Indexed OCR Text
Pages 41-60
الآية : ١٠ ٤١ سُورَةُ الأَفَّاك وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الشَّعبي أنه قال: كان ألفٌ مردفين، وثلاثةُ آلاف منزلين. وهو جمعٌ ليس بالجيِّد(١). وأخرج ابنُ جرير وعَبْد بن حُميد عن قتادة أنهم أُمِدُّوا أولاً بألف، ثم بثلاثة آلاف، ثم أكملَهم الله تعالى خمسةَ آلاف(٢). وأنتَ تعلم أن ظاهر ما رُوي عن الحَبْر يقتضي أن ما في الآية ألفان في الحقيقة، وصرَّح بعضُهم أن ما فيها بيانٌ إجمالي لما في تلك السورة، بناءً على أن معنى ((مردفين)): جاعلين غيرَهم من الملائكة رديفاً لأنفسهم، وهو ظاهر في أن المراد بالألف الرؤساءُ المستتبِعون لغيرهم. والأكثرون على أن الملائكة قاتلتْ يومَ بدر، وفي الأخبار ما يدلُّ عليه، وذكروا أنها لم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حُنين، وتفصيلُ ذلك في السِّيَر، وقد تقدَّم بعضُ الكلام فيما يتعلَّق بهذا المقام فتذكَّر. ﴿َوَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ لبيان أنَّ المؤثِّر الحقيقيَّ هو الله تعالى؛ ليثق به المؤمنون، ولا يقنطوا من النَّصر عند فقدان أسبابه، والجَعْل متعدٍّ إلى واحد، وهو الضميرُ العائدُ إلى المصدر المنسبك في ((أني ممدُّكم)) على قراءة الفتح، والمصدرِ المفهومِ من ذلك على الكسر، واعتبارُ القول ورجوعُ الضمير إليه ليس بمعتبرٍ من القول. أي: وما جعل إمدادَكم بهم لشيء من الأشياء ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ أي: بشارةً لكم بأنكم تُنصَّرون ﴿وَلِتَطْمَيْنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وتسكن إليه نفوسُكم، وتزول عنكم الوسوسةُ. ونصب ((بشرى) على أنه مفعولٌ له، و((لتطمئن) معطوفٌ عليه، وأُظهرت اللام لفقد شرطِ النصب، وقيل: للإشارة إلى أصالته في العلِّية، وأهميته في نفسه، كما قيل في قوله سبحانه: ﴿وَاَلْخَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]. (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٦٦٣/٥ . (٢) تفسير الطبري ٢٥/٦، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١٧١/٣. وَدَةُ الأَفَاك ٤٢ الآية : ١١ وقيل: إنَّ الجَعْل متعدٍّ إلى اثنين ثانيهما ((بشرى)) على أنه استثناءٌ من أعمِّ المفاعيل، واللامُ متعلّقة بمحذوفٍ مؤخّر، أي: وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارةً لكم، ولتطمئنَّ به قلوبُكم فعَلَ ما فعَلَ لا لشيء آخر، والأولُ هو الظاهر. وفي الآية إشعارٌ بأنَّ الملائكة لم يُباشروا قتالاً، وهو مذهبٌ لبعضهم، ويُشعر ظاهرُها بأنَّ النبيَّ ◌َّ أخبرهم بذلك الإمداد، وفي الأخبار ما يؤيِّده، بل جاء في غير ما خبرٍ أن الصحابةَ رأوا الملائكةَ عليهم السلام. ورُوي عن أبي أُسَيْدٍ - وكان قد شهد بدراً - أنه قال بعدما ذهب بصرُه: لو كنتُ معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتُكم الشّعب الذي خرجتْ منه الملائكة. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي: وما النَّصرُ بالملائكة وغيرِهم من الأسباب إلا كائنٌ من عنده عزَّ وجل، فالمنصورُ هو من نَصَره الله سبحانه، والأسبابُ ليست بمستقلّة. أو المعنى: لا تحسبوا النصرَ من الملائكة عليهم السلام؛ فإنَّ الناصرَ هو الله تعالى لكم وللملائكةِ، وعليه فلا دخل للملائكة في النصر أصلاً. وجعل بعضهم القصر على الأول إفرادي، وعلى الثاني قلبيّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَب في حكمه، ولا يُنازَعُ في قضيَّته ﴿حَكِيمُ ﴾﴾ يفعل كلَّ ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمةُ الباهرة. والجملة تُعليلٌ لما قبلها، وفيها إشعارٌ بأنَّ النصر الواقعَ على الوجه المذكور من مقتضيات الحكمة البالغة. ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ﴾ أي: يجعله غاشياً عليكم، ومحيطاً بكم. والنعاسُ: أولُ النوم قبل أن يَثْقُل . وأخرج ابنُ أبي حاتم عن قتادة أن النُّعاس في الرأس، والنوم في القلب(١). ولعل مراده الثِّقَل والخِفَّة، وإلا فلا معنى له. والفعل نعَسَ كمنع، والوصف ناعس، ونعسان قليلٌ. (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٦٦٤/٥. الآية : ١١ ٤٣ سُورَةُ الأَنْفَِّ و ((إذ يغشيكم)) بدلٌ ثانٍ من ((إذ يعدكم)) على القول بجواز تعدُّد البدل. وفيه إظهارُ نعمةٍ أخرى؛ فإن الخوف أطار كَرَاهُم من أوكاره، فلما طامَنَ الله تعالى قلوبَهم رفرفَ بجناحه عليها فنعسوا. وصيغةُ المضارع لحكاية الحال الماضية، أو هو منصوبٌ باذكروا . وجُوِّز تعلُّقه بـ ((النصر))، وضُعِّف بأن فيه إعمالَ المصدر المعرَّف بأل، وفيه خلافُ الكوفيين، والفصلَ بين المصدر ومعموله، وعملَ ما قبل ((إلا)) فيما بعدَها من غير أن يكون ذلك المعمولُ مستثنى، أو مستثنى منه، أو صفةً له، والجمهورُ لا يجوِّزون ذلك خلافاً للکسائيّ والأخفش. وتعلُّقُهُ(١) بما في ((عند الله)) من معنى الفعل. وقيل عليه: إنه يلزمُ تقييدُ استقرار النَّصر من الله تعالى بهذا الوقت، ولا تقييدَ له به. وأجاب الحلبيُّ بأن المراد به نصرٌ خاصٌّ، فلا محذور في تقييده(٢). وبالجعل، وفيه الفصلُ، وعملُ ما قبل ((إلا)) فيما ليس أحدَ الثلاثة. وبما دلَّ عليه: ((عزيز حكيم))، وفيه لزومُ التقييد، ولا تقييد، وأُجيب بما أُجيب. والإنصافُ بُعْد الاحتمالات الأربع. وقرأ نافع: ((يُغْشِيكم)) بالتخفيف(٣)، من الإغشاء بمعنى التغشية، والفاعلُ في القراءتين هو الله تعالى. وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ((يغشاكم))(٤) على إسناد الفعل إلى النُّعاس. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّنَةً مِّنْهُ﴾ نصبٌ على أنه مفعولٌ له، وهو مصدرٌ بمعنى الأمن، كالمَنَعة، وإن كان قد يكونُ جمعاً وصفةً بمعنى آمنين كما ذكره الراغب(٥)، واستُشكل بأن شرط النصبِ الذي هو اتحادُ فاعِلِه وفاعلِ الفعل العامل (١) معطوف على تعلقه المتقدم. (٢) الدر المصون ٢٧٤/٥ . (٣) النشر ٢٧٦/٢. وسقطت القراءة من مطبوع التيسير. (٤) التيسر ص١١٦، والنشر ٢٧٦/٢. (٥) مفردات ألفاظ القرآن (أمن). سُورَةُ الأَفَِّ ٤٤ الآية : ١١ ، وفاعلُ الآخر هو الله على القراءتين فيه مفقودٌ؛ إذ فاعلُه هم الصحابةُ الآمنون الأُوليين، والنُّعاس على الأخرى. وأُجيب بأنه مفعولٌ له باعتبار المعنى الكنائيّ؛ فإنَّ(يغشاكم النعاس)) يلزمه تنعسون، و((يغشيكم)) بمعناه، فيتَّحِدُ الفاعلان؛ إذ فاعلُ كلِّ حينئذٍ الصحابةُ. وقال بعض المدفِّقين: إنه على القراءتين الأوليين يجوز أن يكون منصوباً على العِلِّية لفعلٍ مترتّبٍ على الفعل المذكور، أي: يغشيكم النعاس فتنعسون أمناً، أو على أنه مصدرٌ لفعل آخر كذلك، أي: فتأمنون أمناً، وعلى القراءة الأخيرة منصوبٌ على العِلِّيَّة بـ ((يغشاكم)) باعتبار المعنى؛ فإنه في حكم تنعسون، أو على أنه مصدرٌ لفعل مترتّب عليه كما علمت، وما تقدَّم أقلُّ انتشاراً. وجُوِّز أن يُراد بالأَمَنة الإيمانُ بمعناه اللغويّ: وهو جعلُ الغير آمناً، فيكون مصدر آمَنَه، وهو على بُعْده إنما يتمشَى في القراءتين الأوليين؛ لأنَّ فاعل التغشية والأمان هو الله تعالى، وأما على القراءة الأخرى فلا، ويحتاج إلى ما مرَّ. ومن الناس من جوَّز فيها أن يُجعل الأمنُ فعلَ النعاس على الإسناد المجازيِّ؛ لكونه من ملابسات أصحابِ الأمن، والإسنادُ في ذلك مقدَّر، وليس المرادُ به النسبةَ التي بين الفعل والمفعول له، أي: يغشاكم النعاس لأمنةٍ، أو على تشبيه حاله بحال إنسان شأنُه الأمن والخوفُ، وأنه حصَلَ له من الله تعالى الأمانُ من الكفار في مثل ذلك الوقت المَخُوف، فلذلك غَشِيَكم(١) وأنامَكم، فيكون الكلامُ تمثيلاً وتخييلاً للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس. والقطب جَعَل في الكلام استعارةً بالكناية، حيث ذكر أنه شبَّهَ النعاسَ بشخص من شأنه أن يأتيهم، لكنَّه لا يأتيهم في وقت الخوف، وإذا أمِنَ أتاهم، ثم ذكر النعاسَ وأراد ذلك الشخصَ، والقرينةُ ذِكْر الأَمَنة لأنها من لوازم المشبّه به. وقد وصف الزمخشريُّ النوم بنحو ذلك في قوله : يهابُ النومُ أن يغشى عيوناً تهابُك فهو نقَّارٌ شَرُودُ (٢) (١) في (م) غشاكم، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٤/ ٢٥٧. (٢) البيت من قصيدة للزمخشري فيما ذكر الشهاب الخفاجي، وهو في الكشاف ٢/ ١٤٧، = الآية : ١١ ٤٥ سُورَةُ الأَفَِّ وما يقال: إنَّ مثل هذا إنما يليقُ بالشعر لا بالقرآن الكريم فغيرُ مسلَّم. وذكر ابنُ المنير (١) في توجيه اتِّحاد الفاعل على القراءتين أنَّ لقائلٍ أن يقول: فاعلُ تغشيةِ النعاسِ إِيَّاهم هو الله تعالى، وهو فاعل الأَمَنة أيضاً؛ لأنه خالقُها، فحينئذٍ يَتَّحد فاعلُ الفعل والعِلَّة، فيرتفعُ السؤال، ويزول الإشكال على قواعد أهل السنة التي تقتضي نسبةً أفعال الخلق إلى الله تعالى على أنه خالقُها ومبدعُها . وتعقّبَه(٢) بأن للمُورِدِ أن يقول: المعتبَرُ الفاعلِ اللغويُّ، وهو المتصف بالفعل، وهو هنا ليس إلا العبد؛ إذ لا يقال لله سبحانه وتعالى: آمِنٌ وإن كان هو الخالقُ، وحينئذٍ يحتاج إلى الجواب بما سلَفَ. والجارُّ والمجرور متعلِّقُ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((أمَنَة))، أي: أمنةً كائنة منه تعالى لكم، ولعل مغايرةً ما هنا لما في سورة ((آل عمران)) لاختلاف المقام، فقد قالوا: إنَّ ذلك المقامَ اقتضى الاهتمامَ بشأن الأمن، ولذلك قدَّمه سبحانه وتعالى، وبسط الكلام فيه - كما لا يخفى على مَنْ تأمَّل في السياق والسباق - بخلافه هنا؛ لأنه في مقام تعداد النِّعم، فلذا جيء بالقصة مختصرةً للرمز. وقرئ: ((أَمْنة )) بالسكون(٣)، وهو لغةٌ فيه. ﴿وَيَزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيْطَهِّرَكُم بِهِ.﴾ عطفٌ على ((يُغْشِّيكم)) وكان هذا قبلَ النعاس کما رُوي عن مجاهد. وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدَّم، والتشويق إلى المؤخّر، كما مرَّ غير مرَّةٍ، وتقديم ((عليكم)) لما أنَّ بيان كون التنزيل عليهم أهمُّ من بیان كونه من السماء. وقرأ ابنُ كثير وسَهْل ويعقوب وأبو عمرو: (يُنْزِل)) بالتخفيف (٤) من الإنزال. = وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٥٨/٤، والبحر المحيط ٤٦٨/٤. (١) في الانتصاف ١٤٦/٢. (٢) يعني ابن المنير. (٣) وهي قراءة ابن محيصن، ورويت عن النخعي ويحيى بن يعمر. البحر المحيط ٤٦٨/٤. (٤) التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٨/٢، ولم نقف على من نسبها إلى سهل. سُورَةُ الأَنَفَّالِ ٤٦ الآية : ١١ وقرأ الشعبيُّ: (ما ليُطَهِّرَكُمْ به))(١) أي: من الحدث الأصغر والأكبر، ووجهُها - كما قال ابنُ جنيّ(٢) - أن ((ما)) موصولةٌ، واللام متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع صلةً لها، أي: ويُنزل عليكم الذي ثبَتَ لتطهيركم، ونظيرُ هذه اللام اللامُ في قولك: أعطيتُ الثوبَ الذي لدَفْع البرد، وهي في قراءة الجماعة نظيرُ اللام في قولك: زرتُك لتُكرمني، ومرجِعُ القراءتين واحدٌ، والمشهورةُ أفصحُ بالمراد. وانظر لمَ لا يجوز أن تُخَرَّج هذه القراءةُ على ما سُمِعَ من قولهم: اسقني ما، بالقصر، وقد حكى ذلك في ((القاموس)»(٣)، وأرى أن العدول عن ذلك - إن جاز ۔ کالتيمُّم مع وجود الماء. ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾ أي: وسوسَتَه وتخويفَه إيَّاكم من العطش؛ أخرج ابنُ المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جُرَيج عن ابن عباس ﴿ًا، أن المشركين غَلَبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون وصَلَّوا مُجْنِبِين مُحْدِثين، وكانت بينهم رمالٌ، فألقى الشيطانُ في قلوبهم الحُزْن، وقال: أتزعمون أنَّ فيكم نبيًّ، وأنكم أولياءُ الله تعالى، وتصلُّون مُجْنِين مُحْدِثين؟ فأنزل الله تعالى من السماء ماءً، فسال عليهم الوادي، فشربوا وتطهَّروا، وثبتَتْ أقدامُهم، وذهبت وسوسةُ الشيطان (٤). وفسَّر بعضُهم الرجزَ هنا بالجنابة مع اعتبار كون التطهير منها، واعتُرض بلزومٍ التكرار، ودُفِع بأنَّ الجملة الثانيةَ تعليلٌ للأولى، والمعنى: طهّرَكم من الجنابة؛ لأنها كانت من رجز الشيطان وتخييله. وقُرئ: ((رجس))(٥)، وهو بمعنى الرِّجز. -﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يقوِّيها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعدُ بمشاهدةٍ طلائعه. وأصلُ الربط: الشدُّ، ويقال لمن صبَرَ على الشيء: ربَطَ نفسَه عليه. (١) المحتسب ٢٧٤/١، والبحر المحيط ٤٦٨/٤. (٢) في المحتسب ٢٧٤/١ . (٣) مادة: (موه). (٤) الدر المنثور ١٧١/٣. (٥) في المحتسب ٢٧٥/١، والبحر ٤٦٩/٤. الآية : ١٢ ٤٧ سُورَةُ الأَنْفَِّ قال الواحديُّ(١): ويُشبه أن تكون ((على)) صلةً، أي: وليربطً قلوبكم. وقيل: الأصلُ ذلك، إلا أنه أتى بـ ((على)) قصداً للاستعلاء، وفيه إيماءٌ إلى أن قلوبَهم قد امتلأتْ من ذلك، حتى كأنَّه علا عليها، وفي ذلك من إفادة التمكُّنِ ما لا يخفى. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾﴾ ولا تَسُوخَ في الرمل، فالضمير للماء کالأول. وجوِّز أن يكون للرَّبط؛ والمرادُ بتثبيت الأقدام- كما قال أبو عُبيدة- جعلُهم صابرين، غيرَ فارِّين، ولا متزلزلين(٢). ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَئِكَةِ﴾ متعلِّق بمضمرٍ مستأنفٍ، أي: اذكر، خُوطب به النبيُّ نَّهِ بطريقِ التَّجريدِ حسبما ينطِقُ به الكاف. وقيل: منصوبٌ بـ ((یثبت))، ویتعیَّن حينئذٍ عَوْد الضمير المجرور في ((به)) إلى الربط؛ ليكون المعنى: ونُثَبِّتَ الأقدامَ بتقويةٍ قلوبكم وقتَ الإيحاء إلى الملائكة، والأمرِ بتثبيتهم إياكم، وهو وقت القتال. ولا يصحُّ أن يعود إلى الماء؛ لتقدُّم زمانه على زمان ذلك، وقال بعضُهم: يجوز ذلك؛ لأنَّ التثبيتَ بالمطر باقٍ إلى زمانه، أو يُعتبر الزمانُ متَّسعاً قد وقع جميعُ المذكور فيه، وفائدةُ التقیید التذکیرُ بنعمةٍ أخرى، والإيماءُ إلى اقترانِ تثبيتِ الأقدام بتثبيت القلوب المأمور به الملائكةُ الذين لا يعصون الله ما أمَرَهم ويفعلون ما يؤمرون، أو الرمزُ إلى أن التقويةَ وقعتْ على أتمِّ وجهٍ. وقيل: هو بدلٌ ثالث من ((إذ يعدكم))، ويُبعِدُه تخصيصُ الخطاب بسيِّد المخاطبين عليه الصلاة والسلام. واختار بعضُ المحقّقين الأولَ مدَّعياً أن في الثاني تقييدَ التثبيت بوقتٍ مبهم، وليس فيه مزيدُ فائدة، وفي الثالث إباءُ التخصيص عنه، مع أنَّ المأمور به ليس من (١) في الوسيط ٢/ ٤٤٧ . (٢) مجاز القرآن ١/ ٢٤٢. وقد تعقبه الطبري في تفسيره ٦٨/١١ -٦٩، قائلاً: وذلك قول خلاف لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين ... ثم ذكر أن معناه: ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابهم. سُورَةُ الأَفَاك ٤٨ الآية : ١٢ الوظائف العامة للكلِّ كسائر أخواته، ولا يستطيعُهُ غيرُه عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ الوحي المذكورَ قبل ظهوره بالوحي المذكور(١). ولا يخفى على المتأمِّل أنَّ ما ذُكر لا يقتضي تعيُّنَ الأول، نعم يقتضي أولويَّتَه. والمراد بـ ((الملائكة)): الملائكةُ الذين وقَعَ بهم الإمدادُ، وصيغةُ المضارع لاستحضار الصورة، والمعنى: إذ أَوْحَى. ﴿أَنِى مَعَكُمْ﴾ أي: معينُكم على تثبيتِ المؤمنين، ولا يمكن حمله على إزالةٍ الخوف كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ لأن الملائكةَ لا يخافون من الكَفَرة أصلاً، وما تُشعر به كلمة ((مع)) من متبوعيَّة الملائكة لا يضرُّ في مثل هذه المقامات، وهو نظير: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّهُبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ونحوه، والمنسبكُ مفعولُ (یوحي)). وقرئ: ((إني)) بالكسر على تقدير القول، أي: قائلاً: إني معكم، أو إجراء الوحي مجراه؛ لكونه متضمّناً معناه(٢). والفاءُ في قوله سبحانه: ﴿فَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لترتيب ما بعدَها على ما قبلَها، والمرادُ بالتثبيت: الحملُ على الثباتِ في موطنِ الحرب، والجِدِّ في مقاساة شدائد القتال قالاً أو حالاً، وكان ذلك هنا - في قولٍ - بظهورهم لهم في صورةٍ بشريةٍ يعرفونها، ووَعْدِهم إياهم النصرَ على أعدائهم؛ فقد أخرج البيهقيُّ في ((الدلائل))(٣) أن المَلَك كان يأتي الرجلَ في صورة الرجل يعرفُه، فيقول: أبشروا؛ فإنهم ليسوا بشيء، واللهُ معكم، کرّوا عليهم. وجاء في روايةٍ: كان المَلَك يتشبَّه بالرجل، فيأتي ويقول: إني سمعتُ المشركين يقولون: والله لئن حَمَلوا علينا لنُكشفنَّ، ويمشي بين الصفين ويقول: أبشروا؛ فإن الله تعالى ناصرُكم. (١) جاءت العبارة في تفسير أبي السعود ١٠/٤: لأن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المتلوّ على لسانه عليه الصلاة والسلام ليس من النعم التي يقف عليها عامة الأمة كسائر النعم السابقة التي أُمروا بذكر وقتها بطريق الشكر. (٢) البحر المحيط ٤٦٩/٤، ونسب القراءة إلى عيسى بن عمر بخلاف عنه. (٣) ٥٣/٣. الآية : ١٢ ٤٩ سُورَقُ الأَفَّا وقال الزجاج(١): كان بأشياء يُلقونها في قلوبهم تصحُّ بها عزائمُهم، ويتأَّد جدُّهم، وللمَلَك قوةُ إلقاء الخير في القلب، ويقال له: إلهامٌ، كما أنَّ للشيطان قوةً إلقاء الشرِّ، ويقال له: وسوسة. وقيل: كان ذلك بمجرَّد تكثير السواد. وعن الحسن: أنه كان بمحاربة أعدائهم. وذهب إلى ذلك جماعةٌ، وجعلوا قولَه تعالى: ﴿سَأُلِّقِى فِ قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ تفسيراً لقوله تعالى: (أَنِ مَعَكُمْ)، كأنه قيل: إني معكم في إعانتهم بإلقاء الرُّعب في قلوبٍ أعدائهم. و((الرُّعب)) بضم فسكون - وقد يقال بضمَّتين، وبه قرأ ابنُ عامرٍ والكسائيُّ(٢) -: الخوفُ، وانزعاجُ النفس بتوقُّع المكروه، وأصلُه التقطيعُ، من قولهم: رَغَّبْتُ السَّنام ترعيباً: إذا قطعتَه مستطيلاً، كأن الخوفَ يقطع الفؤاد، ويقطع السرور بضده، وجاء: رَعَب السيلُ الوادي: إذا ملأه، كأنَّ السيل قطَعَ السلوك فيه، أو لأنه انقطَعَ إليه من كلِّ الجهات. وجعلوا قولَه سبحانه وتعالى: ﴿فَأَضْرِبُوا﴾ إلخ تفسيراً لقوله تبارك وتعالى: (فَبِتُوا) مبيِّن(٣) لكيفية التثبيت. وقد أخرج عَبْد بنُ حُمَيد وابنُ مردويه عن أبي داود المازنيِّ قال: بينا أنا أتبعُ رجلاً من المشركين يوم بدرٍ، فأهويتُ بسيفي إليه، فوقع رأسُه قبل أن يصلَ سيفي إليه، فعرفت أنه قتَلَه غيري(٤). وقال ابنُ عباس ﴿ا: بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أَثَر رجلٍ من المشركين أمامَه، إذ سمِعَ ضربةً بالسَّوط فوقَه، وقائلاً يقول: أقدِمْ حَیْزُوم، فخرَّ المشركُ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد حُطِمَ وشُقَّ وجهُه، فجاء فحدَّث بذلك رسولَ الله وَّه، فقال: ((صدقتَ، ذلك من مدَدِ السماء الثالثة))(٥). (١) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٤. (٢) وكذلك قرأ به أبو جعفر ويعقوب. النشر ٢١٦/٢. (٣) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ١٠/٤- والكلام منه -: مبيناً، وهو الصواب. (٤) الدر المنثور ١٧٣/٣، وأخرجه مسلم في سياق حديث طويل (١٧٦٣). (٥) أخرجه أحمد (٢٣٧٧٨). سُوَرَُّ الأَنْفَِّ ٥٠ الآية : ١٢ وجوَّز بعضُهم أن يكون التثبيتُ بما يُلقون إليهم من وَعْد النصر، وما يتقوَّى به قلوبُهم في الجملة، وقولُه سبحانه وتعالى: (سَأُلْقِى) إلخ جملةٌ استئنافيةٌ جاريةٌ مجرى التعليل لإفادة التثبيت بأنه(١) مصدّقُه ومبيِّنُه؛ لإعانته إيَّاهم على التثبيت، وقولُه سبحانه وتعالى: (فَأَضْرِبُوا) إلخ جملة مستعقبة للتثبيت، بمعنى: لا تقتصِروا على تثبيتهم، وأمدُّوهم بالقتال عَقِيبَه من غيرِ تراخٍ، وكأنَّ المعنى: إني معكم فيما آمرُكم به، فثبِّتوا واضربوا. وجيء بالفاء للنكتّةِ المذكورة، ووُسِّط (سَأَلِّقِى) تصديقاً للتثبيت، وتمهيداً للأمر بعده. وعلى الاحتمالين تكونُ الآيةُ دليلاً لمن قال: إنَّ الملائكة قاتلت يومَ بدٍ . وقال آخرون: التثبيتُ بغيرِ المقاتلة، وقولُه عز وجل: (سَأُلِِّى) تلقينٌ منه تعالى للملائكة على إضمار القول على أنه تفسيرٌ للتثبيت، أو استئنافٌ بيانيٌّ، والخطابُ في ((فاضربوا)) للمؤمنين صادراً من الملائكة حكاه الله تعالى لنا، وجُوِّز أن يكون ذلك الكلامُ من جملة الملقَّن داخلاً تحت القول، كأنه قيل: قولوا لهم قولي: (سألقي)) إلخ، أو كأنه قيل: كيف نثبِّتُهم؟ فقيل: قولوا لهم قولي ((سألقي)) إلخ، ولا يخفى أنَّ هذا القول أضعفُ الأقوال معنى ولفظاً. وأما القولُ بأنَّ ((فاضربوا)» إلخ خطابٌ منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوين، فمبناه توهُّم ورودِهِ قبل القتال، وأنَّى ذلك والسورةُ الكريمة إنَّما نزلت بعد تمام الواقعة؟ وبالجملةِ الآيةُ ظاهرةٌ فيما يدّعيه الجماعةُ من وقوع القتال من الملائكة. ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي: الرؤوس، كما رُوي عن عطاءٍ وعكرمة، وكونُها فوقَ الأعناق ظاهرٌ. وأما المذابحُ- كما قال البعض- فإنها في أعالي الأعناق، و((فوق)) باقيةٌ على ظرفيَّتها؛ لأنَّها لا تتصرَّف، وقيل: إنها مفعولٌ به، وهي بمعنى الأعلى إذا كانت بمعنى الرأس، وقيل: هي هنا بمعنى على، والمفعولُ محذوفٌ، أي: فاضربوهم على الأعناق، وقيل: زائدةٌ، أي: فاضربوا الأعناق. (١) في (م): لأنه. الآية : ١٣ ٥١ سُؤَدَّةُ الأَنْفَّالِ ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾﴾ قال ابنُ الأنباريِّ: البَنانُ أطرافُ الأصابع من اليدين والرجلين، والواحدةُ بَنانة، وخَصَّها بعضُهم باليد. وقال الراغب(١): هي الأصابعُ، وسُمِّيت بذلك لأنَّ بها إصلاحَ الأحوال التي بها يمكن للإنسان أن يِنَّ، أي: يقيم، من: أَبَنَّ بالمكان وبَنَّ: إذا أقام، ولذلك خُصَّ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ تَُّوِىَ بَنَهُ﴾ [القيامة: ٤] وما نحنُ فيه؛ لأجل أنهم بها يُقاتلون ويُدافعون. والظاهرُ أنها حقيقةٌ في ذلك، وبعضُهم يقول: إنها مجازٌ فيه، من تسمية الكلِّ باسم الجُزْء. وقيل: المراد بها هنا مطلقُ الأطراف؛ لوقوعِها في مقابلةِ الأعناق والمَقَاتل، والمراد: اضربوهم كيفما اتفَقَ من المَقَاتل وغيرِها، وآثَرَه في ((الكشاف))(٢). وفي رواية عن ابن عباس ﴿ّا أنها الجسدُ كلُّه في لغة هُذَيل، ويقال فيها: بنام بالمیم . وتكريرُ الأمرِ بالضرب لمزيدٍ التشديد، والاعتناء بأمره. ((ومنهم)) متعلِّق به، أو بمحذوف وقع حالاً من ((كلّ بنان))، وضُعِّف كونُه حالاً من ((بنان)) بأنَّ فيه تقديمَ حالِ المضاف إليه على المضاف. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الضرب والأمرِ به، أو إلى جميع ما مرَّ. والخطابُ لرسول الله وَّهِ، أو لكلِّ مَنْ ذُكر قبلُ من الملائكة والمؤمنين على البَدَل، أو لكلِّ أحدٍ ممَّن يليقُ بالخطاب. وجُوِّز أن يكون خطاباً للجمع، والكافُ تُفْرَد مع تعدُّد مَنْ خُوْطب بها، وليست كالضمير على ما صرَّحوا به. ومحلُّ الاسم الرفعُ على الابتداء، وخبرُه قوله سبحانه وتعالى: ﴿يأَنَّهُمْ شَآَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَةٌ﴾ وقال أبو البقاء: إنَّ ((ذلك)) خبرُ مبتدأ محذوف، أي: الأمرُ ذلك(٣). وليس الأمرُ ذلك. والباءُ للسببية. (١) في مفردات ألفاظ القرآن: (بنّ). (٢) ١٤٨/٢. (٣) الإملاء ١٠٠/٣. سُورَةُ الأَفَّاِ ٥٢ الآية : ١٤ والمشاقّة: العداوةُ، سُمِّيت بذلك أخذاً من شَقِّ العصا، وهي المُخالَفة، أو لأنَّ كلَّا من المتعادِيَيْن يكون في شقِّ غيرِ شقِّ الآخر، كما أن العداوةَ سُميت عداوةً لأنَّ كلَّ منهما في عَدْوةٍ، أي: جانبٍ، وكما أن المخاصمةَ من الخَصْم بمعنى الجانب أيضاً، والمراد بها هنا: المخالفةُ، أي: ذلك ثابتٌ لهم، أو واقعٌ عليهم بسبب مخالفتهم لمن لا ينبغي لهم مخالفتُه بوجهٍ من الوجوه. ﴿وَمَنْ يُشَافِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يُخالف أمرَ الله تعالى ورسولِهِ عليه الصلاة والسلام. والإظهارُ في مقامِ الإضمار لتربيةِ المَهَابة، وإظهار كمالٍ شناعة ما اجترؤوا عليه، والإشعارِ بعِلِّية الحكم، و: ((بئس خطيبُ القوم أنت))(١) اقتضاه الجمعُ على وجهٍ لا يَبِينُ منه الفرق ممَّن هو في رِبْقة التكليف؛ وأين هذا من ذاك لو وقَعَ ممن لا حَجْرَ علیه؟ وإنما لم يُدْغم المِثْلان لأنَّ الثاني ساكنٌ في الأصل، والحركةُ لالتقاء الساكنين، فلا يُعتدُّ بها . وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴾ إما نفسُ الجزاء قد حُذِف منه العائدُ عند من يلتزمُه ولا يكتفي بالفاء في الرَّبط، أي: شديدُ العقاب له، أو تعليلٌ للجزاء المحذوف، أي: يُعاقِبْه الله تعالى؛ فإنَّ الله شديد العقاب، وأيًّا ما كان فالشرطيةُ بيانٌ للسَّببية السابقة بطريق برهانيٍّ، كأنه قيل: ذلك العقابُ الشديدُ بسبب المُشاقَّة لله تعالى ورسولهِ عليه الصلاة والسلام، وكلُّ من يُشاقق الله ورسولَه كائناً مَنْ كان فله بسبب ذلك عقابٌ شديد، فإذَنْ لهم بسببٍ مُشاقَّة الله ورسوله عقابٌ شديد. وقيل: هو وعيدٌ بما أعدَّ لهم في الآخرة بعد ما حاقَ بهم في الدنيا . قال بعضُ المحققين(٢): ويرُدُّه قولُه سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾﴾ فإنه - مع كونه هو المسوقَ للوعيد بما ذُكر - ناطقٌ بكون (١) جزء من حديث أخرجه مسلم (٨٧٠)، وفيه قصة، وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٦٥) من سورة النمل، وعند تفسير الآية (٥٦) من سورة الأحزاب. (٢) هو أبو السعود في تفسيره ١٠/٤-١١. الآية : ١٤ ٥٣ سُورَةُ الأَفَّالِ المراد بالعقاب المذكورِ ما أصابهم عاجلاً، سواء جُعل ((ذلكم)) إشارةً إلى نفس العقاب، أو إلى ما تفيدُه الشرطيةُ من ثبوته لهم، أما على الأول فلأنَّ الأظهر أن محلَّه النصبُ بمضمرٍ يستدعيه ((فذوقوه)»، والواو في ((وأنَّ للكافرين)) إلخ بمعنى مع، فالمعنى: باشروا ذلكم العقابَ الذي أصابَكم، فذوقوه عاجلاً مع أنَّ لكم عذابَ النار آجلاً، فوقع الظاهرُ موضع المضمر؛ لتوبيخهم بالكفر، وتعليلِ الحكم به، وأما على الثاني فلأنَّ الأقرب أنَّ محلَّه الرفعُ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وقولُه سبحانه وتعالى: (وَأَنَ) إلخ معطوفٌ عليه، والمعنى: حكمُ اللهِ تعالى ذلكم، أي: ثبوتُ هذا العقابِ لكم عاجلاً، وثبوتُ عذابِ النار آجلاً، وقوله تعالى: (فَذُوقُوهُ) اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوفين للتَّهديد، والضميرُ على الأول لنفسِ المشار إليه، وعلى الثاني لما في ضمنه. اهـ. واعتُرض على الاحتمال الأول بأنَّ الكلامَ عليه من باب الاشتغال، وهو إنما يصحُّ لو جوَّزنا صحةً الابتداء في ((ذلكم))، وظاهرٌ أنه لا يجوزُ؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يكونُ خبراً إلا إذا كان المبتدأُ موصولاً، أو نكرةً موصوفةً. ورُدَّ بأنه ليس مثَّفَقاً عليه؛ فإنَّ الأخفشَ جوَّزه مطلقاً، وتقديرُ: باشروا، ممَّا استحسنه أبو البقاء(١) وغيرُه، قالوا: لتكون الفاءُ عاطفةً، لا زائدةً أو جزائيةً كما في نحو: زيداً فاضرِبْه، على كلامٍ فيه. وبعضُهم يُقدِّر: عليكم، اسمَ فعلٍ. واعترضَه أبو حيان(٢) بأن أسماء الأفعال لا تُضمر. واعتذر عن ذلك الحلبيُّ(٣) بأن من قدَّر لعلَّه نحا نحوَ الكوفيين؛ فإنَّهم يُجرون اسمَ الفعل مجرى الفعل مطلقاً، ولذلك يُعمِلونه متأخّراً، نحو: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وما أشار إليه كلامُه من أنَّ قوله سبحانه وتعالى: (وَأَنتَ لِلْكَفِرِينَ) إلخ منصوب على أنه مفعولٌ معه على التقدير الأول = لا يخلو عن شيء؛ فإنَّ في نصب المصدر (١) في الإملاء ١٠١/٣. (٢) في البحر المحيط ٤/ ٤٧٢ . (٣) في الدر المصون ٥٨٢/٥. سُورَةُ الأَفَّاِ ٥٤ الآية : ١٥ المؤوَّل على أنه مفعولٌ معه نظراً، ومن هنا اختار بعضُهم العطفَ على ((ذلكم)) كما في التقدير الثاني، وآخرون اختاروا عطفه على قوله تعالى: (أَنِّ مَعَكُمْ) داخلٌ معه تحتَ الإيحاء، أو على المصدر في قوله سبحانه وتعالى: (يِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولاً). ولا يخفى أن العطفَ على ((ذلكم)) يستدعي أن يكون المعنى: باشروا، أو: عليكم، أو: ذوقوا، وأنَّ للكافرين عذاب النار، وهو ممَّا يأباه الذَّوق، ولذا قال العلامةُ الثاني: إنه لا معنى له. والعطفان الآخران لا أدري أيُّهما أمرُّ من الآخر، ولذلك ذهبَ بعضُ المحقّقين إلى اختيارٍ كون المصدر خبرَ مبتدأ محذوف، أو مبتدأً خبرُه محذوف، وقيل: هو منصوبٌ باعلموا . ولعلَّ أهونَ الوجوه في الآية الوجهُ الأخير. والإنصافُ أنها ظاهرةٌ في كون المراد بالعقاب ما أصابَهم عاجلاً، والخطابُ فيها مع الكَفَرة على طريق الالتفات من الغَيبة في ((شاقُّوا)) إليه، ولا يُشترط في الخطاب المعتبرِ في الالتفاتِ أن يكون بالاسم كما هو المشهور، بل يكونُ بنحوِ ذلك أيضاً، بشرط أن يكون خطاباً لمن وقَعَ الغائبُ عبارةً عنه، کذا قيل، وفيه كلام. وقرأ الحسن: ((وإنَّ للكافرين)) بالكسر (١)، وعليه فالجملةُ تذييليةٌ، واللام للجنس، والواو للاستئناف. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ خطابٌ للمؤمنين بحكم كليٍّ جارٍ فيما سيقعُ من الوقائع والحروب، جيءَ به في تضاعيف القصّة إظهاراً للاعتناء به، وحثًّا على المحافظة عليه . ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا﴾ الزحفُ كما قال الراغب(٢): انبعاثٌ مع جرِّ الرِّجْل، كانبعاثِ الصبيِّ قبل أن يمشي، والبعير المُعيي، والعسكر إذا كَثُر فتعثَّر انبعاُه. (١) القراءات الشاذة ص٤٩، وزاد أبو حيان في البحر ٤٧٣/٤ نسبتها إلى زيد بن علي، وسليمان التيمي. (٢) في مفردات ألفاظ القرآن (زحف). الآية : ١٥ ٥٥ سُورَةُ الأَفَِّك وقال غيرُ واحد: هو الذَّبيب، يقال: زحَفَ الصبيُّ: إذا دبَّ على اسْتِهِ قليلاً قليلاً، ثم سُمِّي به الجيشُ الدَّهم المتوجّه إلى العدو؛ لأنه - لكثرته وتکاتُفه ۔ یُری كأنه يزحف؛ لأن الكلَّ يُرى كجسمٍ واحد متصلٍ، فتحسُّ حركتُه بالقياس في غاية البطء، وإن كانت في نفس الأمر في غاية السرعة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَرَى اَلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وقال قائلهم: وأرعَنَ مثل الظّودِ تحسب أنه وقوفٌ لحاجٍ والرِّكاب تُهَمْلِجُ(١) ويُجمع على زُحُوف؛ لأنه خرج عن المصدرية. ونصبُه إما على أنه حالٌ من مفعول (لقيتم))، أي: زاحفين نحوَكم، أو على أنه مصدرٌ مؤكِّد لفعلٍ مضمَرٍ هو الحال منه، أي: يزحفون زحفاً . وجُوِّز كونُه حالاً من فاعله، أو منه ومن مفعوله معاً. واعتُرض بأنه يأباه قوله تعالى: ﴿فَلَ تُوُلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾﴾ إذ لا معنى لتقييد النَّهي عن الإدبار بتوجُّههم السابقِ إلى العدوِّ وبكثرتهم، بل توجُّهُ العدوِّ إليهم وكثرتُهم هو الداعي إلى الإدبار عادةً، والمحوجُ إلى النهي، وحملُه على الإشعار بما سيكونُ منهم يوم حُنين حين تولَّوا وهم اثنا عشر ألفاً بعيدٌ. انتهى. وأجيب بأنَّ المراد بالزَّحف ليس إلا المشي للقتال من دون اعتبار كثرةٍ أو قلةٍ، وسُمِّي المشي لذلك به؛ لأنَّ الغالبَ عند ملاقاةِ الطائفتين مشيُ إحداهما نحو الأخرى مشياً رويداً، والمعنى: إذا لقيتُم الكفار ماشين لقتالهم، متوجّهين لمحاربتهم، أو ماشياً كلُّ واحدٍ منكم إلى صاحبِهِ، فلا تُدبروا. وتقييدُ النهي بذلك لإيضاح المراد بالملاقاة، ولتفظيع أمرِ الإدبار؛ لما أنه منافٍ لتلك الحال، كأنه قيل: حيث أقبلتُم فلا تُدبروا. وفيه تأمُّل. والمراد من تولية الأدبار: الانهزامُ؛ فإنَّ المنهزمَ يولِّي ظهرَه مَن انهزم منه. (١) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص ١٨٧. وقوله: لحاج، تحرف في الأصل و(م) إلى: لجاج، والمثبت من الديوان. وقوله: أرعن؛ قال في الصحاح: (رعن): الرعن: أنف الجبل المتقدم، ثم يشبه به الجيش فيقال: جيش أرعن. اهـ. والهَمْلَجَة: مشي الهِمْلاج من البراذين، فارسي معرب. المعرب للجواليقي ص٣٩٨. سُورَةُ الأَفَاِ ٥٦ الآية : ١٦ وعدَلَ عن لفظ الظهور إلى الأدبار تقبيحاً للانهزام، وتنفيراً عنه. وقد يقال: الآيةُ على حدٍّ ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِفَةٌ﴾ [الإسراء: ٣٢]. والمعنى على تقدير الحاليةِ من المفعول كما هو ظاهر، واعتبارِ الكثرةِ في الزَّحف، وكونها بالنسبة إليهم: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتُم أعداءكم الكفرةَ للقتال وهم جمعٌ جمٌّ، وأنتم عددٌ نَزْرٌ، فلا تُوَلُّوهم أدبارَكم، فضلاً عن الفرار، بل قابلوهم، وقاتلوهم مع قِلَّتكم، فضلاً عن أن تُدانوهم في العدد أو تساؤُوهم. ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يومَ اللقاء ووقتَه ﴿دُبُّرَهُ﴾ فضلاً عن الفرار. وقرأ الحسنُ بسكون الباء (١). ﴿إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِنَالٍ﴾ أي: تاركاً موقِفَه إلى موقفٍ أصلَحَ للقتال منه، أو متوجُّهاً إلى قتالِ طائفةٍ أخرى أهمَّ من هؤلاء، أو مستطرداً يريد الكرَّ، كما رُوي عن ابن جبير څله. ومن كلامهم: والحربُ كرٌّ وفرُّ نفرٌ ثم نكرُّ وقد يصير ذلك من خُدَع الحرب ومكايدها، وجاء: ((الحرب خدعة))(٢). وأصل التحرُّف على ما في ((مجمع البيان))(٣): الزَّوالُ عن جهةِ الاستواء إلى جهة الحرف، ومنه الاحترافُ: وهو أن يقصِدَ جهةً من الأسباب طالباً فيها رزقَه. ﴿أَوْ مُتَحَيْرًّا إِلَى فِئَةِ﴾ أي: منحازاً إلى جماعة أخرى من المؤمنين، ومنضمًا إليهم، وملحقاً بهم؛ ليقاتلَ معهم العدوَّ. والفئةُ: القطعةُ من الناس، ويقال: فَأَوتُ رأسَه بالسيف: إذا قطعتَه. وما ألطَفَ التعبيرَ بالفئة هنا! واعتبر بعضُهم كونَ الفئة قريبةً للمتحيِّز ليستعين بهم، وكأنه مبنيٌّ على التعارف، ولم يعتبر ذلك آخرون اعتباراً للمفهوم اللغويِّ، ويؤيِّده ما أخرجه أحمدُ وابن ماجه وأبو داود، والترمذيُّ وحسَّنه، والبخاريُّ في ((الأدب المفرد)» واللفظ له، عن ابن عمر ﴿ثا قال: كنَّا في غزوة، فحاصَ الناس حيصةً، قلنا: كيف نلقى النبيَّ ◌َّ وقد (١) القراءات الشاذة ص٤٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٥. (٢) أخرجه البخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠) من حديث أبي هريرة له، وسلف ٤٢٠/١. (٣) مجمع البيان ٩ (تتمة) / ١٢١ . الآية : ١٦ ٥٧ سُورَةُ الأَفَّالِ فَرَرْنا من الزَّحفِ وبُؤْنا بالغضب؟ فأتينا النبيَّ وَّه قبل صلاةِ الفجر، فخرج فقال: ((من القومُ؟)) فقلنا: نحن الفارُّون، فقال: ((لا، بل أنتُم العكَّارون)). فقبّلنا يدَه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أنا فئتُكم، وأنا فئةُ المسلمين)) ثم قرأ: (إِلَّا مُتَحَدِّقًا ◌ِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًّا إِلَى فِئَةٍ)(١). والعَّارون: الكرَّارون إلى الحرب، والعطّافون نحوها . وبما رُوي أنه انهزم رجلٌ من القادسية، فأتى المدينةَ إلى عمر ◌َبه، فقال: يا أمير المؤمنين، هلكتُ؛ فررتُ من الزَّحف. فقال عمر ◌َظُبه: أنا فتْتُكَ. وبعضُهم يحمل قولَه عليه الصلاة والسلام: ((أنتُم العّارون)) على تسليتهم وتطييبٍ قلوبهم، وحَمْل الكلام كلِّه في الخبرين على ذلك بعيدٌ. نعم إن ظاهرَهما يستدعي أن لا يكاد يوجد فارٌّ من الزَّحف. ووزن ((متحيِّز)) مُتَفَيْعِل، لا مُتَفَعِّل، وإلا لكان متحوِّزاً؛ لأنه مِن حاز يحوز، وإلى هذا ذهب الزمخشريُّ(٢) ومن تبعه. وتُعُقِّب بأن الإمام المرزوقيَّ ذكر أنَّ تديَّر تفعَّلَ مع أنه واويٌّ؛ نظراً إلى شيوع ديَّار(٣)، وعليه فيجوز أن يكون تحيَّز تفعَّل، نظراً إلى شيوع الحَيِّز بالياء، فلهذا لم یجئ تدوَّر وتحوَّز. : وذكر ابنُ جنيٌّ أن ما قالَه هذا الإمامُ هو الحقُّ(٤)، وأنهم قد يعدُّون المنقلبَ كالأصليِّ، ويُجْرون عليه أحكامَه كثيراً، لكنَّ في دعواه نفي تحوَّز نظراً؛ فإنَّ أهل (١) مسند أحمد (٥٣٨٤)، وسنن ابن ماجه (٣٧٠٤)، وسنن أبي داود (٢٦٤٧)، وسنن الترمذي (١٧١٦)، والأدب المفرد (٩٧٢). ورواية ابن ماجه مختصرة على ذكر تقبيل يد النبي وَهر، ولذلك اعترض الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار ١٧/٢ على المنذري لعزوه الحديث لابن ماجه؛ لأنه لم يذكر منه سوى هذا الجزء. (٢) في الكشاف ١٤٩/٢ . (٣) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢/ ٥٩٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٦٠/٤. (٤) عبارة المصنف توهم أن ابن جني ينقل عن المرزوقي، والكلام من حاشية الشهاب ٤/ ٢٦٠، ولفظه: ما ذكره الإمام المرزوقي أيده بعض النحاة، وذكر ابن جني في إعراب الحماسة أنه هو الحق، وأنهم ... إلخ. سُورَةُ الْأَنفَّاِ ٥٨ الآية : ١٦ اللغة قالوا: تحوَّز وتحيَّز، كما يدلُّ عليه ما في ((القاموس))(١)، وقال ابنُ قتيبة: تحوَّز تفعَّل، وتحيَّ تَفَيْعل. وهذه المادةُ في كلامهم تتضمَّن العدولَ من جهةٍ إلى أخرى، من الحَيِّز بفتح الحاء وتشديد الياء، وقد وهم فيه مَنْ وهم، وهو فناءُ الدَّار ومرافقُها، ثم قيل لكل ناحية، فالمستقِرُّ في موضعه كالجبل لا يقال له: متحيِّز، وقد يطلقُ عندهم على ما يُحيط به حيِّز موجود، والمتكلمون يريدون به الأعمَّ، وهو كلُّ ما أُشير إليه، فالعالَم کلُّه متحیِّز. ونصبُ الوصفين على الحالية، و((إلا)) ليست عاملةً، ولا واسطةً في العمل، وهو معنى قولهم: لغوٌ، وكانت كذلك لأنه استثناء مفرٌَّ من أعمِّ الأحوال، ولولا التفريغُ لكانت عاملةً أو واسطةً في العمل على الخلاف المشهور، وشرطُ الاستثناء المفرَّغ أن يكون في النفي أو صحَّة عموم المستثنى منه، نحو: قرأتُ إلا يومَ كذا، ومنه ما نحن فيه، ويصحُّ أن يكون من الأول باعتبار أنَّ ((يوَلِّي)) بمعنى: لا يُقْبِل على القتال، ونظيرُ ذلك ما قالوا في قوله عليه الصلاة والسلام: ((العالم هَلكى إلا العالمون)) الحديث(٢). وجوِّز أن يكون على الاستثناء من المولِّين، أي: من يولِّهم دُبُرَه إلا رجلاً متحرِّفاً لقتالٍ أو متحيِّزاً ﴿فَقَدْ بَآءَ﴾ أي: رجَعَ ﴿يِغَضَبٍ﴾ عظيم لا يقادَرُ قدرُه، وحاصلُه: المولّون إلا المتحرِّفين والمتحیِّزين لهم ما ذُكِرَ. ﴿مِّنَ اَللَّهِ﴾ صفةٌ ((غضبٍ)) مؤكِّدة لفخامتِهِ، أي: بغضبٍ كائنٍ منه تعالى شأنه . ﴿وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمٌ﴾ أي: بدل ما أراد بفراره أن يأوي إليه من مأوى يُنجيه من القتل. ﴿وَبِئْسَ الْصِيرُ ﴾﴾ جهنّم. (١) مادة: (حوز). (٢) أورده الصغاني في الموضوعات (٣٩)، وقال: وهذا الحديث مفترى وملحون، والصواب في الإعراب: إلا العالمين. وقد سلف الحديث بتمامه ٢٨٢/٢. وانظر ما نقله العجلوني في كشف الخفاء ٤١٥/٢ عن إعراب: العالمون. الآية : ١٦ ٥٩ سُورَةُ الأَنْفَّاِ ولا يخفى ما في إيقاع البَوْء في موقع جواب الشرط الذي هو التَّولية مقروناً بذِكْر المأوى والمصير من الجَزالة التي لا مزيدَ عليها . وفي الآية دلالةٌ على تحريم الفرار من الزَّحف على غير المتحرِّف أو المتحيِّز، وأخرج الشيخان وغيرُهما عن أبي هريرة ﴿له، عن النبي وَلقر أنه قال: ((اجتنبوا السَّبع المُوبقات)). قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: ((الشِّركُ بالله تعالى، والسِّحر، وقتلُ النَّفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ، وأكل الرِّبا، وأكلُ مال اليتيم، والتولِّي يومَ الزَّحف))(١). وجاء عدُّه في الكبائر في غيرِ ما حديثٍ. قالوا: وهذا إذا لم يكن العدوُّ أكثرَ من الضِّعف؛ لقوله تعالى: ﴿اَلْتَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]، أما إذا كان أكثرَ فيجوزُ الفرارُ، فالآيةُ ليست باقيةً على عمومها، وإلى هذا ذهبَ أكثرُ أهل العلم. وأخرج الشافعيُّ وابنُ أبي شيبة عن ابن عباس ﴿ّا أنه قال: مَنْ فرَّ من ثلاثةٍ فلم يفرَّ، ومن فرَّ من اثنين فقد فرَّ(٢). وسُمِّي هذا التخصيصُ نسخاً، وهو المرويُّ عن [عطاء بن](٣) أبي رباح. وعن محمد بن الحسن أن المسلمين إذا كانوا اثني عشر ألفاً لم يَجُزِ الفرار، والظاهرُ أنه لا يجوز أصلاً؛ لأنهم لا يُغلبون عن قِلَّة كما في الحديث(٤). ورُوي عن عمر، وأبي سعيد الخُذْري، وأبي نَضْرة، والحسن- وهي رواية عن الحَبْر أيضاً - أنَّ الحکم مخصوصٌ بأهل بدر. وقال آخرون: إن ذلك مخصوصٌ بما ذُكر، وبجيشٍ فيه النبيُّ نَّهِ، وعلَّلوا ذلك بأنَّ وقعةَ بدرٍ أولُ جهادٍ وقع في الإسلام، ولذا تهيَّبوه، ولو لم يثبتوا فيه لزمَ مفاسدُ عظيمةٌ، ولا ينافيه أنه لم يكن لهم فئةٌ ينحازون إليها؛ لأن النظمَ لا يوجب وجودَها، وأما إذا كان النبيُّ نَِّ معهم فلأنَّ الله تعالى ناصرُه. (١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩) من حديث أبي هريرة ظله، وسلف تخريجه ٤٦٦/٥، والسابعة هي: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات. (٢) مسند الشافعي (٣٨٧)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ٥٣٧ . (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصل و(م)، والمثبت هو الصواب؛ فقد أخرجه عنه الطبري ٨٠/١١. (٤) أخرجه أحمد (٢٦٨٢) وغيره من حديث ابن عباس . ـرَةُ الأَنْفَاك ٦٠ التفسير الإشاري (١ - ١٦) وأنت تعلمُ أنه كان في المدينة خلقٌ كثير من الأنصار لم يخرجوا؛ لأنهم لم يعلموا بالنَّفير وظُّوها العِيْر فقط، وأن النبيَّ وَّـ حيث إنَّ الله تعالى ناصرُه - كان فئةً لهم. وقال بعضُهم: إنَّ الإشارة بـ ((يومئذٍ)) إلى يوم بدر لا تكادُ تصحُّ؛ لأنه في سياق الشَّرط، وهو مستقبل، فالآيةُ إن كانت نزلت يومَ بدرٍ قبل انقضاءِ القتال فذلك اليومُ فردٌ من أفراد أيام اللقاء(١)، فيكون عامًّا فيه لا خاصًّا به، وإن نزلت بعدَه فلا يدخلُ يومُ بدر فيه، بل يكون ذلك استئنافَ حكم بعدَه، و((يومئذ)) إشارةٌ إلى يوم اللقاء. ودُفع بأنَّ مراد أولئك القائلين أنَّها نزلت يومَ بدر، وقد قامت قرينةٌ على تخصیصھا، ولا بُعْدَ فیه. اهـ. وعندي أن السورةَ إنما نزلت بعد تمام القتال، ولا دليل على نزول هذه الآية قبلَه، والتخصيصُ المذكور مما لا يقوم دليلُه على ساق، ويدُ الله مع الجماعة، والله تعالى أعلم. هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إذ لم يرتفِعْ عنهم إذ ذاك حجابُ الأفعال ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: حكمُها مختصُّ بالله تعالى حقيقةً، وبالرسول مظهريةً . ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ بالاجتناب عن رؤية الأفعال برؤيةٍ فعلِ الله تعالى ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ بمحوِ صفات نفوسكم التي هي منشأُ صدورِ ما يوجبُ التنازُعَ والتخالفَ ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بفنائها؛ ليتيسَّر لكم قَبولُ الأمر بالإرادة القلبية الصادقة ﴿إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ. ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ﴾ كذلك ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ بملاحظةِ عظمتِهِ تعالى وكبريائه وسائرٍ صفاته، وهو ذِكْرُ القلب، وذِكْرُه سبحانه وتعالى بالأفعال ذِكْرُ النفس. ﴿وَِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت؛ لإشراق أنوار تجلياتِ تلك الصفات عليها . (١) في الأصل: من أفراد اللقاء، وفي (م): من أفراد يوم اللقاء، والمثبت من حاشية الشهاب ٤/ ٢٦١.