Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ٣
٣٥٩
سُورَةُ الْبَقَة
وقد اتفقت المصاحف على رسم الواو مكان الألف في مشكاة، ونجاة،
ومناة، وصلاة، وزكاة، وحياة، حيث كنَّ موحَّدات مفردات مُحلَّات باللام، وعلى
رسم المضاف منها كصلاتي بالألف، وحذفت من بعض المصاحف العثمانية(١)،
واتفقوا على رسم المجموع منها بالواو على اللفظ، قال الجعبري(٢): ووجه كتابة
الواو الدلالة على أنَّ أصلها المنقلبة عنه واو، وهو اتباعٌ للتفخيم، وهذا معنى قول
ابن قتيبة: بعض العرب يُميلون الألف إلى الواو، ولم أختر التعليل به لعدم وقوعه
في القرآن العظيم وكلام الفصحاء.
والمراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة، وهي الصلوات الخمس كما قاله
مقاتل، أو الفرائض والنوافل كما قاله الجمهور، والأول هو المرويُّ عن ابن
عباس ◌ًا، وادَّعى الإمام(٣) أنه هو المراد؛ لأنه الذي يقع عليه الفلاح؛
لأنه وَلولما بَّن للأعرابي صفة الصلاة المفروضة قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص
منها، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أفلح الأعرابيُّ إن صدق))(٤).
والرَّزق - بالفتح - لغة: الإعطاء لما ينتفع الحيوان به. وقيل: إنه يعمُّ غيره
کالنبات؛ وبالكسر اسم منه ومصدر أيضاً على قول.
وقيل: أصل الرزق الحظّ، ويستعمل بمعنى المرزوق المنتفع به، وبمعنى
الملك، وبمعنى الشكر عند أَزْد.
واختلف المتكلمون في معناه شرعاً، فالمعوَّل عليه عند الأشاعرة: ما ساقه الله
تعالى إلى الحيوان فانتفع به، سواء كان حلالاً أو حراماً، من المطعومات أو
المشروبات أو الملبوسات أو غير ذلك، والمشهور أنه اسمٌ لما يسوقه الله تعالى
إلى الحيوان ليتغذَّى به.
(١) كذا في الأصل و (م)، وفي حاشية الشهاب ٢٢٤/١ (والكلام منه): العراقية، وهو موافق
لما في المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار للداني ص٥٤ .
(٢) هو إبراهيم بن عمر بن إبراهيم، أبو إسحاق، عالم بالقراءات، من فقهاء الشافعية، صنف نزهة
البررة في القراءات العشرة، وشرح الشاطبية، توفي سنة (٧٣٢هـ). الدرر الكامنة ١/ ٥٥ - ٥٦ .
(٣) التفسير الكبير ٢٩/٢.
(٤) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١)، من حديث طلحة بن عبيد الله

سُورَةُ الْبَلْقَة
٣٦٠
الآية : ٣
ويلزم على الأول أن تكون العواري رزقاً؛ لأنها مما ساقه الله تعالى للحيوان
فانتفع به، وفي جعلها رزقاً بُعدٌ بحسب العرف كما لا يخفى، ويلزم أيضاً أن يأكل
شخصٌ رزقَ غيره؛ لأنه يجوز أن ينتفع به الآخر بالأكل، إلا أنَّ الآية توافقه؛ إذ
يجوز أن يكون الانتفاع من جهة الإنفاق على الغير، بخلاف التعريف الثاني؛ إذ
ما يتغذّى به لا يمكن إنفاقه، إلا أن يقال: إطلاق الرزق على المنفق مجاز لكونه
بصدده .
والمعتزلة فسَّروه في المشهور تارةً بما أعطاه الله تعالى عبده ومكّنه من التصرف
فيه، وتارةً بما أعطاه الله تعالى لقوامه وبقائه خاصة، وحيث إنَّ الإضافة إلى الله
تعالى معتبرةٌ في معناه، وإنه لا رازق إلا الله سبحانه، وإنَّ العبد يستحقُّ الذمَّ
والعقاب على أكل الحرام، وما يستند إلى الله تعالى عز وجل لا يكون قبيحاً
عندهم، ولا مرتكبه مستحقًّا ذمَّا وعقاباً، قالوا: إنَّ الرزق هو الحلال، والحرامُ
ليس برزق، وإلى ذلك ذهب الجصاص منَّا في كتاب ((أحكام القرآن))(١)، وعندنا:
الكلُّ منه وبه وإليه ﴿قُلْ كُلِّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ولا حول ولا قوة إلا بالله
و﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] والذمُّ والعقاب لسوء مباشرة الأسباب
بالاختيار، نعم الأدب من خير رأس مال المؤمن، فلا ينبغي أن ينسب إليه سبحانه
إلا الأفضل فالأفضل، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[الشعراء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]
فالحرام رزقٌ في نفس الأمر، لكنَّا نتأذَّب في نسبته إليه سبحانه، والدليل على
شمول الرزق له ما أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم و الديلمي من حديث صفوان بن
أمية قال: جاء عمرو بن قُرَّة فقال: يا رسول الله إنَّ الله قد كتب عليَّ الشِّقوة،
فلا أُرَاني أُرزق إلا من دُفِّي بكفِّي، فأُذن لي في الغِناء من غير فاحشة. فقال
صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا آذَنُ لك، ولا كرامةً، ولا نُعمةَ [عين]، كذبت، أي
عدوَّ الله، لقد رزقك الله تعالى رزقاً حلالاً طيباً، فاخترت ما حرَّم الله تعالى عليك
من رزقه مكان ما أحلَّ الله لك من حلاله))(٢).
(١) ١/ ٢٥.
(٢) سنن ابن ماجه (٢٦١٣)، والفردوس بمأثور الخطاب ١٤٢/٥. وما بين حاصرتين منهما.

الآية : ٣
٣٦١
سُورَةُ الْبَّغَة
وحمله على المشاكلة - كالقول بأنه يحتمل قوله عليه الصلاة والسلام:
((فاخترت ... )) إلخ، كونه رزقاً لمن أحلّ له، فيسقط الاستدلال لقيام الاحتمال .
خلاف الظاهر جدًّا. ومثل هذا الاحتمال إن قَدَح في الاستدلال لا يبقى على وجه
الأرض دليل. والطعن في السند لا يقبل من غير مستنَد، وهو مَنَاطَ الثُّريا (١)
كما لا يخفى.
والاستدلال على هذا المطلب - كما فعل البيضاويُّ وغيره - بأنه لو لم يكن
الحرام رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً، وليس كذلك؛ لقوله تعالى:
﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (٢). ليس بشيء؛ لأنَّ للمعتزلة
أن لا يخصُّوا الرزق بالغذاء، بل يكتفوا بمطلق الانتفاع دون الانتفاع بالفعل بل
التمكن فيه، فلا يتم الدليل إلا إذا فرض أنَّ ذلك الشخص لم ينتفع من وقت
ولادته إلى وقت موته بشيءٍ انتفاعاً محلَّلاً، لا رضعة من ثدي، ولا شربة من ماء
مباح، ولا نظرة إلى محبوب، ولا وصلة إلى مطلوب، بل ولا تمكَّن من ذلك
أصلاً، والعادة تقضي بعدم وجوده، ومادة النقض لا بدَّ من تحقُّقها، على أنه لو
قُدِّر وجوده لقالوا: إنَّ ذلك ليس محرَّماً بالنسبة إليه ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ
فَلَآ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وأيضاً لهم أن يعترضوا بمن عاش يوماً مثلاً ثم مات قبل أن يتناول حلالاً
ولا حراماً، وما يكون جوابنا لهم يكون جوابهم لنا، على أنَّ الآية لم تدلَّ على
أن الله تعالى يوصل جميع ما ينتفع به كلُّ أحد إليه، فإنَّ الواقع خلافه، بل دلَّت
على أنه سبحانه وتعالى يسوق الرزق ويمكّن من الانتفاع به، فإذا حصل الإعراض
من الحلال إلى الحرام لم يقدح في تحقق رازقيَّته جلَّ وعلا.
(١) أي: بعيد، والحديث في إسناده بشر بن نمير ويحيى بن العلاء، قال البوصيري في مصباح
الزجاجة ٨٠/٢: هذا إسناد ضعيف، بشر بن نمير البصري قال فيه يحيى بن سعيد القطان:
كان ركناً من أركان الكذب، وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال البخاري: منكر
الحديث. وقال أبو حاتم: متروك. ويحيى بن العلاء قال فيه أحمد: كان يضع الحديث.
وقال ابن عدي: أحاديثه لا يتابع عليها، وكلها غير محفوظة، والضعف على رواياته وحديثه
بيِّن، وكلها موضوعات.
(٢) تفسير البيضاوي ١/ ٥٩ .

سُورَةُ الْبَّنَة
٣٦٢
الآية : ٣
وأيضاً قد يقال: معنى الآية: ما من دابة منَّصفة بالمرزوقية، فلا تدخل مادة
النقض لیضرّ خروجها، کما لا يدخل السمك في قولهم: کلُّ دابة تذبح بالسکین،
أي: كلُّ دابة تَنَّصف بالمذبوحية، فالاتصاف أنَّ هذا لا يصلح دليلاً .
والأحسن الاستدلال بالإجماع قبل ظهور المعتزلة، على أنَّ من أكل الحرام
طول عمره مرزوقٌ طول عمره ذلك الحرام، والظواهر تشهد بانقسام الرزق إلى
طيب وخبيث، وهي تكفي في مثل هذه المسألة، والأصل الذي بُني عليه التخصيص
قد تركه أهل السنة قاعاً صفصفاً.
والإنفاق: الإنفاد، يقال: أنفقت الشيء وأنفدته بمعنى، والهمزة للتعدية،
وأصل المادة تدلُّ على الخروج والذهاب، ومنه: نافَقَ، والنافِقَاء، ونفق، وإنما قدَّم
سبحانه وتعالى المعمول اعتناءً بما خوَّل الله تعالى العبد، أو لأنه مقدَّم على الإنفاق
في الخارج، ولتناسب الفواصل، والمراد بالرزق هنا الحلال؛ لأنه في معرض
وصف المتَّقي، ولا مدح أيضاً في إنفاق الحرام، قيل: ولا يرد قول الفقهاء: إذا
اجتمع عند أحد مال لا یعرف صاحبه ينبغي أن يتصدق به، فإذا وجد صاحبه دفع
قيمته أو مثله إليه. فهذا الإنفاق مما يثاب عليه؛ لأنه لمَّا فعله بإذن الشارع استحقَّ
المدح؛ لأنه لمَّا لم یعرف صاحبه كان له التصرف فيه، وانتقل بالضمان إلى ملکه،
وتبدلت الحرمة إلى ثمنه.
على أنه قد وقع الخلاف فيما لو عمل الخير بمالٍ مغصوب عُرف صاحبه،
كما قال ابن القيم في ((بدائع الفوائد))(١): فذهب ابن عقيل إلى أنه لا ثواب
للغاصب فيه؛ لأنه آثم، ولا لربِّ المال؛ لأنه لا نية له ولا ثواب بدونها،
وإنما يأخذ من حسنات الغاصب بقدر ماله.
وقيل: إنه نفعٌ حصل بماله وتولَّد منه، ومثله يثاب عليه كالولد الصالح يؤجر به
وإن لم يقصده. ويُفهِم كلام البعض - وهو من الغرابة بمكان - أنَّ الغاصب أيضاً
يؤجر إذا صرفها بخير، وإن تعدَّى واقتصَّ من حسناته بسبب أخذه؛ لأنه لو فسق به
عوقب مرتين؛ مرة على الغصب ومرة على الفسق، فإذا عمل به خيراً ينبغي أن يثاب
(١) ١٧١/٣-١٧٢.

الآية : ٣
٣٦٣
سُورَةُ الْبَََ
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا بَرَهُ﴾
٧
عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا بَرَهُ
[الزلزلة: ٧-٨] ولا يرد على ذلك قوله وَله: ((لا يقبل الله صدقة من غُلول))(١)،
وقوله: ((إنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيّباً))(٢) لأنَّ مآل ما ذكر أنَّ الثواب على نفس
العدول من الصرف في المعصية إلى الصرف فيما هو طاعة في نفسه، لا على نفس
الصدقة مثلاً بالمال الحرام من حيث إنه حرام، والفرق دقيقٌ لا يُهتدَى إليه
إلا بتوفيق.
وقد اختلف في الإنفاق هاهنا فقيل - وهو الأولى - صرف المال في سبل
الخيرات، أو البذل من النعم الظاهرة والباطنة، وعلمٌ لا يقال به ككتْز لا ينفق منه.
وعن ابن عباس: الزكاة. وعنه وعن ابن مسعود: نفقة العيال. وعن الضحاك:
التطوع قبل فرض الزكاة، أو النفقة في الجهاد.
ولعلَّ هذه الأقوال تمثيل للمنفق لا خلاف فيه، وبعضهم جعلها خلافاً، ورجّح
كونها الزكاة المفروضة باقترانها بأختها الصلاة في عدة مواضع من القرآن، و((مِن))
التبعيضية حينئذٍ مما لا يسأل عن سرِّها، إذ الزكاة المفروضة لا تكون بجميع
المال، وأما إذا كان المراد بالإنفاق مطلقه الأعمُّ مثلاً، ففائدة إدخالها الإشارة إلى
أنَّ إنفاق بعض المال يكفي في اتصاف المنفِق بالهداية والفلاح، ولا يتوقف على
إنفاق جميع المال، وقول مولانا البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنه للكفّ عن
الإسراف المنهيّ عنه(٣). مخصوصٌ بمن لم يصبر على الفاقة ويتجرَّع مرارة
الإضافة، وإلا فقد تصدَّق الصديق ﴿ه بجميع ماله، ولم ينكره عليه وَّر؛ لعلمه
بصبره، واطلاعه على ما وَقَرَ في صدره، ومن هاهنا لما قيل للحسن بن سهل:
لا خير في الإسراف، قال: لا إسراف في الخير.
وقيل: النكتة في إدخال (من)) التبعيضية هي أنَّ الرزق أعمُّ من الحلال
والحرام، فأُدخلت إيذاناً بأنَّ الإنفاق المعتدَّ به ما يكون من الحلال، وهو بعضٍّ من
الرزق.
(١) أخرجه أحمد (٤٧٠٠)، ومسلم (٢٢٤)، من حديث ابن عمر
(٢) أخرجه مسلم (١٠١٥)، من حديث أبي هريرة ظله.
(٣) الكشاف ١٣٢/١، وتفسير البيضاوي ٥٩/١.

سُؤَدَّةُ الْبَّفَقَة
٣٦٤
الآية : ٣
و(ما)) في الآية: إما موصولة، أو مصدرية، أو موصوفة، والأول أولى،
فالعائد محذوف، واستشكل بأنه إن قُدِّر مثَّصلاً يلزم اتصال ضميرين متَّحدي الرتبة،
والانفصال في مثله واجب، وإن قُدِّر منفصلاً امتنع حذفه؛ إذ قد أوجبوا ذكر
المنفصل معلِّلين بأنه لم ينفصل إلا لغرض، وإذا حُذف فاتت الدلالة عليه، وأُجيب
علی اختیار کلِّ :
أما الأول: فبأنه لما اختلف الضميران جمعاً وإفراداً جاز اتصالهما وإن اتَّحدا
رتبة؛ کقوله:
لِوَجْهِكَ في الإحسانِ بَسْطٌ وبَهْجَةٌ أَنالَهُمَاهُ قَفْوُ أَكْرَمِ وَالِدِ (١)
وأيضاً لا يلزم من منع ذلك ملفوظً(٢) منعه مقدَّراً؛ لزوال القبح اللفظي.
وأما الثاني: فبأنَّ الذي يمنع حذفه ما كان منفصلاً لغرض معنوي؛ كالحصر،
لا مطلقاً كما قال ابن هشام في ((الجامع الصغير))(٣)، وأشار إليه غير واحد.
وكتبت ((من)) متصلة بـ((ما)) محذوفة النون؛ لأنَّ الجارَّ والمجرور كشيء واحد،
وقد حذفت النون لفظاً فناسب حذفها في الخطّ، قاله في ((البحر))(٤).
وجعل سبحانه صلات ((الذين)) أفعالاً مضارعة، ولم يجعل الموصول ((أل))
فيصله باسم الفاعل؛ لأنَّ المضارع فيما ذكره البعض مشعرٌ بالتجدد والحدوث مع
ما فيه هنا من الاستمرار التجدُّدي، وهذه الأوصاف متجدِّدةٌ في المتقين، واسم
الفاعل عندهم ليس كذلك، ورُتِّبت هذا النحو من الترتيب؛ لأنَّ الأعمال إما قلبيةٌ،
وأعظمُها اعتقادُ حقيقة التوحيد والنبوة والمعاد، إذ لولاه كانت الأعمال كسرابٍ
(١) البيت في أوضح المسالك ١٠٥/١، وتخليص الشواهد ص٩٧، والمقاصد النحوية ٣٤٢/١،
والدرر اللوامع ٢٠٣/١، وأنال: فعل ماضٍ متعدٍّ لاثنين، أوَّلهما ضمير التثنية،
وثانيهما ضمير المفرد الراجع إلى الوجه، وأتى به متصلاً، والأكثر: أنالهما إياه،
بالانفصال.
(٢) بعدها في (م): به.
(٣) وهو في النحو، وعليه شرح عظيم مفيد للشيخ الأديب إسماعيل بن إبراهيم العلوي. كشف
الظنون ١ / ٥٦٤ .
(٤) ١/ ٤٠ .

الآية : ٤
٣٦٥
سُورَةُ الْبَقَة
بقيعة يحسبه الظمآن ماء. أو قالبية وأصلها الصلاة؛ لأنها الفارقة بين الكفر
والإسلام، وهي عمود الدين ومعراج الموحّدين، والأمُّ التي يتشغَّب منها سائر
الخيرات والمبرَّات، ولهذا قال ◌َّ: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))(١) وقد
أطلق الله تعالى عليها الإيمان كما قاله جمعٌ من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. أو مالية وهي الإنفاق لوجه الله تعالى، وهي التي
إذا وجدت علم الثبات على الإيمان. وهذه الثلاثة متفاوتةُ الرتب، فرتَّب سبحانه
وتعالى ذلك مقدِّماً الأهمَّ فالأهم والألزم فالألزم؛ لأنَّ الإيمان لازم للمكلَّف في
كل آنٍ، والصلاةَ في أكثر الأوقات، والنفقةَ في بعض الحالات، فافهم ذاك، والله
يتولى هداك.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾﴾ عطفٌ
على الموصول الأول مفصولاً وموصولاً، والمرويُّ عن ابن عباس وابن مسعود
أنهم مؤمنو أهل الكتاب، وحيث إنَّ المتبادر من العطف أنَّ الإيمان بكلِّ من
المنزلين على طريق الاستقلال اختصَّ ذلك بهم؛ لأنَّ إيمان غيرهم بما أُنزل من قبلُ
إنما هو على طريق الإجمال والتبع للإيمان بالقرآن، لا سيَّما في مقام المدح، وقد
دلَّت الآيات والأحاديث على أنَّ لأهل الكتاب أجرين بواسطة ذلك، وبهذا غايروا
مَنْ قبلَهم، وقيل: التغاير باعتبار أنَّ الإيمان الأول بالعقل وهذا بالنقل، أو بأنَّ ذاك
بالغيب وهذا بما عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فـ ((أولئك على هدى)) حينئذ إشارة إلى
الطائفة الأولى؛ لأنَّ إيمانهم بمحض الهداية الربانية و((أولئك على المفلحون)) إشارة
إلى الثانية، لفوزهم بما كانوا ينتظرونه، أو بأنَّ أولئك من حيث المجموع كان فيهم
شرك، وهؤلاء لم يشركوا ولم ينكروا .
وقيل: التغاير بالعموم والخصوص مثله في قوله تعالى: ﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾
[القدر: ٤] والتخصيص هنا بعد التعميم للإشارة إلى الأفضلية من حيثية أنهم يُعطون
أجرهم مرتين، وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل، وفي ذلك ترغيب أهل
الكتاب في الدخول في الإسلام.
(١) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣)، من حديث أنس ض

سُوَرَّةُ الْبَعَة
٣٦٦
الآية : ٤
وقال بعضهم: إنَّ هؤلاء هم الأولون بأعيانهم، وتوسيط العطف جارٍ في
الأسماء والصفات باعتبار تغايرِ المفهومات، ويكون بالواو والفاء و((ثم)) باعتبار
تعاقب الانتقال في الأحوال، والجمع المستفاد من الواو هنا واقعٌ بين معاني
الصفات المفهومة من المتعاطفين، والإيمان الذي مع أولهما إجماليٌّ وعقليٍّ، ومع
ثانيهما تفصيليٍّ ونقلي، وإعادة الموصول للتنبيه على تغاير القبيلين وتباين السبيلين،
وقد يعطف على ﴿لِلْمُلَّقِينَ﴾ والموصول غير مفصول لما يلزم على الوصل الفصل
بأجنبي بين المبتدأ وخبره والمعطوف والمعطوف عليه، والتغاير بين المتعاطفين
باعتبار أنَّ المراد بالمعطوف عليه من آمن من العرب الذين ليسوا بأهل كتاب،
وبالمعطوف من آمن به وي ليه من أهل الكتاب.
وقد رجَّح بعض المحققين احتمال أن يكون هؤلاء هم الأولون، وتوسُّط الواو
بين الصفات بأنَّ الإيمان بالمنزلين مشتركٌ بين المؤمنين قاطبة، فلا وجه لتخصيصه
بمؤمني أهل الكتاب، والإفراد بالذكر لا يدلُّ على أنَّ الإيمان بكلِّ بطريق
الاستقلال، فقد أفرد الكتب المنزلة من قبل في قوله تعالى: ﴿قُولُوَاَ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَآ
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ﴾ [البقرة: ١٣٦] ولم يقتض الإيمان بها على الانفراد،
وبأنَّ أهل الكتاب لم يكونوا مؤمنين بجميع ما أنزل من قبل؛ لأنَّ اليهود لم يؤمنوا
بالإنجيل ودينهم منسوخٌ به، وبأنَّ الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الكتاب،
فالتخصيص بمن عداهم تحكّم، وجَعْلُ الكلام من قبيل عطف الخاص على العام
لا يلائم المقام. وأجيب؛ أما أولاً: فبأنَّ المتبادر من السياق الإيمان بالاستقلال،
لا سيَّما في مقام المدح، وإليه يشير ما جاء أنهم يؤتون أجرهم مرتين، والخطاب
في الآية للمسلمين بأن يقولوا دفعة، ولم يعدَّ فيها الإيمان والمؤمن فلا ترد نقضاً.
وأما ثانياً: فلأنَّ إيمان أهل الكتاب بكلِّ وحي إنما هو بالنظر إلى جميعهم،
فاليهود اشتمل إيمانهم على القرآن والتوراة، والنصارى اشتمل إيمانهم على الإنجيل
أيضاً، ويكفي هذا في توجيه المرويِّ عمن شاهدوا نزول الوحي، ولا يُرغَب عنه
إذا أمكن توجيهه، وكون المفهوم المتبادر ثبوت الحكم لكلِّ واحد إن سلم لا يردُّه،
ولا يرد أنَّ اليهود الذين آمنوا على عهد نبينا وَ ﴿ لم يؤمنوا قبل ذلك بالتوراة
وإلا لتنصَّروا؛ لأنَّ فيها نبوَّة عيسى كما فيها نبوة رسول الله وَّه؛ إذ قد ورد فيها:

الآية : ٤
٣٦٧
سُورَةُ الْبَّنَة
إنَّ الله جاء من طور سيناء وظهر بساعير وعلن بفاران. وساعير: بيت المقدس الذي
ظهر فيه عيسى، وفاران: جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى وَل*؛ لأنا نقول:
إنهم آمنوا بالتوراة وتأوَّلوا ما دلَّ منها على نبوَّة المسيح عليه السلام، فبعض أنكر
نبوَّته رأساً ورموه بما رموه - وحاشاه - وهم الكثيرون، وبعضُ كالعِنانية (١) قالوا: إنه
من أولياء الله تعالى المخلصين العارفين بأحكام التوراة، وليس بنبيّ، وهؤلاء
قليلون مخالفون لسائر اليهود في السبت والأعياد، ويقتصرون على أكل الطير
والظباء والسمك والجراد.
وهذا الإيمان وإن لم يكن نافعاً في النجاة من النار إلا أنه يقلِّل الشرَّ بالنسبة
إلى الكفر بالتوراة وإنكارها بالكلية مع الكفر بعيسى عليه السلام، وربما يُمدحون
بالنظر إلى أصل الإيمان بها، وإن ذُمُّوا بحيثية أخرى، وكأنه لهذا يكتفى منهم
بالجزية، ولم يكونوا طعمة للسيوف مطلقاً .
والقول بأنهم مدحوا بعد إيمانهم بالقرآن بالإيمان بالتوراة نظراً إلى أسلافهم
الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام، فإنهم مؤمنون بها إيماناً صحيحاً على
وجهها، كما أنهم ذُمُّوا بما صنع آباؤهم على عهده على ما ينطق به كثيرٌ من الآيات،
ليس بشيء، إذ لا معنى لإيتائهم أجرين حينئذ، والفرق بين البابين واضح. ثم النسخ
الذي ادَّعاه المرجّح خلاف ما ذكره الشهر ستاني وغيره من أنَّ الإنجيل لم يبيِّن
أحكاماً، ولا استبطن حلالاً وحراماً، ولكنه رموز وأمثال ومواعظ؛ والأحكام
محالةٌ إلى التوراة، وقد قال المسيح: ما جئت لأُبطل التوراة، بل جئت لأكملها(٢).
وهذا خلاف ما تقتضيه الظواهر. وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه.
و أما ثالثاً: فلأنَّ ثبوت الصفات لمن آمن من أهل الكتاب لا يضرُّنا؛ لأنها
مذكورةٌ في الأول صريحاً، وفي الثاني التزاماً.
وأما رابعاً: فلأنَّا لا نسلِّم أنَّ ذلك العطف لا يلائم المقام، فنكات عطف
الخاصِّ على العام لا تخفى كثرتها على ذوي الأفهام، فَدَعْ ما مَرَّ وخذ ما حلا.
(١) العنانية: نسبوا إلى رجل يقال له: عنان بن داود رأس الجالوت. الملل والنحل ٢١٥/١،
وعنه نقل المصنف كلامهم.
(٢) الملل والنحل ٢٠٩/١.

سُورَةُ الْبَيْنَة
٣٦٨
الآية : ٤
وعندي بعد هذا كله أنَّ الاعتراض ذَكَرٌ والجواب أنثى، لكنَّ الرواية دعت إلى
ذلك، ولعلَّ أهل مكة أدرى بشِعابها، وفوق كل ذي علم عليم، على أنَّ الدراية قد
تساعده - كما قيل - بناءً على أنَّ إعادة الموصول وتوصيفه بالإيمان بالمنزلين، مع
اشتراكه بين جميع المؤمنين، واشتمال الإيمان بما أنزل إليك على الإيمان بما أُنزل
من قبلك، يستدعي أن يُراد به مَن لهم نوعُ اختصاص بالصلة؛ وهم مؤمنو أهل
الكتاب، حيث كانوا مطالبين بالإيمان بالقرآن خصوصاً، قال تعالى: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَّ
أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] مؤمنين بالكتب اسقلالاً في الجملة، بخلاف
سائر المؤمنین.
ثم المتبادر من أهل الكتاب أهل التوراة والإنجيل، وحمْلُه على أهل الإنجيل
خاصة وقد آمن منهم أربعون، اثنان وثلاثون جاؤوا مع جعفر من أرض الحبشة،
وثمانية من الشام، لا تساعده رواية ولا دراية كما لا يخفى.
والإنزال: الإيصال والإبلاغ، ولا يشترط أن يكون من أعلى - خلافاً لمن ادَّعاه
- نحو: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧] أي: وصل وحلّ، وإنزال الكتب الإلهية
قد مرَّ في المقدِّمات ما يطلعك إلى معارجه. وذكر أنَّ معنى إنزال القرآن أنَّ جبريل
سمع كلام الله تعالى كيف شاء الله تعالى فنزل به، أو أظهره في اللوح كتابةً فحفظه
الملك وأدَّاه بأيِّ نوعٍ كان من الأداء.
وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه الذي نجزم به من غير بحث عن
کیفیته .
وقال الحكماء: إنَّ نفوس الأنبياء عليهم السلام قدسيةٌ، فتقوى على الاتصال
بالملأ الأعلى، فينتقش فيها من الصور ما ينتقل إلى القوة المتخيلة والحسِّ
المشترك، فیری کالمشاهد وهو الوحي، وربما يعلو فيسمع كلاماً منظوماً، ويشبه
أن نزول الكتب من هذا.
وعندي أنَّ هذا قد يكون لأرباب النفوس القدسية والأرواح الإنسية، إلا أنَّ أمر
النبوة ما (١) وراء ذلك، وأين الثريا من يد المتناول.
(١) ليست في (م).

الآية : ٤
٣٦٩
سُوَّةُ الْبَحْدَة
وفعلا الإنزالِ مبنيَّان للمفعول، وقرأهما النخعيُّ وأبو حيوة ويزيد بن قطيب
مبنيين للفاعل، وقرئ شاذاً: ((بما أُنْزِلَّيْكَ)) بتشديد اللام، ووجه ذلك أنه أسكن لام
(أنزل)) ثم حذف همزة ((إلى)) ونقل كسرتها إلى اللام، فالتقى المثلان فأدغم(١).
وضمير الفاعل، قيل: الله، وقيل: جبريل عليه السلام. وفي ((البحر))(٢): إنَّ
فيه التفاتاً لتقدم ((مما رزقناهم)) فخرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة، ولو
جرى على الأول لجاء: بما أنزل إليك وما أنزلنا من قبلك.
وأتى سبحانه بصلة ((ما)) الأولى فعلاً ماضياً مع أنَّ المراد بالمنزل جميعه
- لاقتضاء السياق والسباق له، من ترتّب الهدى والفلاح الكاملين عليه، ولوقوعه
في مقابلة ما أنزل قبل، ولاقتضاء ((يؤمنون)) المنبئ عن الاستمرار، والجميع لم
ينزل وقت نزول(٣) الآية - لأمرين: الأول: أنه تغليب لما وجد نزوله على
ما لا يوجد، فهو من قبيل إطلاق الجزء على الكل. والثاني: تشبيه جميع المنزل
بشيءٍ نزل في تحقق الوقوع؛ لأنَّ بعضه نزل وبعضه سينزل قطعاً، فيصير إنزال
مجموعه مشبّهاً بإنزال ذلك الشيء الذي نزل، فتستعار صيغة الماضي من إنزاله
لإنزال المجموع.
هذا ما حققه مَن يُعقد عند ذكرهم الخناصر، وفيه دغدغة كبرى. وأهون منه أنَّ
التعبير بالماضي هنا للمشاكلة؛ لوقوع غير المتحقق في صحبة المتحقق، وأهون من
ذلك كلِّه أنَّ المراد به حقيقة الماضي، ويدلُّ على الإيمان بالمستقبل بدلالة النص.
وما قيل من أنَّ الإيمان بما سينزل ليس بواجب، إلا أنَّ حمله على الجميع أكمل،
فلذا اقتصر عليه، لا وجه له؛ إذ لا شبهة في أنه يلزم المؤمن أن يؤمن بما نزل،
وبأنَّ کل ما سينزل حق وإن لم يجب تفصيله وتعيينه.
وقد ذكر العلماء أنَّ الإيمان إجمالاً بالكتب المنزلة مطلقاً فرض عين، وتفصيلاً
بالقرآن المتعبَّد بتفاصيله فرض كفاية؛ إذ لو كان فرضَ عين أدَّى إلى الحرج
(١) البحر المحيط ٤١/١، والقراءة الأولى ذكرها الزمخشري في الكشاف ١/ ١٣٧.
(٢) ١/ ٤٢ .
(٣) في (م): تنزل.

سُورَةُ الْبَحْمَة
٣٧٠
الآية : ٤
والمشقة، والدِّين يسرٌ لا عسر، وهذا مما لا شبهة فيه، حتى قال الدواني: يجب
على الكفاية تفصيل الدلائل الأصولية، بحيث يتمكن معه من إزالة الشبه وإلزام
المعاندين وإرشاد المسترشدين، وذكر الفقهاء أنه لا بدَّ أن يكون في كلِّ حدٍّ من
مسافة القصر شخصٌ منَّصفٌ بهذه الصفة، ويسمَّى المنصوب للذبِّ، ويحرم على
الإمام إخلاؤها من ذلك، كما يحرم إخلاؤها عن العالِم بالأحكام التي يحتاج إليها
العامة، وقيل: لا بدَّ من شخص كذلك في كل إقليم، وقيل: يكفي وجوده في
جميع البلاد المعمورة الإسلامية، ولعلَّ هذا التنزل لنزول الأمر، وقلة علماء الدين
في الدنيا بهذا العصر:
أَخْنَى عليها الذي أَخْنَى عَلَى لُبَدِ (١)
أَمْسَتْ بَباباً وأَمْسَى أَهْلُها احْتَمَلُوا
وإلى الله تعالى المشتكى وإليه الملتجى:
إلى اللهِ أَشْكُو أنَّ في القَلْبِ حَاجَةً تَمُرُّ بِها الأيّامُ وَهْيَ كَمَا هِيَا (٢)
الآخرة: تأنيث الآخِر، اسم فاعل من أخر الثلاثي بمعنى تأخّر، وإن لم
يستعمل، كما أنَّ الآخَر - بفتح الخاء - اسم تفضيل منه، وهي صفة في الأصل
كما في ﴿الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] و﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، ثم
غلبت كالدنيا. والوصف الغالب قد يوصف به دون الاسم الغالب، فلا يقال: قيدٌ
أدهم؛ للزوم التكرار في المفهوم، وهو وإن كان من الدُّهمة (٣) إلا أنه يستعمله من
لا تخطر بباله أصلاً، فافهم.
وقد تضاف الدار لها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] أي: دار
الحياة الآخرة، وقد يقابل بالأولى؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُوْلَى
وَاْآَخِرَةِ﴾ [القصص
(١) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ص٣١، والخزانة ٥/٤، وفيه: لُبَد: آخر نسور لقمان بن
عاد، وهو منصرف لأنه ليس بمعدول. وأخنى عليه الدهر: أتى عليه وأهلكه. اهـ. ويباباً:
أي خراباً. اللسان (بيب).
(٢) البيت لعبد الله بن ورقاء الشيباني كما في يتيمة الدهر ١٢٣/١-١٢٤.
(٣) الدهمة: السواد. القاموس (دهم).

الآية : ٤
٣٧١
سُورَةُ الْبَقَة
والمعنى هنا: الدار الآخرة أو النشأة الآخرة. والجمهور على تسكين لام
التعريف وإقرار الهمزة التي تكون بعدها للقطع، وورش يحذف وينقل الحركة إلى
اللام(١).
والإيقان: التحقُّق للشيء؛ لسكونه ووضوحه، يقال: يقنَ الماءُ: إذا سكن
وظهر ما تحته، وهو واليقين بمعنّى، خلافاً لمن وهم فيه.
قال الجوهري: اليقين: العلم وزوال الشك، يقال منه: يَقِنْتُ - بالكسر - يَقْناً،
وأيقنت واستيقنت كلها بمعنى(٢).
وذهب الواحدي وجماعة إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال، فلا يوصف به
البديهي، ولا علم الله تعالى(٣).
وذهب الإمام النسفي وبعض الأئمة إلى أنه العلم الذي لا يحتمل النقيض (٤)،
وعدمُ وصف الحق سبحانه وتعالى به؛ لعدم التوقيف.
وذهب آخرون إلى أنه العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاگًا فيه، سواء كان
ضرورياً أو استدلاليًا.
وذكر الراغب: أنَّ اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها،
يقال: علمُ يَقين، ولا يقال: مَعرفةُ يَقينٍ، وهو سكون الفهم(٥) مع ثبات الحكم.
وفي ((الإحياء)»(٦) . والقلب إليه يميل - أنَّ اليقين مشتركٌ بين معنيين؛ الأول:
عدم الشك، فيطلق على كل ما لا شك فيه، سواء حصل بنظرٍ أو حسِّ أو غريزةٍ
عقلٍ أو بتواتر أو دليل، وهذا لا يتفاوت. الثاني: وهو ما صرَّح به الفقهاء
(١) التيسير ص ٣٥، والنشر ٤٠٨/١ ٢٠٧/٢.
(٢) الصحاح (یقن)).
(٣) الوسيط في تفسير الكتاب المجيد ٨٢/١.
(٤) حاشية الشهاب ٢٣٩/١، والعبارة في تفسير النسفي ١٤/١: الإيقان: إتقان العلم بانتفاء
الشك والشبهة عنه .
(٥) في الأصل و (م): سكون النفس، والمثبت من مفردات الراغب (يقن).
(٦) ٧٢/١-٧٣.

سُورَةُ الْبَرَ
٣٧٢
الآية : ٤
والصوفيّة وكثير من العلماء، وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك، بل إلى غلبته
على القلب حتى يقال: فلان ضعيف اليقين بالموت، وقويُّ الیقین بإثبات الرزق،
فكل ما غلب على القلب واستولى عليه فهو يقين، وتفاوتُ هذا ظاهر.
وقرأ الجمهور: ﴿يُوقِنُونَ﴾ بواوٍ ساكنة بعد الياء، وهي مبدلة منها؛ لأنه من
أيقن، وقرأ النميري بهمزة ساكنة بدل الواو(١)، وشاع عندهم أنَّ الواو إذا ضُمَّت
ضمة غير عارضة - كما فصّل في العربية - يجوز إبدالها همزة، كما قيل في وجوه
جمع وجه: أُجُوه، فلعل الإبدال هنا لمجاورتها للمضموم فأعطيت حكمه، وقد
يؤخذ الجارُ بظلم الجار.
وغايرَ سبحانه بين الإيمان بالمنزَل والإيمان بالآخرة، فلم يقل: وبالآخرة هم
يؤمنون؛ دفعاً لكلفة التكرار، أو لكثرة غرائب متعلِّقات الآخرة وما أعدَّ فيها من
الثواب والعقاب، وتفصيل أنواع التنعيم والتعذيب، ونشأة أصحابهما على خلاف
النشأة الدنيوية مع إثبات المعاد الجسماني كيفما كان، إلى غير ذلك مما هو أغربُ
من الإيمان بالكتاب المنزل، حتى أنكره كثيرٌ من الناس، وخلا عن تفاصيله - على
ما عندنا - التوراة والإنجيل، فليس في الأول - على ما في ((شرح االطوالع))(٢) - ذكر
المعاد الجسماني، وإنما ذكر في كتب حزقيل وشعياء، والمذكور في الإنجيل
إنما هو المعاد الروحاني، فناسب أن يقرن هذا الأمر المهم الغريب الذي حارت
عقول الكثيرين في إثباته، وتهافتوا على إنكاره تهافت الفراش على النار بالإيقان
وهو هو؛ إظهاراً لكمال المدح، وإبداءً لغاية الثناء.
وتقديم المجرور للإشارة إلى أنَّ إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة لا يتعدَّاها
إلى خلاف حقيقتها مما يزعمه اليهود مثلاً حيث قالوا: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ
هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] و﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَامًا مَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠] وزعموا
أنهم يتلذَّذون بالنسيم والأرواح، إذ ليس ذلك من الآخرة في شيء. وفي بناء
(١) قراءة أبي حية النميري في القراءات الشاذة ص٢.
(٢) لعله: لشمس الدين أبي الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني المتوفى سنة (٧٤٩هـ)،
واسمه: مطالع الأنظار. كشف الظنون / ١١١٦. وسيصرِّح المصنّف بنقله عنه في الآية (٢)
من سورة الفتح.

الآية : ٥
٣٧٣
سُوَّةُ الْبَةَ
يوقنون على ((هم)) إشارة إلى أنَّ اعتقاد مقابليهم في الآخرة جهلٌ محض، وتخييل
فارغ، وليسوا من اليقين في ظلِّ ولا فيء.
﴿أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ الظاهر أنه جملة مرفوعة المحلِّ على الخبرية،
فإن جُعل الموصول الأول مفصولاً على أكثر التقادير في الثاني، ويتبعه فصله
بحسب الظاهر؛ إذ لايُقطع المعطوف عليه دون المعطوف، فالخبرية له، وإن جُعل
موصولاً وأُريد بالثاني طائفة مما تقدَّمه وجعل هو مفصولاً، كان الإخبار عنه. وذكرُ
الخاصِّ بعد العام كما يجوز أن يكون بطريق التشريك بينهما في الحكم السابق
- أعني: هدى للمتقين - يجوز أن يكون بطريق إفراده بالحكم عن العام، وحينئذٍ
تكون الجملة المركّبة من الموصول الثاني وجملة الخبر معطوفة على جملة («هدى
للمتقين)) الموصوفين بالذين يؤمنون بالغيب.
والجملة الأولى وإن كانت مسوقة لمدح الكتاب والثانية لمدح الموصوفين
بالإيمان بجميع الكتب، إلا أنَّ مدحهم ليس إلا باعتبار إيمانهم بذلك الكتاب،
فهما متناسبتان باعتبار إفادة مدحه، وفائدة جعل المدح مقصوداً بالذات ترغيبُ
أمثالهم، والتعريضُ - على ما قيل - بمن ليس على صفتهم، والتخصيص المستفاد
من المعطوف بالقياس إلى من لم يتصف بأوصافهم، فلا ينافي ما استفيد من
المعطوف عليه من ثبوت الهدى للمتقين مطلقاً. نعم ليس هذا الوجه في البلاغة
بمرتبة فصل الموصول الأول فهو أولى، وعليه تكون الجملة مشيرة إلى جواب
سؤال: إما عن الحكم، أي: إنَّ المتقين هل يستحقون ما أثبت لهم من الاختصاص
بالهدى؟ أو عن السبب، كأنه قيل: ما سبب اختصاصهم؟ أو عن مجموع الأمرين،
أي: هل هم أحقاء بذلك، وما السبب فيه حتى يكونوا كذلك؟
فأجيب: بأنَّ هؤلاء لأجل اتصافهم بالصفات المذكورة متمگّنون على الهدى
الكامل الذي منحهم إياه ربهم تعالى بكتابه، ومعلومٌ أنَّ العلة مختصَّةٌ بهم،
فيكونون مستحقِّين للاختصاص، فالجواب مشتمل على الحكم المطلوب مع
تلخيص موجبه، وضمِّ نتيجة الهدى تقويةً للمبالغة التي تضمَّنها تنكير ((هدى)، أو
تحقيقاً للحكم بالبرهان الآتي أيضاً، ولذا استغني عن تأكيد النسبة، أو الجملةُ
الاسمية مؤكّدة.

سُورَةُ الْبَلْقَة
٣٧٤
الآية : ٥
وقد يقال: إنه بَيَّن الجواب مرتَّباً عليه مسببيه أعني: الهدى والفلاح؛ لأنَّ ذلك
أوصل إلى معرفة السبب ولا حاجة حينئذٍ إلى التأكيد، والأمر على التقدير الثالث
ظاهرٌ، وجعلُ الجملة مشيرة إلى الجواب على احتمال وصل الأول وفصل الثاني
مما لا يخفى انفصاله عن ساحة القبول، وإذا وصل الأول وعطف الثاني تكون هذه
الجملة مستأنفة استئنافاً نحويًّا، والفصل لكمال الاتصال، إذ هي كالنتيجة للصفات
السابقة، أو بيانيًّا والفصل لكونها كالمتصلة، فكأنَّ سائلاً يقول: ما الموصوفين
بهذه الصفات اختصُّوا بالهدى؟ فأجيب بأنَّ سبب اختصاصهم أنه سبحانه قدَّر في
الأزل سعادتهم وهدايتهم فجبِلَّتُهم مطبوعة على الهداية، والسعيد سعيدٌ في بطن
أمِّه، لا سيَّما إذا انضمَّ إليه الفلاح الأخرويُّ الذي هو أعظم المطالب.
أو يقال: إنَّ الجواب بشرح ما انطوى عليه رسمهم(١) من نعوت الكمال وبيان
ما تستدعيه من النتيجة، أي: الذين هذه شؤونهم أحقّاءُ بما هو أعظم من ذلك.
وهذا المسلك يسلك تارة بإعادة من استؤنف عنه الحديث؛ كـ: أحسنت إلى
زيد، زيدٌ حقيقٌ بالإحسان، وأخرى بإعادة صفته؛ كـ: أحسنت إلى زيد، صديقُك
القديم أهلٌ لذلك، وهذا أبلغ لما فيه من بيان الموجب للحكم. وإيرادُ اسم الإشارة
هنا بمنزلة إعادة الموصوف بصفاته المذكورة مع ما فيه من الإشعار بكمال تميُّزه بها،
وانتظامه لذاك في سلك الأمور المشاهدة، مع الإيماء إلى بُعد منزلته وعلوِّ درجته.
هذا وجَعْلُ ((أولئك)) وحده خبراً، و((على هدى)) حالٌ، بعيد؛ كجعله بدلاً من
((الذين)) والظرف خبراً.
وإنما كتبوا واواً في ((أولئك)) للفرق بينه وبين ((إليك)) الجارِّ والمجرور كما قيل،
وقيل: إنه لما كان مشاراً به لجمع المذكر وكان مبنيًّا ومبايناً للشائع من صيغ
الجموع، جُبر في الجملة بكتابة حرف يكون في الجمع في بعض الآنات. ومن
المشهور: ((ردوا السائل ولو بظِلْفٍ محرَّق))(٢).
(١) في (م): اسمهم إجمالاً.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٦٤٨)، والنسائي في المجتبى ٨١/٥، وابن خزيمة (٢٤٧٢)، والطبراني
في الكبير ٢٤/ (٢٢١) من طريق ابن بجيد عن جدته. وابن بجيد هو كما ذكر ابن خزيمة:
عبد الرحمن بن بجيد، ووقع عند أحمد: ابن نجاد، وهو وهم من بعض الرواة. قوله : =

الآية : ٥
٣٧٥
سُوَّةُ الْبَقَة
وفي قوله سبحانه: ((على هدى))، استعارة تمثيلية تبعيَّة حيث شبِّهت حال أولئك
- وهو تمكّنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسُّكهم به - بحال من اعتلى الشيء
ورَكِبَه، ثم استعير للحال التي هي المشبّه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في
المشبه به، وإلى ذلك ذهب السعد، وأنكر السّيد اجتماع التمثيلية والتبعية؛ لأنَّ
كونها تبعية يقتضي كون كل من الطرفين معنى مفرداً؛ لأنَّ المعاني الحرفية مفردة،
وکونها تمثيلية يستدعي انتزاعهما من أمور متعددة وهو يستلزم تر گُبه(١).
وأبدى قُدِّس سرُّه في الآية ثلاثة أوجه؛ الأول: أنها استعارةٌ تبعيَّةٌ مفردةٌ بأن
شبّه تمسُّك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار،
فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء.
الثاني: أن يشبه هيئة منتزعة من المتقي والهدى وتمسُّكِه به بالهيئة المنتزعة من
الراكب والمركوب واعتلائه عليه، فيكون هناك استعارة تمثيلية تَرَّبَ كلٌّ من
طرفيها، لكن لم يصرح من الألفاظ التي بإزاء المشبّه به إلا بكلمة ((على))؛ فإنَّ
مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة، وماعداه تابعٌ له ملاحظٌ في ضمن ألفاظ منويَّة
وإن لم تُقدَّر في نظم الكلام، فليس في ((على)) استعارةٌ أصلاً، بل هي على حالها
قبل الاستعارة، كما إذا صرَّح بتلك الألفاظ كلها .
الثالث: أن يشبَّه الهدى بالمركوب على طريق الاستعارة بالكناية، وتجعل كلمة
((على) قرينة لها على عكس الوجه الأول(٢).
وهذا الخلاف بين الشیخین في هذه المسألة مما سارت به الركبان، وعقدت له
المجالس، وصنفت فيه الرسائل، وأول ما وقع بينهما في مجلس تيمور، وكان الحكم
نعمان الخوارزميُّ المعتزليُّ، فَحَكَم - والظاهر أنه لأمر ما - للسيد السند، والعلماء إلى
اليوم فريقان في ذلك، ولا يزالون مختلفين فيه، إلا أنَّ الأكثر مع السعد.
ظِلف محرَّق، الظلف للبقر والغنم كالحافر للفرس والخف للبعير. النهاية (ظلف).
والمقصود من الحديث المبالغة وإلا فالظلف المحترق لا ينتفع به عادة. قاله السندي كما
في حاشية مسند أحمد.
(١) حاشية الجرجاني على الكشاف ١٤٣/١ .
(٢) المصدر السابق.

:
سُورَةُ الََّنَة
٣٧٦
الآية : ٥
وأجابوا عن شبهة السيد بأنَّ انتزاع شيءٍ من أمور متعدِّدة يكون على وجوهٍ
شتی؛ فقد يكون من مجموع تلك الأمور؛ كالوحدة الاعتبارية، وقد یکون من أمرٍ
بالقياس إلى آخر؛ كالإضافات، وقد يكون بعضه من أمر وبعضه من آخر، وعلى
الأولين لا يقتضي تركيبه بل تعدُّد مأخذه، فيجوز حينئذٍ أن يكون المدلول الحرفي
لكونه أمراً إضافياً كالاستعلاء حالةً منتزعة من أمور متعددة، فلجريانها في الحرف
تكون تبعيَّة، ولكون كلٍّ من الطرفين حالة إضافية منتزعة من أمور متعددة تمثيلية،
ولعلَّ اختيار القوم في تعريف التمثيلية: لفظ الانتزاع دون التركيب، يرشد المنصف
إلى عدم اشتراط التركيب في طرفيه، وإلا لكان الأظهر لفظ التركيب، وقد أشبعنا
القول في ذلك، وذكرنا ما له وما عليه في كتابنا: ((الأجوبة العراقية عن الأسئلة
الإيرانية)). وفي هذا القدر هنا كفاية.
وفي تنكير ((هدى)) إشارةٌ إلى عظمته، فلا يَعرف حقيقته ومقداره إلا اللطيف
الخبير، وإنما ذكر الربُّ مع أنَّ الهدى لا يكون إلا منه سبحانه، تأكيداً لذلك
بإسناده إليه جلَّ شأنه، وفيه مناسبةٌ واضحةٌ؛ إذ حيث كان ربهم، ناسب أن يهيِّئَ
لهم أسباب السعادتين، ويمنَّ عليهم بمصلحة الدارين، وقد تكون ثَمَّ صفة محذوفة
أي: على هدى أيّ هدى، وحَذْفُ الصفة لفهم المعنی جائز.
وقيل: يحتمل أن يكون التنوين للإفراد، أي: على هدّى واحد؛ إذ لا هدَى
إلا هدَى ما أُنزل إليهِ وَّه؛ لنسخه ما قبله.
و((من)) لابتداء الغاية، أو للتبعيض على حذف مضاف، أي: من هدى ربهم،
ومعنى كون ذلك منه سبحانه أنه هو الموفِّق لهم، والمفيض عليهم من بحار لطفه
وكرمه، وإن توسَّطت هناك أسباب عادية ووسائطُ صوريةٌ، على أنَّ تلك الوسائط قد
ترتفع من البین فیتبلَّج صبح العيان لذي عينين.
وقد قرأ ابن هرمز: ((من ربّهُم)) بضم الهاء(١)، وكذلك سائر هاءات جمع
المذكر والمؤنث على الأصل من غير أن يُراعي فيها سَبْقَ كسرٍ أو ياء.
وأدغم النون في الراء بلا غنة الجمهور، وعليه العمل، وذهب كثيرٌ من أهل
(١) البحر المحيط ٤٣/١.

الآية : ٥
٣٧٧
سُؤَةُ الْبَقَة
الأداء إلى الإدغام مع الغنَّة، ورووه عن نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر
وعاصم وأبي جعفر ويعقوب، وأظهر النون أبو عون عن قالون، وأبو حاتم عن
يعقوب، وهذه الأوجه جارية أيضاً في النون والتنوين إذا لاقت لاماً(١).
· الفلاح: الفوز والظفر بإدراك البغية، وأصله الشق
﴿وَأَوْلَكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ
والقطع، ويشاركه في معنى الشق مشاركة في الفاء والعين نحو: قَلَى وفلق وفلذ(٢).
وفي تكرار اسم الإشارة إشارة إلى أنَّ هؤلاء المتصفين بتلك الصفات يستحقُّون
بذلك الاستقلالَ بالتمكن في الهدى والاستبداد بالفلاح، والاختصاص بكلٍّ منهما،
ولولاه لربما فهم اختصاصهم بالمجموع، فيوهم تحقَّق كلِّ واحد منهما بالانفراد
فيمن عداهم، وإنما دخل العاطف بين الجملتين لكونهما واقعتين بين كمال
الاتصال والانفصال؛ لأنَّهما وإن تناسبا، مختلفان مفهوماً ووجوداً، فإن الهدى في
الدنيا والفلاح في الآخرة، وإثبات كلٍّ منهما مقصودٌ في نفسه، وبهذا فارقا قوله
تعالى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْفَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] فالثانية فيه
مؤكّدة للأولى؛ إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة، فلا مجال
للعطف بينهما. و((هم) يحتمل أن يكون فصلاً أو بدلاً، فيكون ((المفلحون)) خبراً
عن ((أولئك))، أو مبتدأ و((المفلحون)) خبره، والجملة خبر ((أولئك))، وهذه الجملة
لا تخلو عن إفادة الحصر كما لا يخفى.
وقد ذكر غير واحد أنَّ اللام في ((المفلحون)) حرف تعريف بناء على أنَّ المراد
الثبات على الفلاح، فهو حينئذٍ مما غلبت عليه الاسميَّة، أو ألحق بالصفة المشبَّهة،
فهي: إما للعهد الخارجي للدلالة على أنَّ المتقين هم الذين بلغك أنهم مفلحون في
العقبى، وضمير الفصل إما للقصر أو لمجرد تأكيد النسبة، ولا استبعاد في جريان
(١) النشر في القراءات العشر ٢٣/٢-٢٤، وحاشية الشهاب ٢٥٠/١، وعنه نقل المصنف.
وقال أبو عمرو الداني في التيسير ص ٤٥: اجتمعوا على إدغام النون الساكنة والتنوين في
الراء واللام بغير غنة.
(٢) فلذ بالذال المعجمة بمعنى قطع. وفَلَى من فَلَيتُ الشَّعرَ: إذا فتحته لتنظر ما تحته من الهوام،
أو من فَلَوْتُه بالسيف: إذا ضربته - وفي الضرب معنى الشق هنا - أو من فَلَوْتُه عن أمه: إذا
فطمته. حاشية الشهاب ١/ ٢٥٢.

الآية : ٦
٣٧٨
سُورَةُ الْبَقَة
القصر قلباً أو تعييناً، بل إفراداً أيضاً. أو للجنس، فتشير إلى ما يعرفه كل أحد من
هذا المفهوم، فإن أُريد القصر كان الفصل لتأكيد النسبة ولتأكيد الاختصاص أيضاً،
وإن أريد الاتحاد كان لمجرد تأكيد النسبة.
وتشبّث المعتزلة والخوارج بهذه الآية لخلود تارك الواجب في العذاب؛ لأنَّ
قصر جنس الفلاح على الموصوفين يقتضي انتفاء الفلاح عن تارك الصلاة والزكاة،
فيكون مخلَّداً في العذاب، وهذا أوهن من بيت العنكبوت، فلا يصلح للاستدلال؛
لأنَّ الفلاح عدم الدخول، أو لأنَّ انتفاء كمال الفلاح كما يقتضيه السياق والسباق
لا يقتضي انتفاءه مطلقاً، ولا حاجة إلى حمل المتقين على المجتنبين للشرك ليدخل
العاصي فيهم؛ لأنَّ الإشارة ليست إليهم فقط، فلا يجدي نفعاً، ككون الصفة مادحة
كما لا يخفى. وماهنا سرٌّ دقيق وهو أنه سبحانه وتعالى حكى في مفتتح كتابه
الكريم مَذْحَ العبدِ لباريه بسبب إحسانه إليه وترقَّى فيه، ثم مَدَح الباري هنا عبده
بسبب هدایته له وترقّی فیه علی أسلوب واحد، فسبحانه من إله ماجد، کم أسدى
جميلاً، وأعطی جزيلاً، وشُکر قليلاً، فله الفضل بلا عدّ، وله الحمد بلا حدّ.
كلامٌ مستأنفٌ
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنْذَرْتَّهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
يتميَّز به حالُ الكفرة الغواة المردة العتاة، سيق إثرَ بيانِ بديعِ أحوالِ أضدادهم
المتَّصفين بنعوت الكمال، الفائزين بمطالبهم في الحال والمآل، ولم يُعطَّف على
سابقه عطفَ القصة على القصة؛ لأنَّ المقصود من ذلك بيانُ اتصاف الكتاب بغاية
الكمال في الهداية، تقريراً لكونه يقيناً لا مجال للشك فيه، ومن هذا بيان اتصاف
الكفار بالإصرار على الكفر والضلال بحيث لا يجدي فيهم الإنذار. والقول
إنهما مسوقان لبيان حال الكتاب، وأنه هدّى لقوم وليس هدّى لآخرين، لا يجدي
نفعاً؛ لأنَّ عدم كونه هدّى لهم مفهومٌ تبعاً لا مقصودٌ أصالة، على أنَّ الانتفاع به
صفةُ كمال له، يؤيد ما سبق من تفخيم شأنه وإعلاء مكانه، بخلاف عدم الانتفاع.
وقيل: إنَّ ترك العطف لكونه استئنافاً آخر، كأنه قيل ثانياً: ما بال غيرهم لم
يهتدوا به؟ فأجيب: بأنهم لإعراضهم وزوال استعدادهم لم ينجع فيهم دعوة الكتاب
إلى الإيمان. وليس بشيء؛ لأنه بعد ما تقرَّر أن تلك الأوصاف المختصة هي
المقتضية، لم يبق لهذا السؤال وجه. وأغرب من هذا تخيُّل أنَّ التركَ لغاية الاتصال