Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ٣٤
١٠١
سُورَةُ الأَفَِّّ
﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءٌ﴾ أي: وما كانوا مستحقِّين ولايةَ المسجدِ الحرام مع
شِرْكهم، والجملةُ في موضع الحالِ من ضميرٍ ((يصدُّون))، مُبيَِّةٌ لكمالِ قبح ما صنعوا
مِن الصدِّ؛ فإنَّ مباشَرَتَهم للصدِّ عنه مع عدمِ استحقاقِهم لولايةٍ أمره في غَايةِ القُبح،
وهذا ردِّ لِمَا كانوا يقولون: نحن ولاةُ البيتَ والحرم، فنصدُّ مَن نشاء، وندخل من
نشاء .
﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ﴾ أي: ما أولياءُ المسجدِ الحرام ﴿إِلَّ الْمُتَّقُونَ﴾ من الشرك الذين
لا يَعْبُدُون فيه غيرَه تعالى، والمرادُ بهم المسلمون، وهذه المرتبةُ الأولى من التقْوى.
وما أشرنا إليه من رجوع الضميرَيْن إلى المسجد هو المتبادِرُ المرويُّ عن
أبي جعفر والحسن.
وقيل: هما راجعان إليه تعالى، وعليه فلا حاجةً إلى اعتبارِ الاستحقاق
فيما تقدَّم آنفاً؛ إذ لم تَثْبُت لهم ولايةُ الله تعالى أصلاً، بخلافٍ ولايةِ المسجد
الحرام؛ فإنَّهم كانوا متولِّين له وقتَ النزول، فاحتِيجَ إلى التأويل بنفي الاستحقاق.
ويفسَّرِ ((المتقون)) حينئذٍ بما هو أخصُّ من المسلمين؛ لأنَّ ولايةَ الله تعالى لا يكفي
فيها الإسلامُ، بل لا بدَّ فيها أيضاً من المرتبة الثانية من التقوى، وإن وُجِدَت المرتبةُ
الثالثةُ منها، فالولايةُ ولايةٌ كبرى، وهذا ما نعرفه مِن نُصوصِ الشريعة المطهّرةِ،
والمحجَّةِ البيضاء التي ليلُها كنهارِها .
وغالبُ الجَهَلة اليومَ على أنَّ الوليَّ هو المجنونُ، ويعبِّرون عنه بالمجذوب،
صدقوا ولكن عن الهُدى، وكلَّما أطبق جنونُه، وكثُر هَذَيانُه، واستقْذَرَت النفوسُ
السليمةُ أحوالَه كانت ولايتُه أكملَ، وتصرُّفُه في مُلك الله تعالى أتمَّ.
وبعضُهم يُطلِقِ الوليَّ عليه وعلى مَن تَرَك الأحكامَ الشرعيةَ، ومَرَق من الدين
المحمَّديِّ، وتكلّم بكلماتِ القوم، وتزيًّا بزِيِّهم، وليس منهم في عيرٍ ولا نفيرٍ، وزَعَم
أنَّ مَن أجهد نفسَه في العبادة محجوبٌ، ومن تمسَّك بالشريعة مغبونٌ، وأنَّ هناك
باطناً(١) يخالِفُ الظاهرَ إذا هو عرِف انحلَّ القيدُ، ورُفع (٢) التكليفُ، وكَمُلتِ النفسُ:
(١) في الأصل و(م): محجوباً .... مغبوناً ... باطن.
(٢) في الأصل: وبطل.

سُورَةُ الأَنْفَّالِ
١٠٢
الآية : ٣٥
كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ(١)
وألقَتْ عصاها واستقرّ بها النوى
ويسمُّون هذا المُرشِدَ، صَدَقوا ولكن إلى النار، والشيخَ، صَدَقوا ولكن
النجديَّ، والعارفَ، صدقوا ولكن بسَباسبِ الضلال، والموحِّد، ولكن للكُفر
والإيمان، وقد ذكر مولانا حجَّةُ الإسلام الغزاليُّ هذا النوعَ من الكَفَرة الفَجَرة،
وقال: إنَّ قتلَ واحدٍ منهم أفضلُ عند الله تعالى من قتلٍ مئة كافر. وكذا تكلّم فيهم
الشيخُ الأكبر قدِّس سرُّه في ((الفتوحات)» بنحو ذلك:
إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمةٍ إلى أين يَسْعى مَن يَغَصُّ بماءٍ(٢)
والزمخشريُّ جَعَل ((المتقون)) أخصَّ من المسلمين على الوجه الأول أيضاً،
وهو أبلغُ في نفْي الولاية عن المذكورين، أي: لا يصلُح لأن يليّ أمرَ المسجد مَن
ليس بمسلم، وإنَّما يستأهِلُ ولايتَه مَن كان برًّا تقيًّا، فكيف بالكَفَرة من عَبَدةِ
الأوثان؟(٣).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أن لا ولايةَ لهم عليه، وكأنَّه نبَّه سبحانه
بذكر الأكثرِ على أنَّ منهم مَن يعلم ذلك ولكن يجحَدُه عناداً .
وقد يُراد بالأكثر الكلُّ؛ لأنَّ له حكمَهُ في كثيرٍ من الأحكام، كما أنَّ الأقلَّ قد
لا يُعتبَر، فينزَّل منزلةَ العدم.
﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ﴾ أي: المسجدِ الحرام الذي صدُّوا المسلمين
عنه، والتعبيرُ عنه بـ ((البيت)) للاختصار مع الإشارةِ إلى أنَّه بيتُ الله تعالى، فينبغي
أن يُعظّم بالعبادة، وهم لم يفعلوا.
﴿إِلَّا مُكَآءُ﴾ أي: صفيراً، وهو فُعال بضمِّ أوله كسائر أسماء الأصوات،
(١) اختلف في قائله: فنسبه الميداني في مجمع الأمثال ٣٦٤/١ إلى معقِّر البارقي، ونسبه
الجاحظ في البيان والتبيين ٤٠/٣ إلى مضرس الأسدي، وقال ابن بري - كما في اللسان
(عصا) -: هذا البيت لعبد ربه السلمي، ويقال: لسليم بن ثمامة الحنفي، وذكر الآمدي أن
البيت لمعقّر بن حمار البارقي. اهـ. وهو في الصحاح (عصا)، وخزانة الأدب ٤١٣/٦ دون
نسبة.
(٢) سلف ١٦٦/٢.
(٣) الكشاف ١٥٦/٢.

الآية : ٣٥
١٠٣
سُورَةُ الْأَفَّاِ
فإِنَّها تجيء على فُعال إلا ما شذَّ كالنِّداء، مِن مَكَا يمكُو: إذا صفَر، وقُرِئ: ((مُكا)
بالقصر کېكاً(١).
﴿وَتَصْدِيَةٌ﴾ أي: تصفيقاً: وهو ضربُ اليد باليد بحيث يُسمَع له صوتٌ، ووزْنُه
تَفْعِلَةٌ من الصدِّ كما قال أبو عبيدة(٢)، فَحُوِّلَ إحدى الدالَيْن ياءً كما في تقضَّى
البازيُّ؛ لتقضُّضِه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾
[الزخرف: ٥٧]، أي: يضِجُون؛ لمزيدٍ تعجُبهم. وأُنكِر عليه.
وقيل: هو من الصدى: وهو ما يُسمع مِن رَجْع الصوت عند جبلٍ ونحوِهِ.
والمرادُ بالصلاة إمَّا الدعاءُ، أو أفعالٌ أُخَر كانوا يفعلونها ويُسمُّونها صلاةً،
وحَمل المكاءِ والتصدية عليها على ما يشير إليه كلامُ الراغب (٣) بتأويلِ ذلك بأنَّها
لا فائدةَ فيها ولا معنى لها، كصَفير الطيور، وتصفيق اللعب.
وقد يقال: المرادُ أنهم وضعوا المُكاءَ والتصدِيةَ موضعَ الصلاة التي تليق أن
تَقَعَ عندَ البيت، على حدٍّ :
تحيَّةُ بينِهم ضربٌ وَجِيعُ(٤)
يُروى أنَّهم كانوا إذا أراد النبيُّ وَّر أن يصلي يخلطون عليه بالصفير والتصفيق،
ويُرُوْنَ أنَّهم يُصَلُّون أيضاً(٥).
وروي أنَّهم كانوا يطوفون عراةً، الرجالُ والنساءُ مشبِّكين بين أصابعهم،
يصفرون فيها ويصفقون(٦).
وقال بعض القائلين: إنَّ التصديةَ بمعنى الصدِّ: والمراد صدُّهم عن القراءة، أو
(١) القراءات الشاذة ص٤٩، والبحر ٤/ ٤٩٢.
(٢) ذكر كلامه ابن جني في سر صناعة الإعراب ٧٦٢/٢، والأزهري في تهذيب اللغة ١٠٤/١٢،
وابن يعيش في شرح المفصل ٢٥/١٠، والشهاب في الحاشية ٢٧٣/٤ .
(٣) في المفردات (صدى).
(٤) وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل، وهو لعمرو بن معدي كرب، وسلف ٥/ ٦٤.
(٥) تفسير الطبري ١١/ ١٦٥، وتفسير ابن أبي حاتم ١٦٩٦/٥ عن مجاهد.
(٦) تفسير الطبري ١٦٤/١١، وتفسير ابن أبي حاتم ١٦٩٦/٥ عن ابن عباس.

سُورَةُ الأَفَّالِ
١٠٤
الآية : ٣٥
عن الدينِ. أو الصدُّ بمعنى الضجَّةِ كما نُقل عن ابن يعيش في قوله تعالى: ﴿إِذَا
قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧](١). والمأثورُ عن ابن عباس وجمعٍ من السلف
ما ذكرناه.
نعم رُوي عن ابن جبير تفسيرُ التصدية بصدِ الناس عن المسجد الحرام، وفيه
بُعدٌ، وأبعدُ من ذلك تفسيرُ عكرمةَ لها بالطواف على الشمال(٢)، بل لا يكاد يسلّم.
والجملةُ معطوفةٌ إمَّا على ((وهم يصُدُّون))، فتكونُ لتقريرِ استحقاقهم للعذاب
ببيانِ أنَّهم صَدُّوا ولم يقوموا مقامَ مَن صدُّوه في تعظيم البيت، أو على ((وما كانوا
أولياءه» فتكونُ تقريراً لعدم استحقاقهم لولايته.
وقرأ الأعمش: ((صلاتهم)) بالنصب، وهي روايةٌ عن عاصم وأبان(٣)، وهو
حينئذٍ خبرُ ((كان))، و(مكاءٌ)) بالرفع اسمُها، وفي ذلك الإخبارُ عن النكرة بالمعرفة،
وهو مِن القلبِ عند السكاكيِّ(٤)، وقال ابن جني: لا قلبَ، ثم قال: لسْنا ندفع أنَّ
جعلَ اسم كان نكرةً وخبرها معرفةً قبيحٌ، وإنَّما جاءت منه أبياتٌ شاذةٌ، لكن من
وراءِ ذلك ما أذكره، وهو أنَّ نكرة الجنسِ تُفيد مفادَ معرفتِه، ألا تراك تقول:
خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب، فتجد معناه: فإذا الأسد بالباب، ولا فرقَ بينهما، وذلك
أنَّك في الموضعين لا تريد أسداً واحداً معيَّناً، وإنَّما تُريد واحداً من هذا الجنس؟
وإذا كان كذلك جاز هنا النصبُ والرفعُ جوازاً قريباً، كأنه قيل: وما كان صلاتَهم
إلا هذا الجنسُ من الفعل، ولا يكون مثلَ قولك: كان قائمٌ أخاك، لأنه ليس في
((قائم)) معنَى الجنسية. وأيضاً فإنَّه يجوز مع النفْي ما لا يجوز مع الإيجاب، ألا تراك
تقول: ما كان إنسانٌ خيراً منك، ولا تُجِيز: كان إنسانٌ خيراً منك؟(٥). وتمامُ
الكلام عليه في موضعه.
(١) شرح المفصل لابن يعيش ٢٥/١٠.
(٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري ١٦٧/١١، وقوله وقول عكرمة أخرجهما ابن أبي حاتم
١٦٩٦/٥-١٦٩٧.
(٣) القراءات الشاذة ص٤٩، والمحتسب ٢٨٧/١-٢٧٩، والمحرر الوجيز ٥٢٣/٢، والبحر
٤ / ٤٩٢.
(٤) مفتاح العلوم ص ٢١٠-٢١١.
(٥) المحتسب ٢٧٩/١.

الآية : ٣٦
١٠٥
سُوبَةُ الأَنْفَاك
﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ يعني القتلَ والأسرَ يومَ بدر كما رُوي عن الحسن
والضحَّاك(١). وقيل: عذاب الآخرة، وقيل: العذابُ المعهود في قوله سبحانه: (أَوِ
أَثْتِنَا بِعَذَابٍ) ولا تعيينَ.
للسببية، والفاءُ ـ على تقدير
والباءُ في قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٥)﴾
أن لا يرادَ من العذابِ عذابُ الآخرة - للتعقيب، وعلى تقدير أن يرادَ ذلك للسببية
کالباءٍ، وأمْرُ اجتماعهما ظاهرٌ.
· والمتبادِرُ من الكُفر ما يرجع إلى الاعتقاد، وقد يُراد به ما يشمَلُ الاعتقادَ
والعملَ، كما يُراد مِن الإيمان في العرف ذلك أيضاً.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُّونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُواْ عَنِ سَبِيلِ اللهِ﴾ نزلت - على ما رُويّ
عن الكلبيِّ والضَّّاك ومقاتل - في المُطْعمين يومَ بدٍ، وكانوا اثني عشر رجلاً:
أبو جهل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج،
وأبو البختريِّ بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيمُ بن حزام، وأبيُّ بن خلف،
وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، وكلُّهم
من قريش، وكان كلَّ يوم يُطعِم كلُّ واحدٍ عشرَ جُزُر، وكانت النوبةُ يومَ الهزيمة
للعباس(٢).
وروى ابن إسحاق أنَّها نزلت في أصحاب العير؛ وذلك أنَّه لمّا أصيبت قريشٌ
يومَ بدرٍ، ورجعوا إلى مكة، مشى صفوانُ بن أمية وعكرمة بن أبي جهل في رجالٍ
من قريشٍ أصيب آباؤهم وإخوانُهم بيدٍ، فكلَّموا أبا سفيان ومَن كانت له في تلك
العير من قريش تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريش، إنَّ محمداً قد وَتّركم وقتل
رجالَكم، فأعينونا بهذا المال على حربِه لعلَّنا أن نُدرِكَ منه تأْرَنا بمن أصيب منا،
ففعلوا(٣).
(١) تفسير الطبري ١٦٩/١١، والنكت والعيون ٣١٦/٢.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٢٣٢، وتفسير البغوي ٢٤٧/٢، والمحرر الوجيز ٥٢٥/٢، ووقع
في الأصل و(م): بنية ومنية ابنا الحجاج، وهو تصحيف.
(٣) ذكره ابن هشام مختصراً في سيرته ١/ ٦٧١، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٧٣/١١ من طريق
ابن إسحاق كما ذكره المصنف، وهو عند الواحدي في أسباب النزول ص٢٣٤.

سُورَةُ الأَفَّاِ
١٠٦
الآية : ٣٦
وعن سعيد بن جبير ومجاهد: أنّها نزلت في أبي سفيان، استأجر ليوم أحدٍ ألفين
من الأحابيش ليقاتل بهم النبيَّ وَّر سوى مَن استجاشَهم من العرب، وأنفق عليهم
أربعين أوقية من الذهب، وكانت الأوقيةُ يومئذٍ اثنين وأربعين مثقالاً من الذهب،
وفيهم يقول كعبُ بن مالك من قصيدة طويلة أجابَ بها هبيرةً بن أبي وهب:
أحابيشُ منهم حاسرٌ ومُقَنَّعُ
فجئنا إلى موجٍ من البحْرِ وسْطُه
ثلاثُ مئين إن كَثُرنا فأرْبَع(١)
ثلاثةُ آلافٍ ونحن عصابةٌ
و((سبيل الله): طريقُه، والمرادُ به دينُه واتباعُ رسوله وَلّى .
واللام في (ليصدوا)) لامُ الصيرورة، ويصحُّ أن تكونَ للتعليل؛ لأنَّ غرضَهم
الصدُّ عن السبيلِ بحسبِ الواقع وإن لم يكن كذلك في اعتقادهم، وكأن هذا بيانٌ
لعبادتهم المالية بعد عبادتهم البدنية.
والموصولُ اسم ((إن))، وخبرُها - على ما قاله العلامةُ الطيبيُّ - قوله تعالى:
﴿فَسَمُنفِقُونَهَا﴾، و((ينفقون)) إما حالٌ، أو بدلٌ من ((كفروا))، أو عطفُ بيانٍ، واقترن
الخبرُ بالفاء لتضمُّن المبتدأ الموصولِ مع صلته معنَى الشرط، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُّ لَمَ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهََّ﴾ [البروج: ١٠]، فهو جزاءٌ
بحسب المعنى، وفي تكرير الإنفاق في الشرط والجزاء الدلالةُ على كمالٍ سوءٍ
الإنفاق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]،
وقولِهم: من أدرك الصمَّان فقد أدرك المرعى(٢).
والكلامُ مشعرٌ بالتوبيخ على الإنفاقِ والإنكارِ عليه، قيل: وإلى هذا يرجعُ قولُ
بعضِهم: إنَّ مساقَ ما تقدَّمَ لبيانٍ غرضِ الإنفاق، ومساقُ هذا لبيانٍ عاقبته، وأنَّه لم
يقعْ بعدُ، فليس ذلك من التكرار المحظور.
(١) البيتان في ديوان كعب ص١٨٢، والخبر أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير مطولاً
١١/ ١٧٠-١٧١، وعن مجاهد مختصراً ١٧٢/١١، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ١٦٩٧/٥،
والنكت والعيون ٣١٦/٢، وورد البيتان أيضاً في سيرة ابن هشام ١٣٤/٢ برواية «نصيَّةٌ) بدل
(عصابةٌ))، والنصية: الخيار من القوم. ووقع في الأصل و(م): وسطهم، وهو تصحيف.
(٢) الصمَّان: قال في اللسان (صمم): أرض لبني حنظلة، وقال الأزهري: إذا أخصبت الصمَّان
رتعت العرب جميعاً. تهذيب اللغة ١٢٩/١٢ .

الآية : ٣٦
١٠٧
سُورَةُ الْأَنْفَّاِ
وقيل في دفعه أيضاً: المرادُ من الأول الإنفاق في بدرٍ، و((ينفقون)) لحكاية
الحالِ الماضية، وهو خبر ((إن))، ومن الثاني الإنفاقُ في أُحُدٍ، والاستقبالُ على
حاله، والجملةُ عطفٌ على الخبر، لكن لمَّا كان إنفاقُ الطائفة الأولى سبباً لإنفاق
الثانية، أتى بالفاء لا بتنائه عليه.
وذهب القطبُ إلى هذا الإعراب أيضاً على تقديرٍ دفع التكرار باختلاف
الغرضين، وذَكر أنَّ الحاصلَ أنَّا لو حملنا ((ينفقون)) على الحال فلابدَّ من تغايُرِ
الإنفاقين، وإن حملناه على الاستقبال اتَّحدا، كأنه قيل: إنَّ الذين كفروا يُريدون أن
ينفقوا أموالَهم، فسينفقوها .
وحَمْلُ المنفَق في الأول على البعضِ وفي الثاني على الكلِّ لا أراه إلا كما ترى.
وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ عطفٌ على ما قبلَه، والتراخي
زمانيٌّ، والحسرةُ: النَّدَمُ والتأسُّفُ، وفعلُه: حَسِرَ كَفَرِحَ، أي: ثم تكونُ عليهم ندماً
وتأسُّفاً؛ لفَواتها من غيرِ حصولِ المطلوب.
وهذا في بدرٍ ظاهرٌ، وأما في أُحُد فلأنَّ المقصودَ لهم لم ينتجْ(١) بعدَ ذلك،
فکان کالفائت.
وضميرُ ((تكون)» للأموالِ، على معنى: تكون عاقبتُها عليهم حسرةً، فالكلامُ
علی تقدیرٍ مضافیْن، أو ارتكابٍ تجۇُّزٍ في الإسناد.
وقال العلامة الثاني: إنَّه من قبيلِ الاستعارة في المركَّب، حيث شُبِّه كونُ عاقبةٍ
إنفاقهم حسرةً بكونِ ذاتِ الأموال كذلك، وأُطلِقِ المشبّه به على المشبَّهِ. وفيه
خفاء .
ومن الناس مَن قال: إنَّ إطلاقَ الحسرة بطريق التجوُّز على الإنفاق مبالغةٌ، فافهم.
﴿ثُمَّ يُفْلَوُنَ﴾ أي: في مواطنَ أُخَر بعد ذلك.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرَّا﴾ أي: الذين أصرُّوا على الكفر مِن هؤلاء ولم يُسلموا ﴿إِلَى
جَهَنَّمَ يُحْتَرُونَ ﴾﴾ أي: يُساقُون، لا إلى غيرها .
(١) في حاشية الشهاب ٢٧٤/٤ (والكلام منه): لم يتح.

سُورَةُ الأَنْفَّالِ
١٠٨
الآية : ٣٧
﴿لَمِيَزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِبِ﴾ أي: الكافرَ من المؤمنِ، أو الفساد من
الصلاح، واللامُ على الوجهين متعلّقةٌ بـ ((يحشَرُون)).
وقد يُراد مِن ((الخبيث)) ما أنفقَه المشركون لعداوةٍ رسول الله وَلٍ، و((الطيب))
ما أنفقه المسلمون لنُصرته عليه الصلاة والسلام، فاللامُ متعلّقةٌ بـ ((تكون عليهم
حسرةٌ)) دون ((يحشرون))؛ إذ لا معنى لتعليلِ حشرِهم بتمييزِ المال الخبيثِ من
الطِّب.
ولم تتعلَّق بـ ((تكون)) على الوجهين الأوَّلَيْنِ؛ إذ لا معنى لتعليلِ كونِ أموالهم
عليهم حسرةً بتمييز الكفَّار من المؤمنين، أو الفسادٍ من الصلاح.
وقرأ حمزة والكسائيُّ ويعقوب: ((ليميِّز)) من التمييز (١)، وهو أبلغُ من المَيْزِ،
الزيادة حروفه، وجاء من هذا: ميَّزْتُه فتميَّز، ومن الأول: مِزْتُه فانْمَازَ. وقرئ شاذًا:
((وإنمازوا اليوم أيها المجرمون)) [يس: ٥٩](٢).
﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ، عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ، جَمِيعًا﴾ أي: يضمّ بعضه إلى بعض
ويجمعه، من قولهم: سحابٌ مركومٌ، ويوصف به الرملُ والجيشُ أيضاً، والمرادُ
بـ ((الخبيث)) إمَّا الكافرُ، فيكونُ المرادُ بذلك فرطُ ازدحامهم في الحشر، وإِما الفسادُ
فالمراد أنه سبحانه يضمُّ كلَّ صنفٍ بعضه إلى بعض ﴿فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَُّمَ﴾ كلَّهِ،
وجَعْلُ الفساد فيها بجَعْلِ أصحابِهِ فيها، وإمَّا المالُ المنفَقُ في عداوةِ الرسولِ بَّهِ،
وجَعْلُه في جھنَّم لتْوَی به جباهُھم وجنوبُهم.
وقد يراد به ما يعمُّ الكافرَ وذلك المالَ، على معنى أنه يُضَمُّ إلى الكافر الخبيثِ
مالُه الخبيثُ لِيَزِيدَ به عذابُه، ويضُمُّ إلى حسرةِ الدنيا حسرة الآخرة.
﴿أُوْلَّبِّكَ﴾ إشارة إلى ((الخبيث))، والجمْعُ لأنه مقدَّر بالفريق الخبيث، أو إلى
المنفِقين الذين بقوا على الكفر، فوجْهُ الجمع ظاهرٌ. وما فيه من معنى البُعْد على
الوجهين للإيذان بُيُعْدِ درجتهم في الخُبْث.
(١) التيسير ص٩٢، والنشر ٢٤٤/٢، وهي قراءة خلف.
(٢) المحرر الوجيز ٥٢٦/٢، والبحر ٤٩٤/٤، والدر المصون ٦٠٣/٥. ووقع في الأصل
و(م): ((فانمازوا)) بالفاء، والمثبت من المصارد.

الآية : ٣٨
١٠٩
سُوَبَُّ الأَفَّاِّ
﴿هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ أي: الكاملون في الخسران، لأنَّهم خَسِروا أنفسَهم
وأموالهم.
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ أي: المعهودين وهم أبو سفيان وأصحابُه، واللام عندَ
جمعٍ للتعليل، أي: قُل لأجلهم: ﴿إِن يَنْتَهُوا﴾ عمَّا هم فيه مِن مُعاداةِ الرسولِ وَّلـ
بالدخول في الإسلام ﴿يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ منهم من الذنوب التي مِن جملتها
المعاداةُ والإنفاقُ في الضلال.
وقال أبو حيان(١): الظاهرُ أنَّ اللامَ للتبليغ، وأنه عليه الصلاة والسلام أُمِرَ أن
يقولَ هذا المعنى الذي تضمَّنْه ألفاظُ هذه الجملة المحكية بالقول، سواء قاله بهذه
العبارة أم غيرِها .
وهذا الخلافُ إنما هو على قراءة الجماعة، وأما على قراءة ابن مسعود: ((إن
تَنتهوا يُغْفَر لكم)) بالخطابِ(٢)، فلا خلافَ في أنَّها للتبليغ على معنى خطابهم
بذلك.
وقرئ: ((يَغْفِر لهم))(٣) على أنَّ الضميرَ لله عز وجل.
﴿وَإِن يَعُودُواْ﴾ إلى قتالِه ◌َّر، أو إلى المعاداة، على معنى: إن داوَمُوا عليها
﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ اَلْأَوَّلِينَ ﴾ أي: عادةُ الله تعالى الجاريةُ على (٤) الذين
تحزَّبوا على الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، مِن نصْرِ المؤمنين عليهم، وخِذْلانِهم
وتدميرِهم. وأضيفت السنَّةُ إليهم لِمَا بينهما من الملابسة الظاهرة، ونظيرُ ذلك قولُه
سبحانه: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ [الإسراء: ٧٧]، فأضافَ السنَّةَ إلى المرسلين - مع
أنَّها سنتُه تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] - باعتبار
جَرَيانها على أيديهم.
(١) في البحر المحيط ٤/ ٤٩٤.
(٢) القراءات الشاذة ص٥١، والمحرر الوجيز ٥٢٧/٢.
(٣) الكشاف ٢/ ١٥٧، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٥٧/٤، والبحر ٤٩٤/٤، والدر
المصون ٤٠٦/٥. وتصحفت ((يغفر)) في الأصل و(م) إلى: نغفر.
(٤) في (م): في.

سُورَةُ الأَفَِّ
١١٠
الآية : ٣٨
ويدخل في ((الأولين)) الذين حاقَ بهم مكرُهم يومَ بدرٍ، وبعضُهم فسَّره بذلك،
ولعل الأوَّل أولى؛ لعمومه، ولأنَّ السنَّة تقتضي التكرُّرَ في العرف، وإن قالوا:
العادةُ تثبُتُ بمرَّةٍ.
والجملة - على ما في ((البحر)) - دليلُ الجواب، والتقديرُ: إن يعودوا انتقمُنا
منهم، أو نَصَرْنا المؤمنين عليهم، فقد مضت سنة الأولين(١).
وذَهَب غيرُ واحدٍ إلى أنَّ المراد بـ ((الذين كفروا)) الكُفَّار مطلقاً. والآية حثٌّ
على الإيمان وترغيبٌ فيه، والمعنى أنَّ الكفَّارَ إن انتهَوا عن الكفر وأسلَمُوا غُفر لهم
ما سلف منهم مِن الكفر والمعاصي، وخَرجوا منها كما تنسلُّ الشعرةُ من العجين،
وإن عادوا إلى الكفر بالارتداد فقد رجع التسليطُ والقهرُ عليهم.
واستُدِلَّ بالآية على أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، وأنَّ الكافر إذا أسلم لا يخاطَبُ
بقضاءِ ما فاته من صلاةٍ، أو زكاةٍ، أو صومٍ، أو إتلافِ مالٍ أو نفسٍ، وأجرى
المالكيةُ ذلك كلَّه في المرتدِّ إذا تاب؛ لعموم الآية، واستدلوا بها على إسقاطٍ
ما على الذميِّ من جزيةٍ وجبت عليه قبل إسلامه، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق
ابن وهب عن مالك قال: لا يؤاخَذُ الكافرُ بشيءٍ صنعه في كفره إذا أسلم، وذلك
لأنَّ اللهَ تعالى قال: (إِن يَنْتَهُوأ) إلخ(٢).
وقال بعضُ: إن الحربيَّ إذا أسلم لم تَبْق عليه تبعةٌ أصلاً، وأمَّا الذميُّ فلا يلزمه
قضاءُ حقوق الله تعالى، وتلزمه حقوقُ العباد.
ونُسب إلى الإمام أبي حنيفة رَبه أنَّ مذهَبَه في المرتدِّ كمذهب المالكية في أنه
إذا رجع إلى الإسلام لم تبقَ عليه تبعةٌ، وهو كالصريح في أنَّ من عصى طول العمر
ثم ارتدَّ ثم أسلم لم يَبْقَ عليه ذنبٌ. ونسب بعضُهم قولَ ذلك إليه ◌َُّه صريحاً،
وادَّعى أنه احتجَّ عليه بالآية، وأنه في غاية الضَّعف؛ إذ المرادُ بالكفر المشار إليه
في الآية هو الكفرُ الأصلي، و((ما سلف)): ما مضى في حالِ الكفر.
وتعقّب ذلك بأنَّ أبا حنيفة ومالكاً أبْقيًا الآيةَ على عمومها؛ لحديثِ ((الإسلام
(١) البحر المحيط: ٤ / ٤٩٤.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٠، وينظر تفسير القرطبي ٩/ ٥٠٠-٥٠٣.

الآية : ٣٨
١١١
سُورَةُ الأَنْفَّاِ
يهدم ما كان قبله))(١)، وأنَّهما قالا: إنَّ المرتدَّ يلزمه حقوقُ الآدميين دونَ حقوقِ الله
تعالى كما في كتاب ((أحكام القرآن)» لابن عبد الحق. وخالفهما الشافعيُّ
وقال: يلزمه جميعُ الحقوق.
وأنا أقول: ما ذكره ذلك البعضُ عن أبي حنيفة في العاصي المذكورِ في غاية
الغرابة، وفي كتب الأصحاب ما يخالفه، ففي ((الخانية)): إذا كان على المرتدِّ قضاءُ
صلواتٍ أو صياماتٍ تَرَكَها في الإسلام ثم أسلم، قال شمسُ الأئمة الحلواني: عليه
قضاءُ ما ترك في الإسلام؛ لأنَّ ترْكَ الصلاةِ والصيام معصيةٌ تبقى بعدَ الرَّّةِ. نعم
ذَكَر قاضيخان فيها ما يدلُّ على أنَّ بعضَ الأشياء يسقُط عن هذا المرتدِّ إذا عاد إلى
الإسلام.
وأطال الكلامَ في المرتدِّ، ولا بأسَ بنقل شيء مما له تعلُّقٌ في هذا المبحث؛
إذ لا يخلو عن فائدةٍ، وذلك أنه قال: مسلمٌ أصاب مالاً، أو شيئاً يجب به
القصاصُ أو حدُّ قذفٍ، ثم ارتدَّ، أو أصاب ذلك وهو مرتدٌّ في دار الإسلام، ثم
لَحِقَ بدار الحرب وحارب المسلمين زماناً، ثم جاء مسلماً، فهو مأخوذٌ بجميع
ذلك، ولو أصاب ذلك بعدَما لحِق بدارِ الحربِ مرتدًّا وأسلم فذلك كلُّه موضوعٌ
عنه. وما أصاب المسلمُ مِن حدود الله تعالى كالزنا، والسرقةٍ، وقطع الطريق، ثم
ارتدَّ، أو أصابَ ذلك بعدَ الردَّةِ، ثم لَحِقَ بدار الحرب، ثم جاء مسلماً، فكلُّ ذلك
يكونُ موضوعاً عنه، إلا أنَّه يضمَنُ المالَ في السرقة، وإذا أصاب دماً في الطريق
كان عليه القصاصُ. وما أصاب في قَطْع الطريق مِن القتل خطأً ففيه الديةُ على
عاقلتِهِ إن أصابه قبلَ الرَّةِ، وفي ماله إنْ أصابه بعدها. وإن وجب على المسلم حدٌّ
الشرب، ثم ارتدَّ، ثم أسلم قبلَ اللحوقِ بدار الحرب، فإنَّه لا يؤاخَذُ بذلك؛ لأنَّ
الكفر يمنع وجوبَ الحدِّ ابتداءً، فإذا اعتَرَضَ مَنَعَ البقاءَ(٢)، وإن أصاب المرتدُّ ذلك
وهو محبوسٌ لا يؤاخَذُ بحدِّ الخمر والسُّكر، ويؤاخَذُ بما سوى ذلك من حدودِ الله
تعالی. ویتمگّن الإمام من إقامةِ هذا الحدِّ إذا كان في يده، فإن لم یکن في يده حین
أصاب ذلك، ثم أسلم قبلَ اللحوق بدار الحرب، فهو موضوعٌ عنه أيضاً. انتهى.
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم (١٢١) وسيرد قريباً بتمامه.
(٢) أي: إذا اعترض الكفر بعد الوجوب منع البقاء. البحر الرائق ١٣٨/٥، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ الأَنْفَالِك
١١٢
الآية : ٣٩
ومنه يُعلَم أنَّ قولَهم: المرتدُّ يلزَمُه حقوقُ العباد دونَ حقوقِ الله تعالى ليس على
إطلاقه، وتمامُ الكلام في الفروع، وأنت تعلم أنَّ الوجهَ في الآية هو المطابِقُ
لمقتضَى المقامِ، وأنَّ المتبادِرَ من الكفر الكفرُ الأصليُّ.
و: ((الإسلام يهدِمُ ما كانَ قبلَه)) بعضٌ من حديثٍ أخرجه مسلمٌ عن عمرو بن
العاص قال: أتيت النبيَّ وَّز، فقلتُ: ابسط يمينَك لأبايعَك. فبسط يمينَه الشريفةَ،
قال: فقبضتُ يدي، فقال عليه الصلاة والسلام: ((مالك يا عمرو؟)) قلتُ: أردتُ أن
أشترطَ، قال: ((تشتَرِطُ ماذا؟)) قلت: أشتَرِطُ أن يُغْفَرَ لي، قال: ((أما علمتَ أنَّ
الإسلامَ يهدِمُ ما كان قبلَه، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلَها، وأنَّ الحجّ يهدِمُ ما كان
قبلَه؟)) الحديثَ(١).
والظاهر أنَّ (ما)) لا يمكن حملُها في الكلِّ على العموم كما لا يخفى،
فلا تغفلْ.
وذكر بعضُهم أنَّ الكافرَ إذا أسلم يلزمه التوبةُ والندَمُ على ما سلف مع الإيمان
حتى يُغْفَرَ له. وفيه تأمُّلٌ، فتأمَّلْ.
﴿وَقَائِلُوهُمْ﴾ عطفٌ على ((قل))، وعُمِّمَ الخطابُ لزيادةٍ ترغيب المؤمنين في
القتال؛ لتحقيقِ ما يتضمَّنه قولُه سبحانه: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) من الوعيد.
﴿حَقَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يوجَدَ منهم شركٌ كما رُوي عن ابن عباس
والحسن(٢).
وقيل: المرادُ: حتى لا يَفْتَتِنَ مؤمنٌ عن دينه.
﴿وَيَكُنَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وتضمَحِلَّ الأديانُ الباطلة كلُّها؛ إما بهلاكِ أهلِها
جميعاً، أو برُجوعهم عنها خشيةً القتل، قيل: لم يجئ تأويلُ هذه الآية بعدُ،
وسيتحقَّقُ مضمونُها إذا ظهر المهديُّ؛ فإنَّه لا يبقى على ظهرِ الأرض مشركٌ أصلاً
على ما رُوي عن أبي عبد الله ◌ُه(٣).
(١) سلف تخريجه قريباً.
(٢) تفسير الطبري ١٧٩/١١.
(٣) مجمع البيان ٣/ ١٤٧.

الآية : ٤٠
١١٣
سُورَةُ الأَفَِّ
٣٩١
﴿فَإِنِ أَنْتَهَوْا﴾ عن الكفرِ بقتالِكم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِبْرٌ
والجملة قائمةٌ مقامَ الجزاءِ، أي: فيجازيهم على انتهائِهم وإسلامِهم، أو جُعِلَت
مجازاً عن الجزاء، أو كنايةً، وإلا فكونُ الله تعالى بصيراً أمرٌ ثابتٌ قبلَ الانتهاء
وبعدَه، ليس معلَّقاً على شيءٍ .
وعن يعقوب أنَّه قرأ: ((تعملون)) بالتاء(١)، على أنه خطابٌ للمسلمين
المجاهدين، أي: بما تعملونَ من الجهادِ المُخرِجِ لهم إلى الإسلام.
وتعليقُ الجزاءِ بانتهائهم للدلالة على أنَّهم يثابُون بالسببية كما يثاب المباشِرُون
بالمباشرة.
﴿وَإِن تَوَلَّا﴾ ولم ينتهوا عن كُفْرِهم ﴿فَأْعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمْ﴾ أي: ناصرُكم، فِثِقُوا
به، ولا تُبالُوا بمُعاداتهم. ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لا يضيِّع من تولَّاه ﴿وَعْمَ النَصِيرُ ﴾﴾
لا يُغْلب مَن نصره.
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات:
ثمّ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قََّلَهُمْ﴾ تأديبٌ منه سبحانه لأهلٍ بدرٍ، وهدايةٌ لهم
إلى فناءِ الأفعال حيثُ سَلَبَ الفعل عنهم بالكلية، ويُشبِهِ هذا من وجهٍ قولُه سبحانه:
﴿َوَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىْ﴾ والفرقُ أَنَّه لمَّا كان النبيُّ ◌َِّ في مقام
البقاء بالحقِّ سبحانه نَسَب إليه الفعلَ بقوله تعالى: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ مع سَلْبه عنه بـ ﴿وَمَا
رَمَيْنَ﴾، وإثباتِه لله تعالى في حيِّز الاستدراك؛ ليفيدَ معنَى التفصيل في عينٍ
الجمع، فيكونُ الرامي محمداً عليه الصلاة والسلام بالله تعالى لا بنفسِه، ولعُلُوِّ
مقامِهِ نَّهِ وعدمٍ كونهم في ذلك المقام الأرفع نَسَب الله سبحانه إليه وَّه ما نَسب،
ولم يَنْسِب إليهم ﴿ُه مِن الفعل شيئاً، وهذا أحدُ أسرارٍ تغييرِ الأسلوبِ في
الجملتّيْن حيثُ لم ينسِبْ في الأولى ونَسَبَ في الثانية.
بقي سرُّ التعبيرِ بالمضارع المنفيِّ بـ ((لم)) في إحداهما، والماضي المنفيِّ بـ ((ما))
(١) النشر ٢٧٦/٢.

سُورَةُ الأَفَِّ
١١٤
التفسير الإشاري (١٧ - ٤٠)
في الأخرى، فارجع إلى فِكْرك، فلعلَّ الله تعالى يفتحه عليك.
﴿وَلِيُسْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَآءَ حَسَنًا﴾ أي: ليعطيَهم عطاءً جميلاً وهو توحيدُ
الأفعال، والمرادُ بهذا فعلُ ذلك.
﴿إِنَ اللَّهَ سَمِيعُ﴾ بخطراتِ نفوسِكم بنسبة القتل إليكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأنه القاتلُ
حقيقةً، وأنَّكم مظهرٌ لفعله.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَفِينَ﴾ لاحتجابِهم بأنفسهم.
﴿إِن تَسْتَفْئِحُوا﴾ الآية، قيل فيها: أي: تَفْتَحوا أبوابَ قلوبِكم بمفاتيح الصِدْق
والإخلاصِ، وتركِ السوى في طلب التجلِّي، ﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحٌ﴾ بالتجلِّي؛
فإنَّه سبحانه لم يزل متجلِّياً ولا يزال، لكن لا يُدْرِك ذلك إلا من فَتَح قلبَه، ﴿وَإِن
تَنَهُوا﴾ عن طلب السوى ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لِمَا فيه من الفوز بالمولى، ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾
إلى طلب الدنيا وزَخارِفها ﴿نَعُدٌ﴾ إلى خِذْلانكم، ونَكِلكُم إلى أنفسكم، ﴿وَلَنْ تُغْنِىَ
عَنكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ الدنيويةُ ﴿شَيْئًا﴾ مما لخاصَّته سبحانه ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ لأنَّها كسَرابٍ
بقيعةٍ .
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ لأنَّ ثمرةَ
السماع الفهمُ والتصديقُ، وثمرتُهما الإرادةُ، وثمرتُها الطاعةُ، فلا تصحُّ دعوى
السَّماع مع الإعراض، ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ لكونهم
محجوبين عن الفهم.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ اُلُّمُ﴾ عن السماعِ، ﴿اَلْبُكْمُ﴾ عن القَبول، ﴿الَّذِينَ
لَا يَعْقِلُونَ﴾ لِمَاذا خُلقوا، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَبْرًا﴾ استعداداً صالحاً ﴿لَّأَسْمَعَهُمّ﴾
سماعَ تفهُّم، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ مع عدَمِ علم الخير فيهم ﴿لَتَوَلَّا﴾ ولم يَنْتَفِعوا به
وارتدُّوا سريّعاً؛ إذ شأنُ العارضِ الزوالُ، ﴿وَهُم مُعْرِضُونَ﴾ بالذات.
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ بالتصفية ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾
وهو العلمُ بالله تعالى.
وقد يقال: استجيبوا لله تعالى بالباطنِ والأعمالِ القلبية، وللرسولِ بالظاهر
وبالأعمال النفسية.

التفسير الإشاري (١٧ - ٤٠)
١١٥
سُورَةُ الأَفَّالِك
أو: استجيبوا لله تعالى بالفناء في الجمع، وللرسول عليه الصلاة والسلام
بمراعاةٍ حقوقِ التفصيل إذا دعاكم لِمَا يحييكم من البقاء.
﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ،﴾ فيزول الاستعدادُ، فانتهزوا الفرصةَ
﴿وَأَنَّهُ: إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازِيكم على حسب مراتبِكم.
﴿وَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ بل تشمَلُهم وغيرَهم بشُؤْم
الصحبة.
﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ﴾ من حيثُ القدرُ؛ لجهلكم ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ في أرض
النفس ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَنَخَطّفَكُمُ النَّاسُ﴾ أي: ناسُ القُوى الحسِّيَّةِ لضَعفٍ نفوسكم
﴿فَاوَنَكُمْ﴾ إلى مدينة العلم ﴿وَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ في مقام توحيد الأفعال ﴿وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ
الطَِّبَتِ﴾ أي: علوم تجلياتِ الصفات ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ذلك.
وقد يقال: ﴿وَأَذْكُرُواْ﴾ أيها الأرواح والقلوبُ إذ كنتم قليلاً ليس معكم
غيرُكم؛ إذ لم يَنْشأ لكم بعدُ الصفاتُ والأخلاقُ الروحانيةُ، ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ في
أرض البدن، ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَنَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ من النفس وأعوانِها، ﴿فَشَاوَنَكُمْ﴾ إلى
حظائر قُدسه ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهٍ﴾ بالوارداتِ الرَبَّانية ﴿وَرَزَقَّكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ﴾ وهي
تجلِّیاتُه سبحانه.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ﴾ بترك الإيمان ﴿وَالرَّسُولَ﴾ بترك التخلُّقِ بأخلاقِه
عليه الصلاة والسلامُ ﴿وَتَّخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ وهي ما رزقكم الله تعالى من القُدْرَةِ
وسلامةِ الآلات بترك الأعمال الحَسَنةِ.
أو: ﴿لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ﴾ بنقْضِ ميثاق التوحيدِ الفطريِّ السابقِ ﴿وَالرَّسُولَ﴾ عليه
الصلاة والسلام بنقضِ العزيمةِ ونبذِ العقْد اللاحقِ ﴿وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ من المعارفِ
والحقائقِ التي استودعَ الله تعالى فيكم حسبَ استعدادكم بإخفائها بصفاتِ النفس
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قبحَ ذلك، أو: تعلمون أنَّكم حاملوها .
﴿وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ يختَبِرُكم الله تعالى بها ليَرَى أتحتجِبُون
بمحبَّتها عن محبته أوْ لا تحتجبون ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ، أَجْرُ عَظِيمٌ﴾ لمن لا يفتَيِّن
بذلك، ولا يشغلُه عن محبته.

سُورَةُ الأَفَِّ
١١٦
التفسير الإشاري (١٧ - ٤٠)
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ بالاجتناب عن الخِيانة، والاحتجابِ بمحبَّة
الأموالِ والأولادِ ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ نوراً تفرِقون به بين الحقِّ والباطل.
وربَّما يقال: إنَّ ذلك إشارةٌ إلى نورٍ يفرقُون به بين الأشياء بأن يعرفوها بواسطتِه
معرفةً يمتازُ بها بعضُها عن بعضٍ، وهو المسمَّى عندهم بالفَراسة؛ وفي بعض
الآثار: ((اتقوا فراسةَ المؤمن؛ فإنَّه ينظر بنورٍ من نورِ الله تعالى))(١).
﴿وَيُكَفِرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُ﴾ وهي صفاتُ نفوسِكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبَ ذواتِكم
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اٌلْعَظِيمِ﴾ فيجعلُ لكم الفرقانَ ويفْعَل ويفْعَل.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيةَ، جَعَلها بعضُهم خطاباً للنبيِّ ◌َّ، ومعناها
ما ذكرناه سابقاً، وجَعَلها بعضُهم خطاباً للروح، وهو تأويلٌ أنفسيٌّ، أي: ﴿وَإِذْ
يَمْكُرُ بِكَ﴾ أيها الروحُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي النفسُ وِقُواها ﴿يُشْتُوكَ﴾ ليقيِّدوك في
أسرِ الطبيعة ﴿أَوْ يَقْتُلُولَ﴾ بانعدامِ آثارِكٍ ﴿أَوْ يُخْرِجُولٌ﴾ من عالمَ الأرواح.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ لأنَّك الرحمة للعالمين ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ إذ لا ذنبَ مع الاستغفار، ولا عذابَ من غيرِ ذنبٍ.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: إنَّهم مستحِقُّون لذلك، كيف لا ﴿وَهُمْ
يَصُدُّونَ﴾ المستعدِّين ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الذي هو القلبُ بإغرائهم على الأمورِ
النفسانيةِ واللذَّاتِ الطبيعية؟ ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ﴾ لغلبةِ صفاتِ أنفُسِهم عليهم ﴿إِنْ
أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّ الْمُنَّقُونَ﴾ تلك الصفاتِ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك الحكمَ.
وقال النيسابوريُّ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: المتقين ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم
أولياؤُه؛ لأنَّ الوليَّ قد لا يعرِفُ أنه وليٍّ(٢).
﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ﴾ وهو ذلك المسجدُ ﴿إِلَّا مُكَاءُ﴾ إلا وساوسَ
وخطراتٍ شيطانيةً، ﴿وَتَصْدِيَةٌ﴾ وعزماً على الأفعالِ الشنيعةِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمَوَّلَهُمْ﴾ من الاستعداد الفطرِيِّ في غيرِ مرضاةِ الله
(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) عن أبي سعيد الخدري ◌َبه مرفوعاً، وقال: هذا حديثٌ غريب.
(٢) غرائب القرآن ٩/ ١٥٣.

الآية : ٤١
١١٧
سُورَةُ الأَفَِّ
تعالى ﴿لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ طريقِه الموصلِ إليه، ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةٌ﴾ لزوال لذَّاتِهم حتى تكونَ نسْياً منْسيًّا ﴿ثُمَّ يُغْلَبُنَُ﴾ لتمكَّنِ الأخلاقِ
الذميمةِ فيهم، فلا يستطيعون العدولَ عنها، ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وهم، إلا أنَّه أقيم
الظاهرُ مقامَ المضمر تعليلاً للحكم الذي تضمَّنه قولُه سبحانه: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْتَرُونَ﴾ وهي جهنّمُ القطعية.
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنَتَهُوا﴾ عما هم عليه ﴿يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ لمزيدٍ
الفضْلِ.
﴿وَقَائِلُوهُمْ﴾ أي: قاتلوا أيها المؤمنون كفَّارَ النفوس؛ فإنَّ جهادَها هو الجهادُ
الأكبرُ ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ مانعةٌ عن الوصولِ إلى الحقِّ ﴿وَيَكُونَ الِدِينُ
كُلُّهُ لِلّهِ﴾ ويضمحِلّ دينُ النفس الذي شرعَتْه، ﴿فَإِنِ أَنْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا
يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازِيهم على ذلك، والله تعالى الموفِّقُ لأوضح المسالك،
لا ربَّ غيرُه، ولا يُرجى إلا خيرُه.
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم﴾ روي عن الكلبيِّ أنها نزلت في بدرٍ، وهو الذي يقتضيه
كلامُ الجمهور، وقال الواقديُّ: كان الخمسُ في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهرٍ
وثلاثة أيام، للنصف من شوال، على رأس عشرين شهراً من الهجرة (١).
و((ما)) موصولةٌ، والعائد محذوف، وكان حقُّها أن تكون مفصولةً، وجَعْلُها
شرطيةً خلافُ الظاهر، وكذا جعلُها مصدريةً.
وغَنِمَ في الأصل من الغُنْم بمعنى الربح، وجاء غَنِمَ غْماً بالضمِّ وبالفتح
وبالتحريك، وغنيمة وغُنْماناً بالضم. وفي القاموس(٢): المَغْنَم والغَنيمُ والغَنيمَة
والغُتْم بالضمّ: الفيء.
والمشهورُ تغايرُ الغنيمة والفيء، وقيل: اسمُ الفيء يشملُهما؛ لأنَّها راجعةٌ إلينا
(١) الكشاف ١٥٩/٢ .
(٢) مادة (غنم)؛ وما قبله منه.

سُورَةُ الأَنْفَالِ
١١٨
الآية : ٤١
ولا عَكْسَ، فهي أخصُّ. وقيل: هما كالفقير والمسكين.
وفسَّروها بما أُخذ من الكفار قهراً بقتالٍ أو إيجاف، فما أُخذ اختلاساً لا يسمَّى
غنيمةً وليس له حكمُها، فإذا دخل الواحدُ أو الاثنان دارَ الحرب مُغِيْرِين بغير إذن
الإمام فأخذوا شيئاً، لم يخمَّس. وفي الدخول بإذنه روايتان، والمشهورُ أنَّه
يخمَّس؛ لأنَّه لما أذن لهم، فقد التزم نصرتَهم بالإمداد، فصاروا كالمنعة، وحكي
عن الشافعيِّ رَُّّه في المسألة الأولى التخميسُ وإن لم يسمَّ ذلك غنيمةً عنده؛
لإلحاقه بها .
وقوله سبحانه: ﴿مِّنْ شَىْءٍ﴾ بيانٌ للموصول محلُّه النصب على أنَّه حال من عائده
المحذوفِ، قصد به الاعتناء بشأنِ الغنيمة وأنْ لا يشذَّ عنها شيء، أي: ما غنمتموه
كائناً مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط، خلا أن سَلَبَ المقتول لقاتله
إذا نفلَه الإمام. وقال الشافعية: السَّلَبُ للقاتل ولو نحوَ صبيٍّ وقنٍّ وإن لم يشترط
له، وإن كان المقتول نحوَ قريبه وإن لم يقاتل، أو نحوَ امرأةٍ أو صبيٍّ إن قاتلا ولو
أعرض عنه؛ للخبر المتفق عليه: ((مَن قَتلَ قتيلاً فَلَهُ سَلَبُه)» (١) نعم القاتل المسلم
القنُّ لذميِّ لا يستحقُّه عندهم وإن خرج بإذن الإمام.
وأجاب أصحابُنا بأن السَّلَب مأخوذ بقوة الجيش، فيكون غنيمةً، فيُقسم
قسمتَها، وقد قال وَّرُ لحبيبٍ بن أبي سلمةً(٢): ((ليس لك من سَلَبٍ قتيلكَ إلَّا
ما طابتْ به نفسُ إمامك)»(٣) وما رَوَوْه يحتملُ نصبَ الشرع، ويحتملُ التنفيلَ،
فيُحمل على الثاني لما رويناه. والأسارى يخيَّر فيهم الإمام وكذا الأرضُ المغنومة
عندنا، وتفصيلُه في الفقه.
(١) صحيح البخاري (٣١٤٢)، وصحيح مسلم (١٧٥١) وسلف ٣٤٢/١.
(٢) كذا نقل المصنف عن الهداية، وصوابه: حبيب بن مسلمة، والخطاب فيه من معاذ بن جبل
لحبيب لا من الرسول وَ﴾. ينظر نصب الراية ٤٣٠/٣، والدراية ١٢٨/٢. وينظر كذلك
التعليق الذي بعده.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٥٣٣)، والأوسط (٦٧٣٩) وفيه: فقال معاذ: يا حبيب، إني
سمعت رسول الله ◌َّطهو يقول: ((إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه)). قال الزيلعي في نصب
الراية ٤٣١/٣: وهو معلول بعمرو بن واقد. اهـ. وذكر له البيهقي في معرفة السنن والآثار
٩/ ٨ إسناداً آخر عن معاذ، ثم قال: ولا حجة في هذا الإسناد.

الآية : ٤١
١١٩
سُورَةُ الأَفَِّ
والمصدرُ المؤوَّل من ((أنَّ) المفتوحةِ مع ما في حيِّزها في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ
مَُهُ﴾ مبتدأُ خبرُه محذوفٌ، أي: فحقُّ أو واجبٌ أنَّ لله خُمُسَه، وقُدِّر مقدّماً؛
لأن المطّرد في خبرها إذا ذُكر تقديمُه؛ لئلا يتوهّم أنَّها مكسورة، فأجري على
المعتاد فيه. ومنهم مَن أعربه خبر مبتدأ محذوف، أي: فالحكمُ أنَّ، إلخ.
والجملة خبرٌ لـ ((أنَّ) الأولى، والفاء لما في الموصول من معنى المجازاة،
وقيل: إنَّها صلةٌ، و((أنَّ) بدل من ((أنَّ)) الأولى.
وروى الجعفيُّ عن أبي عمرو: ((فإنَّ) بالكسر، ويقوِّيه قراءةُ النخعيِّ: ((فلله
خُمُسُه))(١). ورُجِّحت المشهورةُ بأنها آكَدُ؛ لدلالتها على إثبات الخُمسِ، وأنه
لا سبيل إلى تركه (٢) مع احتمال الخبرِ لتقديراتٍ كـ : لازم وحقّ وواجب ونحوه،
وتعقّبه صاحبُ ((التقريب)) بأنه معارض بلزوم الإجمال.
وأجيب بأنه إنْ أريدَ بالإجمال ما يحتمل الوجوبَ والندبَ والإباحةَ، فالمقام
يأبى إلَّا الوجوبَ، وإن أريدَ ما ذكر من لازم وحقٌّ وواجبٍ، فالتعميمُ يوجب
التفخيمَ والتهويلَ.
وقرىء: ((خُمْسَه)) بسكون الميم(٣).
والجمهور على أنَّ ذكرَ الله تعالى لتعظيم الرسول عليه الصَّلاة والسلام كما في
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوءُ﴾ [التوبة: ٦٢] أو لبيانِ أَنَّه لا بدَّ في
الخمسية من إخلاصها له سبحانه، وأنَّ المراد قسمةُ الخمس على مَن (٤) ذكر في
قوله تعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ قيل: ويكون
قوله تعالى: (وَلِلَّسُولِ) معطوفاً على (الله)) على التعليل الأول، وبتقدير مبتدأ، أي:
وهو - أي: الخمس - للرسول .. إلخ، على التعليل الثاني.
وإعادةُ اللام في ((ذي القربى)) دون غيرهم من الأصناف الباقية؛ لدفع توقُّم
(١) القراءتان في القراءات الشاذة ص ٤٩، والبحر ٤٩٩/٤.
(٢) في (م): لتركه.
(٣) الكشاف ١٥٨/٢، والبحر ٤٩٩/٤.
(٤) في (م): ما .

تُ الأَفَاك
١٢٠
الآية : ٤١
اشتراكهم في سهم النبيِّ مَّةٍ؛ لمزيد اتصالهم به عليه الصلاة والسلام، وأريد بهم بنو
هاشم وبنو المطلب المسلمون؛ لأنه ◌َّ﴿ وضع سهمَ ذوي القربى فيهم دونَ بني
أخيهما شقيقهما عبد شمس، وأخيهما لأبيهما نوفل، مجيباً عن ذلك حين قال له
عثمان وجبير بن مطعم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا يُنكَر فضلُهم لمكانك الذي
جعلك الله تعالى منهم، أرأيتَ إخواننا من بني المطلب(١) أعطيتَهم وحرْمتَنا،
وإنما نحن وهم بمنزلةٍ [واحدة]: ((نحن وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ)) وشبَّك بين أصابعه.
رواه البخاريُّ(٢)، أي: لم يفارقوا بني هاشم في نصرته﴿ ﴿ جاهليةً ولا إسلاماً.
وكيفية القسمة عند الأصحاب أنَّها كانت على عهد رسول الله وَّ على خمسةٍ
أسهم؛ سهم له عليه الصَّلاة والسلام، وسهم للمذكورين من ذوي القُربى، وثلاثةٍ
أسهم للأصناف الثلاثة الباقية. وأما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، فسقط
سهمُه ◌َ ﴿، كما سقط الصفيُّ - وهو ما كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة؛ مثل درع
وسيفٍ وجاريةٍ - بموته وَل﴾؛ لأنَّه كان يستحقُّه برسالتهِ، ولا رسولَ بعدَهُ وَلغيره وكذا
سقط سهمُ ذوي القربى، وإنما يُعطّون بالفقر، وتُقدَّمُ فقراؤهم على فقراءِ غيرِهم،
ولا حقَّ لأغنيائهم؛ لأنَّ الخلفاءَ الأربعةَ الراشدين قَسَموه كذلك، وكفى بهم قدوةً.
وروي عن أبي بكر ﴿ه أنَّه منع بني هاشم الخمسَ، وقال: إنَّما لكم أن يُعطى
فقيرُكم، ويزوَّجَ أيِّمُكم، ويخدمَ من(٣) لا خادم له منكم، فأما الغنيُّ منكم فهو
بمنزلة ابنِ السبيل الغنيّ(٤) لا يُعطى من الصدقة شيئاً، ولا يتيمٌ موسر.
وعن زيد بن علي كذلك، قال: ليس لنا أن نبني منه القصورَ، ولا أن نركبَ منه
البراذين.
ولأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ إنَّما أعطاهم للنُّصْرة لا للقرابةِ كما يشير إليه جوابه لعثمان
(١) في الأصل و(م): بني عبد المطلب، والمثبت هو الصواب.
(٢) في صحيحه (٣١٤٠) من حديث جبير بن مطعم ظه، وهو عند أحمد (١٦٧٤١)، وما بين
حاصرتين منهما. وليس عندهما: وشبك بين أصابعه، وقد وردت هذه الزيادة في رواية
الحديث عند أبي داود (٢٩٨٠)، والنسائي في المجتبى ١٣٠/٧ - ١٣١.
(٣) في الأصل و(م): ما، والمثبت من الكشاف ١٥٩/٢، والبحر ٤٩٨/٤، وتفسير أبي السعود
٤/ ٢٢.
(٤) في الأصل و(م): غني، والمثبت من البحر وتفسير أبي السعود، وفي الكشاف: ابن سبيل غني.