Indexed OCR Text

Pages 81-100

الآية : ٢٥
٨١
سُوَبَُّ الأَنْفَّالِك
وفيه أنَّ من البَيِّن أنَّ عموم الإصابة ليس مسبّباً عن عدم الإصابة، ولا عن
الأمر، وظاهرُ التعبير يقتضيه.
وقال بعض المحققين: إنَّ ذلك على رأي الكوفيين من تقدير ما يناسبُ
الكلام، وعدم التزام كونِ المقدَّر من جنس الملفوظ نفياً أو إثباتاً، فيقدِّرون في
نحو: لا تَدْنُ مَن الأسد يأكلك، الإثباتَ، أي: إنْ تَدْنُ يأكُلْك، وفي نحو: اتقوا
فتنة، النفيَ، أي: إنْ لم تتقوا تُصِبْكم.
واعتُرض عليه: بأنَّ ذلك القائل لم يقدِّر لا هذا ولا ذاك، وإنما قدَّر ما يستقيم
به المعنى من غير نظرٍ إلى مضمون الأمر أو نقيضه.
وأجيب: بأنَّ مراده أنَّ التقدير: إن لم تتقوا تُصِبْكم، وإن أصابتكم لا تختصُّ
بالظالمين، فأقيم جوابُ الشرط الثاني مقامَ جواب الشرط المقدَّر الذي هو نقيضُ
الأمر؛ لتسيُّبه عنه. وما أُورِدَ على هذا من أنه لا حاجةً إلى اعتبار الواسطة حينئذٍ، إذ
يكفي أن يقال: إن لم تتقوا لا تُصِبِ الظالمين خاصةً، فمع كونه مناقشةً لفظيةً مدفوعٌ
بأدنى تأمُّل؛ لأنَّ عدم اختصاص إصابةِ الفتنة بالظالمين، كما يكون بعموم الإصابة
لهم ولغيرهم، كذلك يكون بعدم إصابتها لهم رأساً، فلا بدَّ من اعتبار الواسطة قطعاً.
وقال بعض المتأخّرين: مرادُ مَن قدَّر إن أصابتكم: إن لم تتَّقوا، على مذهبٍ
مَن يرى تقديرَ النفي، لكنه عبَّر عنه بأصابت؛ لتلازُمها، فلا يَرِدُ حديثُ الواسطة.
نعم قيل: إنَّ جواب الشرط متردِّدٌ، فلا يليقُ تأكيدُه بالنون؛ إذ التأكيدُ يقتضي دَفْعَ
التردُّد.
وأجيب: بأنه هنا طلبيٍّ معنىً(١)، فيؤَّد كما يؤَّد الطلبيُّ، وهو لا ينافيه التردُّد
في وقوعه؛ لأنه لا تردُّد في طلبه، على أنه قيل: إنه وإن كان متردِّداً في نفسه؛
لكونه معلّقاً بما هو متردّدٌ وهو الشرط، لكنه ليس بمتردِّدٍ بحسب الشرط، وعلى
تقديرٍ وقوعه فيليقُ به التأكيدُ بذلك الاعتبار، وأنت تعلم أنَّ ابن جنِّي رجَّح أنَّ
المنفيَّ بـ ((لا)) يؤَّد في السعة؛ لشَبَهِه بالنهي، كما في قوله سبحانه: ﴿آدْخُلُواْ
مَسَكِّنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨].
(١) جاء في حاشية (م): وزعم بعضهم أن ((لا)) دعائية. اهـ منه.

سُورَةُ الأَنْفَّالِ
٨٢
الآية : ٢٥
وقال ناصر الدين: إن هذا الجواب لمَّا تضمَّن معنى النهي ساغ توكيدهُ(١).
ووَجْهُه: أنَّ النفي إذا كان مطلوباً كان في معنى النهي وفي حكمه، فيجوز فيه
التأكيدُ كالنهي الصريح، ولا خفاء في أنَّ عدم كونهم بحيث تصيبُهم الفتنةُ مطلوبٌ،
کما أنَّ عدم کونھم یَحْطِمُهم سلیمان وجنوده كذلك.
وجوِّز أن تكون الجملة المنفية في موضع النصب صفةً لـ ((فتنة)).
واعترض بأنَّ فيه شذوذاً؛ لأنَّ النون لا تدخل المنفيَّ في غير القسم.
وقد يجاب بأنك قد عرفتَ أنَّ ابن جنِّي - وكذا بعض النحاة - جوَّز ذلك، وقد
ارتضاه ابن مالك في ((التسهيل))(٢)، نعم ما ذُكر كلام الجمهور.
وقال أبو البقاء وغيره: يحتمل أن تكون ((لا)) ناهيةً، والجملة في موضع الصفة
أيضاً لكنْ على إرادة القول، كقوله:
حتى إذا جنَّ الظلام واختلط
جاؤوا بمذقٍ هل رأيتَ الذئب قط(٣)
لأنَّ المشهور أنَّ الجملة الإنشائية - نهياً كانت أو غيرها - لا تقعُ صفةً ونحوها
إلا بتقديرِ القول، وقد صرَّحوا بأنَّ قولك: مررت برجلِ اضْرِبْه، بتقدير: مقولٍ فيه:
إِضْرِبْه، وليس المقصودُ بالمقولية(٤) الحكايةُ، بل استحقاقُه لذلك حتى كأنه مقولٌ
فيه .
ومن الناس مَن جوَّز الوصف بذلك باعتبار تأويله بـ : مطلوبٍ ضَرْبُه، فلا يتعيَّن
تقديرُ القول.
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٦٦/٤.
(٢) ص٢١٦.
(٣) الكشاف ٢/ ١٥٢، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٦٧/٤، والدر المصون ٥٩٠/٥،
وتفسير أبي السعود ١٦/٤، وجميعهم ذكروا هذا القول، وذكر أبو البقاء في الإملاء
١٠٢/٣ احتمال النهي في ((لا)) دون الإشارة إلى محل الجملة.
والبيت مذكور أيضاً في الكامل للمبرد ٢/ ١٠٥٤، والخزانة ١٠٩/٢ وفيه: المذق: اللبن
الممزوج بالماء، وهو يشبه لون الذئب لأن فيه غُبرة وكُدورةً ... وهذا الرجز لم ينسبه أحد
من الرواة إلى قائله، وقيل: قائله العجاج، والله أعلم.
(٤) فى الأصل: بالقولية، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٦٧/٤، والكلام منه.

الآية : ٢٥
٨٣
سُورَةُ الأَفَّات
وأن تكون الجملةُ جوابَ قسم محذوف، أي: والله لا تُصيبنَّ الظالمين(١)
خاصةً، بل تعمُّ، وحينئذٍ يظهر أمر التأكيد، وأيِّد ذلك بقراءة عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه وزيد بن ثابت وأبيٍّ وابن مسعود والباقر والربيع وأبي العالية: ((لتُصيبنَّ))(٢)،
فإنَّ الظاهر فيها القَسَميةُ. وقيل: إنَّ الأصل ((لا))، إلا أنَّ الألف حُذفت تخفيفاً،
كما قالوا: أَمَ واللهِ. وقال بعضهم: إنَّ ((لا)) في القراءة المتواترة هي اللام، والألفُ
تولَّدت من إشباع الفتحة كما في قوله :
ومن ذمِّ الرجال بمُنْتَزاحِ
فأنت من الغوائل حين ترمي
وكِلَا القولين لا يعوَّل عليه.
ويحتمل أن تكون نهياً مستأنفاً لتقرير الأمر وتأكيدِه، وهو من باب الكناية؛ لأنَّ
الفتنة لا تنهى عن الإصابة؛ إذ لا يتصوَّر الامتثالُ منها بحال، والمعنى حينئذٍ :
لا تتعرَّضوا للظلم فتصيبكم الفتنة خاصةً.
و(من)) على تقديرٍ كونِ ((لا)) ناهيةً - سواءٌ جُعلت الجملةُ صفةً أو مؤكِّدةً للأمر
- بيانيةٌ لا تبعيضيةٌ؛ لأنها لو اعتُبرت كذلك لكان النهيُ عن التعرُّض للظلم
مخصوصاً بالظالمين منهم دون غيرهم، فغيرُ الظالم لا يكون منهيًّا عن التعرُّض له
بمنطوق الآية، وذلك شيءٌ لا يراد.
وأمَّا على الوجوه الأُخَرِ من كون ((لا)) نافيةً لا ناهيةً - سواءٌ كان قوله سبحانه
وتعالى: ((لا تصيبن)) صفةً لـ ((فتنة)) كما هو الظاهر، أو جوابَ الأمر، أو جوابَ
قسم - فهي تبعيضيةٌ قطعاً؛ إذ الآية على هذه التقادير جميعاً مخبِرةٌ بأنَّ إصابة الفتنة
لا تختصُّ(٤) بالظالمين، بل تعمُّ غيرهم أيضاً، فلو بيّن ((الذين ظلموا)) بالمخاطبين
لأَفْهَمتْ أنَّ الأصحاب ﴿ه كلهم ظالمون، وحاشاهم.
ثم لا يخفَى أنَّ الخطاب إذا كان عامًّا للأمّة، وفسِّرت الفتنةُ بإقرار المنكر،
(١) في الأصل: الذين ظلموا.
(٢) القراءات الشاذة ص٤٩، والمحتسب ٢٧٧/١، والكشاف ٢/ ١٥٢-١٥٣، وتفسير البيضاوي
مع حاشية الشهاب ٢١٧/٤، والبحر ٤٨٤/٤، والدر المصون ٥٩٢/٥.
(٣) البيت لإبراهيم بن هرمة، وهو في ديوانه ص٩٢. وقوله: الغوائل، تصحيف في الأصل
و(م): إلى: العواتك.
(٤) في (م): تخص.

سُورَةُ الأَنْفَِّ
٨٤
الآية : ٢٥
لا يجيء الإشكال على عموم الإصابة بقوله سبحانه: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾
[الأنعام: ١٦٤]؛ لأنه كما يجب على مرتكب الذنب الانتهاءُ عنه يجب على الباقين
رفعُه، وإذا لم يفعلوا كانوا آثمين، فيصيبهم ما يصيبهم لإثمهم.
ويدلُّ للوجوب ما روي عن ابن عباس رضي﴾: أَمَر الله تعالى المؤمنين أن لا يُقْرُّوا
المنكر بين أظهرهم؛ فيعمَّهم الله تعالى بعذابٍ يصيبُ الظالم وغيرَ الظالم.
وأخرج الترمذيُّ وأبو داود عن قيس بن [أبي] حازم، عن أبي بكر ◌َّ ◌ُبه قال:
سمعتُ رسول الله بَّه يقول: ((إن الناسَ إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أَوْشَكَ
أنْ يعمَّهم الله تعالى بعقاب))(١).
وروى الترمذيُّ أيضاً عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّهِ: (لمَّا وقعتْ بنو
إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم،
وَوَاكَلُوهم وشارَبوهم، فضرب الله تعالى قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، ولَعَنَّهم على لسان
داودَ وعيسى ابن مريم، ذلك بما عَصَوْا وكانوا يعتدون))(٢).
ومَن ذهب إلى أنَّ الخطاب خاصٌّ فسَّر الفتنة بافتراق الكلمة، وجَعَلَ ذلك
إشارةً إلى ما حدث بين أصحاب بدرٍ يوم الجمل، وممن ذهب إلى أنهم المعنيُّون
السديُّ وغيرُه، وأخرج غيرُ واحد عن الزبير قال: قَرَأْنا هذه الآية زماناً وما نرى أنَّا
من أهلها، فإذا نحن المعنيُّون بها(٣).
وقد أُخرج نهيُهم عن ذلك على أبلغ وجهٍ، وأُقيم الظالمون مقامَ ضميرهم؛
تنبيهاً على أنَّ تعرُّضَ الفتنة وهي افتراقُ الكلمة من أشدِّ الظلم، لا سيما من هؤلاء
الأجلاء، ثم فسِّر بضميرهم دلالةً على الاختصاص، وأكّد بـ ((خاصة))، وكثيراً
ما يشدَّد الأمر على الخاصة.
(١) سنن الترمذي (٢١٦٨)، وسنن أبي داود (٤٣٣٨)، وهو عند أحمد (١)، وما بين حاصرتين
من هذه المصارد. قال الترمذي: حديث صحيح.
(٢) سنن الترمذي (٣٠٤٧)، وأخرجه أحمد (٣٧١٣)، وهو من طريق أبي عبيدة عن ابن
مسعود، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن
غريب.
(٣) أخرجه الطبري ١١٤/١١، وبنحوه أحمد (١٤١٤) و(١٤٣٨).

الآية : ٢٦
٨٥
سُورَةُ الأَنْفَّالِ
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾ لمن خالَفَ أمره، وكذا مَن أقرَّ مَن
انتهك مَحارِمَه.
﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ أي: في العدد، والجملةُ الاسميةُ للإيذان باستمرار
ما كانوا فيه من القلّة وما يتبعها، وقولُه سبحانه: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ، وجوِّز أن
یکون صفةً لـ «قليل».
وقوله تعالى: ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ أي: في أرض مكة تحت أيدي كفار قريش،
والخطابُ للمهاجرين. أو تحت أيدي فارسَ والروم، والخطابُ للعرب كافةٌ،
مسلمِهم وكافرِهم على ما نُقل عن وهب. واعتُرض بأنه بعيدٌ لا يناسبُ المقام، مع
أنَّ فارس لم تحكم على جميع العرب.
وقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ﴾ خبر ثالث، أو صفةٌ ثانيةٌ
لـ ((قليل)»، وُصِفَ بالجملة بعدما وُصِفَ بغيرها، وجوَّز أبو البقاء أن تكون حالاً من
المستكنِّ في ((مستضعفون))(١) .
والمراد بـ ((الناس)) على الأول- وهو الأظهر - إما كفارُ قريشٍ، أو كفارُ العرب
كما قال عكرمةُ؛ لقربهم منهم، وشدَّةِ عداوتهم لهم. وعلى الثاني فارس والروم.
وأخرج الديلميُّ وغيرُه عن ابن عباس ﴿ّ قال: قيل: يا رسول الله، ومَن
الناس؟ قال: ((أهل فارس))(٢).
والتخُّف كالخطف: الأخذُ بسرعة، وفسِّر هنا بالاستلاب، أي: واذكروا
حالَكم وقتَ قلَّتكم وذلِّكم وهَوَانِكم على الناس، وخوفِكم من اختطافكم، أو:
اذكروا ذلك الوقت.
﴿فَشَاوَنَكُمْ﴾ أي: إلى المدينة، أو جعل لكم مأوّى تتحصَّنون به من أعدائكم.
﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهٍ﴾ بمظاهرةِ الأنصار، أو: بإمداد الملائكة يومَ بدر، أو: بأن
قوَّى شوكتكم إذ بعث منكم مَن تَضْطَرِبُ قلوبُ أعدائكم من اسمه.
(١) الإملاء ١٠٤/٣.
(٢) الفردوس بمأثور الخطاب ٤/ ٤٠٧-٤٠٨، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في تاريخ أصبهان ١/ ١٠ .
وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.

سُورَةُ الأَفَِّك
٨٦
الآية : ٢٧
﴿وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ الَّتِبَتِ﴾ من الغنائم، ولم تَطِبْ إلَّ لهذه الأمة. وقيل: هي عامةٌ
في جميع ما أعطاهم من الأطعمة اللذيذة. والأول أنسب بالمقام، والامتنانُ به هنا
أظهر، والثاني متعيِّنٌ عند مَن يجعل الخطاب للعرب.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ هذه النعمَ الجليلة.
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أصلُ الخون: النقصُ، كما أنَّ أصل
الوفاء: الإتمام، واستعمالُه في ضدِّ الأمانة لتضمُّنه إياه؛ فإنَّ الخائن ينقصُ المخون
شيئاً مما خانه فيه. واعتبر الراغب في الخيانة أن تكون سرًّا (١).
والمرادُ بها هنا: عدمُ العمل بما أمر الله تعالى ورسولُه عليه الصلاة والسلام.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس شِهًا أنَّ خيانة الله سبحانه بتَرْكِ فرائضه،
والرسولِ وَّهِ بِتَرْكِ سَّته، وارتكابٍ معصيته(٢).
وقيل: المراد النهي عن الخيانة؛ بأن يضمروا خلاف ما يظهرون، أو يغلُّوا في
الغنائم.
وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب أنَّ المراد بها الإخلالُ بالسلاح في
المغازي
(٣)
٠
وذكر الزهريُّ والكلبيُّ أنَّ رسول الله وَِّ حاصَرَ يهود قريظةً إحدى وعشرين ليلة
- وفي رواية البيهقي: خمساً وعشرين- فسألوا رسول الله وَّرِ الصلحَ كما صالح
إخوانهم بني النضير، على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات من أرض الشام، فأبى
رسول الله ﴿ أن يعطيهم ذلك إلّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا:
أَرْسِلْ لنا أبا لبابةَ رفاعةَ بنَ عبد المنذر - وكان مناصحاً لهم؛ لأنَّ ماله وولده وعیاله
كان عندهم - فبعثه رسول الله وَالز، فأتاهم، فقالوا: يا أبا لبابة، ما ترى؟ أننزل على
حكم سعد بن معاذ؟ فأشار بيده إلى حلقه، يعني أنه الذبحُ، فلا تفعلوا. قال
(١) مفردات الراغب: (خون).
(٢) تفسير الطبري ١١/ ١٢٥ .
(٣) الدر المنثور ١٧٨/٣ .

الآية : ٢٧
٨٧
سُورَةُ الأَنْفَّاِ
أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفتُ أنِّي قد خنتُ الله تعالى
ورسوله عليه الصلاة والسلام. ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله وَلتِ، وشدَّ
نفسه (١) على ساريةٍ من سواري المسجد، وقال: واللهِ لا أذوقُ طعاماً ولا شراباً
حتى أموتَ، أو يتوبَ الله تعالى عليَّ. فلما بلغ رسولَ اللهِ وَّهُ خبرُه قال: ((أمَا لو
جاءني لاستغفرتُ له، أما إذا فعل ما فعل فإِنِّي لا أطلقُه حتى يتوب الله تعالى
عليه)). فمكث سبعةً أيام لا يذوقُ طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم تاب الله
تعالى عليه، فقيل له: يا أبا لبابةَ، قد تيبَ عليك. فقال: والله لا أحلُّ نفسي حتى
يكون رسول الله وَلهل هو الذي يحلُّني. فجاءه عليه الصلاة والسلام فحلَّه بيده، ثم
قال أبو لبابة، إنَّ تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أَصَبْتُ فيها الذنبَ، وأن
أنخلع من مالي. فقال ◌َله: ((يجزيك الثلثُ أنْ تَصَدَّقَ به)). ونزلت فيه هذه
الآية (٢).
وقال السدِّيُّ: كانوا يسمعون الشيء من رسول الله ◌َّز، فيُفْشونه حتى يبلغ
المشركين، فنُهوا عن ذلك.
وأخرج أبو الشيخ وغيرُه عن جابر بن عبد الله، أنَّ أبا سفيان خرج من مكة،
فأتى جبريلُ عليه السلام النبيَّ ◌َّ فقال: إنَّ أبا سفيان بمكانٍ كذا وكذا، فقال
رسول الله وَ﴾: ((إنَّ أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتُموا))، فكتب
(١) جاء في هامش الأصل و(م): المشهور أن أبا لبابة ربط نفسه لتخلفه عن تبوك، وحسنه ابن
عبد البر. اهـ منه. وينظر التعليق الذي بعده.
(٢) نقله المصنف عن البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢٦٨/٤، وذكر مثله الزمخشري
في الكشاف ٢/ ١٥٥، وأخرجه بنحوه عن الزهري الطبري ١٢١/١١-١٢٢، وعن الكلبي
عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٣/ ١٧٨. وذكره مطولاً ابن إسحاق كما في سيرة ابن
هشام ٢٣٦/٢-٢٣٨، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٥ من طريق ابن إسحاق عن أبيه عن
معبد بن كعب بن مالك، ثم قال: هكذا قال ابن إسحاق بإسناده، وزعم سعيد بن المسيب
أن ارتباطه بسارية التوبة كان بعد تخلَّفه عن غزوة تبوك حين أعرض عنه رسول الله وَّ وهو
عليه عاتب بما فعل يوم قريظة، ثم تخلف عن غزوة تبوك فيمن تخلف، والله أعلم، وفي
رواية علي بن أبي طلحة وعطية بن سعد عن ابن عباس في ارتباطه حين تخلف عن غزوة
تبوك ما يؤكد قول ابن المسيب. اهـ. ورواية علي بن أبي طلحة وعطية أخرجهما الطبري
٦٥١/١١-٦٥٢.

سُورَةُ الأَنْفَِّ
٨٨
الآية : ٢٨
رجلٌ من المنافقين إلى أبي سفيان: إنَّ محمداً مُريدكم، فخذوا حِذْرَكم.
فنزلت(١).
﴿وَتَخُونُواْ أَمَتَتِكُمْ﴾ عطف على المجزوم أولاً، والمرادُ النهيُّ عن خيانة الله
تعالى والرسولِ، وخيانةِ بعضِهم بعضاً، والكلامُ عند بعضٍ على حذف مضافٍ،
أي: أصحابَ أماناتكم، ويجوزُ أن تُجعل الأمانة نفسُها مخونةً.
وجوَّز أبو البقاء أنْ يكون الفعل منصوباً بإضمارِ ((أنْ)) بعد الواو في جواب
النهي(٢) ، كما في قوله:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فعلتَ عظِيمُ(٣)
والمعنى: لا تجمعوا بين الخيانتين، والأولُ أولى؛ لأنَّ فيه النهيَ عن كلِّ
واحدٍ على حِدَتِه، بخلافِ هذا؛ فإنه نهيٌّ عن الجمع بينهما، ولا يلزمُه النهيُّ عن
کلِّ واحدٍ على حدته.
وعن ابن عباس ﴿مّ تفسير الأمانات بالأعمال التي ائتمَنَ الله تعالى عليها
عباده.
وقرأ مجاهد: ((أمانَتَكم)) بالتوحيد، وهي روايةٌ عن أبي عمرو (٤)، ولا منافاةً
بينها وبين القراءة الأخرى.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: تبعةَ ذلك ووبالَه، أو: أنَّكم تخونون، أو: وأنتم
علماءُ تميِّزون الحسن من القبيح، فالفعلُ إما متعدٍّ له مفعولٌ مقدَّرٌ بقرينة المقام، أو
منزَّلٌ منزلةَ اللازم، قيل: وليس المرادُ بذلك التقييدَ على كلِّ حال.
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنها سببُ الوقوع في الإثم والعقاب،
(١) الدر المنثور ١٧٨/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ١٢١/١١، وقال ابن كثير عند تفسير هذه
الآية: هذا حديث غريب جدًّا، وفي سنده وسياقه نظر.
(٢) الإملاء ١٠٤/٣.
(٣) نسب هذا البيت إلى المتوكل الكناني، وسابق البربري، والطّرمَّاح، والأخطل، والمشهور
أنه لأبي الأسود الدؤلي. ينظر الخزانة ٨/ ٥٦٤-٥٦٩.
(٤) القراءات الشاذة ص٤٩.

الآية : ٢٩
٨٩
سُورَةُ الأَفَّالِ
أو محنةٌ من الله عزَّ وجل يختبرُكم بها، فلا يحملنَّكم حبُّها على الخيانة كأبي لبابة.
ولعل الفتنة في المال أكثرُ منها في الولد، ولذا قدِّمت الأموال على الأولاد،
ولا يخفى ما في الإخبار من المبالغة.
وجاء عن ابن مسعود: ما منكم من أحدٍ إلَّا وهو مشتملٌ على فتنةٍ؛ لأنَّ الله
سبحانه يقول: (وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ) إلخ، فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله تعالى
من مُضِلَّات الفتن. ومثلُه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٨﴾ لمن مالَ إليه سبحانه، وآَثَرَ رضاه عليهما،
وراعَى حدوده فيهما، فأنيطوا هممكم بما يؤدِّیكم إليه.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَكَّقُواْ اللَّهَ﴾ في كلِّ ما تأتون وما تَذَرون ﴿يَجْعَل لَّكُمْ}
بسبب ذلك الاتِّقاء ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: هدايةً ونوراً في قلوبكم تفرِّقون به بين الحقِّ
والباطل، كما روي عن ابن جريج وابن زيد، أو نصراً يفرِّق بين المحقِّ والمبطِلِ،
بإعزاز المؤمنين وإذلالِ الكافرين كما قال الفراء (١)، أو نجاةً في الدارين كما هو
ظاهرُ كلام السديِّ، أو مخرجاً من الشبهات كما جاء عن مقاتل، أو ظهوراً يشهر
أمركم وينشر صيتكم - كما يُشْعِرُ به كلام محمد بن إسحاق - من: بتُّ أفعلُ كذا
حتى سَطَعَ الفرقانُ، أي: الصبح. وكلُّ المعاني ترجِعُ إلى الفَرْقِ بين أمرين، وجوَّز
بعضُ المحققين الجمعَ بينها .
﴿وَيُگفِرْ عَنكُمْ سپِّئاتِگم﴾ أي: يسترها في الدنيا ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالتجاوزِ عنها
في الأخرى، فلا تكرار.
وقد يقال: مفعولُ ((يغفر)) الذنوبُ، وتفسَّر بالكبائر، وتفسَّر السيئات بالصغائر.
أو يقال: المراد: ما تقدَّم وما تأخّر؛ لأنَّ الآية في أهل بدر، وقد غفر لهم،
ففي الخبر: ((لعل الله اطّلع على أهلٍ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت
(٢)
لكم»(٢).
(١) في معاني القرآن ٤٠٨/١.
(٢) أخرجه أحمد (٦٠٠)، والبخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث عليّ
.

سُؤَدَّةُ الأَنْفَّاِ
٩٠
الآية : ٣٠
تعليلٌ لِمَا قبله، وتنبيهٌ على أنَّ ما وَعَدَ لهم
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ◌َ
على التقوى تفضُّلٌ منه سبحانه وإحسانٌ، وأنها بمعزلٍ عن أن توجِبَ عليه جل شأنُه
شيئاً. قيل: ومن عظم فضله تعالى أنه يتفضَّل بلا واسطةٍ، وبدون التماسِ عوضٍ،
ولا کذلك غیرُه سبحانه.
ثم إنه عزَّ وجل لمَّا ذَكَّر مَن ذَّر نعمتَه بقوله تعالى: (وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ)
إلخ، ذكَّر نبيّه عليه الصلاة والسلام النعمة الخاصةَ به بقوله عزَّ مِن قائل: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ
بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع مفعولاً لفعلٍ محذوفٍ معطوفٍ على
ما تقدَّم، أو منصوبٌ بالفعل المضمَر المعطوفِ على ذلك، أي: واذكر نعمتَه تعالى
عليك إذ، أو: اذکر وقتَ مکرهم بك.
﴿لِيُشْبِتُوَكَ﴾ بالوثاق، ويعضدُه قراءةُ ابن عباس: ((ليقيِّدوك))(١)، وإليه ذهب
الحسن ومجاهد وقتادة. أو بالإثخان بالجرح، من قولهم: ضَرَبَه حتى أَثْبتَه لا حراكَ
به ولا براح (٢)، وهو المرويُّ عن أبان وأبي حاتم والجبائيِّ، وأنشد:
فقلتُ ويحكم ما في صحيفتكم قالوا الخليفةُ أمسى مُثْبَئاً وَجِها (٣)
أو بالحبس في بيتٍ كما روي عن عطاء والسدي.
وكلُّ الأقوال ترجعُ إلى أصلٍ واحدٍ، وهو جَعْلُهُ وَِّ ثابتاً في مكانه أعم من أن
يكون ذلك بالربط، أو الحبس، أو الإثخان بالجراح حتى لا يقدر على الحركة،
ولا يَرِدُ أنَّ الإنخان إن كان بدون قتلٍ فلا ذِكْرَ له فيما اشتهر من القصة، وإن كان
بالقتل يتكرَّر مع قوله تعالى: ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾؛ لأنَّا نختارُ الأول، ولا يلزم أن يذكر
في القصة؛ لأنه قد يكون رأيَ مَن لا يُعتدُّ برأيه، فلم يُذْكَر، والمراد - على
ما تقتضيه ((أو يقتلوك)) -: بسيوفهم.
﴿أَوْ يُخْرِجُولٌ﴾ أي: من مكة، وذلك على ما ذكر ابنُ إسحاق(٤) أنَّ قريشاً لمّا
(١) الكشاف ١٥٥/٢ .
(٢) البراح: مصدر برح مكانه، أي: زال عنه، فنفيه يدل على الثبوت. حاشية الشهاب ٢٦٩/٤.
(٣) البيت ليزيد بن معاوية، كما في الأغاني ٢١٢/١٧، والعقد الفريد ٣٧٣/٤، وهو
فيهما برواية: قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم ...
(٤) كما في سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

الآية : ٣٠
٩١
سُورَةُ الأَفَّاِ
رأتْ أنَّ رسول الله وَّه قد كانت له شيعةٌ وأصحابٌ من غيرهم من غيرٍ(١) بلدهم،
ورأوا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم
منعةً، فحذِروا [خروج] رسول الله وَّ إليهم، وعرفوا أنه قد أَجْمعَ لحربهم،
فاجتمعوا في دار الندوة- وهي دارُ قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً
إلا فيها- يتشاورون فيها ما يصنعون في أمره عليه الصلاة والسلام. فلمّا اجتمعوا -
كما قال ابن عباس- لذلك، واتَّعدوا أن يدخلوا الدار ليتشاوروا فيها، غدوا في
اليوم الذي اتَّعدوا فيه، وكان ذلك اليومُ يسمَّى يومَ الزحمة، فاعترضهم إبليسُ عليه
اللعنة في هيئة شيخ جليلٍ عليه بدلةٌ(٢)، فوقف على باب الدار، فلمّا رأوه واقفاً
على بابها قالوا: مَن الشيخ؟ قال: شيخٌ من أهل نجد سمع بالذي اتَّعدْتُم له،
فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أنْ لا يُعْدِمَكم منه رأياً ونصحاً. قالوا:
أجل فادخل، فدخل معهم وقد اجتمع أشرافُ قريشٍ، فقال بعضهم لبعض: إنَّ هذا
الرجل قد كان من أمره ما رأيتُم، وإنَّا والله ما نأمنُه.
قال: فتشاوروا ثم قال قائل(٣) منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه باباً،
ثم تربَّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيراً، والنابغةَ،
ومَن مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي:
لا والله ما هذا برأي، والله لئن حَبَسْتُموه كما تقولون ليَخْرُجَّن أمرُه من وراء
الباب الذي أغلقتُموه دونه إلى أصحابه، فلَأَوْشَكوا أن يَثِبُوا عليكم فينزعوه من
أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في
غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل(٤) منهم: نُخرِجُه من بين أظهرِنا فننفيه من بلادنا، فإذا
خرج عنَّا فوالله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، إذا غاب عنَّا وفرغنا منه
فأصلحنا أمرنا وأُلْفَتَنا كما كانت. قال الشيخ النجديُّ: لا والله ما هذا لكم برأي،
(١) في السيرة: بغير، بدل: من غير.
(٢) في السيرة: بتلةٌ، وهي الكساء الغليظ.
(٣) في هامش الأصل و(م): هو أبو البختري بن هشام. اهـ منه.
(٤) في هامش الأصل و(م): هو أبو الأسود بن عمير. اهـ منه.

سُورَةُ الأَنْفََِّ
٩٢
الآية : ٣٠
ألم تروا حُسْنَ حديثه، وحلاوةَ منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله
لو فعلتم ذلك ما أمنتُ(١) أن يحلّ على حيٍّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من
قوله وحديثه حتی یبايعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم فيطؤكم بهم في بلادكم، فيأخذ
أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبِّروا فيه رأياً غيره.
قال: فقال أبو جهل: والله إنَّ لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتُم عليه بعدُ. قالوا:
وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كلِّ قبيلةٍ فتىّ شابًّا جليداً، نسيباً
وسيطاً فينا، ثم نعطي كلَّ فتىّ منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدون إليه فيضربونه بها
ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فيقتلونه فنستريحُ منه؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرَّق دمه في القبائل
جميعاً، فَرَضُوا منَّا بالعقل فعقلناه لهم. قال: فقال الشيخ النجدي: القولُ ما قال
الرجل، هو هذا الرأي لا أرى غيره. فتفرَّقوا على ذلك.
فأتى جبريل عليه السلام رسول الله وَ لهم فقال: لا تَبِتْ هذه الليلةَ على فراشك
الذي كنتَ تَبيتُ عليه. فلمَّا كانت عتمةٌ من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متی
ينامُ فَيَئِبُون عليه، فلمَّا رأى رسول الله بَّر مكانَهم قال لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه:
(ثم على فراشي، وتسجَّ ببردي هذا الحضرميِّ الأخضر، فنم فيه؛ فإنه لن يَخلُصَ
إليك شيءٌ تكرهُه منهم)) وكان رسول اللّهَ وَّل ينام في برده ذلك إذا نام.
وأُذن له عليه الصلاة والسلام في الهجرة، فخرج مع صاحبه أبي بكر حظ ◌ُبه إلى
الغار، وأنشد عليٍّ كرم الله تعالى وجهه مشيراً لِمَا مَنَّ الله تعالى به عليه:
ومَن طاف بالبيت العتيقِ وبالحِجْرِ
وقيتُ بنفسي خيرَ مَن وَطِئَ الحصى
فنجَّاه ذو الطول الإلهُ من المَكْرِ
رسولَ إلهٍ خاف أن يمكّروا به
وقد صار في حفظ الإله وفي سترٍ
وبات رسولُ الله في الغار آمناً
وقد وطّنْتُ نفسي على القتل والأسرِ (٢)
وبتُّ أراعيهم وما يَتْهمونني
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَعْكُرُ الله﴾ أي: يردُّ مَكْرَهم، ويجعلُ وخامَتَه عليهم، أو يجازيهم
عليه، أو يعاملهم معاملةَ الماكرين، وذلك بأنْ أخرجهم إلى بدرٍ، وقلَّل المسلمين
(١) في السيرة: أمنتم.
(٢) وردت هذه الأبيات ضمن خبر أخرجه الحاكم ٤/٣ عن علي بن الحسين.

الآية : ٣١
٩٣
سُورَةُ الأَنْفَِّ
في أعينهم حتى حملوا عليهم، فلَقوا منهم ما يشيبُ منه الوليد، ففي الكلام استعارةٌ
تبعيةٌ، أو مجازٌ مرسلٌ، أو استعارةٌ تمثيليةٌ، وقد يُكْتَفَى بالمشاكلة الصرفة.
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ (٣٥)﴾ إذ لا يُعتدُّ بمكرهم عند مكرِه سبحانه. قال بعض
المحققين: إطلاقُ هذا المرَّّب الإضافي عليه تعالى إن كان باعتبارِ أنَّ مكره جلَّ شأنهُ
أنفذُ وأبلغُ تأثيراً فالإضافة للتفضيل؛ لأنَّ لمَكْرِ الغير أيضاً نفوذاً وتأثيراً في الجملة،
وهذا معنى أصل فعل الخير، فتحصلُ المشاركة فيه، وإذا كان باعتبارِ أنه سبحانه
لا يُنْزِلُ إلا الحقَّ، ولا يصيبُ إلا بما يستوجبه الممکورُ به فلا شركةَ لمکرِ الغیر فیه،
فالإضافة حينئذٍ للاختصاص، كما في: أَعْدَلَا بني مروان (١)؛ لانتفاء المشاركة.
وقيل: هو من قبيل: الصيفُ أحرُّ من الشتاء، بمعنى أنَّ مَكْرَه تعالى في خيريته
أبلغُ من مكر الغير في شرِّيته(٢) .
وادَّعى غيرُ واحدٍ أنَّ المكر لا يطلق عليه سبحانه دون مشاكلةٍ؛ لأنه حيلةٌ
يُجْلَب بها مضرَّةٌ إلى الغير، وذلك مما لا يجوز في حقِّه سبحانه.
واعتُرِضَ بوروده من دون مشاكلة في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اَللَّهُّ فَلَا يَأْمَنُ
مَكْرَ الَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وأجيب بأنَّ المشاكلة فيما ذكر تقديريةٌ، وهي كافيةٌ في الغرض، وفيه نظر؛ فقد
جاء عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: مَن وسِّع عليه في دنياه ولم يَعْلَم أنه مکر به فهو
مخدوعٌ في عقله. والمشاكلُ التقديرية فيه بعيدة جداً، بل لا يكاد يدَّعيها منصفٌ.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا﴾ التي لو أنزلناها على جبلٍ لرأيتَه خاشعاً متصدِّعاً من
خشية الله .
﴿قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاٌ﴾ قائلُه النضر بنُّ الحارث من بني
عبد الدار، على ما عليه جمهور المفسرين، وكان يختلفُ إلى أرض فارس
والحيرة، فيسمعُ أخبارهم عن رستم وإسفنديار وكبارِ العجم، وكان يمرُّ باليهود
والنصارى، فيسمعُ منهم التوراة والإنجيل.
(١) أي: عادِلا بني مروان، وتمام القول: الأشجُّ والناقص أعدلا بني مروان.
(٢) حاشية الشهاب ٤/ ٢٧٠.

سُورَةُ الأَفَِّ
٩٤
الآية : ٣٢
وإسناد القول إلى ضمير الجمع من إسناد فعل البعض إلى الكلِّ؛ لِمَا أنَّ اللَّعينَ
كان رئيسَهم وقاضيَهم الذي يقولون بقوله، ويعملون برأيه.
وقيل: قاله الذين ائتمروا في أمره عليه الصلاة والسلام في دار الندوة.
وأيًّا ما كان فهو غايةُ المكابرة، ونهايةُ العناد؛ إذ لو استطاعوا شيئاً من ذلك
فما منعهم من المشيئة؟ وقد تحدَّاهم عليه الصلاة والسلام وقَرَّعَهم بالعجز عَشْرَ
سنين، ثم قارَعَهم بالسيف فلم يعارضوا بما سواه، مع أَنفَتهم واستنكافهم أن
يُغْلَبوا، لا سيما في ميدان البيان؛ فإنهم كانوا فرسانه المالكين لأزمَّته، الحائزين
قَصَبَ السَّبْقِ به. واشْتَهَر أنهم علَّقوا القصائد السبعة المشهورة على باب الكعبة
متحدِّين بها. لكنْ تُعقِّب(١) أن ذلك مما لا أصل له وإن اشْتَهَر.
وزعم بعضهم أن هذا القول كان منهم قبل أن ينقطع طمعُهم عن القدرة على
الإتيان بمثله، وليس بشيء.
﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ جمع أسطورة ــ على ما قاله
المبرِّد - كأحدوثةٍ وأحاديث، ومعناه: ما سُطِرَ وكُتِبَ. وفي ((القاموس))(٢):
الأساطير: الأحاديث لا نظام لها، جَمْعُ إسْطار وإِسْطِير وأُسْطُور، وبالهاء في
الكلِّ. وأصل السَّطْرِ: الصفُّ من الشيء، كالكتاب والشجر وغيره، وجمعُه: أَسْطُر
وسُطُور وأَسْطار، وجمعُ الجمع: أساطير، ويحرَّك في الكلِّ.
وقال بعضهم: إنَّ جمع سَطْر بالسكون: أَسْطُر وسُطُر، وجمع سَطَر: أسطار
وأساطير، وهو مخالفٌ لِمَا في ((القاموس)).
والكلام على التشبيه، وأرادوا: ما هذا إلا كقصص الأوَّلين وحكاياتهم التي
سطروها، وليس كلامَ الله تعالى، وكأنه بيانٌ لوجه قدرتهم على قول مثله لو
شاؤوا .
﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ
السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ قائل هذا النضرُ أيضاً على ما روي عن مجاهد
(١) جاء في هامش الأصل و(م): المتعقب الشهاب. اهـ منه. وهو في حاشية الشهاب ٤/ ٢٧٠.
(٢) مادة (سطر).

الآية : ٣٢
٩٥
سُورَةُ الأَفَّاِ
وسعيد بن جبير. وجاء في روايةٍ أنه لمَّا قال أولاً ما قال، قال له النبيُّ وَّ:
((ويلك! إنه كلامُ الله تعالى)) فقال ذلك.
وأخرج البخاريُّ والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن أنس بن مالك أنه أبو جهل بن
هشام(١) .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس أن قريشاً قال بعضُها
لبعض: أَكْرَمَ الله محمداً فَ﴿ من بيننا، اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ إلخ(٢). وهو
أبلغُ في الجحود من القول الأول؛ لأنهم عدُّوا حقِّيته محالاً، فلذا علَّقوا عليها
طَلَبَ العذاب الذي لا يطلبه عاقلُ، ولو كانت ممكنةً لفرُّوا من تعليقه عليها.
وما يقال: إنَّ ((إنْ)) للخلوِّ عن الجزم، فكيف استُعملت في صورة الجزم؟
أجاب عنه القطب بأنها لعدم الجزم بوقوع الشرط، ومتى جُزِمَ بعَدَمِ وقوعه عُدِمَ
الجزمُ بوقوعه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣]. وفيه بحثٌ
ذكره العلّامة الثاني.
واللام في ((الحق)) قيل: للعهد، ومعنى العهد فيه أنه الحقُّ الذي اذَّعاہ
النبي ◌َّر، وهو أنه كلامُ الله تعالى المنزل عليه - عليه الصلاة والسلام - على النمط
المخصوص، و((من عندك)) إن سلِّم دلالتُه عليه فهو للتأكيد، وحينئذٍ فالمعلَّق به کونُه
حقًّا بالوجه الذي يدَّعيه النبيُّ وَّهَ، لا الحقُّ مطلقاً؛ لتجويزهم أن يكون مطابقاً
للواقع غيرَ منزلٍ كأساطير الأوَّلين.
وفي ((الكشاف)): إنَّ قولهم: ((هو الحق)) تهكُّمٌ بمن يقول على سبيل
التخصيص والتعيين: ((هذا هو الحق))(٣). وزعم بعضهم أنَّ هذا قولٌ بأنَّ اللام
للجنس، وأشار إلى أنَّ الأَوْلَى حَمْلُها على العهد الخارجيِّ، على معنى: الحقُّ
المعهودُ المنزَلُ من عند الله تعالى هذا لا أساطيرُ الأوَّلين، فالتركيب مفيدٌ لتخصيص
المسنَدِ إِليه بالمسنَدِ على آكَدِ وجهٍ، وحَمَلَ كلام البيضاويِّ على ذلك(٤)، وطَعَنَ في
(١) صحيح البخاري (٤٦٤٨)، ودلائل النبوة ٧٥/٣، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٧٩٦).
(٢) تفسير الطبري ١١/ ١٥١.
(٣) الكشاف ٣/ ١٥٥ .
(٤) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤/ ٢٧١ .

سُورَةُ الأَفَّاِ
٩٦
الآية : ٣٣
مسلك ((الكشاف)) بعدم ثبوتٍ قائلِ أوَّلاً على وجه التخصيص يُتَهِكَّمُ به، ولا يَخْفَى
ما فيه من المنع والتعشُّف.
و((أَمْطِرْ)) استعارةٌ أو مجازٌ لأَنْزِلْ، وقد تقدَّم الكلام في المطر والإمطار.
و قوله سبحانه: (مِنَ السَّمَآءِ) صفةُ ((حجارة))، وذَكَره للإشارة إلى أنَّ المراد بها
السجِّيلُ، والحجارةُ المسؤَّمةُ للعذاب، يُروى أنها حجارةٌ من طينٍ طُبِخَتْ بنارٍ
جهنم مكتوبٌ فيها أسماءُ القوم. وجوِّز أن يكون الجارُّ متعلِّقاً بالفعلِ قبله.
والمراد بالعذاب الأليم غيرُ إمطار الحجارة بقرينة المقابلة، ويصحُّ أن يكون من
عَظْفِ العامِّ على الخاصِّ.
وتعلَّق ((من عندك)) بمحذوفٍ قيل: هو حالٌ مما عنده، أو صفةٌ له.
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴾ه والأعمش: ((الحقُّ» بالرفع(١) على أنَّ ((هو)) مبتدأ
لا فصلٌ، وقول الطبرسيِّ: إنه لم يُقرأ بذلك(٢)، ليس بذاك، ولا أرى فرقاً بين
القراءتين من جهة المراد بالتعريف خلافاً لمن زعمه.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ جوابٌ لكلمتهم الشنعاء، وبيانٌ لِمَا كان
الموجبَ لإمهالهم، وعدم إِجابة دعائهم الذي قصدوا به ما قصدوا، واللام هي التي
تسمَّى لامَ الجحود ولامَ النفي؛ لاختصاصها بمنفيٌّ ((كان)) الماضية لفظاً أو معنىّ،
وهي إمَّا زائدةٌ، أو غيرُ زائدةٍ والخبرُ محذوف، أي: ما كان اللهُ مريداً لتعذيبهم،
وأيًّا ما كان فالمرادُ تأكيد النفْي، أمَّا على زيادتِها فظاهرٌ، وأما على عدمٍ زيادتها
وجَعْلِ الخبرِ ما علمتَ فلأنَّ نفْي إرادةِ الفعل أبلغُ مِن نفيه.
وقيل في وجه إفادة اللام تأكيدَ النفْي هنا: إنها هي التي في قولهم: أنتَ لهذه
الخطّة، أي: مناسبٌ لها وهي تَليقُ بك، ونفي اللياقةِ أبلغُ مِن نفي أصلِ الفعل.
ولا يخلو عن حُسْنٍ وإن قيل: إنه تكلفٌ لا حاجة إليه بعدَ ما بيَّنه النُّحاةُ في وجه
ذلك.
(١) القراءات الشاذة ص٤٩، والبحر ٤ /٤٨٨.
(٢) مجمع البيان ١٣٨/٩.

الآية : ٣٣
٩٧
سُورَةُ الأَفَّارِك
وحَمَلَ غيرُ واحدٍ العذابَ على عذابِ الاستئصال، واعتُرِض بأنَّه لا دليلَ على
هذا التقييدِ مع أنَّه لا يلائمه المقامُ، وأجيبَ بمنْعِ عدم الملاءمة، بل مَن أمْعَن النظرَ
في كلامهِم رآه مُشْعِراً بطلبٍ ذلك، والدليلُ علَى التقييد أنَّه وَقَع عليهم العذابُ
والنبيُّ وَّه فيهم كالقَحْط، فعُلم أنَّ المرادَ به عذابُ الاستئصال، والقرينةُ عليه تأكيدُ
النفْي الذي يصْرِفُه إلى أعظمه، فالمراد من الآية الإخبارُ بأنَّ تعذيبَهم عذابَ استئصالٍ
والنبيُّ ◌َّه بين أظهرهم خارجٌ عن عادته تعالى، غيرُ مستقيم في حكمِه وقضائِهِ.
والمرادُ بالاستغفارِ في قوله سبحانهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
إمَّا استغفارُ مَن بقِيَ بينَهم مِن المؤمنين المستضْعَفِين حينَ هاجر رسولُ اللهِ،
ورُوي هذا عن الضخَّاك، واختاره الجبائيُّ(١)، وقال الطيبيُّ: إنَّه أبلغُ؛ لدلالته
على أنَّ استغفارَ الغير مما يُدْفَع به العذابُ عن أمثالِ هؤلاء الكَفَرة، وإسنادُ
الاستغفار إلى ضميرٍ الجميع لوقوعهِ فيما بينَهم، ولجعْلِ ما صدَرَ عن
البعضِ - كما قيل - بمنزلة الصادر عن الكلِّ، فليس هناك تفكيكٌ للضمائرِ
كما يُوهِمه كلام ابن عطية(٢).
وإما دعاءُ الكَفَرةِ بالمغفِرَة، وقولُهم: غُفرانك، فيكون مجرَّدُ طلبٍ المغفرة منه
تعالى مانعاً مِن عذابه جلَّ شأنهُ ولو من الگفَرةِ، ورُوي هذا عن یزید بن رومان
ومحمد بن قيس، قالا: إنَّ قريشاً لمَّا قالوا ما قالوا نَدِموا حين أمسَوا، فقالوا:
غفرانك اللَّهم(٣).
وإما التوبةُ والرجوعُ عن جميع ما هم عليه من الكفر وغيرِه، على معنى: لو
استغفروا لم يُعَذَّبوا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُّهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، ورُوي عن السديِّ وقتادة وابنٍ زيد(٤).
أنا كلٌّ من الأقوالِ الثلاثةِ (٥).
وجاء عن ابن عباس
(١) كما في مجمع البيان ٣/ ١٤٠.
(٢) في المحرر الوجيز ٢/ ٥٢١ .
(٣) تفسير الطبري ١١/ ١٥١.
(٤) النكت والعيون ٣١٤/٢.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ١٥٠/١١ و١٥١ و١٥٥.

سُورَةُ الأَنْفَالِة
٩٨
الآية : ٣٣
وأيًّا ما كان فالجملةُ الاسميةُ في موضع الحالِ، إلا أنَّ القيدَ مثبَتٌ على
الوجهين الأوَّلين، منفيٌّ على الوجه الأخير، ومَبْنَى الاختلافِ في ذلك ما نُقل عن
السَّلَف من الاختلاف في تفسيره، والقاعدةِ المقرَّرة بين القوم في القيد الواقع بعد
الفعل المنفيّ، وحاصلُها - على ما قيل - أنَّ القيد في الكلام المنفيِّ قد يكون
لتقييد النفي، وقد يكون لنفي التقييد، بمعنى انتفاءِ كلِّ من الفعل والقيد، أو القيد
فقط، أو الفعلِ فقط .
وقيل(١): إنَّ الدالَّ على انتفاء الاستغفار هنا على الوجه الأخير القرينةُ والمقامُ
لا نفسُ الكلام، وإلا لكان معنى: ((وما كان الله ليعذُّبهم وأنت فيهم» نفيَ كونه
فيهم؛ لأنَّ أمرَ الحالية مشتركٌ بين الجملتين.
وأطال الكلام في نفي تساوي الجملتين سؤالاً وجواباً، ثم تكلَّف للتَّفرقة
بما تكلّف، واعترض عليه بما اعترض، والظاهرُ عندي عدمُ الفرق في احتمالِ كلِّ
من حيث إنه كلامٌ فيه قيدٌ توجّه النفيُ إلى القيد.
ومن هنا قال بعضهم: إنَّ المعنى الأولى: لو كنتَ فيهم لم يعذّبوا، كما قيل
في معنى الثانية: لو استغفروا لم يعذَّبوا، ويكون ذلك إشارة إلى أنَّهم عُذِّبوا بما وقع
لهم في بدر؛ لأنَّهم أخْرَجوا النبيَّ بَّهِ من مكة ولم يبقَ فيهم فيها .
إلا أنَّ هذا خلافُ الظاهر، ولا يظهَرُ عليه كونُ الآية جواباً لكلمتهم الشنعاء.
وعن ابن عباس: إنَّ المراد بهذا الاستغفار استغفارُ مَن يؤمِنُ منهم بعدُ(٢)،
أي: وما كان الله معذِّبهم وفيهم مَن سبق له مِن الله تعالى العنايةُ أنَّه يُؤْمِن ويستغفِرِ،
كصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وأضرابهم.
وعن مجاهد: إنَّ المرادَ به استغفارُ مَن في أصلابهم ممن عَلِمِ اللهُ تعالى أنَّه
يؤمِن، أي: ما كان الله معذِّبَهم وفي أصلابهم مَن يستغفر. وهو كما ترى.
ويظهر لي مِن تأكيدِ النّفْي في الجملة الأولى وعدم تأكيده في الجملة الثانية أنَّ
كونَ النبيِّ نَّهِ فيهم أدْعَى حكمةً لعدم التعذيب من الاستغفار، وحَمَل بعضُهم
(١) جاء في هامش (م): القائل السعد. اهـ منه.
(٢) تفسير الطبري ١١/ ١٥٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٢.

الآية : ٣٤
٩٩
سُورَةُ الأَنَفَِّ
التعذيبَ المنفيَّ في الجملة الثانية - بناءً على الوجه الأخير - على ما عدا تعذيبٍ
الاستئصال.
وحَمْل الأوَّلِ على التعذيب الدنيويِّ والثاني على الأخرويِّ ليس بشيءٍ.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أيُّ شيءٍ لهم في انتفاءِ العذاب عنهم، أي:
لا حَظّ لهم في ذلك، وهم معذَّبون لا محالةَ إذا زال المانع، وكيف لا يعذَّبون
﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وحالُهم الصدُّ عن ذلك حقيقةً كما فعلوا
عامَ الحديبيةِ، وحكماً كما فعلوا برسولِ اللهِ وَّرِ وأصحابِه حتى الجؤوهم للهجرة.
ولمَّا كانت الآيتان يتراءى منهما التناقُضُ زادوا في التفسير: إذا زال، ليزول
كما ذكرنا، وأنتَ تعلم أنه إذا حُمل التعذيبُ في كلٌّ على تعذيبِ الاستئصالِ احْتِيجَ
إلى القول بوقوعِه بعدَ زوالِ المانع، وهو خلافُ الواقع.
وقال بعضُهم في دفع ذلك: إنَّ التعذيبَ فيما مرَّ تعذيبُ الاستئصال، وهنا
التعذيبُ بقتلٍ بعضهم.
ونقل الشهابُ عن الحسن - والعُهدةُ عليه - أنَّ هذه نسختْ ما قبلها(١)، والظاهرُ
أنَّه أراد النفيَيْن السابقَيْن، والذي في ((الدر المنثور)) أنه وكذا عكرمةُ والسديُّ قالوا:
إِنَّ قولَه سبحانه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) منسوخٌ بهذه الآية(٢).
و أيًّا ما كان يَرِدُ عليه أنَّه لا نسخَ في الأخبار إلا إذا تضمَّنت حكماً شرعيًّا،
وفي تضمُّنِ المنسوخ هنا ذلك خفاءٌ.
وقال محمدُ بن إسحاق: إنَّ الآية الأولى متصِلةٌ بما قبلَها على أنها حكايةٌ عن
المشركين، فإنهم كانوا يقولون: إن الله تعالى لا يعذِّبُنا ونحن نستغفر، ولا يعذِّبُ الله
سبحانه أمَّةً ونبيُّها معها، فقصَّ الله تعالى ذلك على نبيه وَِّ مع قولِهم الآخَر، فكأنه
قيل: وإذا قالوا: اللهم إلخ، وقالوا أيضاً كيت وكيت، ثم ردًّ عليهم بقوله سبحانه:
(١) حاشية الشهاب ٤/ ٢٧٢، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٨١/٢، ثم قال: النسخ ها
هنا محال؛ لأنه خبرٌ خبّر الله تعالى به.
(٢) الدر المنثور ١٨١/٣، وأخرج قول الحسن وعكرمة الطبري في تفسيره ١٥٧/١١، وابن
أبي حاتم في تفسيره ١٦٩٣/٥، وقول السدي عزاه السيوطي لأبي الشيخ.

سُورَةُ الأَنْفَّارِ
١٠٠
الآية : ٣٤
(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) على معنى أنَّهم يعذَّبون وإن كنتَ بين أظهُرِهم، وإن كانوا
يستغفرون(١).
وفيه أنَّ وقوعَ هذا القولِ منهم في غاية البُعد، مع أنَّ الظاهرَ حينئذٍ أن يقال:
ليعذِّبَنَا، و: معذِّبَنا، ونحن نستغفر، ليكون على طرز قولِهم السابقِ، وأيضاً الأخبارُ
الكثيرةُ تأبى ذلك، فقد أخرج أبو الشيخ، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((شعب
الإيمان)) عن أبي هريرة وبه قال: كان فيكم أمانان، مضى أحدُهما وبقي الآخر،
وتلا: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ) إلخ(٢).
وجاء مثلُ ذلك عن ابن عباس وأبي موسى الأشعريِّ(٣)، وأخرج أبو داود،
والترمذيُّ في ((الشمائل))، والنسائيُّ عن عبد الله بن عمرو ◌ًا قال: انكسفت
الشمسُ علی عهدٍ رسول الله پے، فقام عليه الصلاة والسلام فلم یکد یرمع، ثم
رکی فلم یگذ یرفع، ثم رفع فلم یگڈْ یسجد، ثم سجد فلم یگذ یرفع، ثم رفع ثم لم
يكد يسجُد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع، وفعل في الركعة الأخرى مثلَ ذلك،
ثم نفَخَ في آخرِ سجوده، ثم قال: ((ربِّ، ألم تَعدْني أن لا تعذِّبَهم وأنا فيهم؟ ربِّ
ألم تعذْني أن لا تعذُّبَهم وهم يستغفرون؟ ونحن نستغفرك))، ففَرغ رسول الله وَلّ من
صلاته وقد انمحصت الشمس(٤).
وذهب الجبائي إلى أنَّ المنفيَّ فيما مرَّ عذابُ الدنيا، وهذا العذابُ عذابُ
الآخرةِ، أي: أنَّه يعذِّبُهم في الآخرة لا محالةَ. وهو خلافُ سياق الآية.
و((ما)) على ما عليه الجمهورُ - وهو الظاهرُ - استفهاميةٌ. وقيل: إنها نافيةٌ، أي:
ليس يَنْفِي عنهم العذابَ مع تلبُّسهم بالصدِّ عن المسجد الحرام.
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٠ .
(٢) المستدرك ٥٤٢/١، وشعب الإيمان (٦٥٤)، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ١٨١/٣.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(٣) قول ابن عباس أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٤٩١)، وقول أبي موسى أخرجه الطبري
في تفسيره ١٥٢/١١، والحاكم في المستدرك ٥٤٢/١ .
(٤) سنن أبي داود (١١٩٤)، والشمائل المحمدية ص١٦٦، وسنن النسائي ١٣٧/٣، وأخرجه
أيضاً أحمد (٦٤٨٣)، ووقع في الأصل و(م): عبد الله بن عمر، وهو تصحيف.