Indexed OCR Text
Pages 301-320
الآية : ٥ ٢٩٩ سُورَةُ الفَاتِةِ والشأن ليس كذلك؛ إذ لا بدَّ في طلب الإعانة من توسُّط صفة، ولا كذلك في العبادة، فلاختلاف التعلُّق أعاد المفعول لیشیر بها إليه. البحث السادس: في سرِّ إطلاق الاستعانة، فقيل: ليتناول كلَّ مستعانٍ فيه، فالحذف هنا مثله في قولهم: فلان يعطي، في الدلالة على العموم، ورُجّح بلزوم الترجيح بلا مرجِّح في الحمل على البعض، وأيضاً قرينةُ التقييد خفيَّةٌ، وبأنه المرويُّ عن ترجمان القرآن ابن عباس ﴿، وبأنَّ عموم المفعول متضمِّنٌّ لنفي الحول والقوة عن نفسه، والانقطاع بالكلية إليه تعالى عمَّن سواه، فهو أولى بمقام العبادة، وإلى ترجيحه يشير صنيع العلامة البيضاوي(١). وقال صاحب ((الكشاف))(٢): الأحسن أن يُراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا﴾ بياناً للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: ((اهدنا الصراط المستقيم)). وإنما كان أحسنَ لتلاؤم الكلام وأخذِ بعضه بحجزة بعض. انتهى. ووجه التخصيص حينئذٍ كمالُ احتياج العبادة إلى طلب الإعانة؛ لكونها علی خلاف مقتضى النفس ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِاَلشُوَّهِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَفْ﴾ [يوسف: ٥٣] والقرينة مقارنةُ العبادة، ولا خفاء في وضوحها، وكون عموم المفعول متضمِّناً لما ذكر معارَضٌ بنكتة التخصيص، والرواية عن ابن عباس ﴿ لعلها لم تثبت، كذا قیل. والإنصاف عندي أنَّ الحمل على العموم أولى، ليتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها، ولأنَّ التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرامٍ يستوعب جميع ما يصحُّ أن يُستعان فيه ليدخل فيه التوفيق دخولاً أوليًّا، أولى من مجرَّد التوفيق، ويلائمه الصراط المستقيم، فإنه أعمُّ من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات، وغير ذلك من الأمور الدينية، والنجاة من شدائد القبر والبرزخ والحشر والصراط والميزان، ومن عذاب النار والوصول إلى (١) ينظر تفسير البيضاوي ٣٤/١. (٢) ١/ ٦٦. ٠٠ سُوَدَّةُ الْفَاتِحَةِ ٣٠٠ الآية : ٥ دار القرار، والفوز بالدرجات العلى، وكلُّها مفتقرٌ إلى إعانة الله تعالى وفضله. وأيضاً طرق الضلالات التي يُستعاذ منها بغير المغضوب عليهم ولا الضالين لا نهاية لها، وباستعانته يتخلَّص من مهالكها . وأيضاً لا يخفى أن المراد بالعبادة في (إياك نعبد)» هي وما يتعلَّق بها وما يتوقف عليه، فإذاً توافق الاستعانة في العموم، وأيضاً قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مطلقٌ شاملٌ كلَّ إنعام، وأيضاً لو كان المراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، يبقى حكم الاستعانة في غيرها غيرُ معلوم في أمِّ الكتاب، ولا أظنُّ أحداً يقول: إنه يعلم من هذا التخصيص، فلا أختار أنا إلا العموم، وقد ثبت في الصحيح عنه وَ ﴿ أنه قال لابن عباس: ((إذا استعنت فاستعن بالله))(١) الحديث، وهو ظاهرٌ فيه، ولعلَّ ابن عباس من هنا قال به في الآية - إذا قلنا بثبوت ذلك عنه - وهو الظنُّ الغالب، فمن استعان بغيره في المُهمَّات، بل وفي غيرها، فقد استسمن ذا وَرَم، ونفخ في غير ضَرَم، أفلا يستعان به وهو الغني الكبير، أم كيف يطلب من غيره والكل إليه فقير؟ وإني لأرى أنَّ طلب المحتاج من المحتاج سَفَهٌ من رأيه، وضلّة من عقله، فكم قد رأينا من أناس طلبوا العزة من غيره فذلِّوا، وراموا الثروة من سواه فافتقروا، وحاولوا الارتفاع فاتَّضعوا، فلا مستعان إلا به، ولا عون إلا منه: وَمِنْكَ وإلا فالمُؤَمِّلُ خَائِبُ إليكَ وإلّا لا تُشَدُّ الرَّكائِبُ وَعَنْكَ وإلا فالمُحَدِّثُ كاذبُ وَفِيكَ وإلا فالغَرَامُ مُضَيَّعٌ وقد قرأ عبيد بن عمير الليثي وزيد بن حبيش(٢) ويحيى بن وثَّاب والنخعي: «نعبد» بکسر النون، وهي لغةُ قیسٍ وتميم وأسدٍ وربيعة وهذیل، وكذلك حُكْمُ حروف المضارعة في هذا الفعل وما أشبهه كـ((نستعين))، مما لم ينضمَّ ما بعدها فيه، سوى (١) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦) من حديث ابن عباس چ. قال الترمذي: حسن صحيح. (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب إما زيد بن علي أو زر بن حبيش، وينظر ما ورد في البحر المحيط ٢٣/١ عند ذكر القراءة بكسر النون من (نعبد)) و((نستعين)). الآية : ٦ ٣٠١ سُورَةُ الفَائِةِ الياء؛ لاستثقال الكسرة عليها، على أنَّ بعضهم قال: يجل(١) بكسر ياء المضارعة من وَجِلَ، وقرأ بعضهم: (يِيْلمون))(٢). وقرأ الحسن وأبو المتوكّل وأبو مجلز: ((يُعبد)» بالياء مبنيًّا للمفعول، وهو غريب. وعن بعض أهل مكة أنه قرأ: (نَعبدْ)) بإسكان الدال(٣). وقرأ الجمهور: ((نعبد)) بفتح النون وضم الدال ــ وهي لغة الحجاز(٤) وهي الفصحى. ﴾ الهداية: دلالةٌ بلطف؛ لدلالة اشتقاقه ومادَّته ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ عليه، ولذا أُطلق على المشي برفق: تهادٍ، وسُمِّيت الهداية لطفاً، وقوله تعالى: ﴿فَهْدُوُهُمْ إِلَى صِرَاطِ لَْحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] واردٌ على الصحيح موردَ التهكّم على حدٍّ: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. ويقال: هداه لكذا وإلى كذا، فتعدِّيه باللام وإلى، إذا لم يكن فيه (٥)، وهداه كذا بدونهما محتمل للحالين، حتى لا يجوز في ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهَدِيَتَّهُمْ سُبَُّأْ﴾ [العنكبوت: ٦٩]: لسبلنا أو إلى سبلنا، إلا بإرادة الإرادة في ((جاهدوا))، أو إرادة تحصيل المراتب العلية في ((سبلنا))، ومن ثَمَّ جمعها، وقد ورد: ((مَن عَمِلَ بما عَلِمَ، ورَّثه الله تعالى عِلْمَ ما لم يَعْلَمْ))(٦). وقد يقال: المراد بيان الاستعمال الحقيقي، وأما باب التجوُّز فواسعٌ. وهل يعتبر في الدلالة الإيصال أم لا؟ فيه اختلاف المتأخرين من أهل اللسان؛ ففريقٌ خصَّها بالدلالة الموصلة، وآخرون بالدلالة على ما يوصل، وقليل قال: إن تعدَّت إلى المفعول الثاني بنفسها كانت بمعنى الإيصال، ولا تسند إلا إليه تعالى (١) في الأصل: ييجل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٢٤/١، والكلام منه. (٢) في الأصل و(م) وحاشية الشهاب: يعلمون، والمثبت من الدر المصون ١/ ٦٠، وهي الآية (١٠٤) من سورة النساء، والقراءة المشهورة فيها: ((يألمون))، وقرأ بكسر الياء ابن وثاب ومنصور بن المعتمر كما في البحر ٣٤٣/٣. (٣) البحر المحيط ٢٣/١. (٤) في (م): أهل الحجاز. (٥) أي: إذا لم يكن الأمر المهديُّ له أو إليه في الشخص المَهديِّ، فيصل بالهداية إليه. (٦) سلف تخريجه ص١٠٦ . سُورَةُ الْفَاتِحَة ٣٠٢ الآية : ٦ كما في الآية، وإن تعدَّت باللام أو إلى، كانت بمعنى إراءة الطريق، فكما تسند إليه سبحانه تسند إلى القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْمَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وإلى النبيِّ وَّ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] والكلُّ من هذه الآراء غيرُ خالٍ عن خلل: أما الأول: فَيَرِدُ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْمُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. والجواب بجواز وقوعهم في الضلال بالارتداد بعد الوصول إلى الحق، لا يساعده ما في التفاسير والتواريخ؛ فإنها ناطقةٌ بأنَّ الجمَّ الغفير من قوم ثمود لم يتَّصفوا بالإيمان قطعاً، وما آمن من قومه إلا قليل، وقد بقوا على إيمانهم ولم يرتدُّوا، على أنَّ صاحب الذوق يدرك من نفس الآية خلاف الفرض كما لا يخفى. وأما الثاني: فيَرِدُ عليه قوله تعالى لحبيبه وَّهِ: ﴿إِنَّكَ لَا نَّهْدِى مَنْ أَحْبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. وما يقال: إنه على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَبَىْ﴾ [الأنفال: ١٧] أو أن المعنى: إنك لا تتمكَّن من إراءة الطريق لكلِّ من أحببت، بل إنما يمكنك إراءته لمن أردنا، لا يخلو عن تكلف. وأما الثالث: فإنَّ كلام أهل اللغة لا يساعده، بل ينادي بما ينافيه، ومع ذلك فالقول بأنَّ المتعدية لا تسند إلا إلى الله تعالى، منتقضٌ بقوله تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه السلام: ﴿يَأَبَتِ إِ قَدْ جَمَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًا﴾ [مريم: ٤٣] وعن مؤمن آل فرعون ﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَارِ﴾ [غافر: ٣٨]. ولهذا الخلل قال طائفة بالاشتراك، والبحثُ لغَويٌّ لا دخل للاعتزال فيه، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمَّته. والصراط: الطريق، وأصله بالسين من السَّرْط: وهو اللَّقْم، ولذلك يسمَّى لَقْماً، كأنَّ سالكه يبتلعه، أو يبتلع سالكه، ففي الأزهري(١): أكلتْه المفازة: إذا نَهَكَتْه لسيره فيها، وأَكَل المفازة: إذا قطعها بسهولة، قال أبو تمام (٢): رَعَتْه الفَيانِي بعْدَ ما كانَ حِقْبَةً رعاها وماءُ المُزْنِ يَنْهَلّ سَاكِبُهْ (١) كما في حاشية الشهاب ١٣١/١، ولم نقف عليه في تهذيب اللغة للأزهري. (٢) في ديوانه ١/ ٢٢٢. الآية : ٦ ٣٠٣ سُورَةُ الْفَاتَِةِ وبالسين على الأصل، قرأ ابن كثير برواية قنبل، ورويس اللؤلؤي عن يعقوب، وقرأ الجمهور بالصاد وهي لغة قريش، وقرأ حمزة بإشمام الصاد زاياً (١)، والزاي الخالصة لغة لعُذرة وكعب، والصاد عندي أفصح وأوسع، وأهل الحجاز يؤثّثون الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق، وبنو تميم يذكِّرون هذا كله، وتذكيره هو الأكثر، ويجمع في الكثرة على صُرُط، ككتاب وكتب، وفي القلة قياسه أُضْرِطة، هذا إذا كان الصراط مذكّراً، وأما إذا أُنِّث فقياسه أَفْعُل، نحو: ذراع وأَذْرُع. والمستقيم: المستوي الذي لا اعوجاج فيه، واختلف في المراد منه فقيل: الطريق الحق، وقيل: ملَّة الإسلام، وقيل: القرآن، وردّهما الرازيُّ قُدِّس سرُّه بأنَّ قوله تعالى: (صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يدلُّ على الصراط المستقيم، وهم المتقدِّمون من الأمم وما كان لهم القرآن والإسلام(٢). وفيه ما لا يخفى. والعجب كلُّ العجب من هذا المولى أنه ذكر في أحد الوجوه المَرْضِيَّة عنده أنَّ الصراط المستقيم: هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كلِّ الأخلاق وفي كل الأعمال، وأكَّد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةٌ وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣](٣). فيا ليت شعري، ماذا يقول لو قيل له: لم يكن هذا للمتقدِّمين من الأمم، وتلونا عليه الآية التي ذكرها؟ وسبحان مَن لا يُردُّ عليه. وقيل: المراد به معرفة ما في كلِّ شيء من كيفية دلالته على الذات والصفات. وقيل: المراد منه صراط الأولين في تحمُّل المشاقِ العظيمة لأجل مرضاة الله تعالی. وقيل: العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْبُدُوِيَّ هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً، وفيه نظر. وقيل: هو الإعراض عن السِّوى، والإقبال بالكلية على المولى. (١) التيسير ص١٨ - ١٩، والنشر ١/ ٢٧١. (٢) تفسير الرازي ٢٥٦/١-٢٥٧. (٣) تفسير الرازي ٢٥٥/١. سُورَّةُ الْفَاتِحَةِ ٣٠٤ الآية : ٦ وقال الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه: هو ثبوت التوحيد في الجمع والتفرقة(١). ولهم أقوالٌ غيرُ ذلك قريبة وبعيدة. وعندي بعد الاطلاع على ما للعلماء - وكل حزب بما لديهم فرحون - أنَّ الصراط المستقيم يتنوَّع إلى عامٌّ للناس وخاصٌّ بخواصِّهم، والكلُّ منهما صراط المنعَم عليهم على اختلاف درجاتهم: فالأول: جسرٌ بين العبد وبين الله سبحانه، ممدودٌ على متن جهنمِ الكفرِ والفسقِ والجهل والبدع والأهواء، وهو الاستقامة على ما ورد به الشرع القويم علماً وعملاً وخُلُقاً وحالاً، وهو الذي يظهر في الآخرة على متن جهنمِ الجزاءِ ممثَّلاً مصوَّراً بالتمثيل الرباني والتصوير الإلهي على حسب ما عليه العبد اليوم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه، وللتذكير بذلك الصراط لم يقل: السبيل ولا الطريق، وإن كان الكل واحداً. الثاني: طريق الوصول إلى الله تعالى، ومَن شَهِدَ الخَلْقَ لا فِعْلَ لهم فقد فاز، ومن شهدهم لا حياة لهم فقد جاز، ومن شهدهم عينَ العدم فقد وصل وتمَّ سفره إلى الله تعالى، ثم يتجدَّد له السفر فيه سبحانه وهو غير متناه؛ لأنَّ نعوت جماله وجلاله غير متناهية، ولا يزال العبد يرقى من بعضها إلى بعض، كما يشير إليه قوله وَله: ((إنه لَيُغانُ على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة))(٢). وهناك يكون عزَّ شأنه يدَه وسمعه وبصره، فبه يبطش وبه يسمع وبه يبصر، ووراء ذلك ما يحرم كشفه. فمتى قال العامِّيُّ: اهدنا الصراط المستقيم، أراد: أرشدنا إلى الاستقامة على امتثال أوامرك واجتناب نواهيك، ومتى قال ذلك أحد الخواص، أراد: ثبِّتنا على ما منحتنا به، وهو المرويُّ عن يعسوب(٣) المؤمنين (١) الفتوحات المكية ١١٥/١. (٢) أخرجه أحمد (١٧٨٤٨)، ومسلم (٢٧٠٢): (٤١)، من حديث الأغر المزني ظُه، وفيه: مئة مرة، بدل: سبعين مرة. قوله: ليغان، قال ابن الأثير في النهاية (غين): أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر. (٣) اليعسوب: السيد والرئيس والمقدَّم. اللسان (عسب). الآية : ٦ ٣٠٥ سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ كرم الله تعالى وجهه، وأبيٍّ ◌َ﴿ه، وذلك لأنَّ طالب هداية الصراط(١) المستقيم ليَسْلُكه، له في سلوكه مقامات وأحوال، ولكلٍّ منها بدايةٌ ونهايةٌ، ولا يصل إلى النهاية ما لم يصحِّح البداية، ولا ينتقل إلى مقامٍ أو حالٍ إلا بعد الرسوخ فيما تحته والثبات عليه، فما دام هو في أثناء المقام أو الحال ولم يصل إلى نهايةٍ، يطلب الثبات على ما منح به؛ ليرسخ له ذلك المقام ويصير ملكه، فيرقى منه إلى ما فوقه، وذلك هو الفضل الكبير والفوز العظيم. وللمحققين في معنى ((اهدنا)» وجوهُ دفعوا بها ما يوشك أن يُسأل عنه من أنَّ المؤمن مهتدٍ، فالدعاء طلبٌ لتحصيل الحاصل: أحدها: أنَّ معناه ثبّتنا على الدين كيلا تزلزلنا الشُّبَه، وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْع قُلُوبْنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] وفي الحديث: ((اللهم يا مقلُّب القلوب، ثبّت قلوبنا علی دینك))(٢). وثانيها: أعطنا زيادة الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ١٧]. وثالثها: أنَّ الهداية الثواب؛ كقوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ﴾ [يونس: ٩] فالمعنى: اهدنا طريق الجنة ثواباً لنا، وأُيِّد بقوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِى هَدَيْنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. ورابعها: أنَّ المراد: دلَّنا على الحقِّ في مستقبل عمرنا، كما دللتنا عليه في ماضيه . ولهم بعدُ أيضاً كلمات متقاربة غير هذا، ولعلَّه يغنيك عن الكلِّ ما ذكره الفقير، فتدبر ولا تغفل. بقي الكلام في ربط هذه الجملة بما قبلها، وقد قيل: إنَّ عندنا احتمالاتٍ أربعةً، لأنَّ طلب المعونة إما في المهمات كلِّها أو في أداء العبادة، والصراط المستقيم إما أن يُؤخذ بمعنّى خاصٌّ؛ كمِلَّة الإسلام، أو بمعنى عام؛ كطريق الحق (١) في (م): الطريق. (٢) أخرجه أحمد (١٧٦٣٠)، من حديث النواس بن سمعان الكلابي ظ سُورَةُ الفَائِحَةِ ٣٠٦ الآية : ٧ خلاف الباطل، فعلى تقدير (١) عموم الاستعانة والصراط و خصوصهما يكون: ((اهدنا)) بياناً للمعونة المطلوبة، كأنه قال: كيف أعينكم في المهمات أو في العبادات(٢)؟ فقالوا: اهدنا طريق الحق في كلِّ شيءٍ، أو ملة الإسلام، فيكون الفصل لشبه كمال الاتصال. وعلى تقدير عموم الاستعانة وخصوص الصراط، يكون ((اهدنا)» إفراداً للمقصود الأعظم من جميع المهمات، فيكون الفصل حينئذ لكمال الاتصال. وأما على تقدير خصوص الاستعانة وعموم الصراط فلا ارتباط. وما عندي غير خفيٍّ عليك إن أحطت خبراً بما قدمناه لديك. وقد قرأ الحسن والضحاك وزيد بن عليٍّ: ((صراطاً مستقيماً)) دون تعريف(٣). وقرأ جعفر الصادق: ((صراط المستقيم)) بالإضافة (٤)، والمتواتر ما تلوناه. ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: بدلٌ من الصراط الأول بدلَ الكلِّ من الكل، وهو الذي يسمِّيه ابن مالك: البدل الموافق أو المطابق، تحاشياً من إطلاق الكل [إبراهيم: ١ - ٢]. اللَـ على الله تعالى في مثل ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وفائدة الإبدال تأكيد النسبة بناءً على أنَّ البدل في حكم تكرير العامل، والإشعارُ بأن ((الصراط المستقيم)) بيانه وتفسيره: صراط المسلمين، فيكون ذلك شهادة لاستقامة صراطهم على أبلغ وجه وآكده. وقيل: صفة له. ومن غريب المنقول أنَّ الصراط الثاني غير الأول، وكأنه نوي فيه حرف العطف، وفي تعيين ذلك اختلاف، فعن جعفر بن محمد: هو العلم بالله والفهمُ عنه. وقيل: موافقة الباطن للظاهر في إسباغ النعمة. وقيل: التزام الفرائض والسنن. ولا يخفى أنَّ هذا القول خروجٌ عن الصراط المستقيم فلا نتعب جواد القلم فيه. (١) في (م): تقديري. (٢) في (م): العبادة. (٣) المحتسب ٤١/١، والبحر المحيط ٢٦/١. (٤) المحرر الوجيز ٧٤/١، والبحر المحيط ٢٦/١. الآية : ٧ ٣٠٧ سُؤَةُ الفَاتِحَةِ وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي: ((صراط مَن أنعمت عليهم))(١)، وهو المرويُّ عن عمر وأهل البيت ظ﴿ه. قال الشهاب: وفيه دليلٌ على جواز إطلاق الأسماء المبهمة ((كمن)) على الله تعالى. انتهى(٢). وهو خبطٌ ظاهر؛ إذ الإضافة إلى المفعول لا الفاعل. والإنعام: إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب(٣). فلا يقال: أنعم على فرسه، ولذا قيل: إنَّ النعمة نَفْعُ الإنسان مَن دونَه لغير عوض. واختلف في هؤلاء المُنعَم عليهم فقيل: المؤمنون مطلقاً. وقيل: الأنبياء. وقيل: أصحاب موسى وعيسى عليهما السلام قبل التحريف والنسخ. وقيل: أصحاب محمد رَالحجر. وقيل: محمد زَّل وأبو بكر وعمر ها. وقيل: الأَوْلى ما أخرجه ابن جرير(٤) عن ابن عباس ﴾ أنَّ المراد بالذين أنعمت عليهم: الأنبياء والملائكة والشهداء والصدِّيقون، ومَن أطاع الله تعالى وعَبَده، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّئِنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَّبِّكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فما في هاتيك الأقوال اقتصار على بعض الأفراد. ولم يقيد الإنعام ليعمَّ ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقيل: أنعم عليهم بخلقهم للسعادة. وقيل: بأن نجَّاهم من الهلكة. وقيل: بالهداية. وفي بناء ((أنعمت)) للفاعل استعطاف؛ فكأنَّ الداعي يقول: أطلب منك الهداية إذ سبق إنعامك، فاجعل من إنعامك إجابةً دعائنا وإعطاء سؤالنا، وسبحانه ما أكرمه! كيف يعلِّمنا الطلب ليجود على كلِّ بما طلب: لَو لَم تُرد نَيلَ ما نَرْجُو ونَطلبُهُ مِنْ فَیضِ جُودِكَ ما عَلَّمتنا الطَّلَبا(٥) وحكى اللغويون في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عشر لغات؛ ضمَّ الهاء وإسكان الميم، وهي (١) القراءات الشاذة ص١، والكشاف ٦٩/١، والمحرر الوجيز ٧٥/١. (٢) حاشية الشهاب على البيضاوي ١٣٥/١. (٣) مفردات ألفاظ القرآن ص٨١٥. (٤) في تفسيره ١/ ١٧٧ . (٥) البيت لأبي الفتح البستي، وهو في ديوانه ص٣٨. سُورَةُ الْفَائِحَّةِ ٣٠٨ الآية : ٧ قراءة حمزة(١)، وكسرها وإسكان الميم، وهي قراءة الجمهور، وكسر الهاء والميم وياء بعدها، وهي قراءة الحسن، قيل: وعمرو ابن فائد، وكذلك بغير ياء، وهي قراءة عمرو بن فائد(٢)، وكسر الهاء وضم الميم بواو بعدها، وهي قراءة ابن كثير وقالون بخلاف عنه(٣)، وضم الهاء والميم وواو بعدها، وهي قراءة الأعرج ومسلم بن جندب وجماعة، وضمهما بغير واو ونسبت لابن هرمز، وكسر الهاء وضم الميم بغير واو ونسبت للأعرج والخفاف عن أبي عمرو، وضم الهاء وكسر الميم بياء بعدها وكذلك بغير ياء، وقرئ بهما أيضاً (٤). وحاصلها ضمُّ الهاء مع سكون الميم، أو ضمِّها بإشباعِ أو دونه، أو كسرِها بإشباع أو دونه، وكسرُ الهاء مع سكون الميم، أو كسرِها بإشباع أو دونه، أو ضمِّها بإشباع أو دونه، وحجج كلٌّ في كتب العربية. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِّنَ ﴾﴾: بدلٌ من ((الذين)) بدلَ كلٍّ من كلٍّ. وقيل: من ضمير ((عليهم))، ولا يخلو من الركاكة بحسب المعنى، وأما أنه يلزم عليه خلوُّ الصلة عن الضمير فلا؛ لأنَّ المُبدَل منه ليس في نية الطرح حقيقة. والقول بأنَّ (غير)) في الأصل صفة بمعنى مغاير، والبدلُ بالوصف ضعيف، ضعيف؛ لأنها غلبت عليها الاسمية، ولذا لم تَجْرِ على موصوف في الأكثر. وعن سيبويه أنها صفة ((الذين))(٥) مبيّنةٌ أو مقيّدةٌ، ولا يَرِدُ أنَّ ((غير)) من الأسماء المتوغِّلة في الإبهام، فلا تتعرَّف بالإضافة، فلا توصف بها المعرفة، بل ولا تبدل منها على المشهور؛ لأنَّا نقول: الموصوف هنا معنَى كالنكرة، فيصحُّ أن يوصف بها، وذلك لأنَّ الموصول بعد اعتبار تعريفه بالصلة يكون كالمعرَّف باللام في استعمالاته، فإذا استعمل في بعض ما اتَّصف بالصلة، كان كالمعرَّف باللام للعهد الذهني، فكما أنَّ المعرَّف المذكور لكون التعريف فيه للجنس، يكون معرفةً بالنظر (١) وهي قراءة يعقوب أيضاً. التيسير ص١٩، والنشر ١/ ٢٧٢. (٢) القراءات الشاذة ص١، والمحتسب ٤٤/١، والبحر ٢٦/١. (٣) وهي قراءة أبي جعفر أيضاً. التيسير ص١٩، والنشر ١/ ٢٧٣. (٤) تنظر هذه القراءات في المحتسب ٤٤/١-٤٥، والبحر ٢٦/١-٢٧. (٥) ينظر الكتاب ٣٣٣/٢. الآية : ٧ ٣٠٩ سُوَّةُ الْفَائِحَةِ إلى مدلوله، وفي حكم النكرة بالنظر إلى قرينة البعضية المبهمة، ولذا يعامل به معاملتهما، كذلك الموصول المذكور بالنظر إلى التعيين الجنسي المستفاد من مفهوم الصلة معرفةٌ، وبالنظر إلى البعضية المستفادة من خارج كالنكرة، فيعامل به معاملتهما أيضاً، فـ((الذين أنعمت عليهم)) إذا لم يقصد به معهود كذلك؛ إذ لا صحة لإرادة جنس المنعَم عليهم من حيث هو، إذ لا صراط له ولا غرض يتعلَّق بطلبٍ صراطٍ مَن أنعم عليهم على سبيل الاستغراق، سواء أريد استغراق الأفراد والجماعات أو المجموع من حيث المجموع، فالمطلوب صراط جماعة ممن أنعم عليهم بالنِّعَم الأُخرويَّة؛ أعني طائفة من المؤمنين لا بأعيانها، فإن نظر إلى البعضية المبهمة المستفادة من إضافة الصراط إليهم كان كالنكرة، وإن نظر إلى مفهومه الجنسي - أعني المنعَم عليهم - كان معرفة، قاله العلامة السيالكوتي(١) وغيره، ولا يخلو عن دغدغة. أو يقال - وهو المعوَّل عليه عند من يعوَّل عليه - أن ((غير)) هنا معرفة؛ لأنَّ المحققين من علماء العربية قالوا: إنها قد تتعرَّف بالإضافة، وذلك إذا وقعت بين متضادّين معرفتين، نحو: عليك بالحركة غير السكون، وقال ابن السَّريّ(٢) وغيره: إذا أضيفت ((غير)) إلى معرَّفٍ له ضدٌّ واحد فقط تعرَّفت لانحصار الغيرية، وهنا المنعَم عليهم ضدٌّ لما بعده، ولا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيّرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] لجواز أن يكون ((صالحاً)) حالاً قدِّمت على صاحبها، وهو ((غير الذي))، أو ((غير الذي)) بدلاً من صالحاً، ولو قيل: ضد الصالح الطالح، والذي كانوا يعملون فرد من أفراده فليس بضد، لم يبعد. وقرأ عمر بن الخطاب وظ ◌ُله: ((غيرَ)) بالنصب، وروي ذلك شاذًّا عن ابن كثير (٣)، وهو حالٌ من ضمير ((عليهم)) والعامل فيه ((أنعمت))، ويضعف أن يكون (١) عبد الحكيم بن شمس الدين، من أهالي سيالكوت التابعة للاهور بالهند (وهي الآن تابعة لباكستان)، له حاشية على تفسير البيضاوي على بعض سورة البقرة، وحاشية على شرح العقائد النسفية للسعد، وغيرها. توفي سنة (١٠٦٧هـ). خلاصة الأثر ٣١٨/٢، وأبجد العلوم ٢٣٠/٣. (٢) هو أبو بكر محمد بن السري، الشهير بابن السَّراج، وقد ذكر كلامه بتمامه في هذه المسألة الفارسي في الحجة ١٤٣/١، وابن عطية في المحرر ٧٧/١، ومختصراً ابن هشام في المغني ص ٢١٠، وينظر الخزانة ٢٠٧/٤ . (٣) القراءات الشاذة ص١. سُوَّةُ الفَائِحَةِ ٣١٠ الآية : ٧ حالاً من ((الذين))؛ لأنه مضافٌ إليه، والصراط لا يصحُّ بنفسه أن يعمل في الحال، وقيل: يجوز، والعامل فيه معنى الإضافة. وجوَّز الأخفش أن يكون النصب على الاستثناء المنقطع، أو المتصل إن فسِّر الإنعام بما يعمّ، ومنعه الفراء (١)؛ لأنه حينئذ بمعنى سوى، فلا يجوز أن يعطف عليه بـ((لا))؛ لأنها نفيٌّ وجحدٌ، ولا يعطف الجحد إلا على مثله. وأُجيب بزيادة ((لا))، مثلها في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْبُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وفي قول الأحوص: وَللَّهِوِ دَاعِ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلٍ (٢) ويَلحَينَني في اللَّهوِ أَنْ لا أُحبَّهُ واعترض بأنه لم تسمع زيادتها بعد واو العطف والكلام فيه، وحكى بعضهم عن الأخفش أنَّ الاستثناء في معنى النفي فيجوز العطف عليه بـ ((لا)) حملاً على المعنى، فحينئذ لا يَرِدُ ما ورد(٣). وعند الخليل: النصبُ بفعلٍ محذوفٍ، أعني: أعني، وبه أقول؛ لأنَّ الاستثناء كما ترى، والحالية تقتضي التنكير، ولا يتحقق إلا بعدم تحقق التضاد، أو بجعل (٤) (غير)) بمعنى مغاير لتكون إضافته لفظية، وكلاهما غير مرضيٍّ لما علمت. وقال بعضهم: في الآية حذفٌ، والتقدير: غير صراط المغضوب عليهم، وهو ممكن على هذه القراءة، فيكون ((غير)) حينئذ إما صفة لقوله: ((الصراط))، وهو ضعيف؛ لتقدم البدل على الوصف إذا قلنا به، والأصل العكس، أو بدل أو صفة للبدل أو بدل منه أو حال من أحد الصراطين. والصراط السويُّ عدم التقدير. والغضب: أصله الشدَّة، ومنه الغَضْبَة: الصخرة الصلبة الشديدة المركّبة في الجبل، والغضوب: الحيّة الخبيثة، والناقة العبوس. وفُسِّر تارةً بحركةٍ للنفس مبدؤها إرادة الانتقام، كما في (شرح المفتاح)) للسعد، وتارةً بإرادة الانتقام كما في (١) في معاني القرآن ٨/١، وقول الأخفش بنحوه في معاني القرآن له ١٦٦/١، وينظر البحر ٢٩/١. (٢) ديوان الأحوص ص١٧١ . (٣) في الأصل: أورده. (٤) في (م): يجعل. الآية : ٧ ٣١١ سُوَّةُ الفَاتِيةِ ((شرح الكشاف)) له، وأخرى بكيفيةٍ تَعْرضُ للنفس فيتبعها حركة الروح إلى خارجٍ طلباً للانتقام كما في ((شرح المقاصد))(١). ويقرب منه ما قيل: تغيُّرٌ يحدث عند غليان دم القلب، وفي الحديث: ((اتقوا الغضب، فإنه جمرة تتوقَّد في قلب ابن آدم، ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عینیه»(٢). وفي الكشاف(٣): معنى غضبِ الله تعالى: إرادةُ الانتقام من العصاة وإنزالٍ العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على مَن تحتَ يده. وأنا أقول كما قال سلف الأمة: هو صفةٌ لله تعالى لائقةٌ بجلال ذاته، لا أعلم حقيقتها ولا كيف هي، والعجز عن دَرْك الإدراك إدراك، والكلام فيه كالكلام في الرحمة حذو القُذَّة بالقُذَّة، فهما صفتان قديمتان له سبحانه وتعالى. وحديث ((سبقت رحمتي غضبي)» (٤) محمولٌ على الزيادة في الآثار أو تقدُّم ظهورها . وأصل الضلال: الهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَِذَا ضَلَّلْنَا فِ الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي: هلكنا، وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٨] أي: أهلكها، والضلال في الدين: الذهاب عن الحق، وقرأ أيوب(٥) السختياني: ((ولا الضَّأَّلِّين)) بإبدال الألف همزة فراراً من التقاء الساكنين، مع أنه في مثله جائز. وحكى أبو زيد: دَأَبَّة وشَأَبَّة، وعلى هذه اللغة قراءة عمرو بن عبيد: ((فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جأَنٌّ» [الرحمن: ٣٩](٦) وقوله: وللأرضُ أَمّا سُودُها فَتَجَلَّلتْ بَياضاً وأَمّا بيضُها فَاذْهَأَمَّتِ(٧) وهل يُقاس عليه أم لا؟ قولان. (١) ٣٨١/٢، وهو للسعد أيضاً. (٢) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (١١٥٨٧)، عن أبي سعيد الخدري رضيُه. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. (٣) ١/ ٧١. (٤) سلف تخريجه ص١١٤ . (٥) في الأصل و (م): أبو أيوب، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في المحتسب ٤٦/١. (٦) المحتسب ٤٦/١-٤٧. (٧) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص٨٤. سُورَةُ الْفَاتِحَةِ ٣١٢ الآية : ٧ وروي عن عمر بن الخطاب ظُه وعبد الله بن الزبير أنهما كانا يقرآن: ((وغير الضالين))(١)، والمتواتر ((لا)) كما في الإمام، وهي (٢) سيفُ خطيب أُتي بها لتأكيد ما في ((غير)) من معنى النفي، والكوفيون يجعلونها هنا بمعناها . والمراد بالمغضوب عليهم: اليهود، وبالضالين: النصارى، وقد روى ذلك أحمد في مسنده)) [والترمذي] وحسَّنه [و] ابن حبان في ((صحيحه)) مرفوعاً إلى رسول الله وَ﴾(٣). وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود ثه(٤)، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم فيه خلافاً للمفسرين(٥). فمن زعم أنَّ الحمل على ذلك ضعيفٌ؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود والنصارى، فكان الاحتراز منهم أولى، بل الأولى أن يحمل ((المغضوب عليهم)) على كلِّ مَن أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفسَّاق، ويحمل الضالون على كلِّ مَن أخطأ في الاعتقاد؛ لأنَّ اللفظ عامٌّ، والتقييد خلاف الأصل = فقد ضل ضلالاً بعيداً إن كان قد بلغه ماصحَّ عن رسول الله وَاتِ، وإلَّا فقد تجاسر على تفسير كتاب الله تعالى مع الجهل بأحاديث رسوله وخير، وما قاله في منكري الصانع لا يعتدُّ به؛ لأنَّ مَن لا دين له لا يعتدُّ بذكره. والعجب من الإمام الرازي أنه نقل هذا ولم يتعقَّبه بشيءٍ سوى أنه زاد في الشطرنج بغلاً فقال: ويحتمل أن يقال: المغضوب عليهم هم الكفار، والضالون هم المنافقون(٦). وعلَّله بما في أول البقرة من ذكر المؤمنين ثم الكفار ثم المنافقين، فقاس ما هنا على ما هناك، وهل بعد قول رسول الله #الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس؟ هيهات هيهات دون ذلك أهوال. واستدلَّ بعضهم على أنَّ المغضوب عليهم هم اليهود بقوله تعالى: ﴿مَن لَّمَنَهُ اللَّهُ (١) المحرر الوجيز ٧٨/١، والبحر ٢٩/١ عن عمر وأبيٍّ (٢) في (م): وهو. (٣) مسند أحمد (١٩٣٨١)، وسنن الترمذي (٢٩٥٣)، وصحيح ابن حبان (٦٢٤٦)، من حديث عدي بن حاتم ظه. وما بين حاصرتين من الدر المنثور ١٦/١، وعنه نقل المصنف. (٤) تفسير الطبري ١/ ١٨٨، ١٩٦. (٥) تفسير ابن أبي حاتم ٣١/١. (٦) التفسير الكبير ٢٦١/١. الآية : ٧ ٣١٣ سُؤَدَّةُ الْفَاتِحَةِ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَاَلْخَازِيَرَ﴾ [المائدة: ٦٠] وعلى أنَّ الضالين النصارى بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاَءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ﴾ [المائدة: ٧٧] والأولى الاستدلالُ بالحديث؛ لأنَّ الغضب والضلال وردا جميعاً في القرآن لجميع الكفار على العموم، فقد قال تعالى: ﴿وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اَللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] ووردا لليهود والنصارى جميعاً على الخصوص، كما ذكره المستدل. وإنما قدَّم سبحانه ((المغضوب عليهم)) على ((الضالين))، مع أنَّ الضلال في بادئ النظر سببٌ للغضب؛ إذ يقال: ضلَّ فغضب عليه؛ لتقدُّم زمان المغضوب عليهم وهم اليهود، على زمان الضالين وهم النصارى، أو لأنَّ الإنعام يقابل بالانتقام ولا يقابل بالضلال، فبينهما تقابلٌ معنويٌّ بناءً على أنَّ الأول إيصالُ الخير إلى المنعَم عليه، والثاني إيصالُ الشرِّ إلى المغضوب عليه، أو لأنَّ اليهود أشدُّ في الكفر والعناد، وأعظمُ في الخبث والفساد، وأشد عداوة للذين آمنوا، ولذا ضُربت عليهم الذلة والمسكنة. وورد في الحديث: ((من لم يكن عنده صدقة، فليلعن اليهود)) رواه السلفي والديلمي وابن عدي(١). والنصارى دون ذلك، وأقرب للإسلام منهم، ولذا وصفوا بالضلال؛ لأنَّ الضالَّ قد يهتدي. ومما يدلُّ على أنَّ اليهود أسوأ حالاً من النصارى أنهم كفروا بنبيّين؛ محمددوَه وعيسى عليه السلام، والنصارى كفروا بنبيٍّ واحدٍ وهو نبيُّنا وَّر، وفضائحهم وفظائعهم أكثر مما عند النصارى كما ستقرؤه وتراه إن شاء الله تعالى. وقولُ النصارى بالتثليث ليس أفظعٍ من قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَغَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقولِهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وقولِهِم: ﴿عُزَيْرُّ أَبْنُ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] فمن زعم أن النصارى أسوأ حالاً متكئاً على ما في ((دلائل (١) الكامل لابن عدي ٢٣٠٤/٦، من حديث عائشة ﴿يا، وقال العجلوني في كشف الخفاء ٣٦٤/٢: رواه السلفي والديلمي وابن عدي، كذا في الفتاوى الحديثية لابن حجر من غير بيان صحابيه ومرتبته، وقال القاري: لا يصح. سُورَةُ الْفَاتِية ٣١٤ الآية : ٧ الأسرار))(١)، لم يعرف أسرار الدلائل، وهي بُعد العيُّوق عنه، وليست المسألة من الفروع ليكتفي مثلنا فيها بالتقليد المحض، لا سيَّما وفضل الله تعالى ليس بمقصور على البعض. وقال بعضهم: تأخير الضالين لموافقة رؤوس الآي، ولا بأس بضمِّه إلى تلك الوجوه، وإلا فالاقتصار عليه من ضِيق العَطَن. وإنما أَسند النعمة إليه تعالى تقرُّباً، والمقصود طلب الهداية إلى صراط مَن ثبت إنعام الله تعالى عليه وتحقق، ولذلك أتى بالفعل ماضياً، وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب إلى الغيبة تأدُّباً، ولأنَّ مَن طلب منه الهداية ونسب الإنعام إليه لا يناسب نسبة الغضب إليه؛ لأنه مقام تلظُّف وترفُّق وتذلِّل لطلب الإحسان، فلا يناسب مواجهته بوصف الانتقام. وقد عدَّ ابن الأثير في ((كنز البلاغة)) والتنوخيُّ في ((الأقصى القريب)) بناءَ الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله نوعاً غريباً من الالتفات، فإن كان الالتفات كما في استعمال الأدباء والمتقدِّمين بمعنى الافتنان، فلا غبار عليه، وإن كان بالمعنى المتعارف، فلك أن تقول على رأي السكاكي الذي لا يشترط تعدُّد التعبير، بل مخالفة مقتضى الظاهر: إنَّ المخاطَب إذا تُرك خطابه وبُني ما أُسند إليه للمفعول والمحذوف كالغائب، فلا مانع من أن يسمَّى التفاتاً، فكما يجري في الانتقال من مقدَّرٍ إلى محقَّق، يجري في عكسه، وهو معنّى بديعٌ كما قاله الشهاب(٢). ويسنُّ بعد الختام أن يقول القارئ: ((آمين)) فقد روى ابن أبي شيبة في ((مصنَّفه)» والبيهقيُّ في (الدلائل)) عن أبي ميسرة: أنَّ جبريل أقرأ النبيَّ وَّ فاتحة الكتاب، فلما قال: ((ولا الضالين)) قال له: قل: آمين، فقال: آمين(٣). ويقولها المأموم لقراءة إمامه، فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه ٨ (١) لعله دلائل الأسرار لخليل بن محمد بن إبراهيم الفتال الدمشقيّ المتوفى سنة (١١٨٦هـ)، وهو حاشية على الدر المختار. الأعلام ٣٢٢/٢. (٢) في حاشيته على تفسير البيضاوي ١/ ١٤٧ . (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢٥ . الآية : ٧ ٣١٥ سُورَةُ الْفَائِحَةِ وابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله وَله: ((إذا قرأ - يعني: الإمام - ((غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) فقولوا: آمين، يُجبُكم الله))(١). وإخفاؤها مذهب ساداتنا الحنفية، وهو مذهب أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه، وعبد الله بن مسعود، وعند الشافعية يجهر بها. وعن الحسن: لا يقولها الإمام؛ لأنه الداعي، وعن أبي حنيفة في رواية غير مشهورة مثله، والمشهور أنه يخفيها، وروى الإخفاءً عن رسول الله عبد الله بن مغفل وأنس معظم﴾ ما كما في الكشاف(٢)، ورواية الجهر (٣) محمولةٌ على التعليم، والبحث فقهي، وهذا القدر يكفي فيه. وليست من القرآن إجماعاً، ولذا سنَّ الفصل بينها وبين السورة بسكتة لطيفة، وما قيل: إنها من السورة عند مجاهد فمما لا ينبغي أن يلتفت إليه، إذ هو في غاية البطلان، إذ لم يكتب في الإمام ولا في غيره من المصاحف أصلاً، حتى ذكر غير واحد أنَّ من قال: إنَّ آمين من القرآن، كفر. وهي اسمُ فعلٍ مبنيٍّ على الفتح كأين؛ لالتقاء الساكنين، والبحث عن أسماء الأفعال مفروغ عنه في كتب النحو. والصحيح أنها كلمةٌ عربيةٌ، ومعناها: استجب، وقيل: موضوعة لِمَا هو أعمّ منه، ومن مرادفه. ومن الغريب ما قيل: إنه عجميّ معرَّبُ همین؛ لما أن فاعیل کقابیل لیس من أوزان العرب، ورُدَّ بأنه يكون وزناً لا نظير له، وله نظائر، ولذا قيل: إنه في الأصل مقصورٌ، ووزنه فعیل، فأشبع. ومن العجيب ما قيل: إنه اسم الله تعالى. والقول في توجيهه: إنه لمَّا كان مشتملاً على الضمير المستتر الراجع إليه تعالى قيل: إنه من أسمائه، أعجبُ منه. (١) صحيح مسلم (٤٠٤)، وسنن أبي داود (٩٧٢)، وسنن النسائي (المجتبى) ٢٤١/٢-٢٤٢، وسنن ابن ماجه (٩٠١)، وهو عند أحمد (١٩٦٦٥). (٢) ١/ ٧٥. قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص٣: لم أجده عن أيٍّ منهما. (٣) في (م): الجمهور. الآية : ٧ ٣١٦ سُورَةُ الفَاتِةِ وقد تمدُّ ألفه وتقصرُ، وإلى أصالة كلِّ ذهب طائفة. وأما تشديد ميمه فذكر الواحديُّ أنه لغة فيه، وقيل: إنه جمع آمٌّ، بمعنى قاصد، منصوبٌ باجعلنا ونحوه مقدراً. وقيل: إنه خطأ ولحن. وحيث إنه ليس من القرآن بل دعاء ومعناه صحيح، قال بعضهم: لا تفسد به الصلاة، وإن كان لحناً. وفضل هذه السورة مما لا يخفى، ويكفي في فضلها ما روي بأسانيدَ صحيحةٍ عن أبي هريرة ◌ُه أنَّ رسول الله وَّف خرج على أبيٍّ بن كعب فقال: ((يا أبيّ)) وهو يصلي، فالتفت أبيٍّ فلم يجبه، فصلَّى أبيٍّ فخفّف، ثم انصرف إلى رسول الله بَ لافقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله وَ لجز: ((ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟)) فقال: يا رسول الله، إني كنت في الصلاة. قال: ((أفلم تجد فيما أوحى الله إليَّ أن ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُهِيكُمْ﴾؟)) [الأنفال: ٢٤] قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله تعالى، قال: ((تحبُّ أن أعلِّمك سورةً لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها))؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله اله : ((كيف تقرأ في الصلاة))؟ فقرأ بأمّ القرآن، فقال رسول الله ولي: ((والذي نفسي بيده، ما نزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وأنها للسبع من المثاني - أو قال: السبع المثاني - والقرآن العظيم الذي أعطيته))(١). والأحاديث في ذلك كثيرة، ولا بِذْعَ فهي أم الكتاب، والحاوية من دقائق الأسرار العجب العجاب، حتى إنَّ بعض الربانيين استخرج منها الحوادث الكونية، وأسماء الملوك الإسلامية وشرح أحوالهم وبيان مآلهم. وبالجملة هي كنز العرفان، بل اللوح المحفوظ لِمَا يلوح في عالم الإمكان، نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بإشراق أنوارها، والاطلاع على مخزونات أسرارها، إنه وليُّ التوفيق والهادي إلى معالم التحقيق. (١) أخرجه أحمد (٩٣٤٥)، والترمذي (٢٨٧٥). سُؤْرَةُ الْبَقَة هذا هو الاسم المشهور، وفي الصحيح عن ابن مسعود رضيُله: هذا مَقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة(١). وهو معارِضٌ لمَا روي من مَنْع ذلك، وتَعيُّنِ أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، وكذا في سور القرآن كلِّه(٢). ومن ثمة أجاز الجمهور ذلك من غير کراهةٍ. ويمكن أن يوفّق بأنه كان مكروهاً في بدء الإسلام لاستهزاء الكفار، ثم بعد سطوع نوره نُسخ النهي عنه، فشاع من غير نكير، وورد في الحديث بياناً لجوازه، وقد تقدَّم بعض الكلام على هذا. وكان خالد بن معدان يسمِّيها: فُسطاط القرآن، وورد في حديثٍ مرفوعٍ في ((مسند الفردوس))(٣)، وذلك لعِظَمها، ولمَا جُمع فيها من الأحكام التي لم تُذكر في غيرها، حتى قال بعض الأشياخ: إنَّ فيها ألفَ أمرٍ وألفَ نهي وألفَ خبر. قيل: وفيها خمسة عشر مثلاً. ولهذا أقام ابن عمر رضيها ثماني سنين على تعلُّمها. وورد في حديث ((المستدرك)) تسميتُها: سنامَ القرآن(٤). وسنامُ كلٌّ شيءٍ أعلاه، وكأنه لذلك أيضاً . (١) صحيح البخاري (١٧٥٠)، وصحيح مسلم (١٢٩٦)، وهو عند أحمد (٣٥٤٨). (٢) أخرجه أحمد في العلل (٥٩٥٣)، والطبراني في الأوسط (٥٧٥١)، والبيهقي في الشعب (٢٥٨٢) من حديث أنس . قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال البيهقي: هذا حديث لا یصح، وإنما یروی فيه عن ابن عمر من قوله. (٣) ٣٤٤/٢. وفي إسناده، إسماعيل بن أبي زياد الشامي، قال الدارقطني: متروك يضع الحديث. فيض القدير ١٤٩/٤، والميزان ٢٣١/١. وخبر خالد بن معدان أخرجه الدارمي (٣٣٧٦). (٤) المستدرك ٢٥٩/٢، وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٨٧٨)، وهو من طريق حكيم بن جبير عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حدیث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه. سُورَةُ الجَمَة ٣١٨ الآية : ١ وروي أنَّ رسول الله وَلفقال: ((أيُّ القرآن أفضل؟)) فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((سورة البقرة)) ثم قال: ((وأيها أفضل؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((آية الکرسي»(١). وهي مدنيةٌ، وآياتها مئتان وسبعٌ وثمانون على المشهور، وقيل: ستٌّ وثمانون، وفيها آخرُ آيةٍ نزلت، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُنْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] وقد نزلت في حجة الوداع يوم النحر، ولا تخرج بذلك عن كونها مدنيةً كما لا يخفى. ووجهُ مناسبتها لسورة الفاتحة: أنَّ الفاتحة مشتملةٌ على بيان الربوبية أولاً ، والعبودية ثانياً، وطلبٍ الهداية في المقاصد الدينية والمطالب اليقينية ثالثاً، وكذا سورة البقرة مشتملةٌ على بيان معرفة الربِّ أولاً كما في ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ [البقرة: ٣] وأمثاله، وعلى العبادات وما يتعلَّق بها ثانياً، وعلى طلب ما يُحتاج إليه في العاجل والآجل آخِراً. وأيضاً في آخر ((الفاتحة)) طلبُ الهداية، وفي أول ((البقرة)) إيماءٌ إلى ذلك بقوله: ﴿هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. ولمَّاً افتتح سبحانه الفاتحة بالأمر الظاهر، وكان وراء كلِّ ظاهرٍ باطنٌ، افتتح هذه السورة بما بَطُنَ سرُّه، وَخَفِيَ إلا على مَن شاء الله تعالى أمرُه، فقال سبحانه وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّمّ ﴾﴾ هي وسائرُ الألفاظ التي يتهجَّى بها كـ ((با تا ثا)» أسماءٌ مسمَّياتها الحروفُ المبسوطةُ التي رُكِّبت منها الكلمة؛ لصِدْقِ حدِّ الاسم المتفق عليه، واعتوارٍ خواصِّه المجمَعِ عليها على كلٍّ منها. ويحكى عن الخليل أنه سأل (١) أخرجه بنحوه الفريابي في فضائل القرآن (٧٤) من حديث ربيعة الجُرشي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربيعة مختلف في صحبته كما ذكر الحافظ في التقريب. وأخرجه بنحوه أيضاً ابن الضريس في فضائل القرآن (١٧٤) من طريق الحسن عن النبي وَالز مرسلاً.