهلَكة.
والدأبُ: العادةُ المستمرَّة، ومنه قولهُ:
وما زال ذاك الدأبُ حتى تخاذلتْ هوازنُ وارفضَّت سُلَيمٌ وعامرٌ(١)
والمرادُ: شأنُهم الذي استمرُّوا عليه مما فعلوا وفُعل بهم من الأخذ، كدأب آل
فرعونَ المشهورين بقباحةِ الأعمال، وفظاعةِ العذاب والنكال.
﴿وَلَّذِينَ مِن قَبِلِهِمْ﴾ أي: من قَبْلِ آل فرعون وأصحابِه من الأمم الذين فعلوا
ما فعلوا، ولقُوا من العذاب ما لقُوا، كقوم نوح وعادٍ وأضرابهم.
وقوله تعالى: ﴿كَفَرُواْ بِئَايَتِ اللَّهِ﴾ تفسيرٌ لدأبهم لكنْ بملاحظةِ أنَّه الذي فعلوه،
لا لدأب آل فرعون ومَن بعدَهم، فإنَّ ذلك معلومٌ منه بقضية التشبيه.
والجملةُ لا محلَّ لها من الإعراب لما أشيرَ إليه، وكذا على ما قيل من أنَّها
مستأنفةٌ استئنافاً نحويًّا أو بيانيًّا. وقيل: إنها حاليةٌ بتقدير ((قد))، فهي في محلِّ
نصبٍ، وقولهُ سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِزُ﴾ عطفٌ عليها، وحكمُه في التفسير
حكمُها، لكنْ بملاحظة الدأب الذي فُعِلَ بهم. والفاءُ لبيان كونه من لوازم جناياتهم
وتبعاتها المتفرِّعة عليها .
وذِكْرُ الذنوب لتأكيدِ ما أفادته الفاءُ من السببيّة، مع الإشارة إلى أنَّ لهم مع
كفرهم ذنوباً أُخر لها دخلٌ في استتباع العقاب. وجوِّز أن يُرادَ بذنوبهم معاصيهم
المتفرِّعةُ على كفرهم، فتكون الباء للملابسة، أي: فأخذهم ملتبسين بذنوبهم، غير
تائبين عنها .
وجَعْلُ العذاب من جملة دأبهم - مع أنَّه ليس ممَّا يُتصوَّر مداومتهم عليه
واعتيادُهم إياه كما هو المعتبر في مدلول الدأب كما عرفت - إمَّا لتغليب ما فعلوه
(١) البيت لخداش بن زهير كما في مجاز القرآن ٢٤٨/١، والأغاني ٧٠/٢٢، ونسبه صاحب
المفضليات ص٣٦٦ لعوف بن الأحوص. ووقع في (م): حتى تجادلت.

الآية : ٥٣
١٥٥
سُؤَدَّةُ الأَنْفَِّ
على ما فُعِل بهم، أو لتنزيل مداومتهم على ما يوجبُه من الكفر والمعاصي بمنزلة
مداومتهم عليه، لما بينهما من الملابسة التامَّة.
وإلى كون المراد بدأبهم مجموعَ ما فعلوه وما فُعل بهم يشير ما روي عن ابن
عباس ◌ًِّا قال: إنَّ آل فرعون أيقنوا بأنَّ موسى عليه السلام نبيُّ الله تعالى فكذِّبوه،
كذلك هؤلاء جاءهم محمد ◌ّل﴿ بالصِّدق فكذَّبوه، فأنزل الله تعالى لهم عقوبةً
كما أنزل بآل فرعون. وإلى ذلك ذهب الخازن (١) وغيره.
وقيل: المراد بدأبهم: ما فعلوا فقط، وقيل: ما فُعل بهم فقط، وليس بشيءٍ .
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله
من الأخذ، أي: إنه سبحانه لا يغلبُه غالبٌ فيدفعَ عقابه عمَّن أراد معاقبته.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما يفيده النظمُ الكريم من كون ما حلَّ بهم من العذاب منوطاً
بأعمالهم السيئة غيرَ واقع بلا سابقةِ ما يقتضيه، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله سبحانه:
﴿يَأَنَّ الله﴾ إلخ، والباءُ للسببية، والجملةُ مسوقةٌ لتعليل ما أُشير إليه، أي: ذلك
كائن بسبب أنَّ الله سبحانه ﴿لَ يَكُ مُغَيِراً نِّعْمَةٌ أَنْعَمَهَا﴾ أي: لم يَنْبغِ له سبحانه ولم
يصحَّ في حكمته أن يكونَ بحيث يغيِّر نعمةً أيَّ نعمة كانت، جلَّتَ أو هانت، أَنْعَم
بها ﴿عَى قَوْمٍ﴾ من الأقوام ﴿حَ يُغَيِرُواْ مَا يِأَنْفُسِهِمٌ﴾ - أي: ذواتهم - من الأعمال
والأحوال التي كانو عليها وقتَ ملابستهم للنعمة، ويتَّصفوا بما ينافيها، سواءٌ كانت
أحوالُهم السابقة مرضيةً صالحةً أو أهونَ من الحالة الحادثة، كدأب كفرة قریش
المذكورين، حيث كانوا قبلَ البعثة كفرةً عبدة أصنامٍ مستمرِّين على حالٍ مصخِّحةٍ
الإفاضة نِعَمِ الإمهال وسائر النعم الدنيوية عليهم، كصِّلة الرحم، والكفّ عن تعرُّض
الآيات والرسل عليهم السلام، فلما بُعث النبيُّ نََّ غيَّروها على أسوأ حالٍ منها
وأسخط(٢)، حيث كذبوه عليه الصلاة والسلام وعادَوه ومَن تبعَه من المؤمنين،
وتحذَّبوا عليهم، وقطّعوا أرحامهم، فغيَّر الله تعالى ما أنعم به عليهم من نعمةٍ
الإمهال، ووجَّه إليهم نبالَ العقاب والنَّكال.
(١) في (م): ابن الخازن، وينظر تفسير الخازن ٤٢/٣ .
(٢) في تفسير أبي السعود ٢٩/٤ (والكلام منه): غيروها إلى أسوأ منها وأسخط.

سُؤَدَّةُ الأَنْفَّاِ
١٥٦
الآية : ٥٣
وقيل: إنهم لما كانوا متمكِّنين من الإيمان ثمَّ لم يؤمنوا، كان ذلك كأنه حاصلٌ
لهم فغيَّروه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَّرَوُاْ الضَّلَكَةَ بِالْهُدَى﴾
[البقرة: ١٦]، ولا يخلو عن حُسن.
وجَعَل بعضُهم الإشارة إلى ما حلَّ بهم، ثمَّ إنه لمَّا رأى أنَّ انتفاء تغييرِ الله
تعالى حتَّى يغيِّروا لا يقتضي تحقّقَ تغييره إذ غيّروا، وأنَّ العدم ليس سبباً للوجود
هنا، وأيضاً عدمُ التغيير صارفٌ عمَّا حلَّ بهم لا موجبٌ له بحسب الظاهر. قال:
إنَّ السبب ليس منطوقَ الآية بل مفهومَها، وهو جريُ عادته سبحانه على التغيير
متى(١) غيَّروا حالَهم، فالسبب ليس انتفاءَ التغيير، بل التغييرُ، قيل(٢): وإنما أوثر
التعبيرُ بذلك؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التغيير من الله تعالى، لسَبْقِ إنعامه ورحمته، ولأنَّ
الأصل فيهم الفطرةُ، وأما جَعْلُه عادةً جاريةً فبيانٌ لما استقرَّ عليه الحالُ من ذلك،
لا أنَّ كونَه عادةً له دخلٌ في السببية.
ولا يخفى أنَّ ما ذكرناه أسلمُ من القيل والقال، على أنَّ ما فعله البعضُ لا يخلو
بعدُ عن مقالٍ فتدبر.
وأصل ((يك)): يكن، فحذفت النونُ تخفيفاً لشبهها بأحرف العِلَّة في أنَّها من
الزوائد، وهي تحذفُ من أحرفِ المجزوم، فلذا حذفت هذه، وهو مختصٌّ بهذا
الفعل لكثرة استعماله.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾﴾ عطفٌ على ((أن الله)) إلخ داخلٌ معه في حيِّز
التعليل، أي: وبسبب أنه تعالى سميعٌ عليم، ليسمع ويعلم جميعَ ما يأتون ويذرون
من الأقوال والأفعال السابقة واللَّاحقة، فيرتِّب على كلٍّ منها ما يليقُ من إبقاء
النعمةِ وتغييرِها .
وقرئ: ((وإنَّ الله)) بكسر الهمزة(٣)، فالجملةُ حينئذٍ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ
ما قبله .
(١) في (م): حين، والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٨٥/٤.
(٢) القائل هو الشهاب في الحاشية ٤/ ٢٨٥.
(٣) الإملاء للعكبري ١٢٤/٣ .

الآية : ٥٤
١٥٧
سُورَةُ الأَفَّاِ
﴿كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُبِهِمْ﴾
استئنافٌ آخر - على ما ذكرهُ بعضُ المحقّقين - مسوقٌ لتقريرِ ما سيق له الاستئناف
الأول، بتشبيه دأبهم بدأب المذكورين، لكنْ لا بطريقِ التكرير المحض، بل بتغيير
العنوان، وجَعْلِ الدأب في الجانبين عبارةً عمَّا يلازمُ معناه الأول من تغيير الحال
وتغيير النعمة، أخذاً مما نَطَقَ به قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرً) إلخ، أي:
دأب هؤلاء وشأنهم الذي هو عبارةٌ عن التغييرين المذكورين كدأب أولئك حيثُ
غيَّروا حالَهم، فغيَّر الله تعالى نعمتَه عليهم، فقوله سبحانه: (كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ) تفسيرٌ
لدأبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم، وأشير بلفظ الرب إلى أنَّ ذلك التغييرَ كان
بكفران نِعَمِه تعالى؛ لما فيه من الدلالة على أنَّه مربِّهم المنعم عليهم. وقوله
سبحانه: ((فأهلكناهم)) تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم، من تغييرِه تعالى ما بهم من
نعمته جلَّ شأنه.
وفي الإهلاك رمزٌ إلى التغيير، ولذا عبَّر به دون الأخذ المعبَّر به أوَّلاً، وليس
الأخذُ مثلَه في ذلك، ألا ترى أنه كثيراً ما يُظْلَقُ الإهلاكُ على إخراج الشيء عن
نظامه الذي هو عليه، ولم نرَ إطلاقَ الأخذ على ذلك.
وقيل: إنَّما عبَّر أوَّلاً بالأخذ وهنا بالإهلاك، لأن جنايَتهم هنا الكفرانُ وهو
يقتضي أعظم النَّكال، والإهلاكُ مشيرٌ إليه، ولا كذلك ما تقدَّم. وفيه نظر.
وأما دأبُ قريش فمستفادٌ مما ذُكر بحكم التشبيه، فلله تعالى دَرُّ التنزيل حيث
اكتفى في كلِّ من التشبيهين بتفسيرِ أحدِ الطرفين.
وفي ((الفرائد)): أن هذا ليس بتكريرٍ لأنَّ معنى الأول: حالُ هؤلاء كحال آل
فرعون في الكفر، فَأَخَذَهم وأتاهم العذابُ. ومعنى الثاني: حالُ هؤلاء كحال آل
فرعون في تغييرهم النِّعم، وتغييرُ اللهِ تعالى حالَهم بسبب ذلك التغيير، وهو أنه
سبحانه أغرقهم، بدليل ما قبله. وما ذكرناه أتُّ تحريراً.
واعترضه العلّامة الطَّيبي بأنَّ النظم الكريمَ يأباه؛ لأنَّ وجه التشبيه في الأول
كفرُهم المترتِّبُ عليه العقابُ، فكذلك ينبغي أن يكون وجههُ في الثاني ما يفهَمُ من
قوله سبحانه: (كَذَّبُواأ) إلخ لأنه مثلهُ؛ لأنَّ كلَّ منهما جملةٌ مبتدأة بعد تشبيهٍ، صالحةٌ

سُورَةُ الأَنْفَّالِ
١٥٨
الآية : ٥٤
لأنْ تكونَ وجهَ الشَّبه، فتحمل عليه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ
كَمَثَلِ ءَادَمّ خَلَفَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وأما قوله سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهُ) إلخ
فكالتعليل لحلول النَّكال معترضٌ بين التشبيهين، غيرُ مختصٍّ بقوم، بل هو متناولٌ
لجميع مَن يغيِّر نعمةَ الله تعالى من الأمم السابقة واللاحقة، فاختصاصُه بالوجه
الثاني دون الأول، وإيقاعُه وجهاً للتشبيه مع وجوده صريحاً كما علمتَ، بعيدٌ عمَّن
ذاق معرفة الفصاحتين، ووقف على ترتيب النَّظم من الآيتين. انتهى.
ولا يخفى أنَّ هذا غيرُ ما قدَّمناه عند التأمل.
والقولُ في التفرقة بين الآيتين: أنَّ الأُولى لبيان حالهم في استحقاقِهم عذابَ
الآخرة، والثانيةَ لبيان استحقاقهم عذابَ الدنيا. أو أنَّ المقصودَ أولاً تشبيهُ حالهم
بحالِ المذكورين في التكذيب، والمقصودَ ثانياً تشبيهُ حالهم بحالهم في
الاستئصال. أو أنَّ المرادَ فيما تقدَّم بيانُ أخذهم بالعذاب، وهنا بيانُ كيفيَّتِهِ = ممَّا
لا ينبغي أن يعوَّل عليه.
وقال بعضُ الأكابر: إنَّ قوله سبحانه: (كَدَأْبٍ) في محلِّ النصب على أنه
نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: حتى يغيِّروا ما بأنفسهم تغييراً كائناً كدأب آل فرعون،
أي: كتغييرهم، على أنَّ دأبَهم عبارةٌ عمَّا فعلوه، كما هو الأنسبُ بمفهوم الدأب.
وقوله تعالى: (كَذَّبُواْ) إلخ تفسيرٌ له بتمامه، وقوله سبحانه: (فَأَهْلَكْنَهُم) إلخ إخبارٌ
بترتُّب العقوبة عليه، لا أنَّه من تمام تفسيره، ولا ضَير في توسُّط قولِه عزَّ شأنه:
(وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ) بينهما سواءٌ عطفاً أو استئنافاً.
وفيه خروجُ الآية عن نمطِ أختها بالكلِّيَّة، وأيضاً لا وجهَ لتقييدِ التغيير الذي
يترتَّب عليه تغييرُ الله تعالى بكونه كتغيير آل فرعون، على أنَّ كونَ الجارِّ في محلٌ
نصبٍ على أنه نعتٌ بعيدٌ مع وجود ذلك الفاصل وإنْ قلنا بجواز الفصل. ومَن
أَنْصَفَ عَلِمَ أنَّ بلاغةَ التنزيل تقتضي الوجهَ الأوَّل.
والالتفاتُ إلى نون العظمةِ في ((أهلكنا)) جرياً على سَنَنِ الكبرياءِ؛ لتهويل
الخَطْبِ، وهذا لا ينافي النكتةَ التي أشرنا إليها سابقاً كما لا يَخْفَى. والكلامُ في
الفاء وذكر الذنوب على طرزِ ما ذكرناه في نظيرهِ.

الآية : ٥٥ ، ٥٦
١٥٩
سُورَةُ الأَنْفََِّ
وقوله سبحانه: ﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ عطفٌ على ((أهلكنا))، وفي عطفه عليه
مع اندراج مضمونِه تحت مضمونه إيذانٌ بكمالٍ هول الإغراق وفظاعته.
﴿وَكُلٌّ﴾ أي: كلٌّ من الفِرق المذكورين، أو: كلٌّ من هؤلاء وأولئك. أو: كلٌّ
من آل فرعون وكفَّارٍ قريش - على ما قيل - بناءً على أنَّ قبله في تشبيه دأبٍ كفرة
قريش بدأبٍ آل فرعون صريحاً وتعييناً، وأنَّ مثله يكفي قرينةً للتخصيص.
﴿كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴾﴾ أي: أنفسَهم بالكفر والمعاصي، ولو عمّم لكان له وجه،
أو: واضعينَ للكفر والتكذيب مكانَ الإيمان والتصديق، ولذلك أصابهم ما أصابهم.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: في حُكْمِه وقضائه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أصرُّوا
على الكفر ورَسَخوا فيه، وهذا شروعٌ في بيان أحوال سائر الكفرة بعد بيان أحوالٍ
المهلَكين منهم، ولم يقلْ سبحانه: شرَّ الناس؛ إيماء إلى أنَّهم بمعزلٍ عن
مُجانَستهم، بل هم من جنس الدوابِّ وأشرِّ أفراده.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ حكمٌ مترتِّبٌ على تماديهم في الكفر ورسوخِهم فيه،
وتسجيلٌ عليهم بكونهم من أهل الطبع لا يلويهم صارفٌ، ولا يُثنيهم عاطفٌ، جيء
به على وجه الاعتراض.
وقيل: عطفٌ على الصِّلة مُفْهِمٌ معنى الحال، كأنه قيل: إنَّ شرَّ الدوابِّ الذين
كفروا مصرِّين على عدم الإيمان.
وقيل: الفاءُ فصيحة، أي: إذا علمت أنَّ أولئك شرُّ الدواب، فاعلم أنَّهم
لا يؤمنون أصلاً، فلا تُتعب نفسَك.
وقيل: هي للعطف، وفي ذلك تنبيهٌ على أنَّ تحقُّقَ المعطوف عليه يستدعى
تحقُّق المعطوف، حيثُ جُعل ذلك مترتِّباً عليه ترتُّبَ المسبّب على سببه، والكلُّ
كما ترى.
﴿الَّذِينَ عَدَثَّ مِنْهُمْ﴾ بدل من الموصول الأول، أو عطفُ بيان، أو نعتٌ، أو
خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو نصبٌ على الذمِّ. وعائدُ الموصول قيل: ضميرُ الجمع
المجرور، والمرادُ: عاهدتهم، و((من)) للإيذان بأنَّ المعاهدةَ التي هي عبارةٌ عن
إعطاء العهد وأَخْذِه من الجانبين معتبرةٌ هاهنا من حيث أَخْذُهُ وَّهِ؛ إذ هو المناطُ لِمَا

سُورَةُ الأَنْفَاِ
١٦٠
الآية : ٥٧
نَعَى عليهم من النقض، لا إعطاؤه عليه الصلاة والسلام إياهم عهده، كأنه قيل:
الذين أخذتَ منهم عهدَهم. وإلى هذا يرجع قولهم: إنَّ ((من)) لتضمين العهد معنى
الأخذ، أي: عاهدتَ آخذاً منهم.
وقال أبو حيان(١): إنها تبعيضية؛ لأنَّ المباشر بعضُهم لا كلُّهم.
وذكر أبو البقاء(٢) أنَّ الجارَّ والمجرور في موضع الحال من العائد المحذوف،
أي: الذين عاهدتهم كائنين منهم. وقيل: هي زائدة. وليس بذاك.
وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ عطفٌ على الصِّلة، وصيغةُ الاستقبال
للدلالة على تعدُّد النقض وتجدُّدِهِ، وكونِهم على نيَّته في كلِّ حال، أي: ينقضون
عهدَهم الذي أُخذ منهم ﴿فِي كُلِّ مَرَّةِ﴾ أي: من مرات المعاهدة كما هو الظاهرُ،
واختاره غيرُ واحد. وجوِّز أن يراد: في كلِّ مرَّة من مرَّات المحاربة، وفيه بحث.
﴾﴾ في موضع الحال من فاعل ((ينقضون))، أي: يستمرُّون
﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ
على النقض والحالُ أنَّهم لا يتَّقون سبَّةَ الغدر ومغبّته، أو لا يتَّقون الله تعالى فيه.
وقيل: لا يتقون نصرةَ المسلمين وتَسُّطَهم عليهم.
والآية على ما قال جمع: نزلتْ في يهودِ قريظةَ، عاهدوا رسول الله وَّهِ أنْ
لا يمالئوا عليه، فأعانوا المشركين بالسلاح، فقالوا: نسينا. ثمَّ عاهدهم عليه
الصلاة والسلام فنكثوا ومالَؤوهم عليه - عليه الصلاة والسلام - يومَ الخندق، وركب
كعبٌ إلى مكةَ فحالفهم على حرب رسول الله وَّهِ .
وأخرج أبو الشيخ(٣) عن سعيد بن جبير أنَّها نزلتْ في ستة رَهْطٍ من يهود منهم
ابنُ تابوت. ولعلَّه أراد بهم الرؤساءَ المباشرين للعهد.
﴿فَإِمَّا نَتْقَفَنَّهُمْ﴾ شروعٌ في بيان أحكامهم بعد تفصيل أحوالهم، والفاءُ لترتيب
ما بعدَها على ما قبلها، والثقفُ يُطلق على المصادفة وعلى الظفر، والمراد به هنا
المترتّب على المصادفةِ والملاقاة، أي: إذا كان حالُهم كما ذكر فإمَّا تصادفنَّهم
(١) في البحر ٥٠٨/٤.
(٢) في الإملاء ١٢٥/٣ .
(٣) كما في الدر المنثور ١٩١/٣.